← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

تفسير قوله تعالى: (وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً) قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]. وهذا الأمر للنبي ﷺ وللمؤمنين أيضاً. والتوكل على الله هو أن تجعل ربك وكيلاً، وأن تعتمد عليه وحده لا شريك له، وأن تكل أمرك إليه، وأن تفوض أمرك إليه، وأن تلجأ إليه، وأن تجعل ظهرك وسندك إليه ، فهو الذي يعينك وهو الذي ينصرك ويحميك ويدافع عنك إذا اعتمدت وتوكلت عليه، وقد قال الله للنبي ﷺ : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣]. أي: يكفيك ربك سبحانه وكيلاً يدبر أمرك ويدافع عنك، فهو وكيلك وحافظك وحسيبك، يكفيك من كل شيء، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٣].

стр. 1822

تفسير قوله تعالى: (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه)

стр. 1823

أقوال المفسرين في معنى (ما جعل الله لرجل من قلبين) يقول: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] وكأن هنا أناساً ادعوا ذلك فأكذبهم الله . وهذه الدعوى محتملة من الإنسان، فقد يدعي لنفسه أنه كذلك؛ ليري الناس أنه أفضل من غيره حتى من النبي ﷺ ويدعو الناس إليه، فإذا بالله يكذب من يقول ذلك، وأن الله جعل القلب قلباً واحداً في كل إنسان: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. وقد يكون بعضهم اتهم النبي ﷺ بذلك، وقالوا: إنه ذو قلبين: قلب معكم وقلب مع غيركم، يرمونه بذلك ﵊، فيكذبهم الله بأنه ما جعل لأحد من قلبين لا النبي ﷺ ولا غيره، وإنما هو قلب واحد في كل إنسان. قال مجاهداً: نزلت هذه الآية في رجل من قريش كان يُدعى ذا القلبين، ويلقبونه بأنه صاحب القلبين، لماذا؟ وقالوا: إن ذلك من ذكائه، وإنه كان شديد الدهاء، والمكر، فهذا الإنسان كان يمكر ويكيد ويزعم أن ذلك من الذكاء الشديد، فكانوا يلقبونه بذي القلبين من دهائه. وكان يقول: إن لي في جوفي قلبين أعقل بكل منهما أفضل من عقل محمد، وكان رجلاً ثرياً، واسمه جميل الفهري، وقيل: بل هو غيره. الغرض أن هذا الرجل كان شديد الحفظ، يسمع الشيء فيحفظه بسرعة، فكان مُعجباً بحفظه ومعجباً بذكائه، فيقول للناس: أنا أولى بالاتباع من محمد! فقالت قريش: لا يحفظ هذه الأشياء إلا وله قلبان، فهو ادعى دعوى وهم صدقوه في ذلك؛ لأنه يحفظ بهذه السرعة. فلما كانوا في يوم بدر كان هذا الرجل من ضمن الكفار الموجودين، وكان ممن هرب في يوم بدر، فرآه أبو سفيان وهو يحمل نعلاً في يده ونعلاً في قدمه، فقال له أبو سفيان: ما بال الناس؟ قال: انهزموا. قال: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك. فقال: ما شعرت إلا أنهما في رجلي، أي: كنت أظن أني لابسهما في رجلي، فعرفوا أنه كذاب فيما يدعي من حفظه، ومن أنه ذو قلبين. فكأنه قال له: لو كان لك قلبان لم تضع نعلاً في يدك ونعلاً في رجلك. هذا مما قيل في ذلك، والآية تحتمله. وكذلك جاء أنهم ادعوا على النبي ﷺ ذلك، فهم زعموه لهذا الرجل الذي اسمه جميل من باب المدح له، فلما قالها المنافقون عن النبي ﷺ قالوها من باب الذم والقدح في النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال بعض المنافقين: إن محمداً له قلبان؛ لأنه يكون جالساً معكم وفجأة ينزل عليه الوحي من السماء، فيغيب عنكم ثم يرجع مرة أخرى، إذاً: له قلبان قلب معكم وقلب ليس معكم. يريدون بذلك أن ينفروا الناس عن النبي صلوات الله وسلامه عليه فأكذبهم الله سبحانه وقال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. أيضاً مما قيل في ذلك: إنها نزلت تمثيلاً في زيد بن حارثة لما تبناه النبي صلوات الله وسلامه عليه -وهي محتملة- تمهيداً لتحريم التبني؛ لأنه لا يعقل أن يكون للإنسان أبوان، بل لا يوجد له إلا أب واحد، كذلك لا يوجد أحد له أمان بل هي أم واحدة، وهي التي ولدت الإنسان، وكان من هذا الأب ومن هذه الأم. فمن تدعيه تبنياً هو ابن لغيرك وليس ابناً لك، كما أن الله لم يجعل في جوفك إلا قلباً واحداً كذلك لم يجعل رجلاً ابناً لاثنين. وكذلك قالوا: إن هذا تمهيد للنهي عن الظهار، فالمظاهر يقول لامرأته: أنت أمي وهي ليست أمه، فما جعل الله لإنسان أمين كما أنه لم يجعل له قلبين، إذاً: لا قلبان لإنسان، ولا أبوان له، ولا أمان له؛ فكأن في الآية تمهيداً لتحريم الظهار وتحريم التبني. وكذلك مما قالوا في معناها وهي تحتمله أيضاً: ليس للإنسان قلب يكفر به وقلب يؤمن به، فإما أن يكون قلبه مؤمناً وإما يكون كافراً ومنافقاً، فلا يجتمع الإيمان مع الكفر في قلب الإنسان، وكيف يجتمع الإيمان الذي هو توحيد لله سبحانه مع الشرك بالله سبحانه والجحود به؟ فالآية على هذا القول تمهيد لتحريم الشرك بالله سبحانه.

стр. 1824

وظيفة القلب وأهميته قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤]. وقلب الإنسان من أعظم أعضائه، والجسد فيه مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب، كما ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه. فقلب الإنسان يعقل ويحفظ ويعرف ربه ﵎، وهو نفس القلب الذي إذا انقلب إذا بالعبد يشرك بالله ويجحد ربه سبحانه ويفعل المعاصي والذنوب، فالقلب في الإنسان قد يذكر أنه الذي في الجوف كما قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب:٤] وقد يذكر في آية أخرى أن القلب في الصدر كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]. إذاً: هنا قلب الإنسان الذي في صدره هو محل الإيمان ومحل الكفر، ومحل العقل الذي يتعقل به الإنسان، فهو يعقل بهذا القلب، ويشعر به، ويحس به، وفيه العاطفة، ولذلك الذين يعملون زرعاً للقلوب شعروا أن الإنسان الذي زرع له قلب مكان قلبه لا عاطفة فيه، بل قلبه قلب ميت لا إحساس ولا شعور ولا حب فيه، لا يوجد تعاطف بينه وبين الناس الذين من حوله، وصدق الله العظيم عندما يقول: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، ولم يقل: المخ الذي في رأس الإنسان، فالقلب هو محل تعقل الإنسان ومحل إيمانه، ومحل عاطفته، فذكر الله سبحانه القلوب التي في الصدور.

