Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
تفسير قوله تعالى: (ليسأل الصادقين عن صدقهم)
قال الله: ﴿وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٨] هؤلاء الأنبياء الصادقون يسألهم الله سبحانه وهم صادقون، فإذا سألهم عن صدقهم أفلا يسأل الكذابين عن كذبهم؟ ففيه التهديد لكل كذاب مكذب بالرسل، فإذا كان الرسل يسألون يوم القيامة وقد علم الله سبحانه وشهد أنهم كانوا على الحق فكيف يغيرهم؟! يوم القيامة يجمع الله الرسل ويسألهم كما قال الله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٩]، ويسألهم: هل بلغتم؟ كما قال: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦].
فإذا كان المسيح الذي صدقه الله وأخبر عنه في هذا القرآن العظيم أنه بلغ رسالة ربه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنهم افتروا عليه وكذبوا، ومع ذلك يسأله يوم القيامة: ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، فهذا موقف يفزع فيه المسيح من هذه التهمة: أأنت قلت للناس ذلك؟ فإذا قيل للمسيح ذلك فكيف يقال لعباد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟! وكيف يقال للمشركين؟ ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٨].
فيصدق الصادقون ويكذب الكذابون، وقد أعد الله للكافرين عذاباً أليماً.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 1857
تفسير سورة الأحزاب [٩ - ١٠]
لقد وعد الله عباده المؤمنين بالنصر على الأعداء إذا صدقوا في إيمانهم وتوكلهم على الله ، وقد لقي المؤمنون مع رسول الله ﷺ في غزوة الأحزاب الضيق والحرج والحصار الشديد، فضلاً عن نقض اليهود للعهد، فهم أهل غدر وخيانة، وما من مصيبة إلا من ورائها اليهود.
стр. 1858
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩].
هذه الآية التاسعة من سورة الأحزاب يذكر الله فيها سبب تسمية هذه السورة بسورة الأحزاب، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأحزاب:٩]، يذكر المؤمنين بنعمته عليهم، وما أعظم نعم الله على عباده.
﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩]، نعمة من نعم الله سبحانه، فمن نعمه سبحانه ما حدث في يوم الأحزاب ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]، وكان يوماً فظيعاً على المسلمين لم يكونوا يتوقعونه؛ حتى يعلموا أن النصر بيد الله سبحانه، وأن الإنسان مهما كادت له الدنيا وأراد الله شيئاً لا بد أن يكون ما أراده الله ، مصداقاً لما ذكره النبي ﷺ في الحديث لـ ابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
قال تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٢٦].
ونرى في غزوة الأحزاب نصر الله ﵎ كيف جاء؟ ومتى جاء؟ وكيف زلزل المؤمنون، وكيف زاغت الأبصار وبلغت القلوب الجناجر؟ فقلب الإنسان في صدره يبلغ الحنجرة، وهذا في غاية الرعب وشدة الخوف؛ إذ يشعر الإنسان أن قلبه سيخرج من فمه مع شدة رعبه وشدة خوفه، فبلغ الأمر بالمؤمنين كذلك، وننظر في هذه القصة العجيبة في غزوة الأحزاب.
هذه الغزوة تسمى بغزوة الأحزاب، تسمى بغزوة الخندق وبني قريظة.
وغزوة الأحزاب هذه كانت في سنة خمس من هجرة النبي ﷺ ، وإن اختلف العلماء في زمن وقوعها فقال ابن إسحاق: كانت في شوال من السنة الخامسة وهذا الأرجح، وجاء عن الإمام مالك ﵀ أنها كانت في سنة أربع للهجرة.
والظاهر أن ذلك بحسب عد السنة الهجرية، فقد هاجر النبي ﷺ إلى المدينة في شهر ربيع، فمن اعتبر الهجرة من أول السنة يعد من السنة التي بعدها؛ لأن السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ لا تحسب، بل يحسب بالمحرم من السنة التي تليها، وبناءً عليه تكون غزوة الأحزاب في سنة أربع للهجرة.
ومن يعد السنة التي هاجر النبي ﷺ فيها فيعتبر أولها من شهر المحرم فتكون غزوة الأحزاب في السنة الخامسة، فعلى ذلك كان الخلاف بينهم، لكن قول الجمهور أن غزوة الأحزاب في السنة الخامسة.
وباقي الغزوات كلها على ذلك، فمن سيقول غزوة بدر في السنة الثانية يكون على اعتبار أن السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ هي الأولى، والسنة التي تليها هي السنة الثانية، والذي سيقول أنها في السنة الأولى فذلك باعتبار أنه لا يحسب الجزء من السنة التي هاجر فيها النبي ﷺ .
