← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم والإيمان) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] أي: أن أهل العلم وأهل الإيمان يوم القيامة من رسل الله ، ومن أولياء الله، ومن ملائكة وغيرهم يردون على هؤلاء الكذابين فيقولون: ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦] أي: لبثتم في حكم الله سبحانه إلى يوم البعث، فقد مضت عليكم فترة طويلة، وعشتم في الدنيا سنيناً ثم نقلتم إلى القبور فلبثتم فترة طويلة، حتى بعثكم الله الآن. فهم نظروا إلى الفترة التي من ولادتهم إلى أن بعثوا يوم القيامة، فزعموا أنها ساعة واحدة فقط، وقد تكون هذه الفترة آلاف السنين؛ ولذا يجيبهم الذين أوتوا العلم فيقولون: بل إنكم قد لبثتم في حكم الله سبحانه منذ أن خلقتم إلى أن يبعثكم الله سبحانه. قوله: ﴿فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ [الروم:٥٦] أي: هذا يوم بعث الإنسان، حيث خرج من موت في قبره إلى حياة ونشور، ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] فمع أن الرسل بلغوا هؤلاء المجرمين، وحذروهم من هذا وأقاموا عليهم الحجة كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، إلا أن علمهم كان كلا علم، بل علمهم محصور على ما ذكر سبحانه ﵎ في أول هذه السورة فقال: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [الروم:٧]، فمع أنهم علموا من الرسل بوقوع يوم القيامة إلا أنهم لم يستيقنوا، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، فكان علمهم كجهل، حيث لم ينتفعوا به، فيكون معنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٦] أي: لا تعلمون علماً ينفعكم حيث لم تستيقنوا، ولم تصدقوا الرسل، فكان علمكم معرفة، عرفتم أن هناك يوم قيامة فلم تعملوا له.

стр. 1612

تفسير قوله تعالى: (فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم) بين الله عدم جدوى اعتذارهم يوم القيامة فقال سبحانه: ﴿فَيَوْمَئِذٍ﴾ [الروم:٥٧] أي: يوم القيامة، ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧]، وقراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (لا ينفعُ)، وأما قراءة الباقين فهي: (لا تنفع) على التأنيث، والمعذرة يجوز أن تذكر فيقال: (لا ينفع)، ويجوز أن تؤنث فيقال: (لا تنفع). وإذا كان الاعتذار والاستعتاب والرجوع إلى رب العالمين ينفع الإنسان في الدنيا ولا ينفع في الآخرة؛ لأن الدنيا دار تكليف، أما الآخرة فهي دار جزاء، ولا ينفع أن يقول فيها الإنسان: آمنت وصدقت. فقد صار الغيب شهادة. قوله: ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الروم:٥٧] أي: ظلموا أنفسهم في الدنيا بشركهم بالله سبحانه، وظلموا غيرهم. وقوله: ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [الروم:٥٧] أي: اعتذارهم. ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الروم:٥٧] أصل الاستعتاب: طلب إزالة العتب، يستعتب أي: لا يطلب منه إزالة العتب، يقال: استعتبني فأعتبته، يعني: طلب مني إزالة العتب فأزلته عنه، والمعنى: استرضاني فوافقته على ذلك. فهؤلاء لا يستعتبون أي: لا يطلب منهم إزالة غضب الله عليهم بالطاعة، أو لا يطلب منهم ولا يقال لهم: ارضوا ربكم الآن، إذ إن طلب الرضا كان في الدنيا، أما في الآخرة فلا يطلب منهم ذلك، إذ الآخرة ليست بدار تكليف وإنما هي دار جزاء وحساب، فلا ينفعهم فيها الاعتذار، ولا يطلب منهم أن يتوبوا إلى الله، ويرجعوا إليه، ويزيلوا الغضب الذي من الله عليهم.

стр. 1613

تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم:٥٨] بين الله سبحانه ﵎ هذا القرآن العظيم بكل طريقة من شأنها أن تنفع الإنسان فيفهم ما فيه، وحتى لا يكون له عذر عند الله يوم القيامة، فقد ضرب المثل بأقل الأشياء، فذكر البعوضة، وذكر الذبابة، وضرب المثل بأعظم الأشياء فذكر الجبال، وذكر السماوات، وذكر الأرضين، وضرب الأمثلة بالأحياء والأموات، فضرب من كل مثل لعل الناس يتذكرون ويعتبرون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨].

стр. 1614

معنى قوله تعالى: (ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون) قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم:٥٨] أي: مما طلبوا من الآيات، والله أعلم سبحانه ﵎ يعلم، بطبيعة هؤلاء، فكم طلبوا من النبي ﷺ من آية، فقالوا: نريد آية ونؤمن بما أتيتنا به من هذا القرآن، وبأنك رسول رب العالمين، على أن تكون هذه الآية كعصا موسى، أو تحيي الموتى كما كان يصنع عيسى عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد جاءهم بآيات عظيمة صلوات الله وسلامه عليه، ولكن لم تكن هذه الآيات آيات عامة؛ لأنه لو جاء بآية عامة يراها الجميع أمامهم فكذبوا لأتاهم العذاب من عند رب العالمين. فكان يطلع على الآية من الآيات جموع منهم تتراوح بين العشرة والمائة والألف، ولكن لا يطلع عليها جميعهم في وقت واحد، وهذا من رحمة الله سبحانه ﵎ بهذه الأمة، فمن آياته التي جاء بها صلوات الله وسلامه عليه: أنه شُق القمر بدعائه ﷺ وبإشارته إليه، فرأى ذلك عشرات من أهل مكة، كما رآها مسافرون كثيرون ورجعوا وأخبروا بذلك ولم يؤمنوا، ولو كانت هذه آية عامة يتحدى بها النبي ﷺ الجميع ثم كذبوا بعدها؛ لأهلكهم الله سبحانه، ولكن جعلها بالليل يراها البعض ولا يراها الجميع حتى لا يهلكهم جميعهم سبحانه ﵎ بتكذيبهم. ومن الآيات ما رآه المؤمنون من النبي ﷺ يوم الحديبية إذ وضع في البئر سهمه صلوات الله وسلامه عليه، ودعا ربه سبحانه؛ فجاشت البئر بالماء، وشرب منها الجيش كله! وفي غزوة أخرى من غزواته ﷺ أُتي بكوز ماء لا يكفي لوضوئه ﷺ فوضع يده في هذا الكوز، فنبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، فشرب الجيش كله مع النبي ﷺ ، وسقوا إبلهم، وتزودوا بهذا الماء الطيب الطاهر في سفرهم! وغيرها من الآيات رأوها من النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومع أنها كانت آيات، إلا أن الله لم يعدها من الآيات في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ [الروم:٥٨]؛ لأن المراد بالآية هنا هي الآية العامة التي طلبوها كما طلب الحواريون من المسيح ﵊ أن ينزل عليهم مائدة من السماء، فهم يريدون أن يروا آية عامة، لكن الله منعهم إياها، وجعل القرآن الكريم هو الآية العظمى، أما غيره من الآيات فكان يراها البعض ولا يراها الجميع. ثم يخبر سبحانه بما سيكون منهم لو أعطوا آية عامة وهو أعلم فيقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨]، فالله رحيم بعباده سبحانه ﵎، وهو يعلم أنه لو جاءهم بآية كما طلبوا حيث قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٢]؛ لكذبوا بها، ولم يؤمنوا، فتكون النتيجة أن يهلكهم الله سبحانه بسبب تكذيبهم. والمبطلون في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ﴾ [الروم:٥٨] جمع مبطلٍ والمبطل: هو المتبع للباطل، فيقال: هذا مبطل: كأنه صانع للباطل ومتبع له. كأنهم إذا جاءهم بالآية التي طلبوها سيكذبونه، ويدعون أن ما جاء به سحر كما قالوا في انشقاق القمر، ولذلك الله لم يأتهم بما طلبوا.

стр. 1615

تفسير قوله تعالى: (كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون) قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩]. قوله: ((كَذَلِكَ)) أي: كهذا الطبع الذي تراه على قلوب هؤلاء فلم يفهموا آيات الله سبحانه، ولم يتدبروا موعظته وكتابه؛ يطبع الله على كل قلب لا يستيقن بالله سبحانه ولا يصدق المرسلين. قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] قوله: (لا يعلمون) أي: الذين لا يعلمون علماً ينفعهم فيتعظون به.

стр. 1616

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] أي: اصبر إذا كذبوك، فـ ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [الروم:٦٠] أي: أن القيامة آتية، والساعة لا ريب فيها. ثم نهاه أن يستخفه المشركون فقال: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠] الاستخفاف من الخفة، يقال: فلان أغضبني فاستخفني بمعنى: استفزني، فلما استفزني صار بي خفة، وطيش، وتهور، وكأنه يقول: لا تتهور، ولا تطيش، ولا يذهب عقلك بسبب ما يصنع هؤلاء في إجرامهم، فالله سبحانه يثبت النبي ﷺ ويعظه: ألا تخرج عن حدك، ولا عن طبعك، ولا عن إيمانك العظيم، ولا عن هدوئك الذي أنت فيه، ولا يستخفنك هؤلاء بباطلهم؛ فإنهم لا يوقنون. وهذه الآية قرأها رويس: (ولا يستخفنْك الذين لا يوقنون)، وباقي القراء: ((وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ)) بمعنى: الذين لا يستيقنون بما جاء في هذا الكتاب العظيم.

стр. 1617

تفسير سورة لقمان [ ١ - ٥] القرآن العظيم كتاب الله تعالى الذي أنزله لهداية الناس، وإقامة الحجة عليهم، ولذلك جاء محكماً في آياته وسوره وتشريعاته وحكمه وكل أموره، فلا عوج ولا خلل فيه، وقد تحدى الله به أرباب الفصاحة وجهابذة البلاغة فما وقفوا أمامه، وقد حاء القرآن جديداً في نظمه عما ألفوه، فابتدأ بعض سوره بالحروف المقطعة التي أذهلتهم، وأثارت دهشتهم، وجاء القرآن مبيناً لصفات أهل الإيمان ومرغباً فيها، ومبيناً لصفات أهل النار ومحذراً منها، لكيلا يكون على الناس حجة أمام الله تعالى.

стр. 1618

نبذة مختصرة عن سورة لقمان الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة لقمان: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ * هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان:١ - ٥]. هذه السورة هي الحادية والثلاثون من كتاب الله ، وهي سورة لقمان، وآياتها أربع وثلاثون آية، وكلها مكية -وفيها خصائص السور المكية- إلا ثلاث آيات جاء عن ابن عباس ﵄ أنها آيات مدنية، منها: قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، وقوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، وباقي آيات السورة مكية.

стр. 1619

الكلام حول الحروف المقطعة وهذه السورة من السور التي بدأها الله بالحروف المقطعة ﴿الم﴾ [لقمان:١] وقد جاءت هذه الحروف في سورة البقرة، ﴿الم﴾ [البقرة:١]، وآل عمران: ﴿الم﴾ [آل عمران:١]، وكذلك في سورة العنكبوت والروم ولقمان والسجدة فكل هذه السور بدأها الله بقوله: ((الم)). وهذه من فواتح السور تحدى الله بها الخلق أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي هو من جنس لغتهم ومن جنس كلامهم ومن جنس حروفهم، فهذا القرآن مركب من الحروف التي ينطق بها العرب ويصيغون بها خطبهم وكتاباتهم وأشعارهم، فتحداهم بأن يأتوا بسورة مثل هذا القرآن من مثل هذه الحروف. وقد اختلف المفسرون في معنى هذه الحروف: فمن قائل: إن (الألف) إشارة إلى الله، و (اللام) إشارة إلى اللطيف، و (الميم) إشارة إلى الملك. وهذا ليس عليه دليل مرفوع إلى النبي ﷺ يفيد أن هذه إشارات إلى ذلك، ولكن ورد في كلام العرب من يعبر أحياناً بحرف ويقصد به كلمة أو جملة، ولكن هنا لا بد من وجود نص عن النبي ﷺ يبين أن هذا هو المقصود، وطالما أنه ليس فيه نص، فيبقى هذا على وجه الاحتمال فقط. فهذا احتمال فقط أن يكون إشارة إلى أسماء الله الحسنى، أو إشارة إلى تسمية السورة نفسها، أو أن المقصود جذب انتباههم لسماع القرآن، فعندما يقرأ النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الم﴾ [لقمان:١]، ينصتون؛ لأنهم غير معتادين على هذا الكلام، فهو شيء غريب عليهم، فيشد انتباههم لكلامه، فيقرأ عليهم القرآن بعد ذلك.

