Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤].
يخبرنا ربنا في هذه الآية وما قبلها عن آياته العظيمة، التي يجب على كل إنسان يسمع ويعقل ويعلم ويبصر أن يتفكر فيها، ولذلك ختمها بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [الروم:٢٣].
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤].
وكأنه يقول: تفكر يا عالِم واسمع يا عاقل، لقد ختم بهذه الأوصاف التي ينبغي أن تكون في كل إنسان فيه عقل خلقه الله ، فيتفكر بهذا العقل الذي أعطاه الله سبحانه؛ ليعلم أن هذا الخلق العظيم خلق الله ، فيستحق الله وحده العبادة دون غيره.
كذلك يستمع إلى آيات الله، يسمعها فيعقل ويفهم عن الله سبحانه ما يقول، فإذا به يدخل في هذا الدين بتفكره، وبسمعه، وبعقله، وبعلمه، ويعلم ما الذي يريده الله من خلق هذا الإنسان، فيعبده فيكون من المؤمنين.
стр. 1542
البرق بين الرحمة والعذاب
قال سبحانه: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الروم:٢٤] آية من آيات رب العالمين سبحانه كما ذكرنا في الحديث السابق، يريكم البرق فتخافون أن يخطف أبصاركم، فتخافون أن ينزل بعده ماء من السماء شديداً فيغرقكم.
يقول العلماء عن البرق: إنه تفريغ شحنات كهربائية، فإذا ذهبت هذه الشحنات مع قوة ما فيها من ضوء قد يخطف أبصار من ينظر إليه.
فالناس يخافون من ذلك، ويطمعون حين يرون ذلك في فضل الله ورحمته، ويطمعون في المطر الذي ينزل من السماء رحمة من عند رب العالمين؛ لأنه غذاء لهذه الأرض.
انظر إلى هذا البرق، وإن كان يخيف وإن كان شحنات كهربائية في الجو، ولكن العلماء يقولون: إن في هذا البرق رحمة عظيمة جداً، فهو يقوم بجعل الأكسجين يتحد مع النيتروجين الموجود في الجو، مما يتولد منهما حامض النيتريك، فينزل إلى الأرض فيكون أسمدة نيتروجينية للأرض، وهذا من فضل الله ورحمته.
شحنات كهربائية في السماء تنزل إلى الأرض تصير غذاءً للأرض، ينبت لكم به الله النبات، من الذي عرف ذلك؟ أليس العالمون هم الذين عرفوا ذلك فأخبرونا عن رحمة الله وعن فضله سبحانه؟ فهذا البرق الذي نراه قد ينظر إليه الإنسان على أنه ضوء يطلع في السماء، لكن ما هو الذي يكون من وراء هذا الضوء؟ أهل العلم يعرفون ما وراء هذا البرق الذي يكاد يخطف الأبصار فيخافون منه، ويرجون من ورائه رحمة الله .
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أهل العقل وأهل التفكير الحق ينظرون فيعقلون فيعبدون الله وحده لا شريك له.
стр. 1543
إنزال المطر رحمة من الله ومتعلق بمشيئته سبحانه
قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الروم:٢٤] أي: المطر.
قوله: (وَيُنَزِّلُ) هذه قراءة جمهور القراء، ويقرؤها ابن كثير والبصريان: أبو عمرو ويعقوب: (وَيُنْزِلُ من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها).
فالماء الذي ينزل من السماء رحمة من الله عظيمة واسعة، فمن رحمته أن أنزل ماءً من السماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام، أنزل المطر من السماء ليثبت أقدام أصحاب رسول الله ﷺ في يوم بدر في لقائهم مع المشركين، وأذهب عن قلوبهم رجز الشيطان، وما ألقاه الشيطان من تخويف لهم، وقد نام بعضهم بالليل فاحتلم وأصبح يريد الجهاد في سبيل الله سبحانه، وإذا بالشيطان يوسوس له، كيف تجاهد وأنت على جنابة؟ فإذا بعقله يتفكر كيف كيف؟ فإذا بالله يقطع عنه ذلك الوسواس، وينزل من السماء ماءً فيغتسلون ويصلون ويعرفون فضل الله ورحمته في إنزال الماء من السماء.
ينزل الله الماء من السماء رحمة بعباده، لينبت لكم به من كل الزروع والثمار، ويخرج لكم من هذه الأرض الميتة غذاءً تتفكهون به وتقتاتون عليه، رحمة من رب العالمين سبحانه.
حين يتفكر الإنسان أن الأرض فيها الماء المالح وفيها الماء العذب وفيها الماء النظيف وفيها الماء الرديء، ومن هذا الماء يتبخر هذا الماء بفضل الله ، ويصعد لدرجات معينة يتكثف فيها هذا الماء بعضه على بعض، ثم ينزل عليكم مطراً.
وهذا الماء الذي طلع من هذه البحار، وتكثف حتى صار سحاباً، يرسل الله الرياح ليجري هذا السحاب، وهذه الرياح مأمورة بأمر الله بأن تذهب به إلى الأرض الفلانية، التي يريد الله أن تمطر فيها هذه السحب، رحمة من رب العالمين سبحانه.
فالناس ينتظرون فضل الله وإذا بالله ينشئ السحاب ويوجهه إلى حيث يشاء وينزله على الناس.
كذلك هذا الماء الذي قد يكون متبخراً من المجاري، وصعد إلى السماء فإنه لا يصعد بالقذر الذي فيه والنتن الذي فيه؛ لأن الله ينقيه، فلا يتبخر إلا الماء الطاهر، أما ما فيه من نجاسة، فإنه لا يصعد إلى السماء، إلا أن يشاء الله شيئاً سبحانه، وإذا بهذا الماء الطاهر يتوجه حيث يوجهه الله سبحانه، وينزل على المكان الذي يريده الله سبحانه! آية من آيات الله سبحانه، وإنزال هذا المطر ليس للإنسان دخل فيه ولا شأن فيه، ولكن الله سبحانه هو الذي ينشئ هذا السحاب، وهو الذي يرسل والذي ينزل من السماء ماءً ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان، وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام، وليريكم من آياته ومن فضله ومن رحمته .
ثم قال: ((فَيُحْيِي بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)) فإذا نظرت إلى أهل الصحراء حين ينتظرون نزول المطر من السماء، فإذا نزل الماء هللوا وفرحوا وكبروا؛ لأن رحمة ربنا نزلت على العباد، فينبت لهم أرضاً كانت قاحلة ومجدبة لا زرع فيها، فإذا بالله ينزل المطر وسرعان ما يخرج النبات على وجه الأرض، وتخضر الأرض بفضل الله وبرحمته ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٤].
فالذي يعقل ويتفكر في هذه الآيات يعلم أن الله سبحانه الملك الحق، وهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.
стр. 1544
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره)
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: يقول للشيء: كن فيكون، فكل شيء قائم به سبحانه، وكل شيء يدبر أمره الله ، فما قامت السماوات وعلت في مكانها، وكل ما فيها من شموس وأقمار ونجوم وأفلاك ومجرات كلها قائمة مستقرة في مدارها وفي مكانها كل ذلك بأمره سبحانه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١] يمسكهما، فالسماء في مكانها والأرض في مكانها، حتى إذا جاء أمر الله أزال وغير وبدل وقلب ما شاء سبحانه.
﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: إذا جاء أمر الله سبحانه انشقت السماء فهي يومئذ واهية، وتهاوت النجوم والشموس والأقمار: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٦] وانقلبت موازين كل شيء بأمر الله .
إذاً: فهو القائم المدبر لكل شيء، فإذا أمر الله سبحانه بالنفخ في الصور نفخة البعث والنشور قام الخلق من القبور بين يدي الله .
((ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الأَرْضِ)) أي: كنتم في الأرض جثثاً هامدة وكنتم تراباً، فإذا بأمر الله يأتي فينزل الطل من السماء فتنبت الأجساد، ثم نفخ في الصور فقاموا واستقاموا لرب العالمين سبحانه.
وقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم:٢٥] أي: تخرجون من هذه الأرض كما بدأكم تعودون.
стр. 1545
تفسير قوله تعالى: (وله من في السماوات والأرض كل له قانتون)
قال الله تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦] وله كل شيء، واللام لام الملك، يعني: الله يملكه ويخلقه ويتولى أمره ويدبره.
و (من) يعبر به عن العاقل، وقد يدخل غير العاقل بالتبع فيه، أي: كل من في السماوات ملك لله سبحانه، فهؤلاء العقلاء الذين يعقلون عبيد لله فكيف بمن لا يعقل؟ فالكل عبيد لله .
ثم قال: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ أي: كلهم قنتوا لله سبحانه، وخضعوا وذلوا وأذعنوا لأمر الله سبحانه، فمنهم من فعل ذلك طوعاً، ومنهم من فعل ذلك كرهاً، فكثير من الناس يعبدون الله سبحانه، وكثيرون حق عليهم العذاب، والكل خاضعون لله سبحانه.
والخضوع الذي يفعله الإنسان بإرادته لله هذا الذي يثاب عليه، والخضوع الذي يأتيه عنوة وقهراً عليه فهذا الذي لا يثاب عليه بشيء، ويكون من أهل النار في النهاية إذا كان كافراً بالله سبحانه.
فخضع الإنسان بمعنى ذل لرب العالمين، فالمؤمن خاضع لقضاء الله وقدره ولشرعه .
يقول الله: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧] أي: إذا أمر الله بأمر كوني نفذ على عبده، لكن عندما يأمره بأمر شرعي، كأن يقول له: صل، صم، افعل المعروف، انه عن المنكر، فإن استجاب فهو مطيع لله سبحانه، راضٍ بمشيئة الله الكونية القدرية والشرعية الإرادية، أما الكافر فيعصي الله ويتبجح ويقول: لا إله، ولا يعبد شيئاً، أو يقول: الطبيعة خلقتني، أو يكذب على الله سبحانه ويزعم أن معه إلهاً، حاشا لله ، فهنا يعصي ربه سبحانه في أمره الشرعي، أما في أمره الكوني القدري فمستحيل أن يعصي الله سبحانه، فهو خاضع ذليل لرب العالمين.
فقوله: ((كُنْ فَيَكُونُ)) لو قال للإنسان: امرض يمرض، نم ينام، فهو إذا أتته مصيبة وبلية من الله لا يقدر أن يدفعها عن نفسه، فهنا هو خاضع ذلول لأمر الله الكوني القدري .
فالكل خاضع لله ، سواء أرادوا أم لم يريدوا ذلك.
فقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم:٢٦] أي: منقادون لأمر الله، مطيعون لقضاء الله وقدره، لا يستطيعون أن يعترضوا على ذلك.
وقوله: ((كُلٌّ)) التنوين هنا تنوين عوض، يعني: كل واحد منهم لله قانت خاضع ذليل بين يدي ربه سبحانه، مطيع لأمره الكوني القدري.
стр. 1546
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده)
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧] قوله: (وهو) هذه الكلمة في القرآن كله فيها قراءتان، فهي تقرأ: (وهْو) وهي قراءة قالون عن نافع وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو والكسائي، وباقي القراء يقرءونها (وهُو).
قوله: ((وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ)) أي: الله سبحانه بدأ خلقكم ليس غيره، فهو الذي فطركم وأنشأكم أول مرة، ولم يكن لكم مثال قبل ذلك، ليفعل الله ذلك على هذا المثال السابق حاشا له سبحانه، وإنما هو يبدع وينشئ الخلق الذي لم يكن لهم مثال سابق قبل ذلك سبحانه، فهو فطركم وخلقكم وصوركم وبرأكم وأنشأكم وابتدع خلقكم سبحانه.
((وَهُوَ الَّذِي)) بدأ الخلق من ساعة ما خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وتناسل آدم وتناسلت ذريته، فبدأ خلق الإنسان من طين، وكل إنسان خلقه من نطفة في قرار مكين، ثم جعل هذه النطفة علقة، فخلق العلقة مضغة، فخلق المضغة عظاماً، فكسا العظام لحماً، بدأ طوراً بعد طور حتى صار هذا الإنسان العاقل.
كذلك النبات ابتدأه الله بذرة صغيرة ثم تنبت ثم تصير فيها سنبلة ويصير فيها حبوب.