стр. 1859
تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم)
стр. 1860
معنى قوله: (من فوقكم ومن أسفل منكم)
قال الله : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠]، يعني: من شدة الرعب، ومن شدة الخوف.
فقوله تعالى: ﴿جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، واضح أنه من مكان عال، وقوله: ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، من مكان آخر منخفض.
فجاءوا من المشرق وجاءوا من المغرب وأحاطوا بالمسلمين وخانت اليهود من خلف النبي ﷺ ، فصار الكفار حولهم من كل مكان، فزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر من الخوف ومن الرعب، خاصة أن الكفار كان عددهم ضخماً، فقد كانوا ثلاثة أمثال المسلمين.
قال الإمام مالك ﵀: أمر رسول الله ﷺ بالقتال من المدينة وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠]، قال مالك ﵀: ذلك يوم الخندق، جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هاهنا، والنجدية من هاهنا، يعني: جاءوا من فوقكم، ومن ورائكم مكان مرتفع جاءت منه اليهود.
﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٠]، أي: جاءت قريش وغطفان ومن معهم من أسفل منكم.
стр. 1861
سبب غزوة الأحزاب
وكان سبب هذه الغزوة اليهود، وأي مصيبة على المسلمين فمن ورائها اليهود لعنة الله عليهم، فسببها أن البعض من اليهود منهم كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وسلام بن أبي الحقيق، وسلام مشكم وحيي بن أخطب وهؤلاء من بني النضير، وهوذة بن قيس وأبو عمار من بني وائل، وهم كلهم من اليهود الذي حزبوا الأحزاب.
وفي كل غزوة من مغازي النبي ﷺ يعمل اليهود فيها عاملاً من العوامل فيكونوا سبباً في قتال المسلمين لهم، وكان من اليهود بالمدينة ثلاثة طوائف: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فبنو قينقاع أجلاهم النبي ﷺ وطردهم؛ لأنهم بعد غزوة بدر يقولون للمؤمنين: وما الذي فعلتم بغزوة بدر؟ لم تقاتلوا إلا رجالاً لا خبرة لهم بالقتال، لكن لو قاتلتمونا نحن لعلمتم من الرجال، وما زالوا يتقولون على المسلمين حتى أحدثوا حدثاً فطردهم النبي ﷺ من المدينة.
وجاءت غزوة أحد في سنة ثلاث من الهجرة، وبعد ما انتهت غزوة أحد إذا ببني النضير تحدث حدثاً، وإذا بالنبي ﷺ يجليهم ويطردهم من المدينة.
فهؤلاء من بني النضير ما زالوا موتورين حين طردهم النبي ﷺ من المدينة، فألبوا قريشاً على قتال النبي ﷺ وأصحابه، وإذا بقريش تستجيب لذلك ووعدتهم يهود بني النضير أنهم يعينونهم في المدينة على النبي ﷺ فوجد أهل مكة الفرصة في استئصال المسلمين فأجابوهم إلى ذلك.
وخرجت اليهود من مكة إلى غطفان ودعوهم أيضاً لقتال النبي ﷺ فوعدوهم بقتال النبي ﷺ بجانبهم وبجانب قريش.
وخرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن الفزاري، والحارث بن عوف المري من بني مرة، وغيرهم وأحاطوا بالمدينة، فلما سمع النبي ﷺ باجتماعهم شاور أصحابه صلوات الله وسلامه عليه.
العدد عدد ضخم جداً، وجيش المدينة ثلاثة آلاف رجل، أما الكفار فبلغ عددهم عشرة آلاف وزيادة، فكل واحد من المؤمنين يواجه ثلاثة من الكفار، فالعدد غير متكافئ.
стр. 1862
حفر الخندق
استشار النبي ﷺ المؤمنين في هذا الحدث تطبيقاً لأمر الله له بالمشاورة، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩].
ومدح الله النبي ﷺ والمؤمنين بالمشاورة، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فاستشار النبي ﷺ المؤمنين في هذا الأمر، فكل واحد من المؤمنين أشار بشيء، وأشار سلمان الفارسي ﵁ بأن يحفروا خندقاً حول المدينة يحول بينهم وبين الكفار بحيث إن الكفار لا يقدرون على العبور إلى النبي ﷺ ، وكانت فكرة سلمان فكرة حسنة، فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله! إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا، بحيث إنهم لا يقدرون على العبور إلينا، فحفر المسلمون الخندق مجتهدين في ذلك.
