← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

تفسير سورة الروم [٨ - ١٧] أمر الله تعالى بالتفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، فهو المستحق لأن يعبد ويطاع، وذكر سبحانه عاقبة الأمم السابقة المكذبة به وبرسله، وكيف كانت نهايتهم وهلاكهم، وذكر عاقبة المؤمنين، وأنهم في الجنة يحبرون ويتنعمون ويتلذذون بما لا يخطر على بال.

стр. 1507

تفسير قوله تعالى: (أولم يتفكروا في أنفسهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ﴾ [الروم:٨]. يأمر الله عباده بالتفكر في ملكوت السماوات والأرض، فيقول: ((أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ)) أي: أولم يتفكر العباد بينهم وبين أنفسهم في خلق السماوات والأرض، وفي ملكوت الله سبحانه، فيعرفون أن هذا الخلق العظيم الذي خلقه الله سبحانه آية للعباد، ليعرفوا قدرة ربهم وقوة ربهم، وأن هذا الكون لا بد وأن يكون له خالق قد خلقه، أولم يتفكروا في ذلك أم أنهم كالأنعام لا يفهمون ولا يعرفون ولا يفكرون؟ قال سبحانه: ((مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)) أي: خلقها حقاً بالحق وبالعدل، وبالقسط بحكمته ، فهو خلقها ليحق الحق بكلماته ، وخلقها لأجل مسمى، وكل شيء عنده بمقدار، وكل شيء بقضاء وقدر، فإذا جاء الأجل انشقت السماء فهي يومئذ واهية، وإذا بالأرض تتفجر بما فيها من أنهار ومن بحار، وبما فيها من جبال، كل ذلك بأمر ربها . كذلك العباد كل عبد مخلوق لأجل معين، له وقت معين يخلق فيه، ووقت معين يموت فيه، ووقت معين يبعث فيه، كل ذلك عند الله بمقدار، ولكن الناس لا يفهمون ذلك، ((وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)) أي: يكفرون بالبعث والنشور، وبالعود إلى الله سبحانه للحساب إما للجنة أو للنار.

стр. 1508

تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩] يعني: هؤلاء الكفار الذين يتنطعون ويتعنتون، ويتطاولون على ربهم، ويكذبون رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام، هلا ساروا في الأرض فنظروا فيها؟ انظروا كيف بدأ الله الخلق؟! وكيف ينشئه؟! وكيف يعيده ؟! وكيف فعل بالسابقين؟! وكيف كان عاقبة الذين من قبلهم ونهايتهم؟! عاقبة الشيء ونهايته هي النتيجة التي من ورائه، انظروا كيف عاقب الله سبحانه قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة قوم مدين، وغيرهم كثيرين ممن خلق الله سبحانه، فمنهم من قص علينا قصصهم، ومنهم من لم يذكرهم لنا، فلو أن الإنسان سار في الأرض فلينظر نظرة اعتبار لا نظرة تفسح وتمشية، بل يعتبرون مما حصل للأقوام السابقين، وما الذي صنعوه، وكيف أنهم علوا في الأرض، ففرعون كان قومه يبجلونه ويرفعون شأنه، ويعبدونه من دون الله سبحانه، والآن إذا ذكرناه قلنا: هذا المجنون الذي كان اسمه فرعون، هذا الإنسان الغبي الذي ظن نفسه إلهاً مع الله ، هذا الذي خدع الناس وقال: أنا ابن الشمس، هذا المغفل الأحمق. فقومه الذين كانوا معه لا يجرؤون أن يقولوا ذلك له، بل كان يستخفهم فيطيعونه، فنقول: كانوا خفاف العقول، كانوا يطيعونه وهم يعرفون أنه كذاب، وأنهم كذابون في عبادتهم له، فلو أن الناس تفكروا واعتبروا بهؤلاء الذين خافوا من فرعون فعبدوه من دون الله سبحانه، كيف انتهى أمر فرعون وقومه، وصاروا عبرة للناس، وهلا اعتبرتم بهؤلاء؟! كيف فعل الله بهم، ففرعون أغرقه الله سبحانه، وهو الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وهو الذي قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وحين أغرقه الله قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]. قال تعالى: ((أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ)) أي: نهاية ونتيجة سوء عملهم، ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [الروم:٩] يعني: كانت أبدانهم قوية، وكانوا طوالاً في قامتهم، وكانوا عراضاً في أبدانهم، وكانوا ذوي عضلات وقوة، وآثارهم تدل على ذلك، انظر إلى الذين بنوا الأهرام يا ترى كيف كانت أجسامهم؟ وكيف كانت قوتهم؟ لعلهم (أوناش) ولعلهم (روافع)، لقد أعطاهم الله قوة بدنية، فرفعوا وبنوا وصارت آثارهم تدل على ما أعطاهم الله سبحانه من قوة ومن علوم، لكن هل انتفعوا بما أعطاهم الله من قوة؟ لا، بل تمردوا وعتوا وعلوا في الأرض واستكبروا، فالله يقول: ((كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الأَرْضَ)) أي: أنهم كانوا يقلبون الأرض بالحرث، فكانوا يزرعون ويبذرون ويحصدون، وكانوا أقوياء يفعلون ذلك. قوله: ﴿وَعَمَرُوهَا﴾ [الروم:٩] أي: أقاموا فيها أعماراً طويلة، فهم عمروا حتى قيل: لن يزولوا، أين ذهب هؤلاء؟ انتهى أمرهم، حين يتكلم عنهم الإنسان يقول: قوم في الماضي السحيق، هل كانوا يظنون أن يصيروا ماضياً يتندر بهم ويتكلم الناس عنهم؟! لقد أقاموا عمراً طويلاً، فظنوا أنهم لن يبيدوا أبداً، أو قوله سبحانه: ((وَأَثَارُوا الأَرْضَ وَعَمَرُوهَا)) أي: عمروها بالسكنى وعمروها بالزراعة والفلاحة، وعمروها بالصناعة، وعمروها بغير ذلك. قوله: ((أكثر مما عمروها)) يعني: الذين من بعدهم، وأعمار العباد تتناقص، ففي عهد نوح عاش نوح ألف سنة إلا خمسين عاماً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في الدعوة، أما الآن فلا أحد يعيش هذا العمر، فأعمار أمة النبي ﷺ قصيرة، من الستين إلى السبعين، والقليل من يجوزون ذلك، لكن السابقون عمروا، كان الواحد يعيش مائتين سنة ويظن أن عمره طويل، ولكن ليس بطويل جداً، الآن لا أحد يعيش هذه المدة، والآن يقولون: المعمر الذي يعيش في البلد الفلاني مائة وخمس عشرة سنة، أو عاش مائة وسبع عشرة سنة فنحن نقول: هذا معمر فكيف به إذا عاش ثلاثمائة سنة أو أربعمائة سنة، يكون ماذا؟ السابقون عاشوا هذه السنين وأكثر. فالله يقول: ((وعمروها)) أي: عمروا الأرض وسكنوا فوقها، وامتدت أعمارهم، لكن مهما طال عمر الإنسان فلا بد في النهاية أن يرجع إلى الله ليحاسبه سبحانه. قال: ((وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ)) أي: بالآيات البينات من عند الله، هذه الآيات التي تبين نفسها وتفصح عن نفسها، أو جاءتهم معجزات من عند رب العالمين سبحانه، وقراءة الجمهور: ((وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ))، وقراءة أبي عمرو (وجاءتهم رسْلهم بالبينات) بسكون السين فيها. قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم:٩] كأن هنا فيه شيء مقدر محذوف، والمعنى: أنهم لما جاءتهم رسلهم بالبينات فكذبوا ولم يعتبروا ولم يتعظوا فأهلكهم الله، ولم يظلمهم الله سبحانه بإهلاكهم، قال: ((فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ)) وقال: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]. والله قد حرم الظلم على نفسه قال: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فمستحيل أن الله يحكم بغير العدل، فحكمه العدل، وقوله الحق سبحانه، ((فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)) أي: ظلموا أنفسهم بشركهم وبعصيانهم وبتمردهم على ربهم سبحانه، وباستكبارهم على رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام، فاستحقوا عقوبة رب العالمين سبحانه التي ذكرها في كتابه.

стр. 1509

تفسير قوله تعالى: (ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون﴾ [الروم:١٠]، قوله: ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ)) على أن هنا (عاقبة) خبر (كان) مقدم، كأنه يقول: كانت العاقبة أو العقوبة لهؤلاء من عند رب العالمين ، فيكون السوء ما يسوء هؤلاء الذين أساءوا، فعلى قراءة ابن عامر وقراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ)) أما باقي القراء: نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب فيقرءون: ((ثم كان عاقبةُ)). فإذاً: هنا على هذه القراءة كانت العاقبة وكانت النتيجة الشيء الذي يسوء الإنسان، والشر الذي يحيق بهذا الكافر نتيجة وعقوبة وعاقبة فعله وصنيعه. وكانت عاقبتهم ما يسوءهم؛ لأنهم كذبوا بآيات الله، ولأنهم فعلوا أسباباً استحقوا بها أن يسيئهم الله سبحانه وأن يجعلهم في النار. يقول الله : ((ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا)) أي: عاقبة المسيئين، وعاقبة المسيئين هي: ((السُّوأَى)) فعلى تأنيث السوء، مثل ما نقول: الحسنى تأنيث الحسن، وقد تأتي بمعنى أفعل التفضيل. قوله: ((أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُون)) يعني: استحقوا ما يسوءهم يوم القيامة من شر في النار. بسبب أنهم كذبوا بآيات الله، وكانوا بهذه الآيات يستهزئون.

стр. 1510

تفسير قوله تعالى: (الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون) قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم:١١]، الله الذي يجب على العباد أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ لأنه الرب الذي بدأ الخلق وهو الذي يعيده سبحانه. فهنا ذكر ألوهيته سبحانه، والألوهية هي أنه سبحانه يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فهو إله، أي: معبود. قوله: ((الله يبدأ الخلق)) بدء الخلق وإعادة الخلق من صفات الربوبية، وهو الرب الذي يفعل ما يريد سبحانه، ويفعل ما لا يقدر غيره أن يفعله، فهو الذي يبدأ الخلق، بدأه وفطره وأبدعه وأوجده على غير مثال سابق، لم يكن هناك خلق قبل هذا، فقد خلق هذا الخلق بهذا الشكل الآن سبحانه. قوله: ((ثم يعيده)) أي: الذي يبدأ قادر على الإعادة، قادر أن يفنيه ثم يعيده مرة ثانية. قوله: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) المرجع إلى الله فقوله: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) هذه قراءة الجمهور على الخطاب، وقراءة أبي عمرو وشعبة عن عاصم: (ثم إليه يرجعون) على الغائب، فترجعون على الخطاب، أي: أنتم (ترجعون) إلى الله، و (يرجعون) على الغائب، أي: يرجعون هم. وقراءة يعقوب ستكون: (ترجعون) و (يرجعون) يقرؤها روح عن يعقوب ويقرؤها رويس عن يعقوب: (ترجعون) و (يرجعون).

стр. 1511

تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم:١٢]، قوله: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)) أي: اذكر هذا اليوم يوم تقوم الساعة يوم القيامة، وهو يوم عظيم ويوم فظيع، والله يذكره في كتابه سبحانه ويؤكد عليه، فتذكر هذا اليوم، وكلما كان ذكر القيامة على بال الإنسان، فإنه يترك معصية الله سبحانه، ويترك الغرور والكبر والتعالي على الخلق، والتعالي على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فهو يتذكر أنه راجع إلى الله، فيعمل لهذا اليوم. قوله: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ)) عندما تقوم الساعة يوم القيامة يقوم الناس من قبورهم، ويحشرون بين يدي ربهم. قوله: ((يبلِسُ الْمُجْرِمُونَ)) أبلس الرجل بمعنى انقطع وتحير ويئس، فهو لم يقدر على النطق وعلى الجواب. كل هذه المعاني في هذه الكلمة (أبلس) يعني: يئس وقنط وانقطع واندهش وتحير، وجلس حزيناً متفكراً ساكتاً مغموماً متحيراً، هذا هو المبلس، فالمجرمون في هذا اليوم يكونون منقطعين متحيرين، وقد كان الواحد منهم في الدنيا يعرف أن يتكلم ويعرف أن يجادل ويجد له أنصاراً، أما يوم القيامة فلا أحد ينصره، وإنما يجلس متحيراً لا يقدر على الاعتراض على شيء، فالله ذكر حال المجرمين يوم القيامة أنهم مبلسون، أي: آيسون قانطون من رحمة الله لا يقدرون أن يدفعوا عن أنفسهم.