стр. 1825

معنى قوله: (وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون) قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. والمظاهرة: هي أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وهذه الكلمة كانت مشهورة عند العرب، وكان الرجل يتغيظ من امرأته ويريد أن يهجرها فيقول لها: أنت علي كظهر أمي. والظهر يعبر به عن الركوب، وأصله ركوب الإنسان على ظهر الدابة، فعبر بهذا التعبير كناية عن جماع الإنسان لأهله، فكأن هذا الإنسان عندما يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، كأنه يقول: كما لا يجوز لي أن آتي أمي كذلك لا يجوز لي أن آتيك، فيحرم ما أحل الله له، ويتكلم بالزور من القول. فالله لا يرضى أن تجعل هذه المرأة أمك، وهي ليست بأمك، ولا يحل لك أن تقول ذلك. فحرم الله الظهار في هذه الآية، وفي سورة المجادلة منع من ذلك أيضاً، قال تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة:٢]، أي: الذين يظاهرون من نسائهم. وهذا منكر من القول، وهو أن يزعم الإنسان شيئاً على غير الحقيقة ويعلم أنه كاذب فيما يقول، فقال هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. وهاتان الكلمتان فيهما قراءات للقراء: ﴿اللَّائِي تُظَاهِرُونَ﴾ [الأحزاب:٤] يقرأ هذه القراءة عاصم وحده. ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب والبصريون: (تَظَّهَّرون). ويقرؤها باقي الكوفيين (تَظَاهرون). ويقرؤها ابن عامر: (تَظَّّّاهرون). إذاً: هناك أربع قراءات في هذه الكلمة: (تَظَّهَرون)، (تَظَّاهرون)، (تُظَاهرون)، (تَظَاهرون). كذلك كلمة (اللائي) فيها قراءات: فيقرؤها أهل مكة والمدينة والبصرة: (اللاي) إذا وقفوا عليها، أو إذا وصلوها فإنهم يقرءوها بالتسهيل أو بالهمز الذي فيها. فبالترتيب يقرؤها قالون قنبل يعقوب: (واللاءِ تَظَّهَّرون) واللاء بالكسرة فيها والمد الذي في الوسط. ويقرؤها ورش أبو جعفر بالتسهيل: (واللاي تَظَّهَّرون) بتسهيل الهمز فيها. وإذا وقف عليها من يسهل فيها يقول: (واللاي). وباقي القراء يقرءونها: (واللائي تَظّاهرون)، (واللائي تُظاهرون)، (واللائي تَظَاهرون). وهناك قراءة أخرى وهي قراءة أبي عمرو وقراءة البزي: (واللاي تَظَّهَّرون).

стр. 1826

معنى قوله: (وما جعل أدعياءكم أبناءكم) قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. الابن المتبنى ليس ابناً حقيقة، ويحرم عليك أن ترتبط به ارتباط النسب فتقول: هذا ابني، وتكتب اسمه باسمك في النسب، كما يحدث من البعض حين يتبنى طفلاً من ملجأ أو من غيره، ثم يكتبه باسمه ثم يرثه فهذا لا يحل، وقد يكون لهذا الإنسان أقارب ومحارم فيدخل هذا الغريب عليهم بدعوى أن هذا صار أباه، وهذه عمته، فيدخل عليها ويراها، وهذا كله غير جائز، فمتى صار هذا الغلام بالغاً فهو ليس ابناً لهذا، وينبني عليه أن هؤلاء ليسوا محارم له، ويجوز له أن يتزوج منهن. إذاً: التبني يحل ما حرم الله ويحرم ما أحل الله، فلا يجوز لأحد أن يتبنى أحداً. وهناك فرق بين إنسان يكفل إنساناً ويربيه ويسميه بأي اسم، وبين أن يسميه باسمه هو، ويأخذه ليربيه ويتبناه، فالدين لا يمنع من أن يكفل الإنسان يتيماً ويربيه، ولكنه يمنع من أن ينسبه إلى نفسه، فقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]، أي: إنما هذا قول قلتموه بألسنتكم وليس قولاً صحيحاً، والله هو الذي يقول الحق ، فقوله هو الحق وحكمه هو العدل سبحانه. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب:٤]، أي: يدل على السبيل ويوفق إليه، ويحول العبد من شيء إلى شيء بقضائه وقدره سبحانه. نسأله أن يهدينا سواء السبيل، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1827

تفسير سورة الأحزاب [٤ - ٥] لقد أبطل الله تعالى عادة التبني التي كانت قبل الإسلام، وكذلك الظهار الذي كان يعتاده الجاهلون، ولذلك فلا يجوز فعل ذلك في الإسلام.

стр. 1828

حكم الظهار وبيان كفارته الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٤ - ٦]. في هذه الآيات حرم الله مظاهرة الرجل من امرأته، كما حرم أن يدعي ابناً ليس له، قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] وقد تقدم ذكر القراءات في هذه الآية. وقد منع الله من المظاهرة، وهي أن يظاهر الرجل من امرأته فيقول لها: أنت علي كظهر أمي، وجاء المنع هنا بصيغة الإخبار فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. في سورة المجادلة ذكر الله سبحانه تحريم ذلك كما ذكر أن ذلك هو قول للزور وقول للمنكر، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:١ - ٢] فبين أن من الزور والمنكر أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يريد: أنها محرمة عليه كحرمة أمته. ثم بين ما يجب على من وقع في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]. فبعد أن ذكر أن هذا منكر من القول وزورا، ذكر ما عليه من الكفارة إذا عاد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣] أي: يرجعون عن القول الذي قالوه ويريد أحدهم أن يعاشر امرأته وأن يرجع إلى حياته الطبيعية، فإذا أراد أحدهم ذلك وجب عليه أن يكفر عن هذا القول الذي قاله وكأن قوله بمثابة اليمين المغلظة التي يحلف بها، ولكن كفارة هذا القول الزور الذي قاله أن يعتق رقبة، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]. ولأن بعض الناس لا يملكون الرقبة فقد بين حكم من لم يجد ما يعتق، وأن الفرض عليه أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]. فإذا لم يستطع ذلك فعليه أن يطعم ستين مسكيناً، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤]. وهذه الأحكام وعظ من الله ﵎، وقد بينت الآيات أن الكفارة لا تكون إلا قبل أن يتماسا أي: قبل أن يعاشر الرجل امرأته، فعليه أن يكفر بواحدة من ثلاث على الترتيب: فعليه أن يعتق رقبة إذا وجدت الرقاب، فإذا انعدمت الرقاب، لزمه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا لم يقدر على ذلك كان عليه أن يطعم ستين مسكيناً، فلو أنه عكس الترتيب فبدأ بإطعام ستين مسكيناً وهو واجد لرقبة أو قادر على الصيام لا يجزئ ذلك عنه، ولا بد أن يعتق الرقبة إن وجد.

стр. 1829

تفسير قوله تعالى: (ادعوهم لآبائهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٤ - ٦]. في هذه الآيات حرم الله مظاهرة الرجل من امرأته، كما حرم أن يدعي ابناً ليس له، قال سبحانه: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] وقد تقدم ذكر القراءات في هذه الآية. وقد منع الله من المظاهرة، وهي أن يظاهر الرجل من امرأته فيقول لها: أنت علي كظهر أمي، وجاء المنع هنا بصيغة الإخبار فقال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. في سورة المجادلة ذكر الله سبحانه تحريم ذلك كما ذكر أن ذلك هو قول للزور وقول للمنكر، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة:١ - ٢] فبين أن من الزور والمنكر أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يريد: أنها محرمة عليه كحرمة أمته. ثم بين ما يجب على من وقع في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]. فبعد أن ذكر أن هذا منكر من القول وزورا، ذكر ما عليه من الكفارة إذا عاد، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة:٣] أي: يرجعون عن القول الذي قالوه ويريد أحدهم أن يعاشر امرأته وأن يرجع إلى حياته الطبيعية، فإذا أراد أحدهم ذلك وجب عليه أن يكفر عن هذا القول الذي قاله وكأن قوله بمثابة اليمين المغلظة التي يحلف بها، ولكن كفارة هذا القول الزور الذي قاله أن يعتق رقبة، قال تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٣]. ولأن بعض الناس لا يملكون الرقبة فقد بين حكم من لم يجد ما يعتق، وأن الفرض عليه أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة:٤]. فإذا لم يستطع ذلك فعليه أن يطعم ستين مسكيناً، قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة:٤]. وهذه الأحكام وعظ من الله ﵎، وقد بينت الآيات أن الكفارة لا تكون إلا قبل أن يتماسا أي: قبل أن يعاشر الرجل امرأته، فعليه أن يكفر بواحدة من ثلاث على الترتيب: فعليه أن يعتق رقبة إذا وجدت الرقاب، فإذا انعدمت الرقاب، لزمه أن يصوم شهرين متتابعين، فإذا لم يقدر على ذلك كان عليه أن يطعم ستين مسكيناً، فلو أنه عكس الترتيب فبدأ بإطعام ستين مسكيناً وهو واجد لرقبة أو قادر على الصيام لا يجزئ ذلك عنه، ولا بد أن يعتق الرقبة إن وجد.

