← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

حديث: (إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها) من الأحاديث العظيمة عنه صلوات الله وسلامه عليه حديث رواه الترمذي عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن في الجنة لغرفاً يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها) الغرف جمع، والغرفة معناها الموضع العالي، وأشرف المواضع في البيت يسمى الغرفة، فالجنات العالية فيها غرف، وعرفنا من أحاديث النبي ﷺ أن الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، فليست من الطوب الذي عندنا، ولكن الحجارة التي في الجنة من اللؤلؤ والياقوت والذهب والفضة. ومع كونها من ذلك فقد بلغ النقاء في هذه الأشياء التي بنيت منها هذه الغرف أن صاحب الغرفة يرى ما بداخلها من خارجها، ويرى ما بخارجها من داخلها، فهي غرف عظيمة طيبة، فالأعرابي لما سمع ذلك من النبي ﷺ قام إليه فقال: يا رسول الله! لمن هي يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : (هي لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام) أي: أربع خصال إن فعلتها وعودت نفسك عليها كانت لك هذه الغرف العظيمة الطيبة سواء للرجال وللنساء. قال ﷺ : (هي لمن أطاب الكلام) والمعنى: أن كلامه طيب، وأسلوبه جميل في الكلام، وخلقه عظيم، فهو يتشبه بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس هو إنساناً نفوراً أو إنساناً يرفع صوته على الناس أو بذيء اللسان شتاماً سباباً، ومن صفات عباد الرحمن: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، فالجاهل يؤذيه في الكلام، ومع ذلك فهذا العبد الصالح يرد عليه بطيب الكلام. وقوله ﷺ : (وأطعم الطعام) يعني: أكثر من الصدقة والهدية، فيطعم الضيف والفقير والمحتاج ويعطي للجار. وقوله ﷺ : (وأدام الصيام) أي: صام الشهر الذي فرضه الله سبحانه وأكثر من الصيام في غيره. وقوله ﷺ : (وصلى لله بالليل والناس نيام) إذا كان الناس يقظى فإن الإنسان قد يصلي مثلما يحصل في رمضان في صلاة القيام، فإن الناس يشجع بعضهم بعضاً، فإذا رأى إنسان إنساناً يصلي فإنه يصلي معه غيرة منه، فهذا شيء طيب أن الإنسان يغار في الخير، ولكن أفضل من ذلك أن يقوم بالليل وحده لا يراه أحد من الناس. الإنسان وهو في بيته إذا قام بالليل والناس نائمون ومع ذلك لم يقل: أنه مثل الناس فينام مثلهم، ولكن قام لله فصلى والناس نيام واستمتع بذلك؛ فهذا من أهل هذه الغرف التي يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها.

стр. 1787

فوائد صلاة الليل صلاة الليل تنير قلب المؤمن، وتنير وجهه، وتجعل المؤمن محباً للخير، محباً للطاعة، والذي صلى من الليل وصلى الفجر في جماعة أصبح وقد حفظه الله وحرسه الله سبحانه، فهو في حفظ الله سبحانه وفي كلئه، ويتوعد ربنا سبحانه من يؤذي الذي يصلي الفجر؛ لأنه في حفظ الله سبحانه، ويتوعد من يعاديه ومن يؤذيه؛ لأنه صلى لله الفجر فكان في حفظ الله سبحانه ﵎ فيصبح طيب النفس. وإذا ضيع صلاة الليل وضيع صلاة الفجر وكانت عادته ذلك فإنه يصبح خبيث النفس كسلان، ويقوم من النوم ويريد أن ينام مرة أخرى، ولا يريد أن يشتغل، لأنه تعبان ومتضايق، ولا يريد أن يكلم أحداً ويقوم من النوم ثم يمشي ولا يسلم على أحد، ولا حتى يرد ﵇، ولو أنه قام لله بالليل ثم صلى الفجر لجعل الله نفسه راضية طيبة، ووجهه منيراً من صلاته، ويجعل الله عليه الرضا وفيه الرضا، وتجده طيب النفس، والإنسان الذي لا يفعل ذلك تجد منه التكشير والعبوس والبعد والنفور، وهذا نتيجة للكابوس الذي كان عليه طول الليل في نومه وبعده عن ربه سبحانه ﵎. قال ﷺ : (فإن صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطاً طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان).

стр. 1788

فضل الرجل إذا أيقظ أهله من الليل فصليا ركعتين من الأحاديث العظيمة التي جاءت عنه صلوات الله وسلامه عليه ما رواه أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته). فصلاة الليل ليست مقصورة على واحد من البيت هو الذي يقوم الليل، ولكن يقوم الليل ويدعو زوجته أن تصلي ولو في آخر الليل، ولو أن تصلي ركعتين من آخر الليل، وبعد ذلك يرددان الأذان ثم يصليا صلاة الفجر فيكسبا الأجرين بذلك. ويدعو النبي ﷺ لهذا الرجل ويدعو لامرأته، فيقول: (رحم الله رجلاً قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) يعني احتال حيلة لكي يصحي زوجته، ونضح بمعنى رش، ولم يأت بماء وصبه عليها، والنضح بمعنى رش الماء اليسير بحيث يعينها على أن تقوم لتصلي، ودعا للمرأة أيضاً فقال: (ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء) إذاً: البيت فيه تعاون بين الرجل وبين المرأة على قيام الليل، وعلى ذكر الله سبحانه وعلى حبه، فهل يدخل الشيطان بيتاً مثل هذا؟ وهل يكون في هذا البيت من وساوس ومن بعد عن الله سبحانه؟ الجواب لا، طالما الرجل يخاف الله ويحب الله والمرأة كذلك، فتجد البيت بيتاً طيباً، والكل يحرص على العبادة، والكل يحرص على أن يقوم لله سبحانه ﵎ بالليل. أما فضل ذلك فقد روى أبو داود أيضاً عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : (إذا أيقظ الرجل أهله من الليل فصليا أو صلى ركعتين جميعاً كتبا في الذاكرين والذاكرات). وقال الله في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، فانظر للترقي فبدأ بالمسلمين، فالإسلام اشترك فيه الجميع، ثم يرقى درجة وراء درجة، وأعلى درجة يصل فيها الإنسان أن يكون من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، فهؤلاء الذين أتوا بكل الطاعات يجعلهم الله من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وطاعة الله سبحانه منها قيام الليل، أن يقوم الرجل ويوقظ امرأته فيصليا، فذكر في الحديث صلوات الله وسلامه عليه أنهما صليا ركعتين جميعاً، ركعتين ركعتين، حتى لو أن الرجل أم بامرأته فقرأ بها الفاتحة وقل هو الله أحد في ركعتين اثنين، فهذا من أقل ما يفعله المسلم مع زوجته، وكتبا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، ومع المداومة والمواظبة على ذلك تصير عادة للإنسان ويحب هذا الشيء. وقوله ﷺ : (فصليا أو صلى) أي: سواء أن كل واحد منهما صلى لوحده أو هما الاثنان صليا معاً، فيكتبان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات الذين أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً.

стр. 1789

تفسير سورة السجدة [١٦ - ٢٢] إن المؤمنين الصالحين لا يستوون مع الفاسقين الظالمين، فلكل فريق جزاء، فجزاء المؤمنين الصالحين الجنة، وجزاء الفاسقين الظالمين النار، والكافر له عذابان: عذابٌ في الدنيا، وعذاب في القبر ويوم القيامة.

стр. 1790

تفسير قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة السجدة: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٦ - ١٩]. يذكر الله في هذه الآيات وما قبلها صفات المؤمنين الصالحين الذين يؤمنون بآيات الله سبحانه ويقبلون عليها خاشعين متدبرين، ويخرون لله سبحانه سجداً مسبحين بحمده، لا يستكبرون عن عبادته، قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، فيقومون لله ليلاً طويلاً يصلون، أو بحسب ما يقدرون عليه. قال تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السجدة:١٦]، يعني: في جميع أحوالهم يدعون الله وليس في الصلاة فقط، ولكن الدعاء في اليوم كله ما استطاعوا، فيدعون الله سبحانه، ويسألونه من فضله، ويتعوذون به من عذابه، ويدعون ربهم خوفاً من ناره، ومن أن يحرموا من جنته سبحانه، وطمعاً في فضله وفي كرمه وفي رحمته وفي رضوانه، وينفقون لله من أموالهم ومما رزقهم الله، فالفضل من الله أولاً وآخراً، هو الذي أعطى الإنسان المال وأعطاه الصحة وأعطاه حياته، فهو الذي أعطاه من فضله ومن كرمه سبحانه، وهو الذي هداه ووفقه، فهم ينفقون مما رزقهم الله، ومما تفضل به عليهم، ولم يبخلوا وقد علموا أن المال مال الله سبحانه، والرزق رزقه سبحانه، وأن المال لا تنقصه الصدقة أبداً، فهم مما رزقهم الله ينفقون، قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦]. وفي هذه الآية إشارة إلى أن المال ليس مال العبد، وإنما هو رزق الله سبحانه، وفيه أيضاً أن الإنسان ينفق من القليل ومن الكثير، (مما) أي: من كل ما أعطاهم الله سبحانه، أعطاهم شيئاً يسيراً، أو آتاهم شيئاً كثيراً، فهم مما أعطاهم ينفقون، فيخرجون زكاة أموالهم، وينفقون النفقة الواجبة عليهم، ويتصدقون من أموالهم، فيزيد الله لهم أموالهم، فلا ينقص مال من صدقة أبداً.

стр. 1791

تفسير قوله تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) هؤلاء جزاؤهم عند الله جزاء عظيم، ولا يتخيل الإنسان عظمة هذا الثواب وفضل الله في ذلك، فلا تعلم نفس مهما أوتيت من علم: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]. قراءة الجمهور: ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، وقراءة حمزة والكسائي ويعقوب: ((مَا أَخْفَي)). على الماضي، والأولى على المبني للمجهول، أي: ما قد أخفي لهم، فبنى الفعل للمجهول، والمعنى: تعظيم هذا الشيء الذي قد أخفي لهم، والذي أخفاه هو الله سبحانه الذي خلقه، فقد أخفى عنهم ذلك ليعملوا بالغيب وللغيب، فهذا غيب الثواب، والجنة غيب، والنار غيب، فالإنسان يعبد ربه وهو مستيقن بهذا الغيب، ومستيقن بثواب الله سبحانه، فيستحق هذا الثواب الذي أخفاه الله سبحانه وآمن به العبد، فهؤلاء يؤمنون بالغيب، ويؤمنون بالجنة ولم يروها، ويخافون من النار ولم يروها، فلذلك استحقوا هذا الثواب من الله . والقراءة الأخرى: (مَا أُخْفِيَ لَهُمْ) أي: ما أخفيه على الفعل المضارع، أي: الذي أخفيه لهؤلاء من الثواب العظيم عندي. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، أي: مما تقر به أعينهم وتستقر وتفرح وتطمئن به، وتطمئن القلوب من قرة الأعين، فداخل الجنة يكون قرير العين، يعني: فرحان في غاية الفرح، يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، فهم في جنة يحبرون، ينعمون، ويسرون، وقال تعالى في سورة يس: ﴿فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥]، فرحون مسرورون، لا أحزان في الجنة، ولا خوف فيها، قال تعالى: ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]. هذا الجزاء من الله بسبب ما كانوا يعملون، بسبب العمل الذي عملوه في الدنيا، إذ عاشوا في الدنيا يعبدون الله سبحانه بالمعنى الأعم للعبادة، بصلاة، وصيام، وزكاة، وحج، وأمر بالمعروف، ونهي عن منكر، وجهاد في سبيله سبحانه، فهم يعبدون الله بأعمالهم وتقواهم، ويتقنون أعمالهم ويتقربون بها إلى الله سبحانه بكل ما فرضه الله عليهم وحثهم عليه، واستحبه منهم، فهم يفعلون ما يرضي ربهم سبحانه، فجازاهم الله بالجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. وفي الحديث: قال الله : أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، قال النبي ﷺ : (واقرؤوا إن شئتم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة:١٦]، إلى قوله سبحانه: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]). أيضاً جاء في صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله ﷺ قال: (سأل موسى ﵇ ربه فقال: يا رب! ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ فقال الله : هو رجل يأتي بعد ما يدخل أهل الجنة الجنة فيقال له: ادخل الجنة، فيقول: أي رب! كيف وقد نزل الناس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟! فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟)، هذا أقل أهل الجنة منزلة، يقال له: (أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت رب)، ويرضى بأقل من ذلك (فيقول: لك ذلك ومثله، ومثله ومثله معه، ومثله ومثله ومثله، فيقول في الخامسة: رضيت رب، فقال: هذا لك وعشرة أمثاله!) يعني رضي بالشيء الواحد مثل ملك من ملوك الدنيا، فقال: مثله ومثله، ومثله ومثله، ومثله خمس مرات، قال: رضيت رب، قال: وعشرة أمثال هذا أيضاً، هذا لأقل أهل الجنة منزلة. قال: (ولك ما اشتهت نفسك، ولذت عينك، فيقول: رضيت رب، قال: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردتهم، غرست كرامتهم بيدي) غرست، يعني: ما أكرمهم به في الجنة أنا بيدي فعلت لهم ذلك، قال: (غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها) يعني: أغلقتها وأخفيتها فلا يراها أحد أبداً، قال: (فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر). قال النبي ﷺ : (ومصداقه من كتاب الله: قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧])، هؤلاء أعلى أهل الجنة منزلة، نسأل الله أن يجعلنا منهم.

стр. 1792

تفسير قوله تعالى: (أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً لا يستوون) قال الله سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، هل الإنسان الذي آمن بالغيب وآمن بالله، وآمن بالجنة، وآمن بالنار، وآمن بوعد الله الحق، وآمن بكتابه، وآمن برسله، وآمن بقضاء الله وقدره، خيره وشره، حلوه ومره، يستوي مع الفاسق؟ أي: خلع عن نفسه عباءة الإسلام، وخرج من دين الله ، وخرج عن طاعة رب العالمين سبحانه، وإن زعم أنه على الإسلام، هل يستوي هذا المؤمن الذي يعمل مع هذا الفاسق الذي يفجر، والذي يبتعد عن شرع رب العالمين، والذي لا يريد دين الله سبحانه، والذي يعصي الله ليل نهار؟ هل يستويان؟ فالله هو الحكم العدل ، ومن حكمته سبحانه أنه خلق الخلق ليريهم آياته، وليدخل من يشاء منهم جنته، ويعذب من يشاء منهم بناره، فهل يستوي المطيع مع العاصي؟ قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة:١٨]، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق لا في الدنيا ولا في الآخرة.

стр. 1793

تفسير قوله تعالى: (أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلاً بما كانوا يعملون) فصل الله عدم الاستواء فقال: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩]، هذه أعمالهم، إنسان آمن بالله، وصدق واستيقن وعمل، هذا هو المؤمن، وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، أي: كل الأعمال الصالحة وكل عمل يرجى به رحمة رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ [السجدة:١٩] يؤويهم الله سبحانه، كما آواهم في الدنيا إلى بيوتهم، كما آواهم في الدنيا وأطمعهم وسقاهم، كذلك يؤويهم يوم القيامة فيدخلهم جنات عدن، فهي جنة مأوى، وجنة إقامة دائمة، يقيمون فيها فلا يظعنون منها، ولا يخرجون منها. وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ [السجدة:١٩] أي: كرامة من الله، وضيافة منه سبحانه، والنزل: أصله طعام الضيف، والمعنى: ننزلهم هذه الجنة ليقيموا فيها إقامة دائمة، ونحن نطعمهم، ونحن نسقيهم، ونحن نعطيهم هذا النزل، ليس من عند أحد من البشر، وليس من عند أحد من الملائكة، ولكن منا نحن، ﴿نُزُلًا﴾. وقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٩] أي: ثواباً من الله ، وما يهيأ لهم من الضيافة هذا من الله سبحانه جزاء على أعمالهم.

стр. 1794

تفسير قوله تعالى: (وأما الذين فسقوا فمأواهم النار) قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠]، هذا القسم الثاني: الإنسان الكافر الفاسق الذي يستكبر، والفاسق: الإنسان العاصي وإن كان مسلماً، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق أبداً، سواء كان فسقاً أكبر مخرجاً من الملة، أو فسقاً ليس مخرجاً من الملة، فلا يستوي المؤمن مع الفاسق، ولا يستوي المطيع مع العاصي، ولا يستوي البر مع الفاجر، ولا يستوي التقي مع الشقي، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة:٢٠]، هذا مكان الإيواء الذي يؤويهم، والذي لا يخرجون منه إلا ما شاء الله . قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠]، كأنهم توهموا أنهم يخرجون، والنار سوداء مظلمة والعياذ بالله، تدور بهم النار فتفور بهم، فإذا فارت صعدوا إلى أعلاها فظنوا أنهم يخرجون منها، فيريدون الخروج فتهوي بهم مرة ثانية، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ [السجدة:٢٠]، والعياذ بالله: ((أُعِيدُوا فِيهَا)). وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ [الحج:٢١]، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٢]، والمقامع: ما يقمع به الإنسان من مرازب من حديد، ومرزبة حديد يعني: مقلاع من حديد، يضربون بها على رءوسهم فيعادون إلى أسفل النار والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة:٢٠].

стр. 1795

تفسير قوله تعالى: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر) قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ [السجدة:٢١] أي: لنذيقنهم في الدنيا، ﴿مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، والعذاب الأكبر: في القبر، ويوم القيامة، لكن في الدنيا لا بد أن يعذب الله الكافر بما يبتليه من مصائب في الدنيا، ويبتليه بالحرمان، ويبتليه في الدنيا بعدم الاطمئنان، ويبتليه في الدنيا بعدم الراحة، وعدم الركون إلى الله ، فإذا بالكافر لا يستريح، فمهما أعطاه الله في الدنيا من مال وبنين ففي قلبه عدم الراحة، وهذا عذاب في الدنيا، فأنت تلاقي الكافر يعطيه الله أموالاً جمةً، وأشياء كثيرة ولا يُحَصِّل السعادة المنشودة، وفي النهاية ينتحر؛ لأنه لا يستشعر بالراحة التي يستشعرها الفقير المسلم، فالإنسان المؤمن بالله سبحانه يستشعر بالطمأنينة مع ربه سبحانه، يقول: يا ربي! يا ربي! يقول: لا إله إلا الله، يصلي لله سبحانه، ويستشعر بأنه في راحة عظيمة جداً، ولذلك كان يقول العباد من المؤمنين: نحن في نعمة لو علم بها الملوك لقاتلونا عليها، فالمؤمنون في نعمة وفي راحة، وفي طمأنينة وفي سعادة، لو علم بها الملوك لقاتلوهم عليها، وراحة القلب تكون بذكر الله سبحانه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فالمؤمن يطمئن قلبه بذكر الله، يقول: الله، فيستريح بذلك قلبه، ويقول: لا إله إلا الله ويعلم أنه يعبد إلهاً واحداً، هو الذي ينفعه، وهو الذي يضره سبحانه ﵎، وهو الذي يقدر على كل شيء، فيطمئن قلبه ويركن إلى ربه، ويتوكل عليه سبحانه، فيستريح من كل شيء. يقول الله سبحانه ﵎ في هؤلاء الكفار: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى﴾ [السجدة:٢١]، قالوا: هي مصائب الدنيا، وأسقام الدنيا مما يبتلى به العبيد، وأيضاً مما يذيق الله به الكفار من عذاب في الدنيا في جهاد مع المسلمين وغير ذلك. وقوله تعالى: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ [السجدة:٢١] عذاب النار وعذاب يوم القيامة. قال تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة:٢١] أي: لعلهم يتوبون إلى الله بما أذاقهم في الدنيا ويرجعون إليه.

стр. 1796

تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه) قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنْ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ [السجدة:٢٢]، فالإنسان الذي يذكر بالله سبحانه، ويرى أمامه هذه الآيات، ومع ذلك يعرض عن الله سبحانه، من أظلم منه؟ الجواب لا أحد أظلم منه، بل هذا أظلم الظلمة؛ لأنه عرف الحق ولم يتبعه وحاد عنه. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾ أي: سننتقم من هؤلاء الفجرة الكفرة الذين أعرضوا عن ذكر الله سبحانه، ننتقم منهم في الدنيا وفي الآخرة، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٤]، يذيقه في الدنيا الحياة الضنك الشديدة التي يسأم منها ويمل، من كثرة ما يبتليه الله حتى ولو أعطاه المال، ولكن يذيقه عذاب الدنيا وفتنها وبلاءها. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1797

تفسير سورة السجدة [٢٣ - ٣٠] يذكر الله عباده أنهم سيقفون يوم القيامة بين يديه فيحاسبهم على أعمالهم، ويفصل بينهم فيما كانوا فيه من خلاف في هذه المعبودات، وكما أن هذه الأرض تموت ثم يرسل الله عليها الأمطار فتحيا وتخرج خيراتها، فكذلك الإنسان سوف يموت ثم يحييه الله مرة أخرى للحساب والجزاء.

стр. 1798

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا منكم أئمة يهدون بأمرنا) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤] (منهم) تبعيض ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] وكلمة (أئمة) يقرؤها الكوفيون بهمزتين وكذلك يقرؤها هشام عن ابن عامر بهمزتين، أما باقي القراء فيسهلون الهمزة الثانية، ومبنى ذلك على اللغة العربية، فإن العرب في الغالب لا تجمع همزتين مع بعض كما في لفظ: آدم بهمزة وبعدها مد، فعلى ذلك قرءوها هنا بتخفيف الهمزة والتسهيل، فأكثر القراء ومنهم قالون وورش بخلفه، وابن كثير ورويس وأبو عمرو يقرءون: (أئمة) بتحقيق الهمزتين وغيرهم يقرءونها بالتسهيل هرباً من جمع همزتين مع بعض فيصعب النطق بها، ولهم في هذه الكلمة: (أئمة) أربع قراءات. قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] فالله جعل من هؤلاء أئمة يقتدى بهم، فهؤلاء الأئمة من بني إسرائيل كيف وصلوا إلى هذه المرتبة؟ قال الله : ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] لأنهم جاهدوا أنفسهم، وجاهدوا الخلق حتى وصلوا إلى درجة عظيمة من الصبر، فاستحقوا أن يتقدموا غيرهم، وأن يكونوا أئمة للخلق، فلم يكونوا كلهم أئمة، ولكن كان بعض منهم أئمة يهدون بأمرنا، يعني: بشرعنا أو لشرعنا، يهدون الناس بأمر الله، وبإذنه، وبشريعة الله التي أمرهم أن يدعوا الناس فيها، وكذلك يهدون بأمرنا، يعني: لشريعتنا ولديننا، وقراءة الجمهور: ﴿بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤] وقراءة حمزة والكسائي ورويس عن يعقوب: ﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ [السجدة:٢٤]، بكسر اللام، أي: بسبب صبرهم، فيكون المعنى: لما صبروا استحقوا أن يكونوا أئمة، فصاروا أئمة لصبرهم على دين الله سبحانه، وتمسكهم بدينهم. ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:٢٤]، كانوا مؤمنين بآيات الله ومستيقنين، لا شك في قلوبهم من وعد الله سبحانه ﵎.

стр. 1799

تفسير قوله تعالى: (إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة) قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة:٢٥] إن ربك هو وحده لا شريك له، الحكم يوم القيامة لله وحده لا شريك له، لا حاكم مع الله سبحانه، لا ملك مع الله سبحانه، فهو ملك الملوك، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكم الذي يحكم بين عباده يوم القيامة سبحانه وحده لا شريك له، وهو الذي يفصل ويقضي ويفتح ويحكم، وكلها بمعنى واحد، فإن فصل القضاء يوم القيامة لله وحده لا شريك له، إن ربك هو وحده لا شريك له الذي ﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة:٢٥]، فهو الذي يقضي، وهو الذي يحكم بين المؤمنين وبين الكفار، فيجازي كلاً بما يستحقه يوم القيامة، ويقضي بين الأنبياء وبين أقوامهم.

стр. 1800

تفسير قوله تعالى: (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [السجدة:٢٦] (أولم يهد لهم) أي: أو لم يتبين لهم؟ هلا ساروا في الأرض فنظروا واهتدوا أن الله سبحانه ﵎ قد أهلك أمماً سابقة كثيرين! ويتبين للناس بالبحث والتنقيب والسير في الأرض كيف أهلك الله السابقين، فيقولون: في هذا المكان كان الفراعنة فأهلكهم الله سبحانه، وهذه آثارهم، وفي هذا المكان كانت ديار عاد، وفي هذا المكان كانت ديار ثمود، فهؤلاء صنعوا وفعلوا وفعلوا، وهذه آخر حالهم فقد صاروا جيفاً، صاروا رمماً، وتبدلت أيامهم، وذهبت أحلامهم، وهذا واقعهم أمامنا. قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾، القرن: الزمن الذي يجمع أمة من الناس، فإذا فنيت هذه الأمة مضى قرن من القرون، وتأتي أمة تليها، مثلما نقول: القرن الذي كان فيه النبي ﷺ هو الزمن الذي اجتمع فيه النبي ﷺ مع قوم رأوه ﷺ ، وعاشوا معه ﵊، ثم مات هو ﷺ ومات أصحابه الذين رأوه، حتى مات آخر من رأى النبي ﷺ فانتهى هذا القرن. ثم القرن الذي يليه: قوم لم يروا النبي ﷺ ورأوا أصحابه ﵊، فإذا فني القرن الذي رأى النبي ﷺ ، ثم الذي رأى أصحابه ﵊، وقرن من بعدهم لم يلقوا الصحابة ولقوا الذين من بعدهم وهكذا، فهؤلاء قرون كثيرة، والبعض جعل مدة القرن مائة سنة أو دون ذلك، والغرض: أن القرن هو الذي يجمع أمة من الناس عاشوا معاً ثم انتهى آخرهم. قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، يمشي اللاحقون في مساكن السابقين، يعني: هذه كانت مساكن هؤلاء الأقوام، فلو كانوا عائشين هل كان أحد منهم يقدر على أن يأخذ مساكنهم؟! ولو كانوا عائشين هل كانوا سيضعونهم في متاحف يتفرجون عليهم؟! هذا فرعون وهذا فلان وهذا فلان لولا أن الله قد أهلكهم وأبادهم لما رأيتموهم، لو كانوا أحياء ما كان أحد يقدر على أن يأخذ منهم ذهبهم وحليهم وينظر إلى أجسادهم، ما كان أحد يقدر على ذلك لولا أن أبادهم الله وأفناهم سبحانه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ [السجدة:٢٦] فيها عبرة وتذكرة، ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة:٢٦] أي: هذه الآيات فيعتبرون بذلك، وأن كل من على هذه الدنيا يفنى ويبيد كما أباد الله هؤلاء السابقين.

стр. 1801

تفسير قوله تعالى: (أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة:٢٧]، في الآية السابقة وهذه الآية التذكرة بالموت والحياة، فالموت: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ [السجدة:٢٦]، وبعد الموت الدنيا فنيت ويكون البعث، كما أن الله يميت الأرض، ثم ينزل الغيث فيحييها سبحانه ﵎، فيكون فيه رجوع مرة ثانية للجزاء وللحساب، كما يحيي الله أمامكم الأرض الميتة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ﴾ [السجدة:٢٧]، السوق: الدفع، يسوق الله السحاب من مكان إلى مكان، فينزل الماء إلى الأرض الجرز، وأصل الجرز القطع، وكأنها هي التي انقطعت عن الإنبات لسبب من الأسباب، وانقطعت عن الإنبات، وفرق بين الأرض الجرز والأرض السبخة، الأرض السبخة لا تنبت، لا أمل في حياتها، فهي أرض سبخة لا تنبت شيئاً، والأرض الجرز ماتت بسبب نقص الماء، فينزل عليها الماء فيحييها الله أمام من ينظر إليها، قال سبحانه: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾ [السجدة:٢٧] أي: نخرج من هذه الأرض الميتة ﴿زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ﴾ [السجدة:٢٧] يخرج الزرع وهو قصير صغير فتأتي عليه الأنعام وتأكله، فإذا نبت هذا الزرع وصارت له سنابل وحبوب أكل منه الآدمي، فتأكل الأنعام ويأكل الإنسان. قوله: ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة:٢٧] أي: أفلا ينظرون فيعتبرون أن الله على كل شيء قدير، الذي أحيا هذه الأرض الميتة أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى؟ بلى إنه على كل شيء قدير.

стр. 1802

تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين) ولكن مع ذلك كله فهؤلاء الكفار يجادلون ويقولون: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة:٢٨]، ما زلتم تقولون: ربنا سيفتح لكم، ربنا سيحكم لكم، سيقضي لكم، سيكون لكم النصر علينا، سنبعث يوم القيامة! فمتى سيكون هذا الكلام كله الذي تقولون؟ ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة:٢٨]، والجواب من الله سبحانه: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة:٢٩]، يوم أن نحكم ونقضي وننصر المسلمين ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة:٢٩]. والكافر لو انتصر عليه المسلم هل ينفعه إيمانه؟ نقول: ينفع الإيمان في وقت ولا ينفع في وقت آخر، فإذا دخل الإنسان في هذا الدين نفعه حتى ولو كان كافراً مهزوماً، ودعي إلى الدين فدخل فيه، حتى لو رفع عليه السيف فوق رقبته وقال: لا إله إلا الله عصم دمه، فلا يقتل في هذه الحالة، وينفعه إيمانه إذا كان صادقاً في قلبه، ولكن الكافر الذي يضرب بالسيف، فيموت فيعاين الملائكة لا ينفعه إيمانه في هذه اللحظة، فوقت الغرغرة لا ينفع الإيمان، ووقت خروج الروح لا ينفع الإيمان، فإذا شاهد الكافر الملائكة وهي تأخذ روحه من جسده فقال: آمنت، لا ينفعه الإيمان ذلك حين ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، ففي وقت انتصار المسلمين وقتلهم للكفار، ووقت معاينة الكافر للملائكة، فتقبض روحه؛ لا ينفعه الإيمان، كذلك يوم القيامة، يوم أن يصير الغيب شهادة، ويصير الشيء الذي كان لا يراه الإنسان ماثلاً أمام عينيه، فلا ينفعه إيمانه إذا جاء يوم القيامة ورأى الملائكة، ورأى الجنة والنار وقال: آمنا ربنا أرجعنا ربنا صدقنا وآمنا، لا ينفعه طالما أنه لم يؤمن من قبل. قال سبحانه: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة:٢٩]، والفتح له معان منها: الفتح والفصل والقضاء الذي يقضيه الله عز جل بين عباده، إما بنصر المؤمنين على هؤلاء، فهو فتح في الدنيا، أو بالقضاء يوم القيامة، فهو الفتح والفصل من الله بين العباد. يقول سبحانه: ﴿لا يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة:٢٩]، يطلبون الانتظار والرجعة مرة ثانية إلى الدنيا ليعملوا. قال الله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [السجدة:٣٠] أعرض عن هؤلاء، أعرض عن جدالهم وكلامهم الذي يقولونه: ﴿وَانْتَظِرْ﴾ [السجدة:٣٠] أمر الله سبحانه، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنتَظِرُونَ﴾ [السجدة:٣٠]، فهم ينتظرون عذاب رب العالمين، ويدعون: ربنا عجل لنا قطنا، وعذابه آتيهم آتيهم! فاصبر أنت حتى يأتي أمر الله. نسأل الله أن يعز الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفر والمشركين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1803

تفسير سورة الأحزاب - مقدمة سورة الأحزاب سورة مدنية، نزلت على النبي ﷺ بالمدينة، وسميت بالأحزاب لأنها ذكرت تحزب المشركين وتجمعهم على رسول الله، وقد ذكرت ما امتن الله به على المؤمنين في هذه الغزوة، وأخبر الله عن المنافقين وما يلمزون به النبي ﷺ والمؤمنين، ونهت النبي ﷺ عن طاعتهم وطاعة الكافرين المحاربين لله ورسوله، وذكر بعضاً من الأحكام المتعلقة بالنساء والإرشادات والآداب التي ينبغي فعلها والتحلي بها.

стр. 1804

مقدمة عن سورة الأحزاب الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:١ - ٤].

стр. 1805

مكان النزول وسنته السورة الثالثة والثلاثون من كتاب الله رب العالمين هي سورة الأحزاب، وهي من السور المدنية بالاتفاق، وإن ذكروا في سنة نزولها قولين: أحدهما: أنها نزلت في سنة أربع من هجرة النبي ﷺ ، والآخر: في سنة خمس، وهذا هو الأرجح، فإنها نزلت في شأن الأحزاب وهي غزوة الخندق وكانت في شوال سنة خمس من هجرة النبي ﷺ .

стр. 1806

سبب التسمية وسميت بالأحزاب؛ لأن أحزاب المشركين تجمعوا على النبي ﷺ من قريش ومن معهم من الأحزاب وأتوا إلى المدينة، وكان عدد هؤلاء الأحزاب من قريش والأحابيش وكنانة وغطفان حوالي عشرة آلاف من المقاتلين، وكان عدد جيش المدينة لا يتجاوز الثلاثة آلاف. فكان الأحزاب ثلاثة أضعاف المسلمين، والمسلمون لم يكن لهم طاقة بقتال هؤلاء، لذلك كان الحل أن يستشير النبي ﷺ المؤمنين، فكان في النهاية أن وصلوا إلى أن يحفروا خندقاً بينهم وبين المشركين فمن عبر إليهم عن طريق الخندق قاتلوه، وكان أمر الله سبحانه فلم يقاتل المسلمون إلا فرادى، وجاء النصر من عند الله ، فقلب الجيش رأساً على عقب بأن أرسل عليهم الرياح فهرب الجيش كله خوفاً مما حدث، وظنوا أن النبي ﷺ هاجمهم، وكان النصر من عند الله سبحانه، لم يكن لأحد فيه بلاء ولا قتال إلا شيئاً يسيراً من أفراد المسلمين كـ الزبير وغيره رضي الله ﵎ عنه.

стр. 1807

رقم السورة وعدد آياتها وهذه السورة في عداد نزول القرآن تعتبر السورة التسعين، وفي عد المصحف هي السورة الثالثة والثلاثون، وذكروا أنها نزلت بعد سورة آل عمران وقيل: نزلت بعد سورة الأنفال، ونزلت قبل سورة المائدة. وعدد آيات هذه السورة ثلاث وسبعون آية أيضاً اتفاقاً، فليس هناك خلاف بين أهل العد، وإن كانت هذه السورة لما نزلت كان عددها أكثر من ذلك، ونسخ منها ما شاء الله ، ولذلك جاء في حديث في مسند الإمام أحمد أن زر بن حبيش قال: قال لي أبي بن كعب: كأين تعدون سورة الأحزاب، أي: تعدون هذه السورة كم آية؟ قال: قلت: نعدها ثلاثاً وسبعين آية، قال: فوالذي يحلف به إن كانت لتعدل سورة البقرة، ولقد قرأنا فيها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)، فرفع فيما رفع.

стр. 1808

النسخ في القرآن الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:١ - ٤].

стр. 1809

وقوع النسخ في القرآن فالغرض أن هذه السورة من السور التي نسخت منها آيات وكانت سورة كبيرة، والله ينسخ بمعنى: يرفع، فهو إما أن يرفع الآية تلاوة وحكماً، وإما أن يرفعها تلاوة فقط ويبقى الحكم، وإما أن يرفعها حكماً فقط وتبقى التلاوة. فالله ينسخ ما يشاء سبحانه، وقد ذكر في سورة البقرة: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:١٠٦]، فالله على كل شيء قدير. فيأتي بأحكام للعباد، ويبتلي عباده بآياته وأحكامه أيؤمنون أم يكفرون؟ وجههم إلى الكعبة بعد أن كانوا متوجهين إلى بيت المقدس، فكان النبي ﷺ في مكة يصلي إلى الكعبة متوجهاً إلى بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة لم ينفع هذا الأمر، فهو إما أن يتوجه إلى الكعبة، وإما إلى بيت المقدس، فتوجه إلى بيت المقدس وظل على ذلك ثمانية عشر شهراً أو نحوها. وبعد ذلك إذا بالله يوجهه إلى الكعبة كما قال تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فإذا بالمنافقين واليهود يقولون: إما أنه كان على الصواب فتغير إلى الخطأ، وإما أنه كان على الخطأ فتغير إلى الصواب، وفي كلا الحالتين كان مخطئاً في ما يفعل، وهذا التشكيك لإلقاء الشك في قلوب المؤمنين. والنبي صلوات الله وسلامه عليه على الحق دائماً، فما ينطق عن الهوى، ولا يفعل شيئاً من تلقاء نفسه، ولكن بأمر الله ، ولذلك كذبهم الله فيما قالوا وقال لنبيه ﷺ : ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥]، وسواء وجهكم إلى المشرق أو إلى المغرب فالله له أن يوجه إلى ما يشاء، وطالما أنتم مطيعون لله في توجهكم فأنتم على الحق وأنتم على عبادته . وكذلك في إنزاله القرآن، فإنه ينزل آيات بغرض معين ثم بعد ذلك إما أن يستمر الحكم فيها، وإما أن ينسخه الله لحكمة عنده، وقد تعلم هذه الحكمة لنا أو تخفى عنا. ولذلك لما أراد الله أن يحرم الخمر إذا به يتدرج مع الناس في تحريمها، فعرفنا الحكمة وهي أنه لو أمر مرة واحدة بترك الخمر لما تركها الناس، ولكن الله بدأ يشير إلى أن الخمر فيها مفاسد وأن فيها إثماً، وأن فيها إذهاباً لعقل الإنسان، ولهواً عن الصلاة. فنهاهم أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣]، ثم يتدرج معهم عن الخمر والميسر فيقول: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩]، ثم يأتي التحريم القاطع على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠]. فهنا تدرج مع العباد، فلما أنزل آيات فإذا بالنبي ﷺ يقول لأصحابه: (إني أرى الله يشير بتحريم الخمر أو يعرض بتحريمها، فمن كان عنده شيء منها فليتخلص منها ببيع ونحوه)، أو كما ذكر صلوات الله وسلامه عليه. فهنا الإشارات في الآيات الأول، وفيها تعريض للمسلمين بأن الخمر ستحرم، وتنبيه بأن لا يضع أحد ماله في الخمر فتدرج معهم شيئاً فشيئاً فقال، (فمن كان عنده شيء منها)، وهذا في وقت لم يحرمها الله ، فإذا بالرجل منهم يبيعها ويتخلص منها. ومن بقيت عنده بقايا منها إذا به تنزل عليه آيات التحريم فيتخلص منها فوراً؛ لأنها صارت محرمة.

стр. 1810

الحكمة من النسخ والغرض أن النسخ له حكمة من الله ، منها التدريج في التشريع كما هنا، ومنها أن الله يختبر عباده هل يطيعونه أم أنهم يتشككون ويرتابون في الدين؟ فإذا به ينسخ أشياء ، ويبقيها في كتابه مثل عدة المرأة التي توفى عنها زوجها فذكر الله حكمها بقوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠]، أي: أن المرأة تمكث في بيتها معتدة حولاً كاملاً. ثم خفف الله ذلك وقال: ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤]، فحكمة النسخ هنا هي التخفيف. وقد يكون من الحكم فيها التثقيل وذلك بأن يشدد على العباد بشيء، أو التثقيل مع التخفيف مثل أمره بالصيام، فإن أول ما فرض الصيام على العباد كان من العشاء إلى غروب شمس اليوم الثاني، أي: يصومون ثلاثة وعشرين ساعة في اليوم أو نحو ذلك فهذا كان ثقيلاً عليهم، ولكن مع هذا التثقيل جعل تخفيفاً وهو أنه من شاء أن يصوم فليصم، ومن أراد الفطر فله ذلك لكن بشرط أن يطعم مسكيناً بدلاً عن ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]، فلهم أن يصوموا ولهم أن يفطروا ولكن يطعمون مسكيناً مكان إفطارهم. فهنا تثقيل في شيء وتخفيف في شيء آخر، ثم نسخ بعد ذلك بالأمر بالصيام، فكان فيه شيء من التخفيف وشيء من التثقيل إذ لابد أن تصوم، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥]، وخفف في شيء آخر وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:١٨٧]. فجعل هنا تخفيفاً وهو الصيام من الفجر إلى غروب الشمس، فقد كان فيه تثقيل فنسخ الأثقل بالأخف، وكان هناك تخفيف من ناحية التخيير فنسخ الأخف بالأثقل والله يفعل ما يشاء . ومن الحكم أيضاً ابتلاء العباد؛ لأن العبد مخلوق ليطيع الله ﵎، فإذا أمر بطاعة فلابد أن يجعل له اختياراً؛ لينظر هل يختار الطاعة أم أنه يأنف من ذلك ويرفض ويستكبر ويترك طاعة الله ؟ ومن ذلك ما نسخ من آيات كاملة وإن بقي من أحكامها، وذلك مثل نسخ الآية التي كانت في سورة الأحزاب وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم)، فقد كانت آية في سورة الأحزاب ثم نسخت تلاوة وبقيت حكماً. فرفع الله تلاوتها، لكن أبقى حكمها وهو أن الإنسان إذا كان محصناً أي: متزوجاً سواء كان صغيراً أو كبيراً ووقع في الزنا فعليه الرجم، والآية ذكرت الشيخ والشيخة، وسنة النبي ﷺ جارية حتى فيمن هم دون ذلك فرجم ماعزاً، ورجم الغامدية اللذين زنيا. فالغرض أن الله قد ينسخ الآية تلاوة ويبقي حكمها، فهذه السورة من السور التي كانت آياتها أكثر من ذلك فرفع الله ما شاء منها وبقيت هذه الآيات الثلاث والسبعون محكمة، وأمر الله فيها بما شاء.

стр. 1811

ما اشتملت عليه سورة الأحزاب أغراض السورة يعني: ما أشارت إليه هذه السورة من أولها إلى آخرها: يذكر الله في أولها قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]. وهذه السورة ترد على الكفار والمنافق، فهم طلبوا من النبي ﷺ شيئاً، فالله حذره أن يطيع هؤلاء الكافرين والمنافقين، وكان من اعتراضهم على النبي ﷺ أنه كيف يتزوج بـ زينب بنت جحش وهي ابنة عمه، وكان قد زوجها مولاه زيد بن حارثة، وزيد بن حارثة كان حراً في البداية، ولكن خطفه بعض العرب من أهله، ثم باعوه، فوصل إلى خديجة بنت خويلد ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه النبي ﷺ وتبناه ﵊. فصار ابناً للنبي ﷺ على ما كان عليه أمر العرب الأول، ولما تبناه وأحبه النبي ﷺ شرفه بأن جعله يتزوج ابنة عمه وهي السيدة زينب بنت جحش، وهي شريفة من آل النبي ﷺ ، وهو مرتبته أنه كان عبداً، فأنفت من ذلك، ولهذا لم تدم العشرة بينهما، فالنبي ﷺ كان يأتيه زيد ويريد أن يفارقها ويريد أن يطلقها، فيقول له: اتق الله واصبر كما حكى الله أنه كان يقول: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، حتى أخبره ربه سبحانه أن زيداً لن يعيش معها، بل سيفارقها وستتزوجها أنت يوماً من الأيام، فإذا به يستحيي صلوات الله وسلامه عليه، فيأتيه زيد ويقول للنبي ﷺ : إني أريد أن أفارقها، فإذا بالنبي ﷺ يستحيي فيقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك. فإذا بالله يعاتبه في ذلك ويقول: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧]. والنبي ﷺ مستحيل أن يخفي شيئاً من كتاب الله أو من شرع الله سبحانه، فإذا كان في هذا الأمر البسيط الذي انبنى على حيائه ﷺ حيث كان يقول: اتق الله وأمسك عليك زوجك. فقد كان في خاطر النبي أنه إن طلقها تزوجتها كما أمر الله، وليس بلازم علي أن آمره بطلاقها، فهذا ما كان يجول في خاطره، فإذا بالله يعاتبه ويقول: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فمهما أخفاه النبي ﷺ فالله يبديه سبحانه، ولم يكن ليخفي شيئاً أبداً صلوات الله وسلامه عليه من شرع الله وقد قال له ربه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]. فهنا لما طلقها زيد إذا بها تصير شيئاً كبيراً في نظره، فبعد أن طلقها صار يهابها، ويعلم أنها لا تليق إلا بالنبي ﷺ ولا تليق بـ زيد، فتزوجها النبي ﷺ وصارت أماً للمؤمنين بما فيهم زيد الذي كان زوجاً لها في يوم من الأيام. وإذا بالمنافقين يتكلمون في هذا الشيء، ويقولون: كيف يتزوج زوجة ابنه؟ وهو يقول لنا: الرجل يحرم عليه أن يتزوج زوجة ابنه، فإذا بالله يكذبهم في ذلك، ويخبر أن هذا ليس ابناً على الحقيقة، وكذلك كل من ادعيتموه من أولاد ليسوا أبناءكم، بل قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وإذا بالله يشرع أنه لا يجوز التبني. فيجوز أن تكفل اليتيم، وتربيه، أما أن تتبناه ويصير ابناً لك فلا يجوز ذلك، وهذا الأمر أمر عصيب على إنسان جربه، فلو أن إنساناً أخذ طفلاً من ملجأ ونسبه إلى نفسه ورباه فترة طويلة إلى أن كبر وصارت بينهما علاقة، وشفقة، فإنه يصعب عليه أن يقول له: لست ابني. فلو أن الله أنزل للناس هذا الحكم لكان يصعب عليهم تطبيقه، فإذا بالله ينزله أول مرة في النبي ﷺ حتى نقتدي به، فإذا بالناس منهم من يقول: أأحب هذا أكثر من حب النبي ﷺ لـ زيد؟ لا يكون أبداً، وهل هو متعلق بي أكثر من تعلق زيد بالنبي ﷺ ؟ لا يمكن أن يكون هذا الشيء، فإذا بالنبي ﷺ يأمره ربه أن فارق هذا؛ فإنه ليس ابناً لك، ولكن ادعه لأبيه، فإذا به بعد أن كان اسمه زيد بن محمد ﵊ يعود إلى اسمه الأول زيد بن حارثة. أما كونه كان حبيباً للنبي ﷺ فهذا لم ينقطع، إذ هو حبيب للنبي ﷺ ، وابنه أسامة بن زيد حبيب للنبي صلوات الله وسلامه عليه أيضاً. إذاً: من أغراض هذه السورة تحريم التبني، وبدأ الله بنبيه ﷺ في ذلك. ومن أغراضها: أنه يجوز لمن كان قد تبنى إنساناً أن يتزوج زوجة متبناه إن طلقها؛ لأنه ليس حماً لها على الحقيقة. ومن أحكام هذه الآية أن الله يخبرنا أن الحق في قوله، وأنه العليم الخبير بأعمال العباد سبحانه، يقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١١]، ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة:٢٣٤]، ويقول تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]. فمهما قلتم من شيء عارض كلام الله فكلام الله الحق وكلامكم الباطل، فخذوا بكلام الله . ومن أغراض هذه السورة التنبيه على ولاية النبي ﷺ للمؤمنين، بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٦]، أي: حتى من أنفسهم، فإذا اختار الإنسان لنفسه شيئاً، واختار له النبي ﷺ شيئاً آخر فليأخذ هذا الذي اختاره النبي ﷺ ؛ لأنه أولى به من نفسه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1812

تفسير سورة الأحزاب الآية [١] النبي ﷺ هو أتقى الناس لله وأعلمهم به، ولكن الله يأمره بالتقوى بقصد المداومة عليها، ومن أجل أن يتبعه المؤمنون على ذلك، وقد حذره الله من طاعة الكفار والمنافقين؛ لأنهم يريدون فساد الدين.

стр. 1813

الكلام عن موضوعات سورة الأحزاب وأهم ما ذكر فيها أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:١ - ٤]. وقد قدمنا أن هذه السورة الكريمة من السور المدنية، وأن آيات هذه السورة ثلاث وسبعون آية، وأنها نزلت في غزوة الأحزاب أو بعدها في أواخر سنة خمس من الهجرة على الصحيح فيها، وقد كانت غزوة الأحزاب في شوال أو في ذي القعدة من سنة خمس. وقد نزلت هذه السورة على النبي ﷺ لتبين له أحكاماً من أحكام المنافقين والكافرين وغيرهم، فبدأ ربنا فيها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]. وقد كان عدد الكفار لما أتوا إلى النبي ﷺ وهو في المدينة عشرة آلاف وعشرة رجال، وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف، فقد تجمعت قريش والأحابيش وغطفان وغيرهم وجاءوا للنبي ﷺ ، فما كان منه ﷺ إلا أن استشار المؤمنين، فأشار عليه بعضهم بأن يحفر خندقاً بينه وبينهم، فكان الأمر وجاء النصر من عند الله سبحانه كما ذكرنا. والحق أن أهم ما ذكر في هذه السورة: هو الرد على الكفار والمنافقين؛ لأنهم تقولوا بأقوال كاذبة فردها الله عليهم، وفيها الرد على قولهم لما تزوج النبي ﷺ بـ زينب بنت جحش كيف يتزوج بامرأة ابنه وقد حرم ذلك ربنا ﵎؟ فرد ربنا سبحانه بالنهي عن التبني وإبطال نسبة الولد إلى أبيه بالتبني، وذلك في قوله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. فالاختيار يكون لله ، فهو من يختار لنا ما يليق بنا وينفعنا ثم يعلم النبي ﷺ بالوحي؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فإذا اختار لنا شيئاً فالخيرة فيما اختاره الله سبحانه وما اختاره النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. كذلك يوجد في هذه السورة تحريض للمؤمنين على التمسك بشرع الله ﵎ كما ذكر أنه أخذ العهد على النبيين من قبل النبي ﷺ بذلك، فقد أخذ العهد والميثاق على النبي ﷺ وعلى نوح والنبيين من بعد نوح ﵊. وفيها: وجوب التمسك بعهد الله وميثاقه الذي أمر به. وأيضاً الاعتبار بما أظهره الله بنصر المؤمنين على أعدائهم من الكفرة، فيعلم الإنسان أن النصر من عند الله؛ لأن المؤمنين إذ ذاك لم يتوقعوا انتصاراً في هذه الغزوة؛ وبالذات لأن عددهم ثلاثة آلاف وعدد الكفار عشرة آلاف. وقد جعلوا حصناً منيعاً بينهم، حتى اضطر المؤمنون إلى اللين مع اليهود حتى يحفظ اليهود ظهورهم، فإذا باليهود يغدرون بالنبي ﷺ ، فأصبح المشركون من أمامهم واليهود من ورائهم، فشعر المسلمون أنهم بين فكي كماشة. ثم إذا بالنصر يأتي من عند رب العالمين ﵎، في وقت يأس المسلمين من النصر، فإذا به يأتي من عند الله من حيث لا يتوقعون، فأرسل الرياح حتى جعلت الكفار يهربون ظناً منهم أن المؤمنين قد هاجموهم في ذلك الوقت، ففيها: أن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر متى يشاء سبحانه إن استحقه المؤمنون. وفيها أيضاً: الثناء على صدق المؤمنين وثباتهم في الدفاع عن دين رب العالمين ، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، فمن كان بهذه الصفة صح فيه المدح ودخل تحت هذه الآية. وفيها أيضاً: إظهار نعم الله على المؤمنين بأن مكنهم من الكفار ومن أهل الكتاب، وجعل لهم ديارهم وأموالهم، وجعل لهم الظهور عليهم، فهذه نعمة من الله ﵎ بأن نصر المؤمنين وأعطاهم الغنائم والفيء. وفيها أيضاً: ذكر أحكام العشرة الزوجية، وما يكون من الرجل مع أهله، وكيف يتزوج الإنسان، وكم هو العدد المسموح به في الشرع، وبيان خصوصية النبي ﷺ في هذا وأن المؤمنين لا يدخلون معه في ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم ما ينفع له وما ينفع للمؤمنين فشرع ذلك . وفيها كذلك: ذكر عدة المطلقة قبل الدخول بها والبناء عليها. وفيها أيضاً: ما ذكره سبحانه من صفات المنافقين، وكيف أنهم يرجفون بالمؤمنين، وأنهم أشد الناس جبناً وخوفاً مع ادعائهم القوة والشجاعة. ثم اختتمت هذه السورة بالذي افتتحت به، فكما قال سبحانه في أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] قال في آخرها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]. فذكرهم في أولها ثم بين عاقبتهم في آخرها وما هم صائرون إليه، وفي هذه السورة أيضاً: بيان القدوة والأسوة الحسنة وهو النبي ﷺ ، والحث على التأسي والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1814

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:١ - ٤]. وقد قدمنا أن هذه السورة الكريمة من السور المدنية، وأن آيات هذه السورة ثلاث وسبعون آية، وأنها نزلت في غزوة الأحزاب أو بعدها في أواخر سنة خمس من الهجرة على الصحيح فيها، وقد كانت غزوة الأحزاب في شوال أو في ذي القعدة من سنة خمس. وقد نزلت هذه السورة على النبي ﷺ لتبين له أحكاماً من أحكام المنافقين والكافرين وغيرهم، فبدأ ربنا فيها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]. وقد كان عدد الكفار لما أتوا إلى النبي ﷺ وهو في المدينة عشرة آلاف وعشرة رجال، وكان عدد المسلمين يومئذ ثلاثة آلاف، فقد تجمعت قريش والأحابيش وغطفان وغيرهم وجاءوا للنبي ﷺ ، فما كان منه ﷺ إلا أن استشار المؤمنين، فأشار عليه بعضهم بأن يحفر خندقاً بينه وبينهم، فكان الأمر وجاء النصر من عند الله سبحانه كما ذكرنا. والحق أن أهم ما ذكر في هذه السورة: هو الرد على الكفار والمنافقين؛ لأنهم تقولوا بأقوال كاذبة فردها الله عليهم، وفيها الرد على قولهم لما تزوج النبي ﷺ بـ زينب بنت جحش كيف يتزوج بامرأة ابنه وقد حرم ذلك ربنا ﵎؟ فرد ربنا سبحانه بالنهي عن التبني وإبطال نسبة الولد إلى أبيه بالتبني، وذلك في قوله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]، وقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. فالاختيار يكون لله ، فهو من يختار لنا ما يليق بنا وينفعنا ثم يعلم النبي ﷺ بالوحي؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فإذا اختار لنا شيئاً فالخيرة فيما اختاره الله سبحانه وما اختاره النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم. كذلك يوجد في هذه السورة تحريض للمؤمنين على التمسك بشرع الله ﵎ كما ذكر أنه أخذ العهد على النبيين من قبل النبي ﷺ بذلك، فقد أخذ العهد والميثاق على النبي ﷺ وعلى نوح والنبيين من بعد نوح ﵊. وفيها: وجوب التمسك بعهد الله وميثاقه الذي أمر به. وأيضاً الاعتبار بما أظهره الله بنصر المؤمنين على أعدائهم من الكفرة، فيعلم الإنسان أن النصر من عند الله؛ لأن المؤمنين إذ ذاك لم يتوقعوا انتصاراً في هذه الغزوة؛ وبالذات لأن عددهم ثلاثة آلاف وعدد الكفار عشرة آلاف. وقد جعلوا حصناً منيعاً بينهم، حتى اضطر المؤمنون إلى اللين مع اليهود حتى يحفظ اليهود ظهورهم، فإذا باليهود يغدرون بالنبي ﷺ ، فأصبح المشركون من أمامهم واليهود من ورائهم، فشعر المسلمون أنهم بين فكي كماشة. ثم إذا بالنصر يأتي من عند رب العالمين ﵎، في وقت يأس المسلمين من النصر، فإذا به يأتي من عند الله من حيث لا يتوقعون، فأرسل الرياح حتى جعلت الكفار يهربون ظناً منهم أن المؤمنين قد هاجموهم في ذلك الوقت، ففيها: أن الله سبحانه وعد المؤمنين بالنصر متى يشاء سبحانه إن استحقه المؤمنون. وفيها أيضاً: الثناء على صدق المؤمنين وثباتهم في الدفاع عن دين رب العالمين ، كما قال الله سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، فمن كان بهذه الصفة صح فيه المدح ودخل تحت هذه الآية. وفيها أيضاً: إظهار نعم الله على المؤمنين بأن مكنهم من الكفار ومن أهل الكتاب، وجعل لهم ديارهم وأموالهم، وجعل لهم الظهور عليهم، فهذه نعمة من الله ﵎ بأن نصر المؤمنين وأعطاهم الغنائم والفيء. وفيها أيضاً: ذكر أحكام العشرة الزوجية، وما يكون من الرجل مع أهله، وكيف يتزوج الإنسان، وكم هو العدد المسموح به في الشرع، وبيان خصوصية النبي ﷺ في هذا وأن المؤمنين لا يدخلون معه في ذلك؛ لأن الله سبحانه يعلم ما ينفع له وما ينفع للمؤمنين فشرع ذلك . وفيها كذلك: ذكر عدة المطلقة قبل الدخول بها والبناء عليها. وفيها أيضاً: ما ذكره سبحانه من صفات المنافقين، وكيف أنهم يرجفون بالمؤمنين، وأنهم أشد الناس جبناً وخوفاً مع ادعائهم القوة والشجاعة. ثم اختتمت هذه السورة بالذي افتتحت به، فكما قال سبحانه في أولها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] قال في آخرها: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٧٣]. فذكرهم في أولها ثم بين عاقبتهم في آخرها وما هم صائرون إليه، وفي هذه السورة أيضاً: بيان القدوة والأسوة الحسنة وهو النبي ﷺ ، والحث على التأسي والاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1815

الفرق بين النبوة والرسالة قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]. وهذا أمر للنبي ﷺ بتقوى الله، مع أن النبي صلوات الله وسلامه عليه هو أتقى الخلق لربه ﵎ وهو أعلم بما يتقي، فإذا أمر النبي ﷺ بالتقوى كان غيره من باب أولى أن يؤمر بتقوى الله سبحانه. والتقوى: هي المدافعة عن النفس، فتتقي الشر والظلم بأن تجتنب ذلك وتخاف أن يصيبك منه شيء، وتتقي الله بمعنى: تدفع غضب الله عنك بعملك الصالح، فتخاف من عذابه وعقوبته، وتدفع ذلك بالإيمان بالله سبحانه والعمل الصالح. قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، وهذه قراءة الجمهور. وقرأ نافع (النبيء) في كل القرآن بإلحاق الهمزة، وأصلها من النبوءة، أي: أنه أخبر بالغيب، فهو المنبأ صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: فالنبي هو المبلغ أخبار الله مما غاب عن الخلق، فهو منبئ مخبر بما غاب عن غيره من وحي الله ﵎، والرسول: هو الذي أرسل برسالة من الله ، والنبي هو المنبأ بوحي أو بغيب وأمر بتبليغ هذا الشيء الذي غاب عن غيره، كتوحيد الله والأعمال الصالحة من الصلاة والصيام والزكاة والجهاد إلخ. والفرق بين النبي والرسول: هو أن النبي من يحكم بشرع من قبله من الأنبياء، أما الرسول فهو صاحب كتاب منزل من الكتب السماوية؛ فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً، وقد نبئ النبي ﷺ لما أمره الله سبحانه بقوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، ثم أرسل بالمدثر والمزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]، أي: اذهب وأنذر الناس وبلغ رسالة الله سبحانه كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧]. وصاحب الرسالة أعلى وأشرف من صاحب النبوة؛ ولذلك كان أولو العزم من الرسل لا من الأنبياء كنوح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وكذلك موسى وعيسى ونبينا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

стр. 1816

بيان خطر الكفار والمنافقين على المجتمع الإسلامي قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]. فأمره الله بتقواه، ونهاه أن يطيع الكافرين والمنافقين فقال: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، وطاعة الكفار المنافقين شر كلها؛ لأن الكافر يأمرك بالمنكر، فليس بعد الكفر ذنب، وإذا كانت علاقته بالله سبحانه مبنية على الجحود والنكران والكفر بالله فكيف ستكون علاقته مع الخلق؟! ولذلك حذرنا الله بقوله: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب:١]؛ فإنه يأمرك بالكفر بالله سبحانه، ولن يرضى عنك الكافر أبداً حتى تصير مثله، حتى وإن قال لك: إن هناك تسامحاً في الأديان، فكلنا شيء واحد تحت مظلة الإنسانية والحرية، فهو كذاب في دعواه، بل قد يكون من أكثر الناس دعوةً إلى الكفر والباطل. وقد يزعمون أن هذه الدولة دولة علمانية ثم إذا خالف أحد نظامها قالوا عنه: إنه من اليمين المتطرف، أي: يدعو الناس إلى التطرف، ومثل هؤلاء يعرفون في لحن القول كما قال الرئيس الأميركي في حرب العراق: إنها حرب صليبيه، فهم في الحقيقة يحاربون لا لشيء إلا للدين، وصدق الله العظيم إذ يقول محذراً المؤمنين: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]. ومع ذلك تجد المسلمين يتناسون ذلك ويتغافلون عنه، ويصدقون كلام هؤلاء الكذابين الذين ينادون بحرية الأديان والتسامح الديني وحرية المرأة ونزع الحجاب؛ حتى لا يكون هناك فرق بين المسلمين والكفار؛ ولذلك تجد الكفار يسعون جاهدين لتحرير المرأة راجين بذلك الوصول بالمسلم إلى أوحال المعاصي والمنكرات، وما ذلك إلا بسبب الغل والغيظ والحقد الذي يكنونه للمسلمين ولدين الإسلام؛ ولذلك فالله يحذرنا من طاعة الكفار فيقول: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب:١]؛ فإنهم يضلونك. والحق أن هذا هو دأب الكفار في كل زمان ومكان، فقد كان كفار قريش يعرضون الدخول في دين الإسلام على النبي ﷺ بشرط أن يذكر آلهتهم كاللات والعزى بخير وألا يشتمها، استدراجاً له ﷺ ، فإذا بالتحذير الرباني يصل مباشرة فيقول: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأحزاب:١]، ثم يأتون إلى النبي ﷺ فيجدون حوله الفقراء من أصحابه رضي الله ﵎ عنهم فيقولون: نحن نجلس مع هؤلاء -وكان فيهم بلال وغيره- بل اجعل لنا يوماً ولهؤلاء يوماً حتى لا تتحدث العرب أنا جلسنا مع هؤلاء الضعفاء والفقراء. فإذا بالنبي ﷺ يوشك لحرصه على الدعوة إلى دين الله أن ينفذ ما طلبوه، لكن التحذير الرباني يصل إليه مباشرة فيقول: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، فلا تترك هؤلاء الذين يحرصون على الحضور والاستجابة لك، والذين يدعون ربهم بالغدو والآصال يبتغون وجه الله ، قال: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف:٢٨]، أي: لا تبتعد عيناك عن هؤلاء المؤمنين الصالحين تريد زينة الحياة الدنيا وطاعة هؤلاء الكفار، وهنا قال: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]. فالكافر يضلك ويدعوك إلى ما هو عليه، والمنافق أشد من ذلك، فالمنافق أبطن النفاق في قلبه وأظهر الإسلام على لسانه فهو غير معلوم، أما الكافر فمعلوم كفره باطناً وظاهراً.

стр. 1817

علامات المنافقين وقد حذر الله النبي ﷺ من طاعتهم؛ لأن المنافق ينصرف عن المؤمن ويأنف أن يكون معه في أوقات الجد والشدة، كما صنع عبد الله بن أبي بن سلول مع النبي ﷺ في غزوة أحد لما انسحب بثلث الجيش عن النبي ﷺ ، بعد أن كانوا ألف مقاتل والكفار ثلاثة آلاف، فصار النبي ﷺ في سبعمائة مقاتل، وانصرف المنافق ومن معه في وقت الشدة والحرج. ومن علامات المنافقين أيضاً: سلاطة ألسنتهم وبذاءتها على النبي ﷺ والمؤمنين، كما قال بعضهم: والله ما رأينا مثل قرائنا أرغب بطوناً ولا أجبن عند اللقاء. فقراء القرآن في نظرهم أجوع الناس وأجبنهم عند القتال والجهاد، وكأن هؤلاء المنافقين هم الذين يجاهدون في سبيل الله . وكانت النتيجة أن فضحهم الله في سورة التوبة، فذكر أوصافهم وأحوالهم بدقة متناهية، حتى إنهم خافوا أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم، فتبين أن المنافقين هم أشد خطراً على المؤمنين من الكفار؛ لأن الكفار معلومون ظاهرون، أما المنافقون فقد يصلون ويتصدقون، ولكنهم يفسدون العلاقة بين المسلمين مع بعضهم. وانظروا إلى عبد الله بن أبي بن سلول وأفعاله مع النبي ﷺ ومع المسلمين، فقد خرج ذات مرة في غزوة مع المسلمين فلما رجع قال لمن معه: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]، أي: حتى لا يبقى أحد مع النبي ﷺ ثم يتركنا وينصرف، ثم يقول لمن حوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ﴾ [المنافقون:٨]، أي: إذا رجعنا إلى المدينة فسنخرج هؤلاء الضعفاء الأذلين من بيننا -يقصد النبي ﷺ ومن معه- فإذا سئل عن ذلك ومن معه إذا بهم يحلفون بإنكار ذلك عنهم، كما قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة:٧٤]. وكذلك المنافق في كل زمان، فهو إنسان متسلق يريد أن يصعد على أي شيء مهما كان ثمنه؛ فلا تكاد تجد في قلبه الخوف من الله ، بل لا تجد في قلبه سوى حب المنصب والعلو على الخلق. ومن علاماتهم كذلك: التكاسل عن العبادات والتذبذب، فلا تجده يقف على قدم ثابتة أبداً، بل يصلي إذا وجد القوة مع المصلين، وإلا فالأصل فيه التكاسل والتشكك في وعد الله ورسوله ﷺ ، فالله هنا يحذر نبيه ﷺ منهم فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] أي: خف الله يا محمد! ولا تمل لهؤلاء الكافرين والمنافقين، وإذا كان ذلك للنبي ﷺ فهو للمؤمنين من باب أولى. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:١] أي: عليماً بما تقولون وما تفعلون وما تنوون، حكيماً في أوامره ونواهيه، فإذا نهاكم عن الشيء فاحذروه واتركوه سواء فهمتم الحكمة أم لم تفهموا؛ لأن الله حكيم في أوامره ونواهيه، فما عليك إلا أن تنفذ أمر الله وستجد الخير من وراء ذلك. ولذلك اتبع الصحابة النبي صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يقوله لهم، لعلمهم بأن الخير يجري على لسانه صلوات الله وسلامه عليه، فهو لا ينطق عن الهوى، وكذلك يجب على كل مسلم أن يطيع الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أن الله له العلم الكامل وله الحكمة البالغة سبحانه. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1818

تفسير سورة الأحزاب [٢ - ٤] لقد أدب الله نبيه ﵇ فأحسن تأديبه، فالقرآن مليء بالأوامر والخطابات المصدرة بمناداة سيد الخلق ﵊، وقد أمره تعالى باتباع ما يوحيه إليه آمراً لأتباعه المؤمنين بذلك.

стр. 1819

طاعة الكفار والمنافقين ضلال الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا * وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:١ - ٣]. في هذه الآيات يخبر الله عن تقواه سبحانه، وأنه ينبغي على جميع خلقه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام فمن دونهم أن يتقوا الله سبحانه، فأمر نبيه ﷺ أن يتقي الله، وهو أتقى خلق الله صلوات الله وسلامه عليه وأعلمهم بالله وأخشاهم له، فغيره من باب أولى أن يؤمر بذلك وأن يجعل بينه وبين عقوبة الله وقاية من العمل الصالح والإخلاص وتوحيد الله وغير ذلك. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١]، فتحذير المعصوم ﵊ من طاعة الكفار والمنافقين، مع أنه إذا فعل شيئاً فيه طاعة لهؤلاء في أمر من الأمور فإنه لا يبتغي بذلك إلا وجه الله ، معناه أن غيره من باب أولى، فلا يجوز للمسلم أن يطيع كافراً أو يطيع منافقاً؛ فإنه إذا أطاعهم دلوه على الشر وصدوه عن طريق الخير. فليحذر المؤمن من طاعة الكفار والمنافقين، فإنهم لن يدلوه على خير وقد ضلوا، فهم أهل ضلال فكيف يدلون غيرهم على الخير وهم لم يأخذوا به أصلاً، فلا تطع الكافرين ولا تطع المنافقين. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]، أي: فالله عليم بما يأمر سبحانه، عليم بمن يطيعه من عباده، عليم بمن يدل على الخير ومن يضل عن الخير، وبمن يهدي إلى الرشد ومن يهدي إلى الضلال، والله حكيم في أوامره ونواهيه، حكيم إذ يقول: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء:٥٩]. وهو حكيم سبحانه في تشريعه، حكيم في أمره ونهيه، فأطع الله واحذر من طاعة الكفار والمنافقين فإنهم قد ضلوا ويريدون أن يضلوك عن سبيل الله سبحانه.

стр. 1820

تفسير قوله تعالى: (واتبع ما يوحى إليك من ربك) قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب:٢]. وهذا أيضاً أمر للنبي ﷺ ولغيره بالاتباع لما أوحاه الله سبحانه من الوحي، وهناك وحي في كتاب الله ووحي في سنة النبي ﷺ ، والنبي ﷺ نطقه وكلامه إما بقرآن وإما بسنة، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣]، أي: لا ينطق عن هوى في نفسه، وإنما ينطق عن وحي بالقرآن أو بالسنة، وكلاهما وحي من الله ﵎. ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب:٢]، فما نطقت به وأمرت غيرك به، فأنت مطالب بأن تفعله وأن تتبع تشريع ربك سبحانه. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٢]، والخبير: هو الدقيق في علمه، الذي يعلم ما جل وما قل، ما استتر وخفا وما ظهر من الإنسان، فيعلم الله كل شيء، فهو العليم وهو الخبير سبحانه، وهو العليم بدقائق وخفايا النفوس. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الأحزاب:٢]، هذه قراءة الجمهور. وقرأها أبو عمرو (إن الله كان بما يعملون) على الغائب. وهذه الآية هي كقوله تعالى: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]، في قراءة الجمهور، وأما في قراءة أبي عمرو فهي: (بما يعملون بصيراً). فالله يخاطبكم ويقول: كل ما تعملون فهو الخبير به وهو البصير به ، وما يعمل الكفار والمنافقون فالله عليم وخبير بذلك كله أيضاً. وفي هذه الآية الأمر بالاتباع، وكأنها إشارة وتحذير من الابتداع في دين الله سبحانه، ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف:٣]، فيأمركم بالاتباع للكتاب والسنة، فكل ما جاء فيهما فهو وحي من عند رب العالمين والمؤمن مطالب باتباعه. ولذلك يحذر الله سبحانه من سلوك سبل الضلالة، وفي فاتحة الكتاب تقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، أي: اهدنا ودلنا وأعنا على اتباع هذا الصراط المستقيم، وقال هنا: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب:٢]. وقد حذر النبي ﷺ من البدع فقال: (إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، ففي هذا الحديث تحذير من الابتداع في دين الله سبحانه. فلا تبتدعوا ويكفيكم ما جاء في القرآن والسنة، وقد قال الله لنبيه محمد: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب:٢] وكذلك المؤمنون أمروا بالاتباع تبعاً.

стр. 1821

تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً) قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]. وهذا الأمر للنبي ﷺ وللمؤمنين أيضاً. والتوكل على الله هو أن تجعل ربك وكيلاً، وأن تعتمد عليه وحده لا شريك له، وأن تكل أمرك إليه، وأن تفوض أمرك إليه، وأن تلجأ إليه، وأن تجعل ظهرك وسندك إليه ، فهو الذي يعينك وهو الذي ينصرك ويحميك ويدافع عنك إذا اعتمدت وتوكلت عليه، وقد قال الله للنبي ﷺ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]. أي: يكفيك ربك سبحانه وكيلاً يدبر أمرك ويدافع عنك، فهو وكيلك وحافظك وحسيبك، يكفيك من كل شيء، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣].

стр. 1822

تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)

стр. 1823

أقوال المفسرين في معنى (ما جعل الله لرجل من قلبين) يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] وكأن هنا أناساً ادعوا ذلك فأكذبهم الله . وهذه الدعوى محتملة من الإنسان، فقد يدعي لنفسه أنه كذلك؛ ليري الناس أنه أفضل من غيره حتى من النبي ﷺ ويدعو الناس إليه، فإذا بالله يكذب من يقول ذلك، وأن الله جعل القلب قلباً واحداً في كل إنسان: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. وقد يكون بعضهم اتهم النبي ﷺ بذلك، وقالوا: إنه ذو قلبين: قلب معكم وقلب مع غيركم، يرمونه بذلك ﵊، فيكذبهم الله بأنه ما جعل لأحد من قلبين لا النبي ﷺ ولا غيره، وإنما هو قلب واحد في كل إنسان. قال مجاهداً: نزلت هذه الآية في رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين، ويلقبونه بأنه صاحب القلبين، لماذا؟ وقالوا: إن ذلك من ذكائه، وإنه كان شديد الدهاء، والمكر، فهذا الإنسان كان يمكر ويكيد ويزعم أن ذلك من الذكاء الشديد، فكانوا يلقبونه بذي القلبين من دهائه. وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد، وكان رجلاً ثرياً، واسمه جميل الفهري، وقيل: بل هو غيره. الغرض أن هذا الرجل كان شديد الحفظ، يسمع الشيء فيحفظه بسرعة، فكان مُعجباً بحفظه ومعجباً بذكائه، فيقول للناس: أنا أولى بالاتباع من محمد! فقالت قريش: لا يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، فهو ادعى دعوى وهم صدقوه في ذلك؛ لأنه يحفظ بهذه السرعة. فلما كانوا في يوم بدر كان هذا الرجل من ضمن الكفار الموجودين، وكان ممن هرب في يوم بدر، فرآه أبو سفيان وهو يحمل نعلاً في يده ونعلاً في قدمه، فقال له أبو سفيان: ما بال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك. فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، أي: كنت أظن أني لابسهما في رجلي، فعرفوا أنه كذاب فيما يدعي من حفظه، ومن أنه ذو قلبين. فكأنه قال له: لو كان لك قلبان لم تضع نعلاً في يدك ونعلاً في رجلك. هذا مما قيل في ذلك، والآية تحتمله. وكذلك جاء أنهم ادعوا على النبي ﷺ ذلك، فهم زعموه لهذا الرجل الذي اسمه جميل من باب المدح له، فلما قالها المنافقون عن النبي ﷺ قالوها من باب الذم والقدح في النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال بعض المنافقين: إن محمداً له قلبان؛ لأنه يكون جالساً معكم وفجأة ينزل عليه الوحي من السماء، فيغيب عنكم ثم يرجع مرة أخرى، إذاً: له قلبان قلب معكم وقلب ليس معكم. يريدون بذلك أن ينفروا الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه فأكذبهم الله سبحانه وقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. أيضاً مما قيل في ذلك: إنها نزلت تمثيلاً في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلوات الله وسلامه عليه -وهي محتملة- تمهيداً لتحريم التبني؛ لأنه لا يعقل أن يكون للإنسان أبوان، بل لا يوجد له إلا أب واحد، كذلك لا يوجد أحد له أمان بل هي أم واحدة، وهي التي ولدت الإنسان، وكان من هذا الأب ومن هذه الأم. فمن تدعيه تبنياً هو ابن لغيرك وليس ابناً لك، كما أن الله لم يجعل في جوفك إلا قلباً واحداً كذلك لم يجعل رجلاً ابناً لاثنين. وكذلك قالوا: إن هذا تمهيد للنهي عن الظهار، فالمظاهر يقول لامرأته: أنت أمي وهي ليست أمه، فما جعل الله لإنسان أمين كما أنه لم يجعل له قلبين، إذاً: لا قلبان لإنسان، ولا أبوان له، ولا أمان له؛ فكأن في الآية تمهيداً لتحريم الظهار وتحريم التبني. وكذلك مما قالوا في معناها وهي تحتمله أيضاً: ليس للإنسان قلب يكفر به وقلب يؤمن به، فإما أن يكون قلبه مؤمناً وإما يكون كافراً ومنافقاً، فلا يجتمع الإيمان مع الكفر في قلب الإنسان، وكيف يجتمع الإيمان الذي هو توحيد لله سبحانه مع الشرك بالله سبحانه والجحود به؟ فالآية على هذا القول تمهيد لتحريم الشرك بالله سبحانه.

стр. 1824

وظيفة القلب وأهميته قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. وقلب الإنسان من أعظم أعضائه، والجسد فيه مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه. فقلب الإنسان يعقل ويحفظ ويعرف ربه ﵎، وهو نفس القلب الذي إذا انقلب إذا بالعبد يشرك بالله ويجحد ربه سبحانه ويفعل المعاصي والذنوب، فالقلب في الإنسان قد يذكر أنه الذي في الجوف كما قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] وقد يذكر في آية أخرى أن القلب في الصدر كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. إذاً: هنا قلب الإنسان الذي في صدره هو محل الإيمان ومحل الكفر، ومحل العقل الذي يتعقل به الإنسان، فهو يعقل بهذا القلب، ويشعر به، ويحس به، وفيه العاطفة، ولذلك الذين يعملون زرعاً للقلوب شعروا أن الإنسان الذي زرع له قلب مكان قلبه لا عاطفة فيه، بل قلبه قلب ميت لا إحساس ولا شعور ولا حب فيه، لا يوجد تعاطف بينه وبين الناس الذين من حوله، وصدق الله العظيم عندما يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، ولم يقل: المخ الذي في رأس الإنسان، فالقلب هو محل تعقل الإنسان ومحل إيمانه، ومحل عاطفته، فذكر الله سبحانه القلوب التي في الصدور.

стр. 1825

معنى قوله: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون) قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. والمظاهرة: هي أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وهذه الكلمة كانت مشهورة عند العرب، وكان الرجل يتغيظ من امرأته ويريد أن يهجرها فيقول لها: أنت علي كظهر أمي. والظهر يعبر به عن الركوب، وأصله ركوب الإنسان على ظهر الدابة، فعبر بهذا التعبير كناية عن جماع الإنسان لأهله، فكأن هذا الإنسان عندما يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، كأنه يقول: كما لا يجوز لي أن آتي أمي كذلك لا يجوز لي أن آتيك، فيحرم ما أحل الله له، ويتكلم بالزور من القول. فالله لا يرضى أن تجعل هذه المرأة أمك، وهي ليست بأمك، ولا يحل لك أن تقول ذلك. فحرم الله الظهار في هذه الآية، وفي سورة المجادلة منع من ذلك أيضاً، قال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، أي: الذين يظاهرون من نسائهم. وهذا منكر من القول، وهو أن يزعم الإنسان شيئاً على غير الحقيقة ويعلم أنه كاذب فيما يقول، فقال هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. وهاتان الكلمتان فيهما قراءات للقراء: ﴿اللَّائِي تُظَاهِرُونَ﴾ [الأحزاب:٤] يقرأ هذه القراءة عاصم وحده. ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب والبصريون: (تَظَّهَّرون). ويقرؤها باقي الكوفيين (تَظَاهرون). ويقرؤها ابن عامر: (تَظَّّّاهرون). إذاً: هناك أربع قراءات في هذه الكلمة: (تَظَّهَرون)، (تَظَّاهرون)، (تُظَاهرون)، (تَظَاهرون). كذلك كلمة (اللائي) فيها قراءات: فيقرؤها أهل مكة والمدينة والبصرة: (اللاي) إذا وقفوا عليها، أو إذا وصلوها فإنهم يقرءوها بالتسهيل أو بالهمز الذي فيها. فبالترتيب يقرؤها قالون قنبل يعقوب: (واللاءِ تَظَّهَّرون) واللاء بالكسرة فيها والمد الذي في الوسط. ويقرؤها ورش أبو جعفر بالتسهيل: (واللاي تَظَّهَّرون) بتسهيل الهمز فيها. وإذا وقف عليها من يسهل فيها يقول: (واللاي). وباقي القراء يقرءونها: (واللائي تَظّاهرون)، (واللائي تُظاهرون)، (واللائي تَظَاهرون). وهناك قراءة أخرى وهي قراءة أبي عمرو وقراءة البزي: (واللاي تَظَّهَّرون).
следующие страницы →