стр. 1512

تفسير قوله تعالى: (ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء) قال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم:١٣] قوله: ((وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ)) أي: كانوا في الدنيا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] أي: كنا نعبد هؤلاء من أجل أن يقربونا إلى الله ، فهم كانوا يتقربون إلى الكبراء منهم، فإذا بهم يبرأ بعضهم من بعض يوم القيامة، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [سبأ:٣١] وهم الأتباع، ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [سبأ:٣١] وهم قادتهم وسادتهم ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١] أي: أنتم ضيعتمونا في الدنيا، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢] أي: أنتم الذين كنتم مجرمين، وأنتم كنتم سفلة، وأنتم السبب في هذا الشيء، ونحن لم نطغ إلا لما وقفتم بجوارنا، انظر كيف تبرأ هؤلاء الكبار من الصغار؟! كان صغيراً حقيراً في الدنيا ومجرماً طاغياً، وكان كبيراً عالياً في الدنيا ومجرماً طاغياً، الكبير يقول للصغير: أنت السبب الذي جعلتني كبيراً هكذا بطاعتك لي، والصغير يقول له: أنت السبب الذي أضللتني، والله يقول للجميع: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم:١٣]، وقال سبحانه حاكياً تبرؤ بعضهم من بعض: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] يعني: الكبار كانوا متبوعين في الدنيا، يمشي الواحد منهم وأمامه ووراءه الآخرون، هذا الكبير يوم القيامة يتبرأ من الذين كانوا وراءه في الدنيا: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة:١٦٦] أي: الكبار: ((من الذين اتبعوا)) من الصغار، ثم قال سبحانه: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] أي: أسباب المواصلة في الدنيا لا توجد الآن في الآخرة، أما في الدنيا فهذا سيعطي هذا مالاً أو غير ذلك، لكن يوم القيامة تنعدم أسباب المواصلة فتبرأ بعضهم من بعض، وتقطعت بهم الأسباب، فتجد بعضهم يشتم بعضاً، ويلعن بعضهم بعضاً، ويقول لهم ربهم: ادخلوا النار خالدين فيها. ثم قال هنا: ((وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ)) أي: كفروا بمن عبدوه من دون الله.

стр. 1513

تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون) قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤] أي: يوم القيامة فحين يذكر الله قيام الساعة وما فيها من الرعب والتخويف، وكيف أنه سبحانه أقام الساعة بكلمة (كن)، وأنه جمع الجميع بين يديه سبحانه، فقال هنا: ((وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ)) فهنا لا تفرق إلا بعد اجتماع، يجتمع الجميع في موقف واحد، وبعد ذلك يرون منازلهم إما إلى الجنة وإما إلى النار، يفرقهم الله ذات اليمين وذات اليسار.

стр. 1514

تفسير قوله تعالى: (فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون) قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم:١٥] قوله: ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) ليس الإيمان بالتمني ولكن هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، يعني: لا بد مع الإيمان من العمل. قوله تعالى: ((فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ)) الروضة عند العرب: هي المكان الجميل الذي يستمتع فيه الإنسان، يعني: هي مكان منخفض فيه غدير أو بئر ماء أو عين ماء نابعة تجري، وحول الماء ينبت البقول الذي في الأرض، فكانت العرب تفرح بهذا المكان، هذا الشيء في الدنيا، وكأن الله يقول: أتحب هذا البستان؟ فما عند الله أعظم من هذا بكثير، وإن سميت روضة، فإنما هو من باب المشاكلة فقط، تشبهاً في الاسم فقط، أما في الحقيقة فما عند الله أعظم بكثير من هذا الذي ترونه في الدنيا، مهما ذهبت إلى حديقة في الربيع، ونظرت إلى ما فيها من ورود ومن ثمار ومن أشياء طيبة واستمتعت بها، فهي لا تسوى شيئاً بجوار الجنة، الجنة أعظم منها بكثير. فيقول الله : ((فهم في روضة يحبرون))، قوله: ((يحبرون)) هذه كلمة جميلة جداً، حبر الشيء يعني: زين الشيء، فكأنهم يمتعون في الجنة بكل أنواع الزينة، ومهما تخيلت وتفكرت في الجنة فلن تصل إلى ما عليه هذه الجنة العظيمة، والنبي ﷺ يذكر لنا الجنة ويقول: (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) يعني: ما لا عين رأت من جمال، ومن حور عين، وما فيها من نبت وثمار، وما فيها من طيور، وما فيها من متعة. فإذاً: الإنسان لا يستطيع أن يتخيلها على حقيقتها. قوله: (ولا أذن سمعت) يعني: الإنسان في الدنيا يريد أن يستمتع بالسماع، فتراه يسمع موسيقى، ويسمع أغاني، يريد أن يسمع كذا، وهذا الاستمتاع والاستماع قد حرمه الله على المؤمنين في الدنيا، فلما حرم منها في الدنيا عوضه خيراً منها في الآخرة، فقيل للمؤمن: إن تصبر عن هذه في الدنيا فإنا سنسمعك ما لا أذن سمعت يوم القيامة في جنة الله ، تسمع موسيقى وتسمع أغاني وتسمع أصواتاً عمرك لم تسمعها، لو أن إنساناً يسمعها وهو في الجنة بقوته التي هو عليها في الدنيا لمات طرباً، لن يفرح ويضحك، بل سيموت من شدة الطرب؛ لأنه لا يتحملها الإنسان على ما هو عليه في هذه الدنيا، أما في الجنة فيعطى قوة عظيمة جداً، وأشياء ليست له الآن، لذلك يقول لك ربك: اصبر الآن في الدنيا عن سماع هذه الأشياء التي منعت من سماعها؛ لأنها في الدنيا تلهيك عن ذكر الله ؛ ولأن هذه الأغاني فيها مجون وفيها خلاعة وفيها حب وفيها ضياع الإنسان وابتعاد عن الله سبحانه، ونحن في الجنة سنسمعك ما تطرب به وما تلذ به، ستسمع أصوات الملائكة، وتسمع أصوات الحور العين، وتسمع ما لم تسمعه أبداً، هذا مما يحبر به أهل الجنة، فهم يحبرون ويمتعون ويسرون ويكرمون ويسمعون ما لم يخطر على بالهم من ملاذ تستمتع به آذانهم في الجنة.

стр. 1515

تفسير قوله تعالى: (وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون) قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم:١٦]، هذا القسم الثاني، القسم الأول: المؤمنون في الجنة يستمتعون بكل ما فيها، أما الكفار المكذبون بآيات ربهم، والمكذبون بنعم ربهم سبحانه، والمكذبون بلقاء الآخرة، وبلقاء الله سبحانه، وبالبعث والنشور والقيام من القبور، والمكذبون بالجنة النار؛ فهؤلاء في العذاب محضرون. ليس هم يحضرون ويذهبون بأرجلهم، بل يريدون أن يهربوا لكن لا يستطيعون، قال تعالى: ﴿يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣] أي: يؤخذ أحدهم ويدفع ويلقى في نار جهنم، فهو محضر، ولو يستطيع أن يفر لفر، لكن تأخذه ملائكة العذاب ولا يقدر على الهرب من عذاب رب العالمين سبحانه، فأولئك في العذاب محضرون.

стр. 1516

تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) قال الله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] سبح ربك سبحانه الذي خلق فسوى، والذي خلق الجنة وجعل لها أهلاً، وخلق النار وجعل لها أهلاً، فسبح ربك سبحانه بالمساء والصباح، وهذا أمر من الله سبحانه، والأصل أن قوله: ((فسبحان)) مصدر، والمصدر فيه فعل محذوف ولم يعبر به إلا هكذا، فيكون المعنى: سبح ربك تسبيحاً، فيؤتى بكلمة سبحان، بدلاً من هذه الجملة. فقوله: ((فسبحان)) معناها: سبح الله تسبيحاً عظيماً، حين تمسي بالمساء وحين تصبح بالصباح، وباقي اليوم في كل وقت سبح ربك وصل له، لتصل إلى جنته، نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.

стр. 1517

تفسير سورة الروم [١٧ - ١٩] إن تنزيه الله وتعظيمه واجب على كل مكلف، كيف لا يكون ذلك وآلاؤه مبثوثة في الآفاق والأنفس، وقد أبرز الله لنا في كتابه في عدة مواطن دلائل عظمته وجبروته وقدرته، ومنها: إخراجه الحي من الميت والميت من الحي، فسبحانه أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً وبكرة وعشياً.

стр. 1518

تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨]. في هذه الآيات يأمر الله سبحانه ﵎ عباده بأن يسبحوه ، والتسبيح قد يأتي بمعنى: التقديس والتنزيه لرب العالمين سبحانه، تقول: سبحت الله أي: نزهته سبحانه أن يشبهه أحد من خلقه، فهو منزه مقدس متعالٍ سبحانه، تعالى عن الأشباه والأضداد والأمثال سبحانه ﵎. والتسبيح أيضاً قد يأتي بمعنى الصلاة، ومنه قوله: صلاة السبحة بمعنى: صلاة التطوع وصلاة النافلة، وكأن في الآية إشارة إلى التسبيح الذي هو في الصلاة، حيث إن في الآية إشارة إلى مواقيت الصلوات الخمس في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨]. ولذلك جاء عن ابن عباس ﵄ قال: الصلوات الخمس في القرآن. يعني: أنه قد ورد ذكر الصلوات الخمس في القرآن. فقيل له: أين؟ فقال: في هذه الآية: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ١٨]. فذكر الله الصلوات وأشار إلى التسبيح، أي: سبحوا الله تسبيحاً واجباً في هذه الصلوات الخمس، وكلمة (سبحان) مصدر، والمصدر يغني ويُعبَّر به عن جملة كاملة، فالأصل سبحوا الله تسبيحاً، و (سبحان) تساوي تسبيحاً وهو مصدر يغني عن الجملة، فكأنه قال: سبحوا الله تسبيحاً في هذه الأوقات، وهي الأوقات التي قال عنها: ((حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)). ذكرت الآيتان أربعة مواقيت تدل على الخمس الصلوات، فقوله: (حين تمسون) أي: وقت المساء، ووقت المساء فيه صلاة المغرب وصلاة العشاء. وقوله تعالى: (حين تصبحون) يعني: حين تدخلون في وقت الصباح. وقوله تعالى: (وعشياً) أي: وقت العشي وهذا الوقت يطلق على الوقت الذي هو من بعد الزوال إلى قبل غروب الشمس، وفيه صلاتا الظهر والعصر، ولكنه نص على الظهر هنا فكأنه قصد بالعشي العصر فقط، وبدأ بالليل لأن الليل يبدأ قبل النهار فذكر أولاً صلوات الليل، وإن كان في سورة الإسراء قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨]، فنص على الصلوات هنا فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء:٧٨]، والدلوك: هو الزوال، وهو وقت الصلاة الأولى وهي صلاة الظهر، وتسمى صلاة الظهر: الصلاة الأولى؛ لأنها أول ما صلاها النبي ﷺ ، وذلك أنه بعد قصة الإسراء والمعراج نزل النبي ﷺ فأول ما صلى من الصلوات صلاة الظهر، ولذلك سميت الصلاة الأولى، وإن كانت أول صلاة في اليوم هي صلاة الفجر، ولكن أول صلاة صلاها النبي ﷺ بعد المعراج كانت صلاة الظهر فسميت بالصلاة الأولى. ففي سورة الإسراء قال الله سبحانه آمراً النبي ﷺ : ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:٧٨]. أي: أقم هذه الصلاة التي أمرك الله بها وهي صلاة الظهر، قوله: (إلى غسق الليل) أي: وصل العشاء والمغرب، وكذلك أمر بصلاة الصبح، إذ قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء:٧٨]، كأنه يمدح قرآن الفجر أو يخصه بالفضل، يعني: قرآن صلاة الفجر: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء:٧٨] يعني: صلاة الفجر كانت مشهودة. إذاً: هنا نص ربنا سبحانه ﵎ في هذه الآية على تسبيحه، وهو إشارة إلى التسبيح الواجب في الصلاة، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧] أي: حين تدخلون في المساء في صلاتي المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] أي: حين تدخلون في وقت الصبح.