فالإنسان بعدما أحياه الله أماته سبحانه، ثم يعيده مرة ثانية، مثل ما فعل في هذه البذرة التي بدأها الله سبحانه فصارت نباتاً، وصارت في النهاية حبة، وهذه الحبة لو وضعتها في الأرض فإن الله سيعيدها مرة ثانية وتصير سنبلة، وكذلك النواة تصير هذه النخلة وتأخذ منها نواة مرة ثانية.
خلق هذا الإنسان وبدأه الله على ذلك، ثم يعيده بأن يأمر الأرض أن تجمع ما فيها، مهما تفرق الإنسان في أي مكان كان، فالله بأمره سبحانه كن فيكون ويجمعه، فقد علمنا قصة الرجل الذي أوصى أولاده بأنه إذا مات أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم ينظروا في يوم شديد ريحه فيذروه في البر وفي البحر، فيا ترى أيهرب هذا الإنسان بذلك؟ فهو أعمل عقله في حيلة يمكن أن يهرب من الله، فأمرهم أنه إذا مات أن يحرقوه حتى يصير تراباً، وقال عند موته: (والله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين).
هذا المسكين أراد أن يهرب من الله، فإذا بالله يأمر البحر: أن اجمع ما فيك منه، هل يقدر البحر أن يعصي الله سبحانه؟! فاجتمع ما في البحر من جسد هذا الإنسان ومن تراب هذا الإنسان، وأمر البر: أن اجمع ما فيك من هذا الإنسان، فيجتمع، فيقول له: كن فيكون، فرجع الرجل مرة ثانية كما كان، فسأله الله سبحانه: (لم فعلت ذلك؟ قال: من خشيتك يا رب، فغفر الله له .
فهل هذا أعجز الله سبحانه بهذا الذي فكر فيه؟ مهما تقطع الإنسان وتمزق إرباً، ومهما أكلته الطير وطارت به في أماكن وماتت هذه الطيور في أرجاء متفرقة؛ فإنه لا يهرب من رب العالمين.
ثم قال: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:٢٧] أي: إعادة الإنسان أمر هين ويسير على الله ، وهذا كأنه يضرب لكم المثل من أنفسكم، فالذي يصنع منكم شيئاً فإنه يستطيع أن يصنعها مرة ثانية، أليس هذا أسهل عليه؟ ولله المثل الأعلى، وليس عند الله شيء اسمه سهل والآخر أسهل منه، كل شيء على الله يسير، وإنما يخاطبكم بما تفهمون في أموركم وفي عاداتكم: أن الذي يصنع شيئاً فإنه أسهل عليه أن يصنعه مرة ثانية، والله كلٌ عليه هين، ليس عنده أسهل وأسهل، بل الكل على الله يسير.
فقوله: ((وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ)) أي: هين يسير على الله أن يعيدكم مرة ثانية.
قوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [الروم:٢٧] أي: إذا ضرب مثلاً مما عندكم فيما بينكم فليس معناه أنه مثلكم، لا، فالله لا مثيل له ؛ لأن له الأوصاف العالية العظيمة، ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ [النحل:٧٤] فالله يضرب لكم الأمثال ليقرب ذلك إلى عقولكم، ولكن لا تضرب أنت لله الأمثال، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٧٤].
فقال هنا: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الروم:٢٧] أي: له الوصف العظيم والأعلى في كل مكان ، فهو الأعلى والأعظم .
وقوله: ((وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى)) قالوا من معانيها: له أعظم وصف وهو لا إله إلا الله، يعني: لا يستحق العبادة غيره .
قوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم:٢٧] أي: الغالب، وهذا مناسب لما قبله، يعني: إذا قال الله : كن، فلا ممانع لقضاء الله وقدره؛ لأن الله قاهر وغالب وعزيز لا يغالب ، وهو الحكيم في خلقه، الحكيم في إنزاله كتبه، الحكيم في صبره على عباده، الحكيم في تشريعه سبحانه، وكل شيء بحكمة بالغة من الله سبحانه.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1547
تفسير سورة الروم [٢٨ - ٣٠]
يضرب الله الأمثال للخلق لتقريب المعلومة إلى الذهن، ومن باب إقامة الحجة عليهم، وقد ذكر تعالى في هذه السورة مثلاً عظيماً، وهو إلزام للمشركين بترك الشرك بالله، وهذا المثل هو أنهم يأنفون أن يشاركهم عبيدهم الذين هم ملك لهم في أموالهم، وهم مع ذلك يشركون مع الله غيره، وهم عبيد له وحده، ولله المثل الأعلى، فكأنه يقول: كيف تجعلون لله الأنداد من خلقه؟!
стр. 1548
تفسير قوله تعالى: (ضرب لكم مثلاً من أنفسكم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الروم: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٨].
ذكر الله لنا في هذه السورة سورة الروم مثلاً من أنفسنا فضربه للعباد، ولله المثل الأعلى، والقرآن يضرب الأمثال تقريباً للمعلومات في الذهن، فالله سبحانه يقرب الشيء الذي يريد الإنسان أن يفهمه، عن طريق ضرب الأمثال، وعن طريق التبيين والتوضيح والتفصيل، وعن طريق التكرار للمعنى بصور مختلفة، حتى يفهم الإنسان، ويعقل عن الله ما الذي يريده منه، ويقيم الله الحجة على العباد بذلك، ولا يستحي ربنا سبحانه أن يضرب لنا الأمثال بأقل الأشياء أو بأعلى الأشياء، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦] فيضرب لنا المثل بالبعوضة وبالذبابة وبالشيء الكبير، ويضرب لنا المثل في أنفسنا ومن أنفسنا، وقال لنا: ﴿وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات:٢١] فهنا في أنفسنا عبرة نعتبر بها، فاعتبروا يا أولي الأبصار.
قال تعالى: ((ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ)) حتى تعرفوا أنكم أنتم البشر يأنف أحدكم ويرفض أن يكون من هو أقل منه شريكاً له، فالإنسان الذي له متجر وله محل وعنده عامل أجير يعمل في هذا المحل يأنف صاحب المحل أن يكون هذا الأجير شريكه في المحل، هذا في الأجير الذي هو حر فكيف لو كان هذا عبداً تملكه وقد اشتريته بمالك؟! لا ترضى أبداً أن يقال: هذا العبد شريك لك في مالك، تأنف وترفض ذلك، وتقول: كيف يكون شريكاً لي وأنا اشتريته بمالي وهو ملك لي، ومن حقي أن أبيعه؟! ترفض ذلك، فالله ضرب لنا هذا المثال: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [الروم:٢٨] أي: من العبيد الذين هم عندكم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم:٢٨] أي: العباد كلهم سواء، السيد الغني والعبد الذي لا يملك شيئاً والحر الفقير، الكل سواء في رزق الله سبحانه لا يرزقون أنفسهم، بل الله هو الذي يرزق الجميع، فإذا كان الرزق ليس رزقك وليس مالك ولم تخلقه ولم تأت به، ولكن الله بكرمه أعطاك هذا المال الذي جعلت خليفة ومستخلفاً عليه، ومع ذلك ترفض أن يقال: هذا شريك لك في هذا المال، مع أنكم جميعاً سواء في رزق الله؛ لأن الله يرزقكم أنتم ومن تملكون؛ فكيف تدعون لله سبحانه أن يكون له شريك في ملكه سبحانه وهو الذي خلق العباد وخلق كل شيء ؟! قال الله سبحانه: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ [الروم:٢٨] أي: تخافون من عبيدكم هؤلاء كما تخافون من أنفسكم، تخافون أن ينقصوا عليكم الرزق، فأنت خائف على هذا الرزق الذي أعطاك الله .
فأنت تخاف من هذا العبد أن ينفد هذا المال الذي في يدك، وترفض أن يكون عبدك شريكاً لك، فكيف تضرب لله الأمثال؟ وكيف تزعم أن له الصاحبة والولد وله الند والشريك وهو الذي خلقكم وخلق أموالكم ولا يخاف شيئاً ولا يخشى أحداً ؟ قال: ﴿كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم:٢٨] أي: كهذا التفصيل العظيم نفصل الآيات لقوم يعقلون، وتفصيل الشيء يكون بتكراره وتوضيحه وتبيينه، فكذلك فصلناه وبيناه بياناً يعقله كل ذي عقل وكل ذي بصيرة.
стр. 1549
تفسير قوله تعالى: (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم)
قال الله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الروم:٢٩] قوله: ((بَلِ)) بل للإضراب يعني: اضرب عن هذا فمهما أتيتهم بحجج الله سبحانه فهم لا يريدون أن يفهموا أصلاً، ((بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ)) فإذا كان الإنسان صاحب هوى وجلست معه لتقنعه بالشيء الواضح، فمهما حاولت أن توضح له فلن يقتنع إلا بالذي في دماغه، فها هم المشركون لما دعاهم النبي ﷺ إلى الله سبحانه كانت عقولهم في شركهم وأوثانهم، فقالوا: أنت تريد أن تأخذ منا الرئاسة، وتريد أن تأخذ منا المكانة، فلن نقبل منك الذي تقوله، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣] كل هذا: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُه﴾ [الإسراء:٩٣].
أي: لن نؤمن بعد هذا كله حتى تأتينا بكتاب من السماء مختوم من رب العزة سبحانه ونقرؤه ونجد فيه رسوله! ويقول له بعضهم: وحتى لو فعلت ذلك ما أظن أنني أؤمن بك! يعني: صاحب الهوى لا يؤمن ولا يستجيب، بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم، فهم أصحاب هوى مهما أقنعتهم لا يقتنعون في الظاهر، وإنما في الباطن، هم يعرفون الحق فيعاندون ويستكبرون، لذلك قال الله لنبيه ﷺ في سورة الأنعام: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣] أي: لا تحزن على ذلك، ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] يعني: هم لا يعتقدون أنك كذاب، كيف وهم يلقبونك بالصادق الأمين، بل هؤلاء يجحدون، أي: يكتمون الحق مع تيقنهم بأنه حق، فهؤلاء المشركون لا يكذبون النبي ﷺ ولا يعتقدون أنه كاذب، بل يعتقدون أنه صادق ﵊، ولكن كما قال أبو جهل: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا الحجيج فأطعمنا، وسقوا الحجيج فسقينا، وكلما عملوا من الخيرات عملنا، ثم زعموا أن فيهم نبياً فأنى لنا بنبي؟! إذاً: تكذيبهم للنبي ﷺ بسبب الحسد، فهم يعترضون على أمر الله سبحانه أن اختار النبي ﷺ دون غيره.
بل يصرحون: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: لماذا نزل هذا القرآن على الوليد بن المغيرة من مكة أو على عروة الثقفي من ثقيف من الطائف؟ لماذا نزل عليك أنت هذا القرآن؟ فالحسد للنبي صلوات الله وسلامه عليه هو الذي جعلهم يعترضون على نبوته، قال الله له ولهؤلاء الناس: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٥٤] وقوله هنا: ((النَّاسَ)) المقصود به النبي ﷺ .
وقال سبحانه في سورة الروم: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الروم:٢٩] أي: ليس عندهم آثار من علم، وليس عندهم دليل من رب العالمين يسوقهم ويقودهم إلى ما يزعمونه من كلام باطل.
قال: ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾ [الروم:٢٩] أي: مستحيل أن الله يهدي إنساناً استحق هذه الضلالة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل:٣٧] أي: لا يهدى من يضله الله ، والذي يضله الله سبحانه هو من علم الله سبحانه أنه لا يستحق إلا النار، فيختم على قلبه ويطبع على قلبه فلا يستجيب ولا يفهم ولا يعقل.
فقوله: ((فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ)) أي: لا أحد يهدي من أراد الله به الضلالة؛ لعلم الله أن هذا يستحق ذلك.
قوله: ((وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ)) يعني: في ظلمهم واتباعهم أهواءهم ومحاربتهم النبي ﷺ ، ليس لهم ناصر ينصرهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالله ينصر دينه وقت ما يشاء سبحانه، ويخذل الشرك والمشركين وما لهم من ناصرين.
стр. 1550
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً)
يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن يقيم وجهه للدين حنيفاً فقال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠] أي: قوم نفسك ووجه وجهك وتوجه إلى ربك، وإلى شرع الله سبحانه، وسر على الصراط المستقيم، فإقامة الوجه هو تقويم الطريق والمقصد والقوة على الجد في أعمال دين الله .
وخص وجه الإنسان بالذكر؛ لأن أشرف ما في الإنسان وجهه، والإنسان إذا وجه وجهه إلى شيء سيسير إلى هذه الوجهة التي توجه إليها.
قوله: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ)) أي: دين رب العالمين.
