Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
تفسير سورة السجدة [ ١ - ٣]
القرآن العظيم كتاب الله ، أنزله لهداية الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ولينذر الكفرة والمخالفين والعصاة بالعذاب الأليم، وليبشر المؤمنين بجنات النعيم.
стр. 1717
تعريف عام بسورة السجدة
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة السجدة: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:١ - ٣].
هذه هي السورة الثانية والثلاثون من كتاب الله سبحانه ﵎ وهي سورة السجدة, وهي من السور المكية التي نزلت على النبي ﷺ بمكة، ما عدا آيات ذكر أهل العلم أنها نزلت بالمدينة، وهذه الآيات هي: قول الله : ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [السجدة:١٨ - ١٩] إلى آخر ثلاث آيات أو إلى خمس آيات.
وقوله : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] إلى قوله: ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠].
وأغلب آياتها مكية، وفيها خصائص السور المكية، والتذكير باليوم الآخر، والتفصيل لما يكون في يوم القيامة، وهي مناسبة جداً ليوم الجمعة، ويوم الجمعة هو اليوم الذي تقوم القيامة فيه، وفيه خلق آدم، وفيه أنزل إلى الأرض، وهو يوم عيد للمسلمين.
стр. 1718
الحكمة من قراءة سورتي السجدة والإنسان يوم الجمعة
إذا كانت القيامة ستكون في يوم الجمعة، ونحن لا ندري متى تكون، إلا ما أخبرنا به النبي ﷺ عن علاماتها التي تكون قبلها, فمن المناسب جداً أن تقرأ هذه السورة في كل يوم جمعة؛ ليتذكر الإنسان يوم القيامة, وما يكون فيه من حساب وعذاب، وما يكون فيه من جنة ونار؛ فلذلك كان يقرأ النبي ﷺ هذه السورة وسورة الإنسان في يوم الجمعة.
فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ وفي صحيح مسلم من حديث ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ كان يقرأ في يوم الجمعة في صلاة الفجر ((الم * تَنزِيلُ)) -هذه السورة- السجدة، و ((هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ)) الإنسان).
وقراءة هاتين السورتين مقصودة، فأما السجدة فقد ذكر فيها خلق آدم وكيف بدأ الله خلقه من طين، ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٨ - ٩]، ثم ذكر كيف يكون مصير هذا العبد عند ربه يوم القيامة، وكيف يجازيه ويحاسبه على ما ذكر في هذه السورة.
وهذا واضح في سورة الإنسان من أول السورة، قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]-أي: هذا الإنسان الذي يستكبر ويتعالى على ربه سبحانه ﵎ هلا تذكر أنه أتى عليه يوم من الدهر لم يكن شيئاً ولم يكن حتى تراباً؟! فقد كان عدماً ثم أوجد الله هذا التراب، وخلق منه الإنسان.
فهلا تذكر الإنسان ذلك فانتفع بهذه التذكرة؟ ثم ذكر الله في سورة الإنسان أمر الكافرين، وكيف يفعل الله بهم، فقد أعد لهم سلاسل وأغلالاً وسعيراً.
وذكر كيف يفعل بالمؤمنين، وأنه يدخلهم جنات، ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان:١٥].
﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الإنسان:١٩].
إلى آخر ما ذكره الله سبحانه في هذه السورة.
فهاتان السورتان مناسبتان ليوم الجمعة، فيقرؤهما المصلي في صلاة الفجر أو يسمعهما، لما فيهما من التذكير بأن يوم الجمعة وإن كان عيداً للمسلمين الآن إلا أن الساعة ستقوم فيه، ومن التذكير بأن بدء خلقه كان في هذا اليوم، وأن إنزالهم من الجنة إلى الأرض كان في هذا اليوم، فيتذكر يوم الجمعة وما يكون فيه.
стр. 1719
الحكمة من قراءة سورة السجدة عند النوم
سورة السجدة كان يقرؤها النبي ﷺ قبل نومه؛ لما فيها من العبر والتذكير بالموت وبالبعث يوم القيامة وبالجزاء وبالحساب.
ومن المناسب للإنسان عند نومه أن يتذكر ما الذي صنعه في هذا اليوم، ويتذكر أنه راجع إلى الله سبحانه، فينوي نية حسنة إذا أحياه الله في اليوم التالي أن يؤدي الحقوق لأصحابها، وأن يعمل الخير ويزيد في صلاح نفسه بما يشاء الله له.
فيتذكر بهذه السورة وما فيها.
فقد جاء عند الترمذي من حديث جابر بن عبد الله ﵄: (أن النبي ﷺ كان لا ينام حتى يقرأ ((الم * تَنزِيلُ)) السجدة، و ((تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ))).
فعلى ذلك يستحب قبل النوم أن المسلم يقرأ سورة السجدة ويقرأ سورة تبارك، فقد جاء في فضل سورة تبارك أنها المنجية من عذاب القبر، وأن عبداً كان يقرؤها في كل ليلة، فلما مات جاءت هذه السورة تدفع عنه عذاب القبر، قال النبي ﷺ : (سورة ثلاثون آية شفعت لصاحبها في قبره حتى دفعت عنه العذاب).
стр. 1720
ذكر الاختلاف في عدد آيات سورة السجدة
بدأ الله سبحانه ﵎ هذه السورة بقوله: ﴿الم﴾، بالحروف المقطعة الثلاثة.
وعدد آيات هذه السورة ثلاثون آية حسب عد أكثر القراء.
والبصريون يعدونها تسعة وعشرين آية.
فالخلاف في هذه الآية الأولى وهي: ﴿الم﴾ هل هي آية وحدها أم مع غيرها؟ فعدها أكثر القراء وحدها، وعدها البصريون مع قوله: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] آية واحدة.
وخلاف آخر في قوله سبحانه: ﴿أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة:١٠]، فوقف عليها أكثر القراء وقالوا: إنها رأس آية، ولم يقف عليها الباقون، وقالوا: إنها ليست رأس آية.
стр. 1721
الكلام حول الحروف المقطعة
الحروف المقطعة التي في أوائل السور من أسرار القرآن، ومهما تأمل الإنسان فيها وخرج منها بحكمة من الحكم فليس معنى هذا أن هذه هي الحكمة التي قصدها الله .
وقد حاول العلماء أن يعرفوا لماذا ذكر هنا ألف لام ميم؟ ولماذا ذكر هنا ص؟ ولماذا ذكر كذا؟ وذكروا أنه من ضمن ما وصلوا إليه: أن الحرف الذي يأتي في أول السورة أو الأحرف التي تأتي في أول السورة تكون أكثر الحروف تكراراً في هذه السورة، وليس معنى ذلك أن أكثرها تكراراً في السورة لابد أن يكون هو الأكثر، لا، ولكن هو من أكثر ما يكون في السورة.
فمثلاً الذي يعد الحروف في هذه السورة سوف يجد أن الألف وهو أول حرف بدأه الله في السورة تكرر مائتين وتسعين مرة تقريباً، فهو أعلى حرف تكرر في هذه السورة، واللام تكرر فيها مائة وواحداً وخمسين مرة، فهو من أعلاها وليس الأعلى؛ لأن حرف النون تكرر فيها حوالى مائة وثمانية وخمسين مرة، فهو أعلى منه, والميم أيضاً من أعلا الحروف التي تكررت في هذه السورة.
فكأنه إذا افتتح السورة بأحرف معينة فإن هذه الحروف تكون من أعلا ما يتكرر في هذه السورة.
فكأنه يقول: هذه الحروف من جنس ما تنطقون به، وقد ألفنا منها هذا القرآن، وجمعناه منها، فأتوا بقرآن مثله إن كنتم تقدرون على ذلك، فلم يقدروا على ذلك.
والغالب في كتاب الله أنه إذا بدأ بأحرف مقطعة فإنه يذكر بعدها مباشرة أو بعدها بقليل إشارة إلى هذا القرآن العظيم.
فهنا قال: ﴿الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ﴾ [السجدة:١ - ٢]، فذكر هذا الكتاب الذي هو حروف من جنس ما تنطقون به وأنه منزل من عند رب العالمين سبحانه ﵎.
وأيضاً ذكر العلماء أن هذه الحروف في بداية السور تسمى بها السورة، كما جاء في حديث النبي ﷺ : (أنه كان يقرأ ((الم تنزيل))).
فسميت سورة السجدة بسورة ((الم تنزيل)) السجدة.
وذكروا غير ذلك من الحكم التي أنزل الله هذه الفواتح فيها.
ومما ذكروه أنها لجذب الانتباه؛ لأن العرب لم يكونوا معتادين عليها.
فإذا أراد أحد أن يكلم أحداً فإنه يكلمه بكلمة، وأما أن يكلمه بحرف فهذا نادر.
فعندما يأتي القرآن يقول لهم: ((الم))، ويقرؤها آية، والقرآن له طريقة في القراءة بالتجويد وبالترتيل، فعندما يسمعونه يتسألون: ماذا يقول؟! فينتبهون لما يقول، فيقول بعدها: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢]، فكأن من ضمن الحكم جذب الانتباه، وشد الناس الذين ليسوا معتادين على هذا الشيء، فيستمعون له.
وأيضاً ذكروا من ضمن الحكم أنها نزلت إشارة إلى أسماء الله الحسنى.
فقالوا: (الألف) من اسم الله، و (اللام) من اسم الله اللطيف، و (الميم) من اسم الله المجيد.
وهذا محتمل.
وجاء عن ابن عباس ﵁ مثل ذلك.
ولكن لا نقدر أن نقول هذا هو السبب الذي من أجله أنزل الله هذه الأحرف في أوائل السور.
وغاية ما يمكن أن يقال: إن هذه أحرف مفرقة مقطعة في أوائل السور، والغرض منها تعجيز الخلق، وهي من أسرار كتاب الله سبحانه ﵎.
стр. 1722
القراءات الواردة في قوله تعالى: (الم)
قال تعالى: ((الم)) [السجدة:١].
قرأها الجمهور بالوصل فيها مع مد اللام والميم، وقرأها أبو جعفر بالوقف على كل حرف من الأحرف الثلاثة، فيقول: ألف.
لام.
ميم.
والغرض من ذلك: بيان أنها ليست كلمة واحدة، ولكنها ألف ولام وميم.
وكذا في كل فواتح السور.
ومنها نعرف أن طه ليس اسماً، ولكنه حرفان؛ لأن أبا جعفر يقرؤها: ط ها، فيقف على الطاء ويقف على الهاء.
وكذلك ياسين ليس اسماً، ولكنه حرفان؛ لأن أبا جعفر يقرؤها: ي سين، فيقف على الياء ويقف على السين؛ لبيان أن الياء حرف وأن السين حرف، وأنهما حرفان في أول السورة.
وأما لحديث الذي جاء مرفوعاً عن النبي ﷺ وفيه: (لي عند ربي عشرة أسماء، فذكر منها: طه وياسين).
فلا يصح عن النبي ﷺ .
стр. 1723
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب لا ريب فيه)
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢].
قوله: (تنزيل) مرفوع على الابتدأ أو على الخبر؛ فعلى الخبر يكون المعنى: هذا تنزيله, وعلى أنه مبتدأ يكون الخبر: ((لا رَيْبَ فِيهِ))، أو ((مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ)).
وقوله: (تنزيل) أي: منزل من السماء من عند رب العالمين، وفيه إشارة إلى أن الله سبحانه فوق سماواته سبحانه ﵎، فنزل الكتاب من عنده سبحانه على النبي ﷺ ، فهو ليس من قول النبي ﷺ ، وليس من كلام الملائكة، وإنما هو كلام رب العالمين نزله سبحانه كتاباً إلى السماء الدنيا، ثم نزله منجماً على النبي ﷺ ، ففي كل حادثة من الحوادث ينزل من القرآن ما يحكم الله فيه بين خلقه.
قال تعالى: ((تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ)) أي: لا شك في هذا التنزيل ولا شك في أنه كتاب رب العالمين سبحانه.
وجمهور القراء على عدم المد في اللام، ووجه عند حمزة أنه يمده مداً متوسطاً، فيقول: (لآ ريب فيه).
وهذا المد المقصود منه المبالغة في النفي, وكأن مده مبني على حكمة من الحكم، مثل كثير من القراء الذين ينقصون في مد الهمز المنفصل فإذا جاءوا عند كلمة: لا إله إلا الله يمدونها، ليس من أجل المد المنفصل، وإنما مبالغة في التعظيم الله سبحانه ﵎، ونفي الشريك عنه سبحانه ﵎، وحمزة العادة في المد عنده أنه يمد مداً طويلاً ست حركات، ولكنه هنا يمد مداً متوسطاً على أحد الأوجه عنده، فيقول: (لآ ريب فيه من رب العالمين).
وأيضاً كلمة (فيه) يقرؤها ابن كثير بإشباع كسرة الهاء التي في آخرها، ويقرؤها باقي القراء بالكسر فقط من غير إشباع.
والرب سبحانه هو الخالق المالك المدبر سبحانه ﵎، الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، وهو المشرع الذي يشرع لخلقه.
فله الخلق وله الأمر وهو الرب سبحانه ﵎.
والفرق بين الإله والرب أن الإله بمعنى: المعبود، والرب بمعنى: الخالق والصانع والفاعل سبحانه ﵎.
ومقتضى الرب أن يعبد سبحانه ﵎؛ لكونه يخلق ويرزق ويفعل أفعالاً يستحق بها أن يعبده الخلق فيؤلهوه.
والألوهية مقتضاها عبادة الخلق للرب سبحانه ﵎؛ لأنه مستحق لذلك، فالربوبية مقتضاها أفعال من الرب سبحانه من أنه يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويدبر الأمر، وينبني على ذلك أنه يستحق أن يؤلَّه وأن يعبد وحده لا شريك له.
قال تعالى: ((رَبِّ الْعَالَمِينَ)) والعالمين: كل ما سوى الله سبحانه ﵎، فالإنس عالم، والجن عالم، والدواب عالم، والحشرات عالم، وعالم علوي، وعالم سفلي، فكل واحد منها عالم من العوالم، والله سبحانه هو الرب للجميع، وهو ملك الملوك سبحانه ﵎، ورب العالمين.
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢].
وهذه إذا وقف عليها يعقوب ومثلها الأسماء المجموعة جمع مذكر سالم يقول: العالمينه، بهاء السكت.
ومثلها في الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، إذا وقف عليها أبو جعفر ويعقوب فيقرآنها بهاء السكت في آخرها.
وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة:٢] يرد على من يقول: إنه سحر أو إفك مفترى أو شعر أو كهانة أو أساطير الأولين، فهو يرد عليهم ويقول: إن هذا كتاب رب العالمين سبحانه.
стр. 1724
تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه)
قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]؟ أم هنا يسمونها بأم الإضرابية المنقطعة، كأنه يقول: أضرب عن هذا، وأنتقل من حديث إلى حديث آخر.
فكأنه يقول: إن هذا القرآن نزل من عند رب العالمين، ثم قال: انتظر ننتقل إلى شيء آخر، بل أيقولون: أفترى هذا القرآن؟! فالله يخبر عن هذا الكتاب أنه نزل من عنده، ثم بعد ذلك يقول: أهؤلاء الكفار يزعمون أنك افتريت هذا القرآن علينا؟! فأم هنا تقدر ببل وبهمزة الاستفهام بعدها، بل أيقولون افتراه؟ أي: اختلقه وألفه من عنده ﵊، وحاشا له.
قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [السجدة:٣].
فالقرآن كلام حق، وهو كلام رب العالمين نزل من عنده.
قال تعالى: (بل هو الحق من ربك ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [السجدة:٣].
وتنذر: تعلن مخوفاً.
والنذير: المعلن الذي يأتي ليخبر ويهدد ويخوف.
وقد جاء النبي ﷺ بشيراً ونذيراً، مبشراً أهل التقوى وأهل الطاعة والإيمان بالجنة، ومنذراً ومخوفاً ومهدداً لأهل المعاصي والكفر والشرك بعذاب الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [السجدة:٣].
فمن أيام المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى النبي ﷺ حوالى ستمائة سنة لم يأت نذير في خلال هذه الفترة.
فاندرس دين إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يعلم هؤلاء الكفار عنه شيئاً، فكانوا أهل فترة، فنزل القرآن ليهديهم إلى سبيل الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1725
تفسير سورة السجدة [٤ - ٥]
يذكر الله تعالى قدرته العظيمة على خلق الأشياء وإيجادها، فقد خلق السماوات السبع والأرضين السبع وما يبنهما، فهذا يدل على أنه وحده الذي يستحق أن يعبده الخلق، وهو الذي يتنزل أمره من أعلى السماوات إلى أقصى تخوم الأرض السابعة، وترفع الأعمال إلى ديوانها فوق سماء الدنيا.
стр. 1726
تفسير قوله تعالى: (الله الذي خلق السموات والأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة:٤].
يذكر الله قدرته العظيمة وخلقه للسماوات وللأرض وللإنسان، وكيف أن هذا من بديع قدرة الله ، التي تدل على أنه وحده الذي يستحق أن يعبده الخلق، ولا يعبدون من لا يملك لهم شيئاً لا ضراً ولا نفعاً.
فالله سبحانه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش سبحانه.
وهو المعبود وحده الذي يستحق أن يعبد وحده، وهو الرب الذي مقتضى ربوبيته أنه يخلق، فخلقه كله عظيم، كله حسن، وكله متقن ومحكم، فيرينا من آيات خلقه السماوات والأرض، فالإنسان يعيش فوق هذه الأرض، وإن كانت الأرض عند السماوات لا شيء، ولكن لكون الإنسان فوق الأرض يعيش عليها، والإنسان يحاسب على ما يصنع فيها، وفي هذه الأرض آيات للموقنين، فالله يذكر الإنسان بأنه خلق هذه الأرض وما عليها، وخلق غيرها من الكواكب والنجوم والشموس والأقمار، ولكن الإنسان يعيش على الأرض فيرى آيات الله فيها، من جماد ونبات وحيوان وإنسان وطير، مما خلق الله وذرأ وبث فيها، فيرى آيات قدرة الله سبحانه، ويتدبر ويتأمل في هذه السماوات وما فيها وما فوقها وما تحتها، والأرض وما فوقها وما تحتها، وما بين السماوات والأرض هذا كله خلق الله ، فقد خلق هذا الخلق العظيم كله في ستة أيام، وهنا لم يذكر لنا أنها من أيام الدنيا أو من أيام الآخرة، أيام الدنيا معلومة عندنا، وأيام الآخرة كل يوم بألف سنة مما نعد، ولكن كون ربنا سبحانه خلق السماوات وخلق الأرض في ستة أيام فكأنها من أيام الله التي كل يوم عنده بألف سنة مما تعدون.
فيكون خلق السماوات والأرض في هذا القدر، في ستة أيام من أيام الله ، وهو قادر على أن يخلق كل شيء في لحظة بقوله: كن، فيكون كل شيء كما أمر، ولكن أراد أن يرينا حكمته وصبره وحلمه، انظروا كيف خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وترك آدم وهو من تراب ومن طين حتى مرت به الملائكة وتستعجب ما هذا؟ وآدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مر به إبليس فرآه وهو أجوف، فأضمر في نفسه: لئن سلطت عليك لأغوينك.
ولو شاء سبحانه لخلق آدم بقوله: كن فكان آدم، ولم يتركه لا أربعين سنة ولا أقل ولا أكثر من ذلك، ولكن لحكمة من الله يرينا مقتضى أسمائه الحسنى، وأنه الحليم، وأنه الحكيم، وأنه العليم، وأنه الصبور ، فيحلم ويحكم الله سبحانه بعلمه وقدرته سبحانه، فيخلق ما يشاء ويمهل ، وهو القادر على أن يوجد في لحظة واحدة.
قوله: ((الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ)) وفصل لنا في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]، وهنا خلق الله هذه الأرض في يومين، ودبر أمر هذه الأرض جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين.
إذاً: إيجاد الأرض كان في يومين، وتدبير أمر الأرض كان في أربعة أيام بما فيها الخلق.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١١ - ١٢].
يعني: الأرض هذا الكوكب الصغير دبر أمره وأوجده الله في أربعة أيام، وكان قادراً أن يقول: كن، فيكون في لحظة.
وهذه السماوات التي هي أعظم بكثير من الأرض، الأرض بجوار هذه السماوات كحلقة في فلاة، وعلماء الكون والفلك لما نظروا إلى هذه الأرض قالوا: هذه الأرض صغيرة جداً بجوار المجرة التي نحن فيها وتسمى بمجرة درب التبانة، هذه المجرة التي فيها الشمس وفيها القمر وفيها النجوم الموجودة التي اطلع العلماء على بعض ما فيها، قالوا: فيها أكثر من أربعمائة ألف مليون كوكب مثل هذه الأرض وأعظم منها، وفيها النجوم وغيرها من الأشياء.
ومنذ فترة قالوا: فيها مائة ألف مليون، والآن يقولون: فيها أربعمائة ألف مليون، والله أعلم بعد هذا ماذا سيقولون! هذا في هذه المجرة وحدها، فكم عدد المجرات التي في الكون؟! يقولون: هناك مليارات مثل هذا العدد من الكواكب الموجودة في هذه المجرة التي نحن فيها، ويقولون: عدد المجرات مثل ذلك، فيكون العدد مهولاً جداً من المجرات! إذاً: ما هي الأرض بجوار ما خلق الله من كواكب وشموس وأقمار ومجرات؟ وخلق الله سبع سماوات، وقدر في كل سماء أمرها وتدبيرها.
وهذه المجرات التي نتكلم عنها هي تحت السماء الدنيا، وإذا تخيلنا أن الكون كله كأنه كرة، فكلما خرجنا إلى خارج اتسع واتسع، فهذه السماوات العظيمة أوسع بكثير من الأرض، فالسماء الثانية أوسع من السماء الدنيا, والثالثة أوسع، والرابعة والسابعة، وفوق ذلك سدرة المنتهى، هذا كون عظيم جداً خلقه الله ، وأرانا كيف أن هذا الكون كبيراً والله العلي الكبير وحده، فهو يرينا آيات لنستدل بها على عظمته ، فهو العلي الكبير.
إذاً: خلق هذه السماوات العظيمة في يومين اثنين، وخلق الأرض هذا الكوكب الصغير في أربعة أيام! إذاً: هناك حكمة من خلق هذا الكوكب الذي يعيش عليه الإنسان، ليبتلى فيه هذا الإنسان، ثم بعد ذلك يصير إلى الجنة أو إلى النار.
стр. 1727
إثبات صفة الاستواء لله على عرشه كما يليق بجلاله
قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [السجدة:٤] أي: الله خلق العرش، فكما أن السماوات مخلوقة، والأرض مخلوقة، والكائنات كلها مخلوقة، فكذلك العرش مخلوق، والله استوى على العرش استواء يليق به من غير تشبيه ولا تكييف ولا تمثيل ولا تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، نثبت له صفاته كما أثبتها لنفسه.
إذا تكلمنا على الخلق نقول: استوى الملك على كرسي عرشه، فيكون المعنى: أن الملك يستوي على سريره ويستوي على عرشه، وكل مخلوق من مخلوقات الله يستوي على ما يجلس عليه بما يليق به أنه مخلوق، أما الخالق فلا يحتاج إلى شيء، وهو مستغن عن العرش وما دونه، وهو فوق كل شيء سبحانه ومحيط به، وهو سبحانه يمسك السماوات أن تزولا، فالله سبحانه استوى على العرش كما يليق به، فلا نقول: كيف استوى على العرش؟ وإنما نقول: استوى استواء يليق به .
ولا نحرف هذه الكلمة كما تحرفها المعتزلة وغيرهم، يقولون: استوى على العرش يعني: استولى على العرش، وهذا كلام باطل؛ لأننا لو قلنا: استوى بمعنى استولى لكان له خصم، وهذا الخصم يريد أن يأخذ منه هذا الشيء، فهو يستولي على هذا الشيء بقهره لخصمه، وحاشا لله أن يكون له شريك في ملكه سبحانه، أو من ينازعه ملكه سبحانه، نقول: استوى بالمعنى الذي يفهمه كل إنسان من استواء الإنسان على عرشه على كرسيه، ولكن لا نكيف ولا نمثل ولا نقول: استواء الله على عرشه كاستواء الإنسان على كرسيه، لا، وإنما نقول: استوى استواء يليق به سبحانه، الكيف لا نعلمه، أما معنى الاستواء فمعروف.
стр. 1728
معنى قوله (ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع)
قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [السجدة:٤] يعني: الله الذي خلق هذا كله، فهو يرينا كمال قدرته وعظيم قوته، فهو القوي العزيز سبحانه، فكيف تلجأ إلى غيره ؟ وكيف تطلب النصر من غيره؟ قال: ((مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ)) الولي أصلها من الولي وهو القرب، ومنها: الولاية أي: ولاية الإنسان مع الآخر، تقول: هذا وليي وهذا مولاي، فالمولى والولي بمعنى القريب وبمعنى ابن العم، ويطلق عند العرب على هذا المعنى، فكأن المعنى هنا: ((مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ)) يعني: من قريب نسيب يتولى أمركم فينازع ويخاصم فيكم ربكم ، وليس لكم مخلوق يشفع لكم عند الله سبحانه.
والشفيع من الشفع عكس الوتر، فالإنسان يأتي وحده يوم القيامة فلا يأتي معه من يشفع به ويشفع له، فأنت تقف وحدك أمام الله سبحانه ليس لك شفيع، إلا حين يأذن الله لمن يشاء من خلقه بالشفاعة، أما قبل ذلك فالإنسان يكون وحيداً ليس له من دون الله من يشفع له أو ينفعه.
ثم قال: ((أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ)) التذكر عكس النسيان، ويأتي بمعنى التدبر وبمعنى العظة، فهلا اتعظتم بذلك؟! كل إنسان أتى إلى هذا الكون وهو وحده، ويموت وحده، ويبعث يوم القيامة وحده، ويحاسب وحده، وهذا الإنسان إذا كان في قبره يأتيه الملكان فيجلسانه ويسألانه، وهو الذي يجيب وحده، لا أحد معه يلقنه ويقول له: قل كذا، إلا رحمة رب العالمين ، فهلا اتعظتم بذلك وتذكرتم فعبدتم الله وأخلصتم له دينكم؟!
стр. 1729
تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)
قال الله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ﴾ [السجدة:٥] التدبير: هو القضاء والقدر، أي: يقدر سبحانه فيدبر ملكوته في السماوات وفي الأرض، ويأمر بالأمر فتنزل الملائكة من السماء بأمر الله سبحانه، إلى الأرض، فهم ينزلون في يوم واحد من السماء إلى الأرض، هذا اليوم لو أن مخلوقاً من المخلوقات بقدرته كمخلوق أراد أن يقطع هذه المسافة بين السماء والأرض، بما آتاه الله من قوة من دواب ومن صواريخ ومن طائرات وغير ذلك لسار فيها ألف سنة لا يقدر أن يقطع هذه المسافة، والإنسان مستيقن من ذلك، ويعلم أن بينه وبين بعض النجوم التي في السماء مقدار خمسة آلاف سنة ضوئية.
السنة الضوئية مسافة يقيس بها الإنسان، عندما يتعذر أن يقيس بالكيلومتر وأن يقيس بالميل فإنه يقيس ذلك بالسنة الضوئية، يقول: السنة ثلاثمائة وستون يوماً، واليوم بمقدار أربعة وعشرين ساعة، والساعة فيها ستون دقيقة، والدقيقة فيها ستون ثانية، والثانية يقطع فيها الضوء مسافة ثلاثمائة ألف كيلو متراً في الثانية الواحدة، فإذا كان في الثانية الواحدة يقطع فيها ثلاثمائة ألف كيلو متراً، فكم يقطع في الساعة؟ وكم يقطع في اليوم؟ وكم يقطع في السنة؟ فالإنسان لا يستطيع ولا يقدر أن يقطع هذه المسافة الطويلة؛ لأن المقدار الذي بين نجم من النجوم وبين الأرض طويل جداً فكيف بالسماء التي فوق ذلك؟ وكيف بالسماء السابعة؟ ومع ذلك فأمر الله ينزل من السماء، ينزل به جبريل أو ميكائيل أو إسرافيل أو ملك من الملائكة في يوم واحد، ولو أنكم قطعتم هذه المسافة لما أدركتموها ولا في ألف سنة بما آتاكم الله من آلات ومن قدرات، قال الله : ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن:٣٣] يعني: بأمر الله ، فلا تقدرون أن تتجاوزوا قدركم ولا ما آتاكم الله من أشياء، وهو يدبر أمره وينزل هذا الأمر الذي دبره وأحكمه وقضاه وقدره من السماء إلى الأرض.
ثم تعرج الملائكة إلى الله فيخبرونه: تم كذا وتم كذا وعملنا كذا ورأينا عبادك وأتيناهم وهم يصلون، كل هذا والله أعلم به ، وتأتي الملائكة لتشهد للخلق، لتكون شاهدة لهم أو عليهم يوم القيامة، فيقضون أمر الله في الأرض ويرتفعون إلى السماء في يوم واحد، وبين السماء والأرض مسافة خمسمائة عام، ولو أن الإنسان مشاها أو جراها كان بهذا المقدار، ولكن الملائكة في نصف يوم تنزل ونصف يوم تصعد إلى السماء، وتبيت فيكم ملائكة بالليل في وقت العصر ثم إذا كانوا في الفجر جاءت ملائكة أخرى من السماء وصعدت هذه التي باتت فيكم لتخبر ربها وهو أعلم ، فيقول لمن أتوه: (كيف تركتم عبادي؟ يقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون) أي: نزلنا في صلاة العصر وهم يصلون وتركناهم الفجر وهم يصلون، فتشهد الملائكة عند الله.
وقوله: ((ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ)) أي: تعرج إليه الملائكة أو من نزلوا بهذا الأمر من السماء إلى الأرض ((فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)) يعني: من سنينكم؛ لأن السنة عند الله غير السنة التي عند الإنسان، اليوم الذي عند الإنسان مقدر بطلوع الشمس وغروبها، أما اليوم الذي عند الله سبحانه فهو بألف سنة من هذه السنين ومن هذه الأيام التي تعدونها عندكم، فالله سبحانه يرينا كيف أنه دبر ملكوته سبحانه، وكيف أن الكون عظيم جداً، فكيف بخالق الكون وعظمته، فاعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1730
تفسير سورة السجدة [٥ - ٧]
يبين الله عظيم قدرته وخلقه، ومن أعظم دلائل قدرته أنه خلق السماوات السبع دون عمد، وخلق الأرض والجبال، وخلق الإنسان من ماء مهين، وكان أصل خلقته من تراب، كل ذلك خلق العزيز الرحيم الذي خلق كل شيء فأحسن خلقه، وصوره في أجمل صورة.
стр. 1731
تفسير قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٦ - ٧].
لما ذكر الله سبحانه ﵎ في الآيات السابقة كيف أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش، فذكر من خلقه العظيم السماوات والأرض والعرش، ثم ذكر أنه ليس للخلق من دونه من ولي ولا شفيع، إذا كانت هذه مخلوقات الله سبحانه ﵎، خلقها وسخرها وسيرها وألزمها بما يريده سبحانه ﵎، فأتت ربها طائعة خاشعة لله كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢] فهذه السماوات وهذه الأرض وهذه الجبال أقوى من الإنسان بكثير.
ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٢٧ - ٣٣].
فذكر أن الإنسان ضعيف بأصله وخلقته، ضعيف بما آتاه الله من قوة، فهو ضعيف إذا قارن نفسه بهذه الأرض التي يعيش فوقها، والتي يموت فيدفن بداخلها، فلو أنه ضرب بقدمه الأرض ما استطاع أن يخرق الجبال، ولذلك قال الله للإنسان: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧] مهما أوتيت من قوة، ومهما أوتيت من شيء لن تقدر على أن تخرق الأرض إذا ضربتها بقدمك، بل تتقطع قدمك ولا تستطيع أن تخرقها، ولو أنك تطاولت ورأيت نفسك أطول من غيرك لن تبلغ طول الجبال، فارجع إلى نفسك وتب إلى الله سبحانه ﵎، ولا تغتر بنفسك.
وهنا يذكر خلق السماوات والأرض وخلق العرش العظيم، ثم يقول: مالكم من دون الله سبحانه من ولي ولا شفيع، والولي: القريب الذي يدافع عنك من أعمام أو إخوة أو بني أعمام ونحو ذلك، مالكم من دونه من ولي ولا أقرباء يناصرونكم، ولا شفعاء يأتون فيسترحمون من أجلكم إلا أن يأذن الله لمن يشاء، فتذكروا واعتبروا واتعظوا بذلك، أفلا تتذكرون قدرة الله سبحانه ومخلوقاته فتعرفون قدر ربكم سبحانه؟! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧].
ثم ذكر أنه سبحانه: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥].
((يُدَبِّرُ)) يقضي ويقدر وينزل سبحانه ﵎.
قوله: ((الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ)) فتنزل الملائكة بأمر الله سبحانه وتدبيره في كونه يأمرهم: افعلوا كذا وافعلوا كذا وأتوا بكذا فتنزل الملائكة بأمر الله، ويتعاقبون فيكم بالليل وبالنهار، فتعرج ملائكة الليل وتنزل ملائكة النهار، فهؤلاء يقضون النهار مع البشر، وهؤلاء يقضون الليل مع البشر، ويعرج كل منهم إلى الله سبحانه ﵎، فهذا النزول بأمر الله، وهذا العروج بالإخبار لله سبحانه ﵎، وهذا القدر الذي ينزلون فيه لو أن مخلوقاً من مخلوقات الله -غير الملائكة-أراد أن ينزل وأن يصعد بما آتاه الله من سرعة ما قدر على ذلك في ألف سنة، ولكن الله جعل للملائكة القدرة على أن ينزلوا ويصعدوا في مقدار يوم واحد، فينزلون بالليل والنهار فيما لا يقدر عليه الخلق في مدة ألف سنة قال تعالى: ((ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)).
стр. 1732
تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦] (ذلك) اسم إشارة للبعيد، والمقصود منه هنا التعظيم والإشارة للبعيد، فإذا أراد الإنسان أن يتكلم إما أن يقصد البعيد في مكان، وإما أن يقصد التعظيم، فقد يتكلم الإنسان عن شخص قريب منه فيقول: هذا، فإذا أراد تعظيمه يقول: ذلك، وهو قريب منه، فالله يعبر عن نفسه سبحانه بـ (ذلك) لأنه الخالق العظيم سبحانه تبارك وتعالىز و (عالم الغيب والشهادة) قدم الغيب على الشهادة لأن الغيب خفي، فلا يدري الإنسان عن الغيب شيئاً إلا بما يعلمه الله سبحانه ﵎، فـ (ذلك عالم الغيب) أي: ما غاب عنكم من أشياء غيبها الله سبحانه ﵎ فما غيبه الإنسان في ضميره وأخفاه فإن الله يعلمه سبحانه، يعلم ما سيفعله الإنسان ولم ينوه بعد فعلم الله علم غيب، يعلم ما كان في الماضي، وما سيكون في المستقبل، بل وما لم يكن، الشيء الذي لم يوجد يعلم أن لو كان كيف سيكون سبحانه ﵎، فيعلم كل شيء، يعلم ما أسره الإنسان لغيره، وما أخفى من السر وغيبه في نفسه ولم يقله لغيره، وما هو أخفى من ذلك مما لم يعلمه الإنسان بعد، وسيعلمه وسيفعله بعد ذلك، فأنت لا تعلم ما الذي ستكسبه في الغد والله أعلم بذلك، وأنت لا تعلم متى ستموت؟ وأين تموت؟ وكيف تموت؟ والله يعلم ذلك سبحانه، فهو عالم الغيب والشهادة سبحانه ﵎.
والشهادة: هي الشيء المشاهد، ما يشاهده الإنسان أمامه، والله يعلمه ويراه سبحانه ﵎، وما خفي عن الخلق فالله يعلمه، فهو عالم الغيب والشهادة (العزيز الرحيم)، هذا الاسم العظيم العزيز مناسب لما قبله، وكذلك الرحيم، فعالم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما أراد الإنسان أن يخفيه ويغالب في إخفائه، فالله مطلع عليه لا يغلبه أحد أبداً، فالله هو الغالب الذي لا يغلب، والعزيز القاهر فوق عباده سبحانه الذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن، ولابد أن يكون بأمر الله سبحانه، وهو العزيز الذي يقضي الشيء ولابد أن يكون على ما قضاه الله، فمستحيل أن يتخلف الشيء عما أراده الله له، لا شيء يغالب الله سبحانه ﵎، ولا شيء يمتنع على الله سبحانه.
الله رءوف ولطيف بعباده، فإذا ذكر ما يفيض القوة والشدة ذكر ما يفيض رحمته العظيمة سبحانه ﵎، فهو عالم الغيب والشهادة، اطلع على غيب كل مخلوق، واطلع على ما يفعله ويشاهده غيره سبحانه ﵎، فيحاسب كل إنسان على ما يفعله، والله هو العزيز الغالب يحاسب الكافر والظالم فيأخذه أخذ عزيز مقتدر، والله هو الرحيم يحاسب المؤمنين فيسترهم سبحانه ﵎ ويغفر لهم، ويتكرم عليهم بفضله ورحمته سبحانه، فهو عزيز رحيم سبحانه ﵎، والرحيم صفة لله فيها رحمته، وهو صيغة مبالغة، فهو الرحمن الرحيم، الرحمن: ذو الرحمة العظيمة الجليلة، والرحيم: ذو الرحمة العظيمة الجليلة، فالرحمن يختص بالرحمة العامة العظيمة من الله لكل خلقه، فيدخل فيها المؤمن والكافر بأن يعطيه ويرزقه ويتفضل سبحانه ﵎ على خلقه بالهداية ويمن وينزل عليهم كتابه، ويرسل إليهم رسولاً فيبين للإنسان الخير والشر، ويبين للجميع سبحانه ﵎، فهو الرحمن سبحانه، ولما طلب إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من ربه قال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة:١٢٦] أهل البيت ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:١٢٦] فيرزق الله الجميع، فهذا من رحمته سبحانه، فلم يخلق الخلق ليأتوا إلى الدنيا فلا يجدوا ما يأكلون، وإنما خلق هذا وهذا.
إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام طلب الرحمة للمؤمنين، وطلب الرزق لهم، فالله أخبر أنه يرزق الجميع مؤمنين وكافرين، وهذا مقتضى رحمته سبحانه ﵎، يرزق جميع خلقه، ويبين لجميع خلقه سبحانه ﵎ رحمته.
وهو الرحيم برحمة خاصة للمؤمنين في الدنيا والآخرة، فإن رحم الجميع في الدنيا بأن بين ورزق وأعطى لكن في الآخرة لا تكون رحمته إلا للمؤمنين ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] سبحانه ﵎، فيرحمهم ويدخلهم الجنة، وأما الكافر فإن أعطاه الله رحمة في الدنيا فيوم القيامة مصيره إلى جهنم؛ لأنه لم يرع ذلك، ولم يقدر ربه سبحانه حق قدره، ولم يعبد ربه، بل أشرك بالله مع ما أعطاه فاستحق أن تكون نهايته في نار جهنم والعياذ بالله قال تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦].
стр. 1733
تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه)
قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] كل خلق الله حسن، وكل خلق الله يليق بما خلقه الله له، فخلق الإنسان وسواه فعدله، وجعله يمشي على رجلين منتصباً قائماً، وجعل الإنسان على هيئة معينة تليق بهذا الإنسان الذي كرمه الله سبحانه ﵎، وخلق الحيوان على هيئة معينة تليق بهذا الحيوان، وخلق الطير والدواب والحشرات وكل مخلوق من خلقه سبحانه خلقهم فأحسن خلقته سبحانه على ما يليق بهذا المخلوق.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ إذا رأى الإنسان شيئاً قبيحاً فيقال له: هذا وإن كان قبيحاً هل تقدر أن تخلق مثله؟! الله له في كل شيء آية، فيخلق الخير والشر سبحانه، ويخلق الشيء الدميم والقبيح، لولا وجود القبيح ما علم الإنسان قيمة الجمال، فلو كل شيء جميل في نظرك ما عرفت قيمة هذا الشيء الجميل إلا بأن يخلق الله ضده، ولا عرفت قيمة الصحة التي أنت فيها إلا أن يخلق الله المرض، ولا عرفت قيمة البياض وجماله إلا أن يخلق الله السواد، فتقارن بين هذا وذاك, ولذلك يقولون: والضد يظهر حسنه الضد (وبضدها تتميز الأشياء)، فالشيء لا يتميز عن غيره إلا بالضد الذي يوجد، فيعرف الإنسان قيمة هذا وقيمة هذا.
الله سبحانه ﵎ قد خلق هذا كله فأتقن كل شيء خلقه وأحكمه وأحسن فيه، فكل خلق الله سبحانه بإضافته إلى الله فهو حسن، وكل خلق الله بإضافته إلى الله فهو خير من الله سبحانه ﵎، وإن كان في الدنيا هذا خير وهذا شر، الكافر هذا شر، ولكن الله خلقه لخير يعلمه سبحانه ﵎، يخلق هذا الكافر ليبتلي به المؤمن ويرتفع في درجات الجنة، وإلا فكيف سيبتلى إن لم يوجد هذا الكافر ليؤذي المؤمن وليجاهده ويكتسب الثواب والحسنات والدرجات عند الله؟! فيكون الله هو الذي خلق هذا وخلق هذا، فهذا خير من هذا.
قوله: ((الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)) هذه قراءة الكوفيين، وقراءة نافع أيضاً، وهذا فعل، وقراءة بقية القراء ((الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ)) ف (خَلَقَهُ) فعل، و (خَلْقَهُ) مصدر، وكأن المعنى على الأول: الذي أحسن كل ما خلقه ، فقد أحسنه أي: أتقنه وأحكم في صنع هذا الشيء الذي أوجده .
إذاً: أحسن كل شيء في الخلق والإيجاد من العدم، فكل شيء أوجده الله سبحانه ﵎ فقد أحسن في إيجاده، وقد ينظر الإنسان في الشيء ويقول: لماذا هذا الشيء خلقه الله هكذا؟! وهو لا يدري أن هذا فيه نفع للإنسان من حيث يدري ومن حيث لا يدري، فكل مخلوق في هذا الكون إنما هو مخلوق لحكمة من الله سبحانه ﵎، حتى إن بعض علماء الحشرات من أكابر العلماء يقولون: لولا وجود العنكبوت لفني الإنسان ومات! فوجود هذا العنكبوت يعمل توازناً في البيئة التي هو موجود فيها هذا الإنسان، فهو لا يدري إلا فيما يشاهده أمامه هذا عنكبوت يؤذيني ويضايقني ويعمل كذا ولكن لا يدري أن هذا مخلوق خلقه الله لحكمة منه سبحانه، ولنفع أراده الله سبحانه، أنت اطلعت عليه أو لم تطلع عليه، فإن الله هو عالم الغيب والشهادة ، فالإنسان يحتاج إلى هذا الشيء، وإذا قضى عليه سيجد أنه خسر أشياء أخرى من ورائه، فهذا العنكبوت يقضي على أشياء كثيرة تؤذي الإنسان، والعنكبوت يتكفل بأمر الله بأن يقضي عليها.
كذلك الإنسان ينظر إلى النمل على أنه مؤذ فيزيله ويبعده، والله يخلق الشيء لحكمة من الحكم سبحانه ﵎، وينهانا النبي ﷺ عن قتل النمل، ويقول العلماء: إن هذه النملة من فوائدها التوازن البيئي، فيقضي على أعداء للإنسان بحيث يأكلها، ويقضي على أشياء من فطريات تصيب طعام الإنسان فتؤذيه، ولعل عدم وجود هذا النمل يفسد على الإنسان أطعمة كثيرة جداً، كان النمل سبباً في أنه يقضي على ما يتلف هذه الأطعمة.
وقد ذكرنا أن أهل اليمن يأتون بالنمل من الغابات، يقطعون فروع الشجر المليئة بالنمل وينقلونها على ظهور الجمال إلى الحدائق التي فيها البرتقال واليوسفي وغيرها من الفواكه؛ وذلك لأجل أن يقضي النمل على أشياء من فطريات موجودة في هذه الأشجار التي تؤذي الإنسان وتفسد عليه الفواكه، فالنمل يقضي على أعداء هذه الفواكه فيستفيد الإنسان من طعامه وشرابه.
فهذه حكم عظيمة من حكم الله سبحانه، والإنسان قد يعرف بعضها، وقد يغيب منه الكثير من هذه الأشياء فيقول: لماذا خلق الله هذا الشيء؟ والله يقول: (لا يسأل عما يفعل) سبحانه ﵎، فلا تسأل الله لماذا خلقت؟! وإنما تقول: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥] فالله هو الذي أحسن كل شيء خلقه.
ورد أن عبد الله بن مسعود صعد إلى شجرة من أشجار الأراك يجني من ثمارها للنبي ﷺ فنظر إليه الصحابة وضحكوا، فقال النبي ﷺ لهم: (علام تضحكون؟ قالوا: نعجب من دقة ساقيه) عبد الله بن مسعود كان قصيراً ونحيفاً جداً، فتعجب الصحابة من نحافته وضحكوا، فالنبي ﷺ أخبرهم أن خلق الله كله حسن سبحانه ﵎، وأخبرهم لعل هذه القدم التي تنظرون إلى نحافتها أثقل من جبل أحد.
رجل آخر جاء إلى النبي ﷺ وقد لبس ثوباً يجره على الأرض، فأمره برفع ثوبه إلى أنصاف ساقيه، فالرجل قال للنبي ﷺ : إني حمش الساقين أي: فيها شيء من الاعوجاج، فكان جواب النبي ﷺ : (كل خلق الله حسن) خلق رجليك نحيفة أو معوجة فكل ما خلقه الله فهو حسن، افعل ما أمرك الله به من ألا تجعل ثوبك سابغاً، فإن الله لا يقبل صلاة إنسان قد أطال ثوبه حتى وصل إلى الأرض.
الله ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:٧] سبحانه ﵎، والله هو الذي بدأ خلق الإنسان من طين، وأصل الإنسان هو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وآدم خلق من طين، فبدأ خلق الإنسان من طين بعد أن كان عدماً، وخلق الله من آدم هذا الإنسان الذي يخاصم ويجادل ربه سبحانه ﵎ بالباطل، قال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] ثم جعل نسل هذا الإنسان الذي هو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من سلالة من ماء مهين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1734
تفسير سورة السجدة [٦ - ٧]
إن الله تعالى له العلم المطلق سبحانه، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم كل ما غاب ويعلم كل ما حضر سبحانه، فعلمه بخلقه دقيق، ولذا كان كل خلقه حسن، وكان الإنسان المخلوق من طين أحسن الخلائق على وضاعة أصله، فسبحان الله الخالق الحكيم!
стр. 1735
تفسير قوله تعالى: (ذلك عالم الغيب والشهادة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٦ - ٨].
يخبر الله سبحانه ﵎ عن نفسه سبحانه أنه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾، الذي يعلم ما خفي عن الخلق وما ظهر لهم، الذي يعلم كل شيء ظاهراً وباطناً سبحانه، وأخبر أنه ﴿الْعَزِيزُ﴾، الذي يقدر على كل شيء، ولا يعجزه شيء، ولا يمتنع منه شيء، وأنه (الرحيم) الذي يرحم من يشاء من خلقه سبحانه.
قال سبحانه عن سعة رحمته: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فهو الرحيم الذي يسع برحمته كل شيء، وقد خلق آدم وذريته، ليري عباده مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإنه هو الذي يخلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يحيي، وهو الذي يميت، وهو الذي يرشد ويهدي، وهو الذي يضل من يشاء، ويهدي من يشاء، ثم يميتهم ثم يبعثهم من قبورهم، ويحاسبهم يوم القيامة على أعمالهم.
مقتضى أسماء الله الحسنى سبحانه ﵎ أفعال وصفات له سبحانه يفعلها الله فيرينا قدرته الباهرة وعظمته القاهرة، ولو سئل العبد عن ذلك كله؟ يجيبه القرآن: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [السجدة:٦].
стр. 1736
تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه)
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، كل خلق لله حسن، وكل خلق الله إذا تأمله العبد وجد القدرة العظيمة، والخلق البديع له سبحانه ﵎، يجد ذلك في الصغير والكبير؛ في القليل والكثير، في الشيء الذي يراه الإنسان كبيراً عظيماً أو صغيراً حقيراً، فقدرة الله ظاهرة في كل شيء، فهو ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] فالطين هو أصل الإنسان، منه خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعد أن كان عدماً، فقد أوجد الله الماء ثم أوجد التراب ثم أوجد الطين، ومنه خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، والله يباين بين خلقه أصلاً وشكلاً ونوعاً وكماً، فهو يخلق خلقه مما يشاء، فقد خلق الملائكة من نور ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن:١٥]، وخلق آدم من تراب، ثم خلق ذريته منه، وقد وصف الله سبحانه آدم ﵇ في أكثر من موطن في القرآن الكريم منها قوله سبحانه: ﴿مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، وقوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦]، وقوله: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن:١٤]، وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ﴾ [السجدة:٧] أي: جنس الإنسان.
وقد ذكر الله في القرآن، وذكر النبي ﷺ في السنة أن الله خلق آدم بيده، وأنه نفخ فيه من روحه سبحانه ﵎.
فبيان القرآن وبيان السنة يدل على أن آدم ﵇ معجزة من المعجزات العظيمة، وآية من الآيات الباهرة التي تشهد بقدرة الخالق العظيم سبحانه ﵎.
وإذا كان كل إنسان مخلوق من أبوين: أب وأم، فقد يرينا الله قدرته العظيمة بأن يجعل من البشر من يخلق بغير أب كالمسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو مخلوق من أم فقط، فأرانا الله في خلقه آية من عظيم آياته.
وإذا تعجب الإنسان من أن الله خلق المسيح ﵊ من أم فقط فإن الله يقول: إن هذا ليس بأعجب من خلق آدم، فقد خلقته من غير أب ولا أم!
стр. 1737
شبهة القول أن لآدم أباً والرد عليها
من العجب ما تسمعه من بعض المتحذلقين الذين يتكلمون في خلق آدم ﵇ ويقولون: إن آدم له أب وأم قبل ذلك، وكأنه ينكر ما يقوله القرآن! ومما يزيد الأمر عجباً أن الذي يتكلم بذلك رجل من الدكاترة وأستاذ في القراءات! وصدق معاذ رضي الله ﵎ عنه حين كان يقول: اتقوا زيغة الحكيم، فقد يكون الإنسان عالماً من العلماء وفجأة يخترع شيئاً من الأشياء العجيبة التي لم يقلها أحد قبله، فتعجب! ويقول قولاً يعارض القرآن كقول من يقول: إن آدم له أب وأم معارضاً قوله : ﴿بَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧]، والإنسان الذي خلق من طين هو آدم ﵇، وهو الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه سبحانه ﵎، كما يدل على أنه لم يكن قبله بشر، وإنما خلق قبل آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام الملائكة والجان، ويدل على أن الجن خلقوا قبل الإنس أنه لما أراد الله أن يخلق آدم أعلم الملائكة بذلك، فاعترضت وقالت لربها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، فقد ذكر أهل التفسير أن الجن سكنوا الأرض قبل الإنس وسفكوا الدماء وكان هذا سبب اعتراض الملائكة كما تقدم، ولكنهم في اعتراضهم لم يذكروا أن إنساناً جديداً قد قطن الأرض، فلا حاجة لخلق إنسان آخر.
ثم بعد أن خلق آدم ﵇ من الطين من غير أب ولا أم خلق حواء من ضلع من أضلاعه، وليس معنى أنه خلق حواء من ضلع من أضلاع آدم أن يكون الذكور نقص من أضلاعهم ضلع، ولكن خلقت من ضلع من أضلاع آدم، وكيف خلقت منه؟ هذا أمر الله لم يطلعنا عليه، وليس بالضروري أنه إذا خلقت من ضلع من أضلاع آدم أن يكون نقص من آدم ومن ذريته شيء! إذ لم يثبت في ذلك شيء.
ومن الأدلة على أن حواء خلقت من آدم ما جاء في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة وفي صحيح مسلم أيضاً أن رسول الله ﷺ قال: (استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء)، هذا لفظ البخاري ولفظ مسلم قال: (إن المرأة خلقت من ضلع لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج)، فهذا حديث في الصحيحين، ومن ينكر مثل هذا الحديث ويقول: إنه عالم في القراءات، لنا أن نسأله من أين أخذ علم القراءات إلا من أحاديث النبي ﷺ ، كما أن الذي روى القرآن هو الذي روى لنا حديث النبي ﷺ .
فإذا جاء إنسان ينكر أحاديث النبي ﷺ ويقول: لم يصح هذا الحديث نقول: هذا يشكك في سنة النبي ﷺ ، والذي يشكك في السنة يشكك بعد ذلك في القرآن؛ لأن الذين رووا لنا السنة هم الذين رووا لنا القرآن، فكيف يأخذ بهذا ويترك بهذا؟ لذلك نقول ما قاله معاذ ﵁: اتقوا زيغة الحكيم، وهذا الأثر رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي إدريس الخولاني - واسمه عائذ الله - عن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل ﵁ قال: كان معاذ لا يجلس مجلساً للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون المتشككون في دين الله سبحانه ﵎، قال معاذ بن جبل يوماً: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، وهذا أثر عجيب لا يقال من قبل الرأي، فإذا قاله معاذ فإنه لا يقوله من قبل رأيه، فإنه لا يعرف الغيب لكي يقول هذا الشيء، وبذلك علم ضرورة أنه سمع من النبي ﷺ هذا المعنى فساقه معاذ ﵁، والإسناد صحيح إلى معاذ بن جبل وهو سلطان العلماء ﵁، وسابق العلماء إلى الجنة.
قال معاذ ﵁: إن من ورائكم فتناً يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر.
وفيه أن الله يفتح على الناس من المال، ويفتح عليهم بحفظ القرآن حتى يحفظ القرآن الصغير والكبير، والرجل والمرأة، والحر والعبد، قال: فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟! ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع! قد يكون الإنسان حافظاً للقرآن ذا علم به، فحينما يرى الناس لا تتبعه، يفكر في إحداث شيء يلفت انتباههم إليه، كأن يغني لهم القرآن بطريقة من طرق الألحان التي لا تعرف عن النبي ﷺ وعن أصحابه في قراءة القرآن.
يقول معاذ: فإياكم ما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلال، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، يعني: أن إنساناً قد يكون حكيماً، إلا أنه يسقط أو يهوي في براثن شبهة من الشبه، فيحدث أمراً ما جاء قبل ذلك في دين الله ، ويظن أنه أتى بشيء حسن، وقد يقع العكس فقد يكون الإنسان منافقاً، ويتكلم بالحق مرة فجأة.
يقول الراوي عنه: قلت لـ معاذ: ما يدريني -رحمك الله- أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات، يعني: قد يكون الإنسان عالماً من العلماء، وفجأة يأتي بقول جديد ما قيل قبله، كهذا الدكتور الذي ظهر علينا فجأة ليقول: آدم كان له أب وأم قبل، هل له أن يرينا أين هذا في القرآن؟ فإن قال: القرآن ما نفى، نقول: ولم يثبت القرآن ما تقول، والأصل في العلم الإثبات وليس النفي، فإذا كان القرآن لم ينف ذلك لكنه لم يثبت هذا، فنقول: القرآن سكت عن هذا أو تكلم فيه، أي هل القرآن ذكر قبل آدم وجود أب وأم لآدم قبل ذلك أم سكت عنه؟ فإذا قال: تكلم فيه، نقول له: أين في القرآن ما تكلم به؟ فإذا قال: سكت القرآن عن ذلك، نقول: إن سكت القرآن أفلا يسعك أنت السكوت، وإذا كان القرآن لم يتكلم في ذلك، أفتتكلم أنت في ذلك بغير علم أم أنك تتكلم في هذا للشهرة؛ لكي يقول الناس: قال الذي ما قيل وأتى بالذي ما أُتىَ به قبل ذلك؟ فهذا أتى بشيء في الدين لم يقله الله ، ولم يقله النبي ﷺ ، فوقع في مخالفة الكتاب والسنة ووقع في الضلال، وإني لأتساءل ما الذي يدفع المسلمين إلى ذلك؟ وإذا كان من يقول ذلك من علماء المسلمين فكيف بآحاد الناس، وكيف بالمستشرقين الذين لا يألون جهداً في الطعن في كتاب الله وفي سنة النبي ﷺ ؟ لقد اتبع الناس بعضهم في دين الله ، وتركوا سنة النبي ﷺ ، وإذا جاء العلماء بالبدع فقد ضاع دين الله ولا حول ولا قوة إلا بالله! يقول معاذ ﵁: اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال لها: ما هذه؟ ولا يثنينك ذلك عنه، والمراد بالمشتهرات الشيء الذي يشتهر به بين الناس ولم يقله أحد قبله، يقول معاذ: التي يقال لها: ما هذه؟ أي: التي تنكرها القلوب، وينكرها أصحاب العقول، ثم يقول: ولا يثنينك ذلك عنه فإنه لعله أن يراجع، وتلقى الحق إذا سمعته فإن على الحق نوراً أو كما قال رضي الله ﵎ عنه.
فقد ذكر الله آدم في مواضع كثيرة من كتابه سبحانه، ولم يذكر سبحانه أن لآدم أباً ولم ينفه عنه إنما ذكر أن بدء الخلقية من البشر آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وأنه أول من علمه الله سبحانه أسماء كل شيء، وليس هناك ما يثبت ما يقوله دكتورنا المتحذلق وغاية ما يستدل به قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ﴾ [آل عمران:٣٣] حيث يزعم أن آدم كان في مجموعة ثم اصطفى الله منهم آدم، والرد على ذلك أن نقول: اصطفى آدم من البشر كبشر، فكل البشر إذا جاءوا يوم القيامة يجدون آدم قد اصطفاه الله وفضله على غيره، كما تدل الأحاديث عن النبي ﷺ على ذلك، وليس معناه إن آدم كان موجوداً في مجموعة من البشر ثم اصطفاه الله من هذه المجموعة، بل خلقه الله من التراب كما أخبر سبحانه، وأخبر أنه علمه الأسماء فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة:٣١].
فالملائكة لا تعلم إلا ما علمها الله سبحانه، وقد فضل الله آدم عليها وعلمه أسماء الأشياء، ولو كان قبله أب وأم لكان أبوه وأمه هما اللذان علماه هذه الأسماء كما يعلم البشر آباؤهم وأمهاتهم، ولكن لكون آدم لم يكن قبله لا أب ولا أم فقد اصطفاه الله وعلمه، فالله هو الذي خلقه من تراب وجعله آية من آياته، وهو الذي علمه أسماء كل شيء سبحانه فقال للملائكة: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣].
ثم ذكر الله في القرآن ابتلاء آدم ﵇ فقال: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة:٣٥]، فلو كان لآدم أب لتساءلنا أكانوا في الجنة أم كانوا في الأرض أم كانوا في كوكب من الكواكب الأخرى؟ كيف عاشوا وكيف جاء آدم منهم؟ وكيف انفصل آدم عنهم على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ لم يذكر لنا القرآن مثل هذه الأشياء، وإنما الذي ذكره القرآن أن الله عز وج
стр. 1738
تفسير سورة السجدة [٦ - ٩]
إن الله يعلم كل ما غاب عن المخلوقات، ويعلم ما يشاهدونه من باب الأولى، وهو العزيز الذي لا يغالب، الرحيم بعباده المؤمنين، والله سبحانه أتقن كل شيء خلقه، وخلق أبا البشر آدم من طين ثم جعل نسله من ماء مهين محتقر، ثم شرفهم بأن نفخ فيهم من روحه، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة، وقليل من عباد الله هم الذين يشكرون الله على هذه النعم العظيمة.
стр. 1739
تفسير قوله تعالى: (الذي أحسن كل شيء خلقه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة السجدة: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٦ - ٩].
ذكر الله من صفاته أنه عالم الغيب والشهادة وأنه العزيز الرحيم، والله هو الذي خلق والذي رزق وهو رب العالمين سبحانه ومن صفاته، أنه يعلم الغيب أي: ما غاب عن الخلق، ويعلم الشهادة أي: ما يشاهده المخلوقون، فالله يعلم ويطلع على ذلك كله، ويجازي على ما يعمله الإنسان وعلى ما ينويه، والعزيز هو الغالب، والرحيم هو الذي يرحم عباده، ويرحم المؤمنين برحمته العظيمة الواسعة.
وهنا ذكر الله سبحانه من صفاته العزة والرحمة سبحانه والعلم، والله بعلمه خلق كل شيء، وبقدرته سبحانه وهو العزيز الغالب الذي لا يقهر أوجد كل شيء وسخر كل شيء ودبر كل أمر.
وهو الرحيم الذي يرحم عباده إذا جازاهم بفضله وبرحمته ، وهو بالمؤمنين رءوف رحيم.
والله أحسن كل شيء خلقه، فهو العزيز أمره أن يقول للشيء: كن فيكون على النحو الذي يريده سبحانه، لا يتخلف عما يريده الله سبحانه، ولا يكون على شيء آخر خلاف ما أراده سبحانه، فهو الذي أحسن أي: أتقن صنع كل شيء أوجده وخلقه.
﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] أي: بدأ خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من طين.
стр. 1740
تفسير قوله تعالى: (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين)
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨] أي: ذريته.
﴿مِنْ سُلالَةٍ﴾ [السجدة:٨] إذاً آدم خلق من طين، ونسل آدم من سلالة، من ماذا هذه السلالة؟ قال: ﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨].
والسلالة هو الشيء الذي يسل من الشيء، وسل الشيء من شيء أي أخرج منه، ودائماً تطلق على الشيء الذي يكون مائعاً وليس بجامد فإذا وضعت في يدك ماء انسل من بين أصابعك، فكذلك خلق الإنسان فقد خرج من المني الذي يخرج منساباً من ظهر الإنسان بأمر الله سبحانه وقدرته، فيطلق على الشيء الذي يخرج خروجاً رقيقاً من شيء آخر سلالة.
فيقول العلماء: إن السلالة هي التي سل منها الأشياء، فالإنسان مخلوق من تربة الأرض، آدم مخلوق من طين، وذرية آدم فيهم من هذا الطين، وكل إنسان مخلوق من تربة معينة فإذا مات الإنسان رجع إلى التربة التي خلق منها، فالله خلق الإنسان من تربة من الأرض في البلد الفلانية، فإذا جاءت وفاة هذا الإنسان لابد وأن يموت في هذا المكان الذي كانت منه أصل تربته كما ذكر النبي ﷺ في الحديث، فكأن كل إنسان مأخوذ من تربة معينة من الأرض ومن مكان معين، فمن الناس من هو صعب ومنهم من هو سهل بحسب ما أخذ من تراب هذا الإنسان، من جبل صعب، من مكان وعر، من مكان سهل، فيكون خلق الإنسان على ما خلق منه من تراب هذه الأرض فمنهم السهل ومنهم الصعب، ومنهم الطيب ومنهم الرديء، ومنهم الحلو ومنهم الخبيث، بحسب ما أخذ من تراب الأرض التي خلق منها، فكأن السلالة بمعنى التراب الذي خلق منه يسل من كل مكان وبمعنى المني؛ لأنه ينسل من الإنسان ويخرج منه خروجاً رقيقاً وقالوا: السلالة ما سل من صلب الرجل ومن ترائب المرأة، يعني من مني الرجل ومن بويضة المرأة، خرج هذا فانسل من هنا وهذا من هنا فالتقيا فكان الإنسان كما يسل الشيء من شيء آخر.
كذلك يطلق على الإنسان أنه سليل، بمعنى مسلول فيقال: للإنسان هذا سليل كذا يعني من نسل كذا، ومعنى السليل؛ أنه خلق من سلالة وهو الماء الذي يسيل والمقصود منه المني، فقد أوجد الله هذا الخلق ودبر أمر نسله.
﴿مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة:٨] يعني: من المني الذي يعتبره الإنسان شيئاً حقيراً لا يهتم له، فإذا خرج منه وأصاب ثوبه لزمه أن يغتسل من المني ويغسل ثوبه منه لأنه يستقذره، فأصل خلقة الإنسان هو ما يستقذره من نفسه وهو المني.
стр. 1741
تفسير قوله تعالى: (ثم سواه ونفخ فيه من روحه)
قال الله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩] أي: الله ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩] فالله الخالق البارئ المصور .
والخالق يقدر الشيء لأنه المقدر، والإنسان حين يتكلم عن صنع شيء بين البشر يقول: المبنى الفلاني اعمل فيه كذا واعمل كذا واعمل كذا، هذا الخلق بمعنى التقدير.
ثم البرء الإيجاد، ثم إعطاء الصورة لهذا الشيء ولله المثل الأعلى فهو الخالق البارئ المصور سبحانه.
والخالق هو الذي يقدر الشيء فيكون على ما قدره سبحانه، ومستحيل أن يتخلف عما قدره الله، الإنسان هذا طويل وهذا قصير، هذا أبيض وهذا أسود وهذا أحمر، هذا فيه كذا وهذا فيه كذا يقدر الشيء فيقول: كن فيكون على ما قدره الله سبحانه، فهو الخالق.
البارئ الذي أوجد الشيء من عدم.
المصور الذي أعطى للمخلوق الصورة التي هو عليها، هذا صورته كذا وهذا صورته كذا، فإذا جاءت كلمة الخالق وحدها فإنها تعني هذه المعاني كلها، فإذا جمعت هذه الأسماء له سبحانه الخالق البارئ المصور ففيها المعاني التي ذكرنا خلق، قدر، برأ، أوجد من عدم، صور، أعطى الصورة للمخلوق فجعله على هيئته التي أراد الله .
جعل الإنسان سوياً يمشي على قدميه، منتصباً في قامته، مستوياً في خلقته، جميلاً، فالله هو الذي سواك فعدلك سبحانه.
﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة:٩] نفخ في آدم من روحه سبحانه، ونفخ في بني آدم من روحه، فكل إنسان يوجده الله سبحانه يخلق في بطن أمه فيمكث نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يحوله الله إلى عظام وإلى لحم على هذه العظام، ويرسل الملك فيأمره بنفخ الروح في هذا المخلوق.
فشرف الله الإنسان بأن نفخ فيه من روحه، ونسب الروح إليه ، وكل شيء ينسب خلقه إلى الله سبحانه، فهذه سماؤه سبحانه، وهذه أرضه، وهذا مسجده، وهذا بيته، وهذا يختص بالله وهذا عبده أي: أنه عبد لله .
إذاً المقصد أن كل شيء خلقه الله فهو مختص بربه ، فينسب إلى ربه سبحانه، وسماء الله يعني السماء التي أوجدها الله وخلقها الله، وأرض الله يعني: الأرض التي أوجدها الله وجعلها للبشر يعمرونها ويعيشون فوقها وينتفعون بما فيها، ونسبت إلى الله سبحانه لأنه هو الذي خلقها، وهو الذي أوجدها، فهذا خلق عظيم أوجده الله سبحانه فشرفه بنسبته إليه سبحانه.
كذلك روح الله سبحانه معناه: روح أوجدها الله وخلقها الله وجعلها سراً من أسراره لا يطلع عليها أحد أبداً، ولذلك قال في سورة الإسراء: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥] أي: مستحيل أن تصل إلى معرفة ما هي الروح؟ فالروح من الله سبحانه خلقة، ومن رحمة الله أن أوجدها وجعلها حيث شاء، فهذا آدم وهذه ذريته فيهم من روح الله أي من الروح التي أوجدها وخلقها سبحانه وشرفها بهذه النسبة روح الله .
والمسيح ابن مريم من ذرية آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، نفخ الله فيه من روحه سبحانه، فليست له مزية على غيره في أمر الروح، آدم نفخ فيه من روح الله، والبشر نفخ فيهم من روحه سبحانه، والمسيح نفخ فيه من روحه، فليس في هذا حجة للنصارى الذين قالوا: عندكم في كتابكم أن المسيح هو روح الله، فإن في كتابنا أن آدم نفخ فيه من روح الله، وأن البشر نفخ الله فيهم من روحه، وليس المسيح وحده، فليس لهم حجة في قولهم: المسيح هو الله حيث نفخ فيه من روحه، وهو كلمته، فهو ابن الله، وهو من الله إذاً هو ثالث ثلاثة، وهو خالق وليس مخلوقاً! فنقول لهم: في القرآن ذكر الله أن آدم نفخ الله فيه من روحه، وذكر البشر أنه نفخ فيهم من روحه، وذكر المسيح أنه نفخ فيه من روحه فلا مزية لأحد على أحد فكلهم فيهم من روح الله .
стр. 1742
ذكر الروح في كتاب الله
وقد ذكر الله الروح في مواضع من كتابه، منها قوله سبحانه في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ * وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٦ - ٢٩].
فأبو البشر آدم خلقه الله من صلصال، ثم نفخ فيه من روحه ، قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] أي من روح عندي خلقتها وشرفتها وأكرمتها وطهرتها وجعلت فيها من رحمتي وأودعتها في هذا الإنسان المخلوق.
كذلك في سورة ص ذكر الله مثل ذلك، قال الله : ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [ص:٧١ - ٧٢] فإذا جاء ذكر المسيح مرة أنه روح الله سبحانه فقد جاء ذكر آدم مرات أنه نفخ فيه من روحه .
كذلك كلمة الروح في القرآن تأتي بمعنى جبريل الملك، يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل:١٠٢]، فجبريل روح من الله، خلقها الله وقدسها فأضاف هنا والإضافة هي من إضافة الموصوف إلى صفته، يقول الله في جبريل ﵇ ﴿نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل:١٠٢] أي الروح المقدسة المطهرة التي طهرها الله، وكل الملائكة قد طهرهم الله سبحانه عن المعاصي وعن الأدناس وعن الأكل والشرب وغير ذلك، فالملائكة خلقهم الله كما يشاء، خلقهم من نور، وسمى جبريل بروح القدس، وفي موضع آخر في سورة الشعراء يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء:١٩٢ - ١٩٣] وجبريل ﵇ روح الله أي روح خلقها الله وشرفها وطهرها وقدسها، فهذا جبريل روح من عند الله سبحانه، وهو مخلوق من مخلوقات الله .
كذلك يسمي ربنا سبحانه الوحي الذي نزل من السماء روحاً من الله سبحانه؛ لأن به حياة الخلق، فقد كانوا ميتين في الضلالة، بعيدين عن ربهم، منغمسين في الكفر كالأموات، فأحياهم الله بهذا الوحي العظيم الذي نزل من السماء، قال سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [غافر:١٤ - ١٥] الروح هنا هو الوحي المنزل بأمر الله على من يشاء من عباده سبحانه.
كذلك ذكر جبريل في سورة النبأ فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ:٣٨] فسماه ووصفه بأنه روح، والملائكة كذلك يقومون لرب العالمين سبحانه وهم مخلوقون خلقهم الله لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صواباً.
والمرة الوحيدة التي ذكر المسيح فيها على نبينا وعليه الصلاة والسلام بأنه روح من الله في سورة النساء فقال سبحانه ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] فذكر أنه روح من الله .
ولما ذكر آدم قال: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر:٢٩] ولما ذكر المسيح قال: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١] أي من عنده ، فإذا احتجوا بأن المسيح روح من الله نقول: التعبير بروحي أخص من التعبير بروح منه أي من عنده ، فهذه معناها أوضح في أنه روح من الأرواح أوجدها الله وخلقها فجعل منها المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
ثم في الآية بعدها من سورة النساء يقول الله سبحانه: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢] هذا الروح الذي خلقه الله لن يستكبر أن يكون عبداً لله ، فليس المسيح كما يقولون: هو الله أو هو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة! بل هو عبد لله والآيات ذكرت ذلك، فالذي يحتج بالآية الأولى يحتج عليه بالآية الثانية التي يذكر الله فيها أن المسيح عبد لله .
كذلك ذكر الله سبحانه كلمة روح فقال عن المقربين يوم القيامة ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ﴾ [الواقعة:٨٨ - ٨٩] على قراءة، و (رُوح) على قراءة ثانية، روح أي: استرواح وراحة عند الله سبحانه من شقاء الدنيا وتعبها، فروح وريحان أي رحمة من الله ، فالروح يعبر بها عن رحمة رب العالمين سبحانه، ويعبر بها عن الوحي الذي ينزل من السماء، ويعبر بها عن الملائكة وعن جبريل ﵇، ويعبر بها عن شيء خفي وسر من أسرار الله خلقه سبحانه ولم يطلع أحداً عليه، قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] يعني: لن تصلوا أبداً إلى معرفة حقيقة الروح ولا كنه هذه الروح التي خلقها الله .
стр. 1743
معنى قوله تعالى: (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة)
قال سبحانه: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ [السجدة:٩] أي آدم، وخلقه قال: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة:٩] إن نعم الله عظيمة فلا تقدر بمال أبداً, ومن نعم الله: السمع، والبصر، والقلب، والفؤاد والسمع نعمة من الله يعرف هذه النعمة من فقد سمعه، والإنسان الأصم قد يدفع ثروته كلها لمن يرد إليه سمعه، فتراه يضع سماعة لكي يسمع ويفعل ما يستطيع عليه لكي يسمع.
والبصر نعمة لا يعرف قدر هذه النعمة إلا من فقد نعمة البصر، والإنسان الأعمى يتمنى أن ينظر نظرة واحدة ويدفع مقابلها جميع ما يملك, هذه النعمة التي ينسى الإنسان أن يشكر ربه عليها.
والفؤاد قلب الإنسان وعقله ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فقلب الإنسان الذي يعقل به والذي يبصر به نعمة من الله يجب على العباد أن يشكروها.
لكن ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:٦] أي: جحود لنعم الله سبحانه، ينسى النعم العظيمة وينظر في أشياء قليلة وحقيرة فيقول: الله ما أعطاني مال، وينسى هذه النعم التي لا تقدر بمال ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩] أي: شكركم قليل، فاشكروا الله سبحانه ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1744
تفسير سورة السجدة [١٠ - ١٣]
كان المشركون يستبعدون المعاد ويقولون: إذا تمزقت أجسادنا، وتفرقت في أجزاء الأرض، فكيف نعود بعد تلك الحال؟! وهو بعيد بالنسبة إلى قدرة الإنسان لا بالنسبة إلى قدرة الله الذي بدأهم وخلقهم من العدم، وإنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون، وهؤلاء المشركون يوم القيامة يكونون حقيرين ذليلين، ناكسي رءوسهم من الحياء والخجل والخزي والعار والندم على ما فرطوا في الدنيا.
стр. 1745
تفسير قوله تعالى: (وقالوا أئذا ضللنا في الأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة:١٠].
في هذه الآية يخبرنا الله عمن أنكروا البعث من الكفار والمشركين، الذين قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] أي: لا نعيش إلا في هذه الحياة الدنيا، ولدنا هكذا ونموت هكذا، ولا بعث ولا نشور، ولا قيام من القبور، ولكن كما خلقنا نرجع إلى الأرض مرة ثانية، وينتهي الأمر على ذلك.
لذلك اغتروا بهذا الذي يقولونه، فظلموا واستمرءوا الظلم، فإذا ببعضهم يظلم بعضاً، ويريد أن يحصل من الدنيا ما يستطيع تحصيله منها؛ لأنه لا يؤمن بالبعث يوم القيامة، ولا يؤمن بأن الله سيجازيه على ما فعله في هذه الدنيا.
قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ [السجدة:١٠]، قوله: (ضللنا) بمعنى: غبنا، وضل الشيء بمعنى غاب، وبمعنى تاه وانمحى أثره، فلم يوجد ولم ير، كما نقول: ضل السمن في اللبن، أي: اختفى السمن بداخل اللبن، فصرت لا ترى هذا السمن الذي في اللبن؛ لأنه بداخله مختلط به، وهنا ضل الشيء في الشيء، بمعنى غاب فيه وتاه فيه فلم يوجد له أثر، فكأنهم يقولون: أئذا متنا وأهلكنا الله وصرنا تراباً بداخل هذه الأرض، فهل سنرجع مرة ثانية؟! هم استبعدوا هذا الشيء، وكأنهم لم ينظروا إلى بدء خلقهم، وهم يرون في كل يوم أناساً يحييهم الله وأناساً يميتهم الله، ويرون النبات يحييه الله ويميته الله، ويرون الحيوان يحييه الله ويميته الله ، وكأنهم لم يعقلوا ذلك، وقد قال الله في الآية التي قبلها مبيناً خلق الإنسان: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ﴾ [السجدة:٧ - ٩]، هذه حواس الإنسان، فالله تعالى جعل للإنسان سمعاً وبصراً وفؤاداً، حتى يعي وحتى يفهم وحتى يعقل وحتى يستيقن من الأشياء التي حوله، ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة:٩]، مع وجود أسماعهم يسمعون، ولكن سمع من لا يعقل، مع وجود أبصارهم يبصرون ولكن بصر من لا يهتدي، مع وجود قلوبهم فهم لا يعقلون ولا يفهمون، ولذلك قالوا هذا القول الذي قالوه واستبعدوا الرجوع مرة أخرى، ونسوا أن الله أوجدهم من عدم، وأنهم كانوا لا شيء، قال : ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١].
إذاً: فقوله: ((وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ)) أي: غبنا في الأرض وتهنا في الأرض وصرنا تراباً وهلكنا فيها.
قوله: ((أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ)) أي: سنرجع مرة أخرى عظاماً ولحماً وآدميين حتى نجازى؟! قال سبحانه: ((بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)) أي: هم مكذبون وجاحدون بالبعث يوم القيامة، ولذلك الإنسان عندما ينسى الحساب وينسى أن الله يبعثه يوم القيامة، أو يتناسى ذلك أو يتغافل عنه؛ يظلم، ويأكل مال غيره، ويغتصب حق غيره، ويفعل ما يحلو له وما يشاء، طالما أنه قادر على الناس.
стр. 1746
أهمية الإيمان باليوم الآخر والغيب وثمراته
الله يذكر الخلق بيوم القيامة وبيوم الحساب، وأنهم سيرجعون إلى الله ليجازيهم على أعمالهم، فالمؤمن يخاف من الله سبحانه، وإن وجد لقطة إذا به يأخذها حتى يعيدها إلى صاحبها؛ لأنه أمين مؤتمن على ذلك، وهو يخاف من الله ليس من الناس، وفي قلبه ما يدفعه إلى فعل الخير، وفي قلبه من الخوف ما يمنعه من فعل الشر.
فالمؤمن يخاف من الله؛ لأن الخوف ثمرة من ثمرات الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث، لذلك أصول الإيمان هي: إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وهذا الإيمان له ثمرات في قلب المؤمن تظهر في أفعاله، فالمؤمن آمن بالله وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وعرف قدر الله سبحانه، وعرف أفعال الله العظيمة, وعرف ربه سبحانه، فإذا به يخاف من الله سبحانه، ويأخذ من الله شريعته، ويمشي على منهاجه، فهذا يحبه الله .
إذاً: ثمرة معرفة الله سبحانه ﵎ تكون في قلب الإنسان خوفاً من الله مع حب لله سبحانه، ولا يجتمعان لأحد سواه ، كمال الخوف من الله مع كمال الحب لله ، يخافه ويخشاه ويحبه ويرجوه، هذا من معرفة الله سبحانه واليقين به، وثمرة من ثمرات ذلك.
كذلك يؤمن الإنسان باليوم الآخر، وأن هناك رجوعاً إلى الله سبحانه، فطالما هناك رجوع، وأن الله سيسأل: لماذا فعلت كذا؟ فلابد أن نعد لهذا السؤال جواباً من الآن فلا أخطئ، فلا أقع في الحرام، ولا آخذ حق غيري.
والإنسان المؤمن يعلم أنه واقف يوماً من الأيام بين يدي الله ، وهذا اليوم يوم طويل، ﴿يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧] أي: كان شره عظيماً مستطيراً فظيعاً، ويوم القيامة قدره خمسون ألف سنة، لذلك المؤمن يتذكر الإيمان بالله سبحانه، والإيمان بملائكة الله، وكيف أن هذه الملائكة تحيط بالخلق يوم القيامة، ولا أحد يستطيع أن يهرب من الله ، أو أن يهرب من نار الله سبحانه، هناك ملائكة على نار جهنم يعذبون أهلها: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فيؤمن الإنسان بالملائكة ويخاف، وهذه الملائكة ستعذب الإنسان في نار جهنم، ولن يستطيع أن يدفع لها رشوة، أو أن يطلب منها شيئاً فتستجيب له؛ لأن الملائكة تفعل ما يأمرها الله .
والمؤمن يؤمن بالغيب: يؤمن بالجنة وبالنار، ويعرف ما في النار من عذاب، ويعرف قدر نار جهنم: (ناركم التي في الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم)، انظر أشد نار في هذه الدنيا، لو أوقد الإنسان أشد ما يكون من النيران، فهذه النار لا تساوي إلا جزءاً من سبعين جزءاً من نار جهنم، والعياذ بالله.
كيف تكون هذه النار في الآخرة التي وقودها الناس والحجارة؟! في الدنيا نطفئ النار بالحجارة، لكن إذا اشتعلت الحجارة فهي أشد ما يكون من النار، فتكون الحجارة وقوداً لنار جهنم وكذلك الناس.
فإذاً: الإنسان يؤمن بالغيب: يؤمن بالجنة وبالنار، فيطلب الجنة ويهرب من النار.
إن ثمرة الإيمان بالغيب: العمل الصالح في الدنيا والبعد من المعاصي، أما هؤلاء المشركون الذين ينكرون البعث فلا آمنوا ببعث ولا آمنوا بجنة ولا بنار، ولكن قالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] أي: سنعيش ونموت وينتهي الأمر على ذلك، لذلك كانوا يفعلون ما يحلو لهم، فقال الله سبحانه: ((بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ)) أي: جاحدون بلقائه يوم القيامة، ومنكرون ومكذبون.
فكفر هؤلاء المشركون المنكرون للبعث، وهم لم ينكروا قدرة الله سبحانه؛ لأنهم يعرفون قدرة الله؛ ولذلك شهد الله عليهم بقولهم، فقال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، فهم معترفون أن الله قادر وأن الله يخلق.
قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، فهم يعرفون أن الله عزيز غالب عليم سبحانه، ويعرفون أنه قادر؛ لكنهم بلقاء ربهم كافرون، ويقولون: لا يوجد بعث، ويقولون: نعلم أن الله خلقنا لكن لن يحيينا مرة أخرى، فيكذبون بالبعث يوم القيامة.
стр. 1747
تفسير قوله تعالى: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم)
قال الله تعالى: ﴿قل يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] هو ملك من ملائكة الله ، جعل الله له قوة وقدرة عظيمة، يقدر على أن يأخذ أرواح البشر ويتوفاهم، والتوفي هو القبض، تقول: استوفيت حقي من فلان، أي: قبضته وأخذته وافياً، والله سبحانه يتوفى وملك الموت يتوفى، قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فالله يتوفى وملك الموت يتوفى، لكن هناك فرق بين أن يتوفى الله وبين أن يتوفى ملك الموت، والله يخلق ويحيي سبحانه، وهو الله يتوفى الأنفس حين موتها، والله سبحانه هو الذي خلق الموت والحياة، وهو الذي يحيي ويميت.
وملك الموت يتوفى الأنفس ولا يفعل إلا ما يقدره الله عليهم، فإذا خلق الله الخلق، بأن أوجد الجنين في بطن أمه، وصار بأطوار: طور النطفة والعلقة والمضغة، فالله يأمر فيكون عظاماً، ثم يأمر فتكسى هذه العظام لحماً، بعد ذلك ينشئ الله نشأة أخرى، فيبعث الملك ويأمره بنفخ الروح، والروح خلقها الله ، والملك سينفخ هذه الروح فقط، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ [الإنسان:٣٠] أي: لا يقدر الملك على شيء إلا أن يقدره الله عليه.
فإذاً: الله أعطى هذا الملك القدرة، والله خلق الروح، والله جعل هذه النفس قابلة لهذه الروح وهو المدبر .
وهو جعل السبب والوسيلة الملك، فهو ينفذ أمر الله ، والله الفاعل حقيقة ، فهذا الجسد أحياه سبحانه، وأوجده، فإذا جاءت الوفاة أرسل ملك الموت وله قدرة عظيمة، يقدره الله على ما يشاء سبحانه، هذا مخلوق من مخلوقات الله سبحانه، قدره أن يقبض نفوس أناس في هذا المكان، وفي مكان آخر، وفي أقصى الدنيا وفي أدنى الدنيا، في وقت واحد يقبض الجميع، كيف يتواجد هنا وهنا وهنا؟ نحن لا نقيس الملك علينا نحن؛ لأن الله جعل للإنسان قدرة معينة يتصرف فيها، وعقولنا لا تستوعب أن تفكر فيما هو أعلى مما خلقت له هذه العقول، فلذلك الإنسان لا يستطيع أنه يستوعب كيف يتحرك ملك الموت هنا وهنا وهنا، ويقبض هذا ويقبض هذا ويقبض هذا في وقت واحد، هذا أمر الله سبحانه، فما عليك إلا أن تثق في الله وتستيقن من قدرة الله وأن الله على كل شيء قدير.
فالملك يقبض الأرواح، لكن الذي يزهق هذه الروح هو الله ، كما أدخلها فهو الذي يخرجها، وملك الموت ما عليه إلا أن يأخذ هذه الروح وينتزعها، فمن الذي أعطاه القدرة على النزع؟ إنه الله سبحانه الذي دبر له ما يصنعه.
وملك الموت معه أعوان لا يدعونها في يده طرفة عين، فإذا كانت نفساً مؤمنة تقية إذا بهؤلاء ينزلون بأكفان معهم من الجنة وحنوط من الجنة، فلا يدعونها في يده طرفة عين، بل يأخذونها مباشرة ويصعدون بها إلى السماء، فلا يمرون على ملأ فيما بين السماء والأرض إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ يقولون: فلان بن فلان بأطيب أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، فإذا كانت النفس خبيثة، يخرجها ملك الموت وينزل الله ملائكة من النار ومعهم أكفان من النار، ومسوح من النار والعياذ بالله، انظر الفرق بين الاثنين! فحين يقبض الملك الروح يقول: اخرجي أيتها الروح الخبيثة، فتخرج الروح ولا تقدر على التمنع، وإن كانت تتشعب في الجسد وتتفرق في الجسد من شدة الرعب والخوف، فإذا به ينتزعها كما ينتزع السفود -أي: السيخ- من الصوف يستخرجها وقد تقطع منه العروق والعصب، فتأتي ملائكة من النار ولا يدعونها في يده طرفة عين، فيأخذونها ويصعدون بها، فلا تمر على أحد فيما بين السماء والأرض إلا قالوا: ما هذه الروح المنتنة الخبيثة؟ فيقال: فلان بن فلان، بأخبث أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا.
إذاً: ملك الموت يتوفاكم ويقبض النفوس وافية، لا يترك منها شيئاً، فيخرج بهذه الروح إما إلى مستقرها في أعلى عليين أو في أسفل سافلين، والكل عند الله موقوف، حتى يأتي يوم الحساب ليحاسبه الله سبحانه ويجازيه على أعماله.
وقوله تعالى: ((قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ)) أي: هو وكيل في ذلك، وكله الله سبحانه على كل إنسان فلن يتركه حتى يأخذ روحه.
ىجاء في بعض الآثار أن اسم ملك الموت عزرائيل أي: عبد الله، ولم يصح في ذلك حديث عن النبي ﷺ في التسمية، لكن جاءت بعض الآثار في هذا المعنى.
قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة:١١] أي: المرجع إلى الله ، ترجعون إليه للجزاء وللحساب.
стр. 1748
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: إعجب لما تراه من أمر هؤلاء، لو أنك ترى كيف يكون موقفهم عند الله وكيف يصنعون وكيف يصنع بهم لرأيت العجب العجاب!! قوله: ((إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ)) المجرمون جمع مجرم، والمجرم هو الإنسان المخطئ الآثم صاحب الخطيئة، الذي كفر بالله والذي أشرك بالله والذي أتى الكبائر من الذنوب، يعني: أجرم في حق الخلق وفي حق الخالق ، ولو ترى هؤلاء المجرمين إذ هم يوم القيامة قد نكسوا رءوسهم من الذل والغم والحزن والحياء من الله ، قد طأطئوا رءوسهم في ذل يوم القيامة بين يدي الله قائلين: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢] أي: رأينا النار والعذاب والموقف، وأيقنا من هذا الشيء، وسمعنا الوعيد وسمعنا التهديد وسمعنا التوبيخ، وعرفنا الحق الآن، فارجعنا إلى الدنيا، وقد قضى الله سبحانه أن الإنسان يعيش في الدنيا مرة واحدة، ولا يرجع إليها أبداً، فهؤلاء يطلبون المستحيل، فقالوا: ((فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ)) يعني: إذا أرجعتنا إلى الدنيا سنعمل العمل الصالح ونحن على يقين أن هذا وعد حق، ونحن لن نكذب، ولن نخلف، والله يعلم أنهم كذابون، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨]، يعلم أنهم كذابون، وأنهم إذا رجعوا للدنيا مرة ثانية لرجعوا إلى التكذيب.
إذاً: الله سبحانه أراد أن يكون هناك جنة ونار، وأراد أن يكون للجنة أهل وللنار أهل، فخاطب هؤلاء وقال: أنتم رجوعكم للدنيا لن يفيدنا شيئاً، لا إيمانكم يفيدنا ولا كفركم يضرنا، ولكن أريناكم قدرتنا على أن نثيب المطيع ونعذب العاصي.
стр. 1749
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] أي: لو شئنا لأعطينا كل نفس هداها، ولأوجدنا في القلوب الإيمان والهدى، ولأوجدنا في العقول التفكير والتبصر والنظر في آيات الله سبحانه، لو شئنا لفعلنا ذلك، ولكن مشيئة الله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، هذا تقديره ، فهو سبحانه خلقكم وأعطاكم العقول، وأنزل عليكم الكتب، وأرسل إليكم الرسل، وأقام عليكم الحجة، والآن الجزاء يكون يوم القيامة: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣]، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، فقد بين للناس، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1750
تفسير سورة السجدة [١٢ - ١٤]
أخبر الله سبحانه عن المجرمين الذين كانوا يستكبرون في الدنيا، ويسخرون من المؤمنين، بأنهم يوم القيامة سينكسون رءوسهم في خزي وذل وحقارة بين يدي ربهم سبحانه على ما فرطوا وقصروا، وأنهم سيطلبون العودة إلى الدنيا، لكن هيهات! فلن يمكنوا من ذلك أبداً، ولو شاء الله لهدى الناس جميعاً، ولكن حكمته اقتضت أن يخير عباده بين طريق الخير وطريق الشر، فمن اختار الأولى فله الجنة، ومن اختار الثانية فله النار.
стр. 1751
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٢ - ١٤].
في هذه الآيات من سورة السجدة يحذرنا الله من عقوبة الظلم والإجرام والكفر بالله سبحانه، فإن الإنسان الظالم في حق الله سبحانه وفي حق الخلق تراه يوم القيامة قد نكس رأسه من شدة ما هو فيه من الغم، والذل، والحزن، والخزي، والخجل، والحياء بين يدي الله على ما فرط فيه وقصر.
ترى الكافر في الدنيا يرفع رأسه شامخاً متعالياً معجباً بنفسه مستكبراً على الخلق، فإذا قام يوم القيامة بين يدي الله سبحانه طأطأ رأسه ووقف ذليلاً حقيراً مخزياً، فلو قد رأيت هذا الموقف لعلمت كيف نجازي هؤلاء على ما فعلوا، ولعلمت أننا لم ننس ما فعل هؤلاء وإنما نؤخرهم لهذا اليوم وهو يوم القيامة حتى يعلم الجميع أن هؤلاء يستحقون عقوبة رب العالمين سبحانه، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨]، ولهم عند الله يوم القيامة العذاب المهين والعذاب العظيم.
قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، فيملي الله للظلمة ويتركهم ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]، فيستكبرون في الدنيا ويعلون فيها، فإذا جاءوا يوم القيامة كانوا أحقر من الذر، وأحقر من النمل، ولا يزنون عند الله شيئاً.
قال الله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ [السجدة:١٢]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، يعني: قد استيقنا الآن ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون: ربنا أرجعنا! يتحايلون ويطلبون من الله سبحانه ويستغيثون به وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم، يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله رحمة، فيصبرون في النار فيطول صبرهم، ويجزعون فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، فينادون مالك خازن النار، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم ذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم، فجازاهم الله هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.
أما المؤمنون فيقول عنه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، ثم قال لهؤلاء: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، كم مكثتم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة: لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، يعني: قد استيقنا الآن ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون ربنا أرجعنا يتحايلون ويطلبون من الله سبحانه ويستغيثون به وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله رحمة فيصبرون في النار فيطول صبرهم، يجزعون فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] فينادون مالك وهو خازن النار، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، عنهم فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم وذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم فجازاهم الله هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.
أما المؤمنون فيقول عنه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، ثم قال لهؤلاء: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، كم مكثتم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة، لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.
стр. 1752
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)
قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] أي: لو أردنا ذلك لجعلنا الجميع مؤمنين ولخلقناهم كالملائكة لا يعصون الله سبحانه، ولكن شاء الله سبحانه أن يخلق خلقاً من خلقه يختبرهم في الدنيا، لهم عقول وقلوب وأسماع وأبصار وأفئدة، ويجعل الله أمامهم طريقين: طريق الخير وطريق الشر، وقد علم قبل أن يخلقهم من يستحق أن يكون في الجنة ومن يستحق أن يكون في النار، فإن علمه شامل ومحيط بكل شيء، فلو شاء الله لخلقهم كالملائكة، ولكن شاء أن يختبر صنفاً من عباده وهم الإنس والجن فخلقهم ثم هداهم بأن أرشدهم، قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: طريق الخير وطريق الشر، ثم هم يكتسبون في هذه الدنيا قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦].
فنفس المخلوق تكتسب إما الخير وإما الشر، وعلى هذا الكسب الذي يكتسبه المخلوق يحاسبه الله ويجزيه يوم القيامة، فهو يفعل الفعل وهو يشعر أنه قادر على فعله أو تركه، وكل إنسان مطيع يشعر بالقدرة على الفعل والترك، وكل إنسان عاص يشعر بالقدرة على الفعل والترك، فأنت حين تذهب إلى الصلاة تشعر أنك مريد لهذه الصلاة، وأنك ذاهب بإرادتك، ولا تشعر أنك مجبور أو أن هناك أحداً يجرجرك من البيت إلى المسجد وإن كنت أتيت بمشيئة الله ، وأمر المشيئة إلى الله ، فأنت مطلوب منك أن تفعل بإرادتك وأن تختار، وعلى هذا الاختيار يحاسبك الله يوم القيامة.
فأهل الجنة يرسلهم إلى جنته بفضله وبرحمته جزاء بما كانوا يعملون، وأهل النار يدخلهم النار بعدله جزاء بما كانوا يعملون، إذاً: هؤلاء عملوا فاستحقوا رحمة الله ، فزادهم من فضله الثواب العظيم، والأجر الكبير منه سبحانه، وهؤلاء استحقوا العقوبة بجنس أعمالهم، وعصيانهم لله سبحانه، ولو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولأرشد كل نفس ففعلت الخير وكانت من أهل الخير، ولكن تركهم لينالوا ما يستحقون.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة:١٣]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها الأصبهاني عن ورش وأبو عمرو وبخلفه حمزة -إذا وقف عليها- وأبو جعفر (ولو شينا لآتينا كل نفس هداها) أي: لأعطينا كل نفس ما تسترشد به وتستدل وتستيقن به فتستحق رحمة رب العالمين سبحانه، ولكن حق القول من الله أن يختبر هؤلاء في الدنيا، وأن يجعل لهم اختياراً فيختارون بإرادتهم هذا الطريق أو ذاك الطريق، بعد أن يبين الله لهم، ولن يخرجوا عن مشيئته سبحانه، قال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فالله خلق الجنة ووعدها أن يملأها، وخلق النار ووعدها أن يملأها، فحق القول من الله أن يملأ هذه وتلك ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، وكلمة جهنم: تعني النار المشتعلة الحمراء المتلهبة، ولذلك تطلق هذه الكلمة على الشيء المشتعل المتقد، أو العين الشديدة الغضب التي تتقد من شدة غضبها، ولذلك يطلق على عين الأسد جهنم؛ لأن فيها اتقاداً حين ينقض على فريسته، حيث تحمر عيناه من الغضب، فكأن النار كهذا والعياذ بالله أي: شديدة وغاضبة على أهلها ومستعرة ومشتعلة.
قال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] فمن الجن من سيدخلون النار، ومن الإنس من سيدخلون النار، لقد حق القول من الله سبحانه بذلك ووعده الحق ووعيده ينفذه فيمن يشاء.
стр. 1753
تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا)
قال سبحانه: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤] أي: يقال لهؤلاء المجرمين الذين عصوا الله وكفروا به سبحانه واستهزءوا بالمؤمنين ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: هؤلاء نسوا الله سبحانه فأنساهم أنفسهم فجعلهم في نار جهنم.
стр. 1754
من معاني النسيان
والنسيان يطلق على معان منها: أولاً: عدم التذكر، وإذا لم يتذكر الإنسان شيئاً فهو معذور، قال النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
ثانياً: التغافل عن الشيء، فالإنسان الذي يعرف الكتاب، ويعرف السنة لكنه تارك لهما ومتغافل عنهما وهذا من النسيان المتعمد، وهو بمعنى: الترك، ومنه قول الله في آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، فقد عهد الله إلى آدم فترك العهد، قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥].
ولو فرضنا أن آدم نسي فقد ذكره الشيطان بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، فالشيطان ذكر آدم أن الله نهاه عن الشجرة، لكنه أتاه من باب آخر وهو سبب النهي فقال له: لو أكلت منها ستكون خالداً، فإذا بآدم ينسى عهد الله فكان فيه شيء من التعمد؛ لأن الشيطان ذكره أن الله نهاه عن أكل الشجرة لكن أتى له من باب آخر وهو أنه إذا أكل منها سيكون خالداً، فإذا بآدم يأكل مما نهى الله عنه ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥] أي: على العهد الذي أخذ عليه من الله .
فكأن النسيان الذي يجازى عليه الإنسان هو ما فيه تعمد للإتيان بالمعصية وتغافل عن عقوبة الله ، والله سبحانه لا ينسى شيئاً، ولكن للمشاكلة اللفظية، والمقصود: عاملناكم معاملة المنسيين أي: تركتم طاعتنا فتركناكم واستحققتم العقوبة بذلك ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: أدخلناكم النار وتركناكم فيها كالمنسيين، ينادون الله وهو يسمعهم ويراهم لكن لا يجيبهم فإذا أجابهم أجابهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
إذاً الله سبحانه لا ينسى أحداً، وإنما يعاملهم وهم في النار معاملة المنسيين ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة:١٤]، أي: تغافلتم عن هذا اليوم فتركتم العمل فاستحققتم أن تعاملوا معاملة المنسيين وأن تتركوا في النار ولا يؤبه لدعائكم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة:١٤] الخلود إما خلود في الجنة، وإما خلود في النار، والخلود هو أن يمكث فيها أبد الآبدين إلى ما لا نهاية، وأهل الجنة خالدون في الجنة لا يخرجون منها أبداً، ولا تفنى، وأهل النار خالدون فيها لا يخرجون منها، فقد أصحبوا أهلها وأصحابها والعياذ بالله، قال: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤].
إذاً: العذاب لن يخفف عن أهل النار المشركين، أما الموحدون من المسلمين الذين يدخلون النار بسبب ذنوبهم فهم يمكثون فيها ما شاء الله سبحانه، ولكن ينفعهم توحيدهم يوماً من الدهر، وهم إنما استحقوا دخول النار والخلود فيها بسبب بعض الذنوب والكبائر كالذي يقتل نفسه أو يقتل غيره أو يقتل ولده فهذا خالد في نار جهنم.
وقد جاء عن النبي ﷺ في قاتل نفسه قوله: (من شرب سماً فتحساه فسمه في يده في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها أبداً)، فهذا الذي انتحر وقتل نفسه دخل النار خالداً مخلداً فيها أبداً، هذا إذا كان من الموحدين ولم يمت على الكفر بالله سبحانه، ولم يشرك بالله ، ولكن خلود هذا دون خلود الكافر، فالكافر خلوده لا ينتهي، وهذا خلوده بمعنى: طول العذاب في النار أمداً طويلاً وأبداً عظيماً، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.
وقد قال الله في الذي يقتل نفساً مؤمنة ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وإن قتله لكونه مؤمناً فهو كافر مستحق للخلود في النار؛ لأنه قتل المسلم لكونه مسلماً، أما إذا قتله لدنيا فهذا خالد في النار إلى ما شاء الله من أمد بعيد، ثم بعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين، لقوله: لا إله إلا الله، فتنفعه يوماً من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصابه، ففرق بين خلود أهل الكفر والشرك، وبين خلود أهل التوحيد.
نسأل الله أن يتوفانا مسلمين، وأن يجعلنا من الموحدين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1755
تفسير سورة السجدة [١٥ - ١٦]
من صفات المؤمنين الصادقين التي امتدحهم الله بها: قيام الليل، ففيه يظهر الخضوع والتواضع من هؤلاء المؤمنين لربهم سبحانه، ولذلك فقد حث الله تعالى نبيه والمؤمنين على قيامه، ورتب عليه فضائل عظمية، ومزايا كثيرة، منها: قربه جل وعلا لهم في الثلث الأخير منه، ومنها أنه جعله سبباً لدخول الجنة والثبات على دين الله، ولهذا فقد شمر إليه الصحابة الكرام والنبي من قبلهم، فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تقرباً وشكراً لربه سبحانه.
следующие страницы →