стр. 1519

تفسير قوله تعالى: (وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:١٨]، هذه جملة معترضة بين الأمر بالتسبيح والصلاة في المساء والصباح وبين الأمر بما في العشي والظهر، فقال: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [الروم:١٨] أي: له الحمد أن أمركم بالصلاة، وله الحمد أن خلقكم سبحانه، ودلكم على دينه، وله الحمد أن دلكم على عبادته؛ لتكونوا من أهل جنته سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الروم:١٨] أي: يحمده أهل السموات، والحمد: هو الثناء الحسن الجميل على الله سبحانه ﵎. وقوله: ﴿وَالأَرْضِ﴾ [الروم:١٨] أي: ويحمده أهل الأرض، بل قد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فكونوا ضمن من يسبحونه، فلو قورن البشر بمخلوقات الله لكانوا شيئاً قليلاً بجوار ما خلق الله في السموات والأرض من حيوان وأجناس كثيرة جداً، فما من حيوان أو طير أو حشرات أو غيرها إلا ويسبح بحمده تعالى، ولذلك قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨] أي: فليس كل الناس كذلك، ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ [الحج:١٨]، وهذه المجموعة التي حقت عليها العذاب، والتي أبت إلا الهوى والبعد عن الله سبحانه ﵎ إذا قورنت بهذا الخلق العظيم الذي يسجد لله سبحانه فكأنها لا شيء، فالله سبحانه ﵎ ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء:٤٤]، ولذلك أخبرنا أنه محمود في السموات، محمود في الأرض. ثم بعد هذه الجملة المعترضة التي دلت على حمده سبحانه، وأنه ينبغي على العبد إذا ذكر الله سبحانه أن يسبحه، وأن يحمده سبحانه ويقول: الحمد لله سبحان الله وخاصة في الصلاة، قال: ﴿وَعَشِيًّا﴾ [الروم:١٨]، أي: في وقت العشي، وهو من الزوال إلى غروب الشمس، ويكون فيه صلاة الظهر وصلاة العصر. وقال: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨] أي: حين تدخلون في الظهيرة وهو وقت دلوك الشمس أو وقت صلاة الظهر.

стр. 1520

تفسير قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) قال سبحانه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩]. إن نعم الله عظيمة، وهذه السورة بدأها الله بالآيات التي يوجد فيها الإعجاز، وكل هذه السورة إعجاز، بل كل القرآن إعجاز، فهناك إعجاز في النبوءة، وهناك إعجاز في الإخبار، وهو أن يحدثنا القرآن عن أشياء قد تغيب عن ذهن الإنسان، وهو ينظر إليها ويعرفها ولكنه لا يتفكر فيها، فإذا تفكر فيها ظهرت له بعض دلائل قدرة الله سبحانه العظيمة التي لم يتفكر العبد فيها، فالله هو القوي القاهر القادر سبحانه، وهو الخلاق العظيم.

стр. 1521

من مظاهر قدرة الله في الخلق قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩]. ما ذكرته الآية يشاهده الإنسان، فالدجاجة عندما تبيض بيضة، فهذه البيضة تراها جماداً أمامك لا حياة فيها إذ إنها لا تتحرك ولا تعمل، فالدجاجة حية خرج منها شيء أنت تراه ميتاً، وإن كان كل شيء أوجد الله فيه حياة من جنس معين، والبيضة قد يكون فيها شيء من الحياة أودعها الله فيها إن كانت جماداً أمامك بحسب ما تنظر إليها، فإذا بالله يحرك شيئاً بداخلها، فإذا لقحت هذه البيضة صار بداخلها فرخاً نما وخرج منها، فرأيته أمامك حياً وقد خرج من شيء كان جماداً، فتتعجب من قدرة الله سبحانه ﵎! أيضاً: شعر الإنسان هو جماد، ولكن فيه حياة معينة كحياة النبات، فينمو الشعر بهذه الحياة النباتية، وإن كنا نحن نقول: إن هذا الشيء جامد لا يتحرك، إذاً: هنا الإنسان حي، والشعر الذي فيه ميت، وإن كانت له حياة من جنس خاص. وكذلك الحال في الإنسان، يلتقي الرجل والمرأة فتصير المرأة حاملاً من مني الرجل الذي دخل فيها، وكان نطفة، والنطفة ماء سائل يستقذره الإنسان، وإذا وضع أمامه في الإناء فينظر إليه أنه سائل شيء ميت ليس فيه حياة، مع أن فيه حياةً من نوع خاص، ففيه حيوانات منوية لا تراها بعينك، وتراها بالمجهر وهي تجري بداخل النطفة، وهذه النطفة التي خرجت من الإنسان إذا وضعت في زجاجة نراها شيئاً ميتاً جماداً، فإذا دخلت في بطن المرأة ينميها الله، وتحتوي النطفة الواحدة على الملايين من الحيوانات المنوية التي لا تراها أنت، وهذه الملايين قضى الله وقدر أن يفلح واحد منها فقط، وهذه الملايين في مساحة ثلاثة سنتيمتر تقريباً، فيفلح حيوان منوي واحد فيلقح بويضة المرأة، وأيضاً كانت البويضة في المرأة جسماً ميتاً، ولكن فيها حياة من نوع خاص، وهي حياة نباتية تنمو شيئاً فشيئاً، فاجتمع المنوي والبويضة فتحولا إلى كتلة لحم في يوم من الأيام وهي مرحلة العلقة، وبعد أيام صارت مضغة، وبعدها تتخلق هذه المضغة، ويرسل الله الملك إليها، فإذا بهذا الملك ينفخ فيها الروح بأمر الله سبحانه، فتظهر فيها حياة بعد مضي أربعة أشهر على المرأة، وإذا بالجنين في بطن أمه تظهر له حركة وينمو حتى يخرجه الله سبحانه، فإن شاء أنزله حياً، وإن شاء أنزله ميتاً، فأخرج الله الحي من الميت وأخرج الميت من الحي سبحانه ﵎. وقد يحصل أن المرأة تموت فيذهبون بها إلى المستشفى، وبداخلها جنين حي، فيشقون بطنها ويخرجون الجنين حياً، وتكون الأم ميتة. وأعجب من ذلك ما حصل في روسيا قبل سنة أو سنتين، وهو أن أماً ماتت موتاً إكلينيكياً -كما يقولون- الأجهزة على جسدها ويتحرك القلب والرئة، وهي كما هي، فشقوا بطنها وأخرجوا الجنين حياً، والمرأة محكوم عليها أنها ميتة، إذا أخذت الأجهزة منها تموت، وإذا تركوا الأجهزة كما هي عليه إذا بالطفل بجوار المرأة يرضع من ثديها على هذه الحالة مدة حتى اطمأنوا أنه سيعيش، فأخذوا الأجهزة والمرأة ميتة، ثم دفنت والطفل حي! فسبحان من قال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩]. وقس على ذلك ما تراه من أشياء أمامك. وكذلك يحيي الله الأرض بعد موتها، فتراها مجدبة قاحلة فينزل المطر من السماء يغيث الله به العباد، ويخرج لهم النبات من الأرض، فإذا بالحياة النباتية خرجت من هذه الأرض الميتة الجرداء. وكذلك البذرة ترميها في الأرض، فتخرج قمحاً حياً حياة نباتية، ويخرج الله هذا النبات الحي من هذه البذرة التي كانت ميتة. والنواة التي تلقيها في الأرض وهي نواة ميتة في نظرك أنت، فإذا بالله يحييها في الأرض وتخرج منها الشجرة والنخلة العظيمة، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، فتنمو الشجرة، ثم يظهر البلح فوقها، فتأخذ البلح وتراه أمامك جماداً ليس فيها حياة، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، فإذا ألقيت النواة في الأرض، إذا بالله يخلق فيها الحياة وتطلع شجرة مرة أخرى، كذلك يقلب الله الليل والنهار، ويريك عظيم آياته أفلا تتدبر وتعقل؟!

стр. 1522

عظمة قدرة الله في إحياء القلوب لقد جاء القرآن هداية وحياة للقلوب الميتة، ولذلك جاء في حديث رواه الزهري بلاغاً: (أنه ﷺ دخل على نسائه، فإذا بامرأة حسنة الهيئة فقال: من هذه؟ فقلن: إحدى خالاتك - خالة من خالات النبي ﷺ فقال: من هي؟ قلن: هي خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث فقال ﷺ : سبحان الذي يخرج الحي من الميت!). وكانت هذه المرأة مؤمنةً صالحةً، وكان أبوها كافراً فاسداً فأخرج الله هذه المؤمنة من ذاك الكافر، فالله على كل شيء قدير. ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الروم:١٩]، يخرج الإنسان التقي من صلب الإنسان الشقي، وكذلك العكس فقد يكون الأب تقياً باراً، ويكون الابن شقياً فاسداً، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، وقس على ذلك كل ما يظهره الله في خلقه؛ ليري عباده من آياته العظيمة سبحانه ﵎، ولله في خلقه شئون.

стр. 1523

من آيات الله نوم البشر وآداب ذلك يعلمنا الله في القرآن ويذكرنا: أن سبحوا الله، وانظروا إلى بديع قدرته، وإلى آيات عظمته، ويذكر لنا من آياته حتى نتفكر في ذلك، ويتدبر ذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ويعلمنا أن الإنسان قبل نومه حي وعند نومه يصير ميتاً بهذا النوم، إذ إن الله يتوفى الأنفس حين موتها، والتي لم تمت يتوفاها في منامها، فالنوم أخو الموت، والنوم هو الموتة الصغرى، ولذلك فإن أهل الجنة لا ينامون في الجنة؛ لأن النوم أخو الموت، فذاك موت أكبر، وهذا موت أصغر، ولهذا جاء عن النبي ﷺ : أنه كان إذا نام ﵊ ذكر الله بأدعية معينة، وإذا قام من نومه ذكر الله بأدعية أخرى، ففي قيامه يقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور)، ففي الإنسان نفسه آية من الآيات، فهو لا يستغني عن هذا الموت أبداً، فمن يستغني عن النوم؟ لا أحد يقدر على ذلك، فينام الإنسان ولا يقدر على الاستغناء عن هذا النوم الذي يحتاجه في كل يوم، فكان النبي ﷺ إذا نام يقول: (اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم، فالق الحب والنوى، منزل التوراة والإنجيل والقرآن) فيذكر الله سبحانه ﵎ بأوصافه العظيمة، وبخلقه العظيم البديع، يقول: (فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عني الدين، وأغنني من الفقر). إن هذا الدعاء العظيم فيه تعظيم الله جل في علاه: (اللهم رب السموات ورب الأرض)، يعني: يا رب! يا خالق! يا رازق! يا مدبر أمر السموات والأرض!، (ورب العرش العظيم)، أي: يا خالق عرشك العظيم! يا مدبر أمره! يا ربنا ورب كل شيء! (فالق الحب والنوى)، فالله يفلق الحبة وقد كانت جامدة فيخرج منها ساقها ويخرج منها جذرها، ويخرج منها نباتها، فهو فالق الحب. (وفالق النوى) أي: فلق النوى فأخرج منها النخلة العظيمة، فكأنه يقول: أنت الذي أحييت هذه الأشياء، ومناسبة ذكرها هنا: أني سأنام وأنت تحييني من هذا النوم، كما تحيي هذه الحبة فتصير سنبلة، وكما تحيي هذه النواة فتصير نخلة. قال: (ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان)، أما المناسبة هنا، فإن الله أنزل التوراة والإنجيل والقرآن، كما أنزل المطر من السماء، يحيي به الله الأرض بعد موتها، وبهذه الكتب السماوية يحيي الله القلوب بعد كفرها وموتها، فالكتب السابقة للقرآن فيها حياة لخلق الله سبحانه حين أنزلها الله سبحانه إلى أن يأتي الله بغيرها، فجاء القرآن آخر كتاب من عند رب العالمين، أنزله سبحانه ليكون هو الشريعة إلى يوم الدين. يقول ﷺ بعد أن سأل الله بهذه الصفات: (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته)، وفي رواية: (من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته)؛ ليعلمنا أن الإنسان ينام ويتعوذ بالله من الشرور، فهو لا يدري ما الذي سيحدث له في الليل، وما الذي يأتي عليه في النهار، فيتعوذ بالله من شر كل ذي شر هو آخذ بناصيته، وكل شيء فإن الله آخذ بناصيته، سواء كان إنساناً، أو حيواناً، أو طيراً، أو دابة، أو هامة، أو ناراً، أو جماداً، أو ماءً، فيتعوذ بالله من كل شيء شيطاناً أو إنساً، أو غيره. ثم قال ﷺ : (أنت الأول فليس قبلك شيء) أي: أن الله هو الأول فلا شيء سابق عليه، فالله قبل كل شيء سبحانه، والله هو الحي بعد فناء كل شيء سبحانه ﵎. (وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر) أي: أن آيات الله ظاهرة، وحججه قوية غالبة، فالله هو الظاهر سبحانه، وهو الذي يدل كل شيء عليه سبحانه ﵎، وكل شيء فيه آية تدل على ربنا سبحانه ﵎ وعلى وجوده، وعلى قدرته، وعلى ما يفعله في خلقه سبحانه من آياته، فهو الظاهر والغالب سبحانه لكل شيء، والقاهر لكل شيء. قال: (فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء) أي: أن الله سبحانه ﵎ يعلم باطن كل شيء، ومهما بطن الشيء ومها اختفى، فإنه لا يخفى على الله سبحانه ﵎، فيعلم الله الظاهر الواضح، ويعلم أيضاً الدقيق الخفي، وأيضاً فإن الله غيب لا يراه أحد إلا إذا شاء في جنة الخلود، فيري عباده الصالحين نفسه ، فنسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يرونه في جنته. وبعد أن سأل الله بذلك قال: (اقض عنا الدين)، فسأله أن يقضي عنه الدين، والإنسان يعلق بدينه ولو مات شهيداً، فلذلك كان الدين من أخطر الأشياء على الإنسان، فإذا نام الإنسان، وعليه دين فلعله لا يقوم من نومه فماذا سيعمل بالدين؟ سيحبس في قبره، ويحبس على النار بسبب هذا الدين، والله يقضيه عمن يشاء سبحانه. قال ﷺ : (وأغنني من الفقر).