وكان المسلمون يحفرون الخندق، ويتعبون أنفسهم، ويبذلون جهدهم، وكان النبي ﷺ يحفر كما يحفرون، ويحمل الحجارة ويحمل التراب، حتى كان التراب يتناثر على صدره وبطنه وملابسه صلوات الله وسلامه عليه.
والمنافقون كانوا كعادتهم لا يساعدون في شيء وإنما يتسللون لواذاً، أما المؤمنون فقد فعلوا أفعالاً عظيمة، وصنعوا مع النبي ﷺ كل صنيعة كريمة، فأنزل الله آيات يمدح فيها المهاجرين والأنصار، أما المنافقون فأنزل فيهم ما فضحهم به من آيات.
وقسم النبي ﷺ حفر الخندق على المسلمين، كل مجموعة تحفر جزءاً من الخندق، حتى إذا أتمت المجموعة ما عليها من حفر انطلقت لمساعدة غيرها من المجموعات، فكان المؤمنون كمثل الجسد الواحد رضوان الله ﵎ عليهم.
ولما أشار سلمان بحفر الخندق وجد المسلمون في هذا الخندق شيئاً غريباً، فإذا بهم يختلفون فقال المهاجرون: سلمان منا؛ لأن سلمان مهاجر مثلهم، وقال الأنصار: سلمان منا؛ لأنه كان في المدينة، ففصل النبي ﷺ بينهم وقال: (سلمان منا أهل البيت)، فالنبي ﷺ مدح سلمان وجعل له هذه المزية العظيمة.
стр. 1863
ما تعلمه المؤمنون أثناء حفرهم الخندق مع النبي ﷺ
النبي ﷺ لما حفر مع المؤمنين الخندق علمهم الأسوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١].
وفي الصحيحين عن البراء بن عازب: (لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ ، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى الغبار جلدة بطنه صلوات الله وسلامه عليه، وكان كثير الشعر ﵊ فكان ينقل التراب مثل آحاد المسلمين والتراب يتناثر على بطنه وعلى صدره ﵊.
قال البراء: (فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة يقول: والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا).
فكان النبي ﷺ يتمثل هذه الأبيات التي قالها ابن رواحة ويقول: (اللهم لولا أنت ما اهتدينا -وفي رواية- اللهم لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا).
стр. 1864
ذكر ما جاء من معجزات للنبي ﷺ أثناء حفر الخندق
هذه الغزوة كان فيها آيات عظيمة من الله ، من هذه الآيات أن المسلمين وهم يحفرون الخندق استصعب عليهم مكان فيه، فالأرض منها أرض ترابية ومنها أرض صخرية.
روى الإمام النسائي عن أبي سكينة -وهو رجل من المحررين- عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ قال: (لما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر، فقام رسول الله ﷺ ووضع رداءه ناحية الخندق، وأخذ المعول ونزل بنفسه، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥] وضرب الصخرة، فندر ثلث الصخرة، وخرج معها بريق عظيم، فإذا بالنبي ﷺ يقول في الثانية: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام:١١٥]، ويضرب الضربة الثانية فندر الثلث الثاني، فبرقت برقة وهكذا في الثالثة)، كل مرة يضرب النبي ﷺ ضربة فينفلق ثلث الصخرة ويخرج بريق عظيم، والنبي ﷺ يتلو هذه الآية، وانكسرت الصخرة ثلاثة أجزاء وخرج رسول الله ﷺ فأخذ رداءه وجلس.
قال سلمان: (يا رسول الله! رأيتك ضربت ما تضرب ضربة إلا كانت معها برقة، فقال له رسول الله ﷺ : رأيت ذلك يا سلمان؟! قال: إي والذي بعثك بالحق يا رسول الله! قال: فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها حتى رأيتها بعيني، فقال له من حضره من أصحابه: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ويخرب بأيدينا بلادهم! فدعا رسول الله ﷺ .
فمن الآيات، أن النبي بضربه ضربها على الصخرة نظر إلى بلاد الشام، وإلى بلاد العراق والله سيغنمه ذلك، ووجد أنه سيفتح هذه البلاد.
وفي رواية أخرى أنه كبر صلوات الله وسلامه عليه وقال: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، وإني لأبصر إلى قصورها الحمراء من مكاني هذا)، هذا في الضربة الأولى، وفي الضربة الثانية قال: (باسم الله، الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض)، ثم ضرب الثالثة وقال: (باسم الله، فقطع الحجر، وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر باب صنعاء).
وهذه بشارة في وقت انتشر فيه الرعب بين الناس؛ ليري الله المؤمنين آية من آياته سبحانه، وليعلم من يصدق ذلك ومن يكذب، أما المؤمنون عندما يسمعون النبي ﷺ يقول ذلك فيقولون: يا رسول الله! ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم، ويخرب بأيدينا بلادهم! وما النصر إلا من عند الله سبحانه، والمؤمنون لا يطلبون النصر من النبي ﷺ إنما يقولون: ادع الله أن ينصرنا على هؤلاء.
وأما الرواية الأولى ففيها (أنه في الضربة الثالثة قال: رفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من القرى حتى رأيتها بعيني)، وقال رسول الله ﷺ عند ذلك: (دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)، وهو حديث حسن.
والغرض: أن حفر الخندق آيات من آيات الله سبحانه في وقت كان المسلمون في غاية الخوف والرعب، ولا يقدرون على قتال الكفار، فلا يصدق بهذه إلا مؤمن قوي الإيمان، ولا يكذب بها إلا منافق، فقد كان المنافقون يقولون: يعدنا بفتح مدائن كسرى، وقيصر، والشام، والحبشة، والعراق، ونحن لا نستطيع أن ندافع عن أنفسنا.
стр. 1865
تجمع الأحزاب حول المدينة ونقض بني قريظة للعهد
ولما فرغ رسول الله ﷺ والمؤمنون من حفر الخندق أقبلت قريش في نحو عشرة آلاف بمن معهم من كنانة، وأهل تهامة، وأقبلت غطفان بمن معها من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد، فخرج النبي ﷺ والمؤمنون فكانوا بظهر جبل سلع بالمدينة وعددهم ثلاثة آلاف، وقد ضربوا خندقهم بينهم وبين المشركين، واستعمل النبي ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم وكان رجلاً أعمى رضي الله ﵎ عنه.
وخرج المؤمنون جميعاً مع النبي ﷺ في غزوة الخندق وبقي أهل الأعذار في المدينة، وأيضاً تسلل إليها المنافقون ليكونوا مع أهل الأعذار، وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي، وقد أخذ النبي ﷺ من يهود بني قريظة عهداً أن يحموا ظهور المسلمين، فذهب حيي بن أخطب إلى سيد بني قريظة كعب بن أسد يقول له: أريد أكلمك بشيء، فإذا بسيد بني قريظة يغلق الحصن ويقول: اذهب إنك رجل مشئوم، ليس منك إلا الشر، تدعوني إلى خلاف محمد وأنا قد عاقدته وعاهدته ولم أر منه إلا وفاء وصدقاًَ، فلست بناقض ما بيني وبينه.
فظل حيي بن أخطب حتى فتح له الباب، قال له: اسمع الذي سأقوله لك وإذا أعجبك كلامي فخذ به! فلما فتح له وسمع منه إذا به يعده بعزة الدهر ويقول له: هذه قريش وهذه غطفان ومعهم عشرة آلاف رجل، فخن محمداً, وسنكون كلنا معك ونعطيك كذا وكذا، وما زال به حتى خان النبي ﷺ ، وحتى نزل مع هذا الرجل على أن يغدر بالنبي ﷺ .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد.
стр. 1866
تفسير سورة الأحزاب (تابع١) [٩ - ١٠]
سميت غزوة الأحزاب بذلك لتجمع الأحزاب على استئصال المسلمين، وتسمى بالخندق لأن النبي ﷺ أمر بحفره عندما أشار عليه سلمان الفارسي به، وفي هذه الغزوة ظهر للمسلمين الحقد الدفين عند اليهود عندما خانوا العهود التي كانت بينهم وبين المسلمين، كما ظهر أيضاً موقف المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، ولقد نفذ النبي ﷺ مبدأ الشورى مع أصحابه في هذه الغزوة.
стр. 1867
مواقف من غزوة الأحزاب
стр. 1868
سبب تسمية غزوة الأحزاب
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١٢].
ذكر الله ﵎ في هذه الآيات ما حدث في غزوة الأحزاب -الخندق- التي كانت في العام الخامس من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكانت غزوة عظيمة جداً، وفيها معجزات وكرامات، وكانت من أشد الأيام على المسلمين.
