Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ * وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٢ - ١٤].
في هذه الآيات من سورة السجدة يحذرنا الله من عقوبة الظلم والإجرام والكفر بالله سبحانه، فإن الإنسان الظالم في حق الله سبحانه وفي حق الخلق تراه يوم القيامة قد نكس رأسه من شدة ما هو فيه من الغم، والذل، والحزن، والخزي، والخجل، والحياء بين يدي الله على ما فرط فيه وقصر.
ترى الكافر في الدنيا يرفع رأسه شامخاً متعالياً معجباً بنفسه مستكبراً على الخلق، فإذا قام يوم القيامة بين يدي الله سبحانه طأطأ رأسه ووقف ذليلاً حقيراً مخزياً، فلو قد رأيت هذا الموقف لعلمت كيف نجازي هؤلاء على ما فعلوا، ولعلمت أننا لم ننس ما فعل هؤلاء وإنما نؤخرهم لهذا اليوم وهو يوم القيامة حتى يعلم الجميع أن هؤلاء يستحقون عقوبة رب العالمين سبحانه، ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران:١٧٨]، ولهم عند الله يوم القيامة العذاب المهين والعذاب العظيم.
قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، فيملي الله للظلمة ويتركهم ﴿وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة:١٥]، فيستكبرون في الدنيا ويعلون فيها، فإذا جاءوا يوم القيامة كانوا أحقر من الذر، وأحقر من النمل، ولا يزنون عند الله شيئاً.
قال الله: ﴿لَوْ تَرَى﴾ [السجدة:١٢]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، يعني: قد استيقنا الآن ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون: ربنا أرجعنا! يتحايلون ويطلبون من الله سبحانه ويستغيثون به وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم، يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله رحمة، فيصبرون في النار فيطول صبرهم، ويجزعون فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، فينادون مالك خازن النار، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم ذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم، فجازاهم الله هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.
أما المؤمنون فيقول عنه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، ثم قال لهؤلاء: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، كم مكثتم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة: لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.
﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة:١٢]، أي: لو رأيت المجرمين وقد نكسوا رءوسهم عند ربهم يوم القيامة لعلمت كيف نجازيهم وهم يقولون لربهم ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، يعني: قد استيقنا الآن ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة:١٢]، لقد طلبوا أن يعودوا إلى الدنيا وهم في مواقف القيامة في غاية الخزي والذل والندم فيقولون ربنا أرجعنا يتحايلون ويطلبون من الله سبحانه ويستغيثون به وبالملائكة وبالمؤمنين، ولا مغيث لهم يصرخون في نار جهنم ويدعون، فيقول بعضهم لبعض: لقد صبر المؤمنون فنالوا فاصبروا لعلنا ننال من الله رحمة فيصبرون في النار فيطول صبرهم، يجزعون فيقولون: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] فينادون مالك وهو خازن النار، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، أي: ليريحنا مما نحن فيه بالموت فيقول لهم مالك خازن النار: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، أي أنتم قاعدون في هذه النار فلا موت يريحكم ولن تخرجوا منها أبداً، ويستغيثون بربهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر:٣٧]، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧]، عنهم فلا يزالون يسألون ويطلبون ويستغيثون حتى يرد عليهم رداً يفزعهم يقول لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]، وكلمة: اخسأ تقال للكلب إذا زجر، فقيل لهم وذلك لأنهم كلاب أهل النار والعياذ بالله ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
لماذا؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، فقد سخروا من المؤمنين في الدنيا، وتعجبوا من إيمانهم فجازاهم الله هذا الجزاء يوم القيامة على ما سخروا، وعلى ما تهكموا، وعلى ما ضحكوا بملء أفواههم في الدنيا ساخرين من المؤمنين.
أما المؤمنون فيقول عنه: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]، ثم قال لهؤلاء: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢]، كم مكثتم في الدنيا؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣]، العمر الذي عمره أحدهم في الدنيا يقول عنه يوم القيامة، لم يكن إلا يوماً أو بعض يوم فإذا كان يوماً أو بعض يوم فلم لم تعمل في هذا الشيء اليسير عملاً ينجيك من النار وتحصل بذلك الجزاء الأبدي عند الله في جنة الخلد؟ لم لا تعمل في فترة حياتك القليلة ما ينفعك كثيراً؟ فإذا ضيعت فلا تلومن إلا نفسك.
стр. 1752
تفسير قوله تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)
قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣] أي: لو أردنا ذلك لجعلنا الجميع مؤمنين ولخلقناهم كالملائكة لا يعصون الله سبحانه، ولكن شاء الله سبحانه أن يخلق خلقاً من خلقه يختبرهم في الدنيا، لهم عقول وقلوب وأسماع وأبصار وأفئدة، ويجعل الله أمامهم طريقين: طريق الخير وطريق الشر، وقد علم قبل أن يخلقهم من يستحق أن يكون في الجنة ومن يستحق أن يكون في النار، فإن علمه شامل ومحيط بكل شيء، فلو شاء الله لخلقهم كالملائكة، ولكن شاء أن يختبر صنفاً من عباده وهم الإنس والجن فخلقهم ثم هداهم بأن أرشدهم، قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: طريق الخير وطريق الشر، ثم هم يكتسبون في هذه الدنيا قال: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦].
فنفس المخلوق تكتسب إما الخير وإما الشر، وعلى هذا الكسب الذي يكتسبه المخلوق يحاسبه الله ويجزيه يوم القيامة، فهو يفعل الفعل وهو يشعر أنه قادر على فعله أو تركه، وكل إنسان مطيع يشعر بالقدرة على الفعل والترك، وكل إنسان عاص يشعر بالقدرة على الفعل والترك، فأنت حين تذهب إلى الصلاة تشعر أنك مريد لهذه الصلاة، وأنك ذاهب بإرادتك، ولا تشعر أنك مجبور أو أن هناك أحداً يجرجرك من البيت إلى المسجد وإن كنت أتيت بمشيئة الله ، وأمر المشيئة إلى الله ، فأنت مطلوب منك أن تفعل بإرادتك وأن تختار، وعلى هذا الاختيار يحاسبك الله يوم القيامة.
فأهل الجنة يرسلهم إلى جنته بفضله وبرحمته جزاء بما كانوا يعملون، وأهل النار يدخلهم النار بعدله جزاء بما كانوا يعملون، إذاً: هؤلاء عملوا فاستحقوا رحمة الله ، فزادهم من فضله الثواب العظيم، والأجر الكبير منه سبحانه، وهؤلاء استحقوا العقوبة بجنس أعمالهم، وعصيانهم لله سبحانه، ولو شاء الله لآتى كل نفس هداها، ولأرشد كل نفس ففعلت الخير وكانت من أهل الخير، ولكن تركهم لينالوا ما يستحقون.
قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾ [السجدة:١٣]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها الأصبهاني عن ورش وأبو عمرو وبخلفه حمزة -إذا وقف عليها- وأبو جعفر (ولو شينا لآتينا كل نفس هداها) أي: لأعطينا كل نفس ما تسترشد به وتستدل وتستيقن به فتستحق رحمة رب العالمين سبحانه، ولكن حق القول من الله أن يختبر هؤلاء في الدنيا، وأن يجعل لهم اختياراً فيختارون بإرادتهم هذا الطريق أو ذاك الطريق، بعد أن يبين الله لهم، ولن يخرجوا عن مشيئته سبحانه، قال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فالله خلق الجنة ووعدها أن يملأها، وخلق النار ووعدها أن يملأها، فحق القول من الله أن يملأ هذه وتلك ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾، وكلمة جهنم: تعني النار المشتعلة الحمراء المتلهبة، ولذلك تطلق هذه الكلمة على الشيء المشتعل المتقد، أو العين الشديدة الغضب التي تتقد من شدة غضبها، ولذلك يطلق على عين الأسد جهنم؛ لأن فيها اتقاداً حين ينقض على فريسته، حيث تحمر عيناه من الغضب، فكأن النار كهذا والعياذ بالله أي: شديدة وغاضبة على أهلها ومستعرة ومشتعلة.
قال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] فمن الجن من سيدخلون النار، ومن الإنس من سيدخلون النار، لقد حق القول من الله سبحانه بذلك ووعده الحق ووعيده ينفذه فيمن يشاء.
стр. 1753
تفسير قوله تعالى: (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا)
قال سبحانه: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤] أي: يقال لهؤلاء المجرمين الذين عصوا الله وكفروا به سبحانه واستهزءوا بالمؤمنين ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾، أي: هؤلاء نسوا الله سبحانه فأنساهم أنفسهم فجعلهم في نار جهنم.
стр. 1754
من معاني النسيان
والنسيان يطلق على معان منها: أولاً: عدم التذكر، وإذا لم يتذكر الإنسان شيئاً فهو معذور، قال النبي ﷺ : (إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).
ثانياً: التغافل عن الشيء، فالإنسان الذي يعرف الكتاب، ويعرف السنة لكنه تارك لهما ومتغافل عنهما وهذا من النسيان المتعمد، وهو بمعنى: الترك، ومنه قول الله في آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]، فقد عهد الله إلى آدم فترك العهد، قال الله: ﴿وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٣٥].
ولو فرضنا أن آدم نسي فقد ذكره الشيطان بقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف:٢٠]، فالشيطان ذكر آدم أن الله نهاه عن الشجرة، لكنه أتاه من باب آخر وهو سبب النهي فقال له: لو أكلت منها ستكون خالداً، فإذا بآدم ينسى عهد الله فكان فيه شيء من التعمد؛ لأن الشيطان ذكره أن الله نهاه عن أكل الشجرة لكن أتى له من باب آخر وهو أنه إذا أكل منها سيكون خالداً، فإذا بآدم يأكل مما نهى الله عنه ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥] أي: على العهد الذي أخذ عليه من الله .
فكأن النسيان الذي يجازى عليه الإنسان هو ما فيه تعمد للإتيان بالمعصية وتغافل عن عقوبة الله ، والله سبحانه لا ينسى شيئاً، ولكن للمشاكلة اللفظية، والمقصود: عاملناكم معاملة المنسيين أي: تركتم طاعتنا فتركناكم واستحققتم العقوبة بذلك ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ أي: أدخلناكم النار وتركناكم فيها كالمنسيين، ينادون الله وهو يسمعهم ويراهم لكن لا يجيبهم فإذا أجابهم أجابهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
إذاً الله سبحانه لا ينسى أحداً، وإنما يعاملهم وهم في النار معاملة المنسيين ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة:١٤]، أي: تغافلتم عن هذا اليوم فتركتم العمل فاستحققتم أن تعاملوا معاملة المنسيين وأن تتركوا في النار ولا يؤبه لدعائكم.
﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ [السجدة:١٤] الخلود إما خلود في الجنة، وإما خلود في النار، والخلود هو أن يمكث فيها أبد الآبدين إلى ما لا نهاية، وأهل الجنة خالدون في الجنة لا يخرجون منها أبداً، ولا تفنى، وأهل النار خالدون فيها لا يخرجون منها، فقد أصحبوا أهلها وأصحابها والعياذ بالله، قال: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٤].
إذاً: العذاب لن يخفف عن أهل النار المشركين، أما الموحدون من المسلمين الذين يدخلون النار بسبب ذنوبهم فهم يمكثون فيها ما شاء الله سبحانه، ولكن ينفعهم توحيدهم يوماً من الدهر، وهم إنما استحقوا دخول النار والخلود فيها بسبب بعض الذنوب والكبائر كالذي يقتل نفسه أو يقتل غيره أو يقتل ولده فهذا خالد في نار جهنم.
وقد جاء عن النبي ﷺ في قاتل نفسه قوله: (من شرب سماً فتحساه فسمه في يده في نار جهنم يتحساه خالداً مخلداً فيها أبداً)، فهذا الذي انتحر وقتل نفسه دخل النار خالداً مخلداً فيها أبداً، هذا إذا كان من الموحدين ولم يمت على الكفر بالله سبحانه، ولم يشرك بالله ، ولكن خلود هذا دون خلود الكافر، فالكافر خلوده لا ينتهي، وهذا خلوده بمعنى: طول العذاب في النار أمداً طويلاً وأبداً عظيماً، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه.
وقد قال الله في الذي يقتل نفساً مؤمنة ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣]، وإن قتله لكونه مؤمناً فهو كافر مستحق للخلود في النار؛ لأنه قتل المسلم لكونه مسلماً، أما إذا قتله لدنيا فهذا خالد في النار إلى ما شاء الله من أمد بعيد، ثم بعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين، لقوله: لا إله إلا الله، فتنفعه يوماً من الدهر أصابه قبل ذلك ما أصابه، ففرق بين خلود أهل الكفر والشرك، وبين خلود أهل التوحيد.
نسأل الله أن يتوفانا مسلمين، وأن يجعلنا من الموحدين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1755
تفسير سورة السجدة [١٥ - ١٦]
من صفات المؤمنين الصادقين التي امتدحهم الله بها: قيام الليل، ففيه يظهر الخضوع والتواضع من هؤلاء المؤمنين لربهم سبحانه، ولذلك فقد حث الله تعالى نبيه والمؤمنين على قيامه، ورتب عليه فضائل عظمية، ومزايا كثيرة، منها: قربه جل وعلا لهم في الثلث الأخير منه، ومنها أنه جعله سبباً لدخول الجنة والثبات على دين الله، ولهذا فقد شمر إليه الصحابة الكرام والنبي من قبلهم، فكان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، تقرباً وشكراً لربه سبحانه.
стр. 1756
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧].
ذكر الله في هذه الآيات صفات المؤمنين بالله ، والذين أعد لهم ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَار﴾ [النساء:٥٧]، وفيها (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧].
فإيمانهم هو الذي منعهم من المعاصي، ودفعهم لطاعة الله ، ولجنة الله سبحانه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [الأنفال:٢ - ٣].
وفي سورة السجدة ذكرهم الله سبحانه بأنهم إذا ذكروا بآيات رب العالمين سبحانه أقبلوا إلى ربهم سبحانه، وخروا على وجوههم ساجدين له ، مسبحين حامدين الله سبحانه، غير مستكبرين على ربهم، ولا مستكبرين على الطاعة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة:١٥]، أي: سجدوا لله ، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة:١٥]، فهم مؤمنون خاشعون لله متواضعون، لا يستكبرون على طاعة الله ، والاستكبار أمره خطير، وهو أول جريمة وقع فيها مخلوق، وفعلها إبليس لعنه الله إذ أبى واستكبر أن يسجد لآدم، فكان مصيره الطرد من رحمة رب العالمين ، وكذلك كل إنسان يستكبر على الله فمصيره النار، وأبى الله أن يدخل الجنة إنساناً في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر، بل الله يعذبه ويدخله جهنم بما كان يستكبر عليه سبحانه ويستكبر على خلقه، فالمؤمنون متواضعون لا يستكبرون.
стр. 1757
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
هذه الآية فيها أن من صفات المؤمنين أنهم تتجافى جنوبهم، تجافي جنب الإنسان بمعنى: ارتفع جنبه عن فراشه، أو تنحى عن الفراش، فإذا نام لا ينام نوماً طويلاً، وليس ليله كله نوماً وإنما ينام جزءاً ويقوم لله ما تيسر من الليل.
وقد جاء في قيام الليل من الآيات ما يفيد أنه ينبغي على المؤمن أن يكون بهذه الصفة؛ ليرضي الله .
ولقد أمر الله نبيه ﷺ بقيام الليل فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤]، فقام النبي ﷺ حتى تورمت قدماه ﵊، وكان ذلك فرضاً عليه وعلى المؤمنين حتى أنزل الله سبحانه: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]، فبعد أن أمر بالقيام الطويل أمر بقراءة ما تيسر للإنسان، وصار نافلة بعد أن كان فريضة.
ومن الأحاديث التي جاءت في قيام الليل حديث رواه الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم)، وهذا من النبي ﷺ حث وتحريض وإغراء لقيام الليل، وواضح أن القيام أصله: أن تقوم على قدميك واقفاً للصلاة، وإن رخص الله في النافلة أن تصلي قائماً أو قاعداً، سواء كنت قادراً على القيام أو غير قادر، فلك أن تقوم ولك أن تقعد في قيام الليل وفي النوافل، ولكن الأجر العظيم يكون على القيام، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] أي: قياماً طويلاً بين يدي الله .
(فإنه دأب -أي: عادة- الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم) أي: يقربكم من الله ، وأقرب ما يكون العبد من ربه سبحانه وهو ساجد، فقيام الليل قيام عظيم، فإذا سجد العبد في جوف الليل الآخر كان قريباً من ربه سبحانه، وكان جديراً بإجابة الله سؤاله.
قال رسول الله ﵌: (ومكفرة للسيئات) أي: أن القيام يمحو السيئات، (ومنهاة عن الإثم) أي: يعين الإنسان على اجتناب الآثام والمعاصي.
وروى الترمذي من حديث عمرو بن عبسة أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر)، فالليل أجزاء: ثلث أول، وثلث أوسط، وثلث أخير، وجوف هذا الثلث الأخير أقرب ما يكون العبد من ربه سبحانه، والرب من عبده سبحانه، قال رسول الله ﵌: (فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) أي: إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فحاول قدر ما استطعت و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وذكر الله سبحانه بأن تصلي لله ، سواء كانت صلاة طويلة أو صلاة قصيرة، وبأن تذكر الله فيه، ويدخل تحت الذكر كلما صدقت عليه هذه الكلمة، وسواء كان الشخص جالساً يذكر الله سبحانه بالتسبيح أو بالتهليل أو بالتكبير أو بقراءة القرآن، أو بقراءة حديث النبي ﷺ ، أو بالانشغال بطلب العلم، أو بغير ذلك مما هو ذكر لله فكله ذكر، قال ﷺ : (إن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة -يعني من آخر الليل- فكن)؛ لأنك تكون قريباً من ربك سبحانه.
стр. 1758
أحوال النبي ﷺ في قيام الليل
جاء في الصحيحين عن عائشة ﵂: (أن نبي الله ﷺ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه) أي: تتشقق قدماه صلوات الله وسلامه عليه من طول القيام.
فقالت عائشة ﵂: (لم تصنع هذا -يا رسول الله- وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟!) وهذا يدل أنه عمل ذلك ﷺ بعد أن نزلت عليه سورة الفتح وفيها: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح:١ - ٢].
فالله سبحانه مَنَّ على النبي ﷺ بأن جعله مغفوراً له ذنبه المتقدم والمتأخر ﵊، فعصمه الله سبحانه من أن يقع في الذنوب، ومَنَّ عليه بأنه لو حدث منه شيء فالله يغفر له ما تقدم وما تأخر، وسورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية في السادس من ذي القعدة سنة ست من هجرته ﷺ ، وبعد أن دعا إلى الله تسع عشرة سنة، حيث دعا إلى الله سبحانه في مكة ثلاث عشرة سنة، وفي المدينة ست سنوات حتى نزلت هذه السورة فأخبره الله بقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح:١]، وكان قبل ذلك صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم ما الذي يدخره له ربه ، ولذلك جاء عنه في حديث أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها قالت عن صبي قد توفي: (طوبى له، عصفور من عصافير الجنة، فقال: وما يدريك؟ فإني وأنا رسول الله ﵊ لا أدري ما يفعل بي)، فأعلمه الله بعد ذلك بفترة طويلة ﵊ أنه مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذه السورة كانت قبل وفاته بأربع سنوات ﵊.
فتبين أنها قالت للنبي ﷺ ذلك في آخر حياته ﵊، فكان استفسارها وتعجبها هو أن الذي يصلي كثيراً، ويقوم كثيراً، ويتعب نفسه كثيراً، هو الذي يطلب المغفرة، أما أنت فقد غفر لك الله فلماذا تقوم؟ وكان الجواب منه ﷺ أن قال: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) ﵊، وقوله: (عبداً) فيه مقام عظيم وهو مقام العبودية لرب العالمين، وهو مقام النبي ﷺ ، وهو يقوم الليل لله، وهو قريب من الله سبحانه، فالعبد يتشرف بأنه عبد لله سبحانه، فهذا النبي ﷺ يذكره ربه في القرآن في مقامات شريفة بأنه عبد ﵊، وفي مقام ذكر الله، وتلاوة القرآن، والمحاجة بهذا القرآن، حيث يقول للكافرين: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ﵊.
وفي مقام تشريف النبي ﷺ برفعه إلى السماء ﵊ في الإسراء والمعراج يقول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ﵊.
وفي مقام التبليغ والدعوة إلى الله يقول: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩] ﵊.
فهذا أشرف مقامات العبد بين يدي الله سبحانه.
والإنسان في نفسه ما يدفعه إلى العبودية، وما يدفعه إلى الخضوع، فإما أن يوجه ذلك إلى الله ، وإما أن يأنف عن ذلك فيوجهه الله إلى أحقر خلقه، فيصير عابداً للهوى، وعابداً للشيطان، وعابداً للإنسان، وعابداً للجان؛ لأنه أنف واستكبر عن عبادة الله سبحانه، وتطاول عن أن يعبد الله سبحانه، وظن أنه حر في نفسه يعمل ما يشاء دون تقيد بأحد، فنقول لمن كان هذا حاله: أنت لست حراً على الله ولكنك عبد لله، فإما أن ترضى بذلك كما رضي رسل الله الكرام عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام ﵈، وإما أن تأنف فتكون كالشيطان، فيكون مصيرك مصيره، فانظروا إلى المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام إذ يقول الله سبحانه عنه: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢]، بل الكل عبيد لله سبحانه، قد رضوا بذلك فأرضاهم الله .
كذلك نبينا ﷺ يقول: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً؟)، تقول عائشة ﵂: (فلما كثر لحمه صلى جالساً) ﵊ أي: لما أسن وكبر في سنه ﷺ فصار عظمه لا يحمل بدنه ﷺ ، وقد ورد ما يفسر ذلك في حديث آخر وفيه: (لما بَدَّن أو لما بَدُن) يعني: صار ثقيلاً ﵊ حتى إن عظامه لا تحمل جسده ﷺ في القيام الطويل، ليس معنى ذلك أنه صار سميناً، بل المعنى: أنه ﷺ كان قيامه لليل في وقت طويل جداً، يستغرق صلاته الليل ﵊ قائماً على قدميه، فلما تعب صلوات الله وسلامه عليه صار يقوم جزءاً من الليل ويقعد جزءاً، فيصلي صلاة طويلة قائماً، ثم يقعد ويصلي قاعداً، ثم يقوم ﷺ ويكمل قائماً بحسب ما يستريح ﵊.
تقول: (فلما كثر لحمه صلى جالساً، فإذا أراد أن يركع قام فقرأ ثم ركع صلوات الله وسلامه عليه).
стр. 1759
قيام الليل سبب لدخول الجنة
روى الترمذي عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت مع النبي ﷺ في سفر فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار؟) وهذا السؤال من معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه سؤال عظيم، حيث تعلم معاذ وتعلم غيره من هذا السؤال العظيم، فقال النبي ﷺ : (لقد سألتني عن عظيم) أي: سألتني عن شيء عظيم (وإنه ليسير على من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به شيئاً)، فأمره بالعبادة ونهاه عن الشرك بالله سبحانه، (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).
فالنصيحة هي: إن كنت تريد دخول الجنة فهات هذه الفرائض التي فرضها الله عليك وهي أركان الإسلام الخمسة.
ثم قال ﷺ : (ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة) وهذا باب من أبواب الخير، (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل من جوف الليل) وهذا باب عظيم من أبواب الخير حيث تقوم بالليل مصلياً لله سبحانه، (ثم تلا ﷺ : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾ [السجدة:١٦])، فذكر هذه الآية، (ثم قال: ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروة سنامه؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله! قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد.
ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟) أي: ما تملك به هذا كله؟ (قال: قلت: بلى يا نبي الله! ﵊ فأخذ بلسانه وقال: كف عليك هذا) أي: أمسك بلسانه وقال: (هذا ملاك الأمر) أي: تملك أمر نفسك بأن تملك لسانك، فلا تنطق إلا بالخير، وتسكت عن الشر، فإذا ملكت لسانك وفقك الله لكل الطاعات، فقال معاذ ﵁: (يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟) أي: كل شيء نتكلم به يحاسبنا عليه ربنا؟ قال ﷺ : (ثكلتك أمك يا معاذ!) وهذه كلمة ليس المقصود بها الدعاء عليه، وإن كان أصلها أن الأم الثكلى: هي التي فقدت ابنها بأن مات، حيث أصله دعاء على الإنسان بالموت، وهنا ليس المقصود الدعاء عليه، بل التعجب من قول القائل والتوجع لكونه لم يفهم ما الذي قاله، فقال له ﷺ : (ثكلتك أمك) يعني: عجباً لك يا معاذ! (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم) أي: ما يكب إنسان على وجهه في نار جهنم إلا ما يحصده اللسان، وما يجمعه من شر.
والغرض أن الإنسان إذا أمسك لسانه وفقه الله سبحانه لجميع خصال الخير، ومن أفضل خصال الخير كما جاء في الأحاديث قيام الليل.
نسأل الله أن يجعلنا من هؤلاء القائمين المخلصين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1760
تفسير سورة السجدة [١٥ - ١٧]
من صفات المؤمنين: أنهم يستجيبون لله تعالى عند سماع كلامه، فما أن يسمعوا بأمر الله إلا وبادروا إلى تنفيذه رغبة فيما عنده سبحانه، وطلباً للأجر والثواب، وما أن يسمعوا بنهي الله إلا واجتنبوه وابتعدوا عنه خوفاً من عقاب الله سبحانه، فتراهم مقبلين على طاعة ربهم من صلاة فريضة ونافلة، وقراءة قرآن وجهاد وقيام ليل وصدقة وذكر، وغير ذلك من أنواع الطاعات.
стр. 1761
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة:١٥].
في هذه الآية وما بعدها من سورة السجدة يخبرنا الله عن عباده المؤمنين، وكيف تكون استجابتهم لله رب العالمين عند سماعهم كلام الله سبحانه، حين يقرءون القرآن يستجيبون ويؤمنون ويزدادون إيماناً، وإذا ذكروا بآيات الله سبحانه أقبلوا عليها، فتفهموا وتدبروا وخروا لله سجداً في صلاتهم وفي غير صلاتهم، فهم إذا مرت بهم آية سجود سجدوا لله على جباههم، وكانوا معظمين لآيات الله سبحانه وخائفين من ربهم سبحانه ومعظمين له.
قوله: ((إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا)) (إنما) أداة قصر، والمعنى هؤلاء فقط الذين قد آمنوا بالله ، الذين امتلأت قلوبهم خشية وخوفاً منه .
قوله: ((الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا)) أي: هؤلاء إذا ذكروا بالله سبحانه وأمروا بالسجود وأمروا بالطاعة أقبلوا إلى ربهم سبحانه، وخروا له ساجدين في صلاة وفي غير صلاة، فهم يسجدون لله خاشعين مخبتين منيبين متواضعين لرب العالمين، أذلوا أنفسهم؛ ليعزهم الله سبحانه يوم القيامة.
قوله: ((خَرُّوا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)) يعني: قالوا هذا الذكر الذي يكون في السجود والذي يكون في الركوع، قالوا: سبحان الله والحمد لله أو قالوا: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أو قالوا: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، كما جاء عن النبي ﷺ في ذكر الركوع وفي ذكر السجود، وسبحوا وحمدوا الله ، أو أنهم في حال ما يحمدون الله فهم مسبحون له، وفي حال تسبيحهم لله فهم حامدون له ، فسبحوا حامدين وحمدوا ربهم مسبحين.
قوله: ((وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ)) أي: لا يستكبرون على ربهم، ولا يستكبرون على النصيحة، فإذا نصحهم إنسان استجابوا للنصح، ورجعوا إلى ربهم وأنابوا، وأقبلوا عليه وسجدوا له مستجيبين مطيعين.
стр. 1762
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
قال الله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] أي: هؤلاء المؤمنون بالله سبحانه يسمعون الأذان فيهرعون إلى الصلاة؛ ليخروا لله سجداً، كذلك إذا جاء عليهم الليل ناموا ثم إذا بهم يستيقظون لصلاة الفجر، ويستيقظون قبل ذلك لقيام الليل، فيقومون لله سبحانه مصلين مستمتعين بالعبادة.
قوله: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ)) من الجفوة كأنهم يجافون الفرش عن جنوبهم، يرتفعون عن الفرش، وتنبو جنوبهم عنها، فهم يتجافون عنها.
قوله: ((عَنِ الْمَضَاجِعِ)) مضجع الإنسان مكان نومه، فالمؤمنون إذا جاء الليل ناموا ما كتب لهم، ولكن لا ينامون الليل كله، وإنما يقومون جزءاً من الليل مصلين لله ، فإذا ناموا واستشعروا الراحة في النوم فإنهم يعتبرون بما يكون يوم القيامة، من الراحة الكبرى، الراحة التي تكون في الجنة حيث لا عمل ولا تكليف فيها، فيستعدون لهذا؛ وذلك بأن يتعبوا أنفسهم بالقيام بين يدي الله مصلين لله سبحانه، ذاكرين يوم القيامة يوم الوقوف بين يدي الله ، وهم يطلبون الراحة من رب العالمين في ذلك اليوم، يوم أن يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، ويطلبون أن يبعد الله عنهم نار جهنم يوم القيامة، وأن يخفف عليهم الموقف الطويل والحساب العسير يوم القيامة، فلذلك تتجافى جنوبهم عن المضاجع ويقومون مصلين لله رب العالمين بالليل.
قوله: ((يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا)) أي: يدعون ربهم في صلاتهم وفي جميع أحوالهم، فهم يكثرون من الدعاء، ومن ذكر الله سبحانه، ويدعونه في وقت البلاء وفي وقت الرخاء، وهم يدعون الله خوفاً من عقابه وطمعاً فيما عنده سبحانه.
وهذا حال الإنسان المؤمن الذي عرف فضل الله فطمع في فضل الله سبحانه، فهو يعبد ربه خوفاً وطمعاً، رجاء فيما عند الله وهرباً مما عند الله .
فالمؤمن يطلب الله من فضله؛ لأنه علم أن الله الغني وأنه الكريم والجواد سبحانه، وأن الله رحمن رحيم، والله لا يعظم عليه شيء، فمهما طلب الإنسان ومهما سأل الله، فإنه يعطيه؛ لأنه حيي كريم يستحيي من عبده أن يرفع يديه فيردها صفراً بدون شيء، والله يحب من عبده أن يسأله، فهو يحب الذين يسألون، ويطلبونه سبحانه: يا رب أدخلنا جنتك، يا رب نسألك الفردوس الأعلى من الجنة، يا رب نسألك الخير، اللهم اغفر لنا ذنوبنا.
إذاً: المؤمنون يسألون الله دائماً؛ لأنهم علموا أن الله يحب من عبده أن يسأله، وعلموا أن الله جواد كريم يحب أن يعطي عبده ، ولما علموا ذلك سألوه من فضله وألحوا عليه في السؤال، فأعطاهم الله سبحانه ما أرادوه، وأمنهم مما يخافون منه يوم القيامة.
إذاً: الخوف والرجاء من الله سبحانه، والمؤمن دائماً في الدنيا خائف من الله راج لله سبحانه، فهم خائفون الخوف الذي لا يؤدي إلى اليأس من الله سبحانه، ولكن الخوف الذي يمنع العبد من المعاصي، كالشرك بالله سبحانه وغيره، والخوف الذي يدفع العبد للعمل الصالح، لا الخوف الذي يؤدي إلى أن ييئس من روح الله: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧].
فهم مع شدة خوفهم هم في غاية الرجاء فيما عند الله ، يرجون كرمه وفضله، ويرجون الثواب منه سبحانه، ويرجون مغفرة الذنوب، فهم يخافون من الذنوب وهم يرجون من الله أن يغفر الذنوب .
ولذلك العبادة لا تكون إلا بذلك: غاية الخوف من الله مع غاية الرجاء فيما عند الله سبحانه.
قوله: ((وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)) أي: أن العبادة تكون بالدعاء وبالصلاة وبالنفقة، يعني: عبادة بدنية وعبادة مالية، فهم ينفقون في سبيل الله سبحانه، فمهما أعطيناهم من كثير أو قليل فحالهم أنهم ينفقون لله مما قل أو كثر.
стр. 1763
تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)
قال الله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] أي: لا تعلم أي نفس من النفوس، لا ملك مقرب ولا رسول ولا غيره ما أخفاه الله لهؤلاء المؤمنين في الجنة، إلا من شاء أن يطلعه سبحانه، وهذا يدل على أن هذا الشيء الذي أخفي شيء عظيم جداً وشيء غال جداً، شيء يليق بعظمة الله ، فمهما أراد إنسان أن يتخيل ومهما تخيلت ما الذي عند الله للمؤمنين فلن تصل إلى كنه ذلك؛ فهو أعظم بكثير مما تتخيل، فلا تعلم نفس خلقها الله أن تعلم ما الذي أخفاه الله سبحانه لهؤلاء من قرة أعين، أي: العين القريرة، والعين القارة، والعين الباردة، فالإنسان في حال فرحه تقر عينه وتستريح عينه، فإذا بكى من الفرح تكون دموع البكاء من الفرح باردة بخلاف الحزن، وإذا حزن الإنسان وخاف وبكى من حزنه نزلت دموع الحزن حارة، فهناك فرق بين الفرح والحزن، فهؤلاء قرت أعينهم بفرحهم وباطمئنانهم بالله ، فإذا اشتد فرحهم وبكوا من الفرح كانت دموعهم قارة باردة وليست دموعاً حارة ساخنة، فهم في فرحهم بالله سبحانه وفي رجائهم بالله سبحانه قد قرت أعينهم.
قوله: ((جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)) أي: بسبب ما كانوا يعملون، فسبب دخولهم الجنة أعمالهم، والأعمال سبب لدخول الجنة وليست ثمناً للجنة؛ لأنه الجنة عظيمة غالية.
стр. 1764
فضل قيام الليل
قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، هذا في قيام الليل، أي: يقوم الإنسان لله فيصلي بالليل، وجاءت أحاديث عن النبي ﷺ كثيرة في ذلك، وكان الصحابة ينتهزون الليل؛ ليقوموا بين يدي الله سبحانه، بل ينتهزون أيضاً زيادة ما بين المغرب والعشاء؛ ليقوموا لله ، فقد كان قيامهم بين يدي الله بالليل يطول، وكانوا يتأولون هذه الآية، كما جاء في الحديث عند أبي داود وعند الترمذي (عن أنس بن مالك في هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] قال: كانوا يتيقظون ما بين المغرب والعشاء يصلون)، وهذا حديث صحيح وفيه أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يصلون ما بين المغرب والعشاء، ويعتبرون ذلك من قيام الليل.