стр. 1524

إحياء الله الأرض بعد موتها في هذه الآية أخبر الله سبحانه أنه: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩]، فالله تعالى يذكر لنا هذه الآيات من إخراج الحي من الميت وغير ذلك؛ ليقول لنا بعدها: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩]، فكما ترون هذه الأشياء ماثلة أمام أعينكم، من أن الله يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي، فإذاً: الله على كل شيء قدير سبحانه ﵎، فسيخرجكم من قبوركم للبعث والحساب! ﴿وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩] فهذه البذور التي كانت مدفونة داخل الأرض، وهذا النوى الذي كان مدفوناً داخل الأرض، نزل عليه المطر من السماء فأحيا الله هذا كله، وقد رأيتم ذلك واطلعتم عليه، فأنتم إذا دفنتم بداخل هذه الأرض أفلا يقدر سبحانه على أن يحييكم مرة ثانية كما أحيا هذه الأشياء؟ بلى، فإن الله على كل شيء قدير، ففي ذلك عبرة للإنسان الذي له قلب وعظة لمن يتفكر. ثم ذكر الله آيات عظيمة من آياته في خلق الإنسان من تراب، وفي خلق السموات والأرض، وفي اختلاف ألسنة الناس وألوانهم، وفي منام الإنسان في الليل وفي النهار، وفي ابتغاء الإنسان من فضل الله وتضرعه إليه وطلبه من فضله ومن رحمته، ومن إنزال المطر، ومن أنه يري عباده البرق خوفاً وطمعاً، ومن أنه يقيم السماء والأرض بأمره سبحانه ﵎، وأنه إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون، ففيها آيات عظيمة، وتفصيل هذا الموضوع سيأتي لاحقاً إن شاء الله. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1525

تفسير سورة الروم [١٧ - ٢٠] أخبر الله أن كل شيء يسبح بحمده، وأمر العباد بالتسبيح والتمجيد له في كل وقت وحين، ويذكرهم الله سبحانه بمعجزاته التي أودعها في خلقه، وبيّن خلق الإنسان وحقارة شأنه، ولكن الله كرمه، فليشكر ربه على نعمه وآلائه.

стр. 1526

تفسير قوله تعالى: (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:١٧ - ٢١]. لما أمر الله عباده بتسبيحه سبحانه حين يمسون وحين يصبحون، وبالعشي وحين يظهرون، فيها إشارة إلى الصلوات الخمس كما قدمنا في الحديث السابق، وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [الروم:١٧]، أي: فسبحوا الله تسبيحاً وسبحانه، ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ [الروم:١٧] أي: وقت المساء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧] أي: وقت الصباح. فالتسبيح المقصود: أن العباد يسبحونه ويقدسونه سبحانه، ويذكرونه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وسبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى، تقديساً لله وتنزيهاً له من أن يشبهه شيء من خلقه ، فقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، والمساء: هو الليل، وصلوات الليل: المغرب والعشاء، ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم:١٧]، صلاة الصبح، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:١٨]، هذه جملة معترضة، ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨] أي: سبحوه في وقت العشي في صلاة الظهر والعصر. ونص على الظهر فقال: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم:١٨]، فهو إشارة إلى الصلوات الخمس، وبعمومه أمر بتسبيح الله في كل وقت، فالمسلم يكثر من قوله: سبحان الله، يسبح الله بهذه الكلمة العظيمة، والمؤمن عندما يقول: سبحان الله يؤجر عليها، وهذه من الباقيات الصالحات والمعقبات التي لا يخيب قائلهن كما جاء عن النبي ﷺ : (لا يخيب قائلهن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)، فالإنسان الذي يقول ذلك يفلح عند الله ولا يخيب أبداً، فقد جاء في الحديث أن: (غراس الجنة سبحان الله، والحمد لله)، غراس الجنة يعني: تغرس غرساً في الجنة بأنك تقول: سبحان الله، والغرس في الدنيا هو غرس شجرة في الأرض أو نخلة في الأرض، فتغرس لنفسك في الجنة غراساً وأشجاراً ونخيلاً، وذلك بأن تقول: سبحان الله وتكرر هذه الكلمة، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم، فتستحق موضعاً في الجنة وغرساً في الجنة بذلك. وإذا أصبحت فقلت: سبحان الله وبحمده، مائة مرة أفضل لك عند الله سبحانه من أن تحمل على مائة فرس في سبيل الله ، ومن قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر. والأحاديث كثيرة في فضل التسبيح والمسبح لربه ، فقد قال ﷺ : (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض). لذلك فإن المؤمن لا يستقل قوله: سبحان الله، بل ينظر إلى معناها وإلى الثواب الذي من ورائها. واعترض بقوله سبحانه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:١٨] أي: هو الذي يحمده أهل السموات ويحمده أهل الأرضين، وهو المستحق لذلك سبحانه.

стр. 1527

تفسير قوله تعالى: (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) قال الله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩]، فالله يخرج الشيء الحي الذي فيه حياة من الميت، وكل شيء خلقه الله فيه شيء من الحياة التي أودعها الله ، ويتحرك الشيء حتى ولو حركة في داخله، في ذراته أو في نواته أو في الشحنة الكهربية التي فيه، ولكن المقصود هنا بالحي الذي فيه حياة تراها أنت وتحس بها. يخرج هذا الحي من الميت: ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]، كإخراج البيضة من الدجاجة، والفرخة من البيضة، ويخرج الإنسان من مني يمنى ومن بويضة، كان هذا وذاك جامداً فإذا بالله يبعث فيها الحياة، وكذلك النواة يخرج منها النخلة، والنخلة يخرج منها الثمرة، والثمرة يخرج منها هذه النواة، وهكذا. قال تعالى: ﴿وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩]، هذا كله مشاهد. ثم قال: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم:١٩]، يقول أهل الأصول: هذه الآية دليل من أدلة القياس، والأدلة عند الأصوليين هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والاستصحاب للبراءة الأصلية، والاستحسان، وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من الأدلة الأصولية، فالله قال هنا: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم:١٩]. فأنتم ترون قدرة الله سبحانه في أن أخرج شيئاً حياً من شيء كان ميتاً، وأخرج شيئاً ميتاً من شيء كان حياً هذا الذي نراه أصل نراه أمامنا، والقياس هو إلحاق فرع بأصل في حكمه يعني: نعطي للفرع حكم الأصل، للجامع الذي بين الاثنين، فنقول: الله حرم على العباد الخمر؛ لعلة موجودة فيه وهي الإسكار، فكل ما كان مسكراً ففيه هذه العلة، فيأخذ حكم الأصل وهو التحريم في حكم الخمر، هذا قياس، إلحاق فرع بأصل في حكمه لجامع بينهما. فهنا الأصل ما تراه أمامك من بديع خلق الله ، ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:١٩]، فهذه أشياء رأيتها أنت ودلت على كمال قدرته وعظمته سبحانه. كذلك مثل الذي تراه أنت يخرجك الله يوم القيامة، فأنت حي الآن ثم تصير ميتاً بعد ذلك، فكما أن هذه النخلة حية، وخرج منها تمرة، وخرج من التمرة نواة ميتة، فوضعت النواة في الأرض فأحياها الله مرة ثانية، كذلك أنت حي تصير ميتاً بداخل الأرض، ثم يخرجك الله مرة ثانية، فإذا أنكر الإنسان البعث قل له: قس نفسك على هذا الشيء الذي يخرجه الله أمامك وأنت مستيقن به أنه أخرج الحي من الميت وأخرج الميت من الحي. فهذا دليل من الأدلة عند الأصوليين يسمى بالقياس. من أدلة القياس في كتاب الله قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]، والمعنى: انظروا إلى الأمم السابقة ما الذي صنعوه؟ وماذا كانت النتيجة وحكم الله في هؤلاء؟ وانظروا إلى أنفسكم ما الذي تصنعون؟ فإذا كانت العلة في إهلاك هؤلاء موجودة فيكم فالحكم واحد، كما أهلكهم يهلككم أنتم أيضاً، فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر:٢] أي: قيسوا أنفسكم على هؤلاء السابقين، إذا فعلتم فعلهم استحققتم عقوبة هؤلاء، فهذا من أدلة القياس في كتاب الله . ومن أدلة القياس في سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه ما جاء عنه حين سأله عمر ﵁ وقال: هل أقبل وأنا صائم؟ هذا سؤال عمر، يقول للنبي ﷺ هل أفطر بهذا الشيء، أي إن قبلت امرأتي وأنا صائم؟ فالنبي ﷺ قال له: (أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟)، فهنا يكون القياس، والحكم فيما لو أنك تمضمضت أثناء الصيام لا شيء في ذلك، فقال: لا شيء، فقال: (فمه). إن المضمضة مقدمة لبلع الماء ولشربه، ولكن ليس في التقبيل بلع ولا شرب، فالصوم على ذلك صحيح، كما أن الإنسان لو تمضمض وهو صائم فصومه صحيح ما لم يبلع الماء أو يشربه، فالقبلة مثل المضمضة، والنبي ﷺ أراه هذا القياس، هذا هو معنى القياس وهو: إلحاق فرع بأصل في الحكم لجامع العلة بينهما.

стр. 1528

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب) قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، آية من آيات الله العظيمة لمن يتفكر فيها، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، فالعلماء هم الذين يخشون الله . وكلما ورث العلم زادت الخشية في القلب من الله ، وصار صاحبه مستحقاً لرحمة رب العالمين ، فهنا يذكر لنا هذه الآيات: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم:٢١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٢٣]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم:٢٤]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ﴾ [الروم:٢٥]، آيات بعد آيات ليتدبر الإنسان في آيات الله ، وآيات الله عظيمة وكثيرة. ومن ضمن آيات الله العظيمة، ومن ضمن هذه المعجزات التي نراها: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠] أي: بدأ خلق الإنسان من تراب، ثم جعله نطفة ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٣]، ثم خلق هذه النطفة علقة، ثم خلقها مضغة، ثم جعل المضغة عظاماً وكسا العظام لحماً، ثم أنشأ الإنسان خلقاً آخر كما ذكر سبحانه في سورة المؤمنون، وفي سورة الحج التفصيل في ذلك. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم:٢٠]، وخلق الإنسان ليس من تراب فقط، ولكن من تراب ومن ماء، أي: من طين، هذا أصل الإنسان، والعلماء الذين ينظرون في ذلك يقولون: إن كل عناصر الإنسان موجودة في هذا التراب الذي يمشي فوقه، فالله يخبرك أنه خلقك من هذا التراب الذي تسير عليه، هذا التراب الذي يحتقره الإنسان، والذي لو سقط على ثوب الإنسان بسرعة ينفض التراب ويغسل الثوب، فهو يستقذر ثوبه بهذا التراب، وهو مخلوق من هذا التراب، ويمشي فوق الأرض ويطأ على الأرض برجله وهو يحتقر هذا الذي يسير عليه، وهو أصلاً خلق منه، إن العلماء حللوا جسم الإنسان فوجدوا عناصر التراب الذي في الأرض أكثر من عناصر الإنسان، ووجدوا أن جسم الإنسان يحتوي على مجموعة من العناصر موجودة كلها في التراب، والتراب فيه عناصر أكثر منه. فالتراب فيه حوالى مائة عنصر من العناصر، والإنسان فيه اثنان وعشرون عنصراً من هذه العناصر الموجودة في التراب، فحين يموت الإنسان يصير تراباً في الأرض من ضمن التراب الموجود في الأرض، وقالوا: إن في جسم الإنسان الأكسجين، وفيه الهيدروجين على شكل ماء، وخمسة وستون في المائة من جسم الإنسان ماء. ويقول العلماء: في جسم الإنسان عناصر مثل الكربون، ومثل الهيدروجين والأكسجين، وتشكل في الإنسان ما يسمى بالمركبات العضوية من سكريات، ودهون، وبروتينات، وفيتامينات، وهرمونات، وخمائر، كلها مواد موجودة من الكربون والأكسجين والهيدروجين الذي في الإنسان، وهي مواد جافة خلقها الله فيه. يقول العلماء: هذه المواد تقسم ثلاثة أقسام: القسم الأول: مواد الكلور، والكبريت، والفسفور، والبوتاسيوم، والصوديوم تشكل ستين إلى ثمانين في المائة من المواد الجافة الموجودة داخل الإنسان. القسم الثاني: مواد بنسبة وهي الحديد، والنحاس، واليود، والمغنسيوم، والمنجنيز، والكوبالت، والتوتيا، والملفيديم. القسم الثالث: عناصر آخر أقل من ذلك بشكل فقير جداً في الإنسان وبشكل زهيد، والله ركب كل شيء في الإنسان بحكمة، ولو زاد هذا الشيء لحصل للإنسان تسمم، فأقل هذه العناصر وجوداً في الإنسان الفلور، الألمنيوم، القورن، السلنيوم، الكنديون، الكروم. وتركيب الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢] أي: من خلاصة من هذا الطين، إذاً: ليس خلقه من كل التراب، ولكن من بعض عناصر التراب، ومع ذلك كرمه الله فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]. ولذلك الشيطان احتقر آدم، وأبى أن يسجد له؛ لأنه مخلوق من تراب فقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]. فلو أن الإنسان عومل هذه المعاملة على أنه عبارة عن منجم من المناجم التي فيها هذه العناصر، فإنه لا يساوي شيئاً، وقال العلماء: إن النبي ﷺ أخبر عن الإنسان فقال: (إن الله خلق آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض)، إذاً: آدم قبضة مقبوضة من جميع الأرض، فجاء منها آدم، وجاء من آدم أولاده على حسب هذه الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب. والأرض فيها أرض بيضاء، وأرض حمراء، وأرض سوداء، وأرض طيبة، وأرض خبيثة، وأرض سهلة، وأرض جبال صعبة، والإنسان جاءت خلقته على ما هو موجود في الأرض. وقالوا: إنه بتحليل جسم الإنسان عرفنا أنه تكون من مركبات، من ضمنها هذه المعادن التي في الإنسان، مثل: الفسفور والكبريت والمغنسيوم والكالسيوم والبوتاسيوم وغيرها، وقال العلماء: لو أخذت المعادن التي في جسم الإنسان وقمت بتركيبها لخرجت بالمكونات التالية: علبة طباشير، وعلبة كبريت، ومسمار صغير، وحفنة من الملح، ومواد أخرى لا قيمة لها، هذا هو أصل خلق الإنسان! ولذلك النبي ﷺ نبه أصحابه إلى ذلك، وبصق في يده الشريفة ﷺ وأخبر أن الإنسان خلق من مثل هذا البصاق، ثم يتعالى على الله ، ويأبى أن يعبد الله !! يقول العلماء: إن الثوب الذي يلبسه الإنسان أغلى من العناصر الموجودة فيه والتي تكون منها، والساعة التي يلبسها في يده أغلى من العناصر الموجودة فيه، ولكن الذي كرمه وجعل له القدر والقيمة هو الله ، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، إذاً: التكريم في أصله لا يستحقه، ولكن الله بفضله وبكرمه سبحانه رفعه، وكرمه، وأسجد له الملائكة، وجعل في الإنسان ما يعود إلى ربه من فضل الله سبحانه، وخلق الإنسان من طين، وخلق الشيطان من نار، ولو خلق الإنسان من نار لنفر كالشيطان، فآدم لما أخطأ رجع إلى أصله، رجع إلى الطين الذي فيه التؤدة، والذي فيه احتقار النفس، والذي فيه التواضع والركون إلى ربه . والشيطان لما تغيظ رجع إلى أصله، إلى النار، وإلى النفور والرفض فقال لله : ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، رجع الشيطان إلى أصله، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، وآدم رجع إلى أصله، وهو الطين لما عصى الله ، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فرجع إلى أصله الطين، حيث احتقر نفسه فتواضع لله فاستحق أن يغفر الله له، وأن يعيده إلى الجنة مرة ثانية، فكان أن خلق الله الإنسان من طين فضلاً ومنة منه سبحانه على العبد، فيستشعر الإنسان في نفسه بأنه عبد لله وأنه حقير، وأن الله الخالق الجليل الكبير العظيم الذي يستحق العبادة، فيعبد ربه ويتوب إليه . وهنا في الآية يقول الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، وفي الآية الأخرى يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦]، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1529

تفسير سورة الروم [٢٠ - ٢٢] أنى التفت الإنسان إلى الوجود وجد أمام عينيه آية شاهدة على عظمة خالق هذا الوجود، ولما كان القرآن هو خطاب الله للناس جميعاً، فقد حث الله فيه عباده أن يتأملوا في الكون ليدركوا عظمة الخالق سبحانه، فقد خلق الإنسان من التراب، ونشره في الأرض، وخلق له الزوجة لتكون سكناً له، وملأ قلوب الزوجين مودة ورحمة، وخلق السماوات والأرض، وجعل ألسنة الناس وألوانهم مختلفة، وهذه آيات للعالمين شاهدة على واحدانية الله تعالى واستحقاقه للعبادة.

стр. 1530

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلقكم من تراب) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٠ - ٢٢]. إن آيات الله في الكون كثيرة عظيمة جليلة، يرينا بعضها في كتابه سبحانه ﵎، ولم يذكر لنا كل الآيات التي في الكون، فإنها من الكثرة لا تحصى، كما أنك لو تتبعت آيات الله لوجدت له في كل شيء آية تدل عليه، ففي خلق الإنسان آية، بل في كل عضو من أعضائه آية، وفي كل جارحة من جوارحه آية من آيات الله سبحانه ﵎، كما أن خلقه لكل المخلوقات التي لا يحصيها الإنسان آية من آيات رب العالمين سبحانه. وفي الآيات السابقة يذكر لنا بعض هذه الآيات الكثيرة، و (من) في فواتح الآيات تبعيضية، أي: سيذكر البعض من آيات الله ليدلنا على غيرها، ولعل الإنسان يتفكر ويعتبر بهذه الآيات. فذكر في هذه السورة آيات متتالية بدأها بقوله: (ومن آياته) (ومن آياته) (ومن آياته). فكررها ست مرات ليستبين العبد قدر ربه وعظمته. قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]، أول آية من آيات رب العالمين سبحانه ذكرنا بها هي أن الإنسان كان تراباً جامداً لا حياة فيه، فإذا به يصير إنساناً حياً عاقلاً، يملأ الأرض حركة وإعماراً وعملاً، فمن آيات الله أن خلق هذا الإنسان من هذا التراب الذي يمشي عليه، وجعله متحركاً خلاف أصله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠] أي: يبثكم الله سبحانه ويذرؤكم في أرجاء هذه المعمورة، فأنتم تنتشرون على الأرض بالتناسل، فالله سبحانه ﵎ هو الذي يخلق من الإنسان إنساناً، فيخلق الأولاد والأحفاد إلى أن يأتي على الناس يوم المعاد.

стр. 1531

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]. من آيات الله سبحانه ﵎ العظيمة، أن خلق للإنسان من نفسه زوجة، فقد كان أول من خلق الله من الناس آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وجعل له من نفسه أي: من داخله ومن ضلعه حواء؛ ليأنس بها آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلم يجعل لآدم زوجة من غيره مثلاً، كأن تكون من جنس من أجناس الحيوان أو من الجان أو من غير ذلك من المخلوقات، ولكن جعل له زوجة من نفسه ليألفها وتألفه، فهي مخلوقة من آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولذلك لما كان آدم في الجنة وأراد الله سبحانه ﵎ أن يخلق له زوجة، كأنه أنامه فلم يشعر آدم إلا وبجواره إنسان، فسئل: من هذه؟! فقيل له: هذه حواء، فأنس بها وأنس لها ﵊، وكان من بديع خلق الله سبحانه ﵎ أن جعل الرجل يسكن إلى الأنثى، وجعل الأنثى كذلك تسكن إلى الرجل، بل جعل الله سبحانه ﵎ الذكر لباساً للأنثى، كما جعل الأنثى لباساً للرجل فقال سبحانه: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة:١٨٧] أي: كل منهما ستر للآخر وغطاء له، فيركن الرجل إلى امرأته، ويسكن إليها، ويألفها، ويحبها، ويكون بينه وبينها المودة والرحمة، وكذلك المرأة، فكان من آيات رب العالمين سبحانه ﵎، أن جعلها زوجة له بشرعه سبحانه ﵎، فإنها إذا لم تكن زوجة له لا يأنس إليها، بل يكون بينهما نفور؛ لأنهما اجتمعا على معصية الله سبحانه ﵎، فالنكاح شريعة من رب العالمين سبحانه، حيث جعل للعبد أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع، كما جعل له أن يأنس بهذه الزوجة التي خلقها الله له. والإنسان في طاعة الله يجد الدعة والراحة والطمأنينة كما يجد فيها الأمن والأمان، أما في معصية الله سبحانه يجد النفور، ويجد القلق والاضطراب وعدم السكن، إذ لا يمكن أن تكون المرأة الخدينة للرجل سكناً له، إنما يأتي السكن بشرع رب العالمين سبحانه. وذكر الخلق ثم الزواج في قوله تعالى: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [الروم:٢١] يشعر أن الله خلق المرأة ثم شرع لكم أن تتزوجوا النساء، ولم يجعل الزواج بين الجنس ومثله، كأن يكون بين الذكر والذكر، أو بين الأنثى والأنثى؛ ولكن جعل الله السكن للإنسان الذكر مع الأنثى بالعقد الشرعي الذي شرعه الله سبحانه، وهو النكاح الذي ذكره النبي ﷺ ، وأخبرنا عنه في وصيته بالنساء فقال: (فإنكم أخذتموهن بكلمة الله واستحللتم فروجهن بأمانة الله).

стр. 1532

معنى قوله تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة) ثم ذكر سبحانه ما امتن به على عباده من جعل المودة والرحمة بين الزوجين فقال: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] أي: مودة بين الرجل وبين المرأة، وكذلك مودة بين الأسرتين: أسرة الرجل وأسرة المرأة، وجعل بينكم كذلك الرحمة، فأنتم تتراحمون بسبب هذه العلاقة الزوجية، وشرع في ذلك الزواج العشرة، إذ من وراء شهوة الإنسان يكون الولد فتزداد المودة وتزداد الرحمة بين الرجل وبين امرأته، وبين أسرتيهما، فالسكن والطمأنينة التي يعيش فيها الإنسان آية من آيات الله سبحانه، إذ يصاحب الإنسان القلق فترة بقائه بلا زواج حتى يتزوج، فإذا تزوج سكن، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (إذا تزوج العبد فقد استكمل شطر الدين، فليتق الله في الشطر الباقي) أو (فقد استكمل نصف الدين، فليتق الله في النصف الباقي)، وفيه أن الزواج يوصل الإنسان إلى نصف الدين، وكأن النبي يخاطب من تزوج فيقول: معك نصف الدين بهذا الزواج، فاتق الله في النصف الآخر، وعندما يتزوج الرجل يجد من تطيعه حين يأمرها بطاعة الله، وتنصحه بطاعة الله أيضاً فيطيع، وبذلك يعين الزواج على طاعة الله سبحانه ﵎، ويسكن ثورة نفس الإنسان وغليان شهوته؛ لأنه يجد من يأتيها في الحلال، ويفعل معها شهوته بما أحل الله له، فيخمد في الإنسان نار الشهوة، فلا ينظر إلى ما حرم الله سبحانه ﵎، وينتهي وينزجر عن معاصي الله سبحانه، فلا يقع في الزنا، ولا يقع في النظر المحرم، وإنما يستكمل العبد نصف دين الله سبحانه ﵎ بالزواج؛ لأنه يبتعد عن الحرام بها، ويستغني بما أعطاه الله وما وهبه ممن يعينه على طاعة الله سبحانه، كما أن الإنسان حين يسكن يتفكر في خلق الله ويفكر في أمره وفي مستقبله وفي حياته وفي مماته، بل حين يهدأ يصبح إنساناً آخر غير الذي كان عليه قبل أن يتزوج. ومما ينبت المودة والرحمة في قلب الإنسان الولد، فإنه حين يتزوج ويرزق الولد يحدث في قلبه نوع من أنواع الرحمة والشفقة لم تكن موجودة قبل ذلك، فإذا به يكون رءوفاً، رحيماً، ودوداً مع الناس، إذ حين يصبح عنده الولد وعرف كيف يربيه فسيعرف كيف يربي أولاد غيره، وينظر إليهم بنظرة الشفقة التي ينظر بها إلى أولاده. وقد جعل الله سبحانه ﵎ من وراء النكاح قضاء وطر الإنسان وشهوته، وتسكين الإنسان وإبعاده عن النفور والمعصية لله سبحانه ﵎، كما أن وجود الولد يصير في قلب الإنسان الرحمة والعطف بسببه، ولما جعل الله النكاح سكناً للإنسان ومودة ورحمة، حذر من تضييع ذلك، فنهى عن الزنا، قال سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، كما حرم على العباد أن يأتي الذكر الذكر أو الأنثى الأنثى، وجعل الحدود في ذلك حتى يستقيم الإنسان على طاعة رب العالمين سبحانه، وأنكر لوط ﵊ على قومه فقال: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٦] أي: لقد تعديتم طاعة الله سبحانه والحلال الذي أحله الله ووقعتم في معصية الله بالوقوع فيما أنتم فيه، وقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ﴾ [الشعراء:١٦٦] يبين أن الله خلق المرأة للرجل والرجل للمرأة، وليس الرجل للرجل ولا المرأة للمرأة.

стр. 1533

طاعة المرأة لزوجها سبب لبقاء المودة ولكي تدوم المودة بين الزوجين وتستمر العشرة، فقد حدد لها قائداً، وأوجب له الطاعة، ورتب على طاعته الأجر الكبير، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وأحسنت تبعلها لزوجها؛ قيل لها: ادخلي الجنة من أي أبواب الجنة شئتِ)، فرتب دخول المرأة الجنة بطاعتها لربها، وبطاعتها لنبيها ﷺ ، وبطاعتها لزوجها في غير معصية، كما حذرها النبي ﷺ عن أن تبتعد عن زوجها، أو تنفر منه أو تعصيه إذا أراد قضاء شهوته منها، فقد جاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده! ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشه فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها)، فبين أن الله يغضب لغضب الزوج على زوجته إذا دعاها إلى فراشه فأبت عليه ذلك؛ وذلك لأن الرجل إذا لم يجد السكن في بيته فقد يخرج إلى خارج بيته فينظر إلى ما حرم الله، فيضيع نفسه ويهلك، ويكون السبب في هلاكه هو امرأته، فاستحقت الغضب من الله على ذلك، وليس ذلك فحسب، بل الملائكة تلعن من هجرت فراش زوجها، قال النبي ﷺ : (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح)، فإذا غاضبت المرأة زوجها وتركت الفراش وانصرفت عنه فإن الملائكة تلعنها حتى تصبح أو ترجع وتصالح زوجها. فليس من البساطة أن تهجر المرأة زوجها، والرجل يهجر بيته، ولكن الأمر أكبر من ذلك، إن الله جعل بينكم مودة ورحمة، وأمركم أن تحافظوا على مودتكم، وعلى الرحمة التي جعلها بينكم. وفي قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم:٢١] أن الله جعلها سكناً للإنسان، وأباح له أن يأتيها ويجامعها في الوقت الذي أحله سبحانه وليس في الوقت الذي حرمه الله، فإذا كانت المرأة حائضاً أو نفساء، لم يحل للرجل أن يجامعها؛ لأنه إن فعل كان ذلك سبباً للنفور بينهما، وللأذى الذي يجعله الله بسبب ذلك، قال سبحانه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٢٢]، فأمر الإنسان أن يعتزل امرأته ويجتنب جماعها إذا حاضت، ولم يأمره أن يجتنب فراشها، وكان اليهود يجتنبون المرأة في وقت الحيض، فلا يساكنونها في بيت واحد، بل يهجرون البيت كله، ولا يؤاكلونها، بل لا يتركونها تصنع لهم الطعام، ولما أنزل الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢]، حدد اعتزال النساء وجعله في المحيض أي: في موضع الحيض وموضع الجماع، وفي قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢]، جعل أجل تلك العزلة طهارة المرأة، فإذا طهرت المرأة من المحيض، فلا يأتيها الإنسان حتى تغتسل لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة:٢٢٢] أي: إذا اغتسلت المرأة جاز له أن يأتيها. وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] إرشاد بأن الإنسان الذي يتفكر هو من يعقل هذه الآية من آيات الله سبحانه، وهو الذي يدرك أن سبب خلق الله الأنثى للذكر هو حاجة الذكر لذلك، وحاجة الأنثى لذلك، وحاجة المجتمع والأرض لذلك؛ إذ لابد من الزواج حتى يتناسل الخلق ويعمروا هذه الأرض ويعبدوا الله سبحانه ﵎، كما أنه إن لم يكن الزواج، كأن لا توجد أنثى للذكر فسيكون الخلق جيلاً واحداً ثم يفنى هذا الجيل ويموت، ولن يكون هناك أجيال بعد ذلك، ولكن الله جعل ذلك لتواصل الأجيال، ووجود النسل الذين يعبدون الله سبحانه ﵎.

стр. 1534

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) يذكر الله سبحانه آية أخرى من آياته الدالة على عظمته فيقول سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]. ذكر الله سبحانه آيات عظيمة في هذه الآية، فذكر خلق السموات وما فيها من مجرات عظيمة، والإنسان عندما يتأمل في خلق الله سبحانه ويرى هذه الأرض الدائرة في المجموعة الشمسية، ويرى اتساع الكواكب التي حول هذه الشمس؛ يدرك صغر حجمها بجوار المجرة التي نحن فيها، إذ إنها تشبه ذرة في فلاة عظيمة، فهذه المجموعة الشمسية التي تتكون من الأرض والشمس والقمر وما بجوارها من كواكب تدور حول الشمس وما الأرض إلا شيء يسير بجوار هذه المجرة التي فيها مليارات الكواكب والشموس والأقمار، بل إن هذه المجرة بجوار باقي المجرات تشكل محيطاً بسيطاً، وقد عجز العلماء أن يحصوا عدد المجرات التي في الكون، فإذا كانت مجرة واحدة لم يستطيعوا أن يستوعبوا كم من الكواكب والنجوم فيها، فكم مجرة مثل هذه المجرة التي نحن عليها؟! -وتسمى المجرة التي نعيش فيها: بمجرة درب التبانة- ولو سألتهم عن عدد هذه المجرات؟ لأجابوك: مليارات المجرات، فيا ترى كم هو كبر هذا الكون الذي نحن فيه؟ فإذا نظرنا إلى ذلك وتفكرنا فيه عرفنا أن هذا الكون كبير جداً، فكيف يكون الذي خلق هذا الكون؟! فسبحان الله العظيم الكبير الجليل، ولذا كانت قاعدة التعرف على الله سبحانه ﵎: هي النظر في هذا الكون الفسيح. قوله تعالى: ﴿خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٢] أي: خلق السموات وخلق الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢] الآية تدل على بديع صنع الرحمن فكم على الأرض من أجناس البشر؟! وكم نوع من أنواع البشر؟! وكم لسان يتكلم هؤلاء البشر؟! أنواع كثيرة جداً وألسنة كثيرة، الكل يدعون الله ويقولون: يا ألله! والله يسمع هذا، ويسمع هذا، ويسمع هذا، ويعلم كل هذه الألسنة كيف تناديه سبحانه، ويعلم ما يقولون، وما يفعلون، فالله يعلم كل شيء سبحانه ﵎. وإذا عرفنا إنساناً يعرف لغةً وإنساناً آخر يعرف لغتين، أو يعرف ثلاث لغات، أو يعرف ست لغات، فسنعظم الثاني دون الأول، ونثني على سعة علمه؛ لأنه يتكلم ست لغات، ولله المثل الأعلى، فنستدل بالمخلوق على عظيم قدر الخالق العظيم، قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١]، فهو الذي خلق كل شيء، وعلم كل شيء، قال جل في علاه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، سبحانه ﵎. وفي قوله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]، قراءتان: قراءة حفص عن عاصم: (إن في ذلك لآيات للعالِمين) أي: العلماء. وقراءة باقي القراء: (إن في ذلك لآيات للعالَمين) أي: لكل العالم، ولكل خلق الله ، وعلى القراءة الأولى فإن المنتفع بهذه الآيات هم العلماء، ولذا قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. يذكر الشيخ وحيد الدين خان في كتابه: (الإسلام يتحدى) قصة عجيبة من القصص التي يرويها عن رجل آخر من علماء الفيزياء اسمه: عناية الله المشرقي، وهو رجل هندي، كان من علماء الفيزياء الأفذاذ، الذين استحقوا أن يأخذوا جائزة نوبل في يوم من الأيام ورفضها ولم يقبلها، فقالوا له: ترجم كتبك التي باللغة الأردية إلى اللغة الإنجليزية، حتى تأخذ جائزة نوبل، فقال لهم: إما أن تقبلوها باللغة الأردية، وإلا فلا؛ لأنكم إذا لم تعترفوا باللغة الأردية لا أريد جائزتكم. وذكر هذا الرجل قصة من القصص فيقول: في يوم من الأيام في عام ١٩٠٩م -أي: قبل مائة سنة خلت- كان في انجلترا وهو يمشي في الطريق قابل أستاذه في الفيزياء البروفسور جيمس، يقول: وجدته في الطريق يمشي وبرد الشتاء الشديد فوق رأسه، ومظلته تحت إبطه، ويمشي وهو غارق في التفكير، فوصل إليه وسلم عليه ولم يكن منتبهاً له، فقال له: ماذا تريد؟ من غير أن يرد عليه التحية، فقال له: أريد شيئين: إلى أين ستذهب؟ قال: سأذهب إلى الكنيسة؟! فقال له: أنا أعجب منك، السماء تمطر على رأسك، والمظلة تحت إبطك! فانتبه الرجل فرفع المظلة فوق رأسه، وقال له: هل تريد شيئاً آخر؟! فقال له: أنت عالم من العلماء فلماذا تذهب إلى الكنيسة؟! فقال له: حسناً، تعال نشرب الشاي في بيتي في العصر، وذهب إليه في بيته في وقت العصر، ووجده منتظراً له فجلس، قال عناية الله: فقبل أن أبدأ في الكلام أعطاني محاضرة طويلة في علم الفلك، وفي هذا الخلق العظيم الذي يدل على وجود الخالق. يقول الرجل: هو يتكلم عن خلق هذا الكون العظيم، وبدأ يرتعش وشعره يقف، ودموعه تنهمر، وهو يقول: مدة خمسين عاماً وأنا أدرس وصلت لهذا الشيء، إن هذا الكون له خالق عظيم، أفتتعجب لماذا أذهب إلى الكنيسة؟! أذهب الكنيسة لكي أعبد الخالق الذي خلق هذا الكون، وعناية الله المشرقي رجل مسلم، فقال له بعدما أخذ منه هذه المحاضرة الطويلة: لقد ذكرتني بآية عندنا في القرآن إذا أحببت قلت لك هذه الآية، فقال له: تفضل، فذكر له الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٧ - ٢٨]، فوقف عندما سمع هذه الآية، وقال: تفسير هذه الآية التي تقولها، ماذا تقول؟! ما هو هذا الشيء الذي تقوله؟! ومن قال هذا الكلام؟! إن محمداً يستحيل أن يعرف هذا الكلام، لقد عرفت هذا الكلام بعد دراسة دامت خمسين عاماً، فأين درس محمد ﷺ خمسين عاماً؟! تقول: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) عندكم هذه الآية في القرآن! قال: اكتب عني أن هذا القرآن وحي من عند الله سبحانه ﵎! (إنما يخشى الله من عباده العلماء) هذه الكلمة التي تمر على أذهاننا حين نسمعها مروراً عادياً، ونفهم أن العلماء يخشون الله، لكن الرجل بعد دراسته خمسين عاماً لعلم الفيزياء وعلم الفلك ينظر في اختلاف ما خلق الله سبحانه ﵎ من آيات في الكون، فهذه جبال حمراء، وهذه سوداء، وهذه بيضاء، الأفلاك الموجودة في السماء فيها كذا وفيها كذا، وأخذ يتدبر فيها ويخشع ويخاف من الله سبحانه ﵎، والذي هو متاح أمامه بحسب دينه هو النصرانية، فكان يتوجه إلى الكنيسة ليصلي، وليعبد الله الذي خلق هذا الكون، والذي يخاف منه، فلما يسمع هذه الآية يقول: إن هذا كلام حق من عند رب العالمين، إن هذا القرآن ليس كلام محمد ﷺ ، إنما هو كلام جاء من السماء من عند رب العالمين سبحانه. والله يأمرنا أن نتدبر القرآن ويعيب علينا عدم التدبر، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، فالقرآن يتوافق بعضه مع بعض في العظمة والإتقان، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١].

стр. 1535

تفسير سورة الروم [٢١ - ٢٤] من آيات الله التي تدل على وحدانيته سبحانه وقدرته: أنه خلق للبشر من أنفسهم أزواجاً ليسكنوا إليها، وجعل بينهم مودة ورحمة، ومن آياته العظيمة: خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنة الناس وألوانهم، ومنامهم بالليل والنهار وابتغاؤهم من فضله، وإنزاله من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها.

стр. 1536

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ * وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٠ - ٢٤]. من آياته العظيمة ومعجزاته: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١] , فالله يهدي القلوب ويوفق الإنسان لأن يتزوج ويختار المرأة الصالحة التي تصلح له ويجعل المودة والرحمة في القلوب، وهذه آيات من رب العالمين؛ لعل الناس يتفكرون فيها ويعقلون معانيها, فيؤمنوا بالله خالقها وباريها. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. وختم كل آية بما يناسب الآية, فجعل الله لكم من أنفسكم آية من الآيات وهي آية الخلق وآية النكاح, قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] , فالمؤمن يتفكر في نفسه وفي أهله وفي ولده، كيف أن الله جمع بينه وبين زوجته، ولعله لم يكن يعرفها قبل ذلك، ولكن الله قدر أن يتزوج فلان من فلانة، وأن يكون له ولد، وأن يكون بينه وبينها مودة ورحمة، وهذه آيات لقوم يتفكرون، فيعلمون أن الله سبحانه يقدر لهم الخير, ويريد بهم الخير ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر.

стр. 1537

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم) قال الله سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] , السموات فوق الأرض، وهناك بون شاسع بين السماء والأرض, كالبون بين لسان ولسان، هذه السماء بما فيها من كواكب وأجرام، وأشياء لا يعلمها إلا الله , متفاوتة فيما جعل الله فيها، هذا نجم شديد الاشتعال، وهذا نجم بارد جداً، وهذه شمس، وهذا قمر، وهذا كذا, أشياء مختلفة، ولكن تتفق جميعها في أن كل واحدة منها آية عظيمة من آيات الله , تدل على الخالق الواحد , من أصغر الأشياء لأكبر الأشياء آية من آيات الله, فتتشابه جميع هذه الآيات في كونها آيات عظيمة، وكونها تدل على خالقها العظيم , من الذرة إلى المجرة، انظر إلى المجرة كيف تدور في هذا الكون، ثم يجعل أشياء صغيرة فيها كالشمس وما حولها من الكواكب، تدور حولها الشمس وتجري وحولها الأرض، وحول هذه الشمس كواكب مقرونة بهذه الشمس تدور حولها في نظام بديع جداً, الشمس بما حولها تجري في هذا الكون حول شيء أكبر منها, والمجرة وما حولها تدور وتجري في الكون حول شيء أكبر منها, وأصغر شيء في الكون الذرة الصغيرة وفيها نواة بداخلها وحولها مدارات تجري الالكترونات فيها بنفس النظام الذي تجري فيه الشمس، وكل شيء يجري ويدور ويتحرك يدل على خالقه الذي خلقه, فأصغر الأشياء وأعظم الأشياء يدل على أن الخالق واحد لا شريك له، إن في ذلك لآية للعالمين. كذلك في نطق الإنسان واجتماع عقله مع لسانه مع شفتيه في حركات متوافقة، فالعقل يفكر واللسان يتحرك وكذلك الشفة ويعبر الإنسان عما في داخله، هذا يعبر بطريقة، وهذا بطريقة، وهذا بطريقة, هذا له صوت، وهذا له صوت آخر، وهذا له صوت ثالث, هذا له لغة، وهذا له لغة أخرى، وهذا له لغة ثالثة, والذي خلق هذا كله هو الله ، والذي يتدبر ذلك العالمون، أي: أهل العلم هم الذين ينظرون ويتأملون كيف أنطق الله كل شيء بما يليق به. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] بذلك، و (للعالَمين) أي: لخلق الله أجمعين ليتدبروا ويتأملوا.

стр. 1538

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته منامكم بالليل والنهار) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣] من آيات الله أنه خلق الإنسان وجعله يحتاج إلى النوم، فهو من ضروريات الإنسان، ولو أنه ذهب عنه النوم, لأصيب بالجنون أو لمات من ذلك فالنوم آية من آيات الله ، ولا يعرف الناس له تفسيراً إلا ما يرونه أمامهم، لكن حقيقة هذا النوم هو كما ذكرنا قبل ذلك أن الله يقبض روح الإنسان خلال نومه, والنوم كما يعبر عنه العلماء ليس حالة من حالات الخمول, وإنما هو ضرورة من ضروريات حياة الإنسان يحتمها عليه الأمر الحيوي الذي في الجسم حتى يستريح, وقالوا: إذا حللنا ما يحدث للإنسان أثناء نومه بدراسة التغيرات التي تحدث فيأتون برسام المخ وبأناس نائمين ثم يرسمون مخ الإنسان النائم يقولون: إنه يمر بخمس مراحل في نومه: المرحلة الأولى والثانية: البدء في النوم والدخول فيه. الثالثة والرابعة: السبات وهو النوم العميق. الخامسة: مرحلة الأحلام التي يراها الإنسان أثناء منامه, فنوم الإنسان عجيب جداً يسجل رسام المخ أول ما ينام الإنسان أنه يهدأ مخه ثم يبدأ يسجل رسام المخ موجات المخ التي يرسلها وهي تضعف شيئاً فشيئاً حتى يصير الإنسان في سبات عميق, فهو يرسل موجات من سبع إلى اثني عشر موجة في الثانية الواحدة ثم تقل حتى تأتي مرحلة السكون التي يكون عليها الإنسان، ويدخل الإنسان في مرحلة السبات حتى يصبح في مرحلة لا يعرف أن يحسب فيها الزمن ولو نام عشرين ساعة أو ألف سنة لا يشعر, ولذلك نام أهل الكهف في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً, فلما استيقظوا قالوا: كم لبثتم؟ فلم يشعروا بهذه السنوات الطوال، بل قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم, وقد كانوا في نوم الله أعلم بحالهم هل قبض أرواحهم في هذا النوم على أنه نوم وليس موتاً يأخذهم وتتحلل فيه أجسادهم، وكذلك ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] وهو عزير، ﴿قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:٢٥٩]، وهو نفس الذي قاله أهل الكهف في ثلاثمائة عام ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف:١٩]، وجعل له الله آيات في نفسه وفي حماره وفي طعامه، إنسان يركب على حمار، ومعه الطعام في مزوده، ثم يتعجب لقرية أبادها الله وأهلكها, وهذه نظرة البشرية فأنت إذا رأيت بلداً خربه المستعمرون المحتلون الكفرة تقول: هؤلاء دمروا هذه البلاد فمتى تتعمر هذه البلاد؟ ومثلها نظرة من يقول: هؤلاء دمروا العراق يا ترى كم يحتاج من السنين حتى يعود إلى ما كان عليه؟! هكذا قال هذا الرجل: (أنى يحيي) أي: كم من الوقت سيمضي حتى ترجع هذه البلدة مرة ثانية؟! كأنه استبعد ذلك, فجعل الله له آية في نفسه (فأماته الله مائة عام ثم بعثه)، (قال كم لبثت) أي: كم من الوقت نمت؟ قال: (لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) , والعادة في الطعام أن يظل يومين أو ثلاثة أو أكثر ثم يعفن وينتهي، لكن الله أراه آية عجيبة، فالطعام الذي جرت العادة فيه أن يتعفن بعد اليوم الثاني ما زال على ما هو عليه بعد مائة سنة! ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ [البقرة:٢٥٩] , والحمار الذي يمكن أن يعيش أكثر من الطعام تحلل وصار عظاماً، ولك آية في نفسك أنك لم تتحلل بعد مائة سنة فما زلت على حالتك الأولى, فهذه آيات الله في خلقه, فإنه جعل النوم مرحلة يحتاج إليها الإنسان كل يوم، كذلك إذا كان في نوم عميق لم يعرف الزمن ولم يستطع أن يحدد كم وقتاً نام، وهذه آية من الآيات. وهناك تجارب أجراها أحد الأساتذة البريطانيين البروفسور: أرسر أديسون على مخ الإنسان وعلى نوم الإنسان، وهي دراسة طويلة توصل فيها في النهاية إلى أن عملية النوم هي خروج شيء من الإنسان سماه الله النفس وهذا الإنسان لا يعرف ما هذا الذي يخرج، ولكن الأبحاث أدت إلى ذلك، والله قد قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فنفس الإنسان يقبضها الله على هيئة معينة في وقت نومه, ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] فالإنسان محتاج للنوم وهو يذكره بالموت وأنه راجع إلى الله بعد ذلك, وقد جعل الله النوم آية ليرينا ضعفنا وحاجتنا إلى ذلك، فلا أحد يقول: أنا مستغن عن النوم، أنا لا أحتاج للنوم، ولو قال ذلك أحد وكابر فإنه لو قدر على ترك النوم يوماً أو يومين أو ثلاثة فإنه يعجز بعد ذلك، ولا يستطيع على ترك النوم، فالإنسان ضعيف والله هو الحي الذي لا يموت، فهو الحي القيوم , لا تأخذه سنة ولا نوم، والسنة النعاس اليسير، والله سبحانه حاشاه أن يعتريه نعاس ولو للحظة، ولا نوم فهذا مستحيل على الله ، وقد قال في آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو حي لا يموت قيوم لا ينام ، فهو قائم على كل شيء، مدبر لكل شيء، ولو قلنا: الله ، وحاشا له تأخذه سنة أو نوم لكان الكون كله سوف يتدمر متى حدث له ذلك؛ ولذلك يخبرنا الله سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: لو كان هناك آلهة في هذا الكون غير الله سبحانه لفسدت السموات والأرض، لأنه سيحدث بينهم تنازع فيقول أحدهم: هذا ملكي، ويقول الآخر: هذا ملكي، مثلما يحدث بين البشر حين يتنازعون في شيء من حطام الدنيا، فيفسد هذا الشيء، ولكن السموات والأرض قد استقرت على حالها الذي خلقها الله عليه ولم تفسد السموات ولا الأرض؛ فدلنا على أن الخالق واحد سبحانه لا ينازعه أحد أبداً في ملكه . ولما ذكر السنة والنوم ذكر السموات والأرض حتى تذهب بعقلك فتنظر إلى السموات والأرض لماذا لم تضطرب؟ لأن الذي خلقها حافظ لها ، يدبر أمرها، ولو كانت تأخذه سنة أو نوم لتدمرت السموات والأرض وفي هذا آيات للذين يعلمون أن الذي خلقها هو الحي القيوم الذي لا ينام سبحانه. وقد قال الله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢] وعقب بعدها: (منامكم) فالذي خلق السموات والأرض لا ينام ، ولكن أنتم تنامون وتحتاجون إلى النوم وأنتم فقراء إلى الله قال: ﴿مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [الروم:٢٣] فيعتريكم النوم أصلاً بالليل ولكن قد ينام بعضكم بالنهار، وابتغاؤكم من فضله بالليل وبالنهار وإن كان الغالب أن الليل للنوم والنهار للمعاش والتكسب, وتبتغون: تطلبون من فضله سبحانه، فأنتم فقراء إلى الله والله هو الغني الحميد. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل:٦٥] الإنسان وهو نائم يغلق عينيه فلا يرى شيئاً، والذي يوقظ الإنسان وهو على هذه الحال سمعه. لذلك عقب الله بهذه الكلمة العظيمة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس:٦٧] ومعنى يسمعون أي: أنهم يسمعون القرآن فيعقلونه ويفهمونه فينتفعون بهذا السمع.

стр. 1539

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً) ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤] هذه آية أخرى من آيات الله سبحانه في الكون, فإنك إذا رأيت البرق طمعت في إنزال المطر من السماء، وخفت من أن يكون فيه صواعق أو فيه شيء يؤذيك، وقد قال الله في سورة النور: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ * يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُوْلِي الأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣ - ٤٤]، فالسحاب الذي يأتي البرق من خلاله هو السحاب المتراكم بعضه على بعض الذي يسمونه بالسحاب الركامي، ويتكون من ماء يتبخر من الأرض ثم يجتمع بعضه مع بعض فيكون سحابة وسحابة أخرى وثالثة ورابعة، يزجي الله أي: يحرك ويسوق ويدفع هذه السحابات بعضها إلى بعض، وحين يجتمع بعضها مع بعض يسلك من خلالها تياراً هوائياً يشفط السحاب إلى أعلى، فيتراكم السحاب بعضه على بعض، فيسمونه بالسحاب الركامي، وهذا التعبير العظيم الذي في الآية من أين عرفه النبي ﷺ وهو لم يركب الطائرة، ولم ير السحاب يتراكم بعضه فوق بعض، ولم ير أن شكلها من أعلى مثل الجبال؟! وقد عبر عن هذه الله في هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور:٤٣] أي: بعضه فوق بعض كالجبال، وبينما هو على هذه الحالة ينزل المطر من خلال هذا السحاب فترى الودق يخرج من خلاله، ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] وهذا هو السحاب الوحيد الذي ينزل منه البرد, فالسحاب ينزل منه المطر والسحاب الركامي ينزل منه البرد سواء كانت كبيرة أو صغيرة ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ﴾ [النور:٤٣] وقالوا: السحاب الركامي فقط هو الذي يكون داخله البرق، فيخرج منه شحنات كهربائية معينة الله يخلقها فيها تفريغات كهربائية فتعمل الشرر الذي تراه كالبرق, ﴿يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ﴾ [النور:٤٣]، قد يقول الإنسان: نحن نرى البرق فلماذا لم تذهب عيوننا؟ لكن الذي يراقب البرق من المراصد ويدقق فيه مرة وراء مرة وراء مرة يعمى، والذين يراقبون البرق في المراصد والطيارون يظهر عليهم البرق في وقت من الأوقات فيقول العلماء: قد يتلاحق حدوث البرق في سلسلة تكاد تكون متصلة أربعين تفريغاً في الدقيقة الواحدة، فيذهب ببصر الراصد من شدة الضياء، وهذا هو عين ما يحدث للملاحين والطيارين الذين يخترقون عواصف الرعد في المناطق الحارة, وقالوا: قد يكون الطيار يلاحق البرق بنظره فيعمى فتسقط الطائرة بمن فيها, إذاً: هناك خوف حقيقي من البرق، وليس كل إنسان يشعر بهذا الشيء، فيمكن لإنسان أن يرى البرق ويفرح بنظره إليه، ويمكن لإنسان آخر ينظر إلى البرق فيفقد بصره منه، فالله يريكم البرق خوفاً وطمعاً في رحمته وفي نزول المطر من السماء. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤] فاعتبروا يا أولي الألباب. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1540

تفسير سورة الروم [٢٤ - ٢٧] من آيات الله الدالة على قدرته ورحمته وأنه المستحق للعبادة وحده أنه يري خلقه البرق خوفاً وطمعاً، وينزل لهم من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها، ويدبر أمر السماء والأرض، والكل خلقه، والكل راجع إليه سبحانه.

стр. 1541

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]. يخبرنا ربنا في هذه الآية وما قبلها عن آياته العظيمة، التي يجب على كل إنسان يسمع ويعقل ويعلم ويبصر أن يتفكر فيها، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣]. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]. وكأنه يقول: تفكر يا عالِم واسمع يا عاقل، لقد ختم بهذه الأوصاف التي ينبغي أن تكون في كل إنسان فيه عقل خلقه الله ، فيتفكر بهذا العقل الذي أعطاه الله سبحانه؛ ليعلم أن هذا الخلق العظيم خلق الله ، فيستحق الله وحده العبادة دون غيره. كذلك يستمع إلى آيات الله، يسمعها فيعقل ويفهم عن الله سبحانه ما يقول، فإذا به يدخل في هذا الدين بتفكره، وبسمعه، وبعقله، وبعلمه، ويعلم ما الذي يريده الله من خلق هذا الإنسان، فيعبده فيكون من المؤمنين.

стр. 1542

البرق بين الرحمة والعذاب قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم:٢٤] آية من آيات رب العالمين سبحانه كما ذكرنا في الحديث السابق، يريكم البرق فتخافون أن يخطف أبصاركم، فتخافون أن ينزل بعده ماء من السماء شديداً فيغرقكم. يقول العلماء عن البرق: إنه تفريغ شحنات كهربائية، فإذا ذهبت هذه الشحنات مع قوة ما فيها من ضوء قد يخطف أبصار من ينظر إليه. فالناس يخافون من ذلك، ويطمعون حين يرون ذلك في فضل الله ورحمته، ويطمعون في المطر الذي ينزل من السماء رحمة من عند رب العالمين؛ لأنه غذاء لهذه الأرض. انظر إلى هذا البرق، وإن كان يخيف وإن كان شحنات كهربائية في الجو، ولكن العلماء يقولون: إن في هذا البرق رحمة عظيمة جداً، فهو يقوم بجعل الأكسجين يتحد مع النيتروجين الموجود في الجو، مما يتولد منهما حامض النيتريك، فينزل إلى الأرض فيكون أسمدة نيتروجينية للأرض، وهذا من فضل الله ورحمته. شحنات كهربائية في السماء تنزل إلى الأرض تصير غذاءً للأرض، ينبت لكم به الله النبات، من الذي عرف ذلك؟ أليس العالمون هم الذين عرفوا ذلك فأخبرونا عن رحمة الله وعن فضله سبحانه؟ فهذا البرق الذي نراه قد ينظر إليه الإنسان على أنه ضوء يطلع في السماء، لكن ما هو الذي يكون من وراء هذا الضوء؟ أهل العلم يعرفون ما وراء هذا البرق الذي يكاد يخطف الأبصار فيخافون منه، ويرجون من ورائه رحمة الله . ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أهل العقل وأهل التفكير الحق ينظرون فيعقلون فيعبدون الله وحده لا شريك له.

стр. 1543

إنزال المطر رحمة من الله ومتعلق بمشيئته سبحانه قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الروم:٢٤] أي: المطر. قوله: (وَيُنَزِّلُ) هذه قراءة جمهور القراء، ويقرؤها ابن كثير والبصريان: أبو عمرو ويعقوب: (وَيُنْزِلُ من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها). فالماء الذي ينزل من السماء رحمة من الله عظيمة واسعة، فمن رحمته أن أنزل ماءً من السماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام، أنزل المطر من السماء ليثبت أقدام أصحاب رسول الله ﷺ في يوم بدر في لقائهم مع المشركين، وأذهب عن قلوبهم رجز الشيطان، وما ألقاه الشيطان من تخويف لهم، وقد نام بعضهم بالليل فاحتلم وأصبح يريد الجهاد في سبيل الله سبحانه، وإذا بالشيطان يوسوس له، كيف تجاهد وأنت على جنابة؟ فإذا بعقله يتفكر كيف كيف؟ فإذا بالله يقطع عنه ذلك الوسواس، وينزل من السماء ماءً فيغتسلون ويصلون ويعرفون فضل الله ورحمته في إنزال الماء من السماء. ينزل الله الماء من السماء رحمة بعباده، لينبت لكم به من كل الزروع والثمار، ويخرج لكم من هذه الأرض الميتة غذاءً تتفكهون به وتقتاتون عليه، رحمة من رب العالمين سبحانه. حين يتفكر الإنسان أن الأرض فيها الماء المالح وفيها الماء العذب وفيها الماء النظيف وفيها الماء الرديء، ومن هذا الماء يتبخر هذا الماء بفضل الله ، ويصعد لدرجات معينة يتكثف فيها هذا الماء بعضه على بعض، ثم ينزل عليكم مطراً. وهذا الماء الذي طلع من هذه البحار، وتكثف حتى صار سحاباً، يرسل الله الرياح ليجري هذا السحاب، وهذه الرياح مأمورة بأمر الله بأن تذهب به إلى الأرض الفلانية، التي يريد الله أن تمطر فيها هذه السحب، رحمة من رب العالمين سبحانه. فالناس ينتظرون فضل الله وإذا بالله ينشئ السحاب ويوجهه إلى حيث يشاء وينزله على الناس. كذلك هذا الماء الذي قد يكون متبخراً من المجاري، وصعد إلى السماء فإنه لا يصعد بالقذر الذي فيه والنتن الذي فيه؛ لأن الله ينقيه، فلا يتبخر إلا الماء الطاهر، أما ما فيه من نجاسة، فإنه لا يصعد إلى السماء، إلا أن يشاء الله شيئاً سبحانه، وإذا بهذا الماء الطاهر يتوجه حيث يوجهه الله سبحانه، وينزل على المكان الذي يريده الله سبحانه! آية من آيات الله سبحانه، وإنزال هذا المطر ليس للإنسان دخل فيه ولا شأن فيه، ولكن الله سبحانه هو الذي ينشئ هذا السحاب، وهو الذي يرسل والذي ينزل من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام، وليريكم من آياته ومن فضله ومن رحمته . ثم قال: ((فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) فإذا نظرت إلى أهل الصحراء حين ينتظرون نزول المطر من السماء، فإذا نزل الماء هللوا وفرحوا وكبروا؛ لأن رحمة ربنا نزلت على العباد، فينبت لهم أرضاً كانت قاحلة ومجدبة لا زرع فيها، فإذا بالله ينزل المطر وسرعان ما يخرج النبات على وجه الأرض، وتخضر الأرض بفضل الله وبرحمته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤]. فالذي يعقل ويتفكر في هذه الآيات يعلم أن الله سبحانه الملك الحق، وهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.

стр. 1544

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: يقول للشيء: كن فيكون، فكل شيء قائم به سبحانه، وكل شيء يدبر أمره الله ، فما قامت السماوات وعلت في مكانها، وكل ما فيها من شموس وأقمار ونجوم وأفلاك ومجرات كلها قائمة مستقرة في مدارها وفي مكانها كل ذلك بأمره سبحانه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] يمسكهما، فالسماء في مكانها والأرض في مكانها، حتى إذا جاء أمر الله أزال وغير وبدل وقلب ما شاء سبحانه. ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: إذا جاء أمر الله سبحانه انشقت السماء فهي يومئذ واهية، وتهاوت النجوم والشموس والأقمار: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٦] وانقلبت موازين كل شيء بأمر الله . إذاً: فهو القائم المدبر لكل شيء، فإذا أمر الله سبحانه بالنفخ في الصور نفخة البعث والنشور قام الخلق من القبور بين يدي الله . ((ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ)) أي: كنتم في الأرض جثثاً هامدة وكنتم تراباً، فإذا بأمر الله يأتي فينزل الطل من السماء فتنبت الأجساد، ثم نفخ في الصور فقاموا واستقاموا لرب العالمين سبحانه. وقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: تخرجون من هذه الأرض كما بدأكم تعودون.

стр. 1545

تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون) قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦] وله كل شيء، واللام لام الملك، يعني: الله يملكه ويخلقه ويتولى أمره ويدبره. و (من) يعبر به عن العاقل، وقد يدخل غير العاقل بالتبع فيه، أي: كل من في السماوات ملك لله سبحانه، فهؤلاء العقلاء الذين يعقلون عبيد لله فكيف بمن لا يعقل؟ فالكل عبيد لله . ثم قال: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: كلهم قنتوا لله سبحانه، وخضعوا وذلوا وأذعنوا لأمر الله سبحانه، فمنهم من فعل ذلك طوعاً، ومنهم من فعل ذلك كرهاً، فكثير من الناس يعبدون الله سبحانه، وكثيرون حق عليهم العذاب، والكل خاضعون لله سبحانه. والخضوع الذي يفعله الإنسان بإرادته لله هذا الذي يثاب عليه، والخضوع الذي يأتيه عنوة وقهراً عليه فهذا الذي لا يثاب عليه بشيء، ويكون من أهل النار في النهاية إذا كان كافراً بالله سبحانه. فخضع الإنسان بمعنى ذل لرب العالمين، فالمؤمن خاضع لقضاء الله وقدره ولشرعه . يقول الله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] أي: إذا أمر الله بأمر كوني نفذ على عبده، لكن عندما يأمره بأمر شرعي، كأن يقول له: صل، صم، افعل المعروف، انه عن المنكر، فإن استجاب فهو مطيع لله سبحانه، راضٍ بمشيئة الله الكونية القدرية والشرعية الإرادية، أما الكافر فيعصي الله ويتبجح ويقول: لا إله، ولا يعبد شيئاً، أو يقول: الطبيعة خلقتني، أو يكذب على الله سبحانه ويزعم أن معه إلهاً، حاشا لله ، فهنا يعصي ربه سبحانه في أمره الشرعي، أما في أمره الكوني القدري فمستحيل أن يعصي الله سبحانه، فهو خاضع ذليل لرب العالمين. فقوله: ((كُنْ فَيَكُونُ)) لو قال للإنسان: امرض يمرض، نم ينام، فهو إذا أتته مصيبة وبلية من الله لا يقدر أن يدفعها عن نفسه، فهنا هو خاضع ذلول لأمر الله الكوني القدري . فالكل خاضع لله ، سواء أرادوا أم لم يريدوا ذلك. فقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦] أي: منقادون لأمر الله، مطيعون لقضاء الله وقدره، لا يستطيعون أن يعترضوا على ذلك. وقوله: ((كُلٌّ)) التنوين هنا تنوين عوض، يعني: كل واحد منهم لله قانت خاضع ذليل بين يدي ربه سبحانه، مطيع لأمره الكوني القدري.
следующие страницы →