стр. 1830

قصة تبني النبي ﷺ لزيد بن حارثة ومن الأحكام المذكورة في الآية تحريم التبني، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤]. الدعي: هو الابن الذي يدعيه الإنسان لنفسه، أو يدعي هو أن فلاناً أبوه بدلاً من أبيه الحقيقي. ومعنى الآية: أن الله ما جعل هؤلاء الأدعياء أبناءً لكم، فدلت على أنه لا يجوز للإنسان أن يتبنى، كأن يدعي إنساناً لنفسه فيقول: فلان ابني، وهو ليس كذلك. ثم بين سبحانه ما ينبغي عليهم من دعوة الأبناء لآبائهم الحقيقيين فقال: سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] فكان العدل الذي حكم الله به أن يُدعى الإنسان لأبيه طالما أن أباه معروف، أما إذا لم يعرف أبوه فيقال له أخٌ في الدين، ولا يدعى لغير أبيه. قال العلماء: إن عبد الله بن عمر ﵁ ذكر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ﷺ ، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥]. وكان زيد بن حارثة قد ادعاه النبي ﷺ لنفسه، وبعد ذلك نزل القرآن يحرم التبني فنودي بعد ذلك زيد بن حارثة. وذكر أنس بن مالك وغيره: أن زيداً كان مسبياً من الشام، أي أن زيداً كان أصله من الشام ولم يكن من الحجاز، وإنما سباه ناس من عرب من تهامة، ثم ذهبوا به إلى بلاد الحجاز فباعوه عبداً. وكان السبي والاستبعاد في الجاهلية كثير، حيث يختطف الإنسان من أهله ثم يباع في سوق العبيد، كما فعل بـ زيد مع أنه كان حراً ﵁، وكان أهله أحراراً، وبعد أن خطف زيد من أهله وبيع في الحجاز، اشتراه حكيم بن حزام بن خويلد، وهو ابن أخ للسيدة خديجة بنت خويلد ﵂، أي أنها عمته. ومعروف أن خديجة هي زوجة النبي ﷺ ، فبعد أن اشتراه حكيم بن حزام وهبه لعمته السيدة خديجة، ثم وهبته السيدة خديجة للنبي ﷺ ، ثم تكرم وتفضل النبي ﷺ فأعتق زيداً رضي الله ﵎ عنه وتبناه.

стр. 1831

تقديم زيد البقاء عند النبي ﷺ على اللحوق بأبيه وقد ذكر أن أهل زيد بن حارثة كانوا يبحثون عنه ليلاً ونهاراً، فجاء أبوه وعمه إلى النبي ﷺ بعد أن عرفوا أنه عند النبي ﷺ ، وقالوا للنبي ﷺ : ندفع لك ما تريد وتترك لنا ابننا، فترك النبي ﷺ لـ زيد الاختيار وقال لهم النبي ﷺ : (خيروه! فإن اختاركما فهو لكما دون فداء) أي: لو اختار أن يكون مع أبيه ومع عمه فهو لهما من غير ثمن، فاختار الرق مع رسول الله ﷺ ، وفضل أن يكون عبداً عند النبي ﷺ على أن يرجع إلى أبيه وعمه. والحقيقة أن زيداً رفض الرجوع إلى أبيه وعمه لا لأنهم كانوا قساة عليه، فلم يحرموه من حاجة طلبها، وإنما كان زيد مخطوفاً من أبيه ومن أمه وهو ما زال صغيراً رضي الله ﵎، ولكن من يعاشر النبي ﷺ يستحيل أن يقبل أن يكون عند غيره بل سيفضل أن يكون عبداً عند النبي ﷺ على أن يكون حراً وملكاً في مكان آخر. فـ زيد قد أحس بقربه من النبي ﷺ ، وأنس برحمة النبي ﷺ وشفقته ورأفته، وعلم أن هذا النبي لا يضاهيه أحد مكانة أو شرفاً ولذلك اختار زيد النبي ﷺ على أبيه وعلى عمه، وبعد أن اختار زيد النبي ﷺ أخذه وخرج إلى قومه من قريش وقال: (يا معشر قريش! اشهدوا أنه ابني يرثني وأرثه). فتبناه النبي ﷺ على العادة التي كانت جارية في العرب قبل أن يحرم الله التبني، فانصرف أبوه وقومه بعد ذلك تاركين زيداً عند النبي ﷺ بعد طول بحث وشوق جسده أبوه شعراً يقطع قلب من يسمعه، من شدة حبه لابنه، ومن شدة حزنه على فراقه، حيث يقول: بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل فو الله لا أدري وإني لسائر أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل فيا ليت شعري هل لك الدهر أوبة فحسبي من الدنيا رجوعك لي بدل تذكرنيه الشمس عند طلوعها وتعرض ذكراه إذا غربها أفل وإن هبت الأرياح هيجن ذكره فيا طول ما حزني عليه وما وجل فأعمل نص العيس في الأرض جاهداً ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل حياتي أو تأتي علي منيتي فكل امرئ فان وإن غره الأمل ولكن بعد أن وجد حنان النبي ﷺ ورحمته مع ابنه، واختيار ابنه للنبي ﷺ أحس أنه في أمان، وأن النبي ﷺ أولى به، فتركه للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فكافأه النبي ﷺ بأن تبناه وجعله ابناً له. وقد توفي أبوه بعد ذلك فظل عند النبي ﷺ إلى أن قتل زيد رضي الله ﵎ في غزوة مؤتة، في سنة ثماني من هجرة النبي ﷺ في سرية الأمراء التي أمّر النبي ﷺ فيها زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، وجعلهم على البدل، فقال: (أميركم زيد، فإن قتل فـ جعفر، فإن قتل فـ عبد الله بن رواحة). فقتل الثلاثة في هذه الغزوة وبكاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وتأمر بعدهم خالد ﵁ من غير إمرة وفتح الله عليه في تلك الغزوة. ومن يسمع هذه القصة يعرف عظيم حب النبي ﷺ لـ زيد وحب زيد للنبي ﷺ ، وشفقة النبي ﷺ ورحمته معه، ولكن مع هذه المحبة العظيمة ينزل الله قرآناً على نبيه: أن لا تدعيه لنفسك فهو ليس ابنك! فينفذ النبي ﷺ ما أمر به، فمن سيكون بعد النبي ﷺ أشد حباً لإنسان كهذا الحب الذي كان من النبي ﷺ لـ زيد ومن زيد للنبي ﷺ .

стр. 1832

الحكمة من إبطال تبني النبي ﷺ لزيد ومن حكم الله ﵎ أن يتبنى النبي ﷺ زيداً، ومن حكمه سبحانه أيضاً أن ينزل التحريم والحال هكذا، فيطبق أول ما يطبق على النبي ﷺ حتى لا يتعلل الإنسان عن تنفيذ الأمر بحجة الخوف من أن تنكسر نفس الإنسان الذي تبناه، فقد كان النبي ﷺ أولى، وقد أمر النبي ﷺ ونفذ وأطاع ربه حيث قال له وللمؤمنين: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] لأن هذا هو العدل، فالأب حقيقة هو الذي تزوج ثم رزقه الله هذا الولد، أبعد أن يرزق فلاناً ابنه تدعيه لنفسك؟ بل القسط والعدل أن تدعوه لأبيه الذي كان سبب وجوده.

стр. 1833

من لا يعرف له أب ينادي بالأخوة أو المولى قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب:٥]. فبين أننا إذا لم نعلم أبا هذا الإنسان نقول: أخونا في الدين، أو أخونا في الإسلام أو هو مولانا. وكلمة المولى من الكلمات التي لها معان كثيرة، وأصلها من الولي، والولي: القرب، فمن كان قريباً مني، كان وليي، ومن معاني المولى أيضاً: ابن العم: لأنهم قرابة أبناء العم. ومن معاني الموالي: العبيد الذين أعتقوا، والمولى هو السيد الذي يعتق. ومن معانيها: النصير والمدافع والمحامي أو الحامي عن الإنسان. فتشير الآية إلى أن من لم يعلموا آبائهم إما أن يكونوا أحراراً، فهم إخوانكم في الدين، وهم كذلك إخوانكم في الدين ومواليكم، إن كانوا أرقاء.

стр. 1834

حكم الخطأ في نسبة شخص إلى من تبناه قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وكان الله غفوراً رحمياً﴾ [الأحزاب:٥]. قد يريد الإنسان أن يعمل الصواب ولكن يقع في الخطأ، فالله غفور رحيم. وكان هناك أناس قد تبناهم آخرون غير النبي ﷺ ، جرياً على ما كانوا عليه من عادة التبني، فلما نزلت الآية وحرم التبني، كان يجري على ألسنة الناس نسبة المتبني إلى المتبنى، كأن يقال: زيد بن محمد، فبينت الآية أن من تعمد ذلك وقع في الإثم، ومن لم يتعمد ذلك وإنما جرت الكلمة على لسانه خطأً فالله غفور رحيم. على أن منهم من لصق به هذا الاسم، حتى أن الناس لا يكادون يعرفون له اسماً غيره، مثل: المقداد بن الأسود، وقد كان المقداد بن الأسود فارس رسول الله ﷺ وفي غزوة من الغزوات لقبه بذلك ﵊. والأسود ليس أباه، وإنما هو عمه، فهو المقداد عمرو ولكن صار على الألسنة المقداد بن الأسود، فـ الأسود بن عبد يغوث كان قد تبنى المقداد في الجاهلية ومكث معه فترة طويلة إلى أن أصبح رجلاً، وحينها نسي أباه الحقيقي، فأصبح الناس ينادونه بهذا الاسم لا يكادون يعرفون غيره، وأصبح من يناديه لا يقصد أن يقول له: أبوك ليس عمرو وإنما أبوك الأسود؛ ولكن لما لصق به هذا الاسم عرف به، على أن الله قد عفا عن مثل ذلك، أي: أن الإنسان لا يتعمد أن ينسب الإنسان إلى غير أبيه، وعلى هذا فمن التصق به الاسم فصار لا يكاد يعرف إلا كـ المقداد بن الأسود لم يأثم من ناداه به. لكن من قصد نسبة فلان إلى فلان وهو ليس أباه ولو بالتبني فهذا حرام لا يجوز إطلاقه، كما لا يجوز لإنسان أن يقول: أنا ابن فلان على وجه التبني، ولا للرجل أن يقول: فلان ابني على وجه التبني، ولا لثالث أن يقول: فلان بن فلان كأنه ينسبه إليه وهو يعلم أنه ليس ابنه، ومن فعل ذلك كان عاصياً. قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥] أي: إن الله غفور للإنسان الذي تعمد ذلك ثم تاب إلى الله، والله رحيم بأن رفع عنكم المؤاخذة في الخطأ. وهناك فرق بين الخطأ والخطيئة: فالخطيئة أن يريد الإنسان المعصية، أو يقع في المعصية وهو متعمد لها. والخطأ: أن يريد الإنسان الطاعة فيخطئ فيقع في المعصية، فهو لم يرد معصية ولكن أخطأ فوقع في الشيء فالله رحيم، ومن رحمته أنه رفع عنا الإثم في الخطأ والنسيان وما استكرهنا عليه.

стр. 1835

حكم من حلف على شيء فتبين خطؤه ومن قول الله سبحانه: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب:٥] استنبط العلماء: أن الإنسان الذي يخطئ في الشيء فيظنه كذا ثم يكون غير ما قال، أنه لا شيء عليه، حتى ولو حلف يميناً على ذلك، كأن يرى إنسان خيالاً فيقول: والله إن فلاناً هو الآتي وهماً منه، فلما دنا منه كان إنساناً آخراً. فالحالف كان يعتقد في نفسه الصدق ولم يقصد أن يكذب في ذلك، فأخطأ فيها فقال: والله إنه فلان فتبين غيره، فليس عليه في ذلك إثم وليس عليه في ذلك كفارة يمين. كذلك: لو أن إنساناً طلب من إنسان حقه، ثم حلف قائلاً: والله لا أفارقك حتى تدفع لي حقي! فدفع له ما يرضيه، فأخذ منه المال وفارقه، فلما انصرف وجد المال مزيفاً غير حقيقي، فلا كفارة عليه؛ لأنه حين فارقه اعتقد الصدق في ذلك واعتقد أنه استوفى حقه، فليرجع إليه وليطلب حقه بعد ذلك ولا كفارة عليه في ما أقسم. كذلك: لو أن إنساناً حلف قائلاً والله لا أسلم على فلان، ثم جاء من أقسم ألا يسلم عليه مستخفياً وهو لم يره، فما أدرك إلا ويده في يده فيقال: هذا أخطأ ولم يتعمد فلا حنث عليه في ذلك طالما أنه لم يتعمد الحنث.

стр. 1836

حكم قول الكبير للصغير (يا بني) وقول الرجل لزوجته (يا أمي) من باب الشفقة بين الله حقيقة التبني فقال : ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] أي: في التبني، يقول الإنسان: هذا ابني، قولاً بالفم وليس له صدق في القلب؛ لأنه ليس ابنه، كما يقول المظاهر لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وهي لست أمه. وقد يسأل سائل هل من هذا الباب أن إنساناً يقول لامرأة على وجه الرأفة والرحمة: افعلي يا أمي! ولم يقصد بذلك الظهار ولكن من باب التلطف الراجح أنه ليس من هذا الباب. ومثله أن يقول: إنسان للغلام الصغير: تعال يا بني! اذهب يا بني! إذ إنه لم يقصد أنت ابني حقيقة ولكن ذلك من باب الشفقة والرحمة، وقد قال النبي ﷺ لـ أنس بن مالك: (أين كنت يا بني؟) وكان يقول ذلك له ولغيره. فهذه الكلمة لا يقصد منها الإنسان أنك ابني حقيقة ولا من يخاطب زوجته فيقول: يا أمي! لا بقصد الحقيقة.

стр. 1837

تفسير سورة الأحزاب [٥ - ٦] ذكر الله تعالى حكم التبني، وأن الإسلام جاء بإبطال التبني، وأمر بأن ينسب الولد إلى أبيه، وبين سبحانه أن هذا هو العدل والقسط والبر، وبين سبحانه أن النبي ﷺ كان شفيقاً رحيماً بالمؤمنين؛ فلذلك جعله أولى بهم من أنفسهم، وحكمه فيهم كان مقدماً على اختيارهم لأنفسهم.

стр. 1838

الأحكام المتعلقة بالتبني

стр. 1839

أضرار التبني أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٥ - ٦]. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] فيه دلالة على النهي عن التبني، وكذلك قوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥] فيحرم على المسلم أن يتبنى إنساناً وينسبه لنفسه، ويلزمه أن ينسبه إلى أبيه الحقيقي إذا علم هذا الأمر. فإن لم يعلم فلا يجوز له أن ينسبه إلى نفسه وإن أخذه ورباه، فيقول: فلان أخي في الله، أو هذا مولاي، فنسبتهم لآبائهم هو الأعدل عند الله سبحانه، وهو الحق الذي أمر الله به. فالإنسان الذي ربيته ليس ابناً لك ويكون هذا معروفاً بين الناس، ولا يتكلم الإنسان بعقله في مثل هذا الشيء، وما أكثر ما يقول الإنسان: الله أعلم، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. والصبي الصغير عندما يكبر سيقول للذي رباه: هذا أبي وهذه أمي، وهما ليسا بأبيه ولا أمه، والله أعلم به . وهذا الإنسان اليتيم قد جعل الله له أسوة بالنبي ﷺ ، فالنبي ﷺ كان يتيماً، وتربى ﷺ وهو يتيم، وماتت أمه وهو صغير ﵊، ومع ذلك صار سيد الخلق وهو يتيم.

стр. 1840

أضرار التبني على الفرد والمجتمع ليس عيباً أن يكون الإنسان يتيماً ليس له أب، ولكن العيب أن يترك الإنسان ما يقوله الله سبحانه، ثم يحكم هواه، ويكون فعل الإنسان طاعة لله والخير له في الدنيا وفي الآخرة حين يلتزم بشرع الله ﵎، فتكون له البركة من وراء ذلك. فمن ربى اليتيم أو كفله فإنه يؤجر عند الله سبحانه، فإذا نسبه إلى نفسه وجد شؤم ذلك يوماً من الأيام في الدنيا وفي الآخرة، فهو عاص لله ﵎. عندما يكبر هذا اليتيم وهو يدعى لفلان قد تتبين له الحقيقة في يوم من الأيام، فيقول: لماذا كذبتم علي في ذلك؟ والكذب خيبة للإنسان، ولا يقود الإنسان إلا إلى الشر، فالإنسان إذا ربى شخصاً ثم نسبه إلى نفسه فقال إنه ابنه، فإنه في يوم من الأيام يرثه وليس له أن يرث هذا الإنسان. أو يموت هذا الذي تبناه ثم يرثه المتبني وليس من حقه ذلك. أو لعل هذا الذي تبنى يتزوج ينجب ثم يظن المتبنى أنه أخ لهذه الفتاة وليس أخاً لها، أو أخ لهذا الغلام وليس أخاً له، ويشاركه في الميراث وليس من حقه ذلك، ويظن أنه محرم لها وليس كذلك. فيتبدل أمر الله سبحانه في هذه الصورة، لذلك يخبرنا ربنا أنه لا يحل هذا التبني، حتى لا تتغير أحكام شرع الله، فيستحل ما حرم الله.

стр. 1841

معنى قوله تعالى (وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به) وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب:٥] فإذا أخطأ الإنسان في شيء فلا جناح عليه، إنما الجناح في التعمد في ذلك، كأن يعرف شرع الله في كذا ثم يتعمد مخالفته. والخطأ مرفوع عن الإنسان، فإذا جهل حكماً شرعياً فأخطأ فيه، فلما تبين له الحكم عمل بما قاله الله سبحانه فهذا معذور، والإنسان إذا اجتهد في الشيء فأخطأ فيه يرفع عنه الوزر، فإذا كان من أهل الاجتهاد فإنه يؤجر على خطئه في اجتهاده. لكن إذا لم يكن من حقه أن يجتهد فليسأل أهل العلم؛ لقول الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]. ولقول النبي ﷺ : (هلا سألوا إذ جهلوا، إنما شفاء العي السؤال). قال الله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥] فالله يغفر ما وقع فيه الإنسان من ذنب، إذا تاب إلى الله ، والله يرحم بتشريعه سبحانه، فيرفع الإثم عمن أخطأ أو سها أو نسي أو أجبر وأكره على شيء.

стр. 1842

التغليظ على من دعي لغير أبيه وهو يعلم جاء عن النبي ﷺ أحاديث في النهي عن التبني، فقال ﷺ : (من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام). فهذا حديث صحيح رواه البخاري ومسلم من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث ﵄. ففيه: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: من نسب إلى شخص ليس أباً له، فرضي بذلك، قال النبي ﷺ : (فالجنة عليه حرام)، وهذا شائع عند بعض الناس، وفي بعض أوساط الناس، مثل ما يحصل لبعض الفنانين وغيرهم، فينتسب أحدهم إلى غير أبيه فيتسمى باسم فلان الذي اكتشف موهبته أو الذي عينه أو غير ذلك، فيصير اسمه على ذلك طول عمره، وهو يعلم أن هذا ليس أباً له، فيقول النبي ﷺ : (من ادعى إلى غير أبيه) يعني: ناداه الناس فلاناً بن فلان وهم يعلمون أن هذا ليس أباه، (فالجنة عليه حرام). فأمثال هؤلاء قد جمعوا من المآسي، بسبب ما وقعوا فيه من قول زور، ومن شهود فجور، ومن أفعال ماجنة تغضب رب العالمين، ومن تسم بغير أسمائهم الحقيقية، فجزاء كل جريمة من هذه الجرائم الدخول في النار، والحرمان من جنة رب العالمين، ثم يكونون هم الأسوة الحسنة للشباب يقتدون بهم ويحبونهم، فيأخذونهم إلى نار جهنم. أيضاً: حديث آخر له ﷺ من حديث أبي ذر وهو أيضاً في الصحيحين: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر) يعني: يعلم أن أباه ليس هو الذي ادعاه ومع ذلك يسكت عن ذلك ويرضى بذلك إلا كفر.

стр. 1843

حكم من انتسب إلى آل بيت النبي ﷺ وهو ليس منهم قال: (ومن ادعى لقوم ليس منهم فليتبوأ مقعده من النار) كأن يدعي أنه من بني فلان، أو من عائلة فلان وهو ليس من هؤلاء. وأشر من ذلك من انتسب إلى النبي ﷺ كذباً وزوراً فيقول: أنا من آل البيت، وليس هو من آل البيت، فيزعم أنه من سلالة النبي ﷺ وليس منهم. فيقول النبي ﷺ : (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوماً ليس هو منهم فليتبوأ مقعده من النار). يعني: يجهز نفسه لنار جهنم، والعياذ بالله.

стр. 1844

تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) يقول الله سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦]. هذه الآية فيها عدد من الأحكام، يقول الله سبحانه: ﴿النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب:٦] وهذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦].

стр. 1845

معنى قوله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم) والنبي ﵊ جعله الله لنا أسوة حسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] فالنبي الكريم ﵊ أولى بنا من أنفسنا، وكلمة (أولى) من الولي، والولي بمعنى القرب، تقول: فلان يليني، أي: قريب مني، أو جنبي أو بعدي. فالنبي ﷺ أقرب إلى كل منا من نفسه، ورأيه لنا ﵊ أفضل من آرائنا لأنفسنا، فيقول سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] فإذا اختار لنا شيئاً ﷺ ، نختار ما يختاره لنا صلوات الله وسلامه عليه سواء علمنا الحكمة من وراء ذلك أو لم نعلمها. والذي شهد بذلك هو ربنا سبحانه الذي يعلم السر وأخفى، فهو سبحانه أعلم بخلقه، أعلم بالنبي ﷺ وأعلم بالمؤمنين، فجعل نبينا ﷺ أولى بنا من أنفسنا. وننظر إلى رحمته بنا وشفقته علينا ﵊، كيف يكون يوم القيامة؟ وهو الذي قد نجا ﵊، ومع ذلك يقف على جانب الصراط ويقول: (اللهم سلم سلم). فهذا دعاؤه ﷺ للمؤمنين وهم يمرون على الصراط، فهو أولى بهم من أنفسهم ﵊. لما ذبح كبشين في الأضحى، واحداً عن نفسه ﷺ وعن أهل بيته، والآخر عمن لم يضح من أمته، فرفع عن أمته الحرج ﵊ فلا تلزمهم الأضحية، فقد ضحى عنهم ﷺ ، وصارت الأضحية سنة على المسلمين وليست فريضة، فقد كفاهم النبي ﷺ ورفع عنهم الحرج في ذلك، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم صلوات الله وسلامه عليه. والنبي ﷺ يدعو لنفسه ويدعو لأمته ﵊. فما ترك من خير إلا ودل الأمة عليه، وما ترك من شر إلا وحذر الأمة منه ﵊، فبلغ رسالة الله سبحانه، ووضح وبين وذكر ووعظ الأمة، وقال لهم في النهاية: (ألا هل قد بلغت؟ فقالوا: نعم. فقال: اللهم فاشهد). فمدحه الله سبحانه بأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم.

стр. 1846

معنى قوله تعالى (وأزواجه أمهاتهم) ثم ذكر أزواجه ﵊ ومدحهن وقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:٦]. أي: نساء النبي ﷺ أمهات للمؤمنين من هذه الأمة. والراجح أن المعنى هو أن زوجات النبي ﷺ أمهات لكل مؤمني الأمة رجالاً ونساءً؛ لأن العلماء اتفقوا على أن نساء النبي ﷺ أمهات لجميع رجال الأمة، ولكن هل هن أمهات أيضاً لنساء الأمة؟ الراجح: نعم؛ لأن الله لم يفرق بين الرجال والنساء، قال: ((وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦]. والأمومة قسمين: أمومة في الحرمة وأمومة في المحرمية. فأمومة الحرمة أنه يحرم عليه أن ينكحها، أي: يتزوجها، فأمه في النسب محرمة عليه وهو محرم عليها. وأمومة المحرمية: أنه لا يحرم عليه أن يدخل عليها ويسافر معها. فنساء النبي ﷺ أمهات للمؤمنين في الحرمة، فيحرم على أي مؤمن أن يتزوج نساء النبي ﷺ بعده. فالتحريم رعاية للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وإكراماً له ﵊، وتبجيلاً له ﷺ ، فالتي تزوجها النبي ﷺ ودخل بها وخلا بها ﵊، فليس من حق أحد أن يتزوجها بعده إن طلقها أو مات عنها طالما أنه دخل بها ﵊. فهذا الحكم لا ينطبق على من لم يدخل بها النبي ﷺ ، فلو أنه عقد بامرأة ثم طلقها ﷺ قبل الدخول لم تكن أماً للمؤمنين، إنما أمهات المؤمنين من تزوجهن النبي ﷺ فدخل بهن. قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣] فهذه حرمة دائمة. ونساء النبي ﷺ له فقط، وليس من حق أحد أن يتزوجهن بعد وفاته صلوات الله وسلامه عليه. ويجوز للمؤمنين أن يذهبوا إلى نساء النبي ﷺ ، فيسألونهن من وراء حجاب عن مسائل الشرع ومسائل الدين، وعن أحكام القرآن وأحكام سنة النبي ﷺ ، وأن يستعيروا منهن متاعاً من أمتعة الدنيا على وجه العارية. وقد شرف الله سبحانه نساء النبي بهذه المنزلة العظيمة، وأمرهن بتبليغ دين الله سبحانه فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤] فنساء النبي ﷺ مطالبات بذكر وتبليغ كل ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة.

стр. 1847

الحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ وإذا كانت امرأة واحدة لا تقدر أن تقوم بذلك، ولا امرأتان، فكم من النساء يبلغن هذا الدين العظيم والأحداث التي تأتي للنبي ﷺ في بيته وينزل بسببها القرآن أو السنة، فلذلك جعل الله لنبيه ﷺ أن يتزوج ما شاء من النساء ولم يحد له كما حد للمؤمنين، قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فيجوز للمسلم أن ينكح أربع نسوة. أما النبي ﷺ فترك الله سبحانه ﵎ له أن يتزوج ما يشاء فجمع بين تسع نسوة في وقت واحد صلوات الله وسلامه عليه. والغرض من ذلك: الدعوة إلى الله سبحانه والتبليغ للأحكام الشرعية، فالواحدة أو الأربع لا يكفين لتبليغ كل هذا الدين العظيم، فترك للنبي ﷺ أن يتزوج فكان يأتي كل امرأة، فمرة يدور عليهن صلوات الله وسلامه عليه في غسل واحد، وكان يقسم لكل امرأة ليلة، فعندها قد تنزل آيات أو أحكام أو يحدث شيء فيحتاج الناس لمعرفة هذا الحكم، فتبلغ المرأة ما حدث في بيتها، أو من جاء للنبي ﷺ وسأل وشهدت ذلك، فتبلغ أحكام الشريعة التي أمر الله بتبليغها.

стр. 1848

أزواج النبي أمهات للمؤمنين وهو أب لهم قال الله سبحانه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] فإذا كانت زوجات النبي أمهات للمؤمنين، فإن النبي ﷺ أب لهذه الأمة، وكل نبي أب لقومه، هذا حكم من الله سبحانه، ولذلك فإن سيدنا لوطاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقول لقومه: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨] وما كان عنده إلا بنتان، فالمقصود بالبنات بنات قومه فهن أطهر لهم، فكان قوم لوط يأتون الرجال - والعياذ بالله - فقال لهم: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨] أي: تزوجوا من النساء، واحذروا هذه الفاحشة، التي كانت سبباً في إهلاكهم. وقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] قلنا: إن النبي ﷺ هو أب للمؤمنين، وقرئت في الشواذ في قراءة أبي وابن عباس ﵄: (وهو أب لهم) وليست قراءة، والراجح أنها تفسير، أو كانت قراءة ونسخ ذلك فصارت تفسيراً، والمعنى أن النبي ﷺ أب للأمة، ولذلك يقول للأمة ﵊: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم) فيعلمهم الآداب الشرعية. ولذلك فإن اليهود يحسدون هذه الأمة على نبيها صلوات الله وسلامه عليه، فيقولون: ما ترك شيئاً إلا علمكم حتى الخراءة، أي: حتى أدب الخلاء فالنبي ﷺ يقول لهم: (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد) يعني: لا تستحيوا أن تسألوا في أحكام الطهارة وغيرها من الأحكام، فأنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم، أي: بمنزلة الوالد في الشفقة والتعليم والتأديب والتهذيب صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1849

قضاء النبي دين من مات ولم يترك قضاء أيضاً في قوله سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٦] لما نزلت هذه الآية كان فيها فرج من الله على المؤمنين، وكان قبل نزولها كلما جيء النبي ﷺ بجنازة يسأل، هل عليه دين؟ فإذا قالوا عليه دين، فيسأل هل ترك له وفاءً؟ فإذا قالوا: نعم، صلى عليه، وإذا قالوا: لا، لم يصل عليه، وقال: (صلوا على صاحبكم)، فلما نزلت هذه الآية: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦] وفتح الله على النبي ﷺ فتوحاً، كان بعد ذلك يقول: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته). وفي رواية: (فأيكم ترك ديناً أو ضياعاً فأنا مولاه). فانظروا إلى شفقته ﵊، فكان من يموت بعد ذلك من أصحابه وعليه دين يتكرم ويسدد عنه هذا الدين. فإذا توفي إنسان وترك مالاً، لم يأخذ منه ﷺ ليقضي دينه، ولكنه كان يترك المال للورثة، فالذي يموت ويترك ديناً أو ضياعاً، أي: عيالاً يضيعون، فإن النبي ﷺ ينفق عليهم، ويقضي دين هذا الميت عملاً بما في هذه الآية، ففيها بيان شفقة النبي ﷺ على الأمة، وأنه أولى بالمؤمنين من الأمة، فاستحق المنزلة العظيمة عند الله، واستحق أن يصلي عليه المؤمنون في كل وقت، صلوات الله وسلامه عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1850

تفسير سورة الأحزاب [٦ - ٨] حق النبي ﵊ على أمته عظيم، فقد أخرجنا الله به من الظلمات إلى النور، وعلمنا ما لم نكن نعلم، ولذا جعله الله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وجعل أزواجه أمهاتهم.

стр. 1851

تفسير قوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا * وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٦ - ٨]. في هذه الآيات من سورة الأحزاب يخبرنا الله ﵎ عن فضيلة للنبي صلوات الله وسلامه عليه وخصيصة اختصه الله بها، والنبي صلوات الله وسلامه عليه هو الذي أرسله رب العالمين كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]. فهذا النبي البشير النذير الرسول ﵊ يخبرنا ربه سبحانه أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولذلك قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]. فالمؤمنون يفضلون النبي ﷺ على أنفسهم، ورأي النبي ﷺ لهم أحب إليهم من آرائهم وإن اجتمعوا، فالنبي معصوم ﵊، وربنا مدحه وجعل له هذه الفضيلة، وهي أنه أولى بكل مؤمن ومؤمنة. لما أنزل الله ﵎ عليه هذه الآية أتي بجنازة ليصلي عليها، فسأل هل عليه دين؟ فأخبروه أن عليه ديناً، فقضى عنه دينه صلوات الله وسلامه عليه وقال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته)، فمن يتوفى ويترك مالاً فماله لأهله يرثونه، ومن ترك ديناً فإن النبي ﷺ يقضي عنه هذا الدين. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد ناراً فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها، وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها). فالنبي ﷺ يدفعنا عن النار، فيقول: (أنا آخذ بحجزكم) وحجزة الإنسان معقد إزاره، فمن أمسك الإنسان من حزامه فالممسوك لا يفلت منه، فيقول: (أنا آخذ بحجزكم) يعني: ممسك بكم حتى لا تقعوا في النار، ومع ذلك تتفلتون مني، وتقحمون فيها، يعني: تقعون في النار بسبب المعاصي والشهوات والفتن، وهذا مثال الإنسان الذي يسمع كلام رب العالمين ويسمع حديث النبي الكريم ﵊، فيلقي ذلك وراء ظهره، ويوقع نفسه في المعاصي والشهوات والشبهات فيقع في النار. فالنبي ﷺ حريص على نجاتنا وتخليصنا من النار، ولكن الإنسان تدفعه الفتنة وتدفعه الشبهة والشهوة إلى أن يوقع نفسه في النار، وهذا مثل ضربه النبي ﷺ يبين لنا اجتهاده صلوات الله وسلامه عليه في تخليصنا من النار وفي نجاتنا منها، فهو أولى بنا من أنفسنا، هو علم ونحن جهلنا، فهو أولى بنا من أنفسنا ﵊. فالإنسان الذي يقتحم النار ويوقع نفسه فيها لا يدري بخطرها، فإذا وقع فيها يعلم أنه ظلم نفسه، والنبي ﷺ قد علم خطرها فأمسك بحجزنا ليبعدنا عن النار، فهو أرأف بنا وأرحم بنا صلوات الله وسلامه عليه، وهو الذي يعمل في نجاتنا ﵊، فهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا أمرنا بشيء يلزمنا أن نتبعه حتى لو وجدنا أن هذا الشيء لا تريده أنفسنا، فلا يؤمن أحدنا حتى يكون هواه تبعاً لما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه. كذلك أولى بنا من أنفسنا إذا حكم علينا بحكم فنرضى بحكمه وننفذه على أنفسنا.

стр. 1852

معنى قوله تعالى (وأزواجه أمهاتهم) قال الله سبحانه: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] أي في الحرمة، فلا يحل لإنسان أن يتزوج بزوجة النبي ﷺ سواء طلقها أو مات عنها ﵊، فهي أم للمؤمنين، فقال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] يعني في التحريم وليس في المحرمية، يعني: لسنا محارم لهن، فلا يجوز لأحد المؤمنين أن يسافر مثلاً مع زوجة من زوجات النبي ﷺ على أنه محرم لها، فهن أمهاتنا في التحريم لا في المحرمية، بينما يتعلق بأم الإنسان شيئان: الأول: أنه يحرم عليه أن يتزوجها. الثاني: أنه محرم لها. فأم الإنسان فيها حرمة ومحرمية، حرمة يحرم عليه نكاحها، ومحرمية أنه يخلو بها ويسافر معها، فأمهات المؤمنين نساء النبي ﷺ يحرمن على المؤمنين، ولكن ليس المؤمنون محارم لنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك قال الله : ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] فمن سألها متاعاً مثل أن تسلفه متاعاً من متاع البيت كمكنسة على وجه العارية، فليسألها من وراء حجاب، ولا تحصل مقابلة بينه وبينها، ولكن من وراء حجاب فحجب شخصها عنه. قال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] نساء النبي ﷺ اللاتي قال الله فيهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، فطهرهن الله تطهيراً عظيماً، وأذهب عنهن الرجس، ومع ذلك أمرهن بأعظم أنواع الحجاب وهو حجاب الشخوص، يعني لا يكفي أن تلبس جلباباً وتتنقب، بل تكون أيضاًَ من وراء ساتر، فتتحجب بحجابها الشرعي ومن وراء ساتر أيضاً، فأمرن بهذا وهن أعف النساء رضوان الله ﵎ عليهن، فكيف بغيرهن! بعض النساء إذا قلت لها: احتجبي وانتقبي، تقول لك: هذا الأمر لنساء النبي ﷺ فقط، فنقول: إذا كان نساء النبي ﷺ قد طهرهن الله ﵎، وجعلهن أمهات للمؤمنين، ومنع أي إنسان أن يتزوج بإحداهن بعد النبي ﷺ ، فصرن محرمات على المؤمنين؛ ومع ذلك أمرهن بذلك، فغيرهن من باب أولى أن تحتجب وألا تتكشف أمام الناس، وهن القدوة الحسنة لغيرهن من النساء، فلتقتد النساء بنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد جعلهن الله سبحانه أسوة وقدوة للخلق، وطهرهن تطهيراً رضوان الله ﵎ عليهن.

стр. 1853

هل إخوة أمهات المؤمنين أخوال لهم قال الله : ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب:٦] هل ينبني على أن زوجة النبي ﷺ أم للمؤمنين أن إخوتها أخوال للمسلمين؟ قال بعض العلماء بذلك، ولكن الراجح أن هذا الحكم لا يتعداهن، فزوجة النبي ﷺ أم للمؤمنين وليس أخوها خالاً للمؤمنين، لكن في الآية نفسها: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:٦]، وأزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، فهو أبٌ للمؤمنين، وقد قال ﷺ : (إنما أنا لكم بمنزلة الوالد)، وكذلك كل نبي مع قومه هو لهم بمنزلة الوالد، وفي قصة لوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال لقومه: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود:٧٨]، وكان قوم لوط يأتون الفاحشة، فيأتي الرجال الرجال والعياذ بالله، فأمرهم النبي لوط ﵊ أن يتزوجوا النساء، وهو ما كان عنده غير ابنتين، فلم يقل: هاتان بنتاي، وابنتاه لا تكفيان لزواج الأمة، ولكن قصده بنات قومي الذين أدعوهم إلى الله ، فتزوجوا من هؤلاء النسوة، فهذا دليل على أن النبي أب لقومه، فهو أب للرجال وأب للنساء ﵊، وهو لهم بمنزلة الوالد، ولكن هذه الأبوة لا تحرم عليه أن يتزوج من النساء ﵊، بخلاف أمومة أمهات المؤمنين، فالله ﵎ راعى منزلة النبي ﷺ ، وجعل له حرمة عظيمة، فجعل نساء النبي ﷺ أمهات للمؤمنين يحرم على المؤمنين أن يتزوجوهن كما يحرم على الرجل أن يتزوج أمه، والنبي ﷺ هو لهم بمنزلة الوالد، ولكن لا يحرم عليه أن يتزوج من نساء أمته ﵊.

стр. 1854

معنى قوله تعالى (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) قال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦]. وقال الله سبحانه في أول سورة النساء: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] يعني: اتقوا الله الذي تساءلون به، يعني: ينشد بعضكم بعضاً بالله، فتقول: بالله افعل كذا وكذا، وأيضاً تتساءلون بالأرحام، فتقول للإنسان: راع الرحم التي بيني وبينك، فتنشده الرحم بمعنى مراعاة الرحم ومراعاة القرابة التي بيني وبينك، وهذا على قراءة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١]. وفي القراءة الأخرى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ [النساء:١] يعني: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، فالأرحام هي القرابات، فهنا يقول الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ [الأحزاب:٦] يعني: القرابات الأنسباء: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] أي: في المواريث. وسبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الإسلام لما كان المؤمن في مكة يترك أقاربه الكفار، فجعل النبي ﷺ مؤاخاة بين المؤمن والمؤمن، حتى تزداد الصلة فيما بينهم، فكانوا يتوارثون بذلك، فلما هاجر أهل مكة إلى المدينة آخى النبي ﷺ بين تسعين من المهاجرين والأنصار، فكانت هذه الأخوة الإيمانية تربط الجميع، وكانوا يتوارثون بها، فإذا مات أنصاري وله أخ من المهاجرين ورثه، فبعدما نزلت هذه الآية جعل الله الأخوة التي كانت بينهم أخوة الإسلام، لكن ليست أولى من أخوة النسب في الإرث، فجعل التوريث بين المسلمين بالقرابات، فقال الله سبحانه: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب:٦] من المؤمنين أي الأنصار الذين في المدينة، والمهاجرين الذين هاجروا إليهم، فصار كل إنسان يرثه قريبه من المؤمنين وهم يرثونه. يقول الزبير ﵁ في هذه الآية: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦]: وذلك أنا معشر قريش قدمنا المدينة ولا أموال لنا، فوجدنا الأنصار نعم الإخوان، فآخيناهم فأورثونا وأورثناهم، فآخى أبو بكر خارجة بن زيد قال عروة بن الزبير: فارتث كعب يوم أحد، يعني: جرح في يوم أحد جراحة شديدة، فجاء الزبير يقوده بزمام راحلته، فلو مات يومئذ كعب من الضح والريح لورثه الزبير. يعني: لو كان مات كعب بن مالك يوم أحد من جراحه لكان الذي سيرثه الزبير ﵁، والزبير مهاجري وكعب أنصاري، لكن لم يحدث هذا، ونزلت هذه الآية بعد ذلك وألغت أمر التوارث بالهجرة والنصرة. قال: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ﴾ [الأحزاب:٦] أي: بالأنسباء. ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٦] في حكم الله. ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٦] يعني بالوصية أن تفعل معروفاً مع هؤلاء، فتوصلهم بشيء من الثلث فما دونه، فهذا جائز. ﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦] مسطور بمعنى: مكتوب، فهذا حكم الله في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنزله في القرآن العظيم، وجعله حكماً مكتوباً لتقرءوه ولتعملوا به.

стр. 1855

تفسير قوله تعالى: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم) قال الله : ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:٧]. يذكرنا الله بالميثاق الذي أخذه على النبيين، ولله مواثيق كثيرة أخذها على خلقه، وأول هذه المواثيق: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:١٧٢]، فربنا خلق آدم واستخرج من ظهر آدم من يكون من ذريته إلى يوم القيامة، فاستخرجهم قبل أن ننزل إلى هذه الدنيا، ثم أشهدهم على أنفسهم، فكل إنسان في نفسه ما يجعله يعرف ربه . قال الله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: لئلا ﴿تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣]. إذاً: ربنا أخذ علينا ميثاقاً جعله في صدورنا نسيه من نسيه وعمل به من عمل به، ويوم القيامة يتذكر الجميع هذا الميثاق الذي أخذه الله ﵎ عليه. وبهذا الميثاق جعل الله في قلب الإنسان الفطرة السليمة التي تهديه إلى ربه سبحانه، كما قال النبي ﵊: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه)، فالإنسان مولود على هذه الفطرة، وعلى الميثاق الأول يعرف ربه سبحانه، فإذا بالأبوين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. وميثاق آخر أخذه الله سبحانه على النبيين: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران:٨١]. وهنا ميثاق خاص بهؤلاء الأنبياء الخمسة الذين هم أولو العزم من الرسل، وكل الرسل من أولي العزم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن اختص هؤلاء فميزهم وفضلهم على الباقين فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ [الأحزاب:٧] وهذا عموم، ثم خص: ﴿وَمِنْكَ﴾ [الأحزاب:٧] يا محمد ﵊، ﴿وَمِنْ نُوحٍ﴾ [الأحزاب:٧] أبو الأنبياء بعد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الأحزاب:٧] أبو الأنبياء الذين جاءوا من بعده، ﴿وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧] ميثاقاً مؤكداً أن كل نبي يصدق النبي الذي قبله، وينصر من وجد معه، ويبشرهم بنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فإذا جاء نبينا ﷺ صدق بكل الأنبياء والرسل السابقين، وعلمنا ذلك، وأخذ الله عليهم الميثاق الغليظ أن يقيموا شرع الله سبحانه، وأن يصدق بعضهم بعضاً، وأن ينصر بعضهم بعضاً صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فالميثاق الذي يؤخذ على النبي هو مأخوذ أيضاً على أتباعه، فيلزمهم ما التزمه نبيهم ﵊.

стр. 1856

تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم) قال الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] هؤلاء الأنبياء الصادقون يسألهم الله سبحانه وهم صادقون، فإذا سألهم عن صدقهم أفلا يسأل الكذابين عن كذبهم؟ ففيه التهديد لكل كذاب مكذب بالرسل، فإذا كان الرسل يسألون يوم القيامة وقد علم الله سبحانه وشهد أنهم كانوا على الحق فكيف يغيرهم؟! يوم القيامة يجمع الله الرسل ويسألهم كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، ويسألهم: هل بلغتم؟ كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]. فإذا كان المسيح الذي صدقه الله وأخبر عنه في هذا القرآن العظيم أنه بلغ رسالة ربه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنهم افتروا عليه وكذبوا، ومع ذلك يسأله يوم القيامة: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، فهذا موقف يفزع فيه المسيح من هذه التهمة: أأنت قلت للناس ذلك؟ فإذا قيل للمسيح ذلك فكيف يقال لعباد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟! وكيف يقال للمشركين؟ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨]. فيصدق الصادقون ويكذب الكذابون، وقد أعد الله للكافرين عذاباً أليماً. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1857

تفسير سورة الأحزاب [٩ - ١٠] لقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على الأعداء إذا صدقوا في إيمانهم وتوكلهم على الله ، وقد لقي المؤمنون مع رسول الله ﷺ في غزوة الأحزاب الضيق والحرج والحصار الشديد، فضلاً عن نقض اليهود للعهد، فهم أهل غدر وخيانة، وما من مصيبة إلا من ورائها اليهود.

стр. 1858

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. هذه الآية التاسعة من سورة الأحزاب يذكر الله فيها سبب تسمية هذه السورة بسورة الأحزاب، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأحزاب:٩]، يذكر المؤمنين بنعمته عليهم، وما أعظم نعم الله على عباده. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩]، نعمة من نعم الله سبحانه، فمن نعمه سبحانه ما حدث في يوم الأحزاب ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]، وكان يوماً فظيعاً على المسلمين لم يكونوا يتوقعونه؛ حتى يعلموا أن النصر بيد الله سبحانه، وأن الإنسان مهما كادت له الدنيا وأراد الله شيئاً لا بد أن يكون ما أراده الله ، مصداقاً لما ذكره النبي ﷺ في الحديث لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦]. ونرى في غزوة الأحزاب نصر الله ﵎ كيف جاء؟ ومتى جاء؟ وكيف زلزل المؤمنون، وكيف زاغت الأبصار وبلغت القلوب الجناجر؟ فقلب الإنسان في صدره يبلغ الحنجرة، وهذا في غاية الرعب وشدة الخوف؛ إذ يشعر الإنسان أن قلبه سيخرج من فمه مع شدة رعبه وشدة خوفه، فبلغ الأمر بالمؤمنين كذلك، وننظر في هذه القصة العجيبة في غزوة الأحزاب. هذه الغزوة تسمى بغزوة الأحزاب، تسمى بغزوة الخندق وبني قريظة. وغزوة الأحزاب هذه كانت في سنة خمس من هجرة النبي ﷺ ، وإن اختلف العلماء في زمن وقوعها فقال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة الخامسة وهذا الأرجح، وجاء عن الإمام مالك ﵀ أنها كانت في سنة أربع للهجرة. والظاهر أن ذلك بحسب عد السنة الهجرية، فقد هاجر النبي ﷺ إلى المدينة في شهر ربيع، فمن اعتبر الهجرة من أول السنة يعد من السنة التي بعدها؛ لأن السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ لا تحسب، بل يحسب بالمحرم من السنة التي تليها، وبناءً عليه تكون غزوة الأحزاب في سنة أربع للهجرة. ومن يعد السنة التي هاجر النبي ﷺ فيها فيعتبر أولها من شهر المحرم فتكون غزوة الأحزاب في السنة الخامسة، فعلى ذلك كان الخلاف بينهم، لكن قول الجمهور أن غزوة الأحزاب في السنة الخامسة. وباقي الغزوات كلها على ذلك، فمن سيقول غزوة بدر في السنة الثانية يكون على اعتبار أن السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ هي الأولى، والسنة التي تليها هي السنة الثانية، والذي سيقول أنها في السنة الأولى فذلك باعتبار أنه لا يحسب الجزء من السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ .

стр. 1859

تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)

стр. 1860

معنى قوله: (من فوقكم ومن أسفل منكم) قال الله : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠]، يعني: من شدة الرعب، ومن شدة الخوف. فقوله تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، واضح أنه من مكان عال، وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، من مكان آخر منخفض. فجاءوا من المشرق وجاءوا من المغرب وأحاطوا بالمسلمين وخانت اليهود من خلف النبي ﷺ ، فصار الكفار حولهم من كل مكان، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر من الخوف ومن الرعب، خاصة أن الكفار كان عددهم ضخماً، فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين. قال الإمام مالك ﵀: أمر رسول الله ﷺ بالقتال من المدينة وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠]، قال مالك ﵀: ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هاهنا، والنجدية من هاهنا، يعني: جاءوا من فوقكم، ومن ورائكم مكان مرتفع جاءت منه اليهود. ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، أي: جاءت قريش وغطفان ومن معهم من أسفل منكم.
следующие страницы →