стр. 1620

تفسير قوله تعالى: (تلك آيات الكتاب الحكيم) قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:٢]، وهذا إشارة إلى هذا القرآن العظيم، وإلى آياته، وعبر باسم الإشارة (تلك) التي يشار بها إلى البعيد، أما لأنه بعيد المكانة أو المنزلة. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:٢]، يعني: الكتاب الذي في يدك أنت، فهو ليس بعيداً، ولكن المقصود بُعد المكانة وعظمة المنزلة، فعبر باسم الإشارة (ذلك). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]، وقال هنا: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:٢]، أي: هذه الآيات العظيمة التي تسمعها هي آيات الكتاب الحكيم. و (الكتاب) هو القرآن، (الحكيم) بمعنى: المحكم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، فالله هو الحكيم، وكتابه الحكيم، والمحكم، تقول: هذا بناء محكم أي: لا خلل فيه ولا ثغرة، فكتاب الله عظيم لا خلل فيه، ولو كان فيه شيء يخالف ما يعرفونه من لغتهم أو ما يعرفونه من نظمهم أو ما يعرفونه من إتقان كلامهم لاعترضوا عليه وقالوا: هذا لا يمكن أن يكون كلام رب العالمين سبحانه؛ لأن اللغة التي فيه لغة ركيكة، ولكنهم عرفوا أنه كلام متين وعظيم؛ ولذلك لم يقدروا على قبول التحدي وأن يأتوا بسورة من مثله، وقد ذكر لنا ربنا سبحانه أن هذا القرآن آياته محكمات، أي: حكيمة أحكمها الله وأتقنها. قال تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [لقمان:٢]. وأيضاً: (الحكيم) من الحكمة، أي: أنه يحوي الحكم العظيمة من الرب الحكيم سبحانه.

стр. 1621

تفسير قوله تعالى: (هدى ورحمة للمحسنين) قال تعالى: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان:٣]، بالنصب، وقرأها حمزة بالضم: (هدى ورحمةٌ للمحسنين). فأما معنى النصب فعلى الحال. أي: أنه كتاب حكيم، وحاله أنه هدى، أي: يهدي به الله من يشاء من خلقه، وأيضاً حاله أنه رحمة للعالمين وللمحسنين، أي: يرحم الله به من يشاء من خلقه، فهو محكم وهو حكيم، فحاله أن فيه الهدى وفيه الرحمة لعباد الله المحسنين. وأما على قراءة حمزة: (هدى ورحمةٌ للمحسنين) فكأنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هو: (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) أو أنه خبر ثاني لقوله: (تِلْكَ) فيكون قوله: ((تلك آيات)) مبتدأ وخبر، وقوله: ((هدى)) خبر ثاني لـ (تِلْكَ)، فتقرأ ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [لقمان:٣] و ((هدىً ورحمةٌ للمحسنين))، و (المحسنين) جمع المحسن، وهو الإنسان الذي يحسن عمله ويخلصه لله سبحانه، وأفضل ما يفسر به ما جاء في حديث النبي ﷺ لما سأله جبريل: (ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فالمحسنون هم الذين يعبدون الله سبحانه، ويحسنون في عبادته حتى يصلوا إلى درجة أنهم يستحضرون خشية الله سبحانه، والخوف منه، حتى كأنهم يرونه أمامهم .

стр. 1622

تفسير قوله تعالى: (الذين يقيمون الصلاة) قال تعالى عن صفات هؤلاء المحسنين: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، والإحسان درجة عالية، وأقل منها درجة الإسلام، فيكون الإنسان أولاً مسلماً، ثم يرتقي فيكون مؤمناً، ثم يرتقي فيكون محسناً، وقد جاء في حديث جبريل: (الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: فأخبرني عن الإيمان قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره). فالإسلام أعمال يعملها الإنسان، وقد تكون متفقة مع ما في قلب هذا الإنسان، وقد يكون في قلبه شيء آخر غيرها. والإيمان هو الشيء الباطن الذي يطلع عليه الله ، وما كان في باطن الإنسان من خير فهو أعظم من ظاهره؛ لأن الظاهر يحتمل ويحتمل، وأما إذا كان الباطن موافقاً لهذا الظاهر فهذا هو الإيمان. إذاً: المؤمن هو الذي يأتي بأركان الإسلام الظاهرة مع وجود الإيمان في قلبه. وأما المحسن فهو الذي حصل الإيمان والإسلام ووصل لدرجة استحضار خشية الله سبحانه كأنه يراه أمامه ، فهؤلاء المحسنون: مسلمون مؤمنون عابدون لله مخلصون له، كأنهم يرونه سبحانه. ومن أوصفاهم: أنهم يقيمون الصلاة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، يعني: يؤدون الصلاة على الوجه الذي يرضى به الله عنهم، وعلى الوجه الذي يحبه سبحانه، فيؤدونها بأركانها وبشروطها، وبهيئاتها وبسننها وبمستحباتها، ويأتون بها على الوجه الذي يرضي ربهم . وقوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:٤] من أقام الشيء بمعنى: رفعه، أي: أن هذه الصلاة ترفع إلى الله ، لا أنها مجرد تأدية ونقر وانتهى الأمر، وإنما هي إقامة لها كما قال تعالى: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:٤]. قال تعالى: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [لقمان:٤]، أي: يؤدون هذه الزكاة، والإيتاء: هو الإعطاء، وهو: إخراج المال ودفعه للفقير، والزكاة: إيتاء مال خاص لمستحقه، وهي ليست عوضاً. وهذه الآية وغيرها من الآيات في الأمر بأداء الزكاة وإيتائها تبين خطأ من يقول: إذا كان لشخص على آخر ديناً فلهذا الأخير أن يخصم من الدين مالاً ويقول: هو زكاة المال؛ بل لا بد من إعطائه لمن يستحقه ممن هو من أهل الزكاة؛ ليرفع عنه ما هو فيه من حاجة وفاقة. وقد سميت الزكاة زكاة من زكى الشيء، بمعنى: نما وطهر، فالزكاة تطهير للمال وتنمية له، فأداؤك للزكاة عبارة عن تطهير لنفسك ومالك، وأيضاً تنمية لمالك، وقد قال النبي ﷺ : (ما نقص مال من صدقة). قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤] أكد ذلك بأم هؤلاء هم بالآخرة هم يوقنون، أي: أن يقينهم بالله عظيم وشديد، فهم محسنون ومستحضرون لعظمة الله، ومستحضرون ليوم القيامة، ومن كان مستحضراً ليوم القيامة فلا يقع في خطأ، ولا في الخطيئة، وإذا وقع في شيء من ذلك تاب بسرعة إلى الله ورجع إليه؛ لأنه يخاف من الحساب يوم الدين. قال تعالى: ﴿وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [لقمان:٤]، فهم ليسوا عارفين فقط، وإنما موقنون، أي: اليقين الذي يدفع للعمل، والإنسان الذي يعرف وجود الله غير الذي يستيقن بوجود الله، فالذي يستيقن بوجود الله يخاف منه سبحانه، ويستحضر عظمته، ويعمل له ويراقبه في كل مكان ؛ لأنه يعلم أن الله معه، وأنه يراقبه وسيحاسبه، فيكون خائفاً من الله ، هذا هو اليقين بالله سبحانه. وكذلك اليقين باليوم الآخر، فإنه يستحضر طول الموقف بين يدي الله ، فإذا قام في الصلاة وتعب في قيامه فيها تذكر القيام خمسين ألف سنة يوم القيامة بين يدي الله ، وإذا شق عليه الصوم في اليوم الحار الشديد الحر وظمأ وعطش وجاع، تذكر يوم القيامة، وتذكر أن الشمس تدنو من رءوس الناس وهم قيام بين يدي الله ، وأنهم يعطشون في هذا اليوم عطشاً شديداً، فذلك اليوم هو يوم العطش الأكبر، وأن الله يروي فيه من يشاء من خلقه ، فيخاف من شر ذلك اليوم، ويدفع شره عنه بالعمل الصالح من صلاة وصيام وزكاة، وقد جاء عن أبي موسى الأشعري ﵁: أنه سمع وهو في سفينة صوتاً ينادي عليهم: (يا أهل السفينة! قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه)، ولم يروه في الظلام فقالوا: (قل: فإنا نسمع، فقال: إن الله قضى على نفسه أنه من عطش نفسه في يوم أو من صام في يوم شديد الحر، كان حقاً على الله أن يرويه في يوم العطش الأكبر) يعني في يوم القيامة. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [لقمان:٥]، أي: الذين يفعلون ذلك، ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [لقمان:٥]، أي: هداهم الله ، والهدى من الله ، فيهدي من يشاء متفضلاً عليه، ويضل من يشاء سبحانه، وله الحكم والقضاء والتقدير، وهو الحكم العدل سبحانه. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [لقمان:٥]، أي: هداهم وبين لهم وأخذ بأيديهم إلى طريق الخير، فكانوا على هدى من ربهم، ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان:٥] والفلاح: النجاح الذي لا خسران بعده أبداً، فهم الذين يفلحون في الآخرة فلا يخسرون أبداً. قال تعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]. نسأل الله أن يجعلنا منهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1623

تفسير سورة لقمان الآية [٦] حرم الإسلام الغناء الفاحش المصحوب بالآلات الموسيقية؛ لما فيه من فحش وفجور وتكسر ودياثة، ولما فيه من تهييج للغرائز وإثارة للشهوات؛ وقد كان مذموماً حتى في الجاهلية، فلم يكن هناك حر يرضى لنفسه ولا لأهله بذلك، وقد جاء تحريمه في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال علماء الأمة، ومن زل منهم في إباحته فقد رد عليه العلماء خلفاً عن سلف، وبينوا عوار قوله، وسوء مقاله، وردوا عليه بالنصوص الواضحة الجلية في هذه المسألة.

стр. 1624

تفسير قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة لقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]. في هذه الآية من سورة لقمان يخبر الله عن بعض الناس الذين يشترون لهو الحديث ليضلوا به عن سبيل الله ، وهذا الضلال الذي يضلون به بغير علم، وقعوا فيه بسبب جهلهم بالله وبدينه، وعدم سماعهم لنصح الناصحين، وعدم تأدبهم بكتاب رب العالمين، ولا بهدي النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ بل إنهم يتخذون ما هم فيه من اللهو واللعب حجة لهم فيما يفعلونه من الباطل والمنكر، بدعوى الترويح عن أنفسهم، فإذا استمعوا إلى كتاب الله اتخذوا آيات الله هزواً، فيسخرون ويلعبون ويبتعدون عن دين الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦] وفي هذه الآية عموم وهو أنه من اشترى اللهو وترك ذكر الله سبحانه فقد توعده الله سبحانه بالعذاب المهين.

стр. 1625

القراءات الواردة في الآية، ومعنى الآية وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ﴾ [لقمان:٦]. هذه قراءة الجمهور، على الفعل الرباعي من أضل، فيكون فعلاً متعدياً، تقول: أضل الإنسان غيره. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب: (لِيَضِلَّ عن سبيل الله)، من الفعل الثلاثي اللازم، تقول: ضل فلان يضل، وأما الفعل الرباعي فهو أضل يضل. وعلى القراءتين يكون المعنى: أن هؤلاء اشتروا اللهو وطلبوه، إما شراءً حقيقياً، فيدفع فيه الثمن كما هو واضح الآن، وإما في الماضي فقد كان بعض المفسرين يستبعد مسألة الشراء، ويقول: يمكن أن يكون المعنى: يسمع اللهو؛ لأنه لا يمكن أن يشتري اللهو، أما الآن فهو واضح تماماً، فإن الرجل يشتري اللهو في أشرطة التسجيل، ويتفرج على ما فيها من لهو ولعب ومن أشياء حرمها الله ، ويستمع فيها إلى ما حرم الله، وهذا شراء حقيقي يدفع فيه مالاً، ويشتري بهذا المال لهو الحديث؛ لِيَضِلَّ ولِيُضِلَّ عن سبيل الله. والمعنى: كي يضل. فيكون هو في ضلال، ويضل غيره، ويدعوه إلى الضلال وإلى الباطل وإلى المتعة المحرمة.

стр. 1626

دلالة الآية على تحريم الغناء وهذه الآية واحدة من ثلاث آيات في كتاب الله يستدل بها العلماء على المنع من سماع الغناء، إلا فيما أباحه الشرع الحكيم، وهي دليل على تحريم الموسيقى والمعازف، والغناء بهما. والآية الثانية: قول الله : ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦١]، أي: لاهون لاعبون في غناء ورقص وبعد عن الله ، وعن ذكره . قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم:٦١] هو: الغناء بالحميرية. والآية الثالثة: في سورة الإسراء، قال الله لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]. فإن الشيطان توعد آدم وذريته، وقال للرب : ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦١ - ٦٢]، فالشيطان توعد آدم أن يحتنك ذريته، أي: يضلها ويستولي عليها إلا القليل منهم، فتوعده الله بقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٣ - ٦٤]. فقال للشيطان: افعل ذلك، وسترى مصيرك وعذابك الذي يكون يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء:٦٤] أي: هذه هي مكائد الشيطان وحيله مع الإنسان، فهو يستفزه بصوته، قال مجاهد: صوت الشيطان: الغناء والمزامير والملاهي، وآلات الرقص وآلات الغناء والموسيقى، يستفز بها الإنسان ليخرجه عن وعيه وعن شعوره، فإذا استمع الإنسان إلى ذلك وغنى وطرب، فلعله يدخل على ذلك شرب الخمر فيها، فيرقص وهو في غاية اللهو واللعب والبعد عن الله . فهذه ثلاث آيات في كتاب الله ، ذكر أهل العلم أنها دليل على المنع من الغناء.

стр. 1627

الأدلة من السنة على تحريم الغناء وجاء في حديث النبي ﷺ ذكر المعازف وأن الناس سوف يستبيحونها، ففي صحيح البخاري قال ﷺ : (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، ومعنى: يستحلون هذه الأشياء: أنها محرمة فيستبيحونها بعد ذلك بأفعالهم وأقوالهم. والحر: الفرح، أي: يستحلون ذلك، والحرير أي: يلبس الرجال الحرير، ويضربون بالنهي الشرعي عرض الحائط، فيستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف، وقد علموا أن الله حرمها، ومع ذلك يستبيحونها إما بفعلهم وإما بقولهم، وكذلك المعازف. يقول الإمام القرطبي ﵀: إن هذه الآية نزلت في الغناء، وقد صح ذلك عن ابن مسعود وعن ابن عباس ﵄، بل قد أقسم ابن مسعود ثلاث مرات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وجاء عن ابن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله وغيرهم أنهم فسروا هذه الآية بأن المقصود منها: الغناء. يقول الإمام القرطبي: قال أبو الصهباء: سئل عبد الله بن مسعود ﵁ عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] فقال: الغناء؛ والله الذي لا إله إلا هو.

стр. 1628

رأي ابن حزم في الغناء والرد عليه وابن حزم هو الوحيد من العلماء الذي أباح ذلك، فقد أباح الموسيقى، وألف رسالة في الملاهي، وقال: لم يصح شيء من ذلك عن أحد من أصحاب النبي ﷺ ، وناقض نفسه في كتابه المحلى، فقد ذكر أن ذلك صح عن ابن مسعود وعن ابن عباس ﵄، ثم زعم بعد ذلك أن هذا قول صحابي، وقوله ليس بحجة، وإنما الحجة فيما جاء عن النبي ﷺ ، وتغافل ﵀ عن أن المفسر إذا ساق سبب النزول فهو قطعي الدخول في الآية، فإذا منع الله شيئاً وقال أحد أصحاب النبي ﷺ أن هذه الآية نزلت في كذا، وصح ذلك عنه، فكأنه يبين الشيء القطعي الذي يدخل تحت هذه الآية. فقد أقسم ابن مسعود أن هذه الآية نزلت في الغناء والمعازف والملاهي، فعلى ذلك قول ابن حزم: إن هذا قول ابن مسعود وقول ابن عباس خطأ، فإن هذا ليس من قولهما. وإنما قالا: إن الآية نزلت في هذا، ويكفي أن الأئمة الأربعة: أبا حنيفة ومالكاً والشافعي وأحمد مجمعون على المنع من المعازف، وعلى تحريمها. وقد جاء أيضاً عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الغناء ينبت النفاق في القلب. وقال مجاهد مثل ذلك، وزاد: وإن لهو الحديث في الآية الاستماع إلى الغناء، قال: وإلى مثله من الباطل. وكذلك جاء عن الحسن البصري أنه لما ذكر هذه الآية قال: المعازف والغناء. وقال القاسم بن محمد: الغناء باطل، والباطل في النار. وقال ابن القاسم: سألت مالكاً، فقال: قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ﴾ [يونس:٣٢]. أفحق هو؟! قال: لا. فواضح كلام الإمام مالك ﵀ أنه منع من ذلك. وقد ترجم الإمام البخاري باب: كل لهو باطل إذا شغل عن طاعة الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]. فقوله: (إذا شغل عن طاعة الله قصد به قول الله سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦]. وإن كان اللهو بمعنى الغناء إلا أن العبرة بعموم اللفظ، فكل لهو باطل، وكل شيء يصد عن ذكر الله وعن سبيل الله فهو داخل تحت هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦].

стр. 1629

سبب نزول الآية كان بعض الكفار إذا سمع النبي ﷺ يقرأ القرآن يأخذ غيره من الناس ويقول لهم: تعالوا، أنا أحدثكم أحسن من هذا الحديث. وكان منهم رجل من كبار المجرمين من الكفار يقال له: النظر بن الحارث، وقد أنزلت فيه آيات في كتاب الله تتوعده على ما كان يصنعه مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان قد اشترى كتباً للأعاجم فيها قصص رستم وأسفنديار من ملوك الأعاجم، فكان يجمع المشركين ويحدثهم ويقول: حديثي خير أم حديث محمد ﷺ ؟ فكان يزعم أن حديثه خير من حديث النبي ﷺ ، وقد كان يجتمع الكفار يستمعون له كنوع من العصبية؛ لأنه كافر منهم، وإلا فقد كان سماعهم للقرآن سماعاً آخر، وكان كبيرهم يقول عن هذا القرآن: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، وقد سمعت الجن هذا القرآن ورجعت إلى قومها تدعوهم إلى دين الله ، وكانوا قبل ذلك شياطين يجولون في الأرض يبحثون عن سبب إلقاء الشهب عليهم من السماء عندما كانوا يسترقون السمع. فالغرض: أن هذا الرجل كان يقول للكفار: تعالوا اسمعوا إلي، ويحدثهم بهذه الأحاديث، ففيه نزل ذلك. ومن ضمن أفعاله: أنه كان يشتري المغنيات، ومهنة الغناء في الجاهلية لم تكن مهنة الأحرار، ولم يكن يوجد حر يرضى لنفسه بذلك، ولا أن يكون صاحب موسيقى ومعازف، ولم تكن امرأة حرة ترضى لنفسها ذلك، وإنما كانت مهنة العبيد والإماء، فكانوا يشترون الأمة من أجل أن تغني، وكانوا يشترون القينات، والقينة: هي الأمة المغنية. وقد كان النضر بن الحارث يشتري المغنيات، فإذا علم أن إنساناً يريد الدخول في الإسلام مع النبي ﷺ ذهب إلى هذه المغنية التي عنده وقال لها: انطلقي إلى فلان! فأطعميه وأسقيه وغنيه. ويقول لهذا الإنسان: هذا خير مما يدعوك إليه محمد ﷺ . يعني: الغناء والمعازف خير مما يدعوك إليه محمد ﷺ من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فيقول للكافر: أيها الأحسن؟ أن تذهب تصلي وتصوم وتقاتل مع النبي ﷺ ، أو تسمع الموسيقى والأغاني وأغديك وأعشيك وأسقيك خمراً؟ فينظر الإنسان للشهوة فيذهب معه على هذا الأمر، فنزلت فيه وفي أمثاله هذه الآية. وقد قال النبي ﷺ كما في الحديث الذي رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله ورواه ابن ماجة وغيره بمعناه: (لم أنه عن البكاء). وهذا قاله في آخر حياته ﷺ لما مات ابنه إبراهيم، فقد مات قبل وفاة النبي ﷺ بثلاثة أشهر أو بأربعة أشهر، فهذا من آخر ما قاله النبي ﷺ . فقد بكى النبي ﷺ لموت ابنه، وكان من الموجودين عبد الرحمن بن عوف، فقال للنبي ﷺ : (أتبكي يا رسول الله؟! قال: إنما هذه رحمة. ثم قال: لم أنه عن البكاء، وإنما نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت عند نعمة مزمار شيطان ولعب)، أي: إذا حصل للإنسان نعمة من الله فطرب وفعل ما نهى الله عنه، أو استمع للنغمات وللموسيقى وطرب ولعب مع الناس ومع الشيطان فصوته هذا أحمق فاجر، قال ﷺ : (صوت عند نعمة مزمار شيطان ولعب، وقال: وصوت عند مصيبة، خمش وجوه وشق جيوب ورنة شيطان)، أي: إذا مات قريب له رفع صوته ولطم وخمش وجهه، فهذا هو الصوت الفاجر الثاني. فانظر كيف جعل النبي ﷺ الصوت الذي عند نعمة الإنسان وفرحه، وإتيانه الموسيقى والأغاني واللعب والرقص صوتاً فاجراً أحمقاً، والصوت الثاني: في حالة الموت والبكاء والصراخ والعويل، فهذان صوتان نهى عنهما النبي ﷺ ، وفي حديث آخر أنه سماه: (رنة الشيطان).

стр. 1630

أقوال الأئمة الأربعة في تحريم الغناء وقد جاء عن أصحاب النبي ﷺ أقوال كثيرة في هذا المعنى، وكذلك جاءت أقوال عن الأئمة رضوان الله ﵎ عليهم، كالإمام مالك، والإمام أبي حنيفة، والإمام الشافعي، والإمام أحمد، فقد جاء عنهم تحريم ذلك. قال الإمام القرطبي: قال العلماء بتحريم الغناء الذي تصاحبه الموسيقى، قال: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يحرك الساكن، ويبعث الكامن. فهذا النوع إذا كان في شعر يشبب فيه بذكر النساء، ووصف محاسنهن، وذكر الخمور والمحرمات لا يختلف في تحريمه، والموسيقى والأغاني الآن فيها كل هذا؛ من الكلام على النساء، وأوصافهن، والحب الباطل، والمقصود عند الناس من الحب هو الفجور، فالرجل إذا أحب المرأة فإنه يغازلها ويفجر بها، وهذا هو الحب الذي يقصدونه، ويورون به عن الفجور والوقوع في الزنا، والعياذ بالله! فهم يقولون الآن الكلمة التي شاعت بين الناس: إنه يمارس الحب؛ حتى لا يظهر أمام الناس أنه يفعل الحرام، فيعلفونها بكلمة أخرى من أجل أن يبعدوا الناس عن معرفة شرع رب العالمين ، فهذا مما حرمه الله سبحانه، وضيع الناس فيه أمر الله وأمر رسول الله ﷺ . يقول الإمام القرطبي ﵀: فأما ما سلم من ذلك -أي: من غناء ليست فيه معازف وموسيقى، وسلم من هذه الأشياء التي فيها الغزل وذكر النساء، وذكر الحب ونحوه- فيجوز القليل منه. فلا يشغل المسجل طول النهار يسمع أغاني وأناشيد إسلامية، ويترك القرآن والسنة ودروس العلم، ويلهو عن ذلك، ويقول: نسمع أشياء ليست فيها موسيقى؛ فإنه لما أباح العلماء هذا أباحوه على وجه القلة، بشرط ألا يكون مصحوباً بآلات الموسيقى. يقول القرطبي ﵀: فأما ما سلم من ذلك، فيجوز القليل منه في أوقات الفرح، كالعرس والعيد، وعند التنشيط على الأعمال الشاقة، كما كان في حفر الخندق، وحدو أنجشة وعامر بن الأكوع، فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم -وهذا في زمن القرطبي ﵀ يقول: ما ابتدعته الصوفية اليوم، أي: في أيامه، ومن قبل ذلك ابتدعوا الأناشيد الدينية التي فيها المعازف، والتي يقومون ويتقفزون فيها ويرقصون بدعوى الوجد الذي حصل لهم من سماع هذا الشيء، ويهتزون ويرقصون، يقول القرطبي ﵀: فأما ما ابتدعته الصوفية اليوم من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطرب والمعازف والأوتار فحرام. قال ابن العربي: فأما طبل الحرب فلا حرج فيه، يعني: ما يكون في الحرب من إثارة الناس وتحفيزهم على القتال، يقول: لأنه يقيم النفوس، ويرهب العدو، والدف مباح، والضرب على الدف -يعني: في العيد وفي الفرح- والدف: هو الطار المفتوح من أحد جانبيه، ويجوز الضرب عليه في الفرح وفي العيد. يقول القشيري: ضرب بين يدي النبي ﷺ يوم دخل المدينة فهم أبو بكر بالزجر، فقال رسول الله ﷺ : (دعهن يا أبا أبكر حتى تعلم اليهود أن ديننا فسيح)، وهذا الحديث ليس كما ذكر، وإنما الذي صح فيه الحديث الذي رواه ابن ماجه عن أنس: (أن النبي ﷺ مر ببعض بيوت المدينة، فإذا هو بجوار -جمع جارية، والجارية: الفتاة الصغيرة السن، أي الطفلة، أو هي التي عمرها عشر سنين أو أقل من ذلك- وهن يضربن بدفهن، ويقلن: نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار). صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان المدح والحب للنبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : (يعلم الله أني أحبكن). يقول الإمام القرطبي ﵀: واشتغاله بالغناء على الدوام سفه ترد به شهادته. قال: فإن لم يدم على ذلك لم ترد الشهادة. وقال الإمام مالك ﵀ وقد سئل عن ذلك: إنما يفعله عندنا الفساق. فأهل الغناء والمعازف يعتبرهم الإمام مالك فساقاً. وقال أبو الطيب الطبري: أما مالك بن أنس فإنه نهى عن الغناء وعن استماعه. وقال: إذا اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها بالعيب، وهو مذهب سائر أهل المدينة، يعني: المنع من ذلك. قال: أما مذهب أبي حنيفة فإنه يكره الغناء ويجعل سماع الغناء من الذنوب. وهو مذهب سائر أهل الكوفة، ومنهم إبراهيم النخعي والشعبي وحماد والثوري وغيرهم. وقال الإمام الشافعي: الغناء مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته. وهذا الغناء هو الذي ليس فيه موسيقى ولا شيء آخر، وإنما غناء فقط، قال: إنه مكروه، ومن ثم الذي يستكثر منه وأصبح يداوم عليه فترد شهادته. قال: ثم ذكروا عن الشافعي ﵀ فيمن يفعل ذلك، ويكثر منه، قالوا: إنه شدد في ذلك، وذكر أنه من الدياثة، والعياذ بالله! وأما الإمام أحمد ﵀ فقد جاء عنه أنه سئل عن إنسان يتيم عنده جارية مغنية، إذا باع هذه الجارية على أنها مغنية تباع بثلاثين ألفاً، ولو باعها على أنها ليست مغنية تباع بعشرين ألفاً؟ قال: يبيعها على أنها ساذجة. أي: ليست مغنية. وحرم الزيادة على كونها تتعلم الغناء وتتعلم الطبل والزمر ونحو ذلك. فهؤلاء الأئمة الأربعة أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد منعوا من ذلك، وكلامهم منشور مشهور في المنع والتحريم للغناء، فليتق الله كل إنسان مؤمن يبيح لنفسه ما حرم الله في كتابه، وعلى لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه. والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1631

تفسير سورة لقمان [٦ - ٩] ما أحل الله للناس من شيء إلا وفيه الخير والنفع لهم، وما حرم عليهم من شيء إلا وكان فيه الضر والشر، وإن مما حرم الله على عباده الغناء والموسيقى؛ فإنها تجر إلى سوء الأخلاق، والمعاملة السيئة مع الآخرين، وتؤدي إلى البعد عن الله تعالى والتعلق بها، فيضل الإنسان عن طريق الخير ويضل غيره معه.

стр. 1632

حكم الغناء والموسيقى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:٦ - ٩]. يخبرنا الله في هذه الآيات من سورة لقمان: أن من الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم. وصح عن ابن مسعود وابن عباس ﵄ أن هذه الآية نزلت في الغناء، فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان:٦] هو الغناء والموسيقى والمعازف.

стр. 1633

الغناء سبب في الضلال والإضلال قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] وفي قراءة ((ليَضل عن سبيل الله)) أي: يتبع هذا الطريق ليكون حاله أنه في ضلال عن طريق الله سبحانه، فيضل نفسه ويضل غيره، وهذا معلوم مشاهد فيمن يتعاطى ذلك، والذي يتعامل بالموسيقى والغناء تجد ليله ونهاره ضائعاً، ففي الليل السهر والحفلات والمجون والمعازف والرقص وغيره، وفي النهار النوم والبعد عن الله ، لا شيء يحبه إلا هواه وشهوته، فلا يزال على هذا الأمر حتى يبتعد عن طريق الله سبحانه، فيضل في نفسه ويضل غيره بهذا الذي يصنعه ويفعله. ويتخذ آيات الله سبحانه وسبيله ﴿هُزُوًا﴾، قال الله سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٦] أي: بشرائه لهذا اللهو، فكأنه اشترى الدنيا ودفع الثمن الآخرة والدين، فضيع صلاته، وضيع أمر ربه ، فضل في نفسه وأضل غيره بذلك. قال تعالى: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان:٦] وإن زعم أنه على علم، ولكنه علم كلا علم، بل هو علم كجهل، فيتعلم أشياء بعيدة عن أمر الله سبحانه، بل هي مما نهى الله عنه، فعلى ذلك هو ليس على علم، وليس على هدى من الله، ولم يتعلم لا كتاباً ولا سنة، وإنما تعلم لهواً وباطلاً. قال تعالى: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]، الهاء هنا عائدة على سبيل الله ، والمعنى: ضل هو عن سبيل الله، وأضل غيره عن سبيل الله، واتخذ سبيل الله هزواً، وما تتبع إنسان سبيل الغناء والمعازف ونحوها إلا وكان بعيداً عن أمر الله، ونحن نرى أنه لا يذهب إلى التلفزيون والسينما وغيرها إلا أهل الفسوق والضياع، فيأتي عليه وقت الصلاة وهو ينظر إلى التلفزيون، ولا يؤدي صلاته، فيُضل غيره عن سبيل الله . وإذا كان هذا الإنسان هو في هذا الضلال، فكيف بمن يُتفرج عليه من ممثلة وممثل، ومغنية ومغنٍ، وعازفة وعازف وغيرهم؟! وكيف تكون حياة هؤلاء؟ بل كيف يكون أكلهم وشربهم في معاصي الله ؟ فطعامهم وشرابهم، وأرزاقهم التي يأخذونها من أجور على باطل يأتونه كلها حرام وإثم، فهؤلاء يَضلون ويُضلون، ويوجهون الناس إلى طريق النار والعياذ بالله، ويحسب أن عمله هذا فن، فيغني الشيء الذي يُعجب به الناس في شهواتهم، ويغني لهم عن الحب والضياع، ويغني لهم في لعن القضاء والقدر وسبه وسب الدهر، وغير ذلك، فيَضلون عن سبيل الله، ويُضلون عن سبيل الله، ولقد سمعنا التي تغني وتقول: قدر أحمق الخطى! وهذا القدر هو قدر الله . قال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤]، فبعض الشعراء يضل ويبتعد عن طريق الله، ويتكلم في أي شيء، حتى إنه ليذم قضاء الله وقدره ، ولقد سمعنا من يقول: لا أسلم بالمكتوب، ولا أرضى أبيت مغلوباً، يعني: إنه لن يسلم بقدر الله سبحانه، ولن يرضى بقدر الله سبحانه، ثم يأتي المغني فيغني بذلك، فيسمع الناس ويطربون بذلك، وإذا بالناس في ضلال مبين، لا يفهمون كالبهائم، وإذا بهم يرددون هذا الشيء، فإذا أتى على أحدهم قضاء الله ، أو مصيبة من المصائب، فإذا به يقول: لن أسلم للأمر، والثاني يأتيه مرض من الأمراض ويقول: إنه سيقاوم هذا المرض وسيقضي عليه بالعزيمة والإرادة، وليس عارفاً أين قضاء الله وقدره، فهو يريد أن يغلب ويهزم المرض، وقد كان أهل الجاهلية يريدون أن يغالبوا دين الله ، فشن عليهم حسان رضي الله تعالى عنه وقال: زعمت سخينة أن ستغلب ربها وليغلبن مغالب الغلاب فالله أخبر عن هؤلاء أهل الضلال أنهم يَضلون ويُضلون عن سبيل الله، وكانوا يقولون: الموسيقى فيها خير وشر، وقد نهى النبي ﷺ عن جمعيها، وانظر إلى الغنى كيف بدأ وإلى أي شيء صار؟! فما كان يقال فيما قبل: فلانة مغنية، وفلانة رقاصة، أو فلان مغن، وفلان رقاص، أما الآن فيقال: مغنية ورقاصة، وتراهم يجلسون مع بعض، ويصلون إلى الفجور والعهر، والبعد عن دين الله ، تتعرى المرأة وتقول: لا يوجد عيب حتى أستره! فيضلون عن سبيل الله، ويُضلون عن سبيل الله، وهذا الذي أداهم إليه هو بعدهم عن دين الله، ومن يفتيهم بأن هذا حلال، أو بأن هذا جائز لا يوجد فيه شيء، أو أن الموسيقى فيها وفيها، وقد أخبر النبي ﷺ أن جميعها لهو، وأنها كلها ممنوعة، إلا ما كان من ضرب بالدف في العرس أو في العيد فقط. وإننا لنرى من الناس اليوم من يتلهى عن أمر الله سبحانه، ويسمع الموسيقى والأغاني حتى تنسيه الهموم والأحزان، ولا يعلم أنها تنسيه الله سبحانه، فترى هذا يسمع عند مذاكرته، وهذا عند عمله، وهذا يزعج غيره، وإذا بالناس يفقد عندهم الدين والرحمة والأخلاق الحسنة، وترى الإنسان يشغل الأغاني ويزعج الجيران ولا يهمه نوم أحد أو مرضه، وقد يقف أمام المسجد وهو على هذا الأمر فلا يستحيي من الله، ولا يستحيي من أحد من الخلق.

стр. 1634

حكم الاستهزاء بدين الله وأوليائه قال سبحانه: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾ [لقمان:٦]، فقوله: (ويتخذها) قرأها بالنصب حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها ((ويتخذُها هزواً)) بالضم على الاستئناف. أما كلمة (هزواً)، فيقرؤها حفص فقط من غير همز، وباقي القراء يقرءونها بالهمز: ((هُزُءاً)) ويقرؤها حمزة (هُزْءاً) وإذا وقف عليها قرأها (هُزاً) أو (هُزْواً). والغرض أن الله يخبر عمن طريقه اللهو واللعب والتفريط والتضييع أنه يتخذ سبيل الله هزواً ويستهزئ به؛ لأنه يريد من الناس أن يفرحوا به، فيمزح ويضحك كثيراً، ويستهزئ حتى يضحك الناس، ويسخر من أهل الله سبحانه ليضحك الناس عليهم، فيتخذ سبيل الله هزواً، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]، أي: هم في هوان دائم، فيهينهم الله كما صنعوا بأوليائه ودينه، ويخزيهم في الدنيا والآخرة، ذل المعصية على وجوههم مهما قالوا: إن لهم المرتبة العالية، أو المرتبة الراقية، فهم يستشعرون الذل في أنفسهم. ولقد اجتمع ذات مرة شخص من هؤلاء مع نقابة الموسيقى، فقال لهم النقيب: نحن فوق الناس، فقال له هذا الرجل: كيف تطرحنا فوق الناس ونحن أقذر خلق الله؟! فهم في أنفسهم يعرفون ما هم فيه من بعد عن الله ، وإن قالوا: نحن أرق الناس حساً، يقول الله تعالى عنهم: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [لقمان:٦]، وهم في أنفسهم يستشعرون هذا الهوان لبعدهم عن ذكر الله، وعن طاعة الله ، ويوم القيامة لهم عذاب مهين بما استهزءوا بدين الله سبحانه وسخروا منه. فالآية وإن كانت نزلت في هذا السبب لكن العبرة بالعموم، فكل من يتلهى عن دين الله سبحانه، ويشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله، وبهدف اللهو واللعب والبعد عن دين الله سبحانه، فهذا له عذاب مهين عند الله . فليحذر المؤمن أن يضل الخلق عن ربهم . وانظر إلى واقعنا اليوم، حيث تجد هؤلاء يستقطبون الشباب على المقاهي لشرب الشاي أولاً، ثم يأتي لهم بالشيشة وما شابهها، ثم ينقلهم إلى التلفاز وإظهار الصور العارية، وكل هذا ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وأنت ترى المقاهي ملأت الدنيا أكثر من عدد المصانع أو غيرها من الأشياء التي تنفع الناس، فإذا بالإنسان في ضلال دائم، سهر بالليل، ونوم بالنهار، وجيفة بالليل صخاب بالنهار، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 1635

الغناء والموسيقى سبب في الإعراض عن كتاب الله يقول الله في هؤلاء: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان:٧]، ونرى اليوم كثيراً من الشباب يسمع القرآن بعد قيامه من النوم قليلاً، ثم يجعل يومه كاملاً في بعد عن الله تعالى، ويرى أن الاستمرار عليه من الحزن والكآبة، ولهذا فهو يغير القرآن قاصداً اللهو واللعب، ولا يدري أنه يبتعد عن الله سبحانه بذلك، وهكذا حال الإنسان الذي لا يعرف ربه، إلا إذا نزلت به مصيبة من المصائب. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ [لقمان:٧] أي: لا يعتبر ولا يتعظ بما يسمع من كلام رب العالمين سبحانه. ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ [لقمان:٧] أي: كأن في أذنيه صمماً فلا يسمع شيئاً من كلام الله سبحانه، يسمع الآية ولا يستحيي ولا يعتبر من كلام رب العالمين سبحانه، ولقد أمر ربنا بالتدبر فقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [لقمان:٧] أي: صار له العذاب المهين، وصار له العذاب الأليم ببعده عن الله سبحانه، وبشرائه اللهو، وضلاله عن سبيل الله سبحانه.

стр. 1636

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم وهو العزيز الحكيم) يقول سبحانه في عكس اللاهين المفرطين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان:٨]، وكأن الله يسلي المؤمنين ويصبرهم على هذا الدين، ولقد قال رسول الله ﵌: (يأتي على الناس زمان يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر)، إذ أن الفتن في كل مكان، وهو متمسك بدينه، ويكاد الشيطان لا يعرف له طريقاً يدخل إليه، فيسلط عليه هذا، ويسلط عليه هذا، وهو متمسك بدينه، وكأنه يحترق في ذلك كالذي يقبض على جمر فيحرق يديه، ولكن تمسكه بدين الله يواسيه في ذلك نظره إلى المستقبل والمآل. فهنا ربنا يخبر عن هؤلاء المؤمنين أن لهم جنات النعيم، فأنتم أيها المؤمنون لكم عند الله النعيم المقيم، والموسيقى التي تحرم نفسك منها في الدنيا ستسمع أفضل منها في الجنة من أصوات الملائكة وأصوات الحور العين، وأشياء لم تسمع قبل ذلك مثلها أبداً، وما عليك إلا أن تصبر حتى تتعدى هذه الدنيا، والدنيا حقيرة قليلة يسيرة، تجد الإنسان يعيش فيها ستين أو سبعين سنة، ويمر عليه يوم وفاته شريط الذكريات وشريط العمر كأنه يوم أو بعض يوم، وتقعد مع إنسان وهو في آخر حياته، فيحكي لك: كنا نقعد كذا ونعمل كذا، فيفكر بالماضي وكأنه شريط يمر في رأسه، فاحذر من هذه الدنيا، وخذ من شبابك لهرمك، ومن صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، وحاسب نفسك في هذه الدنيا؛ لأن أمامك الجنة، فأنت مثل إنسان يسير في صحراء وأمامه آبار من المياه فيها كدورة، فصبر نفسه وواساها وأملها بنبع صافٍ يقدم عليه، ومنع نفسه عن الشرب من تلك المياه خوفاً من أن تسممه أو تؤذيه، فلا زال يصبر نفسه شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى بر الأمان، وإلى مكان النبع الصافي. كذلك الإنسان المؤمن يصبر نفسه، كما قال الله : ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وكما أمر الله نبيه ﷺ فقال له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف:٢٨]، وهنا قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ﴾ [لقمان:٨]، أي: الجنة التي يتنعمون فيها بنعم الله سبحانه، وبفضله عليهم. قال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [لقمان:٩] وهنا يوجهك الله إلى مقارنة بين الدنيا والآخرة، وأنه مهما كان في الدنيا من لهو ولعب فإنه لن يدوم، فمصائب الدنيا وابتلاءاتها كثيرة، أما يوم القيامة في جنة الخلد فلا بلاء ولا خوف ولا حزن ولا تعب ولا نصب ولا مرض، ولا شيء مما يكدر على الإنسان أيامه ولياليه. يقول الله سبحانه: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [لقمان:٩] أي: لن يخرجوا من الجنة أبداً، ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ [لقمان:٩]، أي: هذا وعد، وليس هو وعد المخلوق، بل وعد الخالق ، القادر على الوفاء. يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [لقمان:٩]، أي: الغالب المنيع الجانب سبحانه ﵎، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [لقمان:٩] أي: الذي له الحكمة في أن حرم هذه الأشياء وإن اشتهتها نفوس الناس، فالشخص يشتهي أن يسمع الموسيقى، أو يسمع الغناء، فيأتي حكم الله بأن هذا ممنوع في الدنيا وهو لك في الجنة، والشخص في الدنيا يريد أن يلبس الحرير، أو يلبس الذهب، فيقال له: ممنوع عليك في الدنيا، وفي الجنة ستلبسها، ويحذره بقوله: لو لبستها في الدنيا لضاعت عليك في الجنة، ولو استمعت لهذا الشيء في الدنيا لم تستمع له في الجنة، فيقارن الإنسان المؤمن بين هذه الدنيا الفانية وبين الجنة التي فيها النعيم المقيم، فيختار الباقية على الفانية. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، والبعد عن محارمه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1637

تفسير سورة لقمان [١٠ - ١١] في هذه الآيات يخبر الله سبحانه عن عظمته وقدرته، وأنه خلق السماوات من غير أعمدة، ووضع في باطن الأرض وظاهرها جبالاً خشية أن تضطرب الأرض بسكانها، وخلق فيها من كل دابة سواء علمها الإنسان أو لم يعلمها، وأنزل من السماء ماء فأنبت به كل نوع طيب، فهذا هو خلق الله وحده فأين خلق الآلهة التي يعبدونها من دون الله؟ لا يوجد لها أي خلق، فدل هذا على أن من عبدها من دون الله فهو ظالم لنفسه، حيث عبد من لا يستحق العبادة وترك عبادة من يستحق العبادة.

стр. 1638

تفسير قوله تعالى: (خلق السموات بغير عمد ترونها) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ * هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١٠ - ١١]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن قدرته العظيمة، وعن آياته في هذا الكون، التي يجب على كل إنسان عاقل أن ينظر فيها، وأن يتأملها؛ ليعرف قدرة الله ، وليستيقن من عظمته سبحانه، وتقديره لكل شيء. قال الله: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان:١٠] آية من آيات الله سبحانه، أن رفع هذه الكواكب، والشمس، والقمر، والنجوم، وغيرها من أفلاك، ورفع المجرات في هذا الفضاء العظيم بغير عمد ترونها. فليس هناك عمود تراه بين السماء والأرض يرفع الله عليه السماء، أو يضع عليه الأرض، ولكن كل شيء في فلكه يدور بأمر الله وقضائه، وقدره، وبحكمته، وحكمه، وإتقانه، وبديع صنعته . وكلمة (تَرَوْنَهَا) إما أن المحل فيها على الكسر فتكون وصفاً لما قبلها، فيكون قوله: (بِغَيْرِ عَمَدٍ) أي: بغير أعمدة تَرَوْنَهَا، فيكون المعنى على ذلك، هناك أعمدة غير مرئية، لا ترونها أنتم. وهذا ما يسميه علماء الفلك: قوة التجاذب بين الكواكب، وبين المجرات، وبين الشمس والقمر، فكأنه يخرج من مركز الشمس مع القمر ومع المجموعة الشمسية التي حولها أعمدة من التجاذب لا يراها الإنسان، فهذه مجذوبة إلى هذه، في فلكها تدور، فيدور القمر حول الأرض، والقمر والأرض مع بعضهما يدوران حول الشمس مع باقي مجموعة الكواكب الشمسية التي تدور حولها مرتبطة بها، لا تنفك عن جاذبيتها، فكأن معنى (بغير عمد): ليس هناك أعمدة كالتي تتخيلونها، عموداً بين الأرض وبين السقف، يرتفع عليه السقف، فترى عموداً، فليس الأمر كذلك، ولكنه شيء آخر من قدرة الله سبحانه، جعله من تجاذب بين هذه مع هذه، فلو زادت كمية الجذب لدخلت المجموعة الشمسية بداخل الشمس فأحرقتها، ولو ضعف هذا التجاذب لابتعدت عنها، وتاهت في الفضاء، وضاعت، ولما لم يحدث شيء من ذلك دل على قدرة الله العظيمة في ربط هذه الأشياء بعضها ببعض، هذا على النطاق الضيق. والمجرات مليارات، وكل منها يحتوي على مليارات المليارات من الشموس والأقمار والنجوم، وكلها تدور في هذا الفضاء الواسع العظيم، فيرينا الله سبحانه آياته العظيمة، فلا توجد أعمدة مرئية كالتي تتخيلها، ولكن الله يخلق ما يشاء مما لا ترون يجذب هذه إلى هذه، فتدور هذه حول هذه، ويحرك هذه بطريقة، وهذه بطريقة، وكل في فلك يسبحون في هذا الكون العظيم. إذاً قوله سبحانه: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان:١٠] جملة (تَرَوْنَهَا) إما أنها وصف للأعمدة، أي: بغير عمد مرئية، أو هي على الحال من السموات، فيكون المعنى: خلق السموات حال كونكم ترونها بغير عمد، أي: لا أعمدة حقيقة موجودة فيما بينها، وكلا المعنيين صحيح. فليست أعمدة على الوجه الذي نعرفه ونتخيله، أنك ترفع سقفاً وتضع أربعة أعمدة حتى تضع عليه السقف، فليس الأمر كذلك أبداً، بل إن الله خلقها بنظام معين، من قوة شد وجذب بين هذه الكواكب، الله قدرها وخلقها على غير ما تعرفه أنت مما اعتدت عليه.

стр. 1639

عظمة خلق الله تعالى للأرض ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ [لقمان:١٠] والتعبير بـ (في)، غير التعبير بـ (على)، فقوله: (وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ) الرواسي فوق الأرض، ولكن الباحثين في علوم الأرض وطبقاتها يقولون: الجبل ليس فوق الأرض، الجبل جزء منه فوق الأرض وباقي الجبل تحت الأرض، فخمس الجبل فوق الأرض وأربعة أخماس الجبل تحت الأرض. فالتعبير القرآني العظيم حين يعبر عن الجبال أنها أوتاد للأرض: ﴿وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [لقمان:١٠] هو تعبير عظيم ودقيق يذهل ويعجز العلماء حين ينظرون فيه. فالجبال داخل الأرض وفوق الأرض، وصفة هذه الجبال أنها أوتاد -جمع وتد- والوتد هو الذي تجعله للخيمة، فتدق في الأرض أعمدة من خشب تجعلها وتداً في الأرض، وتربط فيها الخيمة حتى لا تميل ولا تتحرك. كذلك الجبال تثبت الأرض بعضها في بعض، والقشرة الأرضية العليا التي قد يكون سمكها من خمسمائة متر إلى الألف والألفين متر تحتها سوائل منصهرة في باطن الأرض، وفيها مياه جوفية، وفيها أشياء لو لم توجد الجبال لاضطربت الأرض ومالت القشرة الأرضية كالسفينة على الماء. ولكن الله ثبت هذه القشرة العليا في باطن الأرض بهذه الجبال الرواسي، فتتحرك الأرض وتدور حول نفسها، وتجري الأرض بحسب ما قدر الله لها، ولا يحدث اهتزاز أو تحرك، والإنسان يركب حافلة مثلاً، ويشعر بأن الحافلة تتحرك، أما في حال دوران الأرض فلا يشعر بها، مع أن الأرض تتحرك بسرعة أعظم بكثير من سرعة القطار ومن سرعة الحافلة. قال هنا : ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكْم﴾ [لقمان:١٠] أي: لئلا، أي: كراهة أن تميد، والميد: هو الاضطراب، ومعنى تمور الأرض وتميد: تضطرب وتتحرك، كما تضطرب السفينة فوق الماء، فلم يجعل الله الأرض على هذا الحال، ولكنه ثبتها لكم لتستقروا فوقها بفضله وقدرته العظيمة سبحانه. ﴿وَبَثَّ﴾ [لقمان:١٠] أي: نشر . ﴿فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [لقمان:١٠] ويخلق ما لا تعلمون، فقد بث في الأرض من كل دابة سواء اكتشفتم هذه الدواب أو لم تكتشفوها التي جعلها الله على الأرض. والإنسان قد أوتي من العلم شيئاً، ويظن أنه عرف كل شيء، وهو يجهل أشياء كثيرة موجودة على الأرض، ويجهل الحكمة من خلق الله لهذه الأشياء، ولكن الله سبحانه لا يخلق شيئاً إلا بعلم وبحكمة . وقد تكلمنا في سورة العنكبوت عن حشرة ضعيفة صغيرة ذكرها الله ، قال الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت:٤١] وهذه الحشرة التي يحتقرها الإنسان يقول بعض العلماء: إنه لو انقرضت هذه الحشرة من على وجه الأرض لفني الإنسان، فلا يكون للإنسان بقاء مع عدم وجود هذه الحشرة، وكأن هذه الحشرة تقضي على أعداء للإنسان لا يقدر على القضاء عليها، والإنسان لا يدري ولا يعرف؛ بل إنه يحتقر هذه الحشرة. وكذلك النملة التي تقرص الإنسان ورد عن النبي ﷺ أنه نهى عن قتل النمل، وإذا كانت مؤذية فاقتل ما يؤذيك، ودع ما لا يؤذيك، فيقول العلماء: إن هذه النملة نافعة جداً للإنسان، تنفعه وتقضي على حشرات معينة لا يقدر على القضاء عليها. ولذلك ذكرنا أنهم في اليمن يبيعون النمل، يأخذونه من الغابات بفروع الأشجار، وينقلون هذه الفروع على الجمال من الغابة إلى مكان البيع في السوق، ليأخذها أصحاب حقول الموالح، ليضعوا هذه الفروع في أشجار الموالح التابعة لهم، فيصعد النمل على الأشجار ويقضي على ميكروبات أو جراثيم معينة موجودة تتلف الموالح: البرتقال واليوسف أفندي وغيرها مما يأكله الإنسان، فالنملة نافعة للإنسان، وحين نهى النبي ﷺ عن قتلها كان كثير من الناس لا يدرون ما الحكمة في ذلك، وأنت قد لا تعرف، ولكن غيرك يعرف، وعلم الله فوق كل ذي علم ، قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فكل شيء له حكمة، والله لم يخلق الذبابة عبثاً، ولم يضرب المثل بالبعوضة عبثاً، ولكن الله يخلق الدواب ويضرب بها الأمثال، ليريك آيته وقدرته، فهل تقدر أن تصنع مثل ذلك؟ فانظر إلى آيات الله في خلقه من أصغر الأشياء إلى أكبر الأشياء! والبعوضة الصغيرة التي يقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، التي تطير فيضربها الإنسان بيده ليقتلها، هذه البعوضة التي تؤذي الإنسان وتقرصه عندما يتأملها العلماء يقولون عنها لها تقريباً ستة وثلاثون عيناً، فهي تنظر بنظر عجيب جداً، وترى ما حولها من كل مكان. والإنسان لا يقدر أن ينظر إلا إلى أمامه، أو يحرك عينه لليمين والشمال وفوق وتحت، لكن البعوضة تستطيع أن ترى ثلاثمائة وستين درجة، وكيف تقرص الإنسان هذه البعوضة؟ أنت عندما تذهب لتضرب إبرة تكون خائفاً وتقول: ضع لي شيئاً قبل أن تعطيني الإبرة، والبعوضة قبل أن تقرصك تبحث عن العرق الذي فيه دم؛ من أجل أن تسحبه، فترش قليلاً من البنج، وهو سائل موجود في داخلها، ثم تنزل إبرتها وأنت لا تحس بها، لكن تحس بشفط الدم، واللسعة تشعر بها وقت خروج الدم منك ودخوله في البعوضة، أما وخز الإبرة فلا تشعر بها، وأمهر مخلوق يضرب الإبر هي البعوضة. والجاهل لا يعرف شيئاً، فالبعوضة تأتي أمامه فيغتاظ: لماذا خلقها الله مع أنها تؤذينا?! والعالم يتأمل البعوضة ويشرحها، فالبعوضة لها أربعون ضرساً وأنت معك ستة وثلاثون ضرساً، فسبحان الخلاق العظيم! حيث يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦] لأنها خلق عظيم من خلق الله لا تقدر أنت ولا غيرك، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يخلقوا شيئاً ما استطاعوا أن يوجدوا ولا أقل الأشياء التي خلقها الله . فهنا يقول الله: أنه بث في الأرض من كل دابة، والدابة هي التي تدب على الأرض، وكل ما يدب على الأرض يسمى دابة سواء كان يمشي برجليه أو يطير بجناحيه. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [لقمان:١٠] وقد عبر بنون العظمة هنا. فقوله: (خَلَقَ) الضمير عائد على الله ، (وألقى) الضمير يعود على الله في الأرض رواسي أن تميد بكم، (وبث) ستجد الضمائر كلها عائدة على الله على الإفراد، وفي قوله: (وَأَنزَلْنَا) عبر بنون العظمة ، وكأن هذه الأشياء السابقة لا يجرؤ الإنسان أن يقول فيها شيئاً، فلا يجرؤ أن يقول: أنا أخلق سموات، أو أنا أخلق أرضاً كهذه الأرض، أو أنا أخلق جبالاً، لا يقدر الإنسان أن يقول ذلك. وكأن الإنسان قد يتبجح ويقول: أنا سأنزل من السماء ماء، أنا سأوجه السحاب من مكان إلى مكان، وعندما تأتي سأفجر فيها بقنبلة أو بمدفع أو شيء آخر فتنزل الماء، وقد أراد الإنسان أن يصنع ذلك، وإذا بنون العظمة تقول: لا، لن تستطيع، فنحن الذين نتحكم في ذلك، لا تقدر أنت على ذلك، فالله وحده هو القادر على أن ينزل من السماء ماء، ويرسل الرياح فتثير سحاباً فيسيره الله إلى أي مكان شاء، ثم يقول له: كن فيكون، فينزل من السماء هذا الماء الذي يغيث الله به عباده، فإذا بالعباد لا يملكون إلا أن يتضرعوا عندما يعجزون وييأسون: لم نستطع أن نحضر ماء، حركنا السحاب من مكان إلى مكان فلم نستطيع، انتظرنا حتى تأتي سحابة مليئة بالماء وفجرناها بقنبلة وبغيرها، ولم ينزل أي شيء، ولما نزل نزل رذاذ ولم نستفد منه، فعرفوا أنهم لا يقدرون على شيء فرجعوا إلى الله وقالوا: يا رب! ووقفوا يصلون صلاة استسقاء يطلبون من الله أن ينزل عليهم من السماء ماء. قال تعالى: (وأنزلنا) فعبر بنون العظمة هنا، وكل أفعال الله عظيمة. قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان:١٠] عبر بنون العظمة أيضاً؛ لأن الإنسان قد يتبجح ويقول: أنا زرعت هذه الأرض، فالله هو الذي أوجد لك غذاءك وكساءك وماءك وشرابك، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ﴾ [الواقعة:٦٨ - ٦٩] من الذي أنزل الماء من السماء؟! ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٣ - ٦٥]، فالله هو القادر على كل شيء سبحانه. فهنا قال: ﴿فَأَنْبَتْنَا﴾ [لقمان:١٠] وهناك قال: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة:٦٤ - ٦٥]، والإنسان يرى نفسه أنه يزرع، ولكن هل الفعل الذي فعلته هو الذي شق هذه الحبة التي في الأرض، وهو الذي أنبت بذرها، وأخرج ساقها، وأخرج ورقها، وأخرج ثمارها؟ الجواب لا، فما أنت إلا سبب من الأسباب. قد تبذر الحب وقد لا تبذر، فتأتي الرياح على حبوب موجودة في مكان فتذروه الرياح فيطير ويقع على الأرض، فينزل المطر فيخرج من الأرض سنابل بقدرة الله ، فالإنسان يجب عليه أن ينظر إلى نفسه أنه سبب من الأسباب، وأنه ليس خالقاً يخلق، وليس هو الذي يخرج الزرع وإنما الذي يخرجه هو الله . قال تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان:١٠] أي: أنبتنا في الأرض من كل زوج أي: من كل صنف، ومن كل نوع، ومن كل ما يشتهيه الإنسان من طعام، (كريم) وصفه الله بأنه كريم، والكريم عكسه: اللئيم، فالزرع الذي ينبت لئيماً لا ينتفع به الإنسان، ويكون خبيثاً، و

стр. 1640

تفسير قوله تعالى: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه) قال تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هذا الذي أراكم الله سبحانه هو خلقه البديع العظيم، ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١]. والسورة مكية، والسور المكية تهتم بجانب التوحيد والعقيدة، وأن الله هو الخالق الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، كما تهتم بتوحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية. وتوحيد الربوبية: هو أنه لا رب إلا الله، ومقتضى ربوبيته أنه يخلق ويرزق، وينفع، ويضر، ويعطي، ويمنع، ويفعل ما يشاء سبحانه، والإله مقتضى ألوهيته أن يعبد سبحانه، لذلك يقرن بين الاثنين ليبين أن الرب هو وحده الذي يستحق أن يكون إلهاً معبوداً. والمشركون لم يتكلموا في أمر الربوبية، فلم ينكروا ربوبية الله ، ولم يقولوا: نحن نخلق، ونحن نرزق؛ بل إنهم نسبوا الخلق والرزق لله سبحانه. لكن إذا قيل لهم من تعبدون؟ ﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ [الشعراء:٧١]، نعبد أوثاناً صنعناها لتقربنا إلى الله، فالله يقول: هذه الأوثان والأصنام هل خلقت؟! هل رزقت؟! هل خلقت السموات والأرض؟! أو أخرجت لكم غذاء أو ماء؟ فإذا كانت لا تفعل فلم تعبدوها؟ ولم تتوجهون إليها بالعبادة وتزعموا أنها آلهة؟! قال سبحانه: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان:١١] أي: هذا الخلق الذي خلقه هو الرب وهو الله سبحانه المستحق للتأليه، المستحق للعبادة. ﴿فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان:١١] والذين من دون الله هي هذه الآلهة التي تعبدونها، أي شيء خلقت؟ ثم أضرب عن هذا وقال: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [لقمان:١١] فقد ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، فاعتقدوا غير ما هو حق، عرفوا الحق فأعرضوا عنه، وإذا بهم يعطون صفات الله لغير الله سبحانه، فظلموا وبهتوا، ووقعوا في هذا الباطل الشنيع العظيم، فوصفهم بأنه ظالمون، والظلم هنا هو الظلم الأكبر وهو: الكفر بالله . والظلم: هو أن يضع الإنسان الشيء في غير مكانه، فإذا بهم بدلاً من أن يصرفوا العبادة لصاحبها صرفوها لغير صاحبها، وقد ضرب يحيى بن زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مثلاً للناس في أمر الشرك بالله : كمثل رجل بنى بيتاً وجعل حانوتاً واشترى عبداً بماله، وقال للعبد: هذا بيتي وهذا عملي، اعمل هنا وضع هنا، أي: اعمل في دكاني، وهات الأجر وضعه هنا في البيت، والبيت والدكان والعبد ملك لصاحبه، فإذا بهذا العبد يعمل في هذا المحل، ويعطي المال لإنسان آخر، فهل هناك أحد يرضى أن يعمل عبده في ماله ويعطي الربح لغير صاحبه؟ الإنسان لا يرضى بذلك، ويقول: هذا ظلم، فكيف إذا كان الأمر لكم قلتم: هذا ظلم؟ وإذا كان لله جعلتموه من الحق، وجعلتموه من العدل؟ فالله هو الذي خلقكم سبحانه، وسخر لكم ما في الأرض، وأنعم عليكم بنعمه، فإذا بكم تتوجهون إلى غيره بالعبادة، كعبد السوء هذا. فالله يقول: ﴿بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ﴾ [لقمان:١١] وإذا تاه الإنسان وابتعد عن الحق فقد وقع في الضلال. وضل الإنسان بمعنى: تاه، فهؤلاء تائهون متحيرون، ابتعدوا عن ربهم ، ولم يعرفوا الحق، أو عرفوا فأنكروا، فكانوا في ضلال مبين، ومعنى (مبين): بين واضح. نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1641

تفسير سورة لقمان الآية [١٢] إن لله نعماً على عباده لا تعد ولا تحصى، منها: الحكمة والتسديد في المنطق والرأي، فهذه نعمة ما بعدها نعمة، ولا بد من شكرها حتى تبقى وتدوم، وليس الشكر لحاجة الله إليه؛ فهو سبحانه لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، وإنما من شكر فإنما يشكر لنفسه، ومن كفر فلن يضر الله شيئاً، وإنما جنى على نفسه، وسيعرف شناعة وبشاعة هذه الجريمة يوم تبلى السرائر ويظهر المخفي في الضمائر، وممن أعطاهم الله تعالى الحكمة فشكروه عليها لقمان الحكيم ﵁.

стр. 1642

ما جاء في صلاح لقمان وحكمته بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢]. يذكر الله في هذه الآيات أنه قد آتى لقمان الحكمة، ولقمان رجل من الصالحين، جعله الله حكيماً من الحكماء وعالماً من العلماء، ولم يجعله نبياً من الأنبياء، فقد كان لقمان عبداً من العبيد، والنبوة لا تكون إلا لإنسان حر. فقد جعله الله حكيماً، وآتاه الحكمة فينطق لسانه بها، وقد سميت السورة باسمه: سورة لقمان. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾ [لقمان:١٢] كان لقمان من أهل مصر من سودانهم، وكأن مصر والسودان كانتا شيئاً واحداً، فالجنوب من مصر هو السودان، فكانوا يقولون: هذا من سودان مصر، أي: من جنوبها. يقول سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر، أعطاه الله تعالى الحكمة ومنعه النبوة، وعلى هذا جمهور أهل التأويل، أي: أنه كان ولياً من أولياء الله ، حكيماً من الحكماء، ولم يكن نبياً من الأنبياء، والله يعطي فضله من يشاء، يجعل من يشاء نبياً ويجعل من يشاء ولياً، فيجعل من يشاء على ما يشاء ﵎: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤]، فقد آتى لقمان الحكمة، فكان رجلاً حكيماً بحكمة الله ﵎. قالوا: كان يقضي في بني إسرائيل، إذاً: فهو في عصر بني إسرائيل، وكان يقضي بينهم بالحكمة التي أعطاه الله ﵎. ومعنى قضاؤه بينهم: أن يأتي إليه الناس يسألونه فيفصل ويقضي بينهم بحكمته، وبما أعطاه الله ﵎ من فقه ودين وعقل. وكانت لـ لقمان الحكيم حكم عظيمة وكثيرة جداً، ذكر أهل التفسير بعضها، وذكر لنا ربنا ﵎ في هذه الآيات ما يدل على ذلك.

стр. 1643

أمر الله تعالى للقمان بالشكر يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ [لقمان:١٢] يعني: بما آتيناك من حكمة فاشكر لربك سبحانه عليها، وكل إنسان يعطيه الله سبحانه من نعمه ما يشاء، فالفرض على كل عبد من العبيد أن يشكر ربه على نعمه العظيمة. وكل نعم الله عظيمة، ومن أفضلها على العبد أن يجعله حكيماً، وأن يؤتيه العلم والسداد والحكمة؛ ولذلك قال ربنا سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة:٢٦٩] أي: من يؤت الحكمة فينطق بها، ويتفكر ويتعقل في الكلام وفيما خلق له، هذا من فضل الله عليه. وقوله سبحانه: (أن اشكر لله) بكسر النون هذه قراءة عاصم التي نقرؤها وكذلك قراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب، وهي قراءة حمزة، وباقي القراء يقرءونها: (أنُ اشكر لله) بضم النون. قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢] وذلك لأن الإنسان إذا شكر لله فسيحصل على الزيادة كما قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فكلما شكرت الله كلما أعطاك زيادة عن هذا الذي شكرته عليه؛ لذلك كانت التجارة مع الله سبحانه رابحة فكلما أعطاك نعمة وقلت: الحمد لله، زادك الله عليها من فضله. فالإنسان الذي يفتح الله عليه بالعلم يجب عليه أن يشكر ربه سبحانه على هذه النعمة العظيمة، التي يحتاج إلى أن يثبتها الله ﵎ له عنده، وأن يزيده منها؛ ولذلك علم الله النبي ﷺ أن يدعو ربه بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]. فقد أعطاه الله النبوة والرسالة والحكم والحكمة والعلم ﵊، ومع ذلك أمره أن يسأل فوق ذلك وأن يستزيد، فالإنسان الذي يتعلم لا يشبع من علم أبداً؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من العلم، وطالب الدنيا لا يشبع من الدنيا. فلذلك الذي يؤتيه الله العلم والحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً من فضل الله ومن رحمته سبحانه. وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان:١٢] أي: الذي يشكر فشكره عائد إلى نفسه، أي: فضل هذا الشكر وثوابه يرجع إلى هذا العبد ولن ينتفع الله ﵎ منه شيئاً. فالذي يعبد ربه هو الذي ينتفع، أما الله فهو غني عن العالمين سبحانه، فلم يخلق العباد لحاجته إليهم سبحانه، ولكن لحاجة العباد إليه ، خلقهم لمقتضى رحمته؛ أي: ليرحمهم ﵎، وليظهر فضله وعظمته وقدرته ﵎. وقد أوجد الله العباد ليعبدوه سبحانه، كما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]؛ أي: ليكونوا عباداً له ﵎، فينعم عليهم بفضله وبرحمته سبحانه.

стр. 1644

تخيير لقمان بين النبوة والحكمة ومما جاء عن لقمان أنه خير بين النبوة والحكمة كما يقول قتادة: خير الله تعالى لقمان بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة على النبوة، وهذا عجيب؛ لأن الإنسان إذا خير بين مرتبتين إحداهما أعلى من الأخرى فالمفترض أن يختار المرتبة العالية، فلم اختار لقمان المرتبة الدنيا؟ فلما سئل لقمان عن ذلك، أي: قيل له: كيف اخترت الحكمة على النبوة وقد خيرك ربك؟ فقال: إنه لو أرسل إلي بالنبوة عزمة لرجوت فيها العون منه، ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوة. وهذه من حكمته، وهذا من الله قضاء وقدر، والله علم ذلك، أي: أن هذا يصلح له أن يكون حكيماً لا نبياً. إذاً: فخيره الله فكان من حكمته أن اختار لنفسه ما وفقه الله إليه، أي: اختار الحكمة، وترك النبوة، وكأنه قال: لو طلبت النبوة فلعلي لا أعان عليها؛ فسأختار ما هو أقل؛ ولذلك لما خير نبينا صلوات الله وسلامه عليه بين أن يكون ملكاً نبياً وأن يكون عبداً نبياً صلوات الله وسلامه عليه، فإذا به ينظر إلى جبريل وكأنه يقول له: ما الأمر؟ أو ما الذي أختاره؟ هل أكون ملكاً نبياً أم عبداً نبياً؟ فأشار إليه جبريل بيده أن تواضع، فاختار النبي ﷺ أن يكون عبداً نبياً؛ ولذلك كان يجلس ﷺ جلسة المتخشع المتذلل بين يدي ربه ، ويأكل على الأرض ﵊ ويقول: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله)، ويقول: (آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد)، صلوات الله وسلامه عليه. ولو جعله الله ملكاً نبياً كما جعل داود وكما جعل سليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لكان كذلك ﵊، ولكن لما خير فاختار الأقل ﵊ رفعه الله بذلك فوق جميع خلقه.

стр. 1645

صنعة لقمان وصفته اختلف في صنعة لقمان الحكيم، أي: ماذا كان يعمل؟ و الجواب أنه كان عبداً نوبياً خياطاً، وقال سعيد بن المسيب: كان خياطاً، وكان رجلاً أسود. فاستغرب رجل قوله: أنه كان أسود، فقال سعيد بن المسيب لهذا الرجل: لا تحزن من أنك أسود؛ فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان، أي: ثلاثة سود كانوا من خير الناس. فلون الإنسان ليس مقياساً على قلبه، فقد يكون فلان أسود اللون أبيض القلب، وعظيم العمل وأرفع درجة عند الله، وقد يكون آخر أبيض اللون أسود القلب، بل من أفسد خلق الله ﵎، فاللون ليس مقياساً على ما في القلب، فيقول سعيد بن المسيب لهذا الرجل: لا تحزن من أنك أسود؛ فإنه كان من خير الناس ثلاثة من السودان: بلال ومهجع مولى عمر ولقمان. فهؤلاء ثلاثة كانوا سوداً ومع ذلك كانوا من خير الناس. أما الأول: فهو بلال مؤذن رسول الله ﷺ ، وكم عانى وقاسى من أهل الجاهلية، من عذاب وجر على الأرض ووضع للصخر على صدره في اليوم الحار القائض، مع سحبه على رمال الصحراء، ومع هذا كله تزيد قوة إيمانه ويقول: أحد أحد. فهذا بلال رضي الله ﵎ عنه، والأحاديث في فضله كثيرة، وهو يأتي يوم القيامة أرفع الناس عنقاً؛ لأنه مؤذن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. وأما الثاني: فهو مهجع مولى عمر ﵁، وكان عبداً أعتقه عمر ﵁، وكان أسود شديد السواد. وكان أول شهيد يوم بدر ﵁، وكان شديداً مقاتلاً عظيماً، لم يكن يهرب عن القتال وإنما يقدم عليه ويقول للناس: أنا مهجع وإلى ربي أرجع، ثم يقاتل ويقدم ويضرب ويقتل الأعداء، حتى قتل شهيداً ﵁. وأما الثالث: فهو لقمان الحكيم ﵁، ومما جاء عنه: أنه كان يحتطب كل يوم لمولاه. وذات مرة كان رجل ينظر إلى سواده ويتعجب من شدته، فقال له: إن كنت تراني غليظ الشفتين، فإنه يخرج من بينهما كلام رقيق، أي: لا تعجب من منظري، أو من شفتي أنها غليظة، ولكن انظر إلى الكلام الذي يخرج منها، ثم يقول له لقمان: وإن كنت تراني أسود فقلبي أبيض.

стр. 1646

سبب رفعة لقمان وعلو منزلته قيل: كان لقمان راعياً، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال: ألست عبد بني فلان؟ أي: أما زلت عبداً عند بني فلان؟ فقال: بلى فقال: فما بلغ بك إلى ما أرى؟ أي: ما الذي جعل الناس يلتفون حولك، ويتعلمون منك وقد كنت عبداً من العبيد؟ فقال له لقمان: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني، وهذه من الحكمة التي آتاه الله ، فالإنسان الذي يؤتى الحكمة يجعله الله يتأمل في ذلك ويحاول أن يقرب من مثل هذه الأخلاق العظيمة بمجاهدة نفسه. وما في قلب الإنسان يخرج من لسانه؛ ولذلك كانوا يقولون: إن قلب العاقل أمام لسانه، ولسان الأحمق أمام قلبه. فالإنسان العاقل قلبه كالحجر أمام لسانه، فإذا أراد اللسان أن يتكلم أحاط به القلب، أما الأحمق فقلبه وراء لسانه، كلما انفعل القلب خرج أثره على اللسان، فيقول لقمان ﵁: إن الذي بلغ به إلى ما يراه هذا الآخر ويتعجب من أمره قدر الله، ولا شك أن كل شيء بقضاء الله وقدره. فنستفيد من هذا: وجوب معرفة الفضل لصاحبه، فلم يقل لقمان: أنا الذي وصلت لذلك بنفسي، وإنما أشعره أن الله بفضله هو الذي أوصله إلى ذلك. ثم ذكر طرفاً من الأخلاق التي كان عليها فقال: وأدائي الأمانة، أي: أديت أمانة الله التي أمرت بأدائها، فأديت ما علمت من العلم، وأعطيت الناس حقوقهم، وعلمتهم ما أرادوا مني بأمانة. ثم قال: وصدق الحديث، أي: أنه كان صادق الحديث، وكلما كان الإنسان صادق الحديث كلما أعطاه الله من العلم والحكمة ما يشاء سبحانه، فيجاهد الإنسان نفسه بالامتناع عن الكذب، فيكون صادقاً في كلامه ومصيباً في رأيه واختياره. ثم قال لقمان: وترك ما لا يعنيني، وهذا من أهم ما يوصل الإنسان إلى رضا الله ﵎، أي: ألا يتدخل فيما لا يعنيه، كما قالوا: ما لا يَعنيك يُعنيك، فالإنسان الذي يتدخل فيما لا يعنيه يتعب نفسه من غير فائدة. فالذي يتدخل في كل شيء لن يصل إلى كل شيء، لكنه يتعب نفسه في هذه الأشياء كلها ولن يصل إلى شيء، لكن العاقل هو الذي ينظر فيما ينفعه في دنياه وأخراه، فيؤتيه الله الحكمة في ذلك وفي غيره.

стр. 1647

أطيب ما في الإنسان وأخبث ما فيه مما جاء عن خالد الربعي أنه قال: كان لقمان نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة، وأتني بأطيبها مضغتين، فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق بأخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب! فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب، فكأنه يقول: ما الحكمة في ذلك؟ و الجواب أن الإنسان أطيب ما فيه لسانه وقلبه وهما أخبث ما فيه. فصاحب اللسان الطيب لا يخرج منه إلا الكلام الطيب، وكل إناء بما فيه ينضح، فاللسان دليل على ما في قلب الإنسان؛ لذلك قال لقمان ﵁: ليس شيء أطيب منهما -أي: القلب واللسان- إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وهذا مصداق لما جاء في حديث النبي ﷺ : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فقلب الإنسان إذا صلح صلحت سائر جوارحه، وإذا فسد فسدت سائر جوارحه. وجاء عن النبي ﷺ أيضاً: (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة، ما بين لحييه ورجليه)، يقصد لسانه وفرجه، فإذا وقى الله سبحانه الإنسان شر لسانه وفرجه استحق أن يكون من أهل الجنة. فاللسان قد يكب الإنسان على منخره في النار والعياذ بالله؛ ولذلك جاء في حديث معاذ أن النبي ﷺ قال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم). وجاء عن النبي ﷺ أيضاً: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، وهذا من أثر اللسان، والمجاهر فسر بقوله ﵊: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر ربه)، فهذا المجاهر، السبب في أنه استحق عذاب الله لسانه، فلعله عمل معصية فبات عليها، ولو أنه قام فتاب إلى الله سبحانه لتاب الله عليه، لكنه ذهب قائلاً: يا فلان عملت البارحة كذا، كأنه يفتخر بهذه المعصية فيجاهر بها، فاستحق عذاب الله سبحانه فلا يعافيه الله؛ لأنه فضح نفسه، فكان اللسان آفته فأوقعه في النار والعياذ بالله. وقد قيل لـ لقمان أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً. وهذا هو معنى ما جاء في حديث النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فالإنسان الذي يسيء ولا يبالي ليس عنده حياء، يقول النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، وليس المعنى: أنه أمر بفعل ما يشتهيه من لا حياء له، لكنه تهديد، أي: أن اعمل وأنت قليل الحياء وانتظر عقوبة الله وناره يوم القيامة.

стр. 1648

من حكم لقمان ﵀ قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب، يعني: أن من الكلام الحكيم الذي قاله لقمان ما جاء في كتب السابقين فقرأ وهب بن منبه منها أشياء من حكمته.

стр. 1649

الصمت حكمة وقليل فاعله مما جاء عنه: أنه دخل على داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يسرد الدروع، وكان سيدنا داود ﵊ ملكاً من الملوك ونبياً من الأنبياء، وكان مع ذلك لا يأكل إلا من عمل يده، فعلمه الله صنعة الدروع التي يتقى بها الأعداء، وهي ما يلبسه الإنسان ليتقي بها الحرب، فدخل عليه لقمان وهو يسرد الدروع، أي: يصنعها، وقد لين الله تعالى له الحديد كالطين، فأسال له عين القطر وألان له الحديد، فإذا به يصنع الدروع بسهولة ويسر، فنظر إليه لقمان وهو يصنع، وكأنه يقول: يا ترى ما الذي يعمله داود ﵊؟ فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، ونستفيد من هذا: أنه ليس كلما رأى الإنسان حاجة يقول: ما هذه؟ بل اصبر قليلاً حتى تعرف، فلعل هذا الذي يصنع شيئاً يقول لك: هذا كذا، فهذا لقمان الحكيم أراد أن يسأل داود عن الذي يعمله ولكن أدركته حكمته فأمسك ﵁. فلما أتم صناعتها داود ﵊ لبسها، أي: لبس الثوب الحديد، ففهم لقمان أن هذا ثوب يلبسه الإنسان يتقي به عدوه، ثم قال داود: نعم لبوس الحرب أنت، فلبسه داود وتكلم ﵊. فقال لقمان: الصمت حكمة، وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً. فيصبر الإنسان قليلاً ثم سيعرف الأمر الذي فيه، لكن الإنسان عجول كما قال الله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] فيتعجل الإنسان فيضيع حكماً كثيرة، وعادة الإنسان أنه ملول، فإذا وجد إنساناً عجولاً مل منه وتركه وانصرف، وإذا وجد إنساناً صبوراً أعطاه وعلمه.

стр. 1650

صبر ابن عباس وتأنيه في العلم ولذلك وصل ابن عباس ﵁ إلى ما وصل إليه من العلم بصبره وحكمته رضي الله ﵎ عنه، فلم يقل: أنا ابن عم رسول الله ﷺ ، علموني وأعطوني كذا، ولو قال ذلك فلعلهم يعلمونه ويعطونه لفضله ولقربه من النبي ﷺ ، ولكنه تأدب متعلماً، فأذل نفسه متعلماً فصار حبراً عالماً رضي الله ﵎ عنه، فكان يعرف أن حديثاً عند أحد أصحاب النبي ﷺ فيذهب إليه في وقت الضحى، ويجلس عند بابه وينتظر حتى يخرج هذا الصحابي الفاضل، فإذا خرج سأله عبد الله بن عباس عن هذا الحديث. فيقول الصحابي: لو طرقت علي بابي؟ قال ابن عباس: لا، ولكن هكذا يتعلم العلم، أي: لا أطرق بابك بل أنتظر حتى أن تقول لي هذا الشيء، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله ﵎ عنه الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين، يريد العلم خلال فترة طويلة. وهو مع عمر بن الخطاب ﵁ وقريب منه، وهو يعرف أن عمر يعرف حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ ، واللتان نزل فيهما قول الله : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤]. وكانتا السبب في أن النبي ﷺ آلى من نسائه ﵊ شهراً كاملاً، فإذا بـ ابن عباس ينتظر فرصة مناسبة من عمر، طال الوقت وهو ينتظر، حتى مر في سفر مع عمر رضي الله فسأله وهو يوضيه فقال: من المرأتان اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ ؟ فقال عمر: ويحك يا ابن عباس! وذلك أن ابن عباس أخبره أنه بقي فترة طويلة منتظراً فرصة مناسبة ليسأل فيها عمر ﵁، حتى أخبره عمر بالحديث الطويل في ذلك. فالإنسان عندما يتأنى تكون السلامة في تأنيه، وعندما يتعجل تكون العجلة سبباً في تضييعه أشياء كثيرة قد يحتاجها، وهذا لقمان صبر فتعلم رضي الله ﵎ عنه.
следующие страницы →