← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

تفسير قوله تعالى: (واقصد في مشيك واغضض من صوتك) يقول لقمان لابنه: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] أي: لا يكن مشيك اختيالاً، وليكن مشيك فيه قصد وسكينة، وليس معناه: أنك لا تسرع، فهناك فرق بين إنسان مستعجل في حاجة من حوائجه، وبين إنسان يقفز على الأرض، يسرع فرحاً بنفسه معجباً، فلا بد أن تقصد في مشيك كعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً، وقد كانت مشية النبي ﷺ بحسب حاجته، فكان هادئاً في مشيته، ولكن كان يسرع كالذي ينزل من على جبل. قال تعالى: (واغضض من صوتك) أي: عود نفسك على ذلك، فلا يكن صوتك عالياً؛ لأن الصوت العالي صوت الحيوان, فالحيوان في الغابة إذا رفع صوته يغيظ غيره، فالحمار ينهق، والأسد يزأر، والنمر يصرخ لكي ينبه غيره أنه موجود في المكان، والإنسان ليس حيواناً فلماذا يرفع صوته؟! فلا بد للإنسان أن يغض من صوته فيتلكم بصوت خفيف سواء كان رجلاً أو امرأة، فاغضض صوتك فإنك لا تخاطب أصم، وارفع صوتك بالقدر الذي تسمع به غيرك. يقول الله على لسان لقمان: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] إن الصوت المنكر الفاحش هو صوت الحمير، فالإنسان يغض من صوته سواء كان في درس علمي أو خطبة أو توضيح أو كلام مع الناس على القدر الذي يسمعك به فقط ليس أكثر من ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] فقد جعل الله صوت الحمار أقبح صوت، ومثله الذي يرفع صوته في الناس، وهنا لعل هذا التنبيه الذي يذكره الله لأن العرب في الجاهلية اعتادوا على رفع الأصوات ظناً منهم أن رفع الصوت من التغلب على الغير، فجاء الإسلام وعلمنا التعقل؛ لأن بالعقل تغلب غيرك وليس بعلو صوتك، قيل: إن العرب كانوا يعتبرون من هو أشد صوتاً فيهم أعز نفس فيهم، ومن هو أخفض صوتاً يكون أذل رجل فيهم، يقول شاعرهم: جهير الكلام جهير العطاس جهير الرواء جهير النعم ويعدو على الأين عد الظليم ويعلو الرجال بخلق عمم والظليم: الضبي سريع الجري، والأين: هو الإنسان الذي أصابه الإعياء، ومعناه: أنه يلحق الذي أصابه الإعياء ويجري إليه ليعينه، ويعلو الرجال بخلق عمم، أي: أنه أعلى من الرجال في الخلق، طويل عريض أعلى من غيره، هذه هي الأشياء التي يكون الإنسان عزيزاً بها عندهم، لكن الإسلام علمنا أن الإنسان قد تحتقر منظره ويكون عند الله أعظم من جبل أحد، فإن الصحابة لما رأوا عبد الله بن مسعود وهو على شجرة يجني ثمارها ضحكوا، فسألهم النبي ﷺ : (مم تضحكون؟ قالوا: نعجب من دقة ساقيه) فرجلاه رفيعتان جداً، نضحك عليه لذلك فقال النبي ﷺ : (لهي عند الله أعظم من جبل أحد) أي: هاتان الرجلان اللتان لا تعجباكم وتضحكون منها هي عند الله أوزن وأثقل من جبل أحد في ميزانه ﵁. نسأل الله أن يعلمنا ديننا وأن يفقهنا فيه، وأن يرزقنا العلم والحلم وحسن الخلق. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1682

تفسير سورة لقمان [٢٠ - ٢٢] يعدد الله في آياته القرآنية ما أسبغ على عباده من النعم الوفيرة، فقد سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما، ولكن بعض الناس يقابل نعمة الله بالجحود والنكران، وآيات الله بالجدال والعناد بغير علم ولا دليل ولا بينة، اتبع الآباء والأجداد في العبادات والطاعات، وأعرض عن رب الأرض والسماوات، والناجي والفائز بجنة الله هو من أسلم وجهه لله وأحسن إسلامه لربه.

стр. 1683

نعم الله في السماوات والأرض الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ * وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٠ - ٢٢]. في هذه الآيات من سورة لقمان يخبر الله عباده عن قدرته العظيمة في خلق السماوات والأرض، وتسخيره لعباده ما في السموات وما في الأرض لنفعهم. وهذه الآيات مرئية أمام الإنسان، ولذا يقول الله لعباده: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ [لقمان:٢٠]، أي: هلا تدبرتم ونظرتم في خلق السموات والأرض، وما سخر الله لعباده فيها، فعرفتم كيف خلق الله سبحانه، وكيف منح وتفضل على خلقه بأن نفعهم بذلك. ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ [لقمان:٢٠] أي: لنفعكم، فجعل الله هذه الأشياء مسيرة بقضائه وقدره وقدرته، وسخرها: سيرها كما يريد ، فينتفع الخلق بما خلق سبحانه، وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [لقمان:٢٠] أي: ما في السماوات من شمس وقمر ونجوم وملائكة لمنفعة العباد، وأنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وأرسل الرياح على العباد فيها النسيم وفيها منافع للخلق، لو نظروا وتأملوا فيها لعرفوا بديع خلق الله سبحانه، وعرفوا رحمة الله بعباده. وسخر لكم ما في الأرض من نعم الله سبحانه في الجبال، وفي الأشجار، والثمار، وفي البحار والمحيطات والأنهار، وغيرها من الأشياء التي خلقها الله في الأرض فيرى الإنسان كيف سخرها الله لينتفع العبد بها. قال الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان:٢٠]، فنعم الله عظيمة، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، والله بالناس رءوف رحيم سبحانه، حيث أنعم عليهم بالنعم العظيمة والكثيرة الجليلة الوفيرة، ومع هذا فالعباد في بعد عن الله ، ولذلك قال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، أي: ظالم لنفسه، كنود جحود لنعم الله عليه، قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ﴾ [لقمان:٢٠]، الإسباغ: الإكمال والإتمام والإحاطة بنعمة ربنا ، فقد أحاطنا بنعمه العظيمة، ففي الليل والنهار نرى نعم الله علينا وعلى أهلينا، وفي أرضنا وديارنا، في كل مكان نرى نعم الله ، وفي كل شيء له آية ونعمة وفضل، فأسبغ، أي: أتم النعمة وأكملها بفضله .

стр. 1684

أقوال المفسرين في النعم الظاهرة والباطنة قال الله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان:٢٠]، (نعمه) جمع نعمة، وقد قرئت بالإفراد، وقرئت بالجمع، فقراءة الجمع قراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو البصري، وقراءة حفص عن عاصم: نعمه ظاهرة وباطنة، فبالإفراد قرأ جمهور القراء: ((وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَة ظَاهِرَةً وَبَاطِنَة))، و (نعمة): جنس، من باب قول الله : ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [إبراهيم:٣٤]، أي: نعم الله سبحانه، فالجنس يعبر فيه بالإفراد عن الجمع، وجنس النعمة منه سبحانه، والمفسرون يذكرون النعم الظاهرة والباطنة على اختلاف الروايات واختلاف تفسيرها، وإن كان المعنى لا يختلف، ولكن كل يذكر شيئاً من هذه النعم العظيمة. يقول ابن عباس: النعمة الظاهرة الإسلام، وما حسن من الخلق، وهذه نعمة ظاهرة على الإنسان، فالله سبحانه أنزل هذا القرآن العظيم، فهدى به العباد ظاهراً بدينه سبحانه، فظهر الإسلام في الأرض، وهداهم بفضله ، فحسنت أخلاقهم، وظهرت أمام الخلق كنعمة ظاهرة من الله سبحانه. كذلك أتم على العباد نعمة الخلق، فجعل الإنسان سوياً معتدلاً، يمشي على رجليه، ويقف على قدميه، فمن فضل الله سبحانه ﵎. أن خلق الإنسان فسواه فعدله وهذه نعمة ظاهرة. قال ابن عباس: والباطنة ما ستر عليك من سيئ عمل، وذلك أن العبد قد يقع في السيئات، والله يسترها عليه، ولا يفضحه بفضله وبرحمته. ويقول بعض العلماء: النعمة الظاهرة: الصحة وكمال الخلق، فالله جعل الإنسان سوياً معتدلاً كاملاً، ينطق ويتكلم، ليس أعجمياً لا يجيد النطق، ولكن ينطق ويعبر عن نفسه، وليس كالحيوان الأعجم، والنعمة الباطنة: المعرفة والعقل، فالله أعطى الإنسان معرفة في قلبه، وعقلاً يعقل به ويفهم، وهذه من النعم الباطنة. وقالوا أيضاً: النعم الظاهرة نعم الدنيا، وما يحصله الإنسان من الدنيا من نعم الله سبحانه، والنعم الباطنة أي: الخفية، مما يكون في الدار الآخرة، فالعبد يعمل الصالحات -وهذه نعمة من الله ويأخذ الثواب، وهذه نعمة خفية باطنة مستترة عنه؛ فهو لم ير الثواب ولكنه يوم القيامة سوف يجده. كذلك قالوا: النعمة الظاهرة: ما يرى بالأبصار من المال والجاه والجمال، وتوفيق الله لعباه في الطاعات، والنعم الباطنة: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من العلم بالله سبحانه، ومن حب الله سبحانه، ومن المودة في الله والإخاء فيه، ومن حسن اليقين به، وغير ذلك مما يدفعه الله سبحانه عن العبد من الآفات، فهذه بعض نعم الله الظاهرة والباطنة.

стр. 1685

معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) إذا كانت نعم الله على العباد بهذه الصورة العظيمة، فلم يجادل الإنسان بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير؟ ولم يكثر من الجدل فيضيع عمره في المناقشة وفي الهراء، ولا يريد أن يشكر نعمة الله عليه؟ قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠]، أي: يجادل في أمر الله سبحانه، كما قالوا عن النبي ﷺ أنه مجنون، وساحر، وكذاب، وهم أدرى الناس بكذبهم وأنه ﷺ ليس بمجنون ولا ساحر ولا كذاب، ولكنهم يفترون على الله ورسوله الكذب، ويجادلون بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أي: بغير آثار من العلم، وبغير كتاب نزل من عند الله ، وبغير علم عقلي، ففي عقولهم غباء، فهي غائبة عن الحق ولذلك يجادلون بالباطل. وقوله: ﴿وَلا هُدًى﴾ [لقمان:٢٠]، أي: ولا هداية، بل هم في ضلال. وقوله: ﴿وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان:٢٠] أي: كتاب منزل من عند رب العالمين سبحانه. هؤلاء الذين يجادلون في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله، وهذا العلم الذي جاء من عند الله، كان الجواب ﴿ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، وكأن الآباء هم أعلم الناس بكل شيء، وكأنهم كانوا على هدى، فهم يتبعونهم فيما هم فيه من الباطل، فاتبعوا آباءهم ليس لكونهم على هدى وإنما لعصبية جاهلية، فكما صنع الآباء صنعوا بغير نظر إلى الدليل ولا إلى البرهان، فيعبدون الأصنام والأحجار لأن آباءهم كانوا يفعلون ذلك، فهم يقلدونهم بغير تفكير ولا علم ولا هدى ولا كتاب منير، وعندما يناقشون أمراً من الأمور فكأنهم بلا عقول.

стр. 1686

صورة من صور الجدال بغير علم إن أوضح مثال على الجدال بغير علم تلك المناقشة التي دارت بين الكفار وبين النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد جاء في حديث رواه أبو يعلى عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: اجتمعت قريش للنبي صلوات الله وسلامه عليه يوماً، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل، وهذا هو العلم الذي يزعمونه، فهو إما سحر أو شعر أو كهانة، فهم يريدون أحداً منهم عنده علم بهذه الأشياء ويجادل النبي ﷺ ، قالوا: فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وشتت أمرنا وعادى ديننا، فليكلمه ولينظر ما يرد عليه، فبحثوا عن أعلم الناس بالشعر والسحر والكهانة، فوجدوا واحداً منهم، وهو عتبة بن ربيعة، رجل من كبار المشركين، وكنيته أبا الوليد، فقالوا: أنت يا أبا الوليد أعلم الناس بهذه الأشياء، فاذهب إلى محمد فانظر ماذا يقول، فذهب عتبة بن ربيعة -وهو أحد قتلى بدر هو وأخوه شيبة بن ربيعة وابنه الوليد بن عتبة، كلهم قتلوا في يوم بدر كفاراً- فذهب إلى النبي ﷺ -والغرض هو بيان كيف يناقش هذا الرجل- فقال للنبي ﷺ : يا محمد! أنت خير أم عبد الله؟ وهذه من المناقشات الغبية التي ليس فيها فائدة، فكما أنهم يقدسون آباءهم ويتبعونهم بحق أو باطل من غير تفكير، كذلك يريد أن يقول للنبي ﷺ . فالنبي ﷺ لم يرد على هذا الكلام الفارغ؛ لأنه لا يستحق أن يرد، فسكت النبي ﷺ ، فقال الرجل: يا محمد! أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله ﷺ ، فقال الرجل: إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي نعبد. وهو يريد أن يوصل النبي ﷺ إلى نتيجة معينة، فالعادة أن الإنسان يستحي إذا قيل له: أنت أحسن أو أبوك؟ فيقول: بل أبي أحسن، فيقال له: إذا كان أبوك أحسن فإنه عبد الأصنام، فلماذا لا تعبدها؟ ولذلك فقد وفق الله النبي ﷺ فلم يجب على هذا الجاهل. فإذا بالرجل يفترض له الافتراض الجدلي الباطل، ويريد أن يلزم النبي ﷺ بأمر من أمرين: أما أن يكون هو خيراً أو أبوه، وإذا كان أبوه وجده خيراً منه فلماذا لا يعبد الآلهة التي كانوا يعبدونها؟ ولماذا يعيبها؟ وإذا كان هو خيراً منهم فليقل ذلك. وكأن هذا الأحمق الجاهل الغبي لم يسمع بهذا القرآن، ولم يسمع شيئاً مما قاله النبي ﷺ عندما كان يدعوهم ويقرأ عليهم القرآن، وهم يعرضون عنه ولا يريدون أن يسمعوه، ثم قال للنبي ﷺ ، تكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أن في قريش ساحراً وكاهناً، والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى. كل هذا يقوله للنبي ﷺ ، والمعنى: أنت السبب في هذا كله، فلم يبق إلا أن نقتل بعضنا بعضاً بسببك أنت، يقول هذا الكلام من غير تعقل ولا تفكير، فهو وقومه لا يفهمون ما جاء به محمد ﷺ ، فقد طمس الله على قلوبهم وعقولهم، وعلى بصائرهم وأبصارهم. ثم قال للنبي ﷺ : إن كان إنما بك الحاجة -أي: إذا كنت تفعل ذلك لأنك فقير محتاج- جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة -أي: تريد أن تتزوج- اخترنا لك من نسائنا -أي: نساء قريش- فنزوجك عشراً، فقال رسول الله ﷺ : (أفرغت)؟ أي: هل أكملت كلامك؟ -فقال: نعم، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥]، حتى بلغ قول الله : ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، فقال عتبة: حسبك حسبك)، أي: يكفي، فهو لا يريد أن يسمع أكثر ذلك. ثم رجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك؟ أي: ما الذي عملته مع النبي ﷺ ؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، أي: قلت له كل ما تريدونه قوله له، قالوا له: فهل أجابك؟ قال: نعم، ثم قال: والذي نصبها بنية -يحلف برب الكعبة- ما فهمت شيئاً مما قال، غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، فقالوا له متعجبين: ويلك! رجل يكلمك بالعربية فلا تدري ماذا يقول! مع أنهم بحثوا عن أعلم رجل بالشعر والسحر والكهانة ليذهب إلى النبي ﷺ ، قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ما ذكر من الصاعقة. هذا هو حالهم وتفكيرهم وجدلهم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهم لا يعقلون شيئاً، وصدق الله العظيم سبحانه حيث قال فيهم: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة:٧]، فهذا حالهم في الدنيا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ [الحج:٣]، فليس عنده علم عقلي، ولا هو على هداية، ولا على كتاب من عند رب العالمين سبحانه حتى يعرف الحق من الباطل.

стр. 1687

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله) قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، أي: إن الذي كان يعبده آباؤنا سوف نعبده نحن، فيعبدون الأصنام والأحجار، وإذا قال لهم النبي ﷺ : هذه الأحجار والأصنام لا تنفعكم، إن الذي ينفعكم هو الله الذي في السماء، فلماذا تعبدون هذه الأحجار؟ قالوا: إنها تقربنا إلى الله زلفى إنهم لا يعقلون ولا يفكرون، ومهما أوتوا من علم دنيوي من تجارة، أو صناعة أو غيرها، فهم في غفلة عن الخالق ، وهذا حال الكفار، يعبدون غير الله سبحانه، ويهرفون بما لا يعرفون. إن أحد الأطباء سافر إلى اليابان لتحضير الدكتوراه في المخ والأعصاب، عندما تكلم عن اليابانيين وعن المستوى العلمي والراقي الذي وصلوا إليه، وأنهم فاقوا أهل الدنيا في العلم وجراحة المخ والأعصاب وغيرها من العلوم، هذا الدكتور الذي تعلم هناك يحكي عن الأساتذة اليابانيين أنه عندما يأتي وقت العبادة -مع هذا الرقي العظيم في العلم الدنيوي- يذهبون إلى المعبد ليعبدوا بوذا، وهو تمثال كبير من حجر، وعندما يدخلون المعبد يدقون الجرس حتى يصحوا بوذا من النوم، فهو راقد كسلان، فإذا قام من النوم عبدوه!! إن هؤلاء لا عقول لهم، وقد طبع الله على قلوبهم وختم على عقولهم وأبصارهم، فلا يفهمون شيئاً، حتى إن الإله الذي يعبدونه يحتاج إلى من يوقظه من النوم! قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فالله سبحانه لا نوم يأخذه ولا حتى غفلة يسيرة، فهو سبحانه كما يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١]، فلو نام الإله كما يزعمون لزالت السموات والأرض، فهو الذي يقوم عليها ويمسكها ، ومع ذلك يعبدون آلهة من دونه، ويتعجبون من النبي ﷺ ، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، أي: كيف تكون الآلهة هذه إلهاً واحداً فقط؟ وهذا من جهلهم وغيهم، وعدم معرفتهم. يقولون: إن الذي ينفع ويضر هو إله واحد في السماء، ومع ذلك فإنهم يعبدون آلهة كثيرة، وعندما يقول لهم النبي ﷺ : إن الله هو الخالق سبحانه، وهو الذي يستحق العبادة، يتعجبون ويصفقون بأيديهم وأرجلهم، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ومما يدل على أن هؤلاء لا عقول لهم أن أبا جهل وغيره عندما يدعون يقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢]، بمعنى: يا رب! إذا كان هذا الذي جاء به محمد حقاً فأنزل علينا حجارة من السماء! مع أن الإنسان العاقل يقول: يا رب! إذا كان هذا حقاً فاهدني إليه، ويقولون كذلك: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، أي: أنهم يستعجلون إنزال العذاب قبل يوم القيامة، ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:٢١]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة:١٧٠]، أيي: ما وجدنا عليه آباءنا، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]، الشيطان يدعوهم إلى نار الجحيم الملتهبة، فهم قد أغمضوا أعينهم وساروا إلى نار السعير بغير هدى ولا بصيرة ولا تعقل، ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان:٢١]، أي: هلا تفكروا في ذلك؟ فالنبي ﷺ يدعوهم إلى رحمة رب العالمين سبحانه، والشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير، وهم وراء الشيطان حتى يلجوا معه النار.

стр. 1688

تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن) إن المؤمنين يسلمون وجوههم لرب العالمين، ولذلك مدحهم سبحانه فقال: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، إن (المسلم) كلمة عظيمة سمانا بها ربنا سبحانه، فلا نرضى بغيرها بديلاً عنها، فنحن المسلمون، والمؤمنون، وعباد الله، كما قال النبي ﷺ : (كونوا عباد الله كما سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله)، قال الله سبحانه: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فملة أبينا إبراهيم هي ملة الإسلام، والله سمانا المسلمين من قبل، ولم نسم أنفسنا، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ [لقمان:٢٢] يدل على أن وجه الإنسان أشرق ما فيه، فإذا أسلم وجهه لله فباقي الأعضاء تبع له. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [لقمان:٢٢]، قيد لمن يكون هذا حاله، وهو أن يحسن في العمل ويتقرب إلى الله كأنه يراه، كما قال النبي ﷺ في درجة الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، فالذي يسلم وجهه إلى الله ويحسن في العمل ويخلص لله سبحانه، فيعبده كأنه يراه؛ فهو المستمسك بالعروة الوثقى، قال الله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢]، والعروة هي الحلقة التي تدق في الحائط ويشد عليها الحبل حتى تصل إلى الشيء المراد ربطه. فهذه العروة الوثقى هي التي توصل الإنسان إلى طريق كلمة لا إله إلا الله، أو دين الإسلام العظيم، والعروة الوثقى في جنة رب العالمين سبحانه، ودين الإسلام حبل طرفه بيد المسلم، فعلى الإنسان أن يستمسك بالعروة الوثقى حتى يصل إلى جنة رب العالمين سبحانه، وقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢] أي: مرجع الأمور. نسأل الله سبحانه حسن المرجع والمآب والإخلاص والإحسان. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1689

تفسير سورة لقمان [٢٢ - ٢٨] يخبر الله سبحانه في هذه الآيات أن من استسلم وانقاد له وأحسن فإنه قد استمسك بلا إله إلا الله، وبدين الإسلام، وأنه سيثبته على ذلك حتى يلقاه، ثم يقول لبنيه ﵊: لا تحزن على من كفر بالله ولم يؤمن به حزناً يهلكك فلا تستطيع بسببه أن تدعو إلى الله ، وقد حزن عليهم النبي ﷺ لأن قلبه مملوء بالرحمة، وهؤلاء أمرهم إلى الله فهو الذي سيحاسبهم ويعاقبهم على كفرهم.

стр. 1690

تفسير قوله تعالى: (ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة لقمان: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ * وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٢ - ٢٨]. يخبر الله أن المؤمنين هم الذين يسلمون أنفسهم ويوجهون وجوههم إلى الله ، فهم مستسلمون لله في أمره ونهيه وبقضائه وقدره، راضون بشرعه سبحانه، محسنون يعبدون الله كأنهم يرونه ويخافونه ويستيقنون أنه معهم سبحانه، فهؤلاء الذين تمسكوا بالعروة الوثقى، وأخذوا بحبل الله سبحانه الذي ينجيهم الله به ويوصلهم إلى جنته قال تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [لقمان:٢٢] وهي قول لا إله إلا الله، وهي دين الإسلام، تمسكوا به فثبتهم الله عليه حتى يلقوه ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان:٢٢] أي: مرجعها.

стр. 1691

تفسير قوله تعالى: (ومن كفر فلا يحزنك كفره) يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في شأن الكفار ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا﴾ [لقمان:٢٣] ولا بد أن يحزن النبي ﷺ على هؤلاء الذين لا يؤمنون، وفرق بين حزن وحزن، فقد حزن النبي ﷺ على هؤلاء حزناً يكاد يصل بالنبي ﷺ إلى أن يهلك نفسه من شدة أسفه وحزنه عليهم، وهذا هو الذي نهاه الله عنه، أما أن يحزن على كفر هؤلاء ويرجو من الله أن يهديهم إلى دين الله سبحانه فلا بأس، وقد أبوا وأصروا على ما هم فيه من كفر، فحزن ﷺ لأن قلبه ملئ بالرحمة، قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٧] ولم يقل: للمسلمين، فقد كان رحمة للخلق جميعهم، فهو يتمنى الإيمان لجميع الخلق حتى ينجوا من النار، والحزن له مقدار معين، وإذا زاد عن هذا المقدار ربما أهلك صاحبه، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] (لعلك باخع نفسك) أي: مهلك نفسك (ألا يكونوا مؤمنين) أي: ليس المطلوب منك أن يشتد حزنك عليهم حتى تموت حزناً عليهم، فهم لا يستحقون ذلك، ووظيفتك ليست إدخال هؤلاء وتحويلهم عن دينهم، ولكن وظيفتك أن تبلغ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩] فاهتم بوظيفتك وهي تبليغ رسالة الله ، ولا يشتد بك الحزن فيمنعك عن الدعوة إلى الله سبحانه. فمن كفر من هؤلاء فلا يحزنك كفره، ولا تكن في ضيق مما يمكرون فالله معك: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فالله بنصره وبقوته يؤيد المؤمنين، فهو مع المتقين ومع المحسنين، وهو معك يا رسول الله! وقراءة الجمهور: (فلا يحزنك كفره) وقرأها نافع: (فلا يُحزنك كفره) من أحزن الرباعي والثانية من الثلاثي (حزن). (إلينا مرجعهم) أي: سيرجعون إلينا لنحاسبهم ونعاقبهم على ما فعلوا ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [لقمان:٢٣] لقد كذبوا على رسول الله ﷺ في الدنيا وكذبوا على الناس ولكن إذا جاءوا إلى ربهم يوم القيامة يوم الفزع الأكبر لن يقدروا على الكذب؛ فإن الله سيفضحهم بما كانوا يفعلون، فإن الله عليم بما أخفته نفوسهم وبما دار في صدورهم.

стр. 1692

تفسير قوله تعالى: (نمتعهم قليلاً ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) قال الله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا﴾ [لقمان:٢٤]، المسلم حين ينظر إلى الكفار وقد تمكنوا ويرى المسلمين في ضعف وقلة، والأعداء في كثرة وفي قوة وفي غناء حينما يرى ذلك يحزن، فالله يقول لا تحزن؛ فإن هذا متاع الحياة الدنيا ومتاع الحياة الدنيا قليل (نمتعهم قليلاً) وأين سيذهبون منا (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) إلى عذاب النار وبئس المصير، إلى عذاب شديد، فليس عذاباً سهلا هيناً يزول عنهم؛ بل إن عذابهم لا يزول، وهو عذاب غليظ يغلظه الله على الكفار. وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله يغلظ جلود الكفار) فجلد الإنسان في الدنيا له سمك معين، وجلد الكافر في نار جهم أضعاف مضاعفة فهو سميك جداً، ومعلوم أن أشد الإحساس في الإنسان يكون في جلده لما فيه من أعصاب كثيرة وفي عظمه أيضاً، فيكثف الله ويغلظ جلودهم حتى تستوعب العذاب الشديد في نار جهنم والعياذ بالله! وقد ورد عن النبي ﷺ : (أن ضرس الكافر كجبل أحد) إذاً: رأسه كيف سيكون؟ وجسده كيف سيكون؟ والمقصود هو أن ينال كل جزء من جسده عذاباً شديداً، والمؤمن يكون على خلق آدم ثلاثين ذراعاً في السماء، ولكن فرق بين المؤمنين وبين هؤلاء الكفار الذين يجعلهم الله على هيئة عظيمة ليذلهم فيرون أنهم مهما كبرت أجسادهم فإن النار تستوعبهم وتقول: هل من مزيد، ويغلظ عليهم العذاب في نار جنهم، ولا حياة كريمة في النار، ولا موت يريح هؤلاء الكفار. قال الله سبحانه: (نمتعهم!) أي: في الدنيا (قليلاً)، ومهما عمروا في الدنيا فلابد أن يرجعوا إلى الله ﴿(ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان:٢٤]، (نضطرهم) أي: نلجئهم إلى عذاب غليظ، فيدفعون إلى نار جهنم دفعاً ولا يقدرون على الهرب مع أحجامهم الضخمة يوم القيامة، فالكافر الذي يكون في الدنيا شيئاً عظيماً أمام الناس لا يزن عند الله جناح بعوضة في ميزان الحسنات والسيئات.

стр. 1693

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله) قال الله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥] تعجب من حال هؤلاء واحمد ربك على ما أنت فيه من نعمة، فهؤلاء الكفار إذا سئلوا من ربكم؟ من الذي خلقكم؟ يقولون: الله، فإذا سئلوا: من تعبدون؟ قالوا: الأصنام! أي عقول هذه العقول؟! يعرفون أن الله سبحانه هو الخالق ويوجهون الشكر والعبادة إلى غير الله سبحانه، (قل الحمد لله) على ما أنت فيه من نعمة، (بل أكثرهم لا يعلمون)، وإن علموا من الدنيا لكن علمهم بالله وهو أعظم العلوم وعلمهم باليوم الآخر لا شيء. فليس عندهم خوف من الله، وليس عندهم علم يقيني ينجيهم من النار، ولكن أنت أيها النبي صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنون معه عندكم العلم العظيم علم كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فقد عرفوا ربهم سبحانه بقدرته وبعظمته وبعلمه وبحكمته، عرفوا الله بآياته المرئية في الكون والمتلوة في كتاب الله سبحانه، فعبدوا الله ولجئوا إليه سبحانه وعلموا العلم الذي ينفعهم ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [لقمان:٢٥] (الحمد لله) أي: الثناء الحسن على الله سبحانه بما يستحقه وبما يليق به وبجلاله وكرمه وصفاته العظيمة، واشكر ربك سبحانه على ما أنعم عليك من نعمة الإسلام وكفى بها نعمة، وأهل الجنة حين يدخلون الجنة يقولون ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا﴾ [الأعراف:٤٣] فالهدى العظيم هدى الله يهدي به من يشاء.

стр. 1694

تفسير قوله تعالى: (لله ما في السموات والأرض) قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [لقمان:٢٦] يعني: هؤلاء الكفار المغترون بقوتهم وهم ضعفاء، المغترون بكثرتهم وهم قلة، المغترون بأموالهم ويظنون أنهم أغنى خلق الله سبحانه، يقول الله: لله ما في السموات والأرض، فكل ما في السموات وكل ما في الأرض بما في ذلك هؤلاء وما يملكون، كل ذلك ملك لله الغني سبحانه، فهو وحده لا شريك له الغني بذاته وما سواه مخلوق ومفتقر إليه ، فمهما أعطي المخلوق من مال فإنه يخاف الفقر ويخاف أن يضيع منه المال، ويشعر أنه لا بد أن يحرس المال حتى لا يذهب من بين يديه، ولكن الله الغني الغنى الكامل بذاته، عطاؤه كلام ومنعه كلام، إذا أراد شيئاً إنما يقول له كن فيكون، خزائن الله ملأى لا تنقصها نفقة سحاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق حتى تقوم الساعة فإنه لم ينقص شيء مما في خزائنه ، وهو الذي يقول: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر) فلو أن كل خلق الله سبحانه قاموا مرة واحدة وسألوا الله فأعطى كل واحد منهم أمنيته، فلن ينقص مما عند الله إلا شيء بسيط كما تجعل الإبرة في البحر فانظر بما تخرج من ماء ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦] أي: المحمود المستحق للحمد، المستحق لثناء الجميل على صفاته العظيمة وإحسانه على عباده.

стр. 1695

تفسير قوله تعالى: (ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام) يقول تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧] ذكرنا أن هذه السورة مكية ولكن فيها أربع آيات مدنية هذه منها؛ لأن سبب نزولها اليهود، واليهود لم يكونوا بمكة وإنما كانوا بالمدينة، يقول ابن عباس: إن اليهود قالت يا محمد! كيف عنينا بهذا القول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] أي: كيف يذكر الله عنا ذلك وقد آتانا التوراة فيها كلام الله وفيها أحكام الله، وفي القرآن أن الله أنزل التوراة فيها أحكام كل شيء وهي تبيان لكل شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة:٤٤]، هذا كلام اليهود، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]. فالتوراة كلام من كلام الله ، والله يتكلم بما يشاء وقت ما يشاء ، فلو أن الله قضى أقضية كثيرة فكتب قضاء الله سبحانه، ولو أنه تكلم بكلامه العظيم الجليل فقطعت الأشجار إلى أقلام والبحار التي في الأرض جميعها كل بحر يمده من ورائه سبعة أبحر تحولت إلى مداد، فكتب بهذه الأقلام وكتب بهذا المداد، والله يتكلم بقضائه وقدره وبكتبه سبحانه؛ لتكسرت الأقلام ونفدت ونفد المداد ولم تنفد كلمات الله وحكمه وقضاؤه وقدره! قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧] وانظر للمناسبة العظيمة بين الآيات وختام الآيات، فحين يتكلم عن عطاء الله وما يملكه الله سبحانه يختم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان:٢٦] وكل شيء ملك لله سبحانه، فهو الغني الذي يعطي من غناه سبحانه، وهو المستحق للحمد ﵎. (إن الله عزيز) أي: منيع الجانب غالب قاهر ، (حكيم) ينزل ما يشاء بحكمة، ولو شاء لجعل القرآن العظيم الذي بين أيدينا مجلدات كثيرة فهو على كل شيء قدير، ولكن من يطيق ذلك؟ ومن يقدر أن يحفظ ذلك؟ فالله لرحمته بعباده أنزل هذا الكتاب العظيم على هذا القدر الذي فيه تفصيل كل شيء وفيه النفع بأحكامه، فما أنزله إلا بحكمته سبحانه وبعلمه.

стр. 1696

تفسير قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) قال سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] وهذه آية مدنية أيضاً، وكأن الناس تعجبوا من قيام الساعة، فبعد أن فني البشر وأكلتهم الأرض وصاروا تراباً كيف سيبعثون يوم القيامة؟ وكيف سيعرف أن في هذه الأرض فلاناً وفي هذه الأرض فلاناً وقد اختلطت الأجساد وصارت تراباً في البر وفي البحر؟ وكيف يجمعها الله سبحانه؟ فيقول: إن الأمر أسهل مما تفكرون فيه، إن خلق الجميع وبعث الجميع كخلق النفس الواحدة، فإن أمر الله تعالى أن يقول للشيء: كن فيكون، هذا أمره ، والله على كل شيء قدير، وأمر الموت وأمر القيامة بقول من الله ، فيأمر الله بالنفخ في الصور فيصعق من على هذه الدنيا من بشر، ويأمر سبحانه بالنفخة الأخرى فيقوم الناس من القبور. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [لقمان:٢٨] والله يسمع كل شيء، ويرى كل شيء ، ولا يخفى عليه شيء من أصوات وحركات وأشياء يقولها الإنسان ويخفيها ويسرها، فالله يعلم كل شيء. فقد ذكروا في هذه الآية وغيرها أن الكفار كانوا يتعجبون: كيف خلق الله الخلق أطواراً؟ وتسأل الكفار في مكة وفي المدينة وفي غيرها النبي ﷺ : كيف أن الله خلق الإنسان أطواراً من تراب ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، ثم جعل المضغة عظاماً وكسى العظام لحماً، ثم أنشأه خلقاً آخر؟ كل هذه المراحل مر بها الناس، ثم سيخرجهم الله مرة واحدة من القبور، فيقول الله سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨] أي: كما هو يسير على الله سبحانه أن يخلق نفساً واحدة كذلك يسير عليه أن يخلق الجميع ويبعث الجميع من قبورهم مرة واحدة، فالله على كل شيء قدير، ولا يصعب عليه شيء. وقد ورد أن مجموعة من الكفار سألوا النبي ﷺ هذا السؤال منهم أبي بن خلف ومنهم رجل اسمه أبو الأشدين، سألوا النبي ﷺ متعجبين من هذا الأمر، وأبو الأشدين رجل من كفار مكة، ولذلك من يقول: إن هذه الآية مكية يقول: أبو الأشدين رجل من كفار مكة، والأشد مبالغة من الشديد، تقول: فلان شديد وفلان أشد، وأبو الأشدين كان فيه قوة عظيمة جداً، فقد كان يأخذ السجادة ويضع رجله عليها ويقول لعشرة: شدوها من تحت رجلي، وإذا قدرتم فخذوا كذا وكذا، فلا يقدرون، وتتمزق السجادة تحت رجله ورجله ثابتة فوقها، وكان كافراً، وكان يكيد للنبي ﷺ كيداً شديداً، وفيه نزل قول الله : ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٥]، وكان رجلاً كذاباً، فإذا سئل عن شيء قال: أنفقت مالاً كثيراً في كذا وفي كذا، والله قد كذب هذا الرجل، فإنه لما سمع قول الله في نار جهنم ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] اغتر وقال للناس: جهنم عليها تسعة عشر، أنا أكفيكم تسعة واكفوني الباقي، أكفيكم خمسة على ظهري وأربعة بيدي، واكفوني بقيتهم ونغلب محمداً بهذا الشيء! لقد كان مغروراً، لقد قاس الملائكة على الناس، ولم يعرف أنه في حماقته وغبائه وجهله لا يفهم شيئاً، فأين هذا المجرم الآن؟ وكم من مجرم مثل هذا الإنسان اغتر بقوته وظن بغبائه أنه قادر على ذلك، فيعجب الله الخلق من مثل هذا الأحمق المغرور الغبي ثم يرينا نهايته، فإنه مات كافراً مجرماً، فإذا ذكر ضحك الناس على غبائه وأتبعوه لعنة إلى يوم القيامة، لعنة الله عليه وعلى أمثاله. فليحذر الإنسان المؤمن أن يغتر بهؤلاء الكفار وبما أعطاهم الله من قوة ومال؛ فإن هذا كله مسلوب من هؤلاء، وسيرجعون إلى ربهم مهما تمتعوا في الدنيا يوماً من الأيام، وسوف يرينا في الدنيا عواقب هؤلاء الكفار، وعواقبهم غير محمودة، فيرينا كيف أنه إذا أعطاهم شيئاً سلبه منهم شيئاً فشيئاً، صحةً وقوةً وغنى، وفجأة يضيع منه كل هذا ليرينا أن الحياة الدنيا مهما استمتع فيها الإنسان فما هي إلا متاع الغرور. نسأل الله أن يهدينا وألا يضلنا، ونسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1697

تفسير سورة لقمان [٢٨ - ٣١] من آيات الله الدالة على قدرته وعظمته ووحدانيته: تعاقب الليل والنهار، الناتج عن دوران الأرض حول نفسها، والشمس والقمر يجريان بنظام موزون وتقدير محكم، فيشرقان من المشرق ويغربان من المغرب، إلى أن يأتي اليوم الموعود فيختل نظام الكون وتشرق الشمس من مغربها، وذلك يوم لا ينفع نفساً إيمانها، وكل ذلك دليل على أن الله هو الحق .

стр. 1698

كلمات الله لا تحصى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٢٨ - ٣١]. يخبرنا الله عن عظيم قدرته التي بين شيئاً منها في هذه الآيات وما قبلها، فيخبر أنه يتكلم بما يشاء من حكمته، ومن علمه سبحانه، فيكلم عباده، وينزل عليهم كتبه، ولو أن كلام الله سبحانه سجل وكتب بأقلام، وهذه الأقلام من جميع أشجار الأرض، ولو أن كل ما في الأرض من شجرة صارت جميعها أقلاماً، والبحر كله صار مداداً وحبراً تمد به هذه الأقلام ويكتب به، والبحر ليس وحده ولكن من ورائه سبعة أبحر تمده، وتكلم الله سبحانه بأمره ونهيه، وشرعه سبحانه، وعلمه، وحكمته، لنفد هذا كله من أشجار وأقلام، ومن مداد وغيره، ولا تنفد كلمات الله ، فالله عزيز غالب سبحانه، وهو حكيم لا يفعل شيئاً إلا بحكمة منه ، يتكلم وقتما يشاء سبحانه بما يشاء، كيفما يشاء، بحكمته وبعلمه، وبقدرته . ويسمع من يشاء، فقد أسمع في هذه الدنيا موسى النبي عليه وعلى نبيا الصلاة والسلام، فكلمه سبحانه، وأسمع نبينا ﷺ وهو فوق السماوات، وهو عند سدرة المنتهى، ويوم القيامة يكلم خلقه سبحانه، ويدخل المؤمنين الجنة ويرونه ويكلمهم بما يشاء ، فالله عزيز وحكيم سبحانه.

стр. 1699

تفسير قوله تعالى: (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) يقول الله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، فالله القدير سبحانه، والسميع البصير، خلق العباد ثم يبعثهم، خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ونفخ فيه من روحه سبحانه، ثم جعل من ذريته هذا الكم الهائل العظيم الذي بثه ونشره وذرأه سبحانه على هذه الأرض، ثم وقتما ما يشاء يقبض الجميع، ثم يأمر بالنفخ في الصور ويقول: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة:١١٧]، فيرجع العباد مرة ثانية على وجه الأرض ليسألهم ربهم سبحانه، ويجازيهم على أعمالهم. وقد تعجب الكفار من ذلك: كيف يبعثهم الله مرة واحدة؟ فقال الله سبحانه: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان:٢٨]، أي: أن الأمر هين على الله، وكم يرى الإنسان من خلق الله بالليل والنهار! فالله يخلق ما يشاء، وفي اليوم الواحد يولد على وجه الأرض آلاف من البشر، ويموت الألوف والألوف من البشر، فالذي أحيا هؤلاء وأمات هؤلاء أليس قادراً على أن يحييهم مرة ثانية بعد أن يهلكهم سبحانه؟ فالله سميع لما يقوله هؤلاء المكذبون لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، والله بصير بأعمالهم وما يفعلون وما يكيدون لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، وسوف يأتون إلى ربهم ليسألهم بعد أن يبعثهم يوم القيامة.

стр. 1700

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [لقمان:٢٩] فمن خلقه العظيم البديع أنه يولج أي: يدخل الليل في النهار، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٢٩]، فهذه قدرة عظيمة من الله ، وهذه تعبيرات دقيقة في كلامه ، وقد جاء هذا القرآن على النبي صلوات الله وسلامه عليه والعرب لا يفهمون أن يقال لهم: الأرض كالكرة، ولو قيل لهم ذلك لم يصدقوا هذا الشيء، ولسان حالهم: كيف تكون كرة ونحن نراها مبسوطة أمام أعيينا؟ هذا بعيد. والكتب التي نزلت على أهل الكتاب من عند رب العالمين قد حرفت، ولا يذكر فيها أن الأرض كروية، فيجيء أهل الكتاب ويكذبون ويقولون: الأرض ليست كروية، ويجيء العرب ويقولون: نحن لا ننظر هذا الشيء، والتعبير القرآني لا يقول: الأرض كرة، ولكن يسوق لنا آياته لتفهم، وكلما جد قرن من القرون كلما جاء أناس وفهموا ما لم يفهمه السابقون، ووجدوا في هذا القرآن الدليل على صدق ما يقول الله سبحانه، وكلما اكتشفوا شيئاً وجدوه في القرآن، وذلك في تعبيرات عظيمة من كلام رب العالمين سبحانه تصدق الأولين ولا تخالف ما وجده واكتشفه المتأخرون، بل يجدون ذلك الذي اكتشفوه في كتاب ربهم . وهنا آية من آيات الله سبحانه يقول فيها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، وفي آية أخرى يقول: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:١ - ٣]، وفي آية أخرى يقول: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]. فالذي ينظر إلى هذه الآيات يرى أن الأرض بحسب هذه التعبيرات جميعها لا تكون إلا كرة، ومن المستحيل أن تكون ثابتة، فلا بد أنها تتحرك في هذا الكون، فينتج عن حركتها الليل والنهار، ولا بد أن يخلف أحدهما الآخر، وليس معنى ذلك أن يأتي الليل والنهار، بل هم مع بعض في وقت واحد يتعاقبان، فهذا يخلف هذا، وهذا يخلف ذاك، وهذا ينسلخ من هذا، والآخر ينسلخ منه، فالتعبيرات القرآنية جميعها تدل على أن هذه الأرض عبارة عن كرة في هذا الفلك الدوار الذي خلقه الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، والأرض تدور في هذا الفلك حول الشمس، الشمس مع مجموعة تجري في هذا الكون، فالأرض تدور حول نفسها، وتجري في هذا الكون بقضاء الله وقدره سبحانه، ويجيء الليل والنهار ويتعاقبان فيها كما يشير الله بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، فالأرض هي بشكلها الكروي، يأتيها الليل ثم يدخل فيه النهار، والنهار يأتي على منطقة أخرى، ويسلخ الليل خلفه، يقول العلماء: إن الكون كله مظلم، إلا المنطقة التي من الأرض المقابلة للشمس، وهي الغلاف الخارجي الذي خلق الله فيه أشياء تعكس ضوء الشمس على هذه المنطقة فقط، فالقشرة الخارجية من الأرض حين تقابل الشمس إذا بالشمس تتضح عليها. وانظر إلى التعبير الدقيق في قوله سبحانه: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:٣]، فالذي لا يفهمه قد يقول: إن الشمس هذه تجلي النهار، وتوضحه، والعجيب أن التعبير القرآني يدل على أن النهار يجلي الشمس؛ لأن النهار عبارة عن غلاف رقيق حول الكرة الأرضية، فيه أتربة، وأشياء دقيقة، فإذا واجه الشمس انعكست عليه وظهرت الشمس في هذا المكان، فهو الذي يجليها، ولذلك هذا الغلاف نفسه عندما يتحرك مع حركة الأرض يكون بعيداً عن الشمس، فلا تظهر الشمس في هذا المكان وإنما يظهر الليل الذي حوله، ولذلك فالمراكب والسفن الفضائية عندما تخرج خارج غلاف الأرض يجد من بداخلها أن الكون كله مظلم، وكأن هذا الغلاف هو الذي وضح الشمس بداخل الأرض، فإذا خرجوا عنه يرون كوناً مظلماً. قال الله سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧]، فالكون كله ظلمة ليل، والجزء المواجه للشمس -وهو الغلاف الجوي- يظهر هذه الشمس فتنعكس عليه فيأتي النهار، فإذا دارت الأرض إذا بها تتحرك ويبتدئ المكان يظلم شيئاً فشيئاً إلى أن يصير ليلاً مظلماً، والجزء الآخر المواجه لهذه الشمس مضيء، ولا يزال الأمر على ذلك، يخلف أحدهما الآخر، فالأرض تدور حول نفسها، ويكون الليل في المكان البعيد عن الشمس، والنهار في الوجه المواجه لهذه الشمس، ولا يزال الأمر هكذا، فقد جعل الله تعالى الليل والنهار خلفة، أي: يخلف أحدهما الآخر. قال الله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠].

стр. 1701

تحرك الكون ودورانه فالله يخلق في هذا الكون ما يشاء، والكون يتحرك وكل شيء متحرك فيه بحركة عجيبة، فالكواكب تدور حول نفسها بحركة معينة، وحول مركز الكون بحركة معينة، وكل الكون يدور بطريقة لا يشبهه فيها إلا المسلمون فقط، وذلك عند الكعبة، فالطواف حولها عكس حركة الساعة، وكل الكون يدور بهذه الطريقة؛ الشمس والقمر والنجوم، وكل شيء، فإذا انعكس هذا النظام عرف أن آية من الآيات الكونية ستكون قريبة، وهي شروق الشمس من مغربها، بعد أن كانت كل يوم تشرق من المشرق، وتغرب من المغرب، وبعد أن كانت الأرض تدور عكس عقرب الساعة سيجيء في يوم من الأيام تقل سرعة الأرض إلى أن تقف في مكانها، وبعد ذلك تتحرك بعكس ما كانت تتحرك عليه، في هذا اليوم تشرق الشمس من مغربها كما أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه. وهذه الآية العجيبة التي لم يصدقها البعض قد اكتشفها علماء الفلك، حيث يقولون: إنه في يوم من الأيام ستقل سرعة الأرض، وهذا قد حدث لكوكب المريخ حيث أشرقت الشمس من مغربه، وهذه آية من آيات الله سبحانه، فالمريخ يدور بطريقة معينة كالأرض، ثم قلت سرعة دورانه حتى وقف في مكانه، وانعكست حركته فلف حول نفسه من الناحية الأخرى يوماً واحداً ورجع ثانية إلى الحركة الأولى، فكذلك يوم القيامة تكون من علاماته الكبرى أن تشرق الشمس من مغربها، فكل يوم تستأذن الشمس ربها أن تشرق من المشرق، وفي هذا اليوم الوحيد تأتي الشمس ويؤخرها الله ، ولا يأذن لها، فإذا بالشمس تقف في مكانها، فتقل سرعة الأرض، ثم تدور إلى الناحية الأخرى فيكون مشرق الشمس من مغربها، وفي هذا اليوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانا خيراًَ، وهذه علامة من العلامات الكبرى للساعة، وبعد ذلك تشرق الشمس من مشرقها كالعادة، فهو يوم واحد يحدث فيه هذا الشيء، فآمن من آمن، وكفر من كفر، وعلم الناس أن هذا مؤمن، وهذا كافر، وانتهى أمرهم على ما طبع الله عليهم، ثم تقوم الساعة بعد ذلك حسب ما يشاء الله . والغرض: بيان أن الله يرينا قدرته العظيمة، فيأتينا بالليل ويأتينا بالنهار : ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠]. وآية النهار هي الشمس، وآية الليل القمر، وكل في فلك يسبح، ويمشي في المكان الذي قدر له، حتى يأتي يوم القيامة فإذا بالشمس تكور وإذا بالقمر يخطفه الله ، وإذا بالنجوم تنكدر وتأتي الآيات الكبرى للساعة. قال الله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ التسخير: هو تسيير جبري، فالله سخر الشمس، فهي في مدارها الذي خلقها الله فيه، ﴿تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، حتى يأتي أمر الله في يوم من الأيام، وسخر القمر، فجعله يدور مع الأرض حول هذه الشمس، ويدور حول الأرض، فيأتي الليل ويأتي النهار، ونرى آية الليل وآية النهار.

стр. 1702

حال الشمس والقمر يوم القيامة قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان:٢٩]، أي: ليس إلى الأبد بل إلى أجل مسمى، وإلى أن تأتي القيامة، والشمس قد عبدها أناس، والقمر عبده أناس، وذكر النبي ﷺ في الحديث: (الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، فالشمس تكون يوم القيامة كالثور المعقور المذبوح في نار جهنم، والقمر كذلك، والشمس هذا الكوكب المشتعل الملتهب الذي تبلغ درجة حرارة غلافه الخارجي فوق الستة آلاف درجة، وفي باطنه تتجاوز الستة ملايين درجة، فهذه الشمس المشتعلة وهذا القمر سيكونان يوم القيامة مشتعلين في نار جهنم، زيادة في التسعير على أهل النار من الكفار الذين عبدوا الشمس والقمر. فيقال لهم: من كان يعبد شيئاً فليتبعه. فيقولون: بلى، فإذا بالله يصور لهم هذه الشمس فيرونها فتجري ويجري عبادها وراءها إلى نار جهنم، فيحرقون بها وبنار جهنم والعياذ بالله، والقمر كذلك، يجري ويجرون وراءه إلى النار، وهذا ليس تعذيباً للشمس ولا القمر، بل هو تعذيب لمن كان يعبدهما. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [لقمان:٢٩]، تقول: هذا مسخر، أي: ذليل خاشع مطيع مسير، لا يقدر أن يعترض، ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ [لقمان:٢٩] منهما ﴿يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان:٢٩]، إلى أن يأتي يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٣]، إلى آخر الآيات التي ذكرها الله فيما يكون في يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٢٩]، الخبرة: دقة العلم، فالله سبحانه خبير بما تعلمون، فهل عبدتم الله أم عبدتم الشمس والقمر؟

стр. 1703

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان:٣٠] أي: ذلك الذي ذكرناه من فعل الله ، ومن قدرته وعظمته ، وقوله: (بأن الله)، الباء هنا للسبب؛ أي: لأنه هو الحق، وما سواه باطل، فهو الإله الحق، الخالق، الرب وحده لا شريك له، وكل آلهة من دون الله باطلة، وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان:٣٠]، أي: ما يعبدون من دون الله باطل، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان:٣٠]، سبحانه، فالإنسان عندما ينظر إلى الشمس وهي عالية، فالله أعلى وأجل . في يوم أحد لما وقف أبو سفيان يشمت بالمسلمين ويقول: اعل هبل، اعل هبل، فقال النبي ﷺ للمسلمين: (ألا تجيبون؟)، هذا الكافر المجرم يقف في هذا اليوم ويقول ما يقول -وهذا قبل إسلامه- فيقولون للنبي ﷺ : (ماذا نجيبه؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل)، . إذا نظر الإنسان إلى آية من الآيات سيجد أنها كبيرة جداً، ولكن الله أكبر ، ولذلك تدخل في صلاتك بقول: الله أكبر، لتقطع كل شواغل الدنيا عن نفسك، فإذا كان من مشاغل الدنيا شيء كبير كالعمل والتعب والمصائب فاقطعها عن نفسك، وكان من الحكمة إذا صعدت جبلاً والكون يصغر من حولك فتقول: الله أكبر، فكان من سنة النبي ﷺ إذا صعد مكاناً مرتفعاً أن يقول: الله أكبر، وهذا مناسب لهذه الحال، فالإنسان يرى الجبل عالياً كبيراً، والله أكبر، وإذا نزل الإنسان من مكان منحدر إلى أسفل يستشعر أنه ينخفض فيقول: سبحان الله، فكل شيء في الكون يعلو وينخفض، ولكن الله العلي الكبير سبحانه منزه عن أي نقص ، قال: ((وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ)) والْعَلِيُّ: البائن من خلقه، المستوي على عرشه سبحانه، فوق سماواته وفوق خلقه.

стр. 1704

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله) يقول الله لعباده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٣١]. وهنا آية من آيات الله ، كقوله تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٨١] أي آية من هذه الآيات تنكرونها؟ فقوله: ((أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي)) الفلك: هي السفن، تجري في البحر بنعمة الله، أي: بفضله سبحانه سيرها، وسخرها، وسخر الماء، وسخر الرياح، وسخر العقول التي يخترعون بها هذه الآلات، وهذه نعمة من نعم الله . قال سبحانه: ((تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ)) أي: آية الليل والنهار وآية البحار والرياح والسحاب والاهتداء في الطريق في البر والبحر، وآية العقول التي تصنع بها هذه الأشياء، ويسخر الله بها ما يشاء، ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) لمن؟ لمن يتدبر الآيات، ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١]، فالإنسان المتهور المندفع لا يفهم، يتكلم كلاماً ولا يفهم ما يقول، كما كان الكفار يفعلون، لكن الإنسان الذي يصبر ويفكر ويتأمل يصل في النهاية إلى حب الله سبحانه، وإلى عبادة الله، وإلى شكر الله، فالصبار من كان عنده صبر ويقين بالله ، وعنده شكر؛ لأنه رأى النعم فشكر الله على نعمه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1705

تفسير سورة لقمان [٣١ - ٣٣] نعم الله سبحانه على العباد كثيرة، ولأنها تنسى مع طول المداومة يذكر الله بها بين الفينة والفينة في كتابه، ويبين عجز الإنسان لتظهر عظيمة منته سبحانه على عباده؛ ولأن الإنسان قد لا يتذكر بالوعظ فقد يبتلى بخوف أو مرض أو غيره ليعود إلى ربه، ويتذكر ما أعده له، وما سيلاقيه يوم القيامة من أهوال، ومدى حاجته إلى الحسنة الواحدة فيعمل للنجاة في ذلك اليوم العظيم.

стр. 1706

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الفلك تجري في البحر ولا يغرنكم بالله الغرور) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣١ - ٣٣]. يذكر الله في هذه الآيات لعباده نعماً من نعمه العظيمة، وما أكثر نعم الله سبحانه! فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٣١]، إن تيسير الانتقال في البحر نعمة من نعم الله سبحانه للعباد، وإذ كان في البحر قد يسر لهم الفلك، فإنه في البر خلق لهم ما يقوم بذات المهمة قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فالله سبحانه يلهم الإنسان، ويرزقه من فضله وكرمه سبحانه، فقد ألهم الإنسان صنع السيارة لتحمله في الأرض، وألهمه صنع الباخرة لتحمله على البحر، وألهمه صنع الطائرة لتسبح به في الهواء، وغير ذلك مما يمن الله على العباد فيصنعون، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢]، فكل ما ينتفع به الإنسان محض نعمة من نعم الله سبحانه، ولا شأن لنا في تسخيره، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٣١]، أي: ليس بقوتكم، ولا بتسخيركم ولكن الله يسخر ما يشاء سبحانه، وهو الحافظ لها ولو شاء لأوقفها، أو لأغرقها، ولكنه سبحانه يمن على العباد مما يشاء من فضله، ومن نعمه، فإذا بالإنسان إذا وجد نفسه مستغنياً قد أغناه الله سبحانه يستكبر ويتعالى، فإذا بالله سبحانه ﵎ يذيقه من البلاء ما يجعله يرجع إلى ربه ويقول: يا رب! يا رب! ولذلك لما ذكر لنا النعمة ذكر بعدها النقمة، فذكر ما يحدث للإنسان إذا غشيه موج البحر كالظلل، وذلك لأن الإنسان يحتاج دائماً إلى التذكير، فإذا لم يتذكر بالقول وبالنصيحة، احتاج إلى أن يبتليه الله ، ويذيقه شيئاً من بأسه عله أن يراجع نفسه، ويرجع عن غروره الذي هو فيه. وقد صنع الإنسان يوماً من الأيام لنفسه الطائرة العظيمة التي تقله كما تقل الجيوش والمعدات، إلا أنه حين يستشعر الكبر والغرور أنه في السماء طائر فوق غيره ويفعل ما يشاء، فإذا بالله يبتليه فيحطم طائرته، ويجعلها سبباً لهلاكه، وفي ذلك عبرة لأهل الأرض بما رأوا ألا تغتروا، كما صنع الإنسان سفينة عظيمة لينتفع بها لكنه لم يطلب المنفعة فحسب؛ بل صنع ما بزعمه أنها تتحدى الأقدار وأسماها (تيتانيك)، أي: الجبارة، جاهلاً أنها قد تغرق، ومبالغة في الزهو يركب على هذه السفينة المليونيرات للنزهة على البحر ناسين الله ، فإذا بها في أول رحلة لها في البحر تغرق بمن فيها، فقد قصمها الله ، وهو قاصم الجبابرة. فهذه الجبارة التي صنعها الإنسان وظن أنه فاق كل شيء، يريه الله ويري جميع عباده من آياته ، فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ﴾ [لقمان:٣١]، أي: بسبب نعمة الله وقدرته سبحانه. وكلمة (نعمت) مكتوبة بالتاء المفتوحة، فالجمهور إذا وقفوا عليها يقولون: (بنعمت) بالتاء، والبعض من القراء مثل ابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، والكسائي إذا وقفوا عليها يقولون: (بنعمه) بالهاء. وقوله: ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ [لقمان:٣١]، اللام للتعليل، أي: أنه يجري السفن في البحر ليريكم من نعمه سبحانه، ويريكم من آياته العظيمة الباهرة، وقدرته الفائقة القاهرة. والآية: العلامة، وقد تأتي بمعنى: المعجزة، وقد تعرف بأنها: الشيء العظيم الذي ينظر فيه الإنسان فيقول: سبحان الله ما أعظم هذا! وعادة ما يعجب الإنسان حينما يرى سفينة تطفو على البحر، لكنه قد لا يتذكر الله حين يراها، فلذا الله يذكره: أن لست أنت الذي خلقت هذا البحر، ولا أنت الذي أجريت هذه الرياح، ولا أنت الذي تمكنت بفضل نفسك من صنعها، ولكن الله من عليك بهذا كله . ثم بين سبحانه من يستفيد من الآيات فقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٣١]، أي: علامات يعتبر بها كل صبار شكور، وقوله: (صبار) مبالغة من صابر، أي: صبر على قضاء الله وقدره، وصبر نفسه فنظر في آيات الله واعتبر بها، وعلم أن الله هو صاحب الفضل العظيم، وهو الذي من على الإنسان بكل نعمة، فالإنسان الصبار هو الذي ينظر بصبره ويتأمل فينتظر قضاء الله سبحانه، ويشكر ربه على نعمه سبحانه، فيصبر في البلاء، ويشكر في الرخاء. وإنما خصت الآية هذا الإنسان لأنه هو الذي يعتبر بها، أما غيره فلا يعتبر حتى يكون هو العبرة لغيره، فنرى الإنسان المستكبر لا يعتبر بآيات الله ، ويظل مستكبراً إلى أن تأتي الآية فتقصمه فيكون عبرة لغيره، ويتحدث عنه الناس ويصبح حديثهم، فمن شامت يذكر ما كان يفعل من أفعال تدل على الكبر كالتطاول والاستكبار، ومن معتبر بما صنع به قاصم الجبابرة ، وكيف أرى الله العباد فيه آية من آياته ، فقد أراهم كيف صنع بفرعون الذي استخف قومه فأطاعوه، وكانوا يظنون أن فرعون من المخلدين، فقد أعطاه الله من العمر والقوة والملك الشيء العظيم، فلما استخف قومه وقال: أنا ربكم الأعلى، وأطاعوه فيما قال؛ أغرقه الله سبحانه، وأذله وهو خارج أمام الناس بجيوشه ليأتي بموسى ومن معه، وقد قيل: إن عدد من كان مع موسى ستمائة ألف، وقيل أكثر، وقيل أقل من ذلك، والله أعلم، فلما نظر إليهم فرعون أخذ يقول: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء:٥٤] ففهم من قوله أن جيشه جيش عظيم؛ لأنه إذا كان من مع موسى شرذمة قليلون، وعددهم ستمائة ألف، فإن جيش فرعون قطعاً سيكون أكثر من ذلك بكثير، ولذا نظر إليهم مستكبراً فقال كما أخبر الله عنه: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ * وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ * وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ﴾ [الشعراء:٥٤ - ٥٦]، فكان الكبر في فرعون هو الذي دفعه لقتالهم، فمع أنهم لم يؤذوا فرعون ولا قومه بأي نوع من أنواع الأذى، وهم فقط إنما آمنوا بالله وكفروا بالطاغوت؛ إلا أن فرعون أبى إلا قتالهم، فإذا بالله يملي له لينتقم منه ويكيد به، وهذه هي سنته في المتكبرين قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، ورأى فرعون أمامه الآية التي يعتبر بها كل من يعتبر، إلا أنه إذا جاء القضاء والقدر عمي عن الإنسان البصر، فلم ينظر إلى البحر العظيم وقد انفلق، وموسى وقومه يمشون في يبس من الأرض، ويؤمن أن هؤلاء على حق، بل قد رأى قبل ذلك تسع آيات بينات في بلاده، ولم يعتبر، وهذا هو ديدن الجبابرة لا يعتبرون حتى يكونوا هم العبرة لغيرهم، فأصر فرعون على المضي خلف موسى، فلما توسط البحر انطبق عليه البحر وأغرقه الله، وحينها قال فرعون: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]. وأصبح عبرة للناس في مقالته، ومثالاً للإنسان الجبان الذي يرى القوة من حوله فيقول: أنا مثل هؤلاء، أنا مع هؤلاء؛ فإن فرعون كان يقول: أنا ربكم الأعلى، وبعد أن أغرقه الله قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس:٩٠]، أي: أنا مثل هؤلاء، أنا مع هؤلاء. ويجيبه ربه فيقول: ﴿آلآنَ﴾ [يونس:٩١] أي: آلآن تقول: آمنت؟ ثم ذكره بمعصيته فقال: ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١]، أي: لقد كنت كافراً مفسداً جباراً عنيداً، ثم يجعله الله عبرة لمن خلفه، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]. وهكذا فالجبابرة لا يعتبرون، إنما يعتبر كل صبار شكور، فالذي يصبر على قضاء الله وعلى بلاء الله ، وينتظر الفرج من الله ولا يعاند ربه أبداً، بل يشكر في حال الغنى والرخاء أهل لأن يعطيه الله سبحانه العقل فيتفكر، ويعطيه القلب فيتدبر ويؤمن ويستيقن، ويعطيه النعمة منه .

стр. 1707

تفسير قوله تعالى: (وإذا غشيهم موجد كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين) ذكر الله الناس بالأوقات التي تمر بهم فيلجئون إليه فيها قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢]، قوله: (إذا غشيهم) أي: غطاهم، والموج هياج البحر، وقوله: (كالظلل) الظلل: جمع ظلة، والظلة: ما يغطي الإنسان، وقد يطلق لفظ الظلل على السحابة، كما يطلق اللفظ على الجبال؛ لأنها أعلى من الإنسان فتظله، والمعنى: أنهم إذا دخلوا البحر وعلتهم الأمواج كالجبال، عرفوا أن الله حق، ورجعوا إليه، ونادوه: يا رب! يا رب! قال تعالى في سورة يونس: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [يونس:٢٢]. فإن الإنسان يستكبر وهو بعيد عن الهلاك، ويظن نفسه بمنأى عن عذاب الله سبحانه، فإذا جاءه العذاب رجع إلى الله، وقد صور الله لنا هذه الصورة الصادقة العظيمة التي لم يرها النبي ﷺ ولا أحد معه من العرب ليدل ذلك على أن القرآن كلام رب العالمين . وهذه الصورة التي ذكرها القرآن إنما يعرفها علماء البحار الآن؛ لأنها لا تصور إلا بالطائرات والأقمار الصناعية؛ لأن من كان يصل إلى هذا المكان لا يرجع، فكان الذي عبر عنه الله رداً على الكفار الذين يقولون: أن النبي ﷺ ألف هذا القرآن؛ إذ كيف يأتي بهذه الصورة وهو لم يركب البحر صلوات الله وسلامه عليه، ولا رأى أحد من أصحابه ركبوا في مثل هذا المكان، كما أن أحدهم لو كان في هذا المكان لم يرجع! فلم يكن لديهم وسائل تنقذهم من موج على هذه الصورة، فالمحيط العميق الغريق هو الذي يأتي فيه الموج كالجبال من كل مكان، ويسميها علماء البحار الآن الدوامة، ويقرون أنه لا أحد ينجو من الدوامة؛ لأن الموج فيها يأتي من كل مكان، والعادة أن الناظر إلى البحر يرى الموج آت من مكان واحد فقط، أما في الدوامة التي تحدث غالباً في المكان العميق من البحر فإن الموج يأتي من كل مكان، ويحيط بالإنسان حتى يغرق، سواء كان الإنسان في مركب صغيرة، أو كان في سفينة كبيرة، فإنه ما دام دخل في هذا المكان فلا بد أن يغرق. فإذا بالله يصور هذا المكان الذي يغرق فيه الإنسان ولا يرجع ليحدث بما وقع له، ويذكر الله أنه في هذا المكان يظل الناس يرددون: يا رب! يا رب! يا رب! وقد يأخذهم الله ويغرقهم سبحانه، إلا من يشاء فينجيهم على الندرة، وقد ذكر تعالى مدى إخلاصهم في الدعاء فقال: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان:٣٢]، وقد كان هذا سبب إيمان عكرمة بن أبي جهل ابن فرعون هذه الأمة، أبي جهل لعنة الله عليه، فقد كان عكرمة على دين أبيه وقومه، وكان بعيداً عن النبي ﷺ ولا يطيق أن يرى النبي ﷺ ، فلما دخل النبي ﷺ مكة هرب وترك مكة، يريد ألا يرى النبي ﷺ ، فركب البحر، فلما كان في البحر إذا بالأمواج تعلو، وإذا بالسفينة تضطرب، وشعر كل من في السفينة أنهم سيغرقون، فقال لهم ربان السفينة: إنه لا ينجيكم الآن إلا الله، فاتركوا آلهتكم هنا. وإذا بالإيمان ينسل في قلب هذا الرجل الذي كان كافراً فيفكر: سبحان الله! إن الذي ينقذنا الآن في هذا الضنك الذي نحن فيه والكرب الذي نحن فيه هو ربنا، ونحن نظل ندعو غيره لا والله، لئن أنجاني الله من هذا الأمر لأرجعن، ولأؤمنن، ولآتين النبي ﷺ ، ولأضعن يدي في يده، ولأجدنه رءوفاً رحيماً، فكانت هذه اللحظة سبب إيمان هذا الرجل. قوله: ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [لقمان:٣٢]، أي: تاركين لكل الآلهة، متوجهين بالعبادة له وحده، والإخلاص من أخلص الشيء بمعنى: نقاه وصفاه، فهم أخلصوا عبادتهم من كل شوائب الشرك بالله سبحانه، ودعوا الله وحده، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان:٣٢]، أي: كتب لهم النجاة مما هم فيه آمن بعضهم، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان:٣٢]. وقد ذكر الله أن العباد أقسام ثلاثة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]، فالسابقون بالخيرات: هم المؤمنون المحسنون، والظالم لنفسه: الكافر، والفاجر، والفاسق، وأما المقتصد فهو الذي يمشي في طريق الخير ويقع في شيء من الفساد والشر. فقد سمى الله بعض الناجين مقتصدين فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان:٣٢]، ومعنى مقتصد هنا أي: يوفي بما عاهد الله عليه، وقيل: مقتصد أي: أنه يرجع لطاعة الله سبحانه، وإن لم يكن مثل السابق بالخيرات الذي آمن أول الأمر ولم يحتج لمثل هذا الشيء حتى يتذكر ربه سبحانه، بل إنه متذكر لربه دائماً في الخير وفي الضير يشكر الله، ويحمده سبحانه. ثم بين الله أن من يجحد بآيات الله ونعمه هو المتكبر فقال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢]، فالذي يجحد آيات الله وهو يراها في البر، وفي البحر، وفي نفسه هو الختار، والختار من الختر وهو أسوأ الغدر، والمعنى: الإنسان الذي فيه غدر وعري قلبه من الخير، فهو يرى النعمة وينقلب من ورائها، وإذا أمنه الإنسان على نفسه فقد يمكر به ليغتاله ويقتله. ولم يسمه الله سبحانه بالغدر فحسب بل وسمه بالكفر أيضاً فقال: ﴿خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان:٣٢] والكفور بمعنى: جحود لآيات الله .

стр. 1708

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده) تأتي التذكرة من الله في ندائه لعباده جميعهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [لقمان:٣٣]، وهو يدعو الجميع إلى العود إلى الله سبحانه وتقواه، فيقول: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣]، والرب: هو الخالق ، وهو الذي يفعل ما يريد، ويحكم بما يشاء . وقوله تعالى: (اتَّقُوا)، أي: اجعلوا وقاية بينكم وبين غضبه وعذابه، ومنه قول القائل: أنا أقي نفسي من حر الصيف بأن أضع شمسية على رأسي، أو أجلس في البيت، أو آتي بمكيف، وقد يقول: أقي نفسي من برد الشتاء بأن ألبس الصوف أو أعمل كذا من الوقاية، أخذاً بالأسباب لتدفع عن نفسك الضر. والنداء هنا: اتق ربك، واتق غضبه، وخذ بالأسباب لتدفع عن نفسك عقوبة الله سبحانه، إذ إن عقوبته هي النار. ثم أمرهم بأن يخافوا عذاب اليوم العظيم فقال تعالى: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ [لقمان:٣٣] وقد نكر اليوم للتعظيم، أي: يوماً عظيماً، قال عنه تعالى: ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]. وشرع سبحانه يبين بعض مواقف ذلك اليوم فقال: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان:٣٣]، ففي يوم القيامة يفر كل إنسان من أقرب الأقربين إليه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٦]، فالكل يقول: نفسي نفسي، حتى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام يقولون ذلك، قال تعالى: ﴿يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣]، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، أي: لن تأتي نفس آثمة محملة بالأوزار والذنوب يوم القيامة لتقول لغيرها: احمل معي قليلاً مما أحمل، ويستجاب لها، حتى الأب لا يقول ذلك لابنه، ولا الابن يقول ذلك لأبيه، على أنه في الدنيا قد يفعل الإنسان الكثير مع أبيه ومع ابنه، فالأب في الدنيا عندما يجد ابنه مريضاً يود لو يفديه بنفسه، وكذا الابن يود لو يفدي أباه بنفسه، أما يوم القيامة فتظهر الأمور على حقيقتها، فإن نار الله العظيمة المستعرة تجعل الإنسان يفر من أقرب الناس إليه. وقد ذكر النبي ﷺ لآل بيته ذلك فقال: (يا فاطمة بنت محمد قي نفسك النار، فإني لا أغني عنك من الله شيئاً)، أي: خافي على نفسك من النار، واهربي منها فإني يوم القيامة، أقول: قد أبلغتكم، والحق أن النبي ﷺ قد بلغ وقال لكل الناس: قوا أنفسكم من النار، ثم قال سبحانه: ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان:٣٣]، أي: لا الابن يحمل من أوزار الأب، ولا الأب يحمل من أوزار الابن، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان:٣٣]، أي: إن يوم القيامة وعد من الله، وهو آت لا محالة، فالله لا يخلف الله الميعاد. ثم حذر من الاغترار بالدنيا فقال: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان:٣٣]، وفي الآية بيان أن الإنسان قد يؤمن، وقد يصدق، ولكن لا يعمل، فقد حمله الغرور على ترك العمل، فإذا رأى نفسه بصحة وعافية سوّف وأخذ يقول: ما زال أمامي عمر طويل، وقد يرى أمامه رجالاً ونساء يموتون ولا يعتبر، ظناً منه أنه سيظل مخلداً ولن يموت؛ فيقول الله له: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان:٣٣]، قد يخدع الإنسان نفسه، أو يخدعه الشيطان، أو بالأمل المكذوب، فيرى نفسه صغيراً فيسوف التوبة ويقول: سأتوب غداً بعد أن أعمل كذا، فالله يقول له: لا تغتر؛ فإن تكليفك من ساعة بلوغك، فمذ بلغت كتبت عليك آثامك، وستظل تكتب حتى يتوفاك الله . وكما ينهاك الله عن أن تغر نفسك أيضاً لا تخدع غيرك، فالأب ينبغي أن يأمر أبناءه بالمعروف، ولا يقول: الولد ما زال صغيراً، فإن النبي ﷺ قد أمر الأب فقال: (مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر)، فينبغي أن تأمر الابن أن يصلي لسبع سنوات، فإن السبع السنوات هي سن التمييز ويكتب له فيها الثواب، أما إذا وصل عمره العشر السنوات فمره بالصلاة، واضربه على تركها، حتى إذا بلغ كان عابداً لله ، ذا تقوى ودين، فلم تحتج أن تأمره وأن تنهاه. ولم يحذر الله من غرور الدنيا فحسب بل حذر أيضاً من غرور الشيطان، قال تعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣]، والغرور هو الشيطان وفي هذه الآية قراءة واحدة فقط وهي: (الغرور) وهو بمعنى: الشيطان، وإن جاء في غيرها (الغُرور) بالضم، أي: المصدر الذي يغر الإنسان من خداع أو باطل، أو من زينة وزخرف، أما: (الغَرور) على وزن فَعول فإنه بمعنى: الشيطان، يعني: احذروا من الشيطان، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. والإنسان عادة إذا عرف عدوه فاتخذه عدواً حذر منه، إذا مر في طريق وفي طريق آخر، وهكذا ينبغي ألا تمشي مع الشيطان، ولا تغر نفسك؛ فإن الموت آت ويوم القيامة قريب.

стр. 1709

تفسير سورة لقمان [٣٣ - ٣٤] نداء من الرحمن يتردد صداه في قلب كل مؤمن، يأمر فيه عباده بالتقوى، ويحذرهم من يوم القيامة وأهواله، ويبين لهم كيف أنهم من شدة تلك الأهوال يهرب كل قريب عن قريبه، بل لا يحمل أحد عن أحدٍ شيئاً، نداء يحذرهم من الاغترار بالدنيا وزينتها، ويحذرهم من الشيطان وتلبيساته، وإذا كان الأمر كذلك فإن وقت الساعة غير معلوم قد استأثر الله بعلمه، كما استأثر بعلم نزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وعلم ما يكسب الإنسان في غده، وعلم متى وأين يموت الإنسان، وهو سبحانه العليم الخبير.

стр. 1710

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة لقمان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٤٢ - ٣٤] في هاتين الآيتين يأمر الله عباده بتقواه، وأن يخشوا يوماً لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئاً، وهذا متحقق يوم القيامة، وهو يوم عظيم ذكره الله في القرآن وسماه بأسماء متعددة فهو يوم القيامة، وهو الطامة الكبرى، وهو الصاخة، وهو الحاقة، فهو يوم عظيم تدل أسماؤه على ما فيه، وهو يوم تقوم فيه الساعة، وقد أخفاها الله على جميع خلقه فلا يعلمها إلا هو، فإذا أمر ينفخ الصور مات كل من على هذه الدنيا، ثم يأمر الله بعد ذلك بإحياء الخلق فيرجعون مرة أخرى: ((يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار)). من أسماء يوم القيامة: الطامة، والطامة هي المصيبة العظيمة، وسميت طامة لأنها تطم وتعم، والصاخة؛ لأنها تصخ الآذان بهول الصحية التي تكون يوم القيامة، والحاقة؛ لأن الله يحق فيه الحق، ويظهر للإنسان فيه ما كان يكتمه في الدنيا، كما ذكر الله أن يوم القيامة فيه شر عظيم، قال تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]، أي: منتشراً عظيم الانتشار. وفي هذه الآية يحذر الله العباد منه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا﴾ [لقمان:٣٣] وقد ذكر طول هذا اليوم في القرآن، قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤] فمهما عمر الإنسان في الدنيا واستشعر بطول العمر فيها لأنه عاش ثمانين سنة، أو عاش مائة سنة، أو عاش ألف سنة، فسيأتي يوم القيامة ليجد هذا اليوم يوماً عظيماً طويلاً عبوساً قمطريراً، حتى يقول بعض الناس لربهم سبحانه يوم القيامة من شدة ما يعانونه في هذا اليوم: ربنا اصرفنا ولو إلى النار، يظنون أن النار أهون من هذا اليوم؛ لما يرونه في هذا اليوم من أصناف العذاب. فيرون عذاب الإنسان الذي منع زكاة ماله، إذا كان ماله من غنم، أو من بقر، أو من إبل، فإنه يفرش لهذه الأشياء في قاع قرقر أي: منبسط واسع فسيح كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، ثم تأتي عليه إبله فتطؤه بأخفافها، وتعظه بأنيابها، وتظل تدور عليه في هذا اليوم الطويل حتى يرى مصيره إما إلى النار وإما إلى الجنة، ويؤتى بالإنسان الذي كان يكنز الذهب والفضة في الدنيا ولا يخرج زكاتها فتصفح له صفائح الذهب والفضة من نار يكوى بها وجهه وظهره وجنبه في هذا اليوم الطويل العبوس القمطرير، حتى يرى مصيره إما إلى النار وإما إلى الجنة. لقد حذرنا الله منه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان:٣٣] أي: لن يأتي رجل يوم القيامة ليقول: أنا أفدي ابني، بل يقول: نفسي نفسي ﴿وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شيئاً﴾ [لقمان:٣٣] وكذا لن يقول الابن: أنا أحمل عن أبي، أو أدخل مكانه النار، بل كل إنسان يقول: نفسي نفسي، ونكر (شيئاً) في الآية، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم، أي: أي شيء ولو دق ولو قل، ثم أكد وقوع هذا اليوم فقال: ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)) فقد وعد بأن يكون حساب وجزاء، فكان وعد من الله حق، ((إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا)) أي: لا يغرنكم الأمل، ولذلك جاء عن النبي ﷺ : (أنه أمر أصحابه وأمر المؤمنين أن يزوروا المقابر، فإنها تذكر الآخرة؛ فإن الإنسان عندما يذهب إلى القبور وينظر إليها وهي حفرة في الأرض صغيرة عميقة يدفن فيها الميت ويغطى، ولعله يتذكر كم كان الإنسان يلعب في هذه الدنيا، وكم كان يمرح ويجري ويضحك بملء فيه وهو لا يدري ما الذي يختبئ له في قبره، ولا يدري ما الذي يدخره له ربه سبحانه من حساب على أعماله التي عملها في الدنيا، وهو توجيه للمغرور: أن انظر إلى القبور، وانظر إلى الحفرة التي ستنزل فيها وهي بضيقها حيث لا تتجاوز نصف متر عرضاً في مترين ونصف طولاً، مكان لضيقه لو نزله الإنسان فيه حياً فلن يستطيع الحركة. أيها المغرور! تذكر كم من الناس دفنوا فيها؟ لو عدو لبلغوا الملايين، كلهم نزلوا في هذه القبور وأكلتهم الأرض وفنوا، وانتهى أمرهم، ثم يظلون فيها حتى يبعثهم الله يوم القيامة، فالإنسان في غفلة عن الموت، في غفلة عن القبر، في غفلة عن هذا المكان الذي يسأل فيه: من ربك؟ ما دينك؟ ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فإذا كان الإنسان في لهو ولعب وغفلة عن القبور، فإنه يأتي في قبره فلا يحير جواباً، فيقول: هاه هاه لا أدري، هاه هاه لا أدري، كما كان يضحك في الدنيا، ويسخر في الدنيا، إلا أنه في الدنيا كان يضحك من قلبه، أما في قبره فإنه يقول: هاه هاه بصوته فقط، بل ببكاء مرير وخوف عظيم. ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان:٣٣] أي: لا يفتننكم الشيطان الذي غركم وخدعكم في الدنيا فاقتتلتم فيها، وسلبتم أموالكم ظلماً وزوراً وعدواناً، لقد مكر بكم الشيطان حتى أرداكم، فلما متم ودفنتم في القبور وجدتم نتيجة هذه الأعمال، أما المؤمن فإنه يجد في قبره من يعينه على أن ينطق؛ لأن الله يثبته ، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى يخبر عن تثبيته لهم: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]، كما أن هذا القبر الضيق الذي لا يكفي أن يتكئ الإنسان فيه، يأمر الله أن يتسع له القبر مد بصره، وينور له في قبره، ويفرح الإنسان بما يرى، ويفتح له باب إلى الجنة، ويقال: هذا منزلك، وحين يفرح العبد يقول: يا رب! أدخلني فيها أدخلني منزلي، فيقال له: نم نومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب الناس إليها، ثم ما زال أمامك وقت حتى تبعث يوم القيامة. أما الإنسان الفاجر والكافر الذي لا يدري من ربه وما نبيه وما كتابه، فيقول: لا أدري، فيقال: لا دريت ولا تليت، ويضرب بمرزبة من حديد لو ضرب بها جبل لصار تراباً، ويصرخ صرخة عظيمة فظيعة في قبره يسمعه كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فتسمعه الهوام والدواب والحيوان والملائكة، ولا يسمعه الإنس والجن؛ لأنهم لو سمعوا هذا الصوت لصعقوا ولتابوا إلى ربهم وأنابوا، ولكن الله شاء أن يجعل الدنيا دار ابتلاء ودار امتحان، ودار غرور، لينظر أيكم أحسن عملاً، وينظر من يصدق ربه سبحانه ومن يكذب ويعرض عن الله . ويحذر الله سبحانه من الدنيا مع أنه زينها، قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ [آل عمران:١٤] فقد زينها الله فتنة لعباده، وقال: احذروا من هذه التي زيناها لكم، فإنما أريناكم كيف نزينها حتى تعرفوا أن في الدار الآخرة الجنة وهي أجمل من هذه، فاتركوا هذه الدنيا للجنة، فالله أرى عباده ما يكون في الجنة بشيء مما أراهم في الدنيا؛ حتى يرجعوا إلى الله . لقد حذر الله عباده من الشيطان فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] فقد أخبرنا الله سبحانه في كتابه كيف يمكر الشيطان بالعبد، ويسخر منه، وبين موقف الشيطان حين يلجأ الإنسان إليه فيتبرأ الشيطان منه ويقول كما أخبر الله عنه: ﴿إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:٤٨] فالشيطان ينزع يده من الإنسان بعد أن يرديه في النار ويوقعه في معصية الله سبحانه، فليحذر المرء أن يغره بالله الغرور.

стр. 1711

تفسير قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة) لقد اختص الله سبحانه نفسه بعلم أشياء لم يطلع أحداً من الخلق عليها ذكرها الله تعالى في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤]، وهذه من جملة مسائل العقيدة التي يؤكدها لنا الله سبحانه في هذه السورة المكية وفي غيرها من سور القرآن، ولكنها أكثر تأكيداً في السور المكية، وإنما يركز على أمر العقيدة لأنها تربية للإنسان المؤمن، إذ يربى المؤمن من خلالها على حب الله سبحانه، وطاعته وتوحيده وعدم الشرك به سبحانه، والخوف منه، والإيمان بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، والاستعداد ليوم النشور، كما قال الله سبحانه ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] فهذه خمسة من أصول الإيمان، يتبعها أصل الإيمان بالقضاء والقدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وبذلك تمت الستة الأصول من أصول الإيمان التي يركز القرآن على بيانها وتوضيحها، وذلك حتى يؤمن العبد بأصول الإيمان، فيؤمن بربه، ويؤمن بالأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، ويؤمن باليوم الآخر، وفي الآية التي بين أيدينا يذكر الله تعالى إحدى مسائل الإيمان.

стр. 1712

اختصاص الله تعالى بعلم الساعة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] أي: أن الله اختص نفسه بعلم الساعة فلا يعرف أحد متى تكون الساعة، وإن كان الله سبحانه قد أخبرنا على لسان نبينا ﷺ أنها تقوم في يوم جمعة، إلا أننا قطعاً لا ندرك أي جمعة من الجمع ستقوم فيها، وقد أخبر نبينا ﷺ كذلك أن قبل الساعة علامات صغرى وعلامات كبرى، أما العلامات الصغرى فقد رأينا الكثير منها، ومن ذلك ما يراه الإنسان من معاص لله ، ومن الفساد في الأرض، ومن نزع الأمانة من قلوب الرجال حتى يقال عن الرجل: ما أظرفه وما أعقله، وما في قلبه مثقال ذرة من إيمان، ومنها أيضاً: أنك ترى الناس قد تركوا دين الله وراءهم، وضيعوا الأمانة، فترى المتبرجات ضيعن أمانة الله وانتشرن في الأرض يغوين ويضللن عن سبيل الله. أما العلامات الكبرى فإنها إذا جاءت فإن الساعة على وشك أن تقوم كما ذكر لنا النبي ﷺ ، وقد ذكر نبينا ﷺ تلك العلامات لأمته، ومنها: ظهور الدابة، والدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاثة خسوفات: خسف في المشرق، وخسف في المغرب، وخسف في جزيرة العرب، ونار تحشر الناس إلى أرض المحشر، فهذه العلامات إذا وقعت، عرف الناس أن الساعة قريبة، ومع ذلك فإنها تظل مبهمة حتى يأتي أمر الله فجأة، فتقوم الساعة وليس على الأرض من يقول: الله، الله، إذ إنها تقوم على شرار الخلق، وقد نسوا ربهم سبحانه، فلا أحد يقول الله، إلا عجائز من الناس يذكرون أنهم سمعوا من أجدادهم من يقول ذلك، كما تقوم الساعة والناس يتهارجون في الأرض كتهارج الحمر، فيكثر الزنا في الأرض حتى يرتكبه صاحبه في أي مكان كما تفعل الحمير، وكون الإنسان يدرك أن الساعة تكون قريبة لما يرى لها من علامات صغرى وكبرى، فهذا واقع، لكنه لا يدري متى تكون ساعته هو، كما لا يدري متى تكون القيامة الكبرى. كما أن الله سبحانه قد يري أنبياءه عليهم الصلاة والسلام أشياء لا يطلع عليها غيرهم، كما يذكر: أنه يكون كذا في يوم كذا، فيخبر النبي ﵊ بما غيبه الله سبحانه وأطلع عليه نبيه ﵊، وقد يري الله رؤيا يكون فيها أنه سيموت في اليوم الفلاني ويحدث هذا الأمر، وهذا لا يقدح في علم الله، فالله عنده علم ساعة العبد، فهو الذي أطلعه على ميقاتها، كما أطلع نبياً من الأنبياء على شيء من علمه الذي غيبه، وليس معنى ذلك أنه يعلم ﷺ متى تقوم القيامة، فيعلم في أي يوم تقوم، وإن كان قد علم أنه في يوم جمعة، لكنه لا يعلم ﷺ أي جمعة من الجمع تقوم فيها، بل كان يقول في المسيح الدجال (إن يظهر وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم)، فكان يظن ﵊ أن المسيح الدجال قد يظهر وهو حي، صلوات الله وسلامه عليه، ولم يظهر في حياته ولا بعد وفاته إلى الآن، ولكن لا شك أنه سيظهر في يوم من الأيام. وبذلك يعلم أن النبي ﷺ علم العلامات التي تكون قبل الساعة، أما أنه علم متى تظهر هذه العلامات فهذا أمر لا يعلمه إلا الله .

стр. 1713

اختصاص الله تعالى بإنزال الغيث وعلم ما في الأرحام قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤] الغيث: هو المطر العظيم العميم الذي يغيث الله به العباد، فيخرجهم به من العطش ومن المحل ومن القحط ومن الجدب إلى الري وإلى الخصب وإلى النماء والرواء من فضله ، وهذا الغيث يدرك العباد برحمته بعدما كادوا ينقطعون؛ إذ إنه لا يقدر على إنزال الغيث من السماء إلا الله ، ثم قال سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ﴾ [لقمان:٣٤] أي: يعلم أن هذا ذكر أو هذه أنثى، فالله كما أخبر في آية أخرى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] فإنه سبحانه يزيد الرحم شيئاً فشيئاً حتى يكون هذا الجنين في الشهر التاسع، ثم يخرج هذا الجنين إلى الدنيا، وقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ﴾ [الرعد:٨] أي: ما تكون عليه من نطفة تحولت إلى علقة، ثم تحولت إلى مضغة، وجاء القدر فنزلت في حيض المرأة، وغاض الرحم وذهبت لأمر الله ، والإنسان معلوم أنه لا يعرف ما يكون من شأن هذه النطفة، فلا يعرف هل سوف يعيش جنينها أم يموت؟ وإذا عاش هل سيكون شقياً أم سعيداً؟ وإذا كتب له الحياة فكم سوف يكون عمر هذا الإنسان في هذه الدنيا؟ وكيف سيكون عمله فيها؟ وكيف سيأتيه أجله؟ وهل يوم القيامة سيكون من أهل الجنة أم من أهل النار؟ ولذا فإن علم الله سبحانه ﵎ لما في الأرحام هو العلم المحيط بكل شئونها، ولا يقال أن الأطباء يعرفون بالأشعة التلفزيونية أن هذا ذكر أو هذه أنثى! نعم قد يعلم الأطباء بما علمهم الله أن هذا ذكر أو هذه أنثى في المراحل المتأخرة من الحمل، ولكن العلم المحيط بكل أمور الحنين علم الله وحده لا شريك له سبحانه، فهو وحده يعلم ما في الأرحام، ويعلم كل شيء عن هذا الذي كون في رحم المرأة.

стр. 1714

اختصاص الله تعالى بعلم ما في المستقبل ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ [لقمان:٣٤] قوله: (نفس) نكرة في سياق النفي تفيد العموم أي: أي نفس، فكل نفس لا تدري ما الذي تكسبه في غدها؟ وكسب الإنسان عام في كل كسب، فهو لا يعلم كسبه من حسنات ومن سيئات، ولا يعلم كسبه من أموال ومن أعمال، وقد يعد الإنسان نفسه بأنه في الغد سيفعل كذا وكذا، ولا يأتي عليه الغد إلا وقد مات، وقد يأتي عليه وهو حي لكنه لا يفعل شيئاً من هذه الأشياء، كأن يفجأه مرض فيمنعه من القيام بما وعد به نفسه، أو يطرأ عليه نسيان، أو تأتي عليه حوادث الدهر من باب المسجد وهو يفكر: سأذهب إلى البيت لكي أعمل كذا وأعمل كذا، فلا يذهب إلى البيت، بل يذهب إلى مكان آخر، أو يذهب إلى البيت ولا يعمل ما فكر فيه، فالله هو الذي يقدر هل سوف يكون هذا الشيء أم لا يكون، وبذلك يعلم أنه لا تدري النفس ما الذي تكسبه في الغد من حسنات ومن سيئات، ومن أقوال ومن أعمال، ومن أموال وغيرها.

стр. 1715

اختصاص الله تعالى بعلم موعد أجل الإنسان ومكانه ثم قال سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤] قد يذهب الإنسان إلى مقبرة من المقابر ويشتري تربة ويجهزها تحسباً إذا مات أن يحمل إليها، لكن الله قد قدر شيئاً آخر، كأن يسافر إلى مكان آخر فيموت فيه ويدفن فيه، فالله سبحانه أخفى عن العباد مواقيت موتهم وأمكنتها، وأمرهم بالإيمان به سبحانه، وهو لا يقدر لهم إلا الخير، فاختيار أمر الله سبحانه، والرضا به، والرضا عنه دليل الإيمان، وقد جاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه الطبراني والإمام أحمد من حديث أبي هريرة كما جاء من حديث أبي عزة الهدجي قال رسول الله ﷺ : (إذا أراد الله تعالى قبض روح عبد بأرض جعل له إليها حاجة فلم ينته حتى يقدمها، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان:٣٤] إلى قوله ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]). قد يظل الإنسان عمره كله في بلده الذي ولد فيه، فلا يسافر خارجها مطلقاً، وفجأة يأتي أمر من الأمور، كأن يحتاج لحاجة من الحاجات، أو يظن أن رزقه في المكان الفلاني، ثم يترك بلده ويذهب إلى هذا المكان لقضائه وقدره، فما أن يصل إلى هذا المكان حتى يقبضه ملك الموت، فيموت في هذا المكان الذي لم يكن يخطر بباله أن يذهب إليه يوماً من الأيام، وبذلك تتجلى حكمة الله ، أنه هو الذي قدر الأقدار، وأنه وحده الذي اطلع على الغيب، فهو يعلم كل شيء خفي عن العباد . ولعلنا قد ذكرنا قبل ذلك قصة المليونير اللبناني الذي بنى لنفسه مقبرة ضخمة كبيرة، ثم أتى بزملائه من الناس الذين يحبهم وأصدقاء السوء الذين كانوا معه وقال لهم: أنا عندما يقدر أن أموت سأدفن في هذا المكان، وطلبي منكم أن تقيموا لي حفلة في كل سنة، وتحضروا فيها الموسيقى وترقصوا وتلعبوا حولي في هذا المكان لكي تؤنسوني في قبري، فإذا بالله يري الناس في هذا الإنسان آية، فيركب هذا الإنسان الطائرة مع غيره من أصدقائه، وبينما تطير الطائرة فوق البحر تتعطل لتغرق في البحر، ويشاء الله أن تطفوا جثث زملائه إلا هو، فمع أنه أراد لنفسه الدفن في مكان وسخر من الموت بهذه الصورة، إلا أن الله أهلكه، فأكلته أسماك البحر أو أخذه الله حيث شاء سبحانه. وليحذر المسلم من الاستهزاء أو السخرية بأمور الغيب، فإنه أمر الله الذي قدر كل شيء، وقد جاء في حديث رواه البخاري من حديث ابن عمر قال: ﷺ : (مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمها إلا الله: لا يعلم ما تغيط الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غدٍ إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله) وجاء في الصحيحين من حديث عمر ﵁ أن جبريل سأل النبي ﷺ فقال: (ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وان محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال له: صدقت، ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر وخيره وشره، قال: صدقت، فما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت، فأخبرني متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل) فحين سأله عن وقت قيام الساعة أجابه بما معناه: أنا وأنت في عدم العلم سواء فأنت لا تعلم وأنا كذلك، (قال: فأخبرني عن أمارتها)، أي: ما هي علامات الساعة؟ قال: (أن تلد الأمة ربتها -أو ربها- وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان). وقوله: (أن تلد الأمة ربتها أو ربها)، أي: يكثر بيع الإماء، فتباع الأمة التي لها الولد، ويصير ابنها حراً وهو لا يعرف من أمه، وفي يوم من الأيام إذا به يشتري أمه لتصير أمة عنده وهو لا يدري أنها أمه، وهذا أحد تفاسير هذه الكلمة من هذا الحديث، وقوله: (وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان)، أي: الفقراء الذين كانوا لا يجدون ما يأكلون، بل هم من شدة فقرهم يمشون حفاة لا يجدون ما ينتعلون به، وعراة لا يجدون ما يلبسون، يصيرون أغنى الأغنياء ويتطاولون في البنيان، ولم يكن الصحابة يفكرون أن المباني ستبلغ الأدوار ذوات العدد، وأقصى ما كانوا يرونه بيتاً يتكون من طابقين، فكانوا لا يتطاولون في البنيان، ولم يكن في فكرهم هذا الأمر إلا علماً قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه لهم، فإذا الذي كان في يوم من الأيام غنياً وآباؤه أغنياء قد أصبح فقيراً ممن لا يجدون شيئاً، وإذا بالفقراء الذين كانوا لا يجدون شيئاً قد أعطاهم الله العطاء الجم، فالله سبحانه يغير ويبدل، ويري العباد من الآيات ما يعتبرون بها. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤] أي: عليم بكل شيء، فعلمه سبحانه محيط بما كان وما سيكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، (خبير) والخبرة: دقة العلم، فالله علمه دقيق يعلم ما لا يعلمه أحد، ويرى ما لا يراه أحد .

стр. 1716

تفسير سورة السجدة [ ١ - ٣] القرآن العظيم كتاب الله ، أنزله لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولينذر الكفرة والمخالفين والعصاة بالعذاب الأليم، وليبشر المؤمنين بجنات النعيم.

стр. 1717

تعريف عام بسورة السجدة الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة السجدة: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:١ - ٣]. هذه هي السورة الثانية والثلاثون من كتاب الله سبحانه ﵎ وهي سورة السجدة, وهي من السور المكية التي نزلت على النبي ﷺ بمكة، ما عدا آيات ذكر أهل العلم أنها نزلت بالمدينة، وهذه الآيات هي: قول الله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [السجدة:١٨ - ١٩] إلى آخر ثلاث آيات أو إلى خمس آيات. وقوله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] إلى قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠]. وأغلب آياتها مكية، وفيها خصائص السور المكية، والتذكير باليوم الآخر، والتفصيل لما يكون في يوم القيامة، وهي مناسبة جداً ليوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم القيامة فيه، وفيه خلق آدم، وفيه أنزل إلى الأرض، وهو يوم عيد للمسلمين.

стр. 1718

الحكمة من قراءة سورتي السجدة والإنسان يوم الجمعة إذا كانت القيامة ستكون في يوم الجمعة، ونحن لا ندري متى تكون، إلا ما أخبرنا به النبي ﷺ عن علاماتها التي تكون قبلها, فمن المناسب جداً أن تقرأ هذه السورة في كل يوم جمعة؛ ليتذكر الإنسان يوم القيامة, وما يكون فيه من حساب وعذاب، وما يكون فيه من جنة ونار؛ فلذلك كان يقرأ النبي ﷺ هذه السورة وسورة الإنسان في يوم الجمعة. فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في يوم الجمعة في صلاة الفجر ((الم * تَنزِيلُ)) -هذه السورة- السجدة، و ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)) الإنسان). وقراءة هاتين السورتين مقصودة، فأما السجدة فقد ذكر فيها خلق آدم وكيف بدأ الله خلقه من طين، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٨ - ٩]، ثم ذكر كيف يكون مصير هذا العبد عند ربه يوم القيامة، وكيف يجازيه ويحاسبه على ما ذكر في هذه السورة. وهذا واضح في سورة الإنسان من أول السورة، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]-أي: هذا الإنسان الذي يستكبر ويتعالى على ربه سبحانه ﵎ هلا تذكر أنه أتى عليه يوم من الدهر لم يكن شيئاً ولم يكن حتى تراباً؟! فقد كان عدماً ثم أوجد الله هذا التراب، وخلق منه الإنسان. فهلا تذكر الإنسان ذلك فانتفع بهذه التذكرة؟ ثم ذكر الله في سورة الإنسان أمر الكافرين، وكيف يفعل الله بهم، فقد أعد لهم سلاسل وأغلالاً وسعيراً. وذكر كيف يفعل بالمؤمنين، وأنه يدخلهم جنات، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥]. ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان:١٩]. إلى آخر ما ذكره الله سبحانه في هذه السورة. فهاتان السورتان مناسبتان ليوم الجمعة، فيقرؤهما المصلي في صلاة الفجر أو يسمعهما، لما فيهما من التذكير بأن يوم الجمعة وإن كان عيداً للمسلمين الآن إلا أن الساعة ستقوم فيه، ومن التذكير بأن بدء خلقه كان في هذا اليوم، وأن إنزالهم من الجنة إلى الأرض كان في هذا اليوم، فيتذكر يوم الجمعة وما يكون فيه.

стр. 1719

الحكمة من قراءة سورة السجدة عند النوم سورة السجدة كان يقرؤها النبي ﷺ قبل نومه؛ لما فيها من العبر والتذكير بالموت وبالبعث يوم القيامة وبالجزاء وبالحساب. ومن المناسب للإنسان عند نومه أن يتذكر ما الذي صنعه في هذا اليوم، ويتذكر أنه راجع إلى الله سبحانه، فينوي نية حسنة إذا أحياه الله في اليوم التالي أن يؤدي الحقوق لأصحابها، وأن يعمل الخير ويزيد في صلاح نفسه بما يشاء الله له. فيتذكر بهذه السورة وما فيها. فقد جاء عند الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ((الم * تَنزِيلُ)) السجدة، و ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ))). فعلى ذلك يستحب قبل النوم أن المسلم يقرأ سورة السجدة ويقرأ سورة تبارك، فقد جاء في فضل سورة تبارك أنها المنجية من عذاب القبر، وأن عبداً كان يقرؤها في كل ليلة، فلما مات جاءت هذه السورة تدفع عنه عذاب القبر، قال النبي ﷺ : (سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها في قبره حتى دفعت عنه العذاب).

стр. 1720

ذكر الاختلاف في عدد آيات سورة السجدة بدأ الله سبحانه ﵎ هذه السورة بقوله: ﴿الم﴾، بالحروف المقطعة الثلاثة. وعدد آيات هذه السورة ثلاثون آية حسب عد أكثر القراء. والبصريون يعدونها تسعة وعشرين آية. فالخلاف في هذه الآية الأولى وهي: ﴿الم﴾ هل هي آية وحدها أم مع غيرها؟ فعدها أكثر القراء وحدها، وعدها البصريون مع قوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] آية واحدة. وخلاف آخر في قوله سبحانه: ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، فوقف عليها أكثر القراء وقالوا: إنها رأس آية، ولم يقف عليها الباقون، وقالوا: إنها ليست رأس آية.
следующие страницы →