أراد الله أن يعلم المسلمين أن النصر إنما هو بيد الله سبحانه وليس بيد الخلق، فإن نصر المؤمنون دين الله نصرهم من حيث لا يحتسبون.
ولقد اجتمع الناس على المسلمين من كل مكان، فجاءت قريش بحدها وحديدها ومعهم غطفان واليهود ليحاربوا النبي ﷺ ، فكان من النبي ﷺ أن استشار المؤمنين ما الذي يصنع مع هؤلاء؟ فأشاروا عليه بآرائهم، وأشار سلمان برأي عظيم، وهو أن يُصْنَعَ خندق بينهم وبين الكفار، فسميت هذه الغزوة بغزوة الخندق لحفرهم خندقاً بينهم وبين الكفار؛ فإنهم لا يقدرون على محاربة الكفار، لأن عدد الكفار عشرة آلاف أو يزيد، وعدد المسلمين ثلاثة آلاف، والكفار جاءوا مستعدين من كل مكان، فكان الحل في ذلك هو ما أشار به سلمان رضي الله ﵎ عنه أن يحفروا خندقاً بينهم وبين الكفار.
ونزل الكفار إلى جانب جبل أحد، ونزل المسلمون إلى جانب جبل سلع من المدينة، وبدأ الكفار يستعدون لقتال المسلمين، ففوجئوا بهذا الخندق الذي بينهم وبين المسلمين، فلا يقدرون أن يعبروا إلى المسلمين.
стр. 1869
خيانة اليهود وغدرهم
ذهب رجل من بني النضير وهو حيي بن أخطب ومعه مجموعة من اليهود إلى المشركين من أهل مكة فقالوا لهم: تعالوا إلى عز الدهر، تعالوا لقتال محمد ونحن معكم، فاستجاب الكفار لذلك.
ثم ذهبوا إلى غطفان وقالوا لهم مثل ذلك فاستجابوا لهم، واجتمعت العرب على حرب النبي ﷺ واليهود معهم.
ثم ذهب هذا الرجل اليهودي إلى سيد بني قريظة وهو كعب بن أسد ودعاه وقال له: جئتك بعز الدهر، فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر وبجهام لا غيث فيه -يعني: أتيتني بسحاب ليس فيه مطر- فقال حيي: اسمع مني ما أقول، ثم بعد ذلك ترى رأيك، فلم يزل يكلمه ويعده ويغره حتى تعاقدا على نقض عهد النبي ﷺ ، وكان كعب بن أسد وقد قال في أول كلامه: إن النبي ﷺ لا ينقض العهد ولا يغدر، وإني عاهدت النبي ﷺ ولم أر منه إلا وفاءً وصدقاً، فكيف أغدر بالنبي ﷺ ؟! ولكن اليهود في طبيعتهم الغدر حتى ولو رأوا الإحسان والجميل، ومهما رأوا من آية من آيات الله سرعان ما ينقلبون عليها.
فالإحسان يكافئونه بالإساءة العظيمة البالغة، فلقد رأوا من الله صنيعه الجميل بهم، حيث أنجاهم من آل فرعون بعدما كانوا في غاية الذل، وكانوا مقهورين مغلوبين، فإذا بهم يعبدون العجل من دون الله ، يرون من موسى ﵊ النصح لهم، ويرون منه الآيات والمعجزات، ويعلمون أنه رسول رب العالمين ﵊، فمجرد ما ذهب للقاء ربه ﵎ إذا بهم يقولون عن العجل ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه:٨٨]، أي: موسى لا يعرف إلهه فإنه ذهب ليبحث عنه، فعبدوا عجلاً من دون الله ﵎.
ويأمرهم الله سبحانه أن يدخلوا الباب سجداً ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:٥٨]، فإذا بهم يستهينون ويستهزئون فدخلوا الباب ولم يسجدوا، ومشوا على مقاعدهم وقالوا: (حنطة) استهزاءً بدينهم، فبدل ما يقولون: (حطة) أي: يا ربنا حط عنا خطايانا، يقومون بتحريف الكلمة من حطة إلى حنطة، أي حبة من شعير.
فهؤلاء لا أمان لهم أبداً؛ لأنه إذا كان هذا حالهم مع ربهم ، ومع موسى نبيهم ﵊، فكيف بهم مع غيرهما، وها هو صنيعهم، فإنهم انقلبوا على النبي صلوات الله وسلامه عليه وغدروا به وراسلوا الكفار وصاروا معهم.
أصبح المؤمنون كما قال الله : ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠].
أي: أن الكفار أتوا من الشرق ