← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

سبب رفعة لقمان وعلو منزلته قيل: كان لقمان راعياً، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك، فقال: ألست عبد بني فلان؟ أي: أما زلت عبداً عند بني فلان؟ فقال: بلى فقال: فما بلغ بك إلى ما أرى؟ أي: ما الذي جعل الناس يلتفون حولك، ويتعلمون منك وقد كنت عبداً من العبيد؟ فقال له لقمان: قدر الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني، وهذه من الحكمة التي آتاه الله ، فالإنسان الذي يؤتى الحكمة يجعله الله يتأمل في ذلك ويحاول أن يقرب من مثل هذه الأخلاق العظيمة بمجاهدة نفسه. وما في قلب الإنسان يخرج من لسانه؛ ولذلك كانوا يقولون: إن قلب العاقل أمام لسانه، ولسان الأحمق أمام قلبه. فالإنسان العاقل قلبه كالحجر أمام لسانه، فإذا أراد اللسان أن يتكلم أحاط به القلب، أما الأحمق فقلبه وراء لسانه، كلما انفعل القلب خرج أثره على اللسان، فيقول لقمان ﵁: إن الذي بلغ به إلى ما يراه هذا الآخر ويتعجب من أمره قدر الله، ولا شك أن كل شيء بقضاء الله وقدره. فنستفيد من هذا: وجوب معرفة الفضل لصاحبه، فلم يقل لقمان: أنا الذي وصلت لذلك بنفسي، وإنما أشعره أن الله بفضله هو الذي أوصله إلى ذلك. ثم ذكر طرفاً من الأخلاق التي كان عليها فقال: وأدائي الأمانة، أي: أديت أمانة الله التي أمرت بأدائها، فأديت ما علمت من العلم، وأعطيت الناس حقوقهم، وعلمتهم ما أرادوا مني بأمانة. ثم قال: وصدق الحديث، أي: أنه كان صادق الحديث، وكلما كان الإنسان صادق الحديث كلما أعطاه الله من العلم والحكمة ما يشاء سبحانه، فيجاهد الإنسان نفسه بالامتناع عن الكذب، فيكون صادقاً في كلامه ومصيباً في رأيه واختياره. ثم قال لقمان: وترك ما لا يعنيني، وهذا من أهم ما يوصل الإنسان إلى رضا الله ﵎، أي: ألا يتدخل فيما لا يعنيه، كما قالوا: ما لا يَعنيك يُعنيك، فالإنسان الذي يتدخل فيما لا يعنيه يتعب نفسه من غير فائدة. فالذي يتدخل في كل شيء لن يصل إلى كل شيء، لكنه يتعب نفسه في هذه الأشياء كلها ولن يصل إلى شيء، لكن العاقل هو الذي ينظر فيما ينفعه في دنياه وأخراه، فيؤتيه الله الحكمة في ذلك وفي غيره.

стр. 1647

أطيب ما في الإنسان وأخبث ما فيه مما جاء عن خالد الربعي أنه قال: كان لقمان نجاراً فقال له سيده: اذبح لي شاة، وأتني بأطيبها مضغتين، فأتاه باللسان والقلب، فقال له: ما كان فيها شيء أطيب من هذين؟ فسكت، ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له: ألق بأخبثها مضغتين، فألقى اللسان والقلب! فقال له: أمرتك أن تأتيني بأطيب مضغتين فأتيتني باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها فألقيت اللسان والقلب، فكأنه يقول: ما الحكمة في ذلك؟ و الجواب أن الإنسان أطيب ما فيه لسانه وقلبه وهما أخبث ما فيه. فصاحب اللسان الطيب لا يخرج منه إلا الكلام الطيب، وكل إناء بما فيه ينضح، فاللسان دليل على ما في قلب الإنسان؛ لذلك قال لقمان ﵁: ليس شيء أطيب منهما -أي: القلب واللسان- إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا. وهذا مصداق لما جاء في حديث النبي ﷺ : (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب)، فقلب الإنسان إذا صلح صلحت سائر جوارحه، وإذا فسد فسدت سائر جوارحه. وجاء عن النبي ﷺ أيضاً: (من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة، ما بين لحييه ورجليه)، يقصد لسانه وفرجه، فإذا وقى الله سبحانه الإنسان شر لسانه وفرجه استحق أن يكون من أهل الجنة. فاللسان قد يكب الإنسان على منخره في النار والعياذ بالله؛ ولذلك جاء في حديث معاذ أن النبي ﷺ قال: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم). وجاء عن النبي ﷺ أيضاً: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، وهذا من أثر اللسان، والمجاهر فسر بقوله ﵊: (وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر ربه)، فهذا المجاهر، السبب في أنه استحق عذاب الله لسانه، فلعله عمل معصية فبات عليها، ولو أنه قام فتاب إلى الله سبحانه لتاب الله عليه، لكنه ذهب قائلاً: يا فلان عملت البارحة كذا، كأنه يفتخر بهذه المعصية فيجاهر بها، فاستحق عذاب الله سبحانه فلا يعافيه الله؛ لأنه فضح نفسه، فكان اللسان آفته فأوقعه في النار والعياذ بالله. وقد قيل لـ لقمان أي الناس شر؟ قال: الذي لا يبالي إن رآه الناس مسيئاً. وهذا هو معنى ما جاء في حديث النبي ﷺ : (كل أمتي معافى إلا المجاهرين)، فالإنسان الذي يسيء ولا يبالي ليس عنده حياء، يقول النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت)، وليس المعنى: أنه أمر بفعل ما يشتهيه من لا حياء له، لكنه تهديد، أي: أن اعمل وأنت قليل الحياء وانتظر عقوبة الله وناره يوم القيامة.

стр. 1648

من حكم لقمان ﵀ قال وهب بن منبه: قرأت من حكمة لقمان أرجح من عشرة آلاف باب، يعني: أن من الكلام الحكيم الذي قاله لقمان ما جاء في كتب السابقين فقرأ وهب بن منبه منها أشياء من حكمته.

стр. 1649

الصمت حكمة وقليل فاعله مما جاء عنه: أنه دخل على داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام وهو يسرد الدروع، وكان سيدنا داود ﵊ ملكاً من الملوك ونبياً من الأنبياء، وكان مع ذلك لا يأكل إلا من عمل يده، فعلمه الله صنعة الدروع التي يتقى بها الأعداء، وهي ما يلبسه الإنسان ليتقي بها الحرب، فدخل عليه لقمان وهو يسرد الدروع، أي: يصنعها، وقد لين الله تعالى له الحديد كالطين، فأسال له عين القطر وألان له الحديد، فإذا به يصنع الدروع بسهولة ويسر، فنظر إليه لقمان وهو يصنع، وكأنه يقول: يا ترى ما الذي يعمله داود ﵊؟ فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، ونستفيد من هذا: أنه ليس كلما رأى الإنسان حاجة يقول: ما هذه؟ بل اصبر قليلاً حتى تعرف، فلعل هذا الذي يصنع شيئاً يقول لك: هذا كذا، فهذا لقمان الحكيم أراد أن يسأل داود عن الذي يعمله ولكن أدركته حكمته فأمسك ﵁. فلما أتم صناعتها داود ﵊ لبسها، أي: لبس الثوب الحديد، ففهم لقمان أن هذا ثوب يلبسه الإنسان يتقي به عدوه، ثم قال داود: نعم لبوس الحرب أنت، فلبسه داود وتكلم ﵊. فقال لقمان: الصمت حكمة، وقليل فاعله، فقال له داود: بحق ما سميت حكيماً. فيصبر الإنسان قليلاً ثم سيعرف الأمر الذي فيه، لكن الإنسان عجول كما قال الله: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء:٣٧] فيتعجل الإنسان فيضيع حكماً كثيرة، وعادة الإنسان أنه ملول، فإذا وجد إنساناً عجولاً مل منه وتركه وانصرف، وإذا وجد إنساناً صبوراً أعطاه وعلمه.

стр. 1650

صبر ابن عباس وتأنيه في العلم ولذلك وصل ابن عباس ﵁ إلى ما وصل إليه من العلم بصبره وحكمته رضي الله ﵎ عنه، فلم يقل: أنا ابن عم رسول الله ﷺ ، علموني وأعطوني كذا، ولو قال ذلك فلعلهم يعلمونه ويعطونه لفضله ولقربه من النبي ﷺ ، ولكنه تأدب متعلماً، فأذل نفسه متعلماً فصار حبراً عالماً رضي الله ﵎ عنه، فكان يعرف أن حديثاً عند أحد أصحاب النبي ﷺ فيذهب إليه في وقت الضحى، ويجلس عند بابه وينتظر حتى يخرج هذا الصحابي الفاضل، فإذا خرج سأله عبد الله بن عباس عن هذا الحديث. فيقول الصحابي: لو طرقت علي بابي؟ قال ابن عباس: لا، ولكن هكذا يتعلم العلم، أي: لا أطرق بابك بل أنتظر حتى أن تقول لي هذا الشيء، فهذا عبد الله بن عباس رضي الله ﵎ عنه الذي دعا له النبي ﷺ أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين، يريد العلم خلال فترة طويلة. وهو مع عمر بن الخطاب ﵁ وقريب منه، وهو يعرف أن عمر يعرف حديث المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي ﷺ ، واللتان نزل فيهما قول الله : ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:٤]. وكانتا السبب في أن النبي ﷺ آلى من نسائه ﵊ شهراً كاملاً، فإذا بـ ابن عباس ينتظر فرصة مناسبة من عمر، طال الوقت وهو ينتظر، حتى مر في سفر مع عمر رضي الله فسأله وهو يوضيه فقال: من المرأتان اللتان تظاهرتا على النبي ﷺ ؟ فقال عمر: ويحك يا ابن عباس! وذلك أن ابن عباس أخبره أنه بقي فترة طويلة منتظراً فرصة مناسبة ليسأل فيها عمر ﵁، حتى أخبره عمر بالحديث الطويل في ذلك. فالإنسان عندما يتأنى تكون السلامة في تأنيه، وعندما يتعجل تكون العجلة سبباً في تضييعه أشياء كثيرة قد يحتاجها، وهذا لقمان صبر فتعلم رضي الله ﵎ عنه.

стр. 1651

وجوب شكر النعم والتحذير من كفرها قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢]. شكر الله عكسه عدم الشكر وهو الكفر، أي: أن يكفر الإنسان النعمة. وعندما ينعم الله على العبد بنعمة هناك من يستقل هذه النعمة، ويقول: ربنا ما أنعم علي، ربنا ما أعطاني، ربنا حرمني، لماذا ربنا أعطى فلان وما أعطاني؟ فهذا يكفر نعم الله ﵎ عليه، فإذا شكرت أظهرت نعم الله عليك، فتقول: ربنا أنعم علي، ربنا أعطاني الكثير من فضله سبحانه فيزيدك الله. وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [لقمان:١٢] الكفر بمعنى الستر، والله ينعم على بعض العبيد فيجحد النعم ويسترها بقوله: ما أعطاني الله شيئاً، فهذا من الكفر، والمقصود به كفر نعم الله سبحانه. قال الله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:١٢] أي: إن الله غني عن عباده وعن شكرهم، وليس محتاجاً لشكرهم؛ ولذا يقول النبي ﷺ : (يقول الله ﵎: يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). فتقوى العباد لا تزيد ربنا شيئاً، وفجورهم لا ينقص شيئاً من ربنا ﵎، ولكن الله يريد رحمة عباده، وأن يظهر مقتضى حلمه ورحمته وفضله وقوته وقدرته، فخلق العباد ليظهر قدرته سبحانه وعظمته. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1652

تفسير سورة لقمان [١٣ - ١٥] أمر الإسلام بالنصيحة وعظم شأنها، وجعلها الدين كله، وأعظم النصيحة نصيحة الأب لابنه في طاعة الله وتقواه، وهذا فرض عليه من الله تعالى، فعلى الأب أن ينصح ابنه، ويوجهه نحو طاعة الله ، وما ينفعه في دينه ودنياه، ومن أعظم هذه النصائح ما سجله القرآن الكريم في هذه الآيات من نصيحة لقمان لابنه، ففيها النصح بكل خير، والبعد عن كل شر.

стр. 1653

تفسير قوله تعالى: (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٣ - ١٥]، يذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات من مواعظ لقمان الحكيم لابنه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان:١٣] وفرض على الأب أن ينصح أبناءه، وأن يعظهم ويذكرهم بالله سبحانه ﵎.

стр. 1654

النهي عن الشرك بالله نصح الأب لابنه ما قصه ربنا علينا في هذه الآيات، وهذا لم يذكره الله هنا لنسمعه ونضيعه، ولكنه ذكره لنا لنسمعه ونعيه ونفعل مثل ذلك، ولنقتدي بهذا الرجل الفاضل الحكيم ﵁، ونقول كما قال ونعظ أبناءنا وأهلنا ومن يلزمنا وعظهم، فننصح ونذكرهم بالله ، فننصح الناس الأقربين ثم الأبعدين، وننصح من استطعنا أن ننصحه، وأول وأعظم ما ننصح به هو تقوى الله والبعد عن الشرك به سبحانه، وقد كان هذا أول نصائح لقمان لابنه، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]. فوعظه في أمر الشرك، وكأن في هذا إشارة -كما قال بعض المفسرين- إلى أن ابنه كان على شيء من الشرك، أو أنه كان مشركاً كافراً، فوعظه ونصحه حتى دخل في دين الله . والله أعلم. فقال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] فنهاه عن الشرك بالله. أن ابنه كان مسلماً فوعظه لقمان ونصحه أن يداوم على ما هو فيه من توحيد الله سبحانه، وحذره من الشرك بالله ، فالله أعلم بأمره.

стр. 1655

القراءات الواردة في هذه الآية قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾ [لقمان:١٣] (وهو) في كل القرآن تقرأ على وجهين: (وَهُوَ) وهي قراءة الجمهور. (وَهْوَ) وهي قراءة قالون عن نافع وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو والكسائي. وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٣] تكررت هذه الكلمة ثلاث مرات في هذه الآية وما يليها فقال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] وقال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان:١٧] وقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ [لقمان:١٦] فتكررت ثلاث مرات هنا. وقوله تعالى: (يا بُنَيَّ) تصغير ابن، والتصغير إما أن يراد به الحقيقة، أي: أن الابن صغير، والابن الصغير لا يوعظ بهذه الأشياء، فكأن التصغير هنا المقصود به التحنن، فالأب يتحنن على ابنه ويترفق معه، فيقول له: يا بني! وقد كان النبي ﷺ ينادي بها الحسن والحسين ﵄، وكان يقولها لصغار أصحابه، صلوات الله وسلامه عليه، كـ أنس بن مالك وغيره ممن كانوا صغاراً في السن، وقد كان يقولها النبي ﷺ لهم على وجه الترقيق لقلوبهم والتلطف بهم، صلوات الله وسلامه عليه. وهذه الكلمة (يَا بُنَيَّ) قرأها حفص عن عاصم في هذه الثلاثة المواضع بالفتح فيها. ووافقه ابن كثير في إحدى روايتيه في الموضع الثالث: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧] فقرأها البزي عن ابن كثير كما قرأها حفص عن عاصم، وأما باقي القراء فيقرءونها في هذه المواضع وفي غيرها من القرآن: (يا بني)، على الإضافة إلى النفس. وابن كثير خالف حفصاً في الموضع الأول والثاني، فقرأها في الموضع الأول: (يا بُنَيْ لا تشرك بالله)، بالتسكين فيها، وفي الموضع الثاني قرأها كقراءة الجمهور: (يا بُنَيِّ إنها إن تك). وفي الموضع الثالث: (يا بُنَيَّ إنها)، قرأها قنبل عن ابن كثير مثل قراءة الجمهور: (يا بُنَيَّ)، وقرأها البزي عن ابن كثير كما قرأها حفص عن عاصم. وكلمة: (وهو) يقف عليها يعقوب بهاء السكت، فيقرؤها: (وهوه) وأما باقي القراء فيقفون عليها إما (وَهُوْ) أو (وَهْوَ). وفي قوله تعالى: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] تحذير من الشرك بالله سبحانه ﵎، وهذا التحذير مقصود في كتاب الله سبحانه، فقد نهى الله عن الشرك به، وذكر أنه لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، وكل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جاءوا إلى أقوامهم بالأمر بالتوحيد والتحذير من الشرك بالله .

стр. 1656

بيان أن أعظم الظلم الشرك بالله سبحانه قال تعالى: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] فبين أن الشرك ظلم عظيم، وأعظم الظلم الذي يظلم الإنسان به نفسه هو أن يقع في الشرك بالله ﵎. ولما نزل قول الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] فهم منها أصحاب النبي ﷺ أنهم الذين لم يخلطوا إيمانهم بنوع من الظلم، فخافوا؛ لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، فخاف الصحابة من الظلم؛ لأن مآل الظالم إلى النار، سواء ظلم نفسه أو غيره ظلماً أصغر أو أكبر، فالظلم ظلمان: ظلم أصغر، وظلم أكبر. فذهبوا إلى النبي ﷺ وقد شق عليهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله! أينا لا يظلم نفسه؟ أي: أن الآية التي في سورة الأنعام والتي قال الله سبحانه فيها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] معناها: أن الأمن والأمان يوم القيامة للمؤمنين الذين لم يظلموا أنفسهم، فشق ذلك على الصحابة وسألوا النبي ﷺ : أينا لا يظلم نفسه؟ فقال النبي ﷺ : (ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]). فالإنسان قد يظلم نفسه، وقد يتجاوز ويعفو الله عنه. وظلم الإنسان لنفسه يكون بالوقوع في صغائر الذنوب، أو في كبائرها، ومنها الشرك بالله سبحانه. فالصحابة اختلط عليهم الأمر، ولم يفهموا المقصود بقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام:٨٢] فظنوا أنه أي ظلم يقعون فيه سواء كان صغيراً أو كبيراً أو شركاً بالله، وسواء كان ظلماً للنفس أو ظلماً للغير فبين النبي ﷺ أن الآية ليس المقصود منها الظلم الأصغر، وهو الوقوع في صغائر الذنوب، وإنما المقصود منها الظلم الأكبر، وهو الوقوع في الشرك بالله، فوضح الآية بالآية الأخرى فقال: (إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]).

стр. 1657

بيان عدم مغفرة الشرك فالأمن والأمان يوم القيامة لمن جاء لا يشرك بالله سبحانه ﵎ شيئاً، وكذلك لمن لم يظلم نفسه ظلماً أكبر، ولم يقع في كبائر الذنوب، ومات تائباً إلى الله . فإذا تاب الإنسان إلى الله من الشرك فما دونه تاب الله عليه، وإن لم يتب منه جاء يوم القيامة وهو لا أمان له؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به. وإذا وقع في الذنوب كبائرها وصغائرها ولم يتب منها فهو في خطر المشيئة، فإن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه على ذلك. ولذلك هنا يفرق بين من أتى بالشرك بالله فلا يغفر له، وبين من أتى بصغائر الذنوب ولم يقع في الشرك بالله فلعل الله أن يتجاوز عنه عند وفاته، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١]، وهذا وعد من الله بأن الإنسان إذا اجتنب الكبائر ولم يقع فيما حرم الله من كبائر الذنوب، مثل: الشرك بالله ، والسحر، وعقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والوقوع في السرقة، والوقوع في الزنا، والرشوة، وأكل السحت، وأكل الباطل، وغيرها من الكبائر التي نص عليها النبي ﷺ في الأحاديث التي رويت عنه، فإذا ابتعد عن هذه الكبائر، وجاءته وفاته وهو مجتنب لها؛ كفر الله عنه الذنوب الصغائر، وهذا من فضل الله ورحمته على عباده، ولذلك على المؤمن أن يحسن في دنياه ويجتنب الكبائر؛ حتى يكون هذا الاجتناب تكفيراً لصغائر ذنوبه. وإذا وقع العبد في كبيرة من الكبائر ثم تاب إلى الله ومات تائباً فإن الله يتوب على من تاب، وأما إذا لم يتب العبد من ذنوبه فهو في خطر المشيئة، والله إن شاء الله عفا عنه، وإن شاء عذبه على ذلك. وأما العبد الذي يأتي آمناً يوم القيامة فهو الذي لم يقع في الشرك بالله ، ولم يكن في خطر المشيئة يوم القيامة على ما ذكرنا. إذاً: فقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] يبين أن أعظم الظلم وأكبر الظلم أن يقع الإنسان في الشرك بالله .

стр. 1658

تفسير قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن) قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]. هذه الآية جملة معترضة بين وصايا لقمان، وكأن الله سبحانه ﵎ لما ذكر نصيحة لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] أراد أن يذكر بعدها وصيته هو بعدم عقوق الوالدين، والوصية من الله بالوالدين تكررت مراراً في كتاب الله سبحانه، فهو سبحانه ينهى عن الشرك به، ويأمر الإنسان بأن يوحد ربه ، وأن يشكر لله سبحانه، ويشكر بعد ذلك للوالدين. فالله هو الذي خلقك وأوجدك، وكان سبب وجودك في هذه الدنيا أن أباك تزوج أمك وكنت أنت نتيجة لذلك. فأمرك الله أن تشكر له الذي خلقك، وتشكر لوالديك اللذين كانا سبب وجودك في هذه الدنيا، وهما اللذان ربياك كما أخبر الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا﴾ [لقمان:١٤] فالوصية من الله سبحانه ﵎. ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] أي: بأبيه وأمه، ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] وإن كان الأب قد أنفق على الابن ورباه، فإن الأم لها وصية زائدة من الله ؛ لأنها حملته وهناً على وهن، فكانت الوصية بالأم أكثر من الوصية بالأب، ولذلك جاء عن النبي ﷺ لما سأله رجل: (من أحق الناس بحصن صحابتي؟ -أي: من أبر أكثر؟ - فقال النبي ﷺ : أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك). فوصى بالأم ثلاثاً وبالأب مرة، فكأن الأم تستحق أن يرعاها ابنها ويتحنن عليها مرات ومرات، وإذا كان قد أوصاه الله بالوالدين إلا أن الأم أقرب وتستحق من الرعاية ما هو أكثر، وإن كان مطلوباً من الابن أن يبر الاثنين الأب والأم، فقد قال ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) وكذلك الأم لها حق الرعاية، ولها نفقة واجبة عليك إن احتاجت إلى ذلك. قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾ [لقمان:١٤] الوهن: هو الضعف، فالأم كانت ضعيفة في حال حملها، وكلما كبر الحمل كلما ازداد ضعفها. قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤] وهي صابرة على ذلك، ومحبة لهذا الذي في بطنها، ولا تتضجر من ذلك، بل تنتظره، فإذا خرج إلى هذا الوجود وإلى هذه الدنيا كانت أشد حناناً عليه، وأشد محبة له، مع كونه يؤذيها وقد يضرها، ومع ذلك فإنها تفدي ابنها بنفسها، فوصى ربنا سبحانه الابن بها، وذكره بمراحل خلقه. قال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] والفصال: هو الفطام، فهو يرضع من أمه عامين كاملين، وقد تتأذى به، ولكنها تفرح بتربيته وبقربه، وهو يبول ويتغوط عليها، وهي تحبه وتدلله. فأي رعاية وأي حنان بعد حنان الأم على ابنها؟! فلذلك أوصاه الله بأمه وأوصاه بالوالدين، وأكد الوصية بالأم، فقال تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ﴾ [لقمان:١٤] والفصال: المفارقة، يعني: أنها تفطمه بعد عامين.

стр. 1659

الأمر بشكر الوالدين قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، فأمر الله العبد بأن يشكر لله سبحانه، وأن يحمده ويثني عليه الثناء الجميل؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقه، وكذلك يشكر لوالديه؛ لرعايتهما وتربيتهما له. قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] فما دمت حياً فاشكر لله سبحانه الذي خلقك، واعبده سبحانه حق العبادة، وكذلك اشكر لوالديك أحياءً كانا أو أمواتاً، فإذا كان الأب والأم أحياء فاشكر لهما حسن صنيعهما معك، وتذكر لهما هذا الجميل، ولا تنساه أبداً، فمهما عملت للوالدين فلن توفيهما جميلهما معك. وانظر إلى الأب والأم عندما كان الابن صغيراً فقد كانا يرعيانه ويحملانه ويتعبان معه، وهما في ذلك في غاية الفرح بهذا الأمر، ويتمنيان حياة الابن، فإذا كبر الأب والأم واحتاجا إلى الرعاية من الأبناء فتجد الفرق الكبير بين رعاية الأب لابنه وبين رعاية الابن لأبيه، فقد كان الأب يتمنى حياة الابن، وإذا وصل الأب إلى الشيخوخة والهرم فإن الابن يتمنى وفاته. لقد كان الأب والأم يربيان الابن وهو صغير، ويفرحان به في صوابه، ويعلمانه في خطئه، وأما الابن إذا كبر أحد والديه فينعكس الأمر؛ فإنه يتضجر سريعاً مما يفعلانه في كبرهما. فالفرق كبير بينهما، فمهما فعل الابن مع أبيه وأمه فلن يوفيهما حقهما، فلذلك يجب على الابن رعاية أمه وأبيه والشكر لهما وإظهار الحب والملاطفة لهما، ولينظر في أحوال الصالحين السابقين كيف كانوا يصنعون مع آبائهم من رعاية، ومن تحنن، فقد كان أحدهم يبيت تحت قدمي أمه يرعاها ويخدمها، ويقول: هذا خير لي من قيام الليل، أي: السهر على أمه المريضة تحت قدمها فلعلها تحتاجه في شيء، يقول: هذا خير من قيام الليل، وكانوا يبرون والديهم طاعة لله سبحانه وحباً في هذه الطاعة، فليكن الإنسان المؤمن مقتدياً بالسلف الصالح في طاعتهم لله سبحانه وبرهم للوالدين. قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، وهذه الآية فيها من التهديد ما فيها، فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي﴾ [لقمان:١٤] وإذا لم تشكر فإنك سترجع إلي مرة ثانية وإذا لم ترع الوالدين فأين ستذهب؟ فمهما ذهبت ومهما علوت فسترجع إلينا مرة ثانية، فإن المصير والمرجع إلى الله . والإنسان إذا تذكر ذلك يسأل نفسه: إن عصيت ربي فأين سأذهب بهذه المعصية؟ وأي أرض تحملني؟ وأي سماء تظلني إذا كنت عاصياً لله سبحانه؟ وأين أذهب من الله؟ وأين أهرب منه ؟ قال تعالى: ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤] أي: سترجع إلي مرة ثانية.

стр. 1660

تفسير قوله تعالى: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم) قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] فقد أوصى الله الابن أن يكون رحيماً بوالديه، وأن يكون باراً بهما، حتى وإن كانا مشركين كافرين، ولكن إن جاهداك على الكفر بالله سبحانه وأمراك به أمر مجاهدة، أي: أمراً شديداً بالكفر بالله وجاهداك على ذلك فإذا فاصبر عليهما، اصبر على أبيك واصبر على أمك، ولا تطعهما في معصية الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لقمان:١٥]، أي: إن أمراك بشيء من الشرك وأنت تعلمه ولم ينزل الله به سلطاناً فدعه وانته عن الشرك بالله سبحانه، وأمرهما بالمعروف وانههما عن المنكر، وصاحبهما في الدنيا معروفاً، ولا تطعهما في ذلك، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله ، لا في شرك ولا في غيره، فلا تطعهما أبداً في معصية الله سبحانه، ولكن تلطف معهما، كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾ [لقمان:١٥] أي: ومع ذلك صاحبهما في الدنيا معروفاً، ولا تعنفهما ولا تزجرهما، ولا تشتمهما، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]. والإنسان البار يُعرف ببره لوالديه، فتعرف الإنسان التقي من الشقي من معاملته مع أهله، وقد قال النبي ﷺ : (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). فإذا كان صاحبك الذي تحبه يؤذي والديه فاعلم أنه لا خير فيه، ولا يستحق المصادقة والمصاحبة، فمره بالمعروف وانهه عن المنكر، ولا تطل المودة معه، فهو لا خير فيه لوالديه. وإذا أردت أن تعرف أن هذا الإنسان فيه خير أو لا فانظر إلى حاله مع أبيه وأمه وإخوانه وزوجته، فإذا كان خيراً مع هؤلاء فهو جدير بأن يكون خيراً معك، وإن كان مع هؤلاء سيء الخلق فلا تنتظر منه أن يكون خيراً معك، فلو كان فيه خير لبدأ بالخير مع والديه. وقد تجد إنساناً يرد على أبيه، ويشتم أمه، ثم يأتي إلى المسجد ويصلي! وتراه طيباً مع الناس، مع أنه لو كان فيه خير لكان خيراً مع والديه، فلذلك أمره ببر والديه، فإن الله أمر بذلك، قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤]، أي: حتى ولو كانا يجاهدانك على الكفر بالله سبحانه ﵎، وتجد الكثير من الناس طيبين وأخلاقهم حسنة مع الناس، وأما مع آبائهم وأمهاتهم فهم في غاية السفاهة، وهذا الذي يعملونه مع آبائهم وأمهاتهم سيعملونه مع أصدقائهم، فمرهم بالمعروف وذكرهم بالله سبحانه ﵎.

стр. 1661

سبب نزول الآية وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] نزلت في سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد كان باراً بأمه وكانت كافرة، وكان سعد ﵁ يخاف أن يغضب أمه، فلما دخل في دين الله امتنعت عن الطعام والشراب، وحلفت ألا تأكل طعاماً ولا تشرب شراباً حتى يكفر بدين محمد، أو تموت فيقولون له: يا قاتل أمه؛ لأنك أنت الذي قتلتني بهذا الشيء. فامتنعت عن الطعام وعن الشراب، واحتار سعد ماذا يعمل معها؟ ولكنه تمسك بهذا الدين العظيم، وذهب إلى أمه وقال لها: لو كان لك عشرة أرواح فخرجت نفساً نفساً على أن أترك هذا الدين ما تركته، فكلي إن شئتِ أو دعي. أي: فأنتِ حرة في هذا الأمر، ولن أترك هذا الدين لأمرك أنت، ولكن أطيع الله سبحانه ﵎، فنزلت الآية تطمئن سعداً في ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥] وإن شاءوا أن يأكلوا ويشربوا ليعيشوا أو يموتوا فهذا أمر آخر، ولكن لا تشرك بي، ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فتكون المصاحبة بالمعروف، وعدم الطاعة في معصية الله ، وقد جعل لنا سبحانه قاعدة وهي: أن حق الوالدين أن تطيعهما إذا أمراك بطاعة أو بأمر مباح، فإذا أمراك بالبعد عن الله سبحانه وبترك دينه فاحذر من ذلك، فإنه: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). ولذلك يقول العلماء: جملة هذا الباب: أن طاعة الأبوين لا تراعى في معصية رب العالمين ، لا في فعل كبيرة، ولا في ترك فريضة من الفرائض، فإذا أمر الأب والأم ولدهما بعدم الصلاة أو بالبعد عن دين الله سبحانه، أو أمر الأب ابنته بالتبرج وحلف إن لم تخلع الحجاب الذي تلبسه فإنه سيخرجها من البيت وكذا، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ، (إنما الطاعة في المعروف)، فيطيع الابن أباه وأمه في طاعة الله سبحانه وفي المباح، وأما في ترك فرائض الله فلا طاعة لأحد في ذلك. قال الله سبحانه: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥]، أي: من رجع إلى الله سبحانه. والمنيبون إلى الله هم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وكذلك أتباعهم من المؤمنين ومن الأتقياء ومن الأولياء. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥] فالمرجع إلى الله ، وهذه الآية فيها من التحذير ما في الأولى، فإن المصير إلى الله والمرجع إليه، فاعملوا ليوم ترجعون فيه إلى الله سبحانه، ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1662

تفسير سورة لقمان [١٣ - ١٧] إن أعظم وصية يتواصى بها المسلمون فيما بينهم هي توحيد الله في العبادة، ولذلك كانت هذه الوصية هي أول وصية أوصى بها لقمان ولده، ثم أوصاه بمراقبة الله ، وأشار له إلى علمه المحيط بكل شيء، ثم أوصاه بأعظم فريضة فرضها الله على عباده وهي الصلاة، ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأمره بالصبر على ما يصيبه في طريقه إلى الله، ولأهمية بر الوالدين والرفق بهما فقد جعله الله بين هذه الوصايا تنبيهاً على عظم حقهما على الإنسان.

стр. 1663

وصايا لقمان لابنه الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة لقمان: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٣ - ١٧].

стр. 1664

التحذير من الشرك بالله يذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وصية لقمان لابنه، ووعظه له، فقال: (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) فأول وصية يجب على الوالد أن يوصي بها ولده هي: أن يوحد الله ، وألا يشرك به شيئاً، وأن يعلمه التوحيد والعقيدة. إن الإنسان الذي في قلبه عقيدة سليمة، بعيدة عن الشرك، فهو جدير بأن يبارك الله له في عمله، وأن يلهمه الصواب، وأن يعينه في أمره. أما الذي يشرك بالله سبحانه فهو جدير ألا يعينه؛ لأنه أشرك بالله، فالله يتخلى عنه ويتركه؛ لأنه يتوجه إلى غير الله، والله أغنى الشركاء عن الشرك ، فإذا أشرك العبد معه إلهاً غيره فدعا غير الله، وتوكل على غيره، وطلب المعونة من غيره تركه الله مع هذا الغير، ثم لا ينفعه هذا الذي يدعوه من دون الله. إن الإنسان المؤمن يتعلم التوكل على الله سبحانه، وأن يوجه عبادته لله، فلا يدعو إلا الله، ولا يشرك بالله شيئاً، لا في ألوهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، بل يكون على التوحيد حتى يلقى الله سبحانه ﵎. فأول وصية يوصي بها لقمان ابنه ألا يشرك بالله، وهي وصية الأنبياء والمرسلين للخلق أجمعين، قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فالإنسان الذي يقع في الشرك بالله سبحانه يظلم نفسه، ويضع العبادة في غير محلها، وفي غير موضعها، فبدلاً من أن يعطي لله حقه يعطيه لغيره ، فهذا هو أعظم الظلم. وقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، قال الله عنهم: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦]، فيقسمون هذه القسمة العجيبة، ويتصدقون ببعض الأنعام ويجعلونها لله، وبعضها للأصنام وللأوثان، فإذا حصل اختلاط بين حق الله وحق غيره بزعمهم يقولون: اجعلوه كله لغير الله، فحتى القسمة الفاسدة التي قسموها يجورون بها، فإذا قيل لهم: لماذا تجعلونها لغير الله؟ قالوا: الله غني عن ذلك. فهم يعلمون أن الله غني، ولكنهم يعبدون غيره ويجعلون له شركاء ، فعقولهم فارغة، وأقوالهم بعيدة عن الصواب. وكان أهل الجاهلية يدعون في رخائهم غير الله ، يصنعون الأصنام ويدعونها ويعبدونها، فإذا جاء وقت الشدة والبلاء تركوها وتوجهوا إلى الله يدعونه وحده لا شريك له. ففي وقت الشدة يدعون الله، ويعتقدون أنه لا ينفع إلا هو، والسؤال هو: ما الذي جعله لا ينفع في وقت الرخاء حتى يدعون غيره ؟! إنها قسمة عجيبة تدل على عقول لا تفكر إلا فيما تشتهيه وتهواه، فيعبدون الأصنام ويقولون: تقربنا إلى الله ، وفي وقت الضر والشدة يتركون الأوثان والأصنام ويدعون الله ! وهذه التفرقة لا دليل عليها، ولكن من ابتعد عن الله سبحانه فالشيطان يضله ويلعب به. إن أول شيء يتعلمه الإنسان المؤمن هو توحيد الله سبحانه، وألا يشرك به شيئاً، فلا يدعو إلا الله، ولا يتوكل إلا على الله، ولا تكون ثقته إلا في ربه ، وإذا نذر كان نذره لله سبحانه، فيعلم أن الذي ينفع ويضر هو الله سبحانه، وأن الذي يعز ويذل هو الله ، فيكون قد ركن إلى ركن عظيم، إلى ربه ، فإذا ركن إلى غير الله استحق أن يتركه الله، وألا يعينه لا في الدنيا ولا في الآخرة. فأول ما يتعلمه المؤمن ويوصي به أهله هو توحيد الله ، وقد ذكر الله هذه الوصية عن يعقوب (إسرائيل) عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في وقت وفاته أنه أوصى أولاده بوصية إبراهيم لبنيه، كما قال الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢]، أي: على الإسلام، وهو الاستسلام لله، وتوحيده سبحانه، ثم قال في وصية يعقوب: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [البقرة:١٣٣]، إن العبادة التي أمر الله عباده بها، والتي وصى بها الأنبياء أقوالهم هي أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئاً.

стр. 1665

الوصية بالوالدين بعد هذه الوصية وصى ربنا الإنسان بوالديه، فذكر الله سبحانه الإنسان بفضل والديه عليه، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤]، وتكرر معنى هذه الآية، كما في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ [الأحقاف:١٥]، وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت:٨]. وهذه وصية من الله لكل إنسان بوالديه، فكما حملته أمه، ورباه أبواه فليوف لهما هذا الحق في وقت كبرهما. وقوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان:١٤]، أي: ضعفاً على ضعف، والوهن على الوهن بمعنى: أطوار الحمل والتخليق للإنسان في بطن أمه، فكلما ازداد حجم الجنين في بطن أمه كلما ازداد ضعف الأم، وثقل بطنها، وازداد حملها، وإذا بها تضعف شيئاً فشيئاً إلى أن تلد، وتكون تلك الولادة أصعب شيء على الأم، حتى إنهم ليعدون هذا الحال حال موت، فهي إخراج روح من روح، ويحتمل أن تموت الأم، ويحتمل أن تعيش بعد ذلك، وفي هذا الوقت العصيب يكون أهم شيء عند الأم هو ابنها وجنينها الذي في بطنها، ولذلك وصى الله بالأم فقال: (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ في عامين) والفصال: هو الفطام، وهو انفصال الابن عن أمه في أمر الرضاعة بعد عامين، فبعد أن ترضعه ينفصل عن الرضاع ويتغذى بغير لبن أمه. قال الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، هذا أمر من الله للعباد أن يشكروه، ويؤدوا حقه من عبادة وصلاة وصيام، ومن أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، من طاعة لله، وثقة به، وحب لله سبحانه ولرسله عليهم الصلاة والسلام، وحب لدينه سبحانه، وبذل في سبيله، وجهاد وغير ذلك، فالإنسان المؤمن يجعل حياته كلها لله، كما قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣].

стр. 1666

طاعة الوالدين بالمعروف ثم بين الله سبحانه أن طاعة الوالدين تكون بالمعروف فقال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان:١٥]، فإذا أمر الوالدان الابن بالشرك بالله سبحانه، واتخاذ الأوثان والأنداد مع الله سبحانه، فهذا ليس له به علم، أي: لم ينزل الله به من سلطان، فهو من الجهل بالله ، فإذا أمراه بذلك فلا يطيعهما، ولكن مع ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥] فلا يقسو عليهما، ولا يعاملهما بعنف، فقد قال الله : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وأكرم القول وأفصله وأحبه أن يقال لهما كما قال الله: ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤]، أي: كن معهما في غاية الذل، رعاية لحق الله ثم لحقهما. قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، يصاحب أباه وأمه في الدنيا بالمعروف، وكأن المصاحبة في الدنيا شيء، والمصاحبة في الآخرة شيء آخر، ففي الدنيا تصاحبهما بحسن الرعاية، سواء كانا مسلمين أو كافرين، وفي الآخرة لا توجد مصاحبة إلا للمسلمين فقط: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. وادع لهما: ﴿وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٤]. ففي الآخرة إذا كانا مسلمين فسوف يشفع الابن لأبيه ولأمه، والأب والأم لأبنائهما، أما الكفار فلا شفاعة بين المسلمين وبين الكفار. وقوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:١٥]، هذه وصية من الله بدوام المصاحبة بالمعروف، فلا تؤذهما، وإن طلبا منك مالاً أو غيره فأعطهما وأجزل للوالدين ثقة بالله أنه سيخلف عليك سبحانه. وقوله: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا﴾ [لقمان:١٥]، أي: ما داموا في الدنيا فصاحبهما بالمعروف، وبعد الوفاة يكون البر بالوالدين بالدعاء، والإحسان إلى أصدقائهما، فإذا كان أبوك يحب فلاناً، أو كان صديقه، فأحب من أحبه أبوك، وأعطه وتصدق عليه، وهذا من برك لأبيك، وكذلك إذا كانت فلانة صديقة لأمك، وكانت أمك تحبها، أو كانت جارة لها، فلتكرمها براً بأمك، وهذا من البر بالوالدين في الدنيا وبعد الموت. ولذلك جاء عن ابن عمر رضي الله ﵎ عنهما أنه كان في سفر، وكان راكباً على بعير وكان معه حمار، فلقي أعرابياً، فإذا بـ عبد الله بن عمر ينزل ويسلم عليه سلاماً حاراً، ويهدي إليه، ويعطيه أحد الدابتين اللتين معه، فإذا بمن حوله يقولون: ما الذي تعمله؟! إن هذا أعرابي يرضى بدون ذلك، وبأقل من ذلك بكثير، لقد أعطيته ركوباً مما معك، ولو أعطيته أقل من ذلك لرضي، فقال: إنه كان من أهل ود عمر ﵁، وكان صديقاً له، وقد قال النبي ﷺ : (من البر بأبيك أن تبر أهل ود أبيك)، فـ ابن عمر ود هذا الأعرابي ليس لأنه صديق له، وإنما لصداقته لأبيه، فبره عبد الله بن عمر براً بأبيه بعد وفاته رضي الله ﵎ عنهما.

стр. 1667

تذكير الله عباده بأن مرجعهم إليه وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ [لقمان:١٥] أي: اقتد وائتس، وسر على درب الذين أنابوا إلى الله، وكانوا في طريق الله من قبلك، وهم رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأولياء الله، والصالحون من عباد الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥]، فالمرجع إلى الله، وسوف ينبئكم بكل ما كنتم تعملون، والإنباء: هو الإخبار بالغيب، وينبئك: يخبرك بما غاب عنك، والإنسان ينسى، ولكن الله لا ينسى فيحصي كل شيء سبحانه، ويوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، فينبئ الله العبد بما عمل، ومن نوقش الحساب يوم القيامة عذب لا محالة، ولذلك جاء في قول الله سبحانه: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، عن السيدة عائشة أن النبي ﷺ قال: (من نوقش الحساب يوم القيامة عذب)، فالذي يناقش الحساب سوف يعذب، فقالت: (أليس الله سبحانه يقول: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]، قال: ليس ذلك، ولكن هذا العرض). فالإنسان يعرض عليه كتابه يوم القيامة، وآخر يناقش في كتابه، وفرق بين من يقرأ الكتاب، وبين من يحاسب ويقال له: لم عملت كذا؟ ولم عملت كذا؟ ألم نعطك؟ ألم نربك؟ ألم ننعم عليك؟ ألم نجعلك رئيساً تحكم بين الناس؟ فما الذي صنعت في ذلك؟ هذا هو الذي يناقش الحساب، وهو المعذب كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [لقمان:١٥]، جملة معترضة بين وصية لقمان لابنه بألا يشرك بالله ووصية الله للعباد بالوالدين وبين باقي الوصايا.

стр. 1668

تذكير لقمان لابنه بعلم الله المحيط بكل شيء يقول الله عن لقمان أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا﴾ [لقمان:١٦]، وهذه المرة الثانية التي يقول فيها: يا بني، وقد ذكرنا أن فيها قراءات: (يا بنيَّ) بالفتح، وهذه قراءة حفص عن عاصم فقط، وباقي القراء كلهم يقرءونها: (يا بنيِ). وقوله: (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) هذه قراءة الجمهور، والمعنى: إذا وجد هذا المثقال الذرة من الخردل ثم اختفى في أي مكان من الأماكن، فاسم (كان) الضمير، والخبر: مثقال. وقراءة نافع وأبي جعفر: (إنها إن تك مَثْقالُ حبةٍ من خردلٍ) على أن مثقال اسم لكان. والخردل حبوب رقيقة وصغيرة جداً، أقل وأرفع من النملة، ووزنها شيء يسير، وهي التي يصنعون منها غاز الخردل السام المميت الذي يستخدم في الحروب. فقوله: (إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ) أي: هذه الحبة التي هي أقل حبة يعرفها الإنسان، إذا كانت هذه الحبة السوداء الصغيرة مختبئة بداخل صخرة، وهذه الصخرة مختفية بين السماء والأرض، فلا أحد يستطيع أن يبحث عنها، يقول الله سبحانه: (فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ) ، مهما دقت أو صغرت فالله يعلمها ويأتي بها سبحانه. والمعنى أين ستهرب من الله أيها الإنسان إذا كان هذا المثقال من الخردلة التي لا تساوي شيئاً إذا اختفى في أي مكان في السماوات أو في الأرض أتى به الله؟ فكيف بالشيء الكبير؟ والمعنى: أنه لا تخفى عنه خافية ، ومهما دق من عمل الإنسان، ومهما أخفى من سر، ومهما أخفى من نيته في عمله، فالله يعلمه، ويجازي به يوم القيامة. (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) وهنا بيان للإنسان أن الله سبحانه لا يخفى عليه شيء، وأن رزقه الذي لا يراه فالله يراه، والذي لا يعلمه فالله يعلمه، والذي يبحث عنه في كل مكان فهو عند الله مقسوم، وسيأتيه في وقت قدره الله . وهنا بيان للإنسان، أن يعبد ربه وسيأتيه الفرج من عند الله من حيث لا يحتسب. فالإنسان يبحث عن الرزق، والله يوجد هذا الشيء الذي يبحث عنه، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في أمر رزق العبد المقسوم عند الله سبحانه فيما رواه أبو نعيم في الحلية، ورواه ابن عساكر من حديث جابر مرفوعاً: (لو أن ابن آدم هرب من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت)، وهذا حديث حسن، وفيه: أن ابن آدم لو هرب من رزقه بحيث لا يريده فإنه سيأتيه. وكذلك العكس، فلو طلب العبد شيئاً لم يقدره الله له، وجرى وأتعب نفسه حتى كاد يناله، فإنه سيفلت من يده، ولن يحصل عليه، فما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فالله مقدر الأرزاق والأقوات، فيأتي بالرزق من حيث لا يحتسب الإنسان ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. وقال لنا هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]، لطيف من اللطف، وهو دقة العلم، فالله لطيف يعلم ما خفي وما دق، ويعلم ما جل وما عظم، فيعلم كل شيء، ولطف الله سبحانه رحمته، ففي وقت يضيق الأمر بالإنسان، وتأتيه المصيبة العظيمة التي تكاد تفتك به، فإذا بلطف الله يأتيه ويهدئ من روعه، ويجعله يصبر ويتصبر على هذا البلاء، فكأن اللطف يتعلق بدقة علم الله سبحانه، وبرحمته. (إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) فلطفه في رحمته، وخبرته في علمه ، فهو عليم بكل شيء، فهذه خبرة الله .

стр. 1669

وصية لقمان لابنه بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف ثم قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧]، وهذه المرة الثالثة التي قال فيها: (يَا بُنَيَّ) وقد قرأها حفص عن عاصم: (يا بنيَ) ويوافقه فيها البزي عن ابن كثير. وقراءة قنبل عن ابن كثير: (يا بنيْ) بالتسكين فيها، وقراءة باقي القراء: (يا بنيِّ أقم الصلاة). والجمهور يقرءون: (الصلاَة) بترقيق اللام، ويقرؤها الأزرق عن ورش (الصلاّة) بتفخيم اللام. قال الله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، فأمره أولاً بالتوحيد، وهو حق الله ، ثم ذكر من حقوق الله أعظم عبادة وهي الصلاة، التي تعتبر صلته بالله ، فيؤديها ويوصي بها أولاده، فعلى الإنسان أن يؤديها ويوصي بها أولاده كما وصى لقمان ابنه؛ لتكون له خيراً ونوراً في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة، نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1670

تفسير سورة لقمان [١٦ - ١٨] إن دين الإسلام ليس عبارة عن آيات تقرأ فقط ثم تنسى، وإنما هو واقع عملي حي، يتفاعل فيه أفراد المجتمع المسلم المبادئ التي جاء بها، ويطبقونها حياة حية، فيترجمونها من كلمات تقرأ إلى أفعال تشاهد، وقد جاء هذا الدين بمجموعة من الوصايا والأخلاق التي تشكل سلوك الفرد المسلم في حياته بين الناس، وقد وردت بعض هذه الوصايا على لسان لقمان في وصيته لابنه، تلك الوصايا التي سجلها القرآن وخلدها، نظراً لسموها وعظمتها وفائدتها للناس.

стр. 1671

تفسير قوله تعالى: (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة لقمان في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٦ - ١٨]. هذه من وصايا لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، وأول موعظة وعظ بها ابنه وأوصاه بها: ألا يشرك بالله ، وقد ساق الله هذه الموعظة في كتابه سبحانه لتكون موعظةً خالدة إلى قيام الساعة، فينصح كل إنسان مؤمن أبناءه بمثل هذه الموعظة، فالمؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فكيف بابنه! وكل إنسان يحب أن يكون أفضل من غيره، ولكنه يحب أن يكون ابنه أفضل منه، وهذا عادة في الناس، فكل إنسان يحب أن يكون أفضل من غيره، ويحب أن يكون ابنه أفضل منه وخيراً منه. ولقمان هنا يعظ ابنه بالموعظة التي تنفع الابن ويعود النفع على الأب؛ لأن الابن من كسب أبيه، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ثم نصح ابنه في موعظته العظيمة له بأن يطيع الله ويخاف منه، فهو الذي يعلم ما دق وما عظم، ويعلم كل شيء، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. فهو يعظ ابنه بأن يخاف من الله سبحانه، الذي يعلم كل شيء، ويقول له: لو أنك أخفيت عملك في مكان لا يطلع عليه أحد من الخلق فالله يطلع عليك، ولو أنك أخفيت معصيتك في ظلمة الليل أو في ظلمة البحر أو في مكان تظن ألا يطلع أحد عليك، فيه فإن الله يعلم ما تفعل وسيحاسبك عليه. وذكر له هذا المثل وهو: لو أن هذا العمل كان عملاً يسيراً صغيراً بقدر مثقال حبة الخردل التي هي أقل الحبوب حجماً ووزناً، وأراد الإنسان أن يخفيه، فأخفاه في صخرة عظيمة كبيرة، وألقيت هذه الصخرة في مكان في السماء أو في الأرض؛ لم يخف ذلك على الله ، فإنه مطلع على كل شيء ورقيب عليه، ولذلك قال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. والسموات مأمورة، وكذلك الأرض، وكل شيء يأمره الله بقوله: كن فيكون، فلو خبأ الإنسان شيئاً في الأرض فإن الله يأمر الأرض التي جمعت هذا الشيء في بطنها أو ظهرها أن تأتي به، فتأتي الأرض به مطيعة لله ، كما في قصة الرجل الذي أمر أولاده إذا مات أن يحرقوه ثم يسحقوه، ثم ينتظرون في يوم شديد ريحه فيذروه في البر والبحر، ففعلوا، وقد أمرهم بذلك لأنه خاف من الله، فأراد أن يهرب بهذا الطريق، فكان الأمر على الله في غاية السهولة، فأمر الله الأرض أن تجمع ما فيها، فجمعت الأرض ذرات هذا الإنسان وأتت به لربها سبحانه، وقال للبحر: هات ما فيك، فأتى البحر بما فيه، فجمع الله هذا الإنسان، وأحياه لينطق ويواجه ربه ، فسأله: لماذا فعلت هذا؟ فإنك لا تقدر أن تعجز الله ، فالله يعلم كل شيء، ويحفظ كل شيء، ولا يغيب عنه شيء. فعلى الإنسان أن يراقب ربه سبحانه، ويعلم أنه سوف يحاسبه، فلينظر بماذا سيرد على الله فيما قال وفيما عمل، فإن الله لطيف في قضائه وقدره، خبير في علمه وتقديره .

стр. 1672

تفسير قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف) قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧] فجمع له الموعظة العظيمة في هذه الكلمات القليلة اليسيرة، قال: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ [لقمان:١٧]، وهي أعظم أركان الدين، والصلاة صلة بين العبد وبين ربه سبحانه، وهي عبادة بدنية، ونور ينير بها الإنسان قلبه، وينير بها دنياه وقبره وطريقه إلى الجنة، فإذا قصر الإنسان وترك هذه الصلاة أظلمت عليه حياته، وأظلم عليه قبره، وأظلم عليه طريقه فوق الصراط، وظل وأخطأ طريقه إلى الجنة فسقط في النار والعياذ بالله. قال تعالى: (يا بني أقم الصلاة) أي: أقم صلاتك وعدلها وائت بها على الوجه المستقيم وعلى الوجه القويم الذي ترضي به ربك ، وكما أمرك الله سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] فقم إلى الصلاة وأنت غاية في النشاط، ومحب لهذه الصلاة، ومقبل على الله، حتى يقبلها الله منك، فقد قال تعالى في العبد الذي يتقرب إليه : (وإن تقرب إلي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة) فالإنسان الذي يمشي في طريق الله وهو محب ومقبل على الله فمستحيل أن يتركه الله وأن يبعده وقد دنا منه. فالعبد يحب الله فيحبه الله ، ويكون حبيباً لله، ويكون له كما قال: (كنت يده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وسمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه)، فهو ولي الله ، قد أقبل على ربه وأحبه فأحبه الله. والطاعات التي يتقرب بها إلى الله: أولها: توحيد الله وعدم الإشراك به. ثانيها: هذا الركن العظيم من أركان الدين: وهو الصلاة. ثالثها: فعل جميع الطاعات والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والأمر بالمعروف يعني: بشرع الله سبحانه الذي بين أن هذا واجب، وهذا مستحب، وهذا حلال، وهذا مباح. فلا تأمر إلا بما أمرك الله به، وأمر بما ائتمرت به أنت، واللام هنا للجنس، واللام في الأولى أيضاً للجنس.

стр. 1673

الأمر بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ذلك قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [لقمان:١٧] أي: بجنس المعروف، وبكل ما هو معروف، وبكل ما هو خير وطاعة لله سبحانه، فأمر وأتمر به. وكل ما هو منكر ومبعد عن الله سبحانه فانته عنه وانه غيرك عنه، فتكون النتيجة محبة الله لهذا العبد الذي يصلي ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فلا بد من البلاء، ولا يظن الإنسان المؤمن أبداً أنه سوف يعيش في الدنيا سالماً من البلاء، فمن المستحيل أن يكون الإنسان مؤمناً ولا يبتلى ولا يختبر، وقد قال الله في أول العنكبوت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]، فلا يمكن أن يكون الإنسان مؤمناً من غير أي بلاء أو فتنة أو اختبار، فإن الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد ابتلاهم الله واختبرهم وضيق عليهم، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢١٤]، وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]. فالرسل جاءت عليهم أوقات عصيبة، واستيأس الرسل وكاد أنيدب اليأس في قلوبهم من إيمان قومهم، وظنوا أنهم قد كذبوا، فإذا بالفتح والنصر يأتيان في هذا الوقت من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]، فالله بفضله وبرحمته ينجي من يشاء عندما تضيق الأمور على أهلها من المؤمنين. إذاً: فلا بد من البلاء، وقد ابتلي النبي صلوات الله وسلامه عليه فلما ابتلي قال: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر)، فتأسى بمن كان قبله ﵊. وقد ابتلي أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام من الخلق، ابتلاهم الله بهم -وهم رسل الله وأنبياؤه وأولياؤه وأحب الخلق إليه حتى إن بعض الأنبياء قد قتلوا، فقد قتل زكريا ﵊، وقتل ابنه يحيى ﵊، وأرادوا قتل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء:١٥٧].

стр. 1674

ابتلاء النبي ﷺ وقد أرادت اليهود قتل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فحينما جلس تحت حائط من حيطانهم أمروا أحدهم أن يصعد فوق الحائط ليرمي عليه حجراً؛ ليقتل النبي ﷺ . وقد أوذي النبي ﷺ أذى شديداً بالأقوال وبالأفعال، وقد أوذي من الإنس، ومن الشياطين ﵊، ثم نصره الله سبحانه، وأيد دينه ورفع ذكره ﵊، وأجره على صبره صلوات الله وسلامه عليه. وقد كان مرة يصلي فتفلت عليه شيطان وفي يده شعلة من النار أراد أن يحرق بها النبي ﷺ ، وكان يوماً جالساً ﷺ على حصير له فإذا بالشيطان يوعز لفأرة فتخطف شيئاً من النار وتأتي وتلقيه الحصير لتحرقه صلوات الله وسلامه عليه. ويمسك شيطاناً بيده ﷺ ، ويخنقه وهو يتفلت عليه في صلاته يريد أن يقطع على النبي ﷺ صلاته، ويتذكر دعوة سليمان ﵊: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥] فيتركه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهؤلاء شياطين الجن، وأما شياطين الإنس فكان على رأسهم أبو جهل الذي قال النبي ﷺ عنه: (هذا فرعون هذه الأمة)، فقد كان يكيد للنبي ﷺ كيداً عظيماً، وكان عمه أبو لهب يمشي وراءه في الطرقات يشتمه ﵊، فيقول: هذا كذاب، نحن أهله أعلم به، كان يمشي النبي ﷺ في الطريق ليدعو الناس إلى الله ووراءه عمه يقول: هذا كذاب، هذا ساحر، هذا كذا، حتى يتفرق الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانت قريش إذا جاء أحد من خارج القبيلة قالوا له: لا تذهب إليه، إنه ساحر، إنه مجنون، إنه كذا، ﵊. وكانت امرأة أبي لهب حمالة الحطب العوراء أم جميل لعنة الله عليها وعلى زوجها، كانت تقف للنبي ﷺ لتشتمه، ﵊، وكانوا يحرفون اسمه من محمد إلى مذمم، ﵊، ويشتمونه ويسبونه ﵊. هذا مما ابتلي به النبي ﷺ ، ولم يكن به هوان على الله حتى يبتلى ويشتم صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كان له ﷺ درجة عالية عظيمة عند الله لا ينالها إلا بذلك، وبالصبر على ذلك، فصبر ﷺ حتى فتح الله له ونصره سبحانه ﵎، وقد كانوا يكيدون له ﷺ ، ولكن الله يحميه ويحرسه، وإن كان قد يؤذى وقد يناله من التعب ومن النصب، ومن إسالة دمه ﷺ في حروبهم وقتالهم وغزوهم، ثم بعد ذلك يفتح الله له من فضله ومن رحمته، ولما فتحت الدنيا للنبي ﷺ وانتصر وجاء نصر الله سبحانه، وفتحت مكة في العام الثامن، لم يذهب يحج ﷺ ؛ لوجود المشركين في مكة يحجون بيت الله، وهم يشركون بالله، ويطوفون بالبيت عراة رجالاً ونساءً، فلم يذهب ليطوف مع هؤلاء الكفار المشركين العراة، وإنما أرسل أبا بكر في العام التاسع ينادي: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، فانتهى الناس، فحج في العام العاشر صلوات الله وسلامه عليه ومعه الجم الغفير من خلق الله الذين وصل عددهم إلى حوالي مائة وثلاثين ألفاً من أصحابه ﵊، كلهم يأتمون به، فقد فتح الله له القلوب والآذان، فقام يخطب في هذا الجمع العظيم في يوم عرفة، فأسمع الله الجميع خطبته صلوات الله وسلامه عليه، وكانت هذه الحجة الوحيدة التي حجها بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه، ومات بعدها بوقت يسير صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: لما فتحت له الدنيا، وفتحت له الأسماع والقلوب، انتهت وظيفته ﵊، فهو لم يخلق ليجني ثماراً في الدنيا، ولا لينال منها، وإنما خلق كما قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤] وقد بلغت الرسالة، فالآن نقبضك، حتى لا تتمتع من الدنيا بشيء، وليكون نصيبك موفراً كاملاً وحظاً عظيماً عند الله .

стр. 1675

سنة الله في الابتلاء إذاً: فأي إنسان يقول: أنا مؤمن صابر على أمر الله ولا يريد أن يأتيه شيء من قضاء الله وقدره، ولا يريد أن يأتيه شيء من البلاء، فهو لم يفهم هذا الدين العظيم الذي جاء من عند الله سبحانه، ولم يفهم دين رسل الله، فإن الإسلام أن تسلم نفسك وقلبك وتوجه وجهك إلى الله سبحانه، وتسأل الله سبحانه أن يعينك على الآخرة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة بين يدي الله ، ثم ترى مصيرك بعد ذلك إما إلى الجنة وإما إلى النار، فالإنسان المؤمن إذا قام يصلي تذكر هذا الموقف العظيم، فيهيء نفسه للدار الآخرة، وللقيام بين يدي الله في هذا اليوم العظيم. ولذلك لم تكن نصيحة لقمان لابنه بادخار الدنيا، أو جمع المال في الدنيا، والعمل لهذه الدنيا، وإنما قال له: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان:١٦ - ١٧]. وإذا فعلت ذلك فإن الناس سوف يعادونك؛ لأن الناس لا يحبون من ينصحهم ويقول لهم: هذا حرام، وهذا لا يجوز، فإذا ابتليت بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكن حليماً وحكيماً وعلى علم، وكن لطيفاً مع الخلق، وادعهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وحتى وإن كنت على ذلك فلن يرضى عنك الخلق حتى تقول لهم في أخطائهم وفيما هم عليه: أنتم على صواب، فهم لا يحبون النصيحة، وإن تحرص على الناس أن يكونوا مؤمنين فلن تقدر أن تحولهم عما هم فيه إلا أن يعينك الله على ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. إذاً: لا بد من الصبر، وقد قال ربنا للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] فاصبر حتى على نفسك وصابرها واضغط عليها إن تململت، حتى تقوم لله في هذه الدنيا بأمر دينه، قال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران:٢٠٠] فاربط نفسك على طريق الله مثابراً مصابراً على هذه الطاعة، واتق الله ما استطعت، قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦]، وقال هنا: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]، أي: فهذا الأمر الذي يخبرك الله عنه من الصبر هو من عزائم الشريعة، ومن الواجبات في هذه الشريعة العظيمة، يقول ابن عباس: إن من حقيقة الإيمان: الصبر على المكاره قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان:١٧]. ويقول ابن جريج: أي: مما عزمه الله وأمر به، والمعنى واحد، أي: صبرك على أمر دين الله وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مما شدد الله فيه، وألزمك به، فاصبر وصابر ورابط، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر بكل صورة ووسيلة، حتى يفتح الله قلوب الخلق على يديك، فاصبر لأمر الله فإن ذلك من عزم الأمور، أي: مما أمر الله به أمر عزيمة وشدد فيه، فادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، ولا تقل: قد دعوت مرة وانتهى الأمر، وإنما اصبر على ذلك مرةً ومرتين وثلاثاً؛ لعل الله سبحانه يهدي على يديك أقواماً، ولا تدري متى يفتح الله لك، وقد جاء عن النبي ﷺ -وهو الأسوة والقدوة في دعوته وصبره- أنه قال: (لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس)، وعلى كم تطلع الشمس من إنسان ومن حيوان ومن ملك لله ! فخير لك من أن تأخذ هذا الملك العظيم الذي تطلع عليه الشمس ويكون ملكاً لك أن يهدي الله على يديك رجلاً واحداً.

стр. 1676

تفسير قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس) يقول لقمان لابنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨]. التصعير: من الصعر، يقال: هذا الجمل فيه صعر، وفيه صعار، أي: التوت عنقه عندما يصيبه مرض معين من الأمراض في رقبته فتلتوي رقبته وتعوج. فهذا مثل وصورة للإنسان المغرور المتكبر الذي يلوي رأسه متكبراً متعالياً معوجاً له؛ لأنه يفكر في نفسه أنه أعظم من غيره، فهذا الصعار الذي تصاب به الدواب هو مرض في الدواب، وهو مرض في قلب هذا الإنسان الذي عوج نفسه عن الخلق وتعالى عليهم، ونسي نفسه، وهو أذل وأحقر ما يكون في هذا الحال، أي: حال استكباره. قال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع، وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف: (ولا تصاعر خدك للناس)، والمصاعرة: الميل بالخد، بمعنى: أن يكون أحد خديه عالياً والآخر منخفضاً، فيصعر رقبته على الناس متعالياً مستكبراً، وهذا الإنسان المتكبر يكون أحقر وأذل وأخسر الخلق عند الله سبحانه ﵎، ويكفيه خسراناً أن نار جهنم يخرج منها يوم القيامة عنق يصرخ في الناس: وكلت بمن يشرك بالله، وكلت بالجبارين والمتكبرين، وكلت بالمصورين الذين يضاهئون بخلق الله سبحانه. فهو موكل بثلاثة أصناف من الناس منهم: المتكبرون، فيخطفهم من الموقف في القيامة إلى النار والعياذ بالله! فليحذر الإنسان من التكبر ومن الغرور، ولا يرى نفسه أنه أعلى من الناس وهو في حقيقته أذلهم، فالإنسان الكريم الطباع الحلو الشمائل الحسن الخلق يرى نفسه أنه مثل الخلق، وأنه ليس بأحسن من أحد، بل قد يكون الناس كلهم أحسن منه، فينظر إلى الناس كذلك، ويتواضع، فكلهم خلق الله سبحانه، وقد هيأ الله كل إنسان لما يصلح له. والإنسان المتكبر ما تكبر إلا لأنه يشعر أنه ناقص، فيريد أن يعلو على الغير ويتعالى عليهم من أجل أن يداري العيب الذي فيه، والنقص والهوان الذي يشعر به. فتجد الإنسان الجاهل يكلم الناس وكأنه عالم، ويحاول أن يعود لسانه على ذلك حتى لا يعرفوا حقيقته، فهذا الإنسان يشعر بالنقص في نفسه، ويحب أن يداريه بالتعالم على الخلق بكثرة الجدل، وأما الإنسان العالم فلا يجادل؛ لأنه يعرف حقيقة الأمر، ولا يحتاج إلى جدل فيه، وأما الجاهل فهو الذي يريد أن يجادل حتى يري نفسه ويظهرها، من أجل أن يتعالى على غيره. ولذلك فهذا الإنسان يستحق أن يكون في النار يوم القيامة؛ لأنه مراءٍ بعمله، ويريد أن يظهر للناس أنه أفضل منهم. فهنا يقول لقمان لابنه: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:١٨]، أي: لا تستكبر على الخلق، ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧]، والمرح المقصود به هنا: الفرح الذي يفرحه الإنسان، ويحس أنه يطير على الأرض، وأنه أحسن من غيره، وأغنى من غيره، وأنه فوق الناس كلهم، فيشعر الإنسان في نفسه أنه مبسوط زيادة، ويمشي يدوس على الناس كلهم ويسير بفرح، ولا يهمه غيره، وإنما يهمه أن يفرح ولو آذى الناس كلهم. وهذه علامة المستكبرين، فلا يراعون حقاً لغيرهم أبداً، ومرحهم فيه الآثر والبطر والطغيان على الخلق، ومجاوزة الحد مع الخالق ، وإذا أعطاهم الله نعمة سلطوها في المعاصي من حشيش ومخدرات وغيرها. قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فهو مرح وفخور بنفسه متعال على الخلق، يريد أن يفرح ويعيش وينسى أن وراءه الموت بعد ذلك. قال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨] أي: لا تمش تضرب الأرض برجلك، ولا تمش على الأرض مرحاً، فإن عباد الرحمن يمشون على الأرض هوناً، أي: مشياً خفيفاً ومتواضعاً، وليس معنى ذلك أنهم يتماوتون في مشيتهم، وقد كان النبي ﷺ سريعاً في مشيه، ولكن فيه هدوء وطمأنينة ﵊، وفيه إسراع لقضاء حاجته ﵊، والمؤمن هين لين، فيه لطف ورفق ومودة للخلق، قال الله هنا على لسان لقمان لابنه: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ [لقمان:١٨]، أي: لا يحب من يختال بنفسه ويعجب بها ويعجب برأيه، فهذا فيه الخيلاء والكبر، وهو فخور مفتخر بنفسه وماله، وهو بغيض إلى الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1677

تفسير سورة لقمان [١٧ - ١٩] في وصية لقمان لابنه آداب لا بد للمؤمن أن يلتزم بها، منها: إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الأمور قد أوجبها الله ، ومنها: النهي عن تصعير الخد وعن التكبر، والأمر بالتواضع مع الناس، والاقتصاد في المشي، وخفض الصوت عند الكلام؛ لأن أنكر الأصوات صوت الحمير.

стр. 1678

تفسير قوله تعالى: (يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان في وصية لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ * وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ * أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:١٧ - ٢٠] ذكر الله وصية لقمان الحكيم لابنه وهو يعظه، وهذه الوصية عظيمة ينبغي على المسلم أن يتعلمها وأن يوصي أبناءه بمثلها، وأول الوصية: الوصية بتقوى الله سبحانه، وبتوحيده والخوف منه , قال تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣] أي: اتق غضب الله سبحانه في أعظم الأشياء وهو التوحيد، لا تشرك بالله، واجتناب الشرك بالله سبحانه معناه: إثبات التوحيد لله في العبادة، وعقيدة الإنسان المؤمن أن الله وحده هو الرب الذي يخلق، وهو الإله الذي يستحق أن يعبد، وهو القوي القادر العليم سبحانه، ولذلك أكد هذه المعاني لقمان ﵇ حين قال لابنه: ﴿لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:١٦]. إذاً: عقيدة الإنسان المؤمن فيها توحيد الله ، وفيها العلم واليقين بصفات الله العظيمة , وأنه يعلم ما ظهر وما اختفى، ويعلم ما قل وما كثر، ما عظم وجل وما قل، كل ذلك يعلمه الله سبحانه ويقدر عليه، وهذا معنى قول لقمان ﵇: (إنها إن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله) ولن يأتي بها إلا وقد علم مكانها ، فهنا إثبات العلم لله والقدرة، علم لا يخفى عنه خافية، وقدرة لا يحتجب عنه شيء ولا يمانعه شيء، فإذا كان هذا المثقال الصغير الذي يخفى على كل مخلوق يعلمه الله سبحانه وإن كان مثل حبة الخردل؛ فالله يعلم كل شيء، ويقدر على كل شيء، ولطيف خبير . ثم جاء الأمر بأركان هذا الدين العظيم، قال تعالى: (يا بني أقم الصلاة) فيأمره بأعظم أركان هذا الدين بعد التوحيد وهو إقامة الصلاة، ولاحظ هذه الوصية من لقمان التي تخللتها وصية الله لكل عبد بالوالدين إحساناً، قال الله سبحانه قولاً معترضاً في وسط كلام لقمان الحكيم ﵇: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [لقمان:١٤] إذاً: لقمان أوصى بعبادة الله، والله أوصى الأبناء برعاية الوالدين. قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:١٧] فالعبادة أن تصلي لله ، والصلاة كما قال سبحانه في سورة العنكبوت: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا أقمت الصلاة ونهتك صلاتك عن الفحشاء والمنكر فأنت مهيأ لأن تأمر غيرك بإقامة الصلاة والانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وأمر غيرك بالمعروف، ونهيه عن المنكر، فإذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، تعرضت لإيذاء الناس وللضرر وغير ذلك، فاصبر على ذلك, فإنك لن تأمر بالمعروف وتنجو من الناس وتسلم، ولن تنهى عن المنكر فتنجو من شر الناس، بل لا بد من بلاء في ذلك، ولابد من صبر على ما أصابك، وذلك مما عزم الله عليك ومما شدد فيه، قال تعالى: (إن ذلك من عزم الأمور)، أي: من عزائم أمور هذا الدين ومن الواجب في هذا الدين، ومما أمر الله به في هذا الدين أمراً مؤكداً، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الأذى في ذلك من أمر الله سبحانه الذي أمرك به.

стр. 1679

تفسير قوله تعالى: (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض فرحاً) إذا كان الإنسان يتعرض للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لعله قد يستشعر في نفسه أنه أعلى من غيره وأنه أفضل من غيره، وتحدثه نفسه بالعجب والخيلاء والاستكبار على الخلق، فتأتي النصيحة التالية: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] أي: لا تعوج على الخلق وتظن في نفسك أنك خير من الناس، فلعل هذا الذي تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر يكون خيراً منك في يوم من الأيام, وكم من إنسان قليل في علمه يدعو إنساناً جاهلاً لا يعرف شيئاً، فإذا بهذا الإنسان الجاهل يتوب ثم يتعلم ويفوق هذا الذي دعاه إلى الله ؛ لذلك لا تغتر ولا تتكبر على الخلق، ولا تظن أنك أنت الذي هديت فلاناً، إنما الهدى بيد الله سبحانه يهدي من يشاء فضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه، قال رسول الله ﷺ : (وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). لذلك الإنسان المؤمن يخاف من الله ، فتراه يدعو الخلق إلى الله سبحانه، ويتمنى لهم أن يؤمنوا وأن يثبتوا وأن يثبت معهم هو على هذا الدين، ولا يرى لنفسه فضلاً على أحد أبداً، أما الإنسان المغرور إذا دعا إنساناً يستشعر أنه هو الذي سينجيه من النار، وأنه هو الذي بيده أن يحوله من ضلال إلى هدى، وأن له فضلاً على غيره، وأنه يستحق أن يكون من أهل الجنة, فليحذر المؤمن -وخاصة الذي يتحكم بالأمر بمالعروف والنهي عن المنكر- من الغرور، ومن أن يصعر خده للناس. والتصعير والصعار: داء يصيب الإبل فيعوج رقبة الجمل، فكذلك الإنسان المغرور يعوج رقبته على الناس، يرفع شيئاً من عنقه على الناس متعالياً مستكبراً مختالاً فخوراً بنفسه. قال تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان:١٨] قالوا في معناها: لا تمل خدك للناس كبراً عليهم وإعجاباً بنفسك واحتقاراً للخلق، هذا تأويل ابن عباس ﵄ وجماعة من أهل العلم. وقيل في معناها أيضاً: (تصعر خدك للناس) أي: أن تولي شدقك إذا ذكر الرجل عندك كأنك تحتقره، فكل إنسان له قدر عند نفسه، وله قدر عند خالقه ، والله أعلم بهذا الإنسان، فلا تحتقر أحداً من الخلق، ولكن ادع إلى الله ، وظن الخير في غيرك، لعل هذا الذي تنظر إليه بازدراء واحتقار يكون أفضل منك في يوم من الأيام. فعامل الناس بالصورة التي تحب أن يعاملوك بها، وانظر للذي تأمره وتنهاه وضع نفسك مكانه، إذا كنت أنت مكانه في هذه المعصية وهو يأمرك، فإنك تحب أن يأمرك باللين، فكن ليناً أنت معه، وأمره بالطريقة التي تحب أن يأمرك هو بها في يوم من الأيام، عامل الناس بما تحب أن يعاملوك به. يقول الإمام القرطبي ﵀: فالمعنى: أقبل على الناس متواضعاً مؤنساً مستأنساً، وإذا حدثك أصغرهم فاصغ إليه حتى يكمل حديثه، وكذلك كان النبي ﷺ يفعل، ومن هذا المعنى: ما جاء في حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا وكونوا عباد الله إخواناً) يعني: لا تتعاطوا أسباب البغضاء فيما بينكم، بل أبعد هذه الأسباب التي تفسد العلاقة بينك وبين أخيك, ولا تعط دبرك -أي: ظهرك- لأخيك وتنصرف من الناحية الأخرى، لأن هذا قد يكون من باب المخاصمة، ومن باب الكبر والغرور، حيث إنه يرى نفسه أفضل منه. وليس معنى ذلك: أن الإنسان يهين نفسه، فلم نؤمر في الشريعة بأن يهين أحدنا نفسه، فإن بعض الناس إذا ذهبت إليه قد يسخر مني، ولم تأمرني الشريعة أن أذهب إليه حتى يسخر مني, وقد أرى الإنسان الذي عنده غرور عجب بنفسه أني إذا تكلمت معه نزل علي وأزرى بشأني، فإن هذا لا يستحق أن يتكلم أحد معه، فالشريعة لا تأمرنا بأن نهين أنفسنا، ولا تأمرنا بأن نترفع على الخلق، فلا بد أن تكون مع الناس لطيفاً رءوفاً رحيماً كما كان النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولا مانع من تأديب الإنسان، كأن يكون الإنسان معلماً يعلم غيره، ويؤدبهم بكتاب الله ، ويزجر من يستحق أن يؤدب وأن يزجر، وليس في هذا شيء من الغرور، فقد كان النبي ﷺ يزجر من يستحق ذلك من أصحابه ﵊، فقد جاء عمر بن الخطاب بصحيفة من التوراة قد ترجمت له وفيها مواعظ، فأراد أن يقرأها على النبي ﷺ ، فتعجب منه النبي ﷺ وقال: (ما هذا يا ابن الخطاب؟!) والعادة منه ﷺ أن يقول: يا عمر، أما في هذه المرة فقال: (ما هذا يا ابن الخطاب) والخطاب أبو عمر مات كافراً فكأن عمر عندما يأتي بصحيفة من التوراة ويقرؤها يعود إلى الكفر، فقال عمر: (يا رسول الله! صحيفة من التوراة أتيت بها حتى أزداد بها علماً، والذي نفسي بيده لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني)، أي: لو كان موسى حياً في وجود النبي ﷺ فلا يحل له أن يقرأ في التوراة، بل يلزمه أن يتابع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذا من تأديبه صلوات الله وسلامه عليه، وقد أدب كعب بن مالك، وأدب غيره ممن تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وهجرهم النبي ﷺ ، حتى تأدبوا الثلاثة، وكانوا عبرة وعظة لهم ولغيرهم. إذاً: التأديب والزجر للإنسان ليس معناه: الغرور عليه، فالدين يأمرنا أن نهجر أهل المعاصي، فإن لم يكن في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنك تلجأ إلى الزجر والتأديب، وفيه هجر لهذا الإنسان حتى يرجع إلى دين الله، ويراجع الصواب. فقوله ﷺ : (لا تباغضوا ولا تدابروا ولا تحاسدوا) أي: لا تتعاطوا أسباب ذلك، أسباب الهجر، وأسباب القطيعة، وأسباب الحسد، وأسباب البغضاء، فالمسلم يرى نفسه أخاً لأخيه المسلم، ويحب لأخيه ما يحب لنفسه، فإذا أمر بالمعروف كان أمره بالمعروف معروفاً، وإذا نهى عن المنكر لم يكن فاحشاً ولا بذيئاً، قال رسول الله ﷺ : (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه) فيكون الإنسان المؤمن رءوفاً رحيماً لطيفاً رفيقاً مع من يأمرهم من الناس، ويتمنى أن يتركوا ذلك الشيء السيئ قبل أن يأتيهم، وشتان بين إنسان تواضع لله وأخلص النية لله، وإنسان آخر أراد أن يقال عنه: فلان كذا، وفلان كذا.

стр. 1680

نهي المسلم عن المرح والخيلاء والكبر قال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء:٣٧] المرح: هو التبختر، أن يمشي الإنسان متخبترا مستكبرا يختال في مشيته، ففي الأثر عن غضيف بن الحارث قال: أتيت بيت المقدس أنا وعبد الله بن عبيد بن عمير، فجلسنا إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁، فسمعته يقول: إن القبر يكلم العبد إذا وضع فيه، يقول: يا ابن آدم! ما غرك بي ما غرك بي؟ ألم تعلم أني بيت الوحدة؟ ألم تعلم أني بيت الظلمة؟ ألم تعلم أني بيت الحق؟ يا ابن آدم ما غرك بي؟ لقد كنت تمشي حولي فداداً. هذه الموعظة ليس حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ ، وإنما هي من قول عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه, فلما قال: لقد كنت تمشي حولي فداداً، قال غضيف: ما الفداد يا أبا أسماء؟ قال: كبعض مشتيك يا ابن أخي! فالفداد: أن يمشي المرء مختالاً متكبراً، يدق برجليه على الأرض ويقفز، وهذا من أدبه ﵁ حين قال: كبعض مشيتك يا ابن أخي! فلم يقل له: كمشيتك دائماً، وإنما قال: أحياناً. ومشية الفداد أصلها مشية أصحاب الإبل، وقد ذكر النبي ﷺ أن الفخر والخيلاء في الفدادين من أصحاب الإبل؛ فعندما يكون فوق الجمل يحس أنه أعلى من الناس, والرقة والتواضع في أهل الغنم، كذا ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض: أن الإنسان حين يكون معه مال، ومراكب عالية فارهة يستكبر على الخلق، ويمشي بينهم مرحاً باختيال وفخر، فحذر الله من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان:١٨] ويأبى الله أن يدخل الجنة إنساناً في قلبه مثقال ذرة من كبر، فكيف بالإنسان المستكبر! فالكبر من خصوصيات الله ، وهي صفة لا تليق إلا به سبحانه، فالكبر لله ، والعظمة لله؛ لأنه يستحق ذلك ، أما المخلوق الضعيف الذي خلق من طين، وخلق من تراب يداس إذا مشى الناس فوقه ما الذي يدعوه إلى الاستكبار وهو ضعيف؟! بل إذا كان ذا غنىً وقوة فإنه يرجع إلى الضعف مرة أخرى، فالكبر لله ، وهي صفة جلال له وحده ولذلك يقول الله سبحانه في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني في واحدة منهما أدخلته النار) فالله سبحانه ﵎ له العزة، والمؤمن له عزة، بأن يعزه الله سبحانه وليس لأصله، ولكن الله يعز المؤمنين بإيمانهم، إذاً: العزة صفة جلال وكمال لله ، فالكبرياء والعظمة والعزة له ، فإذا كان الإنسان يتعزز على خالقه ويستكبر على الخلق وعلى الخالق، فإنه يستحق أن يكون في النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ [لقمان:١٨] أي: يختال ويعجب بنفسه وبرأيه وحسنه، ويعجب بأن حوله أنصاراً وأولاداً، فهو معجب بنفسه، مختال فخور مكاثر للخلق في المال والولد والجاه والوجاهة والذكاء، ويظن أنه أفضل من غيره، قال تعالى: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) فارجع الأمر إلى صاحبه وقل: اللهم وفقني إلى كذا، قال تعالى: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨] فالتوفيق بالله سبحانه وليس بذات العبد في نفسه. فمن وصية لقمان لابنه: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) وجاء في حديث النبي ﷺ : (من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة) فإذا كان الإنسان يمشي وثوبه إلى الأرض لا ينظر الله إليه لا في الدنيا وهو يصلي ولا في الآخرة، فإذا كان هذا محله عند ربه سبحانه الاحتقار والازدراء، فليس من الممكن أن يكون هذا الإنسان من أهل الجنة؛ بل إن هذا يستحق أن يكون في النار.

стр. 1681

تفسير قوله تعالى: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) يقول لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] أي: لا يكن مشيك اختيالاً، وليكن مشيك فيه قصد وسكينة، وليس معناه: أنك لا تسرع، فهناك فرق بين إنسان مستعجل في حاجة من حوائجه، وبين إنسان يقفز على الأرض، يسرع فرحاً بنفسه معجباً، فلا بد أن تقصد في مشيك كعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وقد كانت مشية النبي ﷺ بحسب حاجته، فكان هادئاً في مشيته، ولكن كان يسرع كالذي ينزل من على جبل. قال تعالى: (واغضض من صوتك) أي: عود نفسك على ذلك، فلا يكن صوتك عالياً؛ لأن الصوت العالي صوت الحيوان, فالحيوان في الغابة إذا رفع صوته يغيظ غيره، فالحمار ينهق، والأسد يزأر، والنمر يصرخ لكي ينبه غيره أنه موجود في المكان، والإنسان ليس حيواناً فلماذا يرفع صوته؟! فلا بد للإنسان أن يغض من صوته فيتلكم بصوت خفيف سواء كان رجلاً أو امرأة، فاغضض صوتك فإنك لا تخاطب أصم، وارفع صوتك بالقدر الذي تسمع به غيرك. يقول الله على لسان لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] إن الصوت المنكر الفاحش هو صوت الحمير، فالإنسان يغض من صوته سواء كان في درس علمي أو خطبة أو توضيح أو كلام مع الناس على القدر الذي يسمعك به فقط ليس أكثر من ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فقد جعل الله صوت الحمار أقبح صوت، ومثله الذي يرفع صوته في الناس، وهنا لعل هذا التنبيه الذي يذكره الله لأن العرب في الجاهلية اعتادوا على رفع الأصوات ظناً منهم أن رفع الصوت من التغلب على الغير، فجاء الإسلام وعلمنا التعقل؛ لأن بالعقل تغلب غيرك وليس بعلو صوتك، قيل: إن العرب كانوا يعتبرون من هو أشد صوتاً فيهم أعز نفس فيهم، ومن هو أخفض صوتاً يكون أذل رجل فيهم، يقول شاعرهم: جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عد الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم والظليم: الضبي سريع الجري، والأين: هو الإنسان الذي أصابه الإعياء، ومعناه: أنه يلحق الذي أصابه الإعياء ويجري إليه ليعينه، ويعلو الرجال بخلق عمم، أي: أنه أعلى من الرجال في الخلق، طويل عريض أعلى من غيره، هذه هي الأشياء التي يكون الإنسان عزيزاً بها عندهم، لكن الإسلام علمنا أن الإنسان قد تحتقر منظره ويكون عند الله أعظم من جبل أحد، فإن الصحابة لما رأوا عبد الله بن مسعود وهو على شجرة يجني ثمارها ضحكوا، فسألهم النبي ﷺ : (مم تضحكون؟ قالوا: نعجب من دقة ساقيه) فرجلاه رفيعتان جداً، نضحك عليه لذلك فقال النبي ﷺ : (لهي عند الله أعظم من جبل أحد) أي: هاتان الرجلان اللتان لا تعجباكم وتضحكون منها هي عند الله أوزن وأثقل من جبل أحد في ميزانه ﵁. نسأل الله أن يعلمنا ديننا وأن يفقهنا فيه، وأن يرزقنا العلم والحلم وحسن الخلق. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1682

تفسير سورة لقمان [٢٠ - ٢٢] يعدد الله في آياته القرآنية ما أسبغ على عباده من النعم الوفيرة، فقد سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ولكن بعض الناس يقابل نعمة الله بالجحود والنكران، وآيات الله بالجدال والعناد بغير علم ولا دليل ولا بينة، اتبع الآباء والأجداد في العبادات والطاعات، وأعرض عن رب الأرض والسماوات، والناجي والفائز بجنة الله هو من أسلم وجهه لله وأحسن إسلامه لربه.

стр. 1683

نعم الله في السماوات والأرض الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٠ - ٢٢]. في هذه الآيات من سورة لقمان يخبر الله عباده عن قدرته العظيمة في خلق السماوات والأرض، وتسخيره لعباده ما في السموات وما في الأرض لنفعهم. وهذه الآيات مرئية أمام الإنسان، ولذا يقول الله لعباده: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ [لقمان:٢٠]، أي: هلا تدبرتم ونظرتم في خلق السموات والأرض، وما سخر الله لعباده فيها، فعرفتم كيف خلق الله سبحانه، وكيف منح وتفضل على خلقه بأن نفعهم بذلك. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ [لقمان:٢٠] أي: لنفعكم، فجعل الله هذه الأشياء مسيرة بقضائه وقدره وقدرته، وسخرها: سيرها كما يريد ، فينتفع الخلق بما خلق سبحانه، وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:٢٠] أي: ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة لمنفعة العباد، وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وأرسل الرياح على العباد فيها النسيم وفيها منافع للخلق، لو نظروا وتأملوا فيها لعرفوا بديع خلق الله سبحانه، وعرفوا رحمة الله بعباده. وسخر لكم ما في الأرض من نعم الله سبحانه في الجبال، وفي الأشجار، والثمار، وفي البحار والمحيطات والأنهار، وغيرها من الأشياء التي خلقها الله في الأرض فيرى الإنسان كيف سخرها الله لينتفع العبد بها. قال الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان:٢٠]، فنعم الله عظيمة، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، والله بالناس رءوف رحيم سبحانه، حيث أنعم عليهم بالنعم العظيمة والكثيرة الجليلة الوفيرة، ومع هذا فالعباد في بعد عن الله ، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، أي: ظالم لنفسه، كنود جحود لنعم الله عليه، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ [لقمان:٢٠]، الإسباغ: الإكمال والإتمام والإحاطة بنعمة ربنا ، فقد أحاطنا بنعمه العظيمة، ففي الليل والنهار نرى نعم الله علينا وعلى أهلينا، وفي أرضنا وديارنا، في كل مكان نرى نعم الله ، وفي كل شيء له آية ونعمة وفضل، فأسبغ، أي: أتم النعمة وأكملها بفضله .

стр. 1684

أقوال المفسرين في النعم الظاهرة والباطنة قال الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، (نعمه) جمع نعمة، وقد قرئت بالإفراد، وقرئت بالجمع، فقراءة الجمع قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو البصري، وقراءة حفص عن عاصم: نعمه ظاهرة وباطنة، فبالإفراد قرأ جمهور القراء: ((وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَة ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة))، و (نعمة): جنس، من باب قول الله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٣٤]، أي: نعم الله سبحانه، فالجنس يعبر فيه بالإفراد عن الجمع، وجنس النعمة منه سبحانه، والمفسرون يذكرون النعم الظاهرة والباطنة على اختلاف الروايات واختلاف تفسيرها، وإن كان المعنى لا يختلف، ولكن كل يذكر شيئاً من هذه النعم العظيمة. يقول ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام، وما حسن من الخلق، وهذه نعمة ظاهرة على الإنسان، فالله سبحانه أنزل هذا القرآن العظيم، فهدى به العباد ظاهراً بدينه سبحانه، فظهر الإسلام في الأرض، وهداهم بفضله ، فحسنت أخلاقهم، وظهرت أمام الخلق كنعمة ظاهرة من الله سبحانه. كذلك أتم على العباد نعمة الخلق، فجعل الإنسان سوياً معتدلاً، يمشي على رجليه، ويقف على قدميه، فمن فضل الله سبحانه ﵎. أن خلق الإنسان فسواه فعدله وهذه نعمة ظاهرة. قال ابن عباس: والباطنة ما ستر عليك من سيئ عمل، وذلك أن العبد قد يقع في السيئات، والله يسترها عليه، ولا يفضحه بفضله وبرحمته. ويقول بعض العلماء: النعمة الظاهرة: الصحة وكمال الخلق، فالله جعل الإنسان سوياً معتدلاً كاملاً، ينطق ويتكلم، ليس أعجمياً لا يجيد النطق، ولكن ينطق ويعبر عن نفسه، وليس كالحيوان الأعجم، والنعمة الباطنة: المعرفة والعقل، فالله أعطى الإنسان معرفة في قلبه، وعقلاً يعقل به ويفهم، وهذه من النعم الباطنة. وقالوا أيضاً: النعم الظاهرة نعم الدنيا، وما يحصله الإنسان من الدنيا من نعم الله سبحانه، والنعم الباطنة أي: الخفية، مما يكون في الدار الآخرة، فالعبد يعمل الصالحات -وهذه نعمة من الله ويأخذ الثواب، وهذه نعمة خفية باطنة مستترة عنه؛ فهو لم ير الثواب ولكنه يوم القيامة سوف يجده. كذلك قالوا: النعمة الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال، وتوفيق الله لعباه في الطاعات، والنعم الباطنة: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من العلم بالله سبحانه، ومن حب الله سبحانه، ومن المودة في الله والإخاء فيه، ومن حسن اليقين به، وغير ذلك مما يدفعه الله سبحانه عن العبد من الآفات، فهذه بعض نعم الله الظاهرة والباطنة.

стр. 1685

معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) إذا كانت نعم الله على العباد بهذه الصورة العظيمة، فلم يجادل الإنسان بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ ولم يكثر من الجدل فيضيع عمره في المناقشة وفي الهراء، ولا يريد أن يشكر نعمة الله عليه؟ قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠]، أي: يجادل في أمر الله سبحانه، كما قالوا عن النبي ﷺ أنه مجنون، وساحر، وكذاب، وهم أدرى الناس بكذبهم وأنه ﷺ ليس بمجنون ولا ساحر ولا كذاب، ولكنهم يفترون على الله ورسوله الكذب، ويجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أي: بغير آثار من العلم، وبغير كتاب نزل من عند الله ، وبغير علم عقلي، ففي عقولهم غباء، فهي غائبة عن الحق ولذلك يجادلون بالباطل. وقوله: ﴿وَلا هُدًى﴾ [لقمان:٢٠]، أي: ولا هداية، بل هم في ضلال. وقوله: ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠] أي: كتاب منزل من عند رب العالمين سبحانه. هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، وهذا العلم الذي جاء من عند الله، كان الجواب ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، وكأن الآباء هم أعلم الناس بكل شيء، وكأنهم كانوا على هدى، فهم يتبعونهم فيما هم فيه من الباطل، فاتبعوا آباءهم ليس لكونهم على هدى وإنما لعصبية جاهلية، فكما صنع الآباء صنعوا بغير نظر إلى الدليل ولا إلى البرهان، فيعبدون الأصنام والأحجار لأن آباءهم كانوا يفعلون ذلك، فهم يقلدونهم بغير تفكير ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير، وعندما يناقشون أمراً من الأمور فكأنهم بلا عقول.
следующие страницы →