وكان الحسن يقول: قيام الليل، أما قيام الليل بعد العشاء فقد جاءت فيه أحاديث كثيرة عنه ﷺ منها: ما رواه الترمذي عن أبي أمامة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (عليكم بقيام الليل) أي: الزموا قيام الليل، وهذا إغراء، كأنه يحفز ويحث ويحرض المؤمن على أن يقوم من الليل ولو بالشيء اليسير، ولو بأن تقرأ الفاتحة و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، فأنت إذا قرأت عشر آيات من كتاب الله سبحانه لا تكتب من الغافلين، فلا تكن من الغافلين، وإذا قمت من الليل ولو وقتاً يسيراً قبل الفجر تصلي ركعتين بعشر آيات أو ما فوقها، تكون ممن ذكر الله سبحانه ولم تكن من الغافلين، قال ﷺ : (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم) أي: عادة الصالحين قبلكم، فقد كانوا يقومون بين يدي الله بالليل، وقيام الليل عظيم جداً، فكونك تتشبه بالصالحين تكون منهم، كما ورد في الحديث: (ومن تشبه بقوم فهو منهم).
ثم قال: (وهو قربة إلى ربكم) أي: تتقربون لله بقيام الليل.
وقال: (ومكفرة للسيئات) قوله: (مكفرة) هذا مصدر ميمي، معناه: أنه تكفير للسيئات.
(ومنهاة عن الإثم) يعني: ينهى صاحبه عن الإثم.
كذلك ورد في قيام الليل في القرآن: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
الناشئة: هي الارتفاع، يعني: بعدما نام الإنسان على فراشه ارتفع عن فراشه وقام لله ليصلي، فالناشئة هي القيام بعد المنام، قوله: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ أي: مواطأة بين اللسان وبين القلب، فأنت تقرأ بلسانك ما يستقر في قلبك، فهناك موافقة بين الاثنين، لكن في أحوال العبد في النهار وانشغاله بمعاشه تجده يقرأ ما يقرأ، ويسهو عما يقرأ وينسى أشياء بسبب ما ينشغل به، ولكن إذا قام لله بالليل اجتمع قلبه، فينطق بلسانه ما يعيه قلبه، فيتفكر ويتدبر ويدعو ربه سبحانه مخلصاً لله .
قوله: ((وَأَقْوَمُ قِيلًا)) أي: يقول قولاً مستقيماً في ذلك، ويقول أرضى الأقوال لله ، للموافقة بين القلب واللسان.
فإذاً قيام الليل يكفر الله به عن العبد السيئات، وقيام الليل ينهى صاحبه عن الإثم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وخصوصاً قيام الليل، وقيام الليل يقوي العبد على اجتناب المعاصي والآثام، ولذلك أفضل العباد هم الذين يواظبون على صلاة الفجر والعشاء في جماعة، والذين يقومون لله من الليل ولو شيئاً يسيراً، فهؤلاء يكون لهم الأجر العظيم والقربى من الله، ولذلك ورد في حديث عمرو بن عبسة عند الترمذي أنه سمع النبي ﷺ يقول: (أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر؛ فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن) أي: إذا قدرت أنك تكون من الذاكرين الله في آخر الليل فافعل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1765
تفسير سورة السجدة الآية [١٥]
من صفات عباد الله المؤمنين: أنهم يسجدون لربهم بكرة وعشياً، ولا يستكبرون عن ذلك ولا يستنكفون، والسجود أنواع، فمنه السجود في الصلاة، ومنه السجود عند التلاوة، سواء كانت التلاوة في الصلاة أو خارجها.
стр. 1766
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجداً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة السجدة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧].
في هذه الآيات كما قدمنا في الدروس السابقة ذكر الله سبحانه من صفات المؤمنين بالله أنهم مقبلون على كتابه؛ فإذا ذكروا بآيات ربهم سبحانه يخرون لله سجداً، فهم في طاعة الله سبحانه، فيسمعون الذكر ويطيعون ربهم ويقبلون إليه، ويسمعون الأمر بالسجود لله سبحانه فيسجدون في الصلاة وفي غير الصلاة، وذكر الله من صفاتهم: أنهم تتجافى جنوبهم عن المضاجع.
إذاً: هم يقبلون على تلاوة كتاب الله سبحانه، ويسجدون لله سبحانه سواء في الصلاة أو في غيرها، ويسبحون حامدين ربهم سبحانه، ولا يستكبرون عن طاعة الله وعن عبادته، ويقومون لله بالليل، فتتجافى جنوبهم عن المضاجع وهم يدعون ربهم سبحانه، سواء في القيام أو في غيره، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً، فهم يكثرون من الدعاء خوفاً من الله سبحانه، فيستجيرون به من عذابه ومن ناره، ويستغيثون به سبحانه، وكذلك يطمعون في رحمته وفي جنته، فيسألون الله الجنة، ويتعوذون بالله من النار، وينفقون مما رزقهم الله ﵎.
стр. 1767
حكم سجود التلاوة
قوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة:١٥] آية من آيات السجدة في كتاب الله سبحانه، وعدد آيات السجود في كتاب الله خمس عشرة سجدة، فتوجد خمس عشرة آية في القرآن فيها السجود، وبعضها بصيغة الأمر، وهي في ثلاثة مواضع من كتاب الله سبحانه: في قوله سبحانه في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمُ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧].
وكذلك في خاتمة سورة النجم: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢].
وكذلك في سورة العلق في آخرها أمر الله سبحانه ﵎ نبيه ﷺ فقال: ﴿كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق:١٩].
وباقي الآيات فيها الإخبار عن السجود فالعلماء يقولون: هذه الآيات الخمس عشرة التي في كتاب الله يستحب السجود عند قراءتها سواء في الصلاة أو في غير الصلاة، وقد قرأ بها النبي ﷺ وسجد فيها.
ومن الإخبار بالسجود المأخوذ من الآيات ومن أحاديث النبي ﷺ ومن الآثار عن الصحابة أخذ جمهور العلماء أن السجود ليس فرضاً واجباً عند سماع هذه الآيات أو عند تلاوتها، وإنما هو مستحب متأكد الاستحباب، فهي من عزائم السجود، أي: من العزائم التي يعزم على الإنسان فيلزم بها، ولكن ليس إلزام الوجوب، وذهب الأحناف إلى أنه يجب السجود عند هذه الآيات عند سماعها أو عند تلاوتها.
والجمهور أخذوا بأن الآيات نفسها التي ذكر فيها السجود فيها ثلاث آيات بصيغة الأمر التي في الحج وفي النجم وفي العلق، وهذه الثلاث اختلف العلماء هل يجب السجود لها أو لا يجب؟ قالوا: فعلى ذلك باقي الآيات التي بصيغة الإخبار هي أولى بأن لا يلزم السجود فيها.
والإمام البخاري في صحيحه قال: باب: من رأى أن الله لم يوجب السجود.
وقيل لـ عمران بن حصين: الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها، قال عمران ﵁ وهو صحابي فاضل-: أرأيت لو قعد لها؟ كأنه لا يوجبه عليه، يعني: أن السائل يقول: لو أن واحداً سمع السجدة ولم يأت من أجل أن يستمع القرآن، وإنما جاء لحاجة، فهل يلزمه أنه يسجد لما سمع التالي يقرأ آية السجود، فـ عمران بن حصين ﵁ قال: أرأيت لو قعد لها؟ يعني: هل تظن أنه لو قعد لها كان يجب عليه السجود؟ فكأنه يرى أنه لا يجب السجود عند تلاوة هذه الآيات، إنما هو مستحب.
كذلك سلمان الفارسي ﵁ قال: ما لهذا غدونا، فقد جاء في الأثر عند عبد الرزاق عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: مر سلمان على قوم قعود فقرءوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا، والمعنى: أنهم قاعدين يقرءون القرآن فمروا بسجدة فسجدوا، لكن سلمان يقول: نحن لسنا نقرأ معهم ولا نسمع معهم، بل نحن نمشي لحاجة، فهم سجدوا، ونحن لا يلزمنا أن نسجد؛ لأننا لم نقعد معهم للسجود أو للتلاوة، إنما نحن مارون.
والغرض من هذا: بيان أن الصحابة رضوان الله عليهم ذكروا هذا السجود، وذهبوا إلى أنه ليس فرضاً واجباً كالذي يجب على الإنسان من ركوع وسجود في الصلاة، فالسجود للتلاوة يتأكد استحبابه، ولكن لا يصل إلى الفرضية.
قال عثمان ﵁: إنما السجدة على من استمعها، هذا ذكره الإمام البخاري.
وجاء عن عثمان ﵁ أيضاً في مصنف عبد الرزاق: أنه مر بقاص فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: إنما السجود على من استمع، ثم مضى ولم يسجد، وكأن عثمان ﵁ وهو أمير المؤمنين مر بالمسجد والقاص يذكر الناس، ولما نظر عثمان رضي الله ﵎ عنه أنه قرأ آية فيها السجدة من أجل أن يسجد هو ومن معه ومن أجل أن عثمان أيضاً يسجد معهم، فلم يسجد معهم ﵁، ومر وانصرف، وقال عثمان ﵁: إنما السجود على من استمع، يعني: أن القاعد معك الذي يسمع هو الذي عليه أن يسجد، لكن أنا مار ولست بجالس معكم.
ففيه أن سيدنا عثمان ﵁ لم ير أنه يلزمه أن يسجد حتى ولو استمع لمن يقرأ السجدة، طالما أنه لم يجلس للسماع، وكذلك رأى سلمان الفارسي وعمران بن حصين.
فالغرض: أنهم لم يروا وجوب السجود، فالراجح أن سجود التلاوة مستحب متأكد الاستحباب وليس فرضاً واجباً.
ومن أقوى الأدلة على عدم الوجوب كما ذكر الحافظ ابن حجر ﵀: ما رواه الإمام البخاري عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير التيمي عما حضر ربيعة من عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، أي: لما جاء عمر ﵁ على آية فيها سجدة نزل وسجد، وسجد الناس وهم في أثناء الخطبة، حتى إذا كانت الجمعة القابلة قرأ بها، يعني: قرأ آية السجود في سورة النحل مرةً ثانيةً وهو ﵁ على المنبر، قال: حتى إذا جاء السجدة قال: (يا أيها الناس! إنا نمر بالسجود فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)، ولم يسجد عمر رضي الله ﵎ عنه.
إذاً: سواء كان في خطبة أو في غيرها يجوز أن الإمام أو القارئ ينزل إذا قرأ آية فيها سجدة ويسجد ويسجد الناس معه، ويجوز أنه يتم حديثه ويكمل ولا يجب عليه السجود، وهذا فعل عمر.
وقد يقال: إن هذا فعل عمر، وهو فعل صحابي واحد، وقول الصحابي كما يقول البعض: ليس حجة، ولكن قول عمر ﵁ لا يقال فيه ذلك؛ لأن النبي ﷺ أمرنا باتباع الخلفاء الراشدين المهديين، فقال: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ) فـ عمر رضي الله ﵎ عنه من هؤلاء.
ويقال أيضاً: إن عمر كان يخطب، وكان الحاضرون يسمعون خطبة عمر، وكلهم من الصحابة ومن التابعين، ولم ينكر أحد على عمر ﵁ فصار إجماعاً.
إذاً: هنا إجماع من الحضور على موافقة عمر ﵁، ولو خالف أحد عمر في ذلك لرد عليه وقال له: يجب عليك أن تنزل وأن تسجد، ولكن لم يقل له أحد ذلك، فدل على أن فعل عمر كان بموافقة جميع من في المسجد، وهذا من أقوى ما يكون من الإجماع: أن يكون صحابي موجوداً في مجمع يصعب أن يقال: إنه لم يحضره صحابة، بل كانوا يحضرون مع عمر ﵁ خطبة الجمعة، وهذا شاع عن عمر ﵁، فلو فرضنا أن البعض كان بعيداً عن عمر فلا بد أن يسمع ممن حضر من عمر ذلك، فلو كان هناك منكر لأنكر عليه ولم يسكت عن ذلك، فعلى هذا فهذا إجماع سكوتي من أقوى الإجماعات، فإنهم حضروا لـ عمر وسكتوا عما قال، فدل هذا على الموافقة.
стр. 1768
عدد السجدات في القرآن الكريم
وعزائم سجود القرآن خمس عشرة سجدة جاءت في القرآن في مواطن من آخر سورة الأعراف إلى سورة العلق، وهذه الآيات ذكر الله سبحانه ﵎ فيها الإشارات في السجود في خمسة عشر موضعاً.
قال العلماء: هي من عزائم السجود، والبعض قال: هي إحدى عشرة فقط، والبعض قال: هي أربع عشرة، وأخرج منها السجدة التي في سورة (ص) فقال: ليست من العزائم باعتبار أنها توبة نبي، يعني: أنه تعالى ذكر في سورة (ص) عن النبي داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه خر راكعاً وأناب، فظن داود أنما فتناه، فذكر الله أن داود ظن أن الله ابتلاه وامتحنه، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب، فقالوا: هذه ليست من العزائم؛ لأنها فعل نبي ﵊، فعلها فسجد، وليس فيها أمر أو إخبار عن المؤمنين، إنما هي توبة نبي، لكن قد سجد فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه فدل على أنها سجدة من ضمن السجدات التي يسجد فيها.
والسجود في القرآن جاء عن أبي رافع في الصحيحين في البخاري ومسلم قال: (صليت خلف أبي هريرة -العتمة يعني: العشاء- فقرأ: ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ))) وهي من المفصل وفيها سجدة (فسجد فقلت: ما هذه السجدة؟ قال: سجدت بها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه) فمن ضمن السجود في المفصل السجود في سورة الانشقاق عند قول الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢١] فسجد فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
أيضاً: في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: (سجدنا مع رسول الله ﷺ في: ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ)) و ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ))) يعني: كأنه يرد على من يقول: ليس في آخر المصحف في المفصل سجود؛ فهنا سورة الانشقاق وسورة اقرأ من المفصل، وكذلك سورة النجم سجد فيها النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وفي الصحيحين أيضاً عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﷺ : (قرأ سورة النجم فسجد فيها وما بقي أحد من القوم إلا سجد) وسورة النجم مكية، وسجد فيها ﷺ في مكة وسجد معه المسلمون، بل والكفار أيضاً سجدوا مع النبي ﷺ فيها.
وفي سورة (ص) ثبت أن النبي ﷺ سجد فيها، ففي سنن أبي داود عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر سورة (ص) فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه).
إذاً: هنا لما قرأ عمر ﵁ سورة النحل نزل وسجد اتباعاً لما في القرآن، ولما فعله النبي ﷺ ، فالذي جاء عنه ﷺ أنه خطب الجمعة وقرأ ﵊: سورة (ص) ولما بلغ السجود نزل وسجد فيها ﵊، قال: (فلما كان يوم آخر لعلها الجمعة التي تليها ولعلها بعد ذلك بفترة قرأها، فلما بلغ السجدة تنشز الناس للسجود) أي: لأن الناس سجدوا في المرة الأولى، وظنوا أنه سيسجد، فاستعدوا للسجود مع النبي ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تنشزتم للسجود) فنزل ﵊ فسجد بهم صلوات الله وسلامه عليه وسجدوا.
وقوله: (إنما هي توبة) أي: أن السجود ليس واجباً، فمن الممكن أننا نسجد كما سجدنا في المرة السابقة، ومن الممكن أننا نقرأها ولا نسجد، وكذلك غيرها من السور يجوز فيها أن الإنسان يقرأ ويسجد، ويجوز أنه يكمل ما بعدها ولا يسجد.
وفي سورة الحج سجدتان في أول السورة وفي آخر السورة.
стр. 1769
حكم الوضوء لسجود التلاوة
والساجد إما أن يكون في صلاة، وإما ألا يكون في صلاة، فإن كان في الصلاة فهو على وضوء صلاته، وإذا كان في غير الصلاة فلا يسجد إلا أن يكون على وضوء؛ لأنها هيئة من هيئات الصلاة، وهذا فعل النبي ﷺ ، وفعل الصحابة رضوان الله عليهم، وإن خالف في رواية عبد الله بن عمر ﵁، وجاء ذلك أيضاً عن واحد من التابعين، لكن جماهير أهل العلم على أنه لا بد أن يكون الساجد على وضوء؛ حتى يسجد سجدة التلاوة في غير الصلاة.
стр. 1770
حكم التكبير لسجود التلاوة
إذا أراد أن يسجد يكبر ويقول: الله أكبر، ويسجد، ويرفع منها ويكبر؛ فإن جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد على أنه إذا كان في الصلاة يكبر ويسجد، ويكبر ويرفع، لكن الخلاف هل يرفع اليدين أو لا يرفع اليدين إلا إذا كان في الصلاة؟ فالذين رأوا أنه لا يرفع اليدين قالوا: الأصل في الصلاة أن الهوي للسجود لا يرفع فيه اليدين، وأنت في الصلاة ترفع اليدين عند إرادة الركوع ففقول: الله أكبر وتركع، وترفع من الركوع وتقول: سمع الله لمن حمده، وترفع اليدين معها، فإذا نزلت للسجود فليس هناك رفع اليدين إلا على الندرة؛ فإن رفع اليدين جاء عنه ﷺ في بعض الروايات، فأحياناً كان النبي ﷺ يرفع اليدين مع السجود، فعلى ذلك إذا سجد وهو في الصلاة يكبر، وعليه الأئمة الأربعة كما ذكرنا، وإن شاء رفع اليدين، وإن كان الأغلب عدم رفع اليدين فيه، وأما في غير الصلاة هل يكبر أو لا يكبر؟ فيه خلاف؛ فذهب الإمام مالك ﵀ وحده إلى أنه لا يكبر في غير الصلاة، فجاء عنه أنه قال: إذا كان في الصلاة كبر، واختلف عنه في غير الصلاة، يعني: البعض يروي عن مالك أنه يكبر، والبعض يروي عنه أنه لا يكبر.
إذاً: إذا كان في الصلاة فالأئمة الأربعة على أنه يكبر إذا نزل لسجود التلاوة، ويكبر إذا رفع منها، وما هو دليلهم على التكبير؟ قالوا: إن كان في الصلاة فهذه هيئة من هيئات الصلاة، وقد كان النبي ﷺ يكبر في كل خفض في الصلاة ورفع، إلا ما استثني من الرفع في قوله: سمع الله لمن حمده، فليس تكبيراً، وعلى ذلك الأئمة الأربعة على أنه في الصلاة يفعل ذلك، أما ما جاء من حديث ابن عمر أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه) فهذا الحديث رواه الإمام أبو داود عن ابن عمر، والذي روى هذا الحديث اثنان من التابعين: أحدهما: عبد الله بن عمر العمري وهو ضعيف في حفظه، والآخر أخوه عبيد الله بن عمر العمري وهو ثقة، فـ عبيد الله لم يذكر (كبر)، وأخوه ذكرها، قال عبد الرزاق: كان الثوري يعجبه هذا الحديث، أي: يعجبه الحديث الذي فيه التكبير؛ لأن فيه التكبير، وإن كان راويه فيه ضعف في حفظه، قال أبو داود: كان يعجبه -يعني: الثوري - لأنه كبر.
والحديث في سنده ضعف، ولكن يغني عن ذلك عموم حديث: (أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل خفض ورفع)، وهذا صح عنه صلوات الله وسلامه عليه، فالحجة أنه كان ﷺ يكبر مع كل خفض ورفع.
إذاً: إذا كنت في الصلاة فكبر واسجد، وإذا كنت في غيرها فقياساً عليها أيضاً تكبر وتسجد، وتكبر وترفع إن كنت في الصلاة لحديث: (أن النبي ﷺ كان يكبر مع كل خفض ورفع).
стр. 1771
أذكار سجود التلاوة
يقال في سجود التلاوة أذكار السجود في الصلاة: سبحان ربي الأعلى، ويقول: اللهم لك سجدت وبك آمنت وعليك توكلت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الله الخالقين.
إذاً: الأذكار التي يقولها في السجود يقولها أيضاً في سجود التلاوة.
أيضاً: ثبت في حديث عند الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس ﵄: (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني رأيتني الليلة أصلي خلف شجرة، فقرأت السجدة -يعني: آية فيها سجدة- فسجدت، فسجدت الشجرة لسجودي) في هذه الرؤيا أن الرجل قرأ آية فيها سجدة فسجد، والشجرة أيضاً سجدت لسجود الرجل، فقال: (فسمعتها وهي تقول وهي ساجدة: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود).
إذاً: الشجرة سجدت، وهذه رؤيا منامية رآها الرجل، وهي رؤيا حق، فقالت الشجرة في سجود التلاوة: (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود) قال الرجل: (فقرأ النبي ﷺ سجدة ثم سجد، قال ابن عباس: فسمعته يقول ما أخبره الرجل عن قول الشجرة)، فصارت سنة أن النبي ﷺ قال ما ذكره الرجل عن الشجرة في المنام، فصارت سنة عن النبي ﷺ أنه في سجود التلاوة يقال ذلك، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1772
تفسير سورة السجدة (تابع) الآية [١٥]
يستحب للقارئ والمستمع لكتاب الله أن يسجد عند مواضع السجدات في القرآن العظيم، ولسجود التلاوة أحكام فصلها العلماء، ومن مواضع السجدات آية السجدة في سورة السجدة، فقد وصف الله بالإيمان من إذا ذكر بآيات الله سجد لله وسبح بحمده، وتراه يقوم الليل خوفاً من عذاب الله وطمعاً في جنته، فهؤلاء قد وعدهم الله بما لا يخطر على قلوبهم من نعيم في الجنة.
стр. 1773
أحكام سجود التلاوة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٧].
آيات السجود في القرآن خمسة عشر آية، هذه الآيات ورد في بعضها الأمر بالسجود في ثلاث مواضع وفي باقي القرآن إشارة إلى السجود أو إخبار عن حال المؤمنين في سجودهم لله .
وقد ذكرنا أن جمهور العلماء على أن هذه الآيات يستحب السجود عندها إذا سمعها الإنسان أو إذا قرأها القارئ سواء في الصلاة أو في غير الصلاة.
فالذي يقرأ سواء كان في الصلاة أو في غير الصلاة يستحب له أن يسجد، والذي يستمع إذا قصد الاستماع فيسجد مع القارئ، وإذا كان في الصلاة وجب عليه أن يتابع الإمام في السجود.
والسجود في غير الصلاة لابد أن يكون على طهارة، والذي يسمع الآية التي فيها سجدة لابد أن يكون على طهارة إذا أراد أن يسجد، وعلى ذلك جمهور أهل العلم.
ويكبر إذا سجد، سواء في الصلاة أو في غير الصلاة على الراجح، ويجوز أن يرفع اليدين ويسجد، ويجوز عدم رفع اليدين في السجود، خاصة إذا كان في الصلاة؛ لأن سنة النبي ﷺ في النزول إلى السجود عدم رفع اليدين إلا أحياناً كان يرفع اليدين، وهذا نزول إلى السجود، يعني: القارئ في الصلاة يقرأ آية السجدة وينزل إلى السجود، ويجوز أن يرفع اليدين، وإن كان الغالب من فعل النبي ﷺ في نزوله إلى السجود أنه كان لا يرفع اليدين.
وقد ذكرنا أذكار سجود التلاوة، وما كان يقوله النبي ﷺ فيها، وذكرنا الذكر الذي سمعه الرجل من شجرة في رؤيا منامية، وذكره للنبي ﷺ ، وفيه: (اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلها من عبدك داود).
فإن قيل: هل يستحب إذا كان في غير الصلاة أن يسلم بعد سجود التلاوة؟ ف
الجواب
الراجح: أن هذا لم يثبت عن النبي ﷺ أنه سلم فيه، فالذي في الصلاة سيسلم عند الانتهاء من صلاته، أما الذي في غير الصلاة فالمشابهة فقط في السجود، إذاً: يكبر ويسجد، ويكبر ويرفع، وليس فيها تسليم على الراجح.
стр. 1774
حكم قراءة آية فيها سجدة في صلاة لا يجهر فيها
قراءة سورة السجدة في صلاة لا يجهر فيها، بعض أهل العلم كرهوا ذلك، كرهوا أن يقرأ الإمام سورة السجدة في صلاة الظهر أو في صلاة العصر؛ لأنه يربك المأمومين بذلك، والبعض الآخر رأى أنه فعل النبي ﷺ ذلك، فقد قرأ بسورة الانشقاق في صلاة الظهر صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: يجوز للإمام أن يفعل ذلك ولكن لا يربك الناس، فلو أراد قراءة سورة فيها سجدة فلينبه الناس قبل الصلاة أنه سيقرأ هذه السورة وفيها سجدة وأنه سيسجد فيها مثلاً، أو أنه إذا وصل إلى هذه الآية فليرفع صوته حتى يسمع الناس وراءه أنه قرأ آية فيها سجدة وليسجد بعد تنبيههم أنه يسجد لسجود التلاوة.
ولو فرضنا أنه لم يفعل ذلك جاز له، ولو أن الناس لم يدروا أن الإمام سجد سجود تلاوة، بل ظنوا أنه غلط الإمام، فعلى ذلك لو أنهم لم يتابعوه فلا شيء عليهم، أو أنهم ظنوا أن الإمام أخطأ فنزل إلى السجود بدلاً من الركوع فلا شيء عليهم في ذلك، هذه بعض الأحكام التي تتعلق بسجود التلاوة.
стр. 1775
حكم الذي يقرأ آية السجدة وهو في سفر
إذا كان الإنسان في سفر، وقرأ آية فيها سجدة فله أن يومئ بالسجود، وإذا قرأ في المصحف آية فيها سجدة، فله أن يكبر وينحني بالركوع، ولا يلزم عليه أن ينزل على الأرض للسجود، وإذا فعل الركوع حسن، وإذا لم يفعل وأومأ بالسجود جاز له ذلك.
стр. 1776
كراهة جمع آيات السجود واختصارها بسجدة واحدة
يذكر العلماء أنه يكره اختصار السجود يعني: جمع الآيات التي فيها سجود، ويقرؤها كلها ويسجد فيها، قالوا: لم يفعل ذلك النبي ﷺ ، وإنما كان يسجد إذا مر بسجدة التلاوة أثناء قراءة السورة، لكن أن يتعمد جمع ذلك بسجدة واحدة فهذا لم يفعله ﷺ .
стр. 1777
حكمة قراءة سورة السجدة فجر يوم الجمعة
في فجر الجمعة يستحب قراءة سورة السجدة، ولكن ليس قراءة سورة السجدة لأن فيها سجدة، بل كان يقرؤها النبي ﷺ للتذكير بما في هذه السورة، فهي تشير إلى خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإلى نزول آدم إلى هذه الدنيا، وإلى ما فعله الشيطان بالإنسان، وفيها الإشارة إلى اليوم الآخر، وفيها إشارة إلى الجنة وإلى النار، وهذا كله في يوم الجمعة، خلق آدم فيها، ونفخ فيه الروح فيها، وأنزله من الجنة فيها، والبعث يكون يوم القيامة، والفناء لهذه الدنيا يوم القيامة يكون في يوم الجمعة، فهذا اليوم تقرأ فيه سورة السجدة للتذكير بيوم القيامة، والتذكير ببدء الخلق، وليس لكونها فيها سجدة، فالبعض في يوم الجمعة إذا لم يكن حافظاً لسورة السجدة يتعمد قراءة سورة أخرى فيها سجدة حتى يسجد فيها ظناً منه أنه أتى بالسنة، مع أنه لم يأت بالسنة بذلك، فإما أن يقرأ سورة السجدة وإما أن يقرأ غيرها من السور إذا كان لا يحفظها، ولكن لا يلزمه أن يقرأ آية فيها سجدة في يوم الجمعة.
أيضاً يستحب للإمام إذا ظن أن الناس يتوهمون أن قراءة سورة السجدة واجبة في يوم الجمعة أن لا يقرأها أحياناً، إذا كان الناس لا يعرفون الحكم الشرعي، ويظنون أن قراءة سورة السجدة فرض يوم الجمعة، فهي ليست فرضاً وإنما هي سنة النبي ﷺ ، فإذا توهم الناس أنها فرض فيستحب له أنه لا يقرأ بها أحياناً؛ حتى لا يظن الناس أن هذا السجود فريضة في يوم الجمعة.
стр. 1778
حكم سجدة التلاوة
سجود التلاوة ليس فرضاً، وإن كان عند الإمام أبي حنيفة ﵀ واجب على قاعدته في التفريق بين الفرض والواجب، فهو يحتج بقول الله : ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠ - ٢١]، فيقول: هذه الآية حجة في وجوب السجود للتلاوة.
لكن جمهور العلماء يجيبون عن ذلك: بأن الله ذم هؤلاء على ترك السجود؛ لأنهم لا يعتقدون فضله؛ لأنهم كفار، ولا يسجدون لله سبحانه ﵎، ولا يعتقدون فضل ذلك، فذمهم على ذلك بقوله تعالى:: ﴿فَمَا لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق:٢٠ - ٢٣].
فهذه الآية في الكفار الذين لا يعتقدون فضل ذلك، لكن المؤمنين يقتدون بالنبي ﷺ ، فهو قد سجد وترك صلوات الله وسلامه عليه، وجاء عن عمر ﵁: أنه قرأ سورة النحل على المنبر، وأتى على السجدة ونزل فسجد فيها، وفي جمعة أخرى أتى على السجدة ولم ينزل ليسجد فيها.
يسن السجود للتالي وللمستمع، وهناك فرق بين المستمع والسامع، المستمع: الذي جلس للاستماع، والسامع: الذي مر فسمع، ولم يجلس للاستماع، فالذي يقرأ والذي يجلس للاستماع يسن لهما السجود، والذي لم يقصد السماع لا يلزمه ذلك، كما قدمنا عن عثمان وعن ابن عباس وعن عمران بن حصين ﵃.
فالإنسان الذي يسمع الآيات التي فيها سجدة يسجد، ولا يغني الركوع عن السجود في غير الصلاة عند جماهير أهل العلم، فإما أن يسجد وإما أن يترك، لكن لا يركع بدلاً من السجود، فإن كان في الصلاة وقرأ السجدة وكان في آخر تلاوته، كأن يقرأ في سورة النجم مثلاً ووصل إلى قوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم:٦٢]، فإنه يجوز للإمام أن يكبر ويسجد، وبالتالي المأمومون معه يسجدون، ويجوز له أن يكتفي بالركوع؛ لأن السجود يكون بعده، وهذا ما عليه جمهور العلماء فيجوز له أنه يكبر ويركع، ويجوز له أن ينزل فيسجد، فإذا سجد ثم قام بعد ذلك فليقرأ آية ثم يركع للاستحباب، فلو أنه قام ولم يقرأ شيئاً ثم وقف ثم كبر وركع جاز له ذلك.
وينبغي للمأموم أن يتابع الإمام وأن ينظر إلى الإمام هل سيسجد أم لا؟ حتى لا تحصل مخالفة بين المأموم والإمام.
ولو فرضنا أنه حدث ذلك فلينبه المأموم بقول: سبحان الله ونحو ذلك، حتى يرجع المأموم ويدرك الإمام في ركوعه.
стр. 1779
حكم سجود التلاوة في أوقات الكراهة
حكم سجود التلاوة حكم صلاة النافلة، فإذا كان في أوقات تحريم صلاة النافلة فلا يسجد، وأوقات التحريم الثلاث، هي عند طلوع الشمس؛ لأنها تطلع بين قرني شيطان، وعند غروب الشمس؛ لأنها تغرب بين قرني شيطان، وكذلك قبيل الظهر بدقيقة أو دقيقتين، هذه أوقات تحرم فيها الصلاة لنهي النبي ﷺ عن صلاة النافلة فيها؛ ولا يجوز تأخير الفريضة إليها.
وإذا قرأ آية سجدة في هذه الأوقات فلا يسجد، لكن إذا كان في غيرها من الأوقات فله أن يسجد حتى ولو كان في أوقات كراهة الابتداء بالنافلة؛ لأن هذه الأوقات يجوز فيها صلاة ما له سبب، فإذا دخل الإنسان المسجد مثلاً بعد صلاة الفجر، فله أن يصلي تحية المسجد؛ لأنها صلاة سبب، فما له سبب من صلوات له أن يصليها.
كذلك سجود التلاوة فهو سجود له سبب، فإذا صلى الفجر وجلس يقرأ القرآن ما لم يدخل في وقت التحريم، له أنه يسجد للتلاوة وله أن يترك سجود التلاوة، كذلك إذا صلى صلاة العصر وجلس يقرأ القرآن فمر بآية فيها سجدة تلاوة يجوز له أنه يسجد، ويجوز له أن لا يسجد، لكن إذا كان وقت التحريم وهو دقائق قليلة، فلا يجوز له أن يصلي فيه نافلة ولا أن يسجد سجود تلاوة، أما وقت الكراهة فوقته ممتد من العصر إلى غروب الشمس ومن بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس.
ووقت التحريم أقل من ربع ساعة من وقت طلوع الشمس إلى أن ترتفع الشمس، فهذا تحرم الصلاة فيه، فلا يصلي فيه نافلة ولا يسجد فيه للتلاوة، وقبيل الظهر بمقدار ركعة قبل صلاة الظهر، هذا الوقت لا يصلي فيه نافلة؛ لأنه تسجر فيه جهنم، يقول عقبة بن عامر: (كان ينهانا ﷺ أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس، وحين تضيف للغروب، وحين يستقل الظل بالرمح) وهذه ثلاث أوقات قليلة لا يُصَلَّي فيها نافلة، وأيضاً لا يسجد فيها للتلاوة.
стр. 1780
تفسير قوله تعالى: (إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها)
قال الله عن المؤمنين: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة:١٥] يعني: نزلوا على رءوسهم ساجدين على جباههم لله ، مسبحين الله سبحانه، حامدين له سبحانه.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة:١٥] أي: وهم لا يستكبرون عن الطاعة ولا يستكبرون عن عبادته ، كما استكبر أهل الكفر.
قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] أي: ترتفع وتنبو عن المضاجع، وتتنحى جنوبهم عن المضاجع، يقومون لصلاة الليل، ولا ينامون نوماً طويلاً فيضيعون الصلاة.
وهم ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦] يعني: في كل وقت يدعون الله خوفاً من الله، وطمعاً فيما عند الله من فضل ورحمة .
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]، فجمعوا العبادات البدنية والعبادات المالية، فهم يذكرون الله ، وهم يقومون لله مصلين عابدين، وهم ينفقون لله سبحانه مما رزقهم.
стр. 1781
تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين)
من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في فضل قيام الليل حديث سهل بن سعد الساعدي قال: شهدت من رسول الله ﷺ مجلساً وصف فيه الجنة حتى انتهى ثم قال ﷺ في آخر حديثه: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قرأ هذه الآية: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:١٦ - ١٧]) رواه الإمام مسلم في صحيحه.
فقوله تعالى: ((فلا تعلم نفس)) كل النفوس وأي نفس من النفوس مهما بلغت من العلم لا تعلم ما الذي ادخره الله من ثواب عظيم جدير لعباده المؤمنين، ففي الحديث: (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، إذاً: فيها: جمال عظيم، وفيها نعيم مقيم، والعين مهما رأت من نعيم في الدنيا فإنه لا يقارن بما في الجنة.
وقوله ﷺ : (ولا أذن سمعت) من أصوات جميلة، وموسيقى طيبة، ومن أشياء يسمعونها وينعمون بها، والله يفككهم بها في الجنة، لم يسمعوا قبل ذلك مثلها، وهذا يجعل الإنسان المؤمن يصبر على هذه الدنيا، ويصبر على أمر الله، ويصبر عما نهى الله عنه، وهو يريد من الله سبحانه هذا الفضل العظيم، فيترك الدنيا لنعيم الجنة.
وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حسد إلا في اثنتين)، نهينا عن الحسد، ولكن يجوز الحسد وليس بمعنى الحسد الحقيقي، ولكن بمعنى الغبطة، يغبط الإنسان صاحبه، والحسد معناه: تمني زوال النعمة من الغير، لكن المقصود هنا: تمني أن يكون لي مثل ما لهذا الإنسان، قال: (رجل آتاه الله الكتاب، وقام به آناء الليل والنهار)، يعني: رجل علمه الله سبحانه وحفظه القرآن فقام يصلي بالليل، فيتمنى الإنسان أن يكون مثله، ويحاول أن يقلده في ذلك، والآخر: (رجل أعطاه الله مالاً فهو يتصدق به آناء الليل والنهار)، فيقول المسلم: يا ليت لي مثل فلان، وأنا أعمل مثل فلان، فيؤجر مثل عمل هذا الآخر.
أيضاً مما جاء في الحث على قيام الليل: حديث رواه البخاري عن علي بن أبي طالب ﵁ أن رسول الله ﷺ طرق الباب عليه وعلى فاطمة بنت النبي ﷺ ليلاً، والله أمر النبي ﷺ : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ [طه:١٣٢]، فكان النبي ﷺ يتعاهد أهله ﵊ بالصلاة وخاصة قيام الليل، وهم لا يتركون الفرائض، ولكن قيام الليل قد يكسل الإنسان عنه، فذهب النبي ﷺ لبيت ابنته فاطمة ﵂ وعلي بن أبي طالب زوجها ﵁، فطرق الباب ثم قال: (ألا تصليان؟ وقام علي بن أبي طالب من النوم فقال: يا رسول الله! أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، فقرأ النبي ﷺ الآية من سورة الكهف: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤])، وكان هذا تأديباً لـ علي بن أبي طالب أي: لا ترم كسلك على تقدير الله ، وتقول: ربنا لو أراد أن نقوم لقمنا، كما أن كثيراً من الناس يقول لك: لو أراد الله أن نصلي لصلينا، فنقول له: اذهب وصلَّ، وانظر هل يمنعك من الصلاة أم لا؟ إذاً: لا تعلق الأمر على قضاء الله وقدره سبحانه، ولكن افعل ذلك، فالإنسان المؤمن يأخذ بالأسباب ليقوم الليل، وفرق بين إنسان يضبط المنبه ليقوم قبل الفجر ويصلي ركعتين، وبين إنسان أطفأ المنبه قبل أن ينام، ويقول: لو أراد الله أن أقوم لقمت! لا يستويان أبداً، فلو أن هذا الإنسان الذي أخذ بالأسباب، نام ولم يقم الليل، ولا حتى صلاة الفجر، وقام بعد الشروق فهذا مأجور، له أجر قيام الليل، وأجر صلاة الفجر؛ لأنه معتاد على ذلك، وتصدق الله عليه بنومه ذلك، وأما الآخر لم يأخذ بالأسباب فضيع وفرط بتقصيره، فقال النبي ﷺ لـ علي ﵁: ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف:٥٤].
والمعنى الآخر الذي ذكرناه في سنن أبي داود عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (ما من امرئ تكون له صلاة بليل يغلبه عليها نوم، إلا كتب له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة)، وهذا فضل من الله الكريم .
نسأل الله من فضله العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1782
تفسير سورة السجدة الآية [١٦]
ذكر الله تعالى في هذه الآية أن من صفات المؤمنين أنهم يتركون أماكن النوم والراحة ويقومون الليل لله تعالى فيتهجدون ويذكرون الله تعالى، ويدعون ربهم خوفاً وطمعاً، وينفقون مما رزقهم الله تعالى.
وقيام الليل سلاح المؤمن، وفوائده كثيرة ومنافعه عظيمة عاجلاً وآجلاً، ويسن للمؤمن أن يوقظ زوجته وأهله من أجل أن يقيموا الليل، ويكون لهم في ذلك الأجر العظيم عند الله تعالى، والمؤمن إذا صدق مع الله في قيامه بالليل فإن صلاته ستنهاه عن الفحشاء والمنكر.
стр. 1783
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٥ - ١٦].
مدح الله سبحانه ﵎ المؤمنين لأنهم يقبلون على ذكر الله سبحانه، ويخرون لله سجداً، ويسبحون بحمد ربهم وهم لا يستكبرون.
كذلك ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦] أي: لا ينامون الليل كله ولكن يقسمونه أجزاء فينامون ويستريحون في جزء من الليل، ويقومون لله سبحانه في جزء آخر، فيصلون ويذكرون الله، ويطلبون العلم، فهم في قيامهم الليل في ذكر وفي فقه وفي علم وفي تعلم وفي خشية لله، وفي قراءة القرآن وسماعه وغير ذلك.
وقد جاء عن النبي ﷺ أحاديث في هذا المعنى، منها ما رواه الإمام البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ﷺ قال: (أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ﵇، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان لا يفر إذا لاقى ﵊.
فأحب الصلاة إلى الله سبحانه صلاة داود، فكان يقسم ليله فنصفه ينام فيه فيستريح ثم يقوم ثلث الليل ثم ينام سدس الليل، فقسم الليل أسداساً فثلثين من الليل للنوم وثلث لقيام الليل.
والمؤمن يقتدي بفعل النبي ﷺ وبفعل أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فنبي الله داود كان ينام ثم يقوم الليل ثم ينام، والنبي ﷺ يخبر عن حاله أنه كان يقوم الليل وينام فيه ﵊، وأخبر عن رجل نام حتى أصبح، أي: نام الليل كله من أوله إلى آخره حتى جاء وقت صلاة الصبح، فقال النبي ﷺ : (ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه).
والشيطان لا يترك الإنسان أبداً، فيأتيه عند النوم ويعقد على قافيته كما جاء في حديث النبي ﷺ في الصحيحين أنه قال: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد) وفي رواية أخرى: أنه يأتي بجرير وهو حبل فيعقده الشيطان على رأس الإنسان عند النوم ويعقد ثلاث عقد، ولذلك يتعلم السحرة من الشيطان هذا الشيء، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] يعقدون الخيط وينفثون فيه بكلام يقولونه حتى يغووا خلق الله سبحانه ﵎.
فالمؤمن إذا نام جاء الشيطان عند رأسه فعقد على رأسه عند قفاه ثلاث عقد يضرب على كل عقدة ويقول: عليك ليل طويل فارقد، فيوهم الإنسان أن ما زال الليل أمامه طويلاً فينام، فكلما أراد أن يستيقظ ليصلي أو يذكر الله قال له الشيطان: مازال الليل طويلاً، فينام حتى تطلع الشمس وضاع عليه الليل فلا قام الليل ولا صلى الصبح.
فالشيطان يضحك على هذا الإنسان ويستهزئ به حتى أنه يبول في أذنيه كما قال النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يعرف ما لا نعرف، ويرى ما لا نرى صلوات الله وسلامه عليه.
ولو قيل لإنسان: إن إنساناً يبول في أذنك لأنف عن ذلك وتغيظ وعادى هذا الذي يفعل ذلك، فكيف بهذا الشيطان الذي يتوعد الإنسان أنه سيبول داخل أذنيه، ومن يرضى لنفسه أن يستهين به الشيطان ويضحك عليه، ويسخر منه ويبول في أذنيه، فهذا الذي ينام الليل كله ويضيع ليله في النوم، والذي يضيع ليله سهران يتفرج على التلفزيون وعلى الدش وعلى كذا، فيا ترى ماذا سيعمل الشيطان بهذا الإنسان؟ وإذا كان الشيطان سخر من الذي لم يقم يصلي بالليل واستهان به واحتقره فتبول في أذنيه، فكيف بمن يقضي الليل في معصية الله سبحانه ﵎، ويجلس يتفرج على الحرام، ويضيع وقته في الحرام ولا يذكر الله سبحانه ﵎؟! لذلك الإنسان المؤمن علم من القرآن ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦] والشيطان يدعو أصحابه من بني آدم لكي يدخلوا النار؛ لأن آدم هو السبب في إخراج الشيطان من الجنة، وهو السبب في أنه لن يدخلها؛ لأن الشيطان لم يرض أن يسجد له، وعلى ذلك توعد الشيطان بني آدم كما قال تعالى عنه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠] أي: ظن إبليس ظناً وصدقه على أوليائه وعلى أتباعه، فإذا بهم يطيعون الشيطان، ويبتعدون عن طاعة الله، فيثقل عليهم أن يقوم أحدهم فيصلي ركعتين من الليل، ولو أنه قام في مكان لغير الصلاة، أو مشى ليلاً على البحر أو كان يلعب فإنه يمكنه هذا الشيء، لكن أن يصلي ركعتين فهذا ثقيل عليه، وقد يسهر الليل في ضحك وفي لهو أما أن يصلي لله فهذا لا يمكن، والإنسان إذا أراد أن يصلي يأتي إليه الشيطان ويجعله يتعب من صلاته ويمل منها ويسرح فيها، بل يريد أن يخرج منها مباشرة، مع أن صلاة الليل من أجمل ما يكون من الصلاة، قال تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦].
فعلم النبي ﷺ أصحابه وحثهم على أن يقوموا من الليل، ولذلك جاءت أحاديث عنه صلوات الله وسلامه عليه فيها الحث على ذلك، منها هذا الحديث الذي يخبر أن الشيطان يقعد لكم بالمرصاد ويفعل ذلك.
ويزيل المؤمن عن نفسه عقد هذا الشيطان بالعمل بقوله ﷺ : (فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة) والإنسان أول ما يقوم بالليل فإنه يضبط المنبه على أن يقوم قبل الفجر بساعة أو بنصف ساعة أو أكثر أو أقل، فأول ما يسمع المنبه لا يطفئه ويكمل نومه، ولكن يستيقظ من نومه ويذكر الله سبحانه ﵎، فيقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور، الحمد لله الذي عافاني في بدني، ورد علي روحي، وأذن لي بذكره.
فيقوم ويجلس ويذكر الله ثم يتوجه فيتوضأ ليصلي لله سبحانه.
قال النبي ﷺ : (فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقده أو عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس) الذي قام فصلى من الليل شيئاً وصلى الفجر يصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان.
стр. 1784
حديث: (لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل)
من الأحاديث حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في الصحيحين أيضاً أنه قال: (قال لي رسول الله ﷺ : يا عبد الله! لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل).
وجاء في حديث آخر لـ عبد الله بن عمر ﵄ أنه رأى رؤيا كأن النار أمامه، وكأنها بئر والبئر بعيدة عنه وجاء رجلان فأخذاه ولما وصلا به عند هذه البئر وجد من يمنعه عنها وقيل له: إنه ليس من أهلها، ووجدها مطوية ومقفولة فأصبح وقص الرؤيا على أخته فقصتها على النبي ﷺ ، فالنبي ﷺ قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل) يعني: كأنه لم يكن يقوم من الليل في ذلك الوقت، فالنبي ﷺ قال: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل) أي: لم يكن يحصل له هذا الشيء الذي كان في الرؤيا وهو دخول النار فإنه بعيد عنها، فكان عبد الله ﵁ لا ينام من الليل إلا قليلاً بعدما قال النبي ﷺ ذلك.
فـ عبد الله بن عمرو قال له النبي ﷺ : (لا تكن مثل فلان) وهذا من أدب الراوي أنه لم يذكره، ولعل فلاناً هذا قد تاب بعد ذلك، أو لعله كان لا يقوم من الليل ولم يفضحه الراوي الذي حدثهم عنه وهو عبد الله بن عمرو، ولعله النبي ﷺ قال: فلان وذكره هكذا، ولعل النبي ﷺ ذكره باسمه حتى يقال له: قال عنك النبي ﷺ كذا، فيرجع ثانية إلى قيام الليل، فالغرض أن قيام الليل جاءت أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ في الحث عليه.
стр. 1785
صلاة الليل تنهى عن المعاصي
جاء في حديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن فلاناً يصلي بالليل فإذا أصبح سرق) أي: يمد يده على حاجة فيأخذها، فقال النبي ﷺ : (إنه سينهاه ما يقول)، والمعنى أن هذه الصلاة ستحدث في قلبه توبة وينتهي عن هذا الشيء.
فالنبي ﷺ يخبر أنه لا يمكن أبداً لإنسان يقوم الليل ويكون صادقاً في ذلك حتى لو كانت من عادته أنه يفعل شيئاً من المعاصي فإذا قام الليل قياماً صادقاً فإنه سيمنعه القيام من هذه المعصية التي هو فيها، وقد جاء في القرآن قول الله : ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥] فإذا صدق الإنسان في صلاته أعانته على البعد عن معصية الله، لذلك الكثير من الشباب يشكو ويقول: أنا أعاهد ربنا أني أغض البصر، ويرجع مرة أخرى للنظر إلى ما حرم الله، أو أعاهد ربنا أني لا أشرب السجارة ويعود مرة ثانية ويشربها! فنقول له: قم الليل، واصدق مع الله سبحانه في صلاتك تمنعك عن هذا، ولكن ليكن عندك العزيمة الصادقة التي لا تعلق المعصية على القضاء والقدر، كأن تقول: لو هداني الله سأبطل السجاير، أو سأكون أفعل كذا، ولكن قم وادع ربك سبحانه، واعزم على هذا الشيء، فتجد صلاتك هذه تنهاك عن الفحشاء والمنكر.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1786
حديث: (إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها)
من الأحاديث العظيمة عنه صلوات الله وسلامه عليه حديث رواه الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها) الغرف جمع، والغرفة معناها الموضع العالي، وأشرف المواضع في البيت يسمى الغرفة، فالجنات العالية فيها غرف، وعرفنا من أحاديث النبي ﷺ أن الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، فليست من الطوب الذي عندنا، ولكن الحجارة التي في الجنة من اللؤلؤ والياقوت والذهب والفضة.
ومع كونها من ذلك فقد بلغ النقاء في هذه الأشياء التي بنيت منها هذه الغرف أن صاحب الغرفة يرى ما بداخلها من خارجها، ويرى ما بخارجها من داخلها، فهي غرف عظيمة طيبة، فالأعرابي لما سمع ذلك من النبي ﷺ قام إليه فقال: يا رسول الله! لمن هي يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : (هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام) أي: أربع خصال إن فعلتها وعودت نفسك عليها كانت لك هذه الغرف العظيمة الطيبة سواء للرجال وللنساء.
قال ﷺ : (هي لمن أطاب الكلام) والمعنى: أن كلامه طيب، وأسلوبه جميل في الكلام، وخلقه عظيم، فهو يتشبه بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس هو إنساناً نفوراً أو إنساناً يرفع صوته على الناس أو بذيء اللسان شتاماً سباباً، ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فالجاهل يؤذيه في الكلام، ومع ذلك فهذا العبد الصالح يرد عليه بطيب الكلام.
وقوله ﷺ : (وأطعم الطعام) يعني: أكثر من الصدقة والهدية، فيطعم الضيف والفقير والمحتاج ويعطي للجار.
وقوله ﷺ : (وأدام الصيام) أي: صام الشهر الذي فرضه الله سبحانه وأكثر من الصيام في غيره.
وقوله ﷺ : (وصلى لله بالليل والناس نيام) إذا كان الناس يقظى فإن الإنسان قد يصلي مثلما يحصل في رمضان في صلاة القيام، فإن الناس يشجع بعضهم بعضاً، فإذا رأى إنسان إنساناً يصلي فإنه يصلي معه غيرة منه، فهذا شيء طيب أن الإنسان يغار في الخير، ولكن أفضل من ذلك أن يقوم بالليل وحده لا يراه أحد من الناس.
الإنسان وهو في بيته إذا قام بالليل والناس نائمون ومع ذلك لم يقل: أنه مثل الناس فينام مثلهم، ولكن قام لله فصلى والناس نيام واستمتع بذلك؛ فهذا من أهل هذه الغرف التي يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها.
стр. 1787
فوائد صلاة الليل
صلاة الليل تنير قلب المؤمن، وتنير وجهه، وتجعل المؤمن محباً للخير، محباً للطاعة، والذي صلى من الليل وصلى الفجر في جماعة أصبح وقد حفظه الله وحرسه الله سبحانه، فهو في حفظ الله سبحانه وفي كلئه، ويتوعد ربنا سبحانه من يؤذي الذي يصلي الفجر؛ لأنه في حفظ الله سبحانه، ويتوعد من يعاديه ومن يؤذيه؛ لأنه صلى لله الفجر فكان في حفظ الله سبحانه ﵎ فيصبح طيب النفس.
وإذا ضيع صلاة الليل وضيع صلاة الفجر وكانت عادته ذلك فإنه يصبح خبيث النفس كسلان، ويقوم من النوم ويريد أن ينام مرة أخرى، ولا يريد أن يشتغل، لأنه تعبان ومتضايق، ولا يريد أن يكلم أحداً ويقوم من النوم ثم يمشي ولا يسلم على أحد، ولا حتى يرد ﵇، ولو أنه قام لله بالليل ثم صلى الفجر لجعل الله نفسه راضية طيبة، ووجهه منيراً من صلاته، ويجعل الله عليه الرضا وفيه الرضا، وتجده طيب النفس، والإنسان الذي لا يفعل ذلك تجد منه التكشير والعبوس والبعد والنفور، وهذا نتيجة للكابوس الذي كان عليه طول الليل في نومه وبعده عن ربه سبحانه ﵎.
قال ﷺ : (فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).
стр. 1788
فضل الرجل إذا أيقظ أهله من الليل فصليا ركعتين
من الأحاديث العظيمة التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته).
فصلاة الليل ليست مقصورة على واحد من البيت هو الذي يقوم الليل، ولكن يقوم الليل ويدعو زوجته أن تصلي ولو في آخر الليل، ولو أن تصلي ركعتين من آخر الليل، وبعد ذلك يرددان الأذان ثم يصليا صلاة الفجر فيكسبا الأجرين بذلك.
ويدعو النبي ﷺ لهذا الرجل ويدعو لامرأته، فيقول: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) يعني احتال حيلة لكي يصحي زوجته، ونضح بمعنى رش، ولم يأت بماء وصبه عليها، والنضح بمعنى رش الماء اليسير بحيث يعينها على أن تقوم لتصلي، ودعا للمرأة أيضاً فقال: (ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) إذاً: البيت فيه تعاون بين الرجل وبين المرأة على قيام الليل، وعلى ذكر الله سبحانه وعلى حبه، فهل يدخل الشيطان بيتاً مثل هذا؟ وهل يكون في هذا البيت من وساوس ومن بعد عن الله سبحانه؟
الجواب
لا، طالما الرجل يخاف الله ويحب الله والمرأة كذلك، فتجد البيت بيتاً طيباً، والكل يحرص على العبادة، والكل يحرص على أن يقوم لله سبحانه ﵎ بالليل.
أما فضل ذلك فقد روى أبو داود أيضاً عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات).
وقال الله في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، فانظر للترقي فبدأ بالمسلمين، فالإسلام اشترك فيه الجميع، ثم يرقى درجة وراء درجة، وأعلى درجة يصل فيها الإنسان أن يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فهؤلاء الذين أتوا بكل الطاعات يجعلهم الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وطاعة الله سبحانه منها قيام الليل، أن يقوم الرجل ويوقظ امرأته فيصليا، فذكر في الحديث صلوات الله وسلامه عليه أنهما صليا ركعتين جميعاً، ركعتين ركعتين، حتى لو أن الرجل أم بامرأته فقرأ بها الفاتحة وقل هو الله أحد في ركعتين اثنين، فهذا من أقل ما يفعله المسلم مع زوجته، وكتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ومع المداومة والمواظبة على ذلك تصير عادة للإنسان ويحب هذا الشيء.
وقوله ﷺ : (فصليا أو صلى) أي: سواء أن كل واحد منهما صلى لوحده أو هما الاثنان صليا معاً، فيكتبان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.
стр. 1789
تفسير سورة السجدة [١٦ - ٢٢]
إن المؤمنين الصالحين لا يستوون مع الفاسقين الظالمين، فلكل فريق جزاء، فجزاء المؤمنين الصالحين الجنة، وجزاء الفاسقين الظالمين النار، والكافر له عذابان: عذابٌ في الدنيا، وعذاب في القبر ويوم القيامة.
стр. 1790
تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٩].
يذكر الله في هذه الآيات وما قبلها صفات المؤمنين الصالحين الذين يؤمنون بآيات الله سبحانه ويقبلون عليها خاشعين متدبرين، ويخرون لله سبحانه سجداً مسبحين بحمده، لا يستكبرون عن عبادته، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، فيقومون لله ليلاً طويلاً يصلون، أو بحسب ما يقدرون عليه.
قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، يعني: في جميع أحوالهم يدعون الله وليس في الصلاة فقط، ولكن الدعاء في اليوم كله ما استطاعوا، فيدعون الله سبحانه، ويسألونه من فضله، ويتعوذون به من عذابه، ويدعون ربهم خوفاً من ناره، ومن أن يحرموا من جنته سبحانه، وطمعاً في فضله وفي كرمه وفي رحمته وفي رضوانه، وينفقون لله من أموالهم ومما رزقهم الله، فالفضل من الله أولاً وآخراً، هو الذي أعطى الإنسان المال وأعطاه الصحة وأعطاه حياته، فهو الذي أعطاه من فضله ومن كرمه سبحانه، وهو الذي هداه ووفقه، فهم ينفقون مما رزقهم الله، ومما تفضل به عليهم، ولم يبخلوا وقد علموا أن المال مال الله سبحانه، والرزق رزقه سبحانه، وأن المال لا تنقصه الصدقة أبداً، فهم مما رزقهم الله ينفقون، قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦].
وفي هذه الآية إشارة إلى أن المال ليس مال العبد، وإنما هو رزق الله سبحانه، وفيه أيضاً أن الإنسان ينفق من القليل ومن الكثير، (مما) أي: من كل ما أعطاهم الله سبحانه، أعطاهم شيئاً يسيراً، أو آتاهم شيئاً كثيراً، فهم مما أعطاهم ينفقون، فيخرجون زكاة أموالهم، وينفقون النفقة الواجبة عليهم، ويتصدقون من أموالهم، فيزيد الله لهم أموالهم، فلا ينقص مال من صدقة أبداً.
следующие страницы →