قوله: ((حَنِيفًا)) أي: كن مستقيماً على هذا الدين، وسيكرر لنا مرة ثانية ويصف هذا الدين أنه الدين القيم العظيم فأقم وجهك للدين القيم.
إذاً: قوله: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)) أي: توجه إلى دين رب العالمين سبحانه حنيفاً، وأصل الحنف: الميل، ورجل أحنف بمعنى أن ساقيه مائلتان، ووصف إبراهيم بأنه حنيف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أي: مائل عن كل من على الأرض من مشركين بالله سبحانه وكفرة، فإبراهيم ﵊ هو وحده الذي كان على التوحيد، فمال عن جميع الأديان الباطلة وأعرض عنها وابتعد عنها، فسمي بالحنيف، والحنيف هو المائل المبتعد عن الباطل.
ثم صارت هذه الكلمة دليلاً على الاستقامة، فأصبحت كلمة الحنيف على المعنى الشرعي أنه المستقيم على دين الله .
فقوله: ((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)) أي: معتدلاً مائلاً عن الزيغ وعن الهوى وعن جميع الأديان المحرفة المنسوخة.
قوله: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) يعني: هذا الدين فطرة الله ، الذي هو دين الإسلام دين الفطرة، وكأنه قال: فأقم وجهك للذي فطرك الله على هذا الدين العظيم.
وقوله: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)) كلمة (فطرة) هذه مصدر، المعنى أنها نائب عن المفعول المطلق، كأنه فطر الله فطرة، وجاء بالمفعول المطلق الذي منها فقال: ((فِطْرَةَ اللَّهِ)).
وكلمة (فطرة) عند الوقف عليها هي مكتوبة بالتاء في المصحف، فإذا وقفت قرأت: (فطرت) بالتاء، هذا على قراءة الجمهور، ويقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب بالهاء (فطرة).
стр. 1551
معنى الفطرة
قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] الفطرة خلقة الإنسان، والفطرة بدء خلق الإنسان، والله فاطر بمعنى مبتدئ الخلق، لم يكن قبل ذلك خلق فأوجده الله، وفطره وابتدعه وخلقه .
أما فطرة الإنسان فيعبر بها عن الإسلام، ويعبر بها عن خصال الإسلام، ويعبر بهذه الكلمة (الفطرة) عن أصل الخلقة والدين الذي عليه الإنسان الذي أوجده الله في قلبه، فقلبه السليم فطر على حب دين الله ، إلا أن يدخل فيه شيء يوجهه شمالاً أو يميناً، ولذلك جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، -وفي رواية: على الملة- فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟)، فهنا في هذا الحديث أن كل مولود يولد على الفطرة، لو أنه ترك وحده بدون تدخل من الأبوين، لتوجه إلى دين رب العالمين ؛ لأن في قلبه ما يدعوه إلى ذلك، فالله خلق العباد قبل أن يوجدهم في هذه الدنيا، وأخذ عليهم وهم في ظهر آدم الميثاق، فهو سبحانه استخرج ذرية آدم من ظهره كأمثال الذر، ثم أشهدهم على أنفسهم، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: لئلا تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين.
إذاً: يوجد في قلب كل إنسان التعرف على ربه سبحانه وتوحيد ربه ، ولم يترك الله العباد لذلك فقط، وإنما بعث إليهم الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب؛ ليهدي عباده، وجعل في قلوبهم ما يدلهم على ربهم ، وأنشأهم حين يولدون على هذه الفطرة: معرفة الله وتوحيده ، فإذا بالعبد ينمو على ذلك، وإذا بأبويه يتدخلان في ذلك، فقال لنا النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، وفي رواية: (أو يشركانه) يعني: الإنسان يولد على الفطرة، ثم الأم تعلم الولد أو الأب يعلم الولد النصرانية أو اليهودية أو غير ذلك من الملل الكفرية، لكن لو ترك على ما في داخل قلبه لصار إلى طريق الإسلام، كما ذكر لنا النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة).
وضرب لنا مثلاً فقال: (كما تنتج البهيمة جمعاء) أي: الناقة والبقرة والشاة كل هذه الأنعام خلقها الله مكتملة الخلق، (هل تحسون فيها من جدعاء؟) يعني: هل يوجد من البقر أو من الغنم أو من الإبل ما تكون إذنها مشقوقة؟ لا يحدث إلا أن تكون أو نادرة من النوادر؛ ليرينا الله آياته، فكذلك الله خلق الإنسان مكتملاً، وخلق في قلبه ما يدعوه إلى توحيد ربه سبحانه، ولكن إذا تدخل البشر أضلوا هذا الإنسان.
وجاء في حديث النبي ﷺ كما في صحيح مسلم قال النبي ﷺ : (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، قال : كل مال نحلته عبداً فهو حلال).
أي: هذه الأموال التي يرزقكم الله سبحانه هي حلال لكم، طالما أنها حلال وطالما أنكم سعيتم فيها من وجه حلال فهي مباحة لكم، ثم قال: (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) يعني: على الدين وعلى الفطرة وعلى توحيد الله على الإسلام العظيم، ثم قال: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم).
(فاجتالتهم) يعني: استخفوا بهم وأذهبوهم عن دينهم، وجالوا معهم في الباطل، فالشيطان لا يترك الإنسان بل يستخف به شيئاً فشيئاً حتى تعتريه الخفة والطيش والتهور ويبتعد عن الله سبحانه وعن طريق الهداية: وفي رواية: (فاختالتهم الشياطين).
وكأنها بمعنى الحبس عن دين الله ، والصد عن دين الله سبحانه، ثم قال في هذا الحديث: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، قال الله سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣]).
فربنا سبحانه لم يحرم الواصلة ولا الحامي ولم يحرم الذي حرمه أهل الجاهلية من أشياء، فيقول سبحانه: ((مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ)) بحروا أي: شقوا أذنها، فالناقة إذا أتت بأنثى وبعدها أنثى فجزاء لها ألا نذبحها ولا نأكلها، بل نتركها معززة مكرمة، هذه البحيرة، أما السائبة فهي التي ولدت وولدها كبر حتى ولد فيتركونها ولا يذبحونها.
من الذي حرم عليكم أن تأكلوها؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [المائدة:١٠٣]، فيكذبون على الله سبحانه! وقال هنا: إن الذي أمرهم بذلك الشياطين، اجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1552
تفسير سورة الروم الآية [٣٠]
خلق الله الخلق على الفطرة الربانية التي فطرهم عليها، إنها فطرة التوحيد والإيمان والاعتراف بالله بألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، ولكن الشياطين حرفوا الفطر، وغيروا العقول، واجتالوا العباد إلى عبادة غير الله ، وقد أمر الله نبيه أن يستقيم على ملة إبراهيم ﵇ فقد فطر الله الخلق على هذه الملة السمحاء التي لا يعلمها كثير من الناس.
стр. 1553
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
هذا أمر من الله سبحانه ﵎ لنبيه ﷺ وللمؤمنين تبعاً بإقامة الوجوه لدين الله ، ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠] أي: أقم وجهك معتدلاً متوجهاً إلى دين الله .
والحنيف بمعنى: المستقيم، وأصله من الحنف وهو الإماله أو الميل، فكأنه يقول: ابتعد ومل عن هذه الأديان الباطلة إلى طريق الله المستقيم وإلى دينه القويم.
стр. 1554
الإسلام فطرة الله في خلقه
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] أي: أقم وجهك إقامة عظيمة واستقم على فطرة الله سبحانه ﵎ التي هي داخل قلب كل إنسان، وذكره فطرة الله كأن فيه إشارة إلى أنها ضمن كلمة أقم وجهك، وعليه فيكون المعنى: توجه إلى الوجهة التي فطرك الله عليها، أو كأنه يقول: اتبع فطرة الله، أو أقم وجهك متبعاً فطرة الله التي فطر الناس عليها، والفطرة تأتي بمعنى: الدين والإسلام، وبمعنى: بدأ خلق الله للإنسان، ومنه: فطره على الشيء أي: بدأ خلقه عليه وجعله مستقراً في قلبه.
فالله عز جل خلق عباده كلهم حنفاء يعني: على دين الله، فلو تركوا وما في قلوبهم لاستقاموا على دينهم الحق، وقال النبي ﷺ : (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
فلو ترك هذا المولود على ما فطره الله عليه لاستقام على دين الله سبحانه، ولكن أبواه هما اللذان يوجهانه إلى الخير أو إلى الشر، فإما أن يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، أو يتركانه على الأصل وهو هذا الدين المستقيم، فالأصل في الإنسان أنه على الإسلام.
ولذلك تجد أصحاب الأديان الأخرى لابد أن يحولوا أولادهم إلى دينهم؛ لأنه خلاف الأصل والفطرة، فيعمدونهم بأن يأخذونهم إلى الكنيسة عند الكاهن حتى يعمده، وكأنهم يعترفون أنه على غير ما هم عليه، فيحتاجون إلى أن يتحولوا فينصرونه أو يهودونه على غير ما خلق عليه، أما في الإسلام فالإنسان مولود على الفطرة، ويشب على هذا الدين الذي فطره الله عليه وأوجده في قلبه.
فليس في الإسلام مسألة تعميد؛ لأن المولود مفطور على دين الله ، أما في غير الإسلام فلابد أن يحولوه، وكأنهم يعترفون ضمناً أنه مولود على غير ما هم عليه، فيحتاج أن يتحول إلى اليهودية أو إلى النصرانية.
стр. 1555
عبث الشياطين بالمشركين في تحريم ما أحله الله وتحليل ما حرمه الله
جاء في صحيح مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: (ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال)، يعني: ما أعطيت لعبادي من رزق ومن مال فالأصل أنه حلال، (وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم) يعني: مائلين عن الباطل مستقيمين على الحق، وفي قلوبهم ما يدعوهم إلى الله وإلى عبادته ، ولكن كما قال: (وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم) أي: إذا بالشياطين تحول العباد عن هذا الدين وتفتنهم عنه، وفي الرواية الأخرى: (فاختالتهم عن دينهم).
قال في الحديث: (وحرمت عليهم ما أحللت لهم) أي: أن الله أحل للعباد أرزاقهم فإذا بالشياطين توهم الناس أن هذا حلال وأن هذا حرام، فيقسمون أرزاقهم التي جعلها الله لهم فيقولون: هذا لله وهذا لشركاء الله ، فما كان لله فهو يصل إلى شركائه، وما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، فجاءوا بأشياء يخترعونها ويبتدعونها بعقولهم، ويقول هؤلاء المشركون إذا حصدوا الثمار: الجزء هذا لله، والجزء هذا للشركاء، فإذا اختلط ما لله بما للشركاء يقولون: نجعله كله للشركاء وربنا غني عن ذلك.
فيقال رداً عليهم: إذا علمتم أن الله غني عن ذلك فلم تعبدون هؤلاء الشركاء وأنتم تعرفون أنهم فقراء وليسوا بأغنياء عن ذلك؟ فتعطونهم ما لله وتقولون: إن الشركاء محتاجون لهذا النصيب، فما كان لشركائكم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائكم ساء ما تحكمون.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٣٨ - ١٣٩] وقد قسم لهم هذه القسمة الشياطين، فضحكت عليهم بها وخدعتهم فقسموا هذه القسمة، وقالوا لهم: هذه أنعام وحرث حجر، أي: محجورة فلا أحد يأخذها إلا من نريد! ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام:١٣٨] أي: ممنوع أن يركب عليها أحد؛ مكافئة لهذه الأنعام؛ لأنها أنجبت وأنجب خلفها، فيمنع الناس من ركوبها وذبحها مع أن الله قد خلقها رزقاً لعباده، وأباح لك أن تأكلها أو تعطيها غيرك يركبها أو تركبها أنت، أو تعطيها غيرك صدقة يأكلها، ولا تترك سائبة تمشي بين الناس، ولا أحد يتعرض لها، حتى تكون هرمة وتموت من غير أن ينتفع بها أحد.
فيقال لهم: من الذي أمركم بتحريم أكل هذه الأنعام وتركها لنفسها هكذا؟ فالله لم يأمركم بذلك، ولكن العقول الخائبة والأديان الباطلة تعمل ذلك، فهؤلاء يعبدون غير الله والشياطين تستهويهم وتجتالهم عن دينهم، وهم أطاعوا الشياطين في معصية الله ، قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣] ولكن الشياطين هم الذين يوحون إلى أوليائهم ذلك فيجادلون به.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة:١٠٣]، يقال بحيرة: أي: بحرت بطنها وولدت أنثى وبعدها ولدت أنثى أيضاً، فيكافئونها بأن لا يركبها أحد ولا يستخدمها، وتترك هكذا.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة:١٠٣] يقول أحدهم: لله علي نذر، أو ينذر لغير الله إذا شفى الله مريضي أو نحوه فسأترك الجمل سائباً لا يركبه ولا يأكله أحد! فلا هو انتفع به ولا غيره انتفع به، وقد جعله الله حلالاً يؤكل فإذا بهم يحرمون أكله.
﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ﴾ [المائدة:١٠٣] الوصيلة: هي التي وصلت بطناً ببطن، يعني: خلفت مرة وأخرى وثالثة، فتستحق أن لا تركب بعد ذلك ولا تؤكل.
﴿وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣]، وهو الذكر إذا لقح ولد ولده، يعني: أن الجمل إذا خلف جملاً، فنتج منه جمل آخر فيبقى عنده حفيده ولا أحد يتعرض لهذا الجمل الجد.
стр. 1556
أساليب عصرية في محاربة العقيدة من قبل الأعداء
إن الإنسان إذا بعد عن الله إذا بعقله يحل أشياءً ويحرم أشياءً، ويبقى عقله ضائعاً، والذي ينظر إليه يعرف غباءه، فأهل الجاهلية كانوا يعبدون الأحجار، يصنع أحدهم الحجر بيده من تراب وماء، ويصنع منه صنماً، ثم يعبده من دون الله ، أو يصنع تمثالاً من عجوة وإذا جاع أكله، وإذا شبع عبده من دون الله! أية عبادة هذه التي يفعلونها؟! إنها عقول تافهة توجد في كل زمان، ومثل ذلك الذين يصنعون التمائم، لكي يكسبون المباراة في لعبة الكرة، والمسلمون يقلدون في هذا الشيء، ويصنعون ما يجعلهم يشركون بالله سبحانه، فيزعمون أن النصر من هذه التميمة التي صنعوها، وتكون ميدالية أو تمثالاً أو صورة، ويقولون: هذه تجلب لنا الفأل الحسن.
فيكفرون بالله سبحانه ويشركون به، وهم يصنعونها أو يقرونها بمدح مثل هذا الشيء، ويعملون تمثيليات وأفلاماً تكون سبباً لانتشار هذا الشيء، كما تسمع عن تمثيلية تحكي عنها الجريدة أن شخصاً اشترى حذاءً؛ ليلعب به الكرة، يقوم فيغلب، وكلما يلعب به يغلب الآخرين، وعندما يترك هذا الحذاء ويلعب بدونه لا يغلب، والمقصود بهذا الشيء إقرار عقيدة باطلة في نفس الإنسان، فيأتي الشاب الصغير الذي لا يفهم العقيدة، فيذهب لشراء حذاء جديد؛ ليلعب به، فإذا غلب يقول: إن الحذاء هو الذي جعلني أغلب، وينسب النصر لهذا الحذاء! انظر إلى هذا الغباء وهذه العقول! إن هذه العقائد هي التي يريدون أن يغرسونها في نفوس الناس، والمسلمون ينساقون وراء ذلك، وكما رأيتم فيلم المسيح، فكم من المسلمين الآن يشاهدون هذا الفيلم في كل مكان؟! بدعوى أن فيه نكاية بإسرائيل، وهو يقرر في أذهان المسلمين أن المسيح صلب، والله سبحانه يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧]، فلم يقتل المسيح، ولم يصلب وإنما رفع المسيح إلى السماء، وصاحب هذا الفيلم يقول: أنا لا أرضى حتى يتنصر كل الناس بسبب هذا الفيلم! وإذا بالمسلمين في بلادهم ينشرون هذا الفيلم على دور السينما لكي يشاهدونه، ويرون في الفيلم أنه صلب المسيح، وأنه وضع الشوك على رأسه، وأن المسيح قتل ولا حول ولا قوة إلا بالله! والله يقول: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ [النساء:١٥٧] والمسلمون تذهب عقولهم وتضيع وراء فلم من الأفلام، وإن كان فيه دعوة للنصرانية، وإذا بالجرائد تنشر مقالات مثل: آخر لحظات المسيح، ويقال فيها: انظروا إلى اليهود طوال عمرهم يعملون الشر، فهم الذين قتلوا المسيح! مع أن الله يقول في القرآن ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ [النساء:١٥٧].
وهذا هو الكفر الذي لا يقوله مسلم؛ لأنه يخالف ما جاء في القرآن، فينشرون عقيدة النصارى، ويقررون في قلوب المسلمين الشرك بالله سبحانه، والتكذيب لكتاب الله سبحانه ﵎، والمسلمون لجهلهم يضعون المصاحف في بيوتهم للزينة، وبعضهم يضعها تحت رأسه وهو نائم حتى لا تأتي له رؤيا مفزعة، أما أن يقرأ ما في كتاب الله سبحانه ويتعلم ما فيه فلا، إلا من رحم الله سبحانه ﵎.
وأيضاً الأب يرسل ابنه إلى مدرسة ليتعلم الإنجليزي وغيره، وآخر شيء يفكر فيه تعليم القرآن وكتاب الله سبحانه ﵎! فلابد للمسلمين من التوعية بعقائد الإسلام، قال الله سبحانه ﵎: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، وقال لنا في هذا الحديث القدسي الصحيح: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً).
فلما وصل أهل الأرض إلى طاعة الشيطان والشرك بالله سبحانه فسيكون جزاؤهم المقت، فإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم جميعاً عربهم وعجمهم، والمقت أشد البغض، فقال سبحانه في هذا الحديث: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، ولم يقل: إلا أهل الكتاب، لأن أهل الكتاب كانوا وراء الدنيا قبل النبي ﷺ ، ولكن كان منهم بقايا ممن عرفوا التوحيد وممن وحدوا الله سبحانه، وكانوا ينتظرون النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد تعلم على أيدي هؤلاء البقايا سلمان الفارسي، وعبد الله بن سلام.
стр. 1557
قصة إسلام سلمان الفارسي
إن سلمان تعلم عند بقايا من النصارى الذين كانوا يوحدون الله سبحانه، وكان كل إنسان منهم يوصي سلمان: أن اذهب إلى فلان وتعلم عنده، وهكذا حتى قال له آخرهم: لا أجد أحداً على الأرض على ما أنا عليه، ولكن قد أظلك زمان يبعث فيه نبي، وهذا آخر راهب كان معه سلمان الفارسي ﵁، وسلمان كان فارسياً مجوسياً، وكان أبوه موقد النيران لقومه، ولما هرب سلمان من عند أبيه وأمه وجد راهباً يعبد الله سبحانه، فتعلم منه، ثم حبسه أبوه، ثم هرب بعد ذلك وتوجه ليعبد الله سبحانه ويترك هذه الديانة الباطلة، فدلوه على عبادة الله سبحانه، وكان كلما يذهب إلى راهب من الرهبان يلازمه حتى تحضر الراهبَ الوفاة، فيقول له سلمان: إلى من توصي بي؟ فيقول له: اذهب إلى فلان في القطر الفلاني فهو على التوحيد، فهؤلاء هم بقايا أهل الكتاب الذين كانوا على التوحيد.
فلما وصل سلمان ﵁ إلى آخر هؤلاء، وكان قد قرب عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه وجاءت الوفاة لهذا الراهب، فقال لـ سلمان: اذهب إلى أرض العرب فإنه سيبعث فيها نبي في هذا الزمان، وسلمان لا يعرف طريق الذهاب إلى أرض العرب، فوجد جماعة من العرب فأعطاهم ماله حتى يوصلوه إلى أرض العرب، فأخذوا منه المال وخانوه وغدروا به وصيروه عبداً! وبذلك صار سلمان الفارسي الذي كان أبوه من الكبراء عبداً من العبيد في يوم من الأيام، حتى أعانه النبي ﷺ ففك رقه وصار عتيقاً بعد ذلك.
والغرض أن سلمان عرف النبي ﷺ بالوصف الذي قاله له هؤلاء البقايا من أهل الكتاب الذين كانوا على التوحيد، وكانوا يعرفون الله سبحانه، ويؤمنون بالله الواحد ولم يقولوا: الله ثالث ثلاثة، ولم يقولوا: إنه اتخذ صاحبة أو ولداً، فـ سلمان تعلم منهم ذلك، ولما رأى النبي ﷺ عرفه بوصفه الذي حدثوه به.
стр. 1558
الحكمة من بعثة الرسول ﷺ
قال ﷺ هنا في الحديث: (إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك) أي: بعث الله النبي ﷺ ليختبره ويختبر الخلق به صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء، تقرؤه نائماً ويقظاناً)، إنما بعثتك لأبتليك ابتلاء، فهل تصبر على الرسالة أو لا تصبر؟ وأبتلي بك الناس وأختبرهم هل يستجيبون لك ويؤمنون بك حينما يروا الآيات والمعجزات معك أو لا يؤمنوا؟ فأنت مبتلى وهم مبتلون.
قال: (وأنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء)، وهذا الكتاب العظيم القرآن الكريم، فقد كانت الكتب السابقة تكتب فقط ولا يوجد من أصحاب الديانات السابقة من يحفظ كتاب الله سبحانه، إلا ما يكون من الأنبياء المعصومون عليهم الصلاة والسلام، ولكن سائر أصحاب الأديان ما كانوا يحفظون كتبهم، وإنما الكتب تكتب بالأحبار، فإذا أرادوا أن يبدلوا أو يغيروا مسحوا وكشطوا وكتبوا ما يريدون، إلا هذا القرآن العظيم فلا يغسله الماء أي: أن هذه معجزة من معجزات هذا القرآن العظيم، وهي أن المسلمين يحفظونه من عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه، يأخذه اللاحق عن السابق حفظاً ومشافهةً وكتابةً أيضاً، فإذا محي من الكتب فهو محفوظ في الصدور لا يمحى منها إلا بأن يقبض الله العلماء كما جاء في الحديث أو عند قرب الساعة فمن العلامات الكبرى أنه يرفع كتاب الله ، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 1559
بذل الأسباب تأتي بعده معونة الله تعالى
قال ﷺ : (وإن الله أمرني أن أحرق قريشاً) يعني: أقاتل قريشاً بعد أن أدعوهم إلى الله ، فإن لم يستجيبوا أقاتلهم، قال: (فقلت: ربي! إذاً: يفلقوا رأسي فيدعوه خبزاً) يعني: يكسروا رأسي كما يكسر الخبز ويصير خبزة واحدة؛ لأني وحيد، وهم كثر! فإذا بالله يطمئن النبي ﷺ قال: (استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك) أي: كما أخرجوك فأخرجهم، قال: (واغزهم نغزك) أي: قاتلهم وسنعينك عليهم، (وأنفق فسننفق عليك) أي: فلا تخف من النفقة أو من الغزو أو من الإخراج، فإن الله معك، فابعث جيشاً نبعث خمسة مثله، وفي هذا كله يرينا الله أن النصر من عنده سبحانه، وأنه يعين عباده المتقين.
فالمؤمن يأخذ بالأسباب ويأتي من عند الله النصر، قال: (وقاتل بمن أطاعك من عصاك).
стр. 1560
من صفات أهل الجنة وأهل النار
قال ﷺ في الحديث القدسي: (وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق)، فهؤلاء من أهل الجنة، ذو سلطان يحكم المسلمين بالعدل ويتصدق، ويوفقه الله للطاعة وللحكم بالعدل.
(ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، وهنا الثاني ليس له سلطان، ولكنه رجل من المسلمين من صفاته أنه رحيم رقيق القلب، أي: في قلبه مودة ورقة وحنان لكل ذي قربى ومسلم، فهو رحيم بكل ذي قربى وكل مسلم.
والثالث: (عفيف متعفف ذو عيال)، وهذا ليس إنساناً طماعاً، فلا ينظر إلى ما في أيدي الناس بل أعف نفسه عن الناس وتعفف عما في أيديهم، وحصن نفسه من الوقوع في الحرام، مع أن هذا الإنسان عنده عيال ويحتاج للإنفاق عليهم ولكنه عفيف متعفف.
نسأله أن يجعلنا من أهل جنته وأن يجعلنا من أهل ناره.
قال: (وأهل النار خمسة)، وبدأ بالضعيف من أهل النار، وهنا يظهر أن الضعيف من أهل النار غير الضعيف من أهل الجنة، فالجنة قالت لله : (فيّ الضعفاء)، فمن أهل الجنة ضعفاء المؤمنين وأهل الفقر والحاجة والضعفاء والمرضى الذين رضوا بهذا الشيء وأطاعوا الله .
وذكر من أهل النار: (الضعيف الذي لا زبر له) أي: الذي لا منع له، والمقصود به هنا العقل، فليس له عقل يزجره عن معصية الله ، وهو ضعيف ومع ضعفه لا يركن إلى الله بل يركن إلى الأقوياء من الناس، يقولون له: اعمل كذا فيعمل، استهزئ بفلان فيستهزئ، فيعصي الله ويكفر بالله؛ ليرضي سادته في الدنيا، قال عن أمثاله: (الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلاً ولا مالاً)، لا يبتغون أي: لا مال معهم لزواج ولا غيره، بل يعيش متطفلاً على الناس، يمد يده للناس ويأخذ من هذا ويسرق ويعمل المعاصي التي حرمها الله ، ويعمل ما يريد في الدنيا، ليس له قيمة عند الله ، ولا عند الناس، ولا في نفسه.
قال: (والخائن) أي: من أهل النار (الذي لا يخفى)، يخفى من الكلمات المتضادة فلها معنيان متضادان، خفي الشيء بمعنى: اختفى، وخفى أيضاً بمعنى: ظهر، فهنا الذي لا يخفى بمعنى: الذي لا يظهر له شيء، (وإن دق إلا خانه) يعني: في طبيعته الخيانة، فأي شيء يظهر له وإن كان ليس له قيمة يخون ويسرقه، فالإنسان الذي في طبعه الخيانة من أهل النار.
قال: (ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك وعن مالك)، فهو من أصحاب الخديعة، وهو الإنسان الذي يخادع في أي شيء، فيستطيع أن يضحك على الناس وعلى زوجته، أو على بناته وعلى عياله، فهو يضحك على أي إنسان فيخدعه في ماله وفي أهله، وهذا من أهل النار.
قال: (لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك)، وأصبح هؤلاء اليوم كثر، فتجد الإنسان يتعرف على صديقه ثم يخونه في زوجته، أو يخونه في ابنته، يمسي ويصبح وهو على هذا الحال، وقد يكون متزوجاً، وقد يصلي مع الناس في الجماعة، ولكنه يخون الناس ويخدعهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال: (والشنظير)، وهو الإنسان البخيل الذي يمنعه بخله عن التصدق وعن الإنفاق الواجب عليه في أهله وعياله ويمنعه عن الزكاة ونحو ذلك، وكذلك هو الإنسان الكذاب، فهؤلاء من أهل النار الذين ذكرهم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ثم ذكر راوي الحديث أنه سأل التابعي الذي روى له هذا الحديث، قال: أفيكون ذلك يا أبا عبد الله؟ وهو مطرف بن عبد الله فقال: (لقد أدركتهم في الجاهلية، وإن الرجل ليرعى على الحي وما به إلا وليدته يطأها) أي: قد أدركت مثل ذلك، وهو أن الرجل يكون راعياً، والناس يأمنونه على الغنم وعلى المكان الذي يرعى فيه الغنم، فإذا به يجد الوليدة الأمة فيزني بها والعياذ بالله، وهذا من الخديعة التي يكون بها صاحبها من أهل النار.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1561
تفسير سورة الروم [٣٠ - ٣٤]
التوحيد هو الذي من أجله بعث الله الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب، وهو فطرة الله التي فطر الناس عليها، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى، وهو الدين القيم الذي لا اعوجاج فيه، فعلى كل مسلم أن يستقيم على هذا الدين، ولا يتبع سبيل المشركين، ويلزم جماعة المسلمين، ويلجأ إلى الله في كل وقت وحين.
стр. 1562
تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفاً)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الروم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ * وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٤].
يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنين بإقامة الوجوه لهذا الدين الحنيف، الدين القيم دين الإسلام، وهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها سبحانه.
فهم مولودون على ذلك، فقد جعل الله في قلوبهم هذه الفطرة والاستقامة على دين الله سبحانه، فالقلوب مهيأة لقبول هذا الدين، والخلق مفطورون على ذلك، (ولكن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠] أي: خلقهم على ذلك، فقلوبهم سليمة تقبل التوحيد ودين الإسلام، وتقبل ما يأتيها من شرع رب العالمين ، فهم مفطورون منشئون مخلوقون على ذلك، قال سبحانه: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
ثم قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ [الروم:٣٠] أي: استقم على هذا الدين، ووجه وجهك إليه وإلى شرع الله سبحانه مطيعاً منفذاً أوامر الله سبحانه، مبتعداً كل البعد عن الباطل، وعن الشرك بالله سبحانه، وعن الأديان الباطلة ومعصية الله سبحانه، حنيفاً مستقيماً على شرع الله سبحانه، وهو كما قال تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:٣٠].
стр. 1563
تفسير قوله تعالى: (لا تبديل لخلق الله)
ثم قال: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] أي أن: (كل مولود يولد على الفطرة)، فلا أحد يقدر على تغيير خلق الله ، ولن يلعب الإنسان بهذه الفطرة فيغيرها، هذا يولد على الإسلام وذاك يولد على النصرانية، مع أن كل مولود مفطور على ذلك، وقد ابتدأه الله سبحانه وأنشأه على قلب مستقيم، وهذا مثلما تولد البهيمة فيراها الإنسان سليمة، ثم بعد ذلك يقطع أذنها وأنفها ويدها أو رجلها، فهو في الحقيقة من يبدل ويغير فيها، وكذلك المولود ولله المثل الأعلى.
أما دين الله سبحانه فلن يقدر أحد أن يغيره من قلب المولود الذي يولد إلا أن يكبر هذا المولود، ثم بعد ذلك يهوده أبواه أو ينصرانه أو يمجسانه، أما أنه يولد على غير هذه الملة وهذا الدين فلا، وهذه فطرة الله ولا تبديل لخلق الله.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] يعني: لقضاء الله وقدره، وهذا صحيح أيضاً، وإن كان المعنى الأول أقرب، فإذا قدر الله شيئاً فلن يقدر أحد أن يغير قدر الله سبحانه، فقد خلق الجنة وخلق لها أهلها، وخلق النار وخلق لها أهلها؛ لأن الله أعلم بما كانوا عاملين، فهؤلاء للجنة وهؤلاء للنار، وحين يولد يكون الإنسان في بطن أمه، ويبعث الله الملك ليكتب عمره وعمله وأجله وشقاوته وسعادته ورزقه؛ فإن هذه الأشياء تحدث قبل أن يعمل الإنسان أي عمل بعد، ولكن الله -بعلمه المحيط سبحانه- علم أن هذا سيعمل بالشر فيكون من أهل الشر والشقاوة في الآخرة، ولم يطلع الله العبد على ما هو عامله؛ ولذلك فليس للعبد أن يحتج على الله ، فإذا احتج وقال: يا رب كتبت علي ذلك! فإنه يقال له: ومن أعلمك أن الله كتب عليك ذلك؟ (إن العبد يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، ويعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها) كما قال النبي ﷺ .
إذاً: فأمر القضاء والقدر لا يعلمه إلا الله ، وقد يرى الإنسان وهو في غاية الشقاوة، ثم إذا بالله يقلب حاله في آخر عمره فيصير من أهل السعادة مطيعاً لله ويموت على ذلك، والعكس كذلك.
فليس للإنسان أن يحتج في حال معصيته ويقول: إن الله قدر علي ذلك وجعلني على هذه الحالة، فنقول له: غير أنت من نفسك، وانظر هل سيثبتك الله على هذا الباطل أم لا؟ فأنت ترى نفسك مختاراً وأنت تعمل، وتشعر بأنك مختار، وتؤمن أن الله هو الذي أعانك على رفع هذه اليد، ولكنك تعرف في نفسك أنك أنت الذي تمد اليد وتقبضها، فالله قدر أن تمدها وأن تقبضها، وأعطاك في نفسك اختياراً، فاخترت لنفسك المد واخترت القبض، فاخترت أن تسلك طريق السعادة، واخترت أن تسلك طريق الشقاوة، ولا يوجد أحد يعمل المعصية وهو يشعر في نفسه أنه مدفوع ومكره عليها، فعند اختيار العبد يكون تكليفه وجزاؤه وحسابه عند الله ، مع الإيمان بأن كل شيء تحت تقدير الله ، وقد كتب عنده سبحانه مصير هذا العبد وإلى أي باب يكون، هل إلى باب الجنة أم إلى باب النار؟ فلذلك قال الله : ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] يعني: لقضاء الله وقدره، فلا أحد يقدر أن يتدخل في ذلك فيغير ما كتب عند الله في اللوح المحفوظ ، ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠].
وقد يكون المعنى كذلك أنه من أوامر الله سبحانه ونواهيه، فنقول: إياك أن تبدل في خلق الله! أي: إياك أن تغير أو تتلاعب في الفطر التي فطر الله العباد عليها، كأن يقوم الإنسان إلى البهيمة يشق أذنها، والله حرم عليه أن يصنع ذلك.
والحق أن الإنسان هو من يغير في خلق الله ، فتجد الرجل يتخنث ويتأنث، وتجد المرأة تترجل وتريد أن تكون كالذكور، (وقد لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال).
قال: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٠] فإياكم أن تتدخلوا في خلق الله، وأن تغيروا شيئاً مما خلق الله العباد عليه! فيكون على هذا المعنى الثالث نهياً من الله للعباد عن أن يتدخلوا في الخلق بتغيير أو تحريف لما فطر الله عليه الإنسان.
стр. 1564
معنى قوله تعالى: (ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)
قال: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] أي: أن هذه الأوامر والنواهي، وهذه المعتقدات التي يذكرها الله إنما هي ذكر لكم في دينكم، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] أي: المليئ بالقيم، فكله عظمة من عند رب العالمين سبحانه، ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] يعني: المستقيم الذي لا انحراف فيه ولا اعوجاج.
قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم:٣٠] قالوا: الدين بمعنى: الشريعة، وقالوا أيضاً الدين بمعنى: الجزاء، ومنه قول الله : ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤]، ولذلك فإن الدين القيم هنا بمعنى: الشريعة المستقيمة، وقد يكون أيضاً بمعنى: هذا الجزاء من الله الذي يجازي به خلقه يوم القيامة، فهو الجزاء العادل من الله ، أو هو ذلك الحساب البين من الله سبحانه.
قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، وإن علموا فعلمهم بلا عمل، فتجد الإنسان يعلم بالجنة ويعلم بالنار ثم لا يعمل من أجل الجنة ولا يخاف من النار، فهذا هو العلم غير النافع، وهو كالإنسان الذي تعلم أشياء في الدراسة ودخل الامتحان ولم يكتب شيئاً، فإنه لا ينفعه هذا العلم أبداً.
فلذلك يقول: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠]، وقال لنا في أول السورة: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] إذاً: فعلم الإنسان عن الآخرة مجرد سماع، أما اليقين الذي يدفعه إلى العمل ويمنعه من الزلل فليس بموجود حتى في قلوب أكثر الناس، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
فالعلوم التي يتعلمونها هي علوم الحياة الدنيا، فيعرفون كيفية الزراعة والحصاد، ومتى تكون مواسم الزراعة، ومواسم كذا، ومواسم كذا، فهم يعرفون ويتعلمون أمور الدنيا، فتجدهم يتخصصون أدق التخصصات، لكنهم إذا جاءوا إلى العقيدة وإلى رب العالمين سبحانه إذا بهم يلعبون، ولا يعرفون شيئاً، فلا ينفعهم علمهم هذا بشيء في الآخرة، قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٠].
стр. 1565
تفسير قوله تعالى: (منيبين إليه واتقوه)
قال الله تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣١]، وهذا بعد أن قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم:٣٠]، فكأنه أمر له ﷺ وللمؤمنين بالتبع، ولذلك جمع بعد ذلك وقال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣١]، إذاً: فأقم وجهك أنت والمؤمنين في حال كونكم منيبين إلى الله، راجعين إليه، تائبين إلى الله سبحانه.
فقوله: (مُنِيبِينَ) الإنابة: هي الرجوع بالتوبة وبالإخلاص لرب العالمين سبحانه، والإقبال على الله بطاعته، أي: راجعين، خاضعين، خاشعين له .
ومن معاني الإنابة أيضاً: التوبة من الذنوب، يقال: أناب إلى الله أي: رجع إلى الله، ومن معاني الإنابة: الانقطاع عن المعصية، ومنه سمي ناب الإنسان ناباً؛ لأنه يقطع به، فكأن الإنابة مأخوذة من ذلك، فالإنابة بمعنى: الانقطاع عن المعصية، والرجوع إلى الله .
قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم:٣١] أي: واتقوا غضب الله ، واتقوا نار الله، وافعلوا الطاعات التي تقيكم من عذاب رب العالمين سبحانه.
قال: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣١] (فاتقوه): عموم، أي: اتقوا الله في كل شيء، ومن تقوى الله سبحانه ما خصه هنا بإقام الصلاة، وبالنهي عن الشرك بالله سبحانه.
قال: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الروم:٣١] أي: خافوه وامتثلوا ما أمركم به، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣١]، ونلاحظ أنه كلما جاء في القرآن الأمر بالصلاة قال لك: (أقيموا الصلاة)، (أقم الصلاة)، وليس مجرد الأمر بالصلاة فقط، فيكون أي إنسان صلى أي صلاة وانتهى فقد صلى! بل عندما يقول: (أقيموا الصلاة)، (أقم الصلاة)، فيكون أصلها هنا من الاستقامة والاعتدال، والاطمئنان في الصلاة، فتصلي صلاة مودع، وكأنها آخر صلاة تصليها، فإذا صليت صلاة فأحسن هذه الصلاة واعتدل فيها، وهو كقولهم: خذ العود وقومه حتى ينفع ويكون رمحاً قوياً، فتأخذ العود وتعدله على النار شيئاً فشيئاً إلى أن يصير مستقياً، فعندما ترميه لا يحيد عن هدفه ولا يعوج.
وكذلك يجب عليك أن تقوم الصلاة لتصعد إلى السماء ولا ترد عليك، وكم من إنسان يصلي صلاة فلا تقبل منه، وقد تقبل منه بعض الصلاة دون بعضها؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ قوله: (فيخرج أحدكم من صلاته ليس له إلا عشرها)، وأين ذهبت الأعشار الباقية؟! فقد ضيعها في السهو واللهو والتفكير والبيع والشراء والسوق إلى آخره، وإذا بالشيطان يختلس منه الصلاة شيئاً فشيئاً إلى أن يضيع على الإنسان صلاته، فيخرج أحدكم من صلاته ليس له منها إلا عشرها، إلا تسعها، إلا ثمنها، إلا سبعها، إلا ثلثها، إلا خمسها، إلا ربعها، إلا نصفها، والغالب من الناس يخرج وليس له إلا نصفها، والقلة من الناس من يخرجون ولهم صلاة كاملة؛ لأن النبي ﷺ لما ذكر هذا الحديث الذي في سنن أبي داود بدأ من العشر ووصل إلى النصف ولم يزد على ذلك، وكأن ذلك هو الأغلب من أحوال الناس، فلذلك ينبغي على المسلم أن يحسن صلاته قدر المستطاع، ولا يكلف الله نفساً إلى وسعها، بالإضافة إلى أنه يكثر من النوافل؛ لكي يجبر النقص الحاصل في الفرائض فإن ذلك ينفعه يوم القيامة.
قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم:٣١] يعني: استقيموا في صلاتكم، وصلوا لله صلاة تكونون فيها خاشعين لله سبحانه، مستحضرين فيها قلوبكم وعقولكم وبصائركم.
стр. 1566
تفسير قوله تعالى: (ولا تكونوا من المشركين)
احذروا من الشرك بالله كما قال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٣١] أي: لا توجهوا العمل لغير الله رياءً أو سمعةً، أو عبادة أنداد مع لله ، فلا يكون هناك شرك أكبر أو أصغر أو خفي، ولكن توجهوا لله ولا تشركوا به شيئاً، قال: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم:٣١ - ٣٢] أي: لا تكونوا من المشركين الموصوفين بهذه الصفة، فكأن من المسلمين من يقلدون المشركين في ذلك، فالله يحذرنا من أن نكون كالمشركين في شركهم، وكذلك من أن نكون مثلهم في بدعهم وفي تفرقهم شيعاً.
وفيها قراءتان: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ وهذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي: ((من الذين فارقوا دينهم))، وهذا كاليهود والنصارى، فإن الدين جاءهم من عند رب العالمين، فعرفوه ثم بدلوه وحرفوه، ففارقوا بذلك دين رب العالمين سبحانه، فاحذروا أن تبدلوا وأن تحرفوا دينكم فتكونوا كهؤلاء المشركين.
أما الصورة الأخرى: فهي أنهم انقسموا وافترقوا في دينهم على ملل، كما قال النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: من هم؟ قال: من كانوا على مثل ما أنا عليه وأصحابي).
إذاً: فقد افترقت اليهود والنصارى، وافترق المسلمون كذلك إلى فرق أكثر من اليهود والنصارى إلى ثلاث وسبعين فرقة، والفرقة الوحيدة الناجية: هي التي تتمسك بكتاب الله وبسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا تفرق دينها.
والفرقة الناجية هم: أهل السنة والجماعة، الذين اعتصموا بحبل الله سبحانه، واقتدوا برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فلا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم، فابتدعوا فيه، وجعلوا هؤلاء فرقة، وهؤلاء فرقة، وهؤلاء فرقة، فحذرنا النبي ﷺ من ذلك، وأخبرنا أنه كائن وسيكون ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾ [الروم:٣٢] أي: فرقاً.
قال: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢]، والمصيبة أن الإنسان إذا بعد عن دين الله سبحانه فعصى الله سبحانه وهو يعرف أنه عصى، فلعله يتوب يوماً من الأيام؛ لأنه يعرف أنه في معصية، لكن المبتدع يظن أنه على خير وطاعة، ويظن أنه أتى بما لم يأت به أحد قبله، فيكون سعيداً فرحاً بما هو عليه، فمن البعد بمكان أن يرجع أو يتوب إلى الله، وكيف يتوب وهو يظن أنه متقرب إلى الله بذلك؟! قال: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢]، فيأخذون بما عندهم، ولا شأن لهم بالذي عندك ولو كان حقاً.
وكم من أهل البدع على ذلك، فإذا قلت لإنسان من أهل البدع: تعال لنتناقش معك في الكتاب والسنة، قال لك: وأي سنة هذه التي ترجع فيها لأحاديث النبي ﷺ ؟ فأنتم مخترعون لهذه الأحاديث، حتى إن بعض هؤلاء الحمقى والمغفلين عندما تقول له: هذا الحديث في صحيح البخاري، يقول: أنتم الذين ألفتم البخاري! هذا من جهله وحماقته، فلم يطلع هو على البخاري ولا على غيره، ولكنه سعيد بما هو عليه من الباطل والبعد عن دين الله تعالى، فإذا قلت له بالحجة رفضها، ورفض الرجوع إلى كتاب الله، قال الله : ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٢]، فإذا فرح الإنسان بما عليه من البدع صار من البعيد جداً أن يراجع نفسه، أو أن يتوب إلى الله ، إلا من رحم الله.
стр. 1567
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه)
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣] المس: أقل من اللمس، أما الإذاقة فمأخوذة من التذوق الذي يكون باللسان، فكأن التعبير بالمس والذوق يدل على الشيء القليل؛ لأن الدنيا بمصائبها مهما زادت فلن تساوي بجوار عذاب رب العالمين في النار شيئاً، وإنما هي كالمس وكالإذاقة في يسره وقلته.
ولك أن تقارن بين الذوق وبين بلع الطعام، فالذوق بالنسبة للصائم لا يفطر بعكس الأكل الذي يفطره، وهنا يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ﴾ [الروم:٣٣]، فإذا ابتلي الإنسان بشيء يسير من عذاب رب العالمين تاب ورجع إلى ربه وأعطى بذلك العهود والمواثيق كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ [الروم:٣٣] يعني: وحدوا الله وأنابوا ورجعوا إليه.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [الروم:٣٣]، وقد عبر بالذوق هنا كأن الرحمة التي في الدنيا لا تساوي شيئاً بجوار رحمة رب العالمين يوم القيامة، فقد خلق الله الرحمة وقسمها إلى مائة جزء، فجعل في الدنيا رحمة واحدة، وجعل الباقي ليوم القيامة، فرحمة الله عظيمة واسعة .
ثم إذا أذاق الإنسان منه رحمة، بأن أعطاه قليلاً من المال أو الغنى بطر به وأشرك وكفر، فلا يكون لأمثال هذا قيمة يوم القيامة، ولك أن تنظر إلى آخر أهل الجنة دخولاً الجنة وخروجاً من النار، وهذا الرجل من عصاة الموحدين، الذين ماتوا على لا إله إلا الله، واستحق بسبب كثرة ذنوبه أن يدخل النار، ثم في النهاية يقول الله له: تمن، فيتمنى، ثم يذكره الله ، فيتمنى ثم يذكره الله إلى أن يعجز عن التمني، فإذا بالله يقول: أما ترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيفرح العبد بذلك، فيقول الله : لك مثله ومثله ومثله، وعشرة أمثاله، فيكون أقل أهل الجنة نصيباً، فلا تساوي الدنيا بأسرها أقل نصيب لأقل إنسان في الجنة! وقد جاء في الحديث أن هذا الإنسان يقول عندما يتجاوز الصراط (لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من العالمين).
إذاً: فمهما كان نعيم أهل الدنيا واسعاً فإنه لا يقارن بنعيم أهل الجنة عند رب العالمين سبحانه.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ [الروم:٣٣] أي: شيئاً من رحمة رب العالمين، ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣] أي: يرجعون للكفر مرة أخرى، وهو كفر النعمة والجحود، فالإنسان بطبعه يطغى إذا جاءه المال، فينسى ربه ، ويعترض عليه سبحانه ثم يستكبر على الخلق؛ لأن الله أعطاه قليلاً من المال فظن أن لا أحد فوقه.
стр. 1568
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم)
قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٤] أي: فسوف ترون العذاب يوم القيامة؛ لأنكم كفرتم بما أعطاكم الله من المال والغنى، واللام هنا: إما لام الأمر فيكون معناه: التهديد والوعيد من الله ، وإما أن تكون لام العاقبة أو الكيد فيكون معناه: إن الله إذا أنعم عليهم كان عاقبة ذلك منهم ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]؛ لتكون العاقبة أنهم في النار والعياذ بالله، ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [الروم:٣٤]، فالكفر بما آتاهم الله سبحانه هو العاقبة لهم.
﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ [الروم:٣٤] أي: في الدنيا، فمهما تمتعتم بها ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء:٧٧]، قال: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٤].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1569
تفسير سورة الروم [٣٣ - ٣٧]
من الواجبات على المسلم أن يلجأ إلى الله تعالى في سرائه وضرائه، لا أن يلجأ إلى الله في حال الشدة والكرب فقط كما هو حال المشركين، ثم ينقلبون إلى الشرك بمجرد أن ينجيهم الله من الكرب الواقع بهم، فإذا لجأت إلى الله تعالى في حال الشدة والرخاء معاً فتح لك من أبواب خزائنه التي لا تنضب، وبسط لك رزقه من حيث لا تعلم.
стр. 1570
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ * وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٣ - ٣٩].
في هذه الآيات من سورة الروم يخبرنا ربنا عن طبيعة الإنسان فيقول سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]، ففي وقت نزول البلاء، وفي وقت نزول الشدة والمصائب، وفي وقت قحط المطر وشدة الناس في طعامهم وشرابهم يبتليهم الله ، فإذا بهم يرجعون إلى الله ويدعونه وحده لا شريك له، قال: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم:٣٣]، والتعبير بالمس دال على أقل شيء يمسه من الضر، فإذا بهم يدعون ربهم ويرجعون إليه متأدبين منيبين راجعين تائبين من ذنوبهم، والإنسان في وقت بلائه يفعل ذلك، ويرجو أن يكشف الله عنه ضره، قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]، ورحمة الله عظيمة واسعة، وأعظم ما تكون يوم القيامة، فقد قسم الله الرحمة مائة جزء، فجعل منها جزءاً واحداً في الأرض يتراحم منه الخلق جميعاً، الإنس والجن والبهائم، وأبقى عنده تسعة وتسعين جزءاً ليرحم به الخلق يوم القيامة، ويضيف إليهم هذا الجزء الذي كان بينهم في الدنيا، فهنا إذا أذاقهم شيئاً من رحمته إذا بهم يشركون، والمفترض بالإنسان إذا ذاق البأساء والضراء، وذاق كيف تكون الشدة في الدنيا، ودعا ربه وأناب إليه، فمن المفترض أن يظل على ذلك دائماً، فيدعو الله تائباً إليه مستقيماً على الصلاة.
ولكن الإنسان معوج بطبيعته لا يستقيم، فإذا أذاقه الله شيئاً من الرحمة، وعبر: بأذاقه، وكأنه مهما أوتي من شيء في هذه الدنيا فهو قليل، لكن أن يطعمك حقيقة فهذا في الجنة، ويوم القيامة، لكن في الدنيا يذيقك ويمسك فيعطيك شيئاً يسيراً، وإن كانت رحمة الله كلها عظيمة.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]، والفريق الآخر مستمرون على التوحيد، وفريق يكفرون بالله سبحانه، ويجحدون نعم الله ، إما كفراً أكبر فيخرجون من دين الإسلام، وإما كفر جحود، كأن يقال لأحدهم: إن الله أعطاك فاحمد الله، فيقول: قد وقعت بي مصيبة ووقع لي كذا! فيجحد، وكأنه يحتقر نعمة الله عليه، فهذا من كفر الإنسان وجحوده، قال الله : ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] أي: جحود، ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:٧]، فسيشهد على نفسه بذلك، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:٨] أي: المال، ﴿لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٨] يحب المال كثيراً، ويحب أن يعطيه الله الرزق الواسع العظيم، وينسى الدار الآخرة، فلذلك يقول تعالى هنا: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣] أي: ينسبون الفضل إلى غير الله سبحانه، فتجد الإنسان يعطيه الله مالاً ثم يقول: فلان أعطاني كذا، وينسى الله ! فيشكر فلاناً، وينسى أن يحمد الله سبحانه ويشكره على ما أعطاه.
يقول هنا: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٣]، والتعبير بالفريق هنا يدل على عدم شرك الفريق الآخر، وهم أهل التوحيد، أهل الإيمان الخالص، عباد الرحمن سبحانه، الذين يعبدونه ويرجونه في السراء والضراء، فإن أنعم عليهم الله وخافوا، وإن أنزل بهم من بأسه وضرائه إذا بهم يجأرون إلى الله في كل وقت بالدعاء حامدين شاكرين صابرين محتسبين شاكرين ربهم ، أما الفريق الآخر من العباد فهم الذين يشركون، وهذا الصنف هو الأكثر غالباً، كما قال : ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، فالذين يشكرون الله حق الشكر ويحمدونه حق الحمد قليلون، والكثيرون يقولون: الحمد لله، وقد يقولها بلسانه ولكن قلبه لا يوافقه على ذلك، فتجد الإنسان إذا أتته نعمة فقلت له: احمد الله تعالى، قال لك متذمراً: نحن نحمد الله دائماً! وكأنه معترض على الله، ولو لم يقل ذلك لكان أفضل له، فيقولها معترضاً على ربه سبحانه، ولكن المؤمن يحمد الله سبحانه، ويعلم أن وراء البلية خير عظيم عند الله ، فإذا ضيق عليه يقول: الحمد لله وسيعوضني الله يوم القيامة، فالمحصلة والمخزن والحصالة حقي عند الله سبحانه ﵎ يدخر لي ذلك، فالإنسان المؤمن يرجو فضل الله ورحمته سبحانه فيشكره، وقليل من عباد الله الشكور.
стр. 1571
تفسير قوله تعالى: (ليكفروا بما آتيناهم)
قال الله: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٣٤]، واللام هنا: إما لام الأمر وإما لام كي، وكأنه أمر للتهديد والوعيد، كقوله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]، فأين ستذهب من الله؟ فلام الأمر هنا تفيد التهديد والوعيد، ولام كي تفيد التعددية، وكأن المقصود بها هنا: العاقل، أي: لتكون عاقبتهم أن يكفروا بالله سبحانه وبما آتاهم، فيعاقبهم الله يوم القيامة على ذلك.
قال: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا﴾، يقول للعباد: تمتعوا بما آتيناكم في هذه الدنيا، ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، أي: سترون يوم القيامة أن هذه الدنيا كانت تافهة لا قيمة لها، إذ إنكم فرحتم بها وضيعتم الآخرة.
стр. 1572
تفسير قوله تعالى: (أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون)
يقول سبحانه: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥]، والمقصود بالسلطان: كتاب وعلم من عند الله سبحانه، يعني: هل آتيناهم كتاباً يتكلمون به ويحاجونك به يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟! وهل يتكلم هذا الكتاب الذي عندهم بما كانوا به يشركون؟ فليس عندهم أثارة من علم على ذلك، وليس للكفار شيء إلا الهوى، وليس عندهم إلا الباطل والكذب، والاستفهام هنا معناه: النفي، أي: ليس عندهم كتاب ولا حجة ولا برهان من الله سبحانه، فالسلطان هنا مأخوذ من التسلط، والتسلط قد يكون بالقوة، وقد يكون بالحجة والبيان، فالمعنى هنا: هل معهم ما يتسلطون به عليكم ويحاجونك ويجادلونك به من عند رب العالمين؟ والجواب لا، ليس عندهم ذلك، فلم يكذبون ويكذبون؟ قال تعالى: ﴿أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥] يعني: هل هذا السلطان والكتاب والعلم يخبر ﴿بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٥]؟
الجواب
لا.
стр. 1573
تفسير قوله تعالى: (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها)
قال سبحانه: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٦] أي: إذا أذقنا الناس رحمة منه سبحانه، ورحمة الله عظيمة واسعة، فرحمته في الدنيا: ما يراه الإنسان من صحة وعافية، ومن مال وسعة في الرزق، ومن مطر ينزل عليه من السماء، فرحمات الله عظيمة على عباده.
فإذا أذاق الإنسان رحمة من خصب وسعة، من عافية ومطر، من أمن ودعة، إذا أعطاهم شيئاً من ذلك فرحوا به.
قال: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٦]، والسيئة هنا: بمعنى المصيبة والبلية التي هي من بليات الدهر والزمان، فالله يبتليهم بها، قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم:٣٦]، فما أصابك من مصيبة فبما كسبت يداك، وما ابتلاك الله به فهو ناتج بما جرت به يدك من آثام ومعاص، فيذيق الله العباد بسببها عقوبتهم في الدنيا.
قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ [الروم:٣٦]، أي: ما يسوءهم بسبب ما اكتسبوه من المعاصي، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ [الروم:٣٦]، والقنوط: بالطاء اليأس، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ بفتح النون، وقراءة أبي عمرو ويعقوب والكسائي: ﴿إِذَا هُمْ يَقْنِطُونَ﴾ بكسرها، وليس فيها (يقنُطون) بالضم، فهي ليست قراءة ولا لغة فيها.
قال: ((إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ))، أي: ييئسون إذا أصابتهم المصيبة، وهذه عادة الإنسان إذا مات له قريب، أو حبيب يحبه، فإنه يقنط وييئس ويتضايق، ولا يطيق أحداً، وبل يظل على ذلك عمراً طويلاً في يأسه وفي ضيقه بسبب هذا الأمر الذي نزل به، فجاء دين رب العالمين ليجعل لنا حدوداً لا يجوز تجاوزها، فإن حزنت فلا تتجاوز الحدود فتيئس من رحمة الله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فلا تقنط ولا تيئس ولا تعترض على أمر الله تعالى وقدره.
وهنا يقول النبي ﷺ : (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا)، وهذا لما مات ابنه إبراهيم، فإذا بالنبي ﷺ يحزن وتدمع عيناه ولا يمنعه ذلك من أن ينصح الناس، فالناس يقولون: خسفت الشمس لموت إبراهيم، فإذا به مع شدة حزنه يقول للناس: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)، فهو يعلمهم مع أنه صلوات الله وسلامه عليه حزين وفي قلبه الرحمة على ابنه، لكنه لا يعترض على أمر الله ، وقد أخبر أن لـ إبراهيم مرضعة عند الله تكمل رضاعه، فهنا النبي ﷺ يخبر أن لابنه عند الله ما هو خير له مما في هذه الدنيا، وقد مات النبي ﷺ بعد ابنه بشهور ﵊.
فالإنسان قد يأخذه الحزن الشديد فيجب عليه ألا ييئس، فهذا النبي ﷺ مات ابنه وحزن عليه ﷺ ثم مات بعده بشهور، فإذا مات لك قريب أو إنسان حبيب فلا تحزن عليه جداً؛ لأنك لا تدري لعلك تلحقه بعد ذلك، فإذا اعترضت على أمر الله سبحانه ثم مت على هذا الاعتراض فإنها مصيبة في الدنيا ومصيبة في الآخرة، ولكن المؤمن يصبر على أمر الله سبحانه، ويرضى بقضاء الله وقدره، فإذا بكى بكى بصوت هادئ، فلا يصيح ولا يعترض على قضاء الله فليس له ذلك، (فالنائحة من النساء تأتي يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)، كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، فإذا كانت هذه النائحة من النساء فما بالك بالرجال الذين يفعلون كالنساء؟! فالغرض أنك لا تعترض على الله سبحانه، بل للإنسان الإحداد على الميت ثلاثة أيام فقط وليس له أكثر من ذلك، بل إذا كان أقل من ذلك فهو أفضل؛ لكي لا يظهر الحزن والجزع؛ لأن هذا شيء في القلب، وإذا دمعت العين فلا شيء في ذلك، أما المرأة فإنها تحد على الزوج أربعة أشهر وعشراً، فيجب على الإنسان ألا يتجاوز الحد المحدود له شرعاً، وألا يزيد في أمر البكاء وتهييج المشاعر بحيث يصل به الحال إلى الاعتراض على الله .
стр. 1574
تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء)
يقول سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٧] (أو لم يروا) أي: أفلا ترون ذلك؟ أن الله يعطي ويمنع، يرفع ويضع، يبسط ويوسع، يقدر ويضيق، فيبسط لمن يشاء ويضيق على من يشاء، ولا يعني أن من بسط له في الرزق أن الله يحبه، فالله يضيق على من يشاء، ويوسع لمن يشاء لحكمة يعلمها هو، فقد ضيق على النبي ﷺ في حياته كلها ﵊، حتى فتحت له في آخر حياته الفتوح فلم يستمتع بها ﷺ ، بل توفي ﵊ ولم يستمتع من الدنيا بشيء، ولذلك كان بعض الصحابة يأكل خبز الشعير وخبز القمح ويقول لمن حوله: إن النبي ﷺ ما شبع من خبز الشعير ثلاثة أيام، صلوات الله وسلامه عليه، ونحن نأكل خبز القمح ثم ننام -كما نزعم- جائعين مع ذلك! وهو ﷺ لم يشبع من الخبز الحاف، فضلاً عن خبز القمح، فما ذاقه النبي ﷺ ، إنما كان يأكل خبز الشعير ﵊، وكان يضع الحجر على بطنه من شدة الجوع ليلة وراء ليلة، وهو لا يجد ما يأكله ﷺ ، فلما فتحت عليه الدنيا وفتحت له الفتوح ﵊ إذا به يقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة)، فهذا المال ليس لي ولا لأهلي من بعدي، بل هو مال الله ، فليس لي من مغانمكم أموالكم إلا الخمس، قال: (والخمس مردود عليكم) أي: وحتى الخمس الذي له صلوات الله وسلامه عليه مردود على الناس، يعطيه للضيف ولابن السبيل ونحوهما، هذا هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1575
تفسير سورة الروم [٣٨ - ٣٩]
إن الله تعالى هو الرازق وحده لا شريك له، ومن حكمته أن جعل بعض الناس غنياً وبعضهم فقيراً، وقد أمر أهل الغنى أن يتصدقوا على ذوي القرابة والمساكين وابن السبيل، فهؤلاء لهم حق من أموال الأغنياء، فمن أعطاهم حقهم ضاعف الله له الأجر وخلف عليه في الرزق، ولا يجوز استغلال حاجة الفقراء بأن يتعامل معهم الإنسان بالربا، ومن فعل ذلك يريد كثرة ماله فلن يكثر ماله عند الله، بل يمحقه الله وينزع منه البركة، فيخسر صاحبه الدنيا والآخرة.
стр. 1576
تفسير قوله تعالى: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الروم: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٨ - ٤٠].
في هذه الآيات من سورة الروم يأمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالتبع بإيتاء ذوي القربى حقوقهم وكذلك المساكين وأبناء السبيل، قال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٨]، فبدأ بالنبي ﷺ ؛ لأنه الأسوة والقدوة الحسنة صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ [الروم:٣٨]، فجمع، فدل على أن ما في أول الآية ليس المقصود النبي ﷺ وحده، إنما المقصود المؤمنون من بعده.
قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الروم:٣٨] (خير) أفعل تفضيل بمعنى أخير، أي: أفضل للذين يبتغون وجه الله ، والمؤمنون الذين يخلصون لله لا يريدون حطام الدنيا بأعمالهم التي يتقربون بها إلى الله ، وهؤلاء هم المفلحون الذين يؤتون الحقوق لأصحابها.
قال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم:٣٨]، فهؤلاء لهم حقوق، والإنسان يجب عليه حق في بدنه، ويجب عليه حق في ماله، فحق البدن لله ما يقوم به من عبادات لله سبحانه، يبذل لله في صلاته، في صومه، في حجه، فيتقرب إلى الله سبحانه بأعمال بدنية يبتغي بها وجه الله كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من أعمال بدنية يبتغي بها وجه الله سبحانه.
كذلك الأعمال المالية يتقرب بها العبد إلى الله، بالزكاة المفروضة، بالصدقة، بالإنفاق الواجب على نفسه وعلى زوجه وعلى عياله وعلى رقيقه وعلى أبيه وعلى أمه، وعلى من يحتاج من أقاربه إذا لزمه أن ينفق عليهم، قال سبحانه معمماً ذلك: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨] أي: أعط كل ذي حق حقه، وهذه الآيات من سورة مكية، ولكن جاء التفصيل بعد ذلك في السور المدنية في أمر الزكاة وما ينبغي فيها، وجاء تفصيلها في سنة النبي ﷺ .
فمما جاء في القرآن في بيان هذه الزكوات قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] فريضة افترضها الله سبحانه، والذي قسمها ووزعها الله ، فهنا أجمل في هذه الآية المكية فقال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨] يعني: كل من كان قريباً لك واحتاج أو وجبت عليك النفقة على هذا الإنسان أو كان معك زكاة ويلزمك أن تخرج هذه الزكاة فالقريب أولى بالمعروف من غيره، وقد جاء في أحاديث عن النبي ﷺ يبين فيها أن إيتاء الزكاة لذوي القربى وإيتاء الصدقات لذوي القربى أنفع للإنسان في الدنيا وفي الآخرة، حيث يصل رحمه بذلك، ويحبه قريبه، والإسلام يدعونا للتعارف مع الغرباء قال الله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فيتعارف المؤمن مع غيره فكيف بالقريب؟! فمن باب المودة والرحمة أن تعطي الزكاة لهذا القريب، وتعطيه النفقة، وتعطيه الصلة، فيحبك هذا الإنسان القريب، وإذا زادت المحبة وجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان بين القريب وقريبه محبة، يقول له: لا تعمل هذا؛ فهو حرام، فيستحيي منه ولا يفعل هذا الشيء، لكن لو لم توجد بينهما مودة يقول لك: لست علي رقيباً! فالإسلام الدين العظيم يأمر الناس بالتعارف، والتعارف وسيلة لإقامة دين الله في الأرض.
ولا يجوز للإنسان إذا رأى من يعمل شيئاً من المنكرات أن يقول: ما لي دخل، ربنا سيحاسبه، له أفعاله ولي أفعالي! ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ فتشيع الفواحش بين الناس بسبب ترك هذه الفريضة.
стр. 1577
فضل الصدقة على ذوي القربى
قال الله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم:٣٨]، جاء في حديث ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أنها اعتقت وليدة، بعد أن عرفت الثواب العظيم في العتق، وأن الذي يعتق رقبة يفك الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، فتقربت إلى الله وأعتقت وليدة كانت عندها، فلما أعتقتها قالت للنبي ﷺ : قد أعتقت فلانة، فقال النبي ﷺ : (أو قد فعلت؟ قالت: نعم.
قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) يعني: أنت تصدقت لله سبحانه، وأعتقت هذه الرقبة ولك أجر عظيم، لكن أخوالك كانوا محتاجين لها، فلو أنك بدل ما تعتقيها أعطيتيها لهم؛ لكان أعظم من أن تعتقي هذه الأمة.
وفي الحديث الصحيح عن أم كلثوم بنت عقبة عن النبي ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) أي: المخاصم لك والذي يبغضك، فالصدقة عليه فيها أجر الصدقة وصلة الرحم وإزالة البغضاء والعداوة التي بينكما.
وعن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: (إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة).
فعندما تريد أن تتصدق انظر، فإن وجدت فقراء مساكين غرباء، ووجدت قريباً لك فقيراً، واستوى الاثنان في الحاجة، فقدم القريب، وإن كان الإنسان الغريب أشد حاجة من القريب، ويريد شيئاً يعيش به وإلا سيموت، والقريب عنده قوته لكن يريد الزيادة؛ فهنا الغريب يكون أولى بالصدقة، لتنقذ نفساً من التلف، ولكن إذا استوى الغريب مع القريب في الحاجة فالقريب أولى، ولك أجر الصدقة وأجر الصلة.
وكل نفقة تنفقها لك فيها أجر من الله ، إذا ابتغيت الأجر، حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك لك فيها أجر، وعندما يطعم الإنسان عياله له الأجر على ذلك، وإذا أعطى ذي الرحم الكاشح النفقة أو أعطاه الصدقة، فله الأجر المضاعف من الله .
стр. 1578
الترغيب في الصدقة من رزق الله
قال الله: ﴿َإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٦ - ٣٧] لماذا تقنط؟ ولماذا تفرح وتفتخر بهذا الشيء على غيرك؟ فالذي يبسط الرزق والذي يقدر الرزق ويضيقه هو الله ، فإذا أتاك الرزق الواسع لا تظن أن الله أعطاك هذا الرزق؛ لأنه يحبك ولكن احمد ربك وخف من الفتنة في هذا الرزق الواسع، وإذا ضيق عليك الرزق فلا تظن أنه لا يحبك، فتضييق الرزق أو توسيع الرزق ليس دلالة على حب الله أو بغضه للعبد.
فالمؤمن إذا آتاه الله مالاً ورزقاً يشكر ربه سبحانه، ويحمد الله سبحانه، ويعطي الحقوق لأصحابها، ويخاف على نفسه الفتن في هذا المال.
وإذا ضيق الله عليه في الرزق، يحسن الظن بالله سبحانه، فيقول: الله سبحانه فعل ذلك ليدخر لي الأجر عنده يوم القيامة، لكن الكافر إذا أعطاه الله المال يفرح بهذا المال، ويقول: الله يحبني؛ لأنه أعطاني هذا المال، ويطغى على غيره من الخلق، فإذا أصابته المصيبة يقنط من رحمة الله وقد ينتحر؛ لأنه يائس من رحمة الله سبحانه.
وهذا الدين العظيم يعلمنا أن متاع الدنيا قليل، ومهما أوتيتم فيها فحطام الدنيا لا يساوي شيئاً، فالمؤمن يعبد الله سبحانه، ويبتغي الأجر في الآخرة.
ثم ذكر الله أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهذا تمهيد لما بعدها وهو قوله: ﴿َآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨].
ومن أسباب بسط الرزق أن تخرج النفقات وتعطيها لأهلها، (وما نقص مال من صدقة)، مهما تصدقت فالله يزيد لك من هذا المال، فكن على يقين بما عند الله سبحانه، ورزق ربك خير وأوسع وأعظم.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم:٣٨]، فأعط المسكين حقه من الزكاة الواجبة، ولابن السبيل كذلك.
стр. 1579
الإخلاص في الصدقة
قال الله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٨] أي: ذلك الإعطاء والإيتاء خير للذين يريدون وجه الله، ما قال: ذلك خير للناس كلها، فيوجد إنسان يعطي يبتغي الدار الآخرة، وإنسان يعطي من أجل الدنيا، فمن ابتغى الدار الآخرة فهذا الذي له الخير، ومن يبتغي الدنيا قد يحصل له ما يريده وقد لا يحصل له، وهذا يوضحه الآية التي تليها، والقرآن في تسلسل الآيات عجيب وعظيم وجميل، تجد الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها! فانظر إلى التمهيد الذي ذكره الله في أنه هو الذي يعطي، وهو الذي يبسط الرزق، وهو الذي يقدر الرزق، والإنسان طبيعته أنه كنود، إذا أعطاه الله المال فرح، وإذا ضيق عليه حزن وجزع، فهنا يقول لك: أعط هذا المال ولا تخف؛ فإن الله هو الذي يبسط الرزق، وهو الذي يضيق على من يشاء.
فالذي يبتغون وجه الله بالإعطاء أولئك هم المفلحون، ينجحون النجاح الأبدي، وفرق بين نجح وأفلح، النجاح قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، ولكن الفلاح لا يكون إلا في الآخرة، الفلاح هو النجاح الدائم الذي لا خسران بعده أبداً، نسأل الله أن يجعلنا من المفلحين.
стр. 1580
تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] هذه الآية متعلقة بما قبلها، انظروا كيف بدأ الله سبحانه يذكر أن الإنسان عندما يعطيه الله رحمة من عنده سبحانه من مال ومن خير يفرح به ويفخر على غيره، وإذا ضيق الله عليه يقنط، فكأن الله يقول: ظن بالله ظن الخير، وأحسن إلى الخلق، فالله يعطي والله يمنع، الله يقبض والله يبسط، ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ [الروم:٣٨]، سواء ضيق الله عليك أو وسع عليك، أعط رزقك، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧].
قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] الربا حرم في سورة البقرة وهي مدنية، وهذه الآية مكية، وهنا ذكر الربا وكأنه تمهيد لتحريمه، وقد كان المنع من الربا نهائياً في خطبة الوداع حين قال ﷺ : (وكل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول رباً أضعه ربا العباس)، فكان يوجد ربا للعباس ﵁ في الجاهلية يتعامل به، فلما أسلم كان لا يزال يتعامل به، حتى حرم النبي ﷺ ذلك في خطبة حجة الوداع.
وقول الله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] لها معنيان: معنى الربا المعروف، ومعنى آخر مقصود وهو المقدم هنا في هذه الآية، فالربا أصله من الزيادة، فقالوا: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] هي الهدية، وما هو وجه الربا في هذه الهدية؟ قال ابن عباس: الربا نوعان: ربا حلال وربا حرام، الربا الحلال: هو الذي لا أجر لك فيه عند الله ، وهو ما يفعله الناس فيما بينهم من هدايا، يعطي إنسان لأخيه هدية، أو يعطي ابنه إذا نجح هدية، وهذا هو الذي ذكره الله هنا، وهو المقصود بهذه الآية، وأكثر المفسرين من الصحابة والتابعين على هذا المعنى، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] يعني: ليس لك أجر فيه عند الله سبحانه، تعطي هدية وتنتظر جزاءها، وبعض الناس ينتظر مثلها، وبعض الناس ينتظر أعظم منها، فالغني إذا أعطي هدية بجنيه، قد يرد بهدية بمائة جنيه، فهذا من أبواب الربا الذي ليس بحرام إلا على النبي ﷺ ، فهو محرم على النبي ﷺ كما قال له الله في سورة المدثر: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] يعني: لا تعط هدية تبتغي أكثر منها، لا تعط عطاءً تنتظر الرد أعظم منه، بل إذا أعطاك إنسان عطاء فأعطه مثله ومثليه وعشرة أمثاله، فالنبي ﷺ مأمور أن يعطي أكثر مما يأخذ ﵊، أما غير النبي ﷺ فبعضهم قد يعطي الهدية للقريب أو لغيره وينتظر عليها ما هو فوقها وما هو أعظم منها، وهذه الهدية ليس للإنسان أجر فيها، أما إذا أعطيت الهدية تبتغي بها وجه الله ، وتبتغي صلة الرحم، فلك الأجر عند الله، وإذا ابتغيت أن يؤدى لك أكثر منها فليس لك أجر، وليس هذا حراماً عليك، ولكنه حرام على النبي ﷺ فقط، ولكن ائتس بالنبي ﷺ ، فإذا أعطيت هدية فلا تنتظر الرد أعظم منها.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →