← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

تفسير قوله تعالى: (فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٣٨ - ٤٠]. في هذه الآيات من سورة الروم يأمر الله نبيه ﷺ والمؤمنين بالتبع بإيتاء ذوي القربى حقوقهم وكذلك المساكين وأبناء السبيل، قال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٨]، فبدأ بالنبي ﷺ ؛ لأنه الأسوة والقدوة الحسنة صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾ [الروم:٣٨]، فجمع، فدل على أن ما في أول الآية ليس المقصود النبي ﷺ وحده، إنما المقصود المؤمنون من بعده. قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الروم:٣٨] (خير) أفعل تفضيل بمعنى أخير، أي: أفضل للذين يبتغون وجه الله ، والمؤمنون الذين يخلصون لله لا يريدون حطام الدنيا بأعمالهم التي يتقربون بها إلى الله ، وهؤلاء هم المفلحون الذين يؤتون الحقوق لأصحابها. قال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم:٣٨]، فهؤلاء لهم حقوق، والإنسان يجب عليه حق في بدنه، ويجب عليه حق في ماله، فحق البدن لله ما يقوم به من عبادات لله سبحانه، يبذل لله في صلاته، في صومه، في حجه، فيتقرب إلى الله سبحانه بأعمال بدنية يبتغي بها وجه الله كالجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من أعمال بدنية يبتغي بها وجه الله سبحانه. كذلك الأعمال المالية يتقرب بها العبد إلى الله، بالزكاة المفروضة، بالصدقة، بالإنفاق الواجب على نفسه وعلى زوجه وعلى عياله وعلى رقيقه وعلى أبيه وعلى أمه، وعلى من يحتاج من أقاربه إذا لزمه أن ينفق عليهم، قال سبحانه معمماً ذلك: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨] أي: أعط كل ذي حق حقه، وهذه الآيات من سورة مكية، ولكن جاء التفصيل بعد ذلك في السور المدنية في أمر الزكاة وما ينبغي فيها، وجاء تفصيلها في سنة النبي ﷺ . فمما جاء في القرآن في بيان هذه الزكوات قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] فريضة افترضها الله سبحانه، والذي قسمها ووزعها الله ، فهنا أجمل في هذه الآية المكية فقال: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨] يعني: كل من كان قريباً لك واحتاج أو وجبت عليك النفقة على هذا الإنسان أو كان معك زكاة ويلزمك أن تخرج هذه الزكاة فالقريب أولى بالمعروف من غيره، وقد جاء في أحاديث عن النبي ﷺ يبين فيها أن إيتاء الزكاة لذوي القربى وإيتاء الصدقات لذوي القربى أنفع للإنسان في الدنيا وفي الآخرة، حيث يصل رحمه بذلك، ويحبه قريبه، والإسلام يدعونا للتعارف مع الغرباء قال الله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]، فيتعارف المؤمن مع غيره فكيف بالقريب؟! فمن باب المودة والرحمة أن تعطي الزكاة لهذا القريب، وتعطيه النفقة، وتعطيه الصلة، فيحبك هذا الإنسان القريب، وإذا زادت المحبة وجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن كان بين القريب وقريبه محبة، يقول له: لا تعمل هذا؛ فهو حرام، فيستحيي منه ولا يفعل هذا الشيء، لكن لو لم توجد بينهما مودة يقول لك: لست علي رقيباً! فالإسلام الدين العظيم يأمر الناس بالتعارف، والتعارف وسيلة لإقامة دين الله في الأرض. ولا يجوز للإنسان إذا رأى من يعمل شيئاً من المنكرات أن يقول: ما لي دخل، ربنا سيحاسبه، له أفعاله ولي أفعالي! ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؛ فتشيع الفواحش بين الناس بسبب ترك هذه الفريضة.

стр. 1577

فضل الصدقة على ذوي القربى قال الله: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الروم:٣٨]، جاء في حديث ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين ﵂ أنها اعتقت وليدة، بعد أن عرفت الثواب العظيم في العتق، وأن الذي يعتق رقبة يفك الله بكل عضو منها عضواً منه من النار، فتقربت إلى الله وأعتقت وليدة كانت عندها، فلما أعتقتها قالت للنبي ﷺ : قد أعتقت فلانة، فقال النبي ﷺ : (أو قد فعلت؟ قالت: نعم. قال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك) يعني: أنت تصدقت لله سبحانه، وأعتقت هذه الرقبة ولك أجر عظيم، لكن أخوالك كانوا محتاجين لها، فلو أنك بدل ما تعتقيها أعطيتيها لهم؛ لكان أعظم من أن تعتقي هذه الأمة. وفي الحديث الصحيح عن أم كلثوم بنت عقبة عن النبي ﷺ قال: (أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح) أي: المخاصم لك والذي يبغضك، فالصدقة عليه فيها أجر الصدقة وصلة الرحم وإزالة البغضاء والعداوة التي بينكما. وعن سلمان بن عامر أن النبي ﷺ قال: (إن الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان صدقة وصلة). فعندما تريد أن تتصدق انظر، فإن وجدت فقراء مساكين غرباء، ووجدت قريباً لك فقيراً، واستوى الاثنان في الحاجة، فقدم القريب، وإن كان الإنسان الغريب أشد حاجة من القريب، ويريد شيئاً يعيش به وإلا سيموت، والقريب عنده قوته لكن يريد الزيادة؛ فهنا الغريب يكون أولى بالصدقة، لتنقذ نفساً من التلف، ولكن إذا استوى الغريب مع القريب في الحاجة فالقريب أولى، ولك أجر الصدقة وأجر الصلة. وكل نفقة تنفقها لك فيها أجر من الله ، إذا ابتغيت الأجر، حتى اللقمة تجعلها في فيّ امرأتك لك فيها أجر، وعندما يطعم الإنسان عياله له الأجر على ذلك، وإذا أعطى ذي الرحم الكاشح النفقة أو أعطاه الصدقة، فله الأجر المضاعف من الله .

стр. 1578

الترغيب في الصدقة من رزق الله قال الله: ﴿َإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٣٦ - ٣٧] لماذا تقنط؟ ولماذا تفرح وتفتخر بهذا الشيء على غيرك؟ فالذي يبسط الرزق والذي يقدر الرزق ويضيقه هو الله ، فإذا أتاك الرزق الواسع لا تظن أن الله أعطاك هذا الرزق؛ لأنه يحبك ولكن احمد ربك وخف من الفتنة في هذا الرزق الواسع، وإذا ضيق عليك الرزق فلا تظن أنه لا يحبك، فتضييق الرزق أو توسيع الرزق ليس دلالة على حب الله أو بغضه للعبد. فالمؤمن إذا آتاه الله مالاً ورزقاً يشكر ربه سبحانه، ويحمد الله سبحانه، ويعطي الحقوق لأصحابها، ويخاف على نفسه الفتن في هذا المال. وإذا ضيق الله عليه في الرزق، يحسن الظن بالله سبحانه، فيقول: الله سبحانه فعل ذلك ليدخر لي الأجر عنده يوم القيامة، لكن الكافر إذا أعطاه الله المال يفرح بهذا المال، ويقول: الله يحبني؛ لأنه أعطاني هذا المال، ويطغى على غيره من الخلق، فإذا أصابته المصيبة يقنط من رحمة الله وقد ينتحر؛ لأنه يائس من رحمة الله سبحانه. وهذا الدين العظيم يعلمنا أن متاع الدنيا قليل، ومهما أوتيتم فيها فحطام الدنيا لا يساوي شيئاً، فالمؤمن يعبد الله سبحانه، ويبتغي الأجر في الآخرة. ثم ذكر الله أنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهذا تمهيد لما بعدها وهو قوله: ﴿َآتِ ذَا الْقُرْبَى﴾ [الروم:٣٨]. ومن أسباب بسط الرزق أن تخرج النفقات وتعطيها لأهلها، (وما نقص مال من صدقة)، مهما تصدقت فالله يزيد لك من هذا المال، فكن على يقين بما عند الله سبحانه، ورزق ربك خير وأوسع وأعظم. ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم:٣٨]، فأعط المسكين حقه من الزكاة الواجبة، ولابن السبيل كذلك.

стр. 1579

الإخلاص في الصدقة قال الله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٨] أي: ذلك الإعطاء والإيتاء خير للذين يريدون وجه الله، ما قال: ذلك خير للناس كلها، فيوجد إنسان يعطي يبتغي الدار الآخرة، وإنسان يعطي من أجل الدنيا، فمن ابتغى الدار الآخرة فهذا الذي له الخير، ومن يبتغي الدنيا قد يحصل له ما يريده وقد لا يحصل له، وهذا يوضحه الآية التي تليها، والقرآن في تسلسل الآيات عجيب وعظيم وجميل، تجد الآية مرتبطة بما قبلها وما بعدها! فانظر إلى التمهيد الذي ذكره الله في أنه هو الذي يعطي، وهو الذي يبسط الرزق، وهو الذي يقدر الرزق، والإنسان طبيعته أنه كنود، إذا أعطاه الله المال فرح، وإذا ضيق عليه حزن وجزع، فهنا يقول لك: أعط هذا المال ولا تخف؛ فإن الله هو الذي يبسط الرزق، وهو الذي يضيق على من يشاء. فالذي يبتغون وجه الله بالإعطاء أولئك هم المفلحون، ينجحون النجاح الأبدي، وفرق بين نجح وأفلح، النجاح قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة، ولكن الفلاح لا يكون إلا في الآخرة، الفلاح هو النجاح الدائم الذي لا خسران بعده أبداً، نسأل الله أن يجعلنا من المفلحين.

стр. 1580

تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس) قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] هذه الآية متعلقة بما قبلها، انظروا كيف بدأ الله سبحانه يذكر أن الإنسان عندما يعطيه الله رحمة من عنده سبحانه من مال ومن خير يفرح به ويفخر على غيره، وإذا ضيق الله عليه يقنط، فكأن الله يقول: ظن بالله ظن الخير، وأحسن إلى الخلق، فالله يعطي والله يمنع، الله يقبض والله يبسط، ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ﴾ [الروم:٣٨]، سواء ضيق الله عليك أو وسع عليك، أعط رزقك، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]. قوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] الربا حرم في سورة البقرة وهي مدنية، وهذه الآية مكية، وهنا ذكر الربا وكأنه تمهيد لتحريمه، وقد كان المنع من الربا نهائياً في خطبة الوداع حين قال ﷺ : (وكل ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول رباً أضعه ربا العباس)، فكان يوجد ربا للعباس ﵁ في الجاهلية يتعامل به، فلما أسلم كان لا يزال يتعامل به، حتى حرم النبي ﷺ ذلك في خطبة حجة الوداع. وقول الله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] لها معنيان: معنى الربا المعروف، ومعنى آخر مقصود وهو المقدم هنا في هذه الآية، فالربا أصله من الزيادة، فقالوا: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم:٣٩] هي الهدية، وما هو وجه الربا في هذه الهدية؟ قال ابن عباس: الربا نوعان: ربا حلال وربا حرام، الربا الحلال: هو الذي لا أجر لك فيه عند الله ، وهو ما يفعله الناس فيما بينهم من هدايا، يعطي إنسان لأخيه هدية، أو يعطي ابنه إذا نجح هدية، وهذا هو الذي ذكره الله هنا، وهو المقصود بهذه الآية، وأكثر المفسرين من الصحابة والتابعين على هذا المعنى، ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] يعني: ليس لك أجر فيه عند الله سبحانه، تعطي هدية وتنتظر جزاءها، وبعض الناس ينتظر مثلها، وبعض الناس ينتظر أعظم منها، فالغني إذا أعطي هدية بجنيه، قد يرد بهدية بمائة جنيه، فهذا من أبواب الربا الذي ليس بحرام إلا على النبي ﷺ ، فهو محرم على النبي ﷺ كما قال له الله في سورة المدثر: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] يعني: لا تعط هدية تبتغي أكثر منها، لا تعط عطاءً تنتظر الرد أعظم منه، بل إذا أعطاك إنسان عطاء فأعطه مثله ومثليه وعشرة أمثاله، فالنبي ﷺ مأمور أن يعطي أكثر مما يأخذ ﵊، أما غير النبي ﷺ فبعضهم قد يعطي الهدية للقريب أو لغيره وينتظر عليها ما هو فوقها وما هو أعظم منها، وهذه الهدية ليس للإنسان أجر فيها، أما إذا أعطيت الهدية تبتغي بها وجه الله ، وتبتغي صلة الرحم، فلك الأجر عند الله، وإذا ابتغيت أن يؤدى لك أكثر منها فليس لك أجر، وليس هذا حراماً عليك، ولكنه حرام على النبي ﷺ فقط، ولكن ائتس بالنبي ﷺ ، فإذا أعطيت هدية فلا تنتظر الرد أعظم منها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1581

تفسير سورة الروم [٣٩ - ٤١] يحث الله المؤمنين على الصدقة والإنفاق في سبيله، والمتصدق مآل ماله إلى الزيادة والنماء، بخلاف المرابي فإن الله يتلف أمواله ويمحقها، والله هو الذي خلق الخلق وأعطاهم الرزق والأموال، ولا يستطيع أحد من المعبودات من دون الله أن يفعل شيئاً من ذلك، ومع هذا فأكثر الناس يجحد نعم الله سبحانه ويفسد في الأرض بالمعاصي والذنوب.

стр. 1582

تفسير قوله تعالى: (وما آتيتم من رباً ليربو في أموال الناس) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٣٩ - ٤١]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات أن الإنسان مهما أتى من مال يبتغي به الدنيا فالله قد يعطيه وقد لا يعطيه، فمن كان يريد الحياة الدنيا يعجل الله له فيها ما يشاء لمن يريد سبحانه ﵎ كما قال تعالى: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]. فليس كل من طلب الدنيا نالها وأخذها: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨] وكأن طالب الدنيا قد يطلبها ويعطيه الله وليس له في الآخرة نصيب، وقد يطلبها ولا يعطاها ولا يأخذ شيئاً من الدنيا، وكذلك ليس له في الآخرة من نصيب. أما طالب الآخرة فلا يحرم أبداً، لا يحرم من ابتغى وجه الله سبحانه، ومن أراد بعمله الصالح الثواب والدار الآخرة فهذا لا يحرم أبداً، ويعطيه الله رحمة في الآخرة من فضله ورحمته سبحانه. قوله: (وما آتيتم من رباً) ذكرنا أن الربا قسمان: ربا نزلت الآيات في تحريمه، قال الله سبحانه في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢٧٨ - ٢٧٩]، وقال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦] إلى غير ذلك مما ذكر الله في أمر الربا، فآكل الربا يستحق حرباً من الله ورسوله ﵊، ويستحق أن يمحق الله عنه البركة في الدنيا، وأن يكون من أصحاب الكبائر في الآخرة، فهذا آكل الربا، والإنسان الذي يعطي الصدقة له الفضل عند الله سبحانه والأجر العظيم، وانظر كيف قرن بين الربا وبين الصدقات؛ لأن الناظر إلى الربا بنظرة دنيوية يرى أن الربا يزيد المال، فيقول: سندينك ألفاً فتقضينا ألفين، وسندينك عشرة فتعطينا خمس عشرة، فينظر بهذه النظرة أن هذا الربا سيزيد المال، وربنا سبحانه ﵎ يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة:٢٧٦]، ويقول النبي ﷺ : (إن الربا عاقبته إلى قلة) وإن كثر فعاقبته إلى قلة، إلى النقصان، فمال الربا مال ضائع في النهاية على صاحبه، فيبتدئ الله صاحبه إما بمحق ماله وإما بتحسيره على هذا المال، فيتحسر عليه وهو يضيع منه، أو لا يستطيع أن ينتفع به، أو تنزع منه بركته، أو ينظر في حسرته وما يكون من أمره يوم القيامة. أما الصدقة وإن كان الناظر إليها في الدنيا يظن أن فلاناً يضيع ماله، كل وقت وهو يخرج صدقة وراء صدقة، وسينتهي ماله، ولكن الله يذكر لنا أنه يمحق الربا ويربي الصدقات، والربا: أصله الزيادة والنماء، فلما أراد الإنسان الزيادة والنماء بالحرام محقه الله سبحانه، ولما أراد أن ينفق ماله ويصرف هذا المال في طاعة الله نماه الله وبارك له فيه، وزاد له هذا المال، لذلك قرن الله بين الاثنين: الربا والصدقة فذكرهما في هذا الموضع من سورة البقرة قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة:٢٧٦]. وهنا صورة أخرى من صور الربا، ولكنها ليست بالصورة المحرمة على النبي ﷺ ، وقد ذكرناها في الحديث السابق، وهو نوع من أنواع الزيادة في المال، وهي الهدية، أن أعطيك هدية تساوي كذا فتعطيني أحسن منها، فهذه جائزة بين الناس، ولكنها ليست محمودة، ولذلك نهي عنها النبي ﷺ ، وقال له ربه: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] يعني: لا تمن بالعطاء لتطلب استكثارًا من أموال الناس. يقول الله سبحانه: (وما آتيتم) وهذه فيها قراءتان، وما (آتيتم) هذه قراءة الجمهور بالمد، وقراءة ابن كثير (وما أتيتم)، فإذا وصل ابن كثير يقول (وما أتيتمو من ربا) بمعنى: جئتم، كأنه هذا الشيء يؤتى فذهبتم إليه، هذا على قراءة ابن كثير، وقراءة الجمهور بمعنى: ما أعطيتم من هدية تطلبون عليها هدية أحسن منها في الدنيا، فعلى ذلك هذا من الربا غير المحرم، وإنما هو صورة من الصور، وهذا مكروه وليس محرماً، إذا فعله إنسان لا يأثم، وكثير من الناس يفعلون هذا، يعطي أحدهم هدية إلى إنسان وينتظر أن يعطيه أحسن منها. قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم:٣٩] (ليربو) هذه قراءة الجمهور، و (لتربوا في أموال الناس) قراءة نافع وأبي جعفر ويعقوب، يعني: لتزيدوا، وهنا فيها معنيان: المعنى الأول: ليربوا في أموال الناس يعني: أنت أعطيت من مالك لأجل أن يزيد عند فلان، حيث يرد لك أحسن منه، وهذا يسمى الإثابة على الهدية، والإثابة: هي أن يعطيه الإنسان ثواب هذه الهدية، وهذا مثلما تذهب إلى شخص في العيد، فتعطي كل واحد من عياله خمسة جنيه، وتنتظر أن يأتي فيعطي عيالك عشرة جنيه لكل واحد منهم، فهذا ليس حراماً، ولكن يكره هذا الشيء. وبعض العلماء كـ ابن عباس وغيره يقول: هذه آية نزلت في هبة الثواب، ويذكر بعضهم مثل الشعبي يقول: معنى الآية ما خدم الإنسان به أحداً وخف له لينتفع به في دنياه. ويقول ابن عباس أيضاً: نزلت في قوم يعطون قرابتهم وإخوانهم لأجل نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم ليزيدوا في أموالهم، وكأنها هنا صورتان: الأولى: يعطي الشخص لأجل أن يعطيه أكثر، والصورة الثانية يعطي أقرباءه من المال لأجل أن يظهروا أنهم أغنياء، فيفتخر بأن أقاربه أغنياء، فهذا عطاء للدنيا ليس فيه ثواب؛ لأنهم طلبوا هنا المظهر، وهنا فرق بين أن يعطي الأقارب ويريد أنه يبقى عندهم مال، ليس للمظهر وإنما لأجل أن ينفق القريب على عياله، حتى لا يبقى عالة يمد يده للناس، فهذا له أجر عظيم عند الله سبحانه، الفعل واحد، والنية تخالف بين عمل وعمل آخر، فقد تعطي أقرباءك تبتغي النفع لنفسك، فتقول في نفسك: إما أن أعطيهم لأجل أن يعطوني بعد ذلك، وإما أن أعطيهم حتى يكونوا تبعاً لي، فأكون أمشي وهم يمشون ورائي، وأتكلم فيسمعون لي، لأنني أعطيهم مالاً، فهذا كله لا أجر فيه في الآخرة، إنما الأجر في الآخرة أن تعطي دون مقابل، ولذلك كانت الصدقة على ذي الرحم الكاشح أفضل من الصدقة على ذي الرحم المواصل؛ لأنك أعطيت شخصاً تستجلب فيه المودة، وليبقى بينك وبينه إحسان، فإذا أعطيت الرحم الكاشح كان خيراً لك من إعطاء غيره. وهذه الآية: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ﴾ [الروم:٣٩] تمهيد لتحريم الربا، فإن ربنا يحذر في هذه الآية المكية من الربا، وكأنه يقول: إننا سنحرمه بعد ذلك، فالربا لا يربو عند الله سبحانه، والربا معناه: أن تعطي إنساناً نقداً، ثم تطلب منه أكثر من ذلك قضاءً، كإنسان يقرض قرضاً فيطلب عليه فائدة، فهذا هو الربا.

стр. 1583

معنى قوله تعالى: (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله) قوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] في سورة البقرة قرن الربا بالصدقة، وهنا قرن الربا بالزكاة، والحكمة هناك وهنا قريبة من المعنى، فالزكاة إيتاء وإعطاء وإنفاق، ولا تنتظر مقابلة رداً ولا زيادة، فتخرج زكاة مالك وتعطيها للفقير، ولا تنتظر من الفقير أن يعطيك عليها شيئاً، ولكن انتظر من الله سبحانه ﵎، والربا: أن تعطي ليرد إليك الأصل وزيادة، فالربا في نظر المعطي سيزيد المال، وعند الله يمحق المال، والزكاة في نظر المعطي تنقص من ماله، ولكن عند الله يضاعف لك هذا المال، فيقرن بين الربا وبين الزكاة ليريك الفضل من الله سبحانه، ولتنفق من أجله، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ [الروم:٣٩] بشرط: ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم:٣٩] فقد يعطي الإنسان الزكاة يبتغي بها وجه الله، وقد يعطيها وهو مكره على ذلك، فيأتي الحاكم يأخذها منه غصباً عنه، فتسقط عنه الزكاة ولا أجر له! قد نقول: إن العبادة صحيحة، ولكن قد لا يؤجر عليها صاحبها، ومعنى صحيحة: أنه لا يلزمه أن يعيدها مرة ثانية، فإذا أخذت منه زكاة ماله قهراً فقد برئت ذمته، ولكن هل له فيها أجر؟ لا يكون الأجر إلا لما يبتغي به وجه الله . قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم:٣٩] (المضعفون) أي: كأنهم أصحاب الأضعاف المضاعفة عند الله سبحانه ﵎، فيقال: رجلٌ مضعِّف يعني: له أجر مضاعف عند الله سبحانه، ويقال: رجل مسمن يعني: عنده إبل مسمنة، ورجل معطش يعني: عنده إبل عطاش أو عنده أناس عطاش، فكأن هذا الذي هو مضعف يضاعف له الخير عند الله ، ويضاعف له الثواب عنده، كما قال الله سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة:٢٤٥] فإذا أقرضت الله وأعطيت لله فإن الله يضاعف لك الأجر عنده. وكذلك قال: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ [البقرة:٢٦٥] آتت أكلها ضعفين هذا من رحمة الله وفضله، أن يضاعف الثواب لمن يبتغي وجه الله سبحانه، وفي الحديث: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى).

стр. 1584

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم) لما ذكر الله أمر الربا والزكاة قال بعد ذلك: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠]. وانظر إلى ارتباط الآيات قبلها، فذكر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وأن المال مال الله سبحانه، يعطيه من يشاء، ويمنعه من يشاء سبحانه، ويوسع ويبسط على من يشاء، ويقدر ويضيق على من يشاء، فالمال مال الله، ثم ذكر آية الربا والزكاة، ثم ذكر بعدها أن المال مال الله، والخلق خلق الله سبحانه ﵎، فانظر إلى هذا الترتيب البديع الجميل! قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠]. فتنظر بدء الخلق كيف كنت في بطن أمك، من الذي يطعمك ويسقيك وأنت بداخل أحشاء أمك؟! الله سبحانه ﵎ الذي قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤]. الله المعبود سبحانه ﵎، والخلق من أفعال الربوبية، فكونه رباً يخلق سبحانه، وكأنه أشار هنا إلى إلهية الله سبحانه، وأنه الإله الذي يستحق العبادة، فهو الله العظيم سبحانه المعبود الذي خلق فاستحق أن يعبد سبحانه، فهو لم يخلقكم ويترككم سبحانه، وإنما رزقكم وأنتم في بطون أمهاتكم أطفالاً صغاراً، ورزقكم وأنتم كبار، ورزقكم حتى تموتوا، قال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [الروم:٤٠]. فذكر بعد الخلق الرزق، ثم يميت الله العباد، ثم يبعثهم ويحييهم للجزاء سبحانه، الذي فعل ذلك هل غيره سبحانه يفعل ذلك؟! ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم:٤٠]. فالله هو المعبود وحده سبحانه، وهؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله من أصنام وأوثان وإنسان أو جان هل يفعلون كما يفعل الله؟ حاشا لله سبحانه ﵎. قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:٤٠] تنزيهاً لله وتقديساً له سبحانه أن يقال عنه ذلك، وتمجد سبحانه عما يشركون ويقولون عنه الكذب. (الله الذي خلقكم) هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو عمرو: (الله الذي خلقْكُّم) بالإدغام فيها، ويقرؤها ابن كثير وقالون وأبو جعفر: (الله الذي خلقكموا ثم رزقكموا ثم يميتكموا ثم يحييكموا).

стр. 1585

تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) يقول سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. الله خلقكم وتكفل لكم برزقكم، ولم يترككم كل شخص يرزق الثاني، لا، وإنما الله هو الذي يرزقكم، فإذا بالإنسان لطمعه وجشعه يقطع عن نفسه رزقاً حلالاً، ليأخذ من الشيء الحرام، فيعاقبه الله بالتقتير والتقدير عليه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. ظهور الفساد في البر والبحر بسبب العباد، فظهرت المعاصي، وأعظم وأفظع المعاصي الشرك بالله سبحانه، وما دون ذلك من كبائر وصغائر، فلما ظهرت هذه الأشياء ظهرت نتائجها، فظهور الفساد له سبب وراءه، فالعباد عندما يعصون الله سبحانه سلط عليهم غيرهم وأنفسهم، بدءوا بالفساد فكانت النتيجة فساداً أشد، أفسد العباد فصاروا يشركون بالله، ويرجون غير الله سبحانه، ويعصون الله سبحانه، ويأكلون الربا والمحرمات، ويواقعون الفواحش، وتتبرج النساء، ويقعون فيما يغضب الله سبحانه ﵎، فهذا فساد في البر وفي البحر. يفسد العباد بقطع الطريق في البر والبحر، وبالظلم لبعضهم بعضاً، ويضيق بعضهم على بعض، ويحارب بعضهم بعضاً، فإذا بالله يعاقبهم على ذلك، فيقلل عنهم المطر، وتأتي الرياح الشديدة، وتأتي الأمطار وتنزل في الصحراء فلا ينتفعون بها! فيمنع عنهم شيئاً من رحمته سبحانه ﵎، ويضيق عليهم في رزقهم، ويذهبون للبحار ليصيدوا فبعدما كانت البحار تطلع أسماكاً كثيرة لا يجدون إلا القليل، فالذي ضيق عليهم أرزاقهم هو معاصيهم وما كسبت أيديهم، فضيق الله عليهم فأقحطهم ومنع عنهم المطر، وضيق عليهم في أرزاقهم فكسدت تجارتهم. يقول الله: ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ﴾ [الروم:٤١] هذه قراءة الجمهور، وقراءة قنبل بخلفه وقراءة روح (لنذيقهم) بنون التعظيم لله فهو يقول: نذيق هؤلاء عذاباً في الدنيا دون عذاب الآخرة. قوله: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١] سبحان الله! هذا من رحمة رب العالمين سبحانه، لعل العباد يتوبون ويرجعون إلى الله، قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. فلو أصابهم بكل ما عملوا لأفناهم سبحانه ﵎: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، ما ترك على ظهر هذه الأرض من دابة، ولكن يؤاخذهم ببعض ذنوبهم لعلهم يرجعون إلى الله، فإذا لم يرجعوا إلى الله بقيت المؤاخذة ببعض الذنوب في الدنيا، والمؤاخذة الحقيقة والجزاء والعذاب عند الله يوم القيامة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1586

تفسير سورة الروم [٤١ - ٤٢] ظهر الفساد في كل مكان بسبب ذنوب العباد وما أكثرها! ليذيقهم الله جزاء بعض أعمالهم لعلهم يرجعون إلى ربهم، فعلى المسلم أن يحذر من الذنوب، وأن يعتبر بمن كانوا قبلنا أكثر أموالاً وأولاداً وأشد قوة، فلما عصوا ربهم أهلكهم في الدنيا قبل الآخرة.

стр. 1587

تفسير قوله تعالى: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤١ - ٤٢]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن جزاء جازى الله به العباد بما كسبت أيديهم، وبما أفسدوا في الأرض فقال: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم:٤١] والسبب هو معاصي العباد، أشركوا بالله سبحانه، وكفروا به، وعصوا الله سبحانه ﵎، ووقعوا في الفواحش، ووقعوا في الذنوب والموبقات؛ فاستحقوا أن يرسل الله عليهم ما هم فيه، كانوا في نعمة من الله، فانقلبت نعمتهم نقمة، بسبب تبديلهم، بدلوا وغيروا فانقلب عليهم الحال، فبعدما كان لهم صار عليهم، فظهر الفساد في البر والبحر، فمنع الله عن أناس المطر، وجعل أناساً يعيشون في مجاعة، وكسدت تجارات الناس، وفسدت أسواق الناس، وفسدت ذممهم، وكثرت فيما بينهم الفتن، وظلم بعضهم بعضاً، واستمرءوا الظلم؛ فعاقبهم الله بأن سلط بعضهم على بعض بسبب ما كسبت أيديهم، ولا يظلم ربك أحداً، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكل ما يجازى به العباد، وكل ما يظهر فيهم، إنما هو بما كسبت أيديهم، والله لا يظلم أحداً شيئاً . قال الله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الروم:٤١] أي: بسبب ﴿بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الروم:٤١]، أي: ليذيقهم الله شيئاً من العقوبة على ذنوبهم، وباقي العقوبة مدخرة ليوم القيامة، إلى أن يتوبوا إلى الله سبحانه ﵎. فظهر هذا الفساد وكثر في العباد بسبب ما كسبت أيديهم، وظهرت النتيجة فيهم من عقوبة رب العالمين سبحانه ﵎، يظلم الإنسان غيره فيسلط الله على الظالم ظالماً آخر يظلمه ويأخذ ما بيده، ويسلط عليهم الأمراض، ويسلط عليهم الأوبئة، ويسلط عليهم أنفسهم، ويسلط عليهم الشياطين، ويسلط عليهم أولادهم ونساءهم كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن:١٤]، فلما طغى الإنسان وبغى، ولما ابتعد عن الله سبحانه ﵎ ومشى في طريق الفساد وسعى، أذاقه الله سبحانه بعض ما كسبت يداه، ورحمة الله عظيمة واسعة، ولو شاء لعاجلهم بالعقوبة، ولو شاء لجازاهم بكل ما أذنبوه، وكل ما وقعوا فيه. عاد النبي ﷺ رجلاً من أصحابه وقد مرض مرضاً شديداً وصار كالفرخ، من شدة ما ابتلاه الله به من أمراض وغيرها! فالنبي ﷺ تعجب لحاله ثم سأل الرجل: (لعلك دعوت على نفسك بشيء؟ فالرجل قال: نعم، دعوت الله سبحانه أنه ما كان معاقبي به يوم القيامة فليعاقبني به في الدنيا، فقال النبي ﷺ : سبحان الله! لا تطيقه) يعني: لماذا تدعو على نفسك بهذا الشيء؟! فنهاهم أن يدعو على أنفسهم إلا بخير، وأخبره أنه لا يطيق ذلك، وأن رحمة الله عظيمة واسعة، فهذا رجل بلغ من تقواه وخوفه من الله أن يسأل الله أنه ما سيعاقبه به يوم القيامة فليعاقبه به الآن، ورفض منه النبي ﷺ ذلك، ولو كل إنسان دعا على نفسه بذلك فابتلى الله العباد، فهذا إنسان تقي وأصيب بذلك، فالشقي كيف سيكون؟! قال الله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل:٦١]، والتأخير له حكمة من الله سبحانه ﵎، لعل العباد يتوبون إلى الله، ويرجعون إلى الله سبحانه ﵎، ويراجعون أنفسهم، فإن تابوا تاب الله عليهم، وانظروا إلى قوم يونس قال الله سبحانه: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨]، فيونس النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه فترة طويلة فلم يستجيبوا، فحذرهم من عقوبة رب العالمين، فظلوا على ما هم عليه، وأصروا على طغيانهم؛ فخاصمهم وخرج من عندهم بعدما هددهم بأن العذاب سيأتيهم بعد ثلاثة أيام، فلما غادر القرية وخرج مغاضباً لقومه إذا بهؤلاء القوم يفيقون ويراجعون أنفسهم، فقالوا: النبي الذي كان فينا خرج وتركنا فالعقوبة آتية لا محالة، فإذا بهم يفرقون بين الرجل وبين امرأته، وبين الابن وبين أمه، ويبتهلون إلى الله أن يكشف عنهم ما سيأتيهم به من العذاب، فإذا بالله يتجاوز عنهم. وركب يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام البحر تاركاً قومه ليدعو أناساً آخرين، ولكنه أخطأ حيث لم يستأذن ربه سبحانه ﵎ في ذلك، وذهب مغاضباً لقومه، قال الله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: ظن أن الله لن يضيق عليه، كما قال الله: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦] أي: يضيق، فظن أن الله لن يضيق عليه، وأرض الله واسعة، فذهب إلى أرض أخرى يدعو أهلها، وهذا أمر مباح لأي داع إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فليس من حق النبي أن يخرج من مكان إلى مكان إلا بإذن الله سبحانه ﵎، فهذا النبي الكريم ﵊ خرج وظن أن الله لن يضيق عليه في ذلك، وظن أن في الأمر سعة، فلما خرج إذا بالسفينة التي ركبها لا تجري بهم في البحر، وكادت أن تغرق! فإذا بالقوم يتعجبون مما حصل في السفينة، فقالوا: فيها عبد آبق، فعلم أنه قد خرج بغير إذن الله فحكمه حكم العبد الهارب من مولاه، وقالوا: لا بد أن ينزل من هذه السفينة، فقال: أنا أنزل من هذه السفينة، فرفضوا، كيف ينزل نبي الله ﵊؟ فقالوا: نعمل قرعة، فقرعوا فإذا القرعة تطلع عليه ثلاث مرات، فألقى بنفسه في البحر، فإذا بالله يرسل حوتاً فيبتلعه، ويأمره الله سبحانه ﵎ أن يحافظ عليه ولا يأكله، فإذا به يدعو ربه سبحانه، وقومه كانوا يدعون هنالك، فكشف الله عنهم العذاب، وهو يدعو في بطن هذا الحوت، وفي الليل المظلم، وفي ظلمات البحر، ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، اعترف بأنه أخطأ في ذلك. فإذا بالله سبحانه يرحمه ويأمر الحوت أن يلقيه على الشاطئ، قال الله: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) وهو سقيم مريض، بسبب كونه داخل الظلمات وتحت ضغط الماء في الداخل، فخرج وهو مريض في ذلك المكان، ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] يعني: آت بما يلام عليه، لامه الله على ما صنع، قال الله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦]، شجرة من القرع، يأكل من ثمرها، ويستظل بظلها، ويشرب من مائها، فمكث تحت هذه الشجرة، ويونس النبي ﵊ ليس هيناً على ربه سبحانه، ولكن الله سبحانه ﵎ يرينا كيف يؤدب أنبياءه وأولياءه سبحانه ﵎، وكيف يؤدب خلقه، عفا عن هؤلاء لما غيروا وتابوا، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، والله رحيم بالعباد سبحانه ﵎، لذلك عفا عن هؤلاء لما تابوا إلى الله ، ويونس بقي على شاطئ البحر، وأنبت عليه شجرة من يقطين، وكان في حالة ضعف شديدة، فكان يأكل منها وترجع إليه القوة في جسده، وإذا بالله سبحانه ييبس هذه الشجرة بعد أن كانت مورقة، فإذا به يبكي ويحزن على هذه الشجرة، وهنا يعطيه الله الحكمة من عنده سبحانه، فقال له: حزنت على شجرة أن أهلكت ولا تحزن على قومك وهم ألوف أن نهلكهم في لحظة! انظروا إلى رحمة رب العالمين سبحانه ﵎. فلذلك ربنا يخبرنا أنه إذا ظهر الفساد في الأرض فراجعوا أنفسكم، فأنتم السبب في هذا الفساد، تتركون أوامر الله سبحانه، وتفعلون مناهي الله سبحانه ﵎. فالإنسان إذا بدل وغير في شرع الله سبحانه، وفي أحكام الله سبحانه، وفي طاعته لله، فبعدما كان مطيعاً صار عاصياً؛ لا ينتظر من الله إلا أن يعاقبه على ذلك، لكن الله سبحانه يؤخرهم لعلهم يرجعون ويتوبون إلى الله سبحانه، ويذيقهم شيئاً من العقوبة كما قال هنا سبحانه: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]. فالله يعاقب العبد لعله يراجع نفسه، ويؤخر عنه العقوبة الشديدة والهلاك لعله يرجع إلى الله، وإذا استمر على عناده فإن سبحانه يأخذه أخذ عزيز مقتدر.

стр. 1588

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) قال سبحانه لعباده: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤٢]، انظروا وتأملوا وادرسوا وتعلموا، انظروا كيف فعلنا بالسابقين، والناس الآن يقولون لك: هذا عالم في الجيولوجيا، وهذا عالم في الأرض، في الحفريات، يحفر في الأرض ويقول: هنا كان يوجد أمم في المكان الفلاني، وكان في المنطقة الفلانية حضارات، وكان كذا وكذا، فعرفوا هذه الأشياء، لكن هل اعتبروا بذلك؟! الله يقول: (فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل)، فبدلاً من أن تفتخر وتقول: كان أجدادنا يبنون ويعملون كذا، انظر إلى عاقبتهم، انظر إلى عقوبتهم، فلا تمش في نفس المسار الذي ساروا فيه، يفتخر الإنسان الأحمق الغبي فيقول: أجدادنا كانوا فراعنة، وينسى أن الفراعنة كانوا كفاراً يعبدون غير الله، يؤلهون أنفسهم، وعصوا المرسلين، وأراد فرعون قتل رسل الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإذا بالله يخزيهم، فهذا فرعون أهلكه الله، وجعله آية، قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢]، فالله يرينا الآيات، فالفراعنة أخرجوهم من الأرض، ووضعوهم في المتاحف، والذهب الذي سرقوه من الناس، واحتفظ به الملوك لأنفسهم؛ ظهر هذا الذهب كله، وهل نفعهم هذا الشيء؟ جعلوه معهم في القبور وداخل الأهرام، من أجل أن يلاقوا الذهب حقهم مرة ثانية، فهل انتفعوا بذلك؟ انظروا وتأملوا واعتبروا، فلا تقولوا: نحن أحفاد الفراعنة الذين بنو الأهرام، وعملوا كذا! فهم كفروا بالله سبحانه، فلا تنتسب إلى الكفار، يقول النبي ﷺ : (انتسب رجلان على عهد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان بن فلان بن فلان، فمن أنت لا أبا لك؟! فقال الآخر المؤمن: أنا فلان بن فلان بن الإسلام)، يكفيني فخراً أني مسلم مع النبي موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأوحى الله للنبي موسى ﵊: (أن قل لهذا: أنت افتخرت بتسعة آباء كفار أنت عاشرهم في النار، وأنت افتخرت بالإسلام فأنت في الجنة)، فهذا الضعيف الذي قال: أنا أفتخر بدين الإسلام دخل الجنة. نسى الناس الآن دين رب العالمين، وصرنا نسمع كثيراً التقاليد الفرعونية، الغناء الفرعوني، التمثيل الفرعوني، فراعنة في فراعنة! نسوا أن الفراعنة كفار، وكأنهم يقولون عن أنفسهم: إنهم متبعون للكفار! أين العقول؟! الله سبحانه ﵎ يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا﴾ [الروم:٤٢] تأملوا وتدبروا كيف صنعنا بهم، هل نفعهم مالهم؟ هل نفعتهم قوتهم؟ بنوا أهراماً يتعجب الناس كيف بنوها؟ وكيف رفعوا الحجارة؟ قال الله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ [التوبة:٦٩]، استمتعوا بحظهم في الدنيا، وأنتم استمتعتم بحظكم في الدنيا، عصوا الله وكفروا، وأنتم عصيتم الله سبحانه ﵎، فما تنتظرون غير العقوبة التي أصابت هؤلاء السابقين؟! فالإنسان المؤمن لا بد أن يتعلم، ولا بد أن يعتبر، ولا بد أن ينصح أولاده، لا تترك أولادك جهلة تعلمهم الصحف، ويلقنهم التلفزيون أشياء باطلة، ويتعلمون الكفر بالله سبحانه، يعلق تميمة من أجل رد العين، يلبس حذاء من أجل اللعب الفلاني، يعمل تسريحة فلانية نهى عنها النبي ﷺ ، يمشي في طريق الباطل ويقلد الشياطين ويفتخر بذلك، ويقول لك: نحن الشياطين الحمر! افتخروا بالكفار، وافتخروا بالشياطين، كيف سيكون مصير أصحاب هذا الافتخار؟ ألا يخشون أن يكونوا من أصحاب النار والعياذ بالله؟! والذين يفعلون ذلك يتسمون بأسماء المسلمين، يقول لك: أنا مسلم، وإذا سمع من يقول: قال النبي ﷺ ، يقول: اتركوا هذه الكتب الصفراء! ويأتي الصحفي من هؤلاء فيفتي ويتكلم في الدين، وما أحد يرد عليه بشيء، وهو لا يفهم من دين الله شيئاً، وبعضهم يسأل الصحيفة: أنا أحلق على الموضة فما رأيك في هذا الشيء؟ لا يسأل الشيخ، وإنما يسأل الصحيفة، وترد عليه فتقول: ما فيها شيء، وأنتم أعلم بشئون دنياكم، وإذا نهى عن ذلك عالم يقولون له: أنت إنسان متزمت، أنت إنسان متعصب، أنت إنسان كذا! فعندما غير الناس ما بأنفسهم أذاقهم الله الذل، انظروا إلى الذل الذي في بلاد المسلمين، كل البلاد في ذل، لا يتواضعون لله، ويتواضعون لغير الله سبحانه، جعلوا الدين وراء ظهورهم، لا يعلمون أولادهم دين الله سبحانه، والأسر المسلمة في بلاد الكفر يهتمون بلغة الكفار، وهم أسر مسلمة كثيرة، ويصرون أن يتكلموا بالإنجليزي مع بعض، وهم مسلمون عرب، حتى داخل بيته يتكلم بالإنجليزي، ويفتخر أن كل أهل البيت يتكلمون بالإنجليزي وليس بالعربي! فهؤلاء كيف يتعلمون دين الله ؟ ومتى يتعلمون كتاب ربهم وسنة نبيهم صلوات الله وسلامه عليه؟ ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، فإذا نسي الإنسان ربه سبحانه فلا ينتظر إلا الوبال، ولا ينتظر من الله إلا العقوبة التي نراها الآن في أبناء المسلمين وفي أسر المسلمين، ومن ذلك تسلط الكفار على المسلمين لما نسى المسلمون دين ربهم، فإذا أرادوا أن يرجعوا إلى العز الذي في الإسلام فليرجعوا إلى دين رب العالمين، فلينصروا الله لينصرهم ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1589

تفسير سورة الروم [٤٢ - ٤٥] أمر الله عباده أن يقيموا وجوههم للدين، ويتمسكوا به برغبة وجد، قبل أن يموت أحدهم وتقوم قيامته، ثم يأتي يوم القيامة فيفوز من يفوز، ويندم من يندم، ومن فاز بالجنة فقد فاز الفوز العظيم، ومن خسرها ودخل النار فقد خسر الخسران العظيم.

стр. 1590

تفسير قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ * فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ * مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِين * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٢ - ٤٦]. يأمر الله عباده في هذه الآيات بأن يسيروا في الأرض ويعتبروا فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل, أين ذهب قوم عاد, وقوم نوح, وقوم ثمود, وقوم إبراهيم, وأصحاب مدين, والمؤتفكات, وقوم فرعون؟ أين ذهب هؤلاء؟ ما صنعوا؟ وكيف صنع بهم؟! ﴿فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤٢] كفروا بالله سبحانه، وأشركوا معه غيره, عبدوا غير الله, وزعموا أنهم يقربونهم إلى الله زلفى, والله غني عنهم وعن عبادتهم, قال الله: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك, من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه) فالله الغني الحميد , وهؤلاء كذبوا وكفروا فاستحقوا الوعيد الذي توعدهم به ربهم. قال الله: ﴿فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ [الروم:٤٢] هنا النظر بمعنى الاعتبار, اعتبروا يا أولي الألباب, اعتبروا يا أولي الأبصار, انظروا إلى ما صنع بهم وإلى صنيعهم، وانظروا إلى أعمالكم، ولا تقلدوهم في ذلك فيصبكم مثلما أصابهم.

стр. 1591

تفسير قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين القيم) قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ [الروم:٤٣] أمر الله العباد أن يسيروا وينظروا ويعتبروا, وأمر النبي ﷺ أن يقيم وجهه لهذا الدين القيم، والأمر له وللمؤمنين معه بالتبع، أي: أقيموا وجوهكم إلى هذا الدين, أقم وجهك واقصد إلى هذا الدين العظيم, أقم قصدك واجعل وجهتك اتباع هذا الدين القيم العظيم دين الإسلام ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم:٤٣]، فأمر النبي ﷺ أن يدعو إلى الله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، وأمر النبي ﷺ بأن يجاهد في سبيل الله سبحانه ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، فهو والمؤمنون مأمورون أن يتوجهوا إلى دين الله سبحانه. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم:٤٣] وجه الإنسان أشرف ما فيه، فإذا وجهه إلى شيء توجه بدنه إليه ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ [الروم:٤٣] أي: استقم بتوجهك إلى دين رب العالمين سبحانه، وكذلك المؤمنون معك، ووضحوا الحق، وبالغوا في الإعلان إلى الحق, وأمر النبي ﷺ أن يشتغل وينشغل بما هو فيه من دعوة إلى الله سبحانه، ولا يشغل نفسه بالحزن عليهم كما قال: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل:١٢٧] فهم يمكرون ويمكر الله بهم, لكن إذا تفرغ للحزن عليهم فسيضر نفسه كما قال الله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:٣] , وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، فستقعد تحزن عليهم إلى أن تميت نفسك عليهم, وهم لا يستحقون ذلك، وليست هذه وظيفتك، إنما وظيفتك أنك نذير وبشير، تنذر من يعصي ربه سبحانه, وتبشر من يطيع ويؤمن بالله ، وبلغ ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]. ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم:٤٣] اعمل لهذا اليوم وحذرهم قبل أن يأتي هذا اليوم الذي ﴿لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [الروم:٤٣]، من يرده إذا أراد الله أن يأتي بيوم القيامة؟ هو آت لا ريب فيه, ولا يرده الله عن هؤلاء لا بدعائهم ولا بغيره, فإذا جاء يوم القيامة لا يقدر الإنسان أن يؤخره, ولو دعا ربه لن يؤخره , فلن يرده الله سبحانه عن موعده, فهو وعد حق من الله، وميعاد محدود من الله، لابد أن يأتي هذا اليوم, ولا يرده أحد، ولو دعا الإنسان ربه سبحانه أن يرده عنه فلن يرده. وهذه الكلمة (لا مرد له) يقرؤها حمزة بالمد وإن كان ليس فيها همزة، وهذا نوع من أنواع المد للمبالغة في النفي, مثلما قرأ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] فيمد (لا) مبالغة في نفي الشك عن هذا الكتاب, ومن الأشياء اللطيفة في المدود أن القراء الذي يقصرون المد المنفصل مثل ﴿لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [الصافات:٣٥] وهم قالون وابن كثير وأبو عمرو وحفص وشعبة عن عاصم وغيرهم، فهم يقصرون المد، فإذا قصروا مدوا في هذه الكلمة (لا إله إلا الله) ويسمونه المد للتعظيم, أي: لتعظيم الله سبحانه, فهم يقصرون كل مد منفصل فإذا جاءوا في لا إله إلا الله مدوا (لا إله إلا الله) للتعظيم, فيجوز عندهم فيها المد ويجوز القصر، وإن كان الأصل فيها القصر مثل المد المنفصل، ولكن يمدون في هذه الحالة للتعظيم, وكذلك يمد هنا حمزة، وإن كان حمزة يمد المد المنفصل والمتصل وغير ذلك, ولكن هذا المد ليس له علاقة بالهمزات، وإنما المد هنا للمبالغة في النفي. قوله: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ)) أي: فلا يقدر أحد أن يرده، ولا يرده الله عنهم لا بتوسلهم ولا بدعائهم، فلا يرد هذا اليوم إذا جاء. قال الله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الروم:٤٣] أي: في يوم القيامة ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣] , يقال: تصدع البنيان بمعنى تشقق، فالتصدع هو التشقق والتفتت، ومنه الصداع الذي يصاب به الإنسان، وكأنه يفرق شعب رأس الإنسان, وكأنه سيشق دماغه، فهذا اليوم يصدعون فيه، وهنا التشديد يدل على هم هذا اليوم وعظمه، والأصل فيها يتصدعون, فأدغم وثقل لثقل هذا اليوم الفظيع, نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة, فقال هنا: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم:١٤]، فالناس يخرجون من قبورهم ويردون إلى الموقف يوم القيامة فيقفون بين يدي الله خمسين ألف سنة ثم يتفرقون ويتصدعون, فريق في الجنة وفريق في السعير, فلذلك قال هنا سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم:٤٣].

стр. 1592

تفسير قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحاً فلأنفسهم يمهدون) قال الله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] تصدع أهل الكفر وساقتهم الملائكة إلى النار, فمن كفر فعليه هذا الكفر, فكفره لن يضر به ربه سبحانه, فالله غني عن العباد وعن عبادتهم, فهؤلاء الذين كفروا وبال كفرهم عليهم, (من كفر فعليه كفره) أي: جزاء كفره عليه ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الجاثية:٣٣]. ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ [الروم:٤٤] المؤمنون الأتقياء أهل العمل الصالح ﴿فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] المؤمن يمهد لنفسه, والتمهيد بمعنى التوطيء، ومهد الشيء بمعنى جعله موطأ يمكن أن يقعد عليه وأن يمشي عليه، فقد جعله مذللاً سهلاً, فكأن المؤمن ييسر لنفسه بفعله وبعبادته طريقاً إلى الجنة, وطريق الجنة في هذه الدنيا سهل على من وفقه الله إليه, وإن كان ظاهره أنه صعب، وفي الحديث: (حفت النار بالشهوات، وحفت الجنة بالمكاره) فطريق الجنة لا بد للإنسان أن يجاهد نفسه عليه, ويجاهد شيطانه, ويجاهد هواه, ويجاهد الكفار, ويجاهد المنافقين, فيأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر, أشياء كثيرة تكون صعبة على الإنسان, ولكن عندما يستعين بالله فإن الله يسهلها عليه، فالمؤمن طريقه سهل, فأنت تقوم وتصلي الفجر كل يوم، وقد تعودت على ذلك, وانظر إنساناً آخر ليس متعوداً على ذلك إذا قلت له: قابلني غداً في صلاة الفجر فتأتي وهو لا يأتي, فتسأله فيقول: ضبطت المنبه على الأذان ولم أقم, لكن أنت تفرح عندما تسمع أذان صلاة الفجر, فتتوضأ وتمشي إلى المسجد وأنت تتذكر قول النبي ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، فيصير الأمر سهلاً عليه، فيصلي الفجر كما يصلي الظهر والعصر, والأمر عنده سهل يسير, مع أن فيها مشقة ولكن من اعتاد على الخير يسره الله عليه, ويأتي شهر رمضان وأنت مشتاق لهذا الشهر، وإن كنت تصوم كل اثنين وخميس فيكون صوم شهر رمضان سهلاً جداً, وينتهي رمضان فتحزن على فراقه، وإنسان آخر ليس متعوداً على الصوم قبل رمضان، فيصعب عليه صومه، فإذا جاء شهر رمضان يصوم يوماً أو يومين وبعد ذلك يأخذ السيجارة في فمه ويترك الصيام والعياذ بالله! فالذي ييسر العبادة على العباد هو الله , وأنت تمهد لنفسك بالطاعة طريق الجنة, فابدأ أنت بالسبب والنتيجة على الله , فطريق الجنة طويل, ولكن أنت ابدأ فإذا بالله يسهله, فالإنسان في الدنيا يجد اليوم الذي فيه طاعة يوماً جميلاً يذوق حلاوته, واليوم الذي فيه معصية يجده يوماً صعباً شديداً يذوق مرارته, والعاصي لا تهمه طاعة ولا معصية فلا فرق عنده، ولكن المؤمن يطيع الله فيجد حلاوة الطاعة وحلاوة الإيمان في قلبه. قال الله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم:٤٤] أي: كل من علم صالحاً، فالجميع قد مهدوا لأنفسهم, (يمهدون): أي يوطئون لأنفسهم في الآخرة فراشاً ومسكناً وقراراً في الجنة بالعمل الصالح, ومنه مهد الصبي, وضعه في المهد, فتعمل له سريراً وحده, وتعمل له فراشاً ليناً لهذا الصبي الذي ستضعه فيه, وكذلك أنت تمهد لنفسك طريق الجنة بطاعتك ربك , فالتمهيد بمعنى تسوية الأمر, وإصلاح الأمر, ومن التمهيد التمكن، كأنك تمكن لنفسك مكاناً وموضعاً في جنة رب العالمين سبحانه, وكذلك قالوا: يمهدون لأنفسهم في قبورهم، وسواء مهد لنفسه في قبره أو مهد لنفسه يوم القيامة, فأول منازل الآخرة القبر, فإذا كان له خير في القبر فيوم القيامة يجد خيراً عظيماً من رب العالمين سبحانه.

стр. 1593

تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله) قال الله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٥] لتكون العاقبة للمؤمنين والجزاء الحسن من رب العالمين. قال: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٥] فالله سبحانه لن يعطيك من فضل أحد آخر, بل من فضله سبحانه, فيجزي المؤمن الجزاء الذي يليق به، وهذا تفضل منه، فإذا تفضل رب العالمين على العباد فإنه يجازيهم بالحسنة عشرة أمثالها, ومن هم بسيئة فلم يعلمها كتبها الله له حسنة كاملة, وهذا إذا خاف من الله بعدما كاد أن يفعلها، فقال: لن أعملها، واستغفر الله, وتاب إلى الله، ولم يقع في هذه السيئة؛ فتكتب له حسنة كاملة, ومن هم بالسيئة فعملها كتبت عليه سيئة واحدة, ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة, ومن هم بحسنة فعملها كتبت له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله, ولذلك هنا يخبرنا الله أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجزيهم الجزاء العظيم منه ، الجزاء الذي يليق بهم من فضل الله . ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم:٤٥] فالله يحب المؤمنين, ويحب المحسنين, ويحب الصابرين, ويحب الصالحين, ويجزي هؤلاء من فضله, أما الكافرون فلا يحبهم الله ، ويكون مصيرهم إلى النار. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1594

تفسير سورة الروم [٤٦ - ٤٧] آيات الله الكونية كثيرة، وقد أمر عباده أن يتفكروا فيها؛ لأنها تدعوهم إلى الإيمان بالله، ومعرفة صفاته العلى، وتوحيده جل وعلا، ومن هذه الآيات العظيمة: الرياح، فليتفكر المسلم في كيفية إرسالها وفوائدها وآثارها، وأعظم منها آية المطر، فليتفكر المسلم في كيفية بسط السحاب في السماء وجعله قطعاً، وخروج المطر من خلاله وفوائده وآثاره، وكيف يحيي الله به الأرض بعد موتها.

стр. 1595

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٦ - ٤٧]. هذه آيات من آيات الله العظيمة يذكرها لنا في هذه الآيات من سورة الروم، وآياته كلها عظيمة سبحانه، وهذه الآيات مثل النعم لا تحصى أبداً، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦]، فهذه الآيات يذكركم الله بها لعلكم تشكرون الله عليها. والآية هي المعجزة التي تدل على عظيم القدرة، ((وَمِنْ آيَاتِهِ)) أي: ومن أعلام كمال قدرته سبحانه ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم:٤٦]، فالرياح آية من آيات الله سبحانه، لا يدري الإنسان كيف تتكون هذه الرياح، وكيف ترسل، ومتى ترسل، ومتى تسير، فالله الذي يدبر هذا كله، والإنسان يرى علامات، وعليه أن يعتبر بهذه العلامات التي يراها، فالذي يرسل الريح والذي يمسك الريح هو الله ، فمن آياته العظيمة أن يرسل الرياح مبشرات، أي هذه الرياح تبشر من يشعر بها ويحس بها بقرب نزول المطر. ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم:٤٦]، رحمة الله عظيمة واسعة، فمن رحمة الله وروحه سبحانه أن يرسل الرياح فتنزل المطر، فيأتي الغيث فيغاث به العباد، ويخرج الله النبات، فيكون الخصب للعباد، وكذلك الرياح يستروح بها الإنسان، فهي راحة للإنسان في يوم صائف حين تهب فيستشعر الإنسان رحمة رب العالمين . وكذلك يرسل الرياح في البحر فيستبشر أصحاب السفن وتسير السفينة بهذه الرياح بفضل الله ، وغير ذلك مما استغل العباد فيه هذه الرياح في منافعهم التي سخرها الله لهم بالرياح، وسخر لهم العقول لتستفيد من هذه الرياح، فمن الريح يصنعون طواحين هوائية، ويصنعون مراوح من الريح، ويولدون الكهرباء والتيار، ويستشعرون فضل الله عليهم. وقوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الروم:٤٦] أي: بعضاً من رحمته، تستشعرون بها كيف أن الله بعباده رءوف رحيم سبحانه. ﴿وَلِتَجْرِيَ﴾ [الروم:٤٦] بهذه الرياح: ﴿الْفُلْكُ﴾ [الروم:٤٦] السفن العظيمة والمراكب في البحار ﴿بِأَمْرِهِ﴾ [الروم:٤٦]، فهو الذي يسخر، وهو الذي ييسر، وهو الذي يسير ، فيرسل الريح فتسير هذه المراكب وهذه السفن بمنافع العباد؛ ليحمدوا الله سبحانه، ويشكروه على نعمه. ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٦] تجري الفلك بأمر الله ، يسير الإنسان في البحر راكباً مركباً، وإذا بالريح توافقه وتواتيه، فيفرح بهذه الريح، وإذا وقفت الريح يقف مكانه، وينتظر رحمة الله سبحانه، ولعلها تعاكس الإنسان وتأتي على غير المكان الذي يريده، ولعلها تعصف بالإنسان وبما يركبه، ولعلها تقصف به فتغرقه، فالريح التي يرسلها الله تكون نسيماً وتكون ريحاً طيبة، وقد تكون عاصفة وقد تكون قاصفة، وهذا من أمر الله سبحانه، فلا ترسل إلا بأمره، فيأذن ويأمر فيكون أمره سبحانه على ما يريد. ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٦] في البر والبحر، بفضل الله وبرحمته سبحانه، فالرياح يرسلها الله سبحانه فتحمل أشياء أنت لا ترى هذه الأشياء، تحمل حبوب اللقاح من أشجار إلى أشجار أخرى، فتلقحها، فإذا بالله يخرج منها الثمار التي يأكلها الإنسان ويستلذ بها ويتفكه بها؛ ليشكر الله على ذلك. والريح يستروح بها الإنسان، وترطب عليه، وتأتيه بالمطر، وتحرك السحاب من مكان إلى مكان، وتلقح الأشجار، أشياء عجيبة! هذا أمر الله سبحانه، وهذا من قدرته وكماله . ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم:٤٦]، هذا من فضل الله سبحانه، فبهذه الريح تتنقلون في السفر من مكان إلى مكان بالسفن ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ [إبراهيم:٣٢]، وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فخلق للعباد ما علموا من أشياء ركبوها، وما لم يعلموا فاستحدثوها، صنعوا الفلك التي تجري في البحر بأمره سبحانه، وصنعوا الطائرات التي تصعد فوق الرياح في الهواء، وهذا كله بأمر الله سبحانه، وتسخير من الله سبحانه، ليبتغوا من فضل الله، ومن رزق الله، ويسافرون من بلد إلى بلد، ويبتغون رزق الله ، وينقلون بضائعهم، وينقلون القوت من بلد إلى بلد، وهذا من فضله سبحانه. قال: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦] فعلى الإنسان أن يشكر عندما يستشعر نعم الله سبحانه، وعادة الإنسان أنه كنود جحود كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] أي: جحود، ينسى هذه النعم، فإذا هاجت الريح قليلاً بعواصف ورمال يشتم ويسب الريح، وينسى فضل الله سبحانه ورحمة الله وآيات الله، وأن هذه آية من الآيات، فالذي أثارها هو الذي يهدئها، فارجع إليه، وادعه ، واطلب من رحمته سبحانه، ولا تضجر بأمر الله . يقول: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦] يعني: تشكرون الله على هذه النعم بتوحيدكم ربكم سبحانه، وبحسن عبادتكم إياه، وبطاعتكم له، وباجتنابكم معاصيه.

стр. 1596

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم) يذكر الله النبي ﷺ والمؤمنين بأنه أرسل الرسل من قبل النبي ﷺ ، وليس هو أول الرسل ﵊، قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم:٤٧]، فكل رسول كان يرسل إلى قومه، وخص نبينا ﷺ بميزة عظيمة جداً فضل بها على كل الرسل، فلم يرسل إلى قومه فقط، ولكن أرسل إلى الخلق جميعهم، إنسهم وجنهم، فهو رحمة للعالمين صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم:٤٧] هؤلاء الرسل جاءوا أقوامهم بالبينات، وجاءوهم بالمعجزات، وبالحجج النيرات، وبالآيات العظيمات من رب العالمين، وكل نبي بعثه الله معه آية من الآيات، فإبراهيم من أعظم آياته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه ألقي في النار ولم تحرقه النار، وهي آية تناسب طبيعة قومه عباد الأصنام وعباد الكواكب وعباد النيران، ومن عبد شيئاً يظن أن هذا الشيء يحميه، ويدفع عنه ضره، وهذا عدوهم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أججوا النار التي يظنون أنها تنفعهم وتضر إبراهيم، فألقوا إبراهيم فيها من مكان بعيد، فإذا بالنار تكون برداً وسلاماً على إبراهيم! لم تنفعهم نارهم، ولم تنفعهم عبادتهم غير الله سبحانه، قال الله : ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء:٦٩ - ٧٠]، فهم أسفل ما يكون وأخسر ما يكون عندما أرادوا الكيد بإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فهذه آية من آيات رب العالمين سبحانه، يري هؤلاء أن ما تعبدون لا تنفعكم، بل تضركم في الدنيا وفي الآخرة. وهذا موسى النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يبعثه الله إلى قومه، وولد في السنة التي يقتل فيها الصبيان، وكان أخوه هارون أكبر منه قيل: بثلاث سنوات، ففي السنة التي ولد فيها هارون لم يكن يقتل فيها الصبيان، فعاش هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، والسنة التي ولد فيها موسى كان فرعون يأمر بقتل الصبيان، وإذا بالله ينجي موسى في بيت فرعون! وهذا الأمر العجيب من آيات رب العالمين . ينشأ موسى ﵊ في وسط هؤلاء القوم الذين يظنون أن السحر ينفعهم، وأنهم يكيدون لأعدائهم بالسحر، فيجمع فرعون السحرة من كل مكان، ويقوي بهم دعائم ملكه. وعندما شب موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، منَّ الله عليه بالرسالة، ويأتي إلى فرعون ليدعوه إلى رب العالمين، وإذا فرعون يتعاظم ويتعالى ويقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٢٣]، ما هو رب العالمين الذي جئت تدعو إليه؟ ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء:٢٦ - ٢٨]، فأنتم لكم عقول، فلا تقولوا عني: مجنون، فأنتم تعرفون أن الذي خلق المشرق والمغرب وما بينهما هو الرب . وفرعون يأتي بالسحرة، وموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يأتيهم بآية من آيات الله سبحانه، وسحر السحرة أعين الناس حتى موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا بموسى ينظر إلى عصي السحرة وحبال السحرة، فيخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، فيأتي من الله التثبيت لموسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، اثبت إنك أنت الأعلى، سنعليك وننصرك عليهم، ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩]، فجاءهم ربهم سبحانه بآية من جنس ما يصنعون، أنتم تخيلون للناس ولا تقدرون على قلب الأشياء حقيقة، ولكن الله يجعل هذه العصا التي في يد موسى ثعباناً حقيقياً وأنتم لا تقدرون على ذلك، فبهت هؤلاء الكفار، ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ﴾ [الأعراف:١٢٠]، فكانت معجزة من أعظم المعجزات التي تفيد مع هؤلاء القوم. وعيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام جاء إلى قوم اشتهروا بصناعة الطب، والطبيب لا يستطيع أن يشفي من ولد أكمه أعمى، فإذا بالمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام يدعو له فيشفيه الله بإذنه، قال الله عنه: ﴿وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩]. ويتجاوز ذلك إلى أن يدعو ربه فيحيي على يديه الموتى بإذن الله ! فهل تقدرون بطبكم وسحركم أن تفعلوا هذا الشيء؟! فكانت آية ومعجزة من جنس ما يصنعون، فأنتم علماء في الطب، وهذا يفوقكم بشيء تعجزون عنه. وجاء نبينا ﷺ من عند ربه بأعظم الآيات وهو هذا القرآن العظيم المعجز، فالعرب كانوا أهل فصاحة وأهل بلاغة وأهل شعر وأهل خطابة، ويتنافسون في ذلك ويرتجلون ذلك، فإذا بالله ينزل على نبيه ﷺ هذا الكتاب، ويتحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، والتحدي يدفعهم إلى العصبية وقبول التحدي مهما كان هذا التحدي؛ فلا يقدرون أن يقبلوا هذا التحدي، ويخنعون ويذلون ويسكتون عن ذلك. وعندما افترى أحدهم ليأتي بمثل القرآن ضحك الناس منه، وقيل له: إنك تعلم أنا نعلم أنك كاذب! فهذا القرآن هو المعجزة العظمى الذي نزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وإعجازه من وجوه كثيرة، من وجه بلاغته وفصاحته، ومن وجه إخباره عن أشياء غائبة لا يعرفها الناس، فتكون كما قال، كما في أول هذه السورة: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم:٢ - ٤]، فكان الأمر على ما قال الله سبحانه، وإن كان ذلك في نظر الناس مستحيل أن يغلب الروم فارس، ويخبر الله أنه ليس مستحيلاً، وسيكون خلال سنين قليلة، فكان كما قال الله . ومن الإعجاز الذي في كتاب الله سبحانه أشياء تختص بعلم الفلك، وبعلم الرياح والسحاب، وبعلم الجيولوجيا والأرض، وغير ذلك من الآيات العظيمة؛ ليعلمنا أن هذا كتاب رب العالمين، وأن النبي ﷺ ليس بدعاً من الرسل، ولكن هذا رسول من عند رب العالمين، جاءكم بالآية العظمى كما جاء الأنبياء من قبله بآيات إلى قومهم. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم:٤٧] إذا جاءوا أقوامهم بالبينات، فمنهم من صدقوا ومنهم من كذبوا، فإذا بالله ينتقم من المجرمين، ويجازيهم على إجرامهم وعلى تكذيبهم وكفرهم. ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧] هذا وعد من الله ، أنه ينصر المؤمنين، والله لا يخلف الميعاد أبداً، وإذا رأى المسلمون أنهم لم ينتصروا فليرجعوا إلى أنفسهم ليعرفوا أسباب ذلك، فالسبب من أنفسهم، أما الله فوعده الحق، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧]. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يخذل الكفرة والمشركين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1597

تفسير سورة الروم [٤٨ - ٥١] ما أنعم الله على الناس بنعمة إلا وكان الواجب عليهم أن يشكروها، وإن مما أنعم عليهم إنزاله الأمطار بعد أن يكونها وينشئها في السماء، فيجعل منها جبالاً من برد وثلج، ويجعل منه ما هو أقل من ذلك فينزل منه القطر والمطر، فيفرح الناس بذلك ويُسروا وإن كانوا من قبل لفي ضيق وقنوط.

стр. 1598

تفسير قوله تعالى: (الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ * فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ * فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٤٨ - ٥٢]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات عن رحمته في إرساله الرياح وإنزاله الأمطار بفضله وكرمه سبحانه، ويخبر عن تكوينها فيقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم:٤٨]، و (الله) هو الإله المعبود الذي خلق ورزق، والذي يرسل الرياح . وقوله: (الذي يرسل الرياح) أي: هو الرب الفاعل القادر ، وهو الصانع المربي، فالله كونه إلهاً فهو يستحق أن يعبد ، فيعبر بلفظ الجلالة (الله) يعني: المعبود المستحق للعبادة، ويعبر عن ذلك بصفات الرب ، فكونه رباً مقتضاه: أنه يخلق ويرزق، وأنه يفعل ما لا يقدر أحد على فعله إلا الله ، فمن مقتضى ربوبيته أنه يرسل الرياح، وأن هذه الرياح تثير السحاب، وأن الله يبسط هذا السحاب في السماء كيف يشاء بقضائه وقدره. قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم:٤٨] فهكذا يكون التكوين للأمطار بقدرة الرب ، فالرب الذي يصنع هذا يستحق أن يعبد دون غيره من آلهة تعبدونها، لا يستطيعون أن يصنعوا شيئاً فهم اتخذوا من دون الله آلهة، فإذا سئلوا: هل هذه الآلهة تخلق وترزق؟ يقولون: لا، لا تصنع شيئاً، وإذا سئلوا من الذي يصنع ذلك؟ يقولون: الرب الذي في السماء يصنع ذلك، فيقال لهم: كيف يكون الرب هو الذي يصنع وترجون رحمته سبحانه أن ينزل عليكم المطر من السماء، وأن ينبت لكم الزروع والثمار، وأن يعطيكم أرزاقكم سبحانه، ثم تؤلهون غيره، فتدعون إلهاً غير الله، أو تشركون مع الله أحداً غيره؟! فعبر ربنا بقوله: (الله) أي: الإله الذي يستحق العبادة هو الذي يصنع ذلك، وهو الذي يرسل الرياح. والرياح هي التي تثير السحاب، وتحرك السحاب من مكان إلى مكان، وهي التي تكون هذا السحاب بأمر الله . فمياه الأمطار تكون على الأرض منها البحيرات، وهذه البحار الموجودة وغيرها من المياه تصعد إلى السماء بالتبخر، وتحملها الرياح شيئاً وشيئاً حتى تصعد إلى السماء كما عبر الله هنا، وعبر في سورة النور فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣]. وهذه من دلائل قدرة الله مع تذكيره الناس بقضائه وقدره، فالله يقدر ما يشاء ولا شيء يكون إلا بقدره وتقديره سبحانه، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالسحاب يمتلئ بالمياه، ويشاء الله أن ينزل منها المطر فيكون ذلك، وقد يصرفه عمن يشاء، فتكون السحابات قد غيمت وامتلأت، والناظر ينظر إليها في السماء ملآنة بالمطر، فيظن نزول المطر فإذا بالسحابات تنصرف إلى مكان آخر، ولا ينزل المطر على هذا المكان الذي ظن أهله أن ينزل عليهم المطر، لذلك ليس كون السحابة مغيمة أو ممتلئة بالماء بلازم أن تنزل في هذا المكان، ولذلك يقول الله تعالى: ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣]، فالأمر راجع إلى قضاء الله وقدره، وقد ينظر الإنسان إلى الشيء في متناول اليد، فيذهب ليأخذه فيضيع منه هذا الشيء، فالله يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وكم من إنسان يرفع اللقمة إلى فمه، فتقع اللقمة على الأرض فما يأكلها مرة أخرى، ﴿فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:٤٣] سبحانه ﵎. فالإنسان ينظر في حكمة الباري سبحانه وفي قدرته وفي آياته العظيمة، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وعبر الله عن السحاب في هذه الآية بقوله: (يجعله كِسَفاً)، وقال في سورة النور: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣]، والودق بمعنى المطر، يعني: قطرات المطر تخرج من خلاله.

стр. 1599

الفرق بين الريح والرياح يقول لنا : ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم:٤٨] وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف (الريح)، فقرءوا: ((الله الذي يرسل الريح فتثير سحاباً)). ومن هنا قد يعبر بـ (الريح) عن (الرياح)، وبـ (الرياح) عن (الريح)، وهذه القراءة في كل القرآن على ذلك. وذكر بعض أهل العلم ومنهم: أبو عمرو البصري أن الله يعبر بـ (الريح) ويعبر بـ (الرياح)، قال أبو عمرو: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد، هذا كلام أبي عمرو البصري ولم يصح ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. وكلام أبي عمرو البصري بناءً على قراءته هو، فهو يقرأ (الرياح) في مواضع، و (الريح) في مواضع، فيقول بناءً على ما فهمه مما قرأه من القرآن ومن كلام العرب: كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، يعني: كلمة (الرياح) جمع، فتكون بمعنى (الرحمة)، و (الريح) مفردة تأتي بمعنى العذاب، هذا كلامه، وواضح أن هذا الكلام ليس له نصيب من الصحة، وإن كان أخذ به بعض المفسرين؛ لأن الذي يتتبع القراءات في القرآن سيجد القرآن يعبر بـ (الريح) ويعبر بـ (الرياح) في الموضع نفسه، فيقرأ البعض من القراء (الريح)، ويقرأ البعض الآخر (الرياح)، فلا تغتر بهذا الكلام، فإن قراء القرآن لم يفرقوا بين هذا وذاك؛ لأن الآية واحدة والقراءة فيها قراءتان (الريح)، و (الرياح)، وعلى ذلك الريح تنزل الأمطار، والرياح كذلك تنزل الأمطار.

стр. 1600

كيفية تجمع السحب قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم:٤٨] إثارة الشيء دفعه ونشره، وهنا: الرياح تثير السحاب فتكونه شيئاً وراء شيء، قال تعالى: ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم:٤٨] أي: تكون السحابات متفرقة في السماء في كل مكان، ثم يجعله كسفاً، أي: قطعاً تكبر السحابة، و (كسفاً) كأنه الجمع، سواء قرئت ﴿كِسَفًا﴾ [الروم:٤٨] أو (كِسْفاً) ففي الحالتين هي جمع، ولذلك ففيها قراءتان: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم:٤٨] قراءة الجمهور، والأخرى: (ويجعله كِسْفاً) بالسكون قراءة أبي جعفر وابن عامر بخلف هشام فيها، فالقراءتان بمعنى الجمع، والمفرد منها: كِسْفة، هذه المفرد، والجمع (كِسفاً) أي: قطعاً مجموعة يجمع بعضها إلى بعض. قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [الروم:٤٨] أي: ينزل المطر من خلال هذا السحاب، والآية الأخرى عبرت عن ذلك في سورة النور بتعبير أوضح فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣]، فقوله: (يزجي) بمعنى: الدفع والتقريب شيئاً فشيئاً، وكأنه يسوق هذا السحاب سوقاً خفيفاً، فأنت لا ترى السحاب تجري وتلتحم بالأخرى فجأة، بل تراها تسير سيراً خفيفاً وكأنها لا تمشي، فقوله تعالى: (يزجي) أي: يدفع برفق شيئاً فشيئاً، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور:٤٣] أي: يجمع بينه . قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا﴾ [النور:٤٣]، وقال في سورة الروم: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا﴾ [الروم:٤٨] أي: قطعاً، وهناك ذكر أن هذه القطع تتراكم بعضها فوق بعض، فترى: سحابة فوقها سحابة وفوقها سحابة، ولذلك يقول العلماء: إن السحابات إذا تراكمت بعضها فوق بعض تولد خلالها من الرياح ما يسحب هذه السحاب حتى يرتفع بعضها على بعض ويتجمع ويتكاثف إلى أن تصير كالجبال، لا يراها إلا من ركب الطائرة، فينظر إلى هذه السحابات كالجبال. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣]، الودق هو المطر ينزل من خلاله. قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ﴾ [النور:٤٣] أي: أن الذي ينزل الثلج والبرد من السحاب إنما هو نوع واحد فقط من السحاب الذي يكون مثل الجبال، أما غيره فينزل الودق ولا ينزل البرد، وهذا يقول به العلماء الذين اكتشفوا ذلك، فقالوا: السحاب الركامي الذي كهيئة الجبال هو وحده الذي ينزل منه قطع البرد، أي: قطع الثلج، أما غيره من السحاب فينزل منه رذاذ، وينزل منه قطرات المطر.

стр. 1601

أثر الأمطار في إدخال السرور على الناس يقول سبحانه: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨] هذه نعمة رب العالمين سبحانه، فالناس إذا كانوا في جدب يطلبون من الله المطر، فيبذر بذره ثم ينتظر رحمة رب العالمين، ومن يذهب إلى البلدان التي يعتمد أهلها على المطر يرى حال الناس ونظرهم إلى السماء راجين نزول القطر من السماء، وينتظرون رحمة الله سبحانه، فينزل المطر من السماء فإذا بالأرض تنبت وتخرج ما أودعه الله بداخلها، قال تعالى: ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨]، أي: إذا أصاب به من يشاء من عباده ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨]. وقد جاء حديث في صحيح مسلم يخبرنا فيه النبي ﷺ عن شيء من هذه الرحمة العظيمة من فضل الله ، يخبر عن رجل يسير ويرى سحابة فوقه ويسمع فيها صوتاً، اسق أرض فلان -ويسمع الرجل الصوت من السحابة- اسق أرض فلان، فيتعجب هذا الإنسان! وينظر إلى السحابة ويراقبها فإذا بها تسير والرجل يسير وينظر أين ستسقي هذه الأرض، إلى أن رأى السحابة تتجمع في مكان بين مكانين مرتفعين، وتنزل المطر على هذا المكان، فيجتمع المطر في مكان واحد، ثم يسيل كله والرجل يمشي وراءه ويتتبعه حتى وصل إلى أرض إنسان يسقي هذا الماء من ماء المطر، فيذهب إلى صاحب الأرض ويسأله: ما اسمك يا عبد الله؟ يقول: أنا فلان، لم تسألني عن اسمي؟ قال: لأني سمعت في هذه السحابة الذي هذا ماؤها صوتاً يقول: اسق حديقة فلان، فتتبعته فوجدته إلى هنا، ما الذي تصنع فيها؟ يقول الرجل: أما إن قلت لي ذلك، فإني أزرع أرضي وآخذ ما يخرج منها فأقسمه أثلاثاً: ثلثاً أتصدق به، وثلثاً آكل منه أنا وعيالي، والثلث الثالث أجعله في الأرض، فهذا الرجل كان يقسم الأرض بينه وبين ربه سبحانه وبين الأرض نفسها، فثلث يرجعه في الأرض يزرعه مرة أخرى، وثلث ينفقه على الفقراء والمساكين لله ، وثلث ينفقه على نفسه وعياله، ومن كان بهذا الشأن لا يضيعه الله ، ولقد قال النبي ﵌: (ما نقص مال من صدقة)، فالله جعل له هذه الآية العظيمة؛ ليرينا آية من آياته . قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الروم:٤٨] أي: تأتيهم البشرى فتراهم يفرحون، ويظهر عليهم أثر هذه البشارة من سعادة وفرح.

стр. 1602

تفسير قوله تعالى: (وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم:٤٩] أي: قبل هذه البشارة وقبل الفرح كانوا منتظرين المطر في عبوس وضيق وكادوا يقنطون، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ﴾ [الروم:٤٩] أي: من قبل أن ينزل عليهم هذا المطر، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ((من قبل أن يُنْزَل عليهم من قبله لمبلسين))، وأبلس الإنسان أي: صار يائساً قانطاً، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم:٤٩] أي: آيسين من هذا المطر، فإذا به ينزل فيفرحون ويستبشرون.

стр. 1603

تفسير قوله تعالى: (فانظر إلى آثار رحمة الله) قال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠] أي: انظر إلى الفرج من عند الله، وكيف يفرح العباد بذلك، فإذا فرحوا هلا شكروا الله أن أعطاهم ذلك، فلا تنس وأنت في غمرة فرحتك بنجاحك، أو برزقٍ أتاك الله ، أو بثمر أخذته من حديقتك، أو بزرع أخرجه حقلك، لا تنس في أثناء فرحك أن تشكر الله سبحانه، ولا تطغَ ولا تبغِ، ولا تكن من الباطرين الفخورين. قال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الروم:٥٠] على الجمع قراءة ابن عامر، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف، وباقي القراء يقرءونها: ((فانظر إلى أَثرِ رحمة الله)) وهو: نتيجة الغيث، ونتيجة رحمة الله سبحانه ﵎، والبشرى في وجوه الخلق والزرع والنبات والثمار، وما يخرج لهم من الأرض. وكلمة (رحمت) مكتوبة بالتاء، ولذلك إذا وقف عليها الجمهور يقفون: ((فانظر إلى آثار رحمت)) فيقفون بالتاء، وهي تاء التأنيث هنا، ويقرؤها ابن كثير، وأبو عمرو ويعقوب، والكسائي في الوقف بالهاء ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ﴾ [الروم:٥٠]، والكسائي إذا وقف عليها فإنه يميل فيها ويقول: (رَحْمِةْ). قال تعالى: ﴿كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم:٥٠] أي: انظروا إلى الأرض وقد ماتت وأجدبت، وإذا بالله يهزها ويحييها، وينمي فيها ما كان بداخلها بفضله ورحمته، فإذا رأيت كيف أحيا الله هذه الأرض، أفلا يحييك أنت وأنت منها؟! فالذي أحيا الأرض بعد موتها ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة:٤٠]، ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. وقال هنا: إن ذلك الإله العظيم الرب القدير لقادر على ذلك، ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]، فهو ليس على إحياء الموتى فقط قادر، بل هو قادر على إحياء الموتى وإماتة الأحياء وعلى كل شيء الله قدير.

стр. 1604

تفسير قوله تعالى: (ولئن أرسلنا ريحاً فرأوه مصفراً) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ [الروم:٥١]، قوله تعالى هنا: ((رِيحًا)) لا توجد فيها إلا قراءة واحدة فقط وهي: (ريحاً) بالإفراد، و (الرياح) تأتي بالإفراد وبالجمع، و (الريح) هنا: مفردة. وقوله: ((رأوه)) الضمير هنا يجوز أن يكون راجعاً إلى الريح، وكأن الريح التي تسير التراب تختلط به فترى الريح كأن لونها أصفر من التراب، فيكون المعنى: فرأوا الريح، ويحتمل أن يرجع الضمير إلى الأثر، فيكون المعنى: رأوا الأثر من هذه الريح الاصفرار، فإذا بالنبات الأخضر يموت ويذبل ويصبح أصفر بعد ذلك، ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ [الروم:٥١]، ويحتمل أن يرجع إلى السحاب بمعنى: أنهم يعرفون أن السحابة السوداء يوجد فيها الرياح وتنزل المطر، أما السحابة الصفراء فإنها لا تنزل شيئاً، فقوله تعالى: (فرأوه) يحتمل أن يكون عائداً إلى هذه الرياح، أو إلى هذه السحابات والأثر الذي فيها أو إلى الزروع وأثر الاصفرار الذي فيها، فإذا رأوا رياحاً صفراء، أو رأوا سحابات صفراء، أو رأوا الزرع أصفر؛ يئسوا وقنطوا وحزنوا على ذلك، وظلوا من بعده يكفرون. وعجيب جداً حال الإنسان! إذا وجد الرزق والماء والطعام، ووجد من فضل الله ورحمته عليه في الدنيا، فإنه يفخر به، ويرتفع على غيره، ويكفر النعمة ولا يشكر الله ، فإذا ضيق الله عليه كفر نعمة الله عليه، وبدأ يشتكي من الله، فينسى أنه أعطاه قبل ذلك، وأنه سيعطيه بعد ذلك، ولكن يضيق على العبد حتى يلجئه إلى ربه، وحتى يجأر إليه، ويعرف النعم. ولولا أن الإنسان يصاب بشيء من الضيق، لما كان يعرف فضل رحمة رب العالمين ، وانظر لو أن إنساناً في نجاح دائم، لبغى وكفر وشعر أنه لا يحتاج إلى أحد، لكن حين يأتي عليه وقت فيه ضيق، ووقت يرسب فيه، فإنه سيشعر أنه محتاج إلى الله ، ولو أن إنساناً في صحة دائمة، لبغى وكفر وشعر أنه لا يحتاج إلى أحد أيضاً، لكن حين يأتي على الإنسان شيء من المرض فإنه يرجع إلى ربه سبحانه ويشكر هذه النعمة، لذلك يقولون: لا يعرف النعمة إلا فاقدها. فالذي يفقد النعمة يعرف نعمة رب العالمين سبحانه، فمن يتكلم لا يعرف نعمة الله عليه في الكلام إلا حين يفقد صوته، ومنهم من يعرف نعمة الصحة، فإذا أصابه المرض عرف أن هذا المرض شيء حجبه الله عنه فترات ولم يشكر ربه على ذلك، فحين ابتلاه عرف هذا الشيء، والشيء يظهر حسنه ضده، ولذلك قالوا: الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتميز الأشياء فلولا السواد ما عرفت فضل البياض، ولولا المرض ما عرفت فضل الصحة وهكذا، فرحمة رب العالمين عظيمة، يبتلي العبد ويختبره حتى يرجع إليه، فيعطيه الله ، فشكرك لنعمة الله أعظم عند الله من النعمة نفسها التي أنزلها عليك. فالنعمة من الله، والشكر نعمة أخرى من الله أيضاً، ولذلك جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (ما أنعم الله على عبد من نعمة فشكره عليها، إلا كان شكره عند الله أحب إلى الله من النعمة نفسها)، فالنعمة التي أعطاك الله منه نعمة، والشكر نعمة من الله، هو الذي تفضل عليك بذلك، وأحب النعمتين إلى الله الشكر، فعود نفسك على شكر الله سبحانه، واحمد لله في السراء والضراء، فقد (كان النبي ﷺ إذا أتته النعمة قال: الحمد لله رب العالمين)، وإذا حدث شيء وبلاء بالمسلمين قال: (الحمد لله على كل حال)، فحاله دائماً الحمد. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الحامدين الشاكرين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1605

تفسير سورة الروم [٥٢ - ٥٤] الموتى لا يسمعون، ومثلهم الصم إذا ولوا مدبرين، وعمي البصائر لا يبصرون الحق، ولا يرى الحق ويتبعه إلا المؤمنون بآيات الله الكونية والشرعية، المستسلمون لأوامره وشريعته.

стр. 1606

تفسير قوله تعالى: (فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ * وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ * اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٢ - ٥٤]. في هذه الآيات يخبر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأنه لا يقدر على إسماع الموتى إلا أن يشاء الله . وإسماع الموتى يأتي على معنيين: إما الأموات غير الأحياء، وإما أموات القلوب أحياء الأبدان. والنبي ﷺ لا يقدر أن يحول الناس من الكفر إلى الإيمان، وإنما الذي يقدر على ذلك هو الله . فإذا ماتت قلوب الناس لا يقدر النبي ﷺ ولا غيره على إحياء هذه القلوب، إنما الذي يقدر على ذلك الله . وهذا هو معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله، إذ المعنى لا حيلة لأحد ولا تحول لأحد عن أمر إلى أمر إلا بمشيئة الله ، وقد يشكل على البعض قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] وكون النبي ﷺ خاطب قتلى المشركين في بدر وأخبر أنهم يسمعون كلامه! والصحيح أن الموتى على الحقيقة لا يقدر أن يسمعهم لا النبي ﷺ ولا غيره إلا ما يشاء الله سبحانه، وأن إسماع النبي ﷺ في يوم بدر لقتلى الكفار وقد ألقوا في قليب بدر ونداءه لهم وهو على رأس القليب: يا فلان، يا فلان، يا فلان، (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ وتنبيه عمر للنبي ﷺ بقوله: ما تسمع من جيف لا تسمع)، وتأكيد النبي ﷺ سماعهم بقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) يعني: كما أنكم تسمعونني كذلك هم يسمعون النبي ﷺ في تأنيبه لهم، وفي تذكيره لهم؛ فهذا كان خاصاً بالنبي ﷺ ، إذ العادة ألا يسمع الموتى كما أخبرت الآية إلا أن يشاء الله ؛ فأسمع الموتى نداء النبي ﷺ بما يشاء الله سبحانه، وبذلك علم أن الأصل أن الأموات لا يسمعون نداء الأحياء، ولا يخاطبهم الأحياء فيفهمون أو يسمعون ما يقولون، ولكن إذا شاء الله كان هذا الأمر. وعلى المعنى الثاني أنهم أموات القلوب، ويكون المعنى أن الكفار الذين ماتت قلوبهم، لم يذكروا الله سبحانه، ولم تنفعهم الموعظة، ولم ينفعهم شيء، وأنه مهما حاول النبي صلوات الله وسلامه عليه إسماعهم وهدايتهم ولم يشأ الله لهم الهدى، فإنهم لن يسمعوا ولن يهتدوا. وفي قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم:٥٢] إخبار أن هؤلاء ماتت قلوبهم فإذا بهم صم بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون وهم لا يعقلون، لا يرجعون قولاً ولا يفهمون ما يقوله النبي ﷺ ، ولعلهم يضحكون ويلعبون ويستهزئون بأشياء ليست محلاً لذلك، ولكن لجهلهم ولغباوة عقولهم، وللطبع والطمس على قلوبهم فإنهم لا يفهمون ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه. وكالموتى الصم قال تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] أي: من كان أصم لا يسمع فكيف تسمعه نداءك؟! والمراد هنا الصمم عن سماع الحق، فالمعنى: آذانهم قد صمت عن نداء الحق، فلا يسمعون الحق الذي جاء به النبي ﷺ ، ولا يعقلون ما آتاهم به من حجج، ويريهم الله الآيات ومع ذلك لا يحاولون أن يعقلوا ما فيها! وأي آية أكبر مما رأوا مع النبي ﷺ في إحكام هذا القرآن العظيم وإعجازه؟! وفي قوله سبحانه في هذه السورة الكريمة: ﴿غُلِبَتِ الرُّوم * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم:٢ - ٣] تحقق ما ظنوه مستحيلاً فوجدوه كما أخبر الله سبحانه ومع ذلك لم يؤمن كبار الكفار! ومن الآيات: ما سألوه من النبي ﷺ : أن يشق لهم القمر، ووعدوه إن هو فعل ذلك فسوف يؤمنون، (فإذا بالنبي ﷺ يدعو ربه في ليلة من الليالي، ثم يشير إلى القمر بيده ﷺ فينشق القمر) يقول الله سبحانه عن تلك الآية: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فيرون القمر فلقتين، فلقة أمام الجبل وفلقة خلف الجبل، ومع ذلك لا يؤمنون، ماتت قلوبهم فلا حياة لهذه القلوب، وصمت آذانهم فلا يعقلون ما يسمعون من النبي ﷺ ! وبمعنى قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] قوله سبحانه عن هؤلاء: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة:١٨]. الإنسان الأصم هو: الأطرش الذي لا يسمع، قوله: (بكمٌ)، أي: لا ينطقون، وقوله: (عُميٌ)، أي: لا ينظرون، فلو أن إنساناً أصم لا يسمع، وأبكم لا ينطق بما يريد، وأعمى لا يبصر، قد اجتمعت فيه هذه الآفات كلها فهو كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال:٢٢]، فإنه ولا شك يتعذر التواصل معه، فلا ينتفع بشيء، وهؤلاء قد صمت آذانهم فلا يسمعون نداء الحق. وعميت أبصارهم فلا ينظرون إلى الحجج، وذهبت عقولهم فلا يعقلون ولا يفهمون ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وبكمت ألسنتهم فلا ينطقون بحجة سليمة ولا برأي سديد. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [الروم:٥٢] قراءتان، الأولى: قراءة الجمهور وهي المتقدمة، وقرأ ابن كثير: (ولا يسمع الصم الدعاء) أي: أن الإنسان الأصم لا يسمع نداء من يناديه، وكيف يسمع وقد صمت أذناه؟! وما يؤكد أن الصمم في قوله تعالى: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] ليس الصمم في خلقة الأذن، قوله تعالى: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [الروم:٥٢] يدبرون عن النبي ﷺ ، فهم لا يحاولون أن يفهموا أو يسمعوا ما يقوله ﵊ إذا ناداهم، وليس ذلك فحسب، بل هم كذلك يستغشون ثيابهم، ويجعلون أصابعهم في آذانهم حتى لا يسمعوا منه ما يقول.

стр. 1607

تفسير قوله تعالى: (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم) قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ [الروم:٥٣] أي: إذا كان العمى الذي هم فيه عمى الضلال فلا تستطيع أن تهديهم، وكيف ستهديهم وقد عميت أبصارهم؟! فكلما أشرت لهم: الطريق هنا وقد أغمضوا أعينهم فأنى يفقهون ما تقول؟ أو يدركوا إشارتك؟ بل قد ولوا مدبرين فطبع الله على قلوبهم. وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ هذه قراءة الجمهور وقرأها حمزة: (وما أنت تهدي العميَ عن ضلالتهم). ثم أخبر الله أن المؤمنين هم الذين يستفيدون من الآيات فقال سبحانه: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم:٥٣] (إن وإلا) أسلوب قصر، والمعنى: لا تسمع إلا هؤلاء فقط، فالمؤمنون المتقون هم الذين يسمعون منه ﷺ فيستجيبون، فقوله: ﴿إِنْ تُسْمِعُ﴾ [الروم:٥٣] إن هي النافية والمعنى: ما تسمع، ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [الروم:٥٣] فالذين آمنوا، وصدقوا بما جاء به النبي ﷺ ، واستيقنوا أنه الحق من عند الله، قد سلموا أنفسهم لله ، واستسلموا له، فهو يحكم فيهم بما يشاء ويقضي فيهم بما يريد .

стр. 1608

تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلقكم من ضعف) ذكر الله مننه على خلقه ونعمه عليهم، وبين مدى حاجتهم إليه فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]. قوله: ((اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)) يدل لفظ الجلالة والفعل الذي يليه على توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، ويؤكد أن الله الإله المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وأنه هو وحده، إذ الخلق مقتضى أنه رب ، ولكونه رباً فهو وحده الذي يخلق، وهو وحده الذي يرزق، وهو وحده الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع . وفي الآية إشارة إلى توحيد الرب سبحانه في العبادة، إذ إنه ما دام أن الخالق واحد لا شريك له، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد. كما أن قوله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] يبين المنحنى الذي يعيش فيه الإنسان، فهو في هذا المنحنى بدأ من الصفر، ثم أخذ يكبر شيئاً فشيئاً إلى أن يصل إلى أوج القوة والكمال، ثم بعد ذلك ينحني إلى الأسفل إلى أن يصل إلى الصفر مرة أخرى ويموت الإنسان! فالله خلق الإنسان من ضعف، ثم أوصله إلى القوة، ثم عاد به إلى الضعف مرة أخرى، ولذلك لا ينبغي أن يغتر الإنسان بما أعطاه في هذه الدنيا، بل لابد أن يستعين بما أعطاه الله سبحانه على طاعته، وما ينفعه في الدنيا وفي الآخرة. أما الإنسان الذي يغتر بما أعطاه الله من قوة، فهو جاهل مغرور لم ينظر إلى غيره، كيف كان في يوم من الأيام صغيراً، ثم صار شاباً، ثم صار شيخاً، وتتابعت مراحل عمر الإنسان لتؤذن برحيله؛ لذا لابد أن يدرك أن الذي فعل بغيره ما فعل الذي يفعل بك ما يفعل بالغير، وقد قالوا: السعيد من وعظ بغيره. وفي قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [الروم:٥٤] قراءتان فقراءة الدوري عن أبي عمرو وخلف بالإدغام: (الله الذي خلقكُّم). وقوله: ﴿مِنْ ضَعْفٍ﴾ [الروم:٥٤] الضعف الأول هي المرحلة التي كان عليها الإنسان في بطن أمه من نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم صار حملاً، وتتبعها مرحلة الطفولة التي تبدأ من نزول الإنسان من بطن أمه صبياً صغيراً إلى أن يكبر ويشب. قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤] أي: بعد مرحلتي الجنين والطفولة تأتي مرحلة الشباب والفتوة والاكتمال. ثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ [الروم:٥٤] والضعف الأخير بسبب الشيخوخة والهرم كما بينت الآية. وتنقل الإنسان بين هذه المراحل بدون اختياره يدل أن هناك قدرة مدبرة ذات مشيئة وإرادة، قال تعالى: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الروم:٥٤] ، كما أن ضعف الإنسان ملازم له لا ينفك عنه، فإن كان ضعيفاً فالذي يرزقه هو الله ، وإن كان قوياً فالذي يرزقه هو الله ، ولذا ينبغي على الإنسان أن يكون دائماً وأبداً متوكلاً على ربه سبحانه، وليثق بالرب الذي أطعمه وهو في بطن أمه، وأطعمه وهو صبي صغير، فهو الذي يعطيه حتى يتوفاه . وقرئت الآية على هذا النحو: (الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوةٍ ضُعْفَاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير) وهذه قراءة عاصم، وقراءة عاصم في هذا الموطن بخلاف قراءة حفص، وإن كانت القراءة بالضم هي اختيار حفص عن عاصم، وذكر عن حفص أنه ما خالف عاصماً في شيء إلا في هذه الكلمة لحديث عنده عن النبي ﷺ فيها، فكان الأشهر من قراءة حفص عن عاصم: (الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوة ضُعْفَاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير)، كما أنها أيضاً قراءة حمزة، وسبب اختيار حفص لهذه القراءة ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي عن عطية العوفي قال: قرأت على عبد الله بن عمر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، فقال ابن عمر ﵄: (الله الذي خلقكم من ضُعْفٍ ثم جعل من بعد ضُعْفٍ قوة ثم جعل من بعد قوة ضُعْفاً وشيبة) ثم قال له: قرأتها على رسول الله ﷺ كما قرأتها عليّ فأخذ عليّ كما أخذت عليه. فـ عبد الله بن عمر قرأ على النبي ﷺ : (الله الذي خلقكم من ضَعْف) فأقرأه النبي ﷺ : (من ضُعْفٍ) وإن كانت هذه قراءة صحيحة وهذه قراءة صحيحة، فقد كان النبي ﷺ يقرأ بعض أصحابه بقراءة والبعض الآخر بقراءة، والكل كلام رب العالمين سبحانه، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أنزل القرآن على سبعة أحرف)، فكلا القراءتين جائز، ولكن الغرض بيان: سبب اختيار حفص لهذه القراءة على القراءة الأخرى؟ فعلمنا أن اختيارها كان بسبب الحديث المتقدم، والحديث حسنه الترمذي وأيضاً حسنه الألباني. قال العلماء: الضعف يكون بالضم: الضُعف، ويكون بالفتح: الضَعف، على الخلاف الذي بين القراءتين، فالضعف بالفتح يكون في الرأي، وبالضم يكون في الجسد، وهذا صحيح، وإن كان كلٌ منهما يعطي المعنى الآخر، فالمعنى على القراءة بالفتح: كنتم في ضَعف، أي: في العقول وفي الآراء، إذ المعلوم أن الصبي الصغير لا عقل عنده، وإن كان فيه عقل يميز ولكنه لا يكلف بهذا العقل قطعاً؛ لأنه غير سوي وغير مكتمل، وهو ما نعني بالضعف، وعلى ذلك ستخُصَ القوة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم:٥٤] بالقوة في الرأي، والمعنى: صار بالغاً عاقلاً مكلفاً يفهم الأشياء، ذا خبرة في الحياة. ثم بعد ذلك يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، أي: يصل إلى مرحلة الهرم والشيخوخة ويبدأ عقل الإنسان بالضعف، فما كان يحفظه ينساه، والأشياء التي كان يتذكرها إذا به ينسى الكثير منها، وكان واسعاً في مداركه وتفكيره فإذا به ضيق الأفق، وهو معنى الضعف الثاني على القراءة بالفتح ضعف. وعندما يتأمل المرء في هذه المراحل العجيبة يدرك أنه ينبغي عليه أن يحاول قدر المستطاع أن يستفيد من قوته وشبابه، عملاً بوصية ابن عمر حيث يقول: خذ من قوتك لضعفك، وخذ من صحتك لسقمك، وخذ من حياتك لموتك، ولذا ينبغي على الإنسان أن يستغل فرصة قوته وصحته في عبادة الله ، فإذا كنت في صحة بحيث تقدر على الصلاة قائماً، فأكثر من الصلاة قبل أن يأتي عليك الضعف والمرض فتصلي وأنت قاعد. ومن الفروق بين مرحلتي الضعفين اللذين ذكرهما الله سبحانه، أن الإنسان إذا كان في الضعف الأول وهو صغير يحبه أبوه وتحبه أمه، أما في الضعف الثاني الذي يأتي وهو كبير يضيق به من حوله، لذلك ينبغي على الإنسان أن يكون ودوداً إلفاً مألوفاً، فإذا وصل إلى هذه المرحلة؛ إذا بالناس كلهم يحبونه، ففرق بين إنسان في شبابه مغرور، فهو يغتر على الناس، ويتقوى عليهم بقوته، ويستعرض عليهم بعضلاته، فإذا كبر وشاخ ضاق به الناس وتمنوا موته، وآخر كان ودوداً للناس، خيراً مع الناس، إلفاً مألوفاً؛ فإنه إذا كبر في السن لقي كل من حوله يحبه، والكل يحاولون أن يخدموه، وكذلك الآباء مع أبنائهم فالأب الذي مع أولاده يخدمهم، ويعطف عليهم، ويرحمهم، وملئ بالحنان والشفقة، ويؤدبهم ويعلمهم دين الله سبحانه؛ يطيعه أبناءه في الشيخوخة أتم الطاعة، ويبذلون قصارى جهدهم في خدمته. أما الأب القاسي على أولاده، الذي لا يحبهم، ولا ينفق عليهم، ويؤذيهم ويؤذي أمهم، فإنه إذا وصل إلى الشيخوخة تجدهم كلهم تاركين له، لا أحد يسمع له، وقد يتمنون موته، فالذي قدمه في يوم من الأيام جناه بعد سنين من عمره، أو بعد ما وصل إلى أرذل العمر؛ لذلك قدم لنفسك، ولا تنظر إلى اليوم وانظر إلى الغد ما الذي يكون فيه؟ فالله سبحانه يخلق ما يشاء وهو العليم بخلقه سبحانه، القدير على تغيير أحوالهم ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤].

стр. 1609

تفسير سورة الروم [٥٠ - ٦٠] بقيام الساعة تنكشف الحقائق، وينجلي الزيف، ويدرك المفتونون عظيم خسارتهم وفداحة جرمهم، فمرة ينكرون طول مكثهم في الدنيا، وأخرى ينكرون شركهم ويقسمون على إنكاره، وثالثة يطلبون العودة حين لا عودة، وهم لا يستعتبون ولا يعتبون، فقد بين الله لهم تمام البيان بكتابه فضرب للناس فيه من كل مثل لعلهم يهتدون، إلا أن قلوبهم طبع عليها بظلمهم فلا تنتفع بالآيات.

стр. 1610

تفسير قوله تعالى: (ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في آخر سورة الروم: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ * فَيَوْمَئِذٍ لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ * كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٥٥ - ٦٠]. يذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات أمر الساعة وقيامها، وما الذي يحدث في هذا اليوم العظيم الذي ذكره الله في مواضع كثيرة من كتابه، ونزل هذا القرآن العظيم ليحذر الناس من هذا اليوم العظيم، فهو يوم يقومون بين يدي رب العالمين سبحانه ليسألهم: هل عبدوه -وقد أمرهم بعبادته- أو لم يعبدوه؟ وليسألهم: ماذا كنتم تعملون في هذه الحياة الدنيا؟ وحين جاءتكم الآيات هل أخذتموها مأخذ الجد فعملتم بها أم أنكم اتخذتم هذا القرآن وراءكم ظهرياً، وتركتموه وسخرتم بأنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام؟ قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [الروم:٥٥] في السياق تفخيم وتهويل لهذا اليوم العظيم، بما يجعل السامع يتسائل: ما الذي يكون يوم تقوم الساعة؟ فيجد الإجابة أمامه: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم:٥٥] حين تأتي على كل إنسان ساعته، وتأتي القيامة الكبرى، فيموت من على هذه الأرض قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن:٢٦] ثم يأمر الله سبحانه بعد ذلك بالنفخ في الصور؛ فيبعثون من القبور ويقفون بين يدي رب العالمين سبحانه ﵎، وحينها ينظر الناس في أعمالهم، ويتساءلون عن لبثهم كم كانت مدته؟ قال تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] واختلف في السائل، فقيل: يسألهم ربهم سبحانه، وقيل: تسألهم الملائكة، وقيل: يسأل بعضهم بعضاً: كم لبثنا في هذه الحياة الدنيا؟ والأولى حمل الآية على الجميع، وهم حين يسألون: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] يجيبون كما ذكر الله عنهم: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] والعادون: من كانوا يحسبون ويعدون أيامهم ولياليهم، بل ويعدون حتى أنفاسهم، وفي الآية إشارة إلى جهلهم بمدة لبثهم. وفي قوله سبحانه: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم:٥٥] يخبر عن المجرمين إذا قاموا من القبور أنهم يقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة، وهذا اللبث إما أن يكون المقصود به في الدنيا كما سئلوا: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٣] أي: على ظهر الدنيا أو في باطنها، فإذا كان يوم القيامة إذا بهم ينظرون إليه أنه لا شيء، وأن لبثهم فوق الأرض -وإن عاش أحدهم ستين سنة أو مائة سنة أو حتى ألف سنة- لا شيء إذا قورن بيوم القيامة، فهو يوم واحد قدره خمسون ألف سنة، فلذلك قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]. ثم يبين الله مدى استحقارهم لتلك الفترة التي لبثوها في الدنيا فيقول سبحانه: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [الروم:٥٥] إذاً يحلف المجرمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا غير ساعة، وهذا في توهمهم وظنهم، وإن كان الأمر أنهم عمروا سنيناً من سنين الدنيا، ولكن لما نظروا إلى طول الموقف قالوا: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣]، وعلى أن اللبث الذي أخبروا عنه في القبور يكون المعنى: أنهم حين يموتون، ويكونون في القبور، والقبر إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النار، ثم يقومون منها يقيسون ما كانوا فيه على ما يكون يوم القيامة، فيظنون أن ما فات كان أهون، وأنه كان شيئاً يسيراً، ويزعمون أنهم ما لبثوا في القبور إلا يوماً أو بعض يوم، أو يقولون: ما لبثنا غير ساعة، كما في هذه الآية، وهذا الظن الذي يقسم عليه المجرمون باطل في الحقيقة. والمجرمون هم الذين وقعوا في الجرم، أي: في المعاصي والفواحش الكبرى، ونعتوا بذلك؛ لأنهم عصوا الله سبحانه ﵎، وخرجوا عن طاعته وعن دينه، وفي الآية إشارة إلى أنهم يوم القيامة يكونون في حالة ذعر شديد، حتى يقسم أحدهم على الشيء وهو خلاف ما يقسم عليه، قال تعالى: ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم:٥٥]. قوله: ((كَذَلِكَ كَانُوا)) الإشارة هنا إلى ما هم فيه من انصراف عن الحق وبعد عن الصواب، والمعنى: كذلك كانوا في الدنيا، فهم كانوا في الدنيا وفي الآخرة على هذا الحال من البعد عن الحق. ومن البعد عن الصواب. وقوله: ((يُؤْفَكُونَ)) يؤفك الإنسان بمعنى: يصرف عن توحيد الله، ويصرف عن الحق، وهو حين ينصرف عن الحق يقع في الكذب، وحديث الإفك أي: حديث الكذب، وإفكهم في الدنيا أي: أنهم كانوا يصرفون عن الخير، ويصرفون عن الصدق، ويبتعدون عن تصديق رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فهم كما كانوا في الدنيا منصرفين عن الحق فكذلك يوم القيامة لا ينطقون بشيء ينفعهم، ولا يتكلمون بشيء فيه صواب، فكما صرفوا في الدنيا صرفوا يوم القيامة. فقوله سبحانه: ((كَذَلِكَ)) أي: كذلك الذي تسمع في هذه الآية من أنهم يقولون: لبثنا ساعة، ويقسمون على ذلك، وكذبوا وما صدقوا كما كذبوا الآن وأقسموا وقالوا: والله ما لبثنا في الدنيا إلا ساعة واحدة، فكهذا الكذب كانوا يصرفون في الدنيا عن توحيد الله وعن طاعة الله سبحانه ﵎، فيكذبون في الدنيا على الله، وعلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فكذبوا في الدنيا وكذبوا في الآخرة. بل قام المنافقون بين يدي الله سبحانه ﵎ يحلفون قال تعالى: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ﴾ [المجادلة:١٨]، فهم لجرأتهم يكذبون على الله سبحانه يوم القيامة، والله يملي لهم، ويتركهم ليكذبوا، وذلك ليذوقوا أشد العذاب وأشد الويل يوم القيامة، فيحلفون لله سبحانه كما يحلفون في الدنيا: والله ما عصينا، والله ما أشركنا، والله ما عملنا كذا، قال تعالى: ﴿فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]، وقد تركهم الله فحلفوا وتركهم فكذبوا وأخرسهم فنطقت عليهم جوارحهم تكذبهم فبهتوا وخذلوا، فكانوا إلى النار بل إلى الدرك الأسفل من النار والعياذ بالله. وككذب المنافقين وحلفهم يحلف هؤلاء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣] أي: أنهم عندما يقفون بين يدي الله ويسألهم: أأشركتم بي؟ فيقولون: والله ما كنا مشركين، ويحلفون لله سبحانه ﵎ يوم القيامة ويكذبون ليكون ذلك زيادة في عذابهم يوم القيامة.

стр. 1611

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] أي: أن أهل العلم وأهل الإيمان يوم القيامة من رسل الله ، ومن أولياء الله، ومن ملائكة وغيرهم يردون على هؤلاء الكذابين فيقولون: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦] أي: لبثتم في حكم الله سبحانه إلى يوم البعث، فقد مضت عليكم فترة طويلة، وعشتم في الدنيا سنيناً ثم نقلتم إلى القبور فلبثتم فترة طويلة، حتى بعثكم الله الآن. فهم نظروا إلى الفترة التي من ولادتهم إلى أن بعثوا يوم القيامة، فزعموا أنها ساعة واحدة فقط، وقد تكون هذه الفترة آلاف السنين؛ ولذا يجيبهم الذين أوتوا العلم فيقولون: بل إنكم قد لبثتم في حكم الله سبحانه منذ أن خلقتم إلى أن يبعثكم الله سبحانه. قوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦] أي: هذا يوم بعث الإنسان، حيث خرج من موت في قبره إلى حياة ونشور، ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] فمع أن الرسل بلغوا هؤلاء المجرمين، وحذروهم من هذا وأقاموا عليهم الحجة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، إلا أن علمهم كان كلا علم، بل علمهم محصور على ما ذكر سبحانه ﵎ في أول هذه السورة فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فمع أنهم علموا من الرسل بوقوع يوم القيامة إلا أنهم لم يستيقنوا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، فكان علمهم كجهل، حيث لم ينتفعوا به، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] أي: لا تعلمون علماً ينفعكم حيث لم تستيقنوا، ولم تصدقوا الرسل، فكان علمكم معرفة، عرفتم أن هناك يوم قيامة فلم تعملوا له.

стр. 1612

تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) بين الله عدم جدوى اعتذارهم يوم القيامة فقال سبحانه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ [الروم:٥٧] أي: يوم القيامة، ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧]، وقراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (لا ينفعُ)، وأما قراءة الباقين فهي: (لا تنفع) على التأنيث، والمعذرة يجوز أن تذكر فيقال: (لا ينفع)، ويجوز أن تؤنث فيقال: (لا تنفع). وإذا كان الاعتذار والاستعتاب والرجوع إلى رب العالمين ينفع الإنسان في الدنيا ولا ينفع في الآخرة؛ لأن الدنيا دار تكليف، أما الآخرة فهي دار جزاء، ولا ينفع أن يقول فيها الإنسان: آمنت وصدقت. فقد صار الغيب شهادة. قوله: ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم:٥٧] أي: ظلموا أنفسهم في الدنيا بشركهم بالله سبحانه، وظلموا غيرهم. وقوله: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم:٥٧] أي: اعتذارهم. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧] أصل الاستعتاب: طلب إزالة العتب، يستعتب أي: لا يطلب منه إزالة العتب، يقال: استعتبني فأعتبته، يعني: طلب مني إزالة العتب فأزلته عنه، والمعنى: استرضاني فوافقته على ذلك. فهؤلاء لا يستعتبون أي: لا يطلب منهم إزالة غضب الله عليهم بالطاعة، أو لا يطلب منهم ولا يقال لهم: ارضوا ربكم الآن، إذ إن طلب الرضا كان في الدنيا، أما في الآخرة فلا يطلب منهم ذلك، إذ الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء وحساب، فلا ينفعهم فيها الاعتذار، ولا يطلب منهم أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويزيلوا الغضب الذي من الله عليهم.

стр. 1613

تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨] بين الله سبحانه ﵎ هذا القرآن العظيم بكل طريقة من شأنها أن تنفع الإنسان فيفهم ما فيه، وحتى لا يكون له عذر عند الله يوم القيامة، فقد ضرب المثل بأقل الأشياء، فذكر البعوضة، وذكر الذبابة، وضرب المثل بأعظم الأشياء فذكر الجبال، وذكر السماوات، وذكر الأرضين، وضرب الأمثلة بالأحياء والأموات، فضرب من كل مثل لعل الناس يتذكرون ويعتبرون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨].

стр. 1614

معنى قوله تعالى: (ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون) قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم:٥٨] أي: مما طلبوا من الآيات، والله أعلم سبحانه ﵎ يعلم، بطبيعة هؤلاء، فكم طلبوا من النبي ﷺ من آية، فقالوا: نريد آية ونؤمن بما أتيتنا به من هذا القرآن، وبأنك رسول رب العالمين، على أن تكون هذه الآية كعصا موسى، أو تحيي الموتى كما كان يصنع عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد جاءهم بآيات عظيمة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لم تكن هذه الآيات آيات عامة؛ لأنه لو جاء بآية عامة يراها الجميع أمامهم فكذبوا لأتاهم العذاب من عند رب العالمين. فكان يطلع على الآية من الآيات جموع منهم تتراوح بين العشرة والمائة والألف، ولكن لا يطلع عليها جميعهم في وقت واحد، وهذا من رحمة الله سبحانه ﵎ بهذه الأمة، فمن آياته التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه: أنه شُق القمر بدعائه ﷺ وبإشارته إليه، فرأى ذلك عشرات من أهل مكة، كما رآها مسافرون كثيرون ورجعوا وأخبروا بذلك ولم يؤمنوا، ولو كانت هذه آية عامة يتحدى بها النبي ﷺ الجميع ثم كذبوا بعدها؛ لأهلكهم الله سبحانه، ولكن جعلها بالليل يراها البعض ولا يراها الجميع حتى لا يهلكهم جميعهم سبحانه ﵎ بتكذيبهم. ومن الآيات ما رآه المؤمنون من النبي ﷺ يوم الحديبية إذ وضع في البئر سهمه صلوات الله وسلامه عليه، ودعا ربه سبحانه؛ فجاشت البئر بالماء، وشرب منها الجيش كله! وفي غزوة أخرى من غزواته ﷺ أُتي بكوز ماء لا يكفي لوضوئه ﷺ فوضع يده في هذا الكوز، فنبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، فشرب الجيش كله مع النبي ﷺ ، وسقوا إبلهم، وتزودوا بهذا الماء الطيب الطاهر في سفرهم! وغيرها من الآيات رأوها من النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع أنها كانت آيات، إلا أن الله لم يعدها من الآيات في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم:٥٨]؛ لأن المراد بالآية هنا هي الآية العامة التي طلبوها كما طلب الحواريون من المسيح ﵊ أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فهم يريدون أن يروا آية عامة، لكن الله منعهم إياها، وجعل القرآن الكريم هو الآية العظمى، أما غيره من الآيات فكان يراها البعض ولا يراها الجميع. ثم يخبر سبحانه بما سيكون منهم لو أعطوا آية عامة وهو أعلم فيقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨]، فالله رحيم بعباده سبحانه ﵎، وهو يعلم أنه لو جاءهم بآية كما طلبوا حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٢]؛ لكذبوا بها، ولم يؤمنوا، فتكون النتيجة أن يهلكهم الله سبحانه بسبب تكذيبهم. والمبطلون في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨] جمع مبطلٍ والمبطل: هو المتبع للباطل، فيقال: هذا مبطل: كأنه صانع للباطل ومتبع له. كأنهم إذا جاءهم بالآية التي طلبوها سيكذبونه، ويدعون أن ما جاء به سحر كما قالوا في انشقاق القمر، ولذلك الله لم يأتهم بما طلبوا.

стр. 1615

تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩]. قوله: ((كَذَلِكَ)) أي: كهذا الطبع الذي تراه على قلوب هؤلاء فلم يفهموا آيات الله سبحانه، ولم يتدبروا موعظته وكتابه؛ يطبع الله على كل قلب لا يستيقن بالله سبحانه ولا يصدق المرسلين. قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] قوله: (لا يعلمون) أي: الذين لا يعلمون علماً ينفعهم فيتعظون به.
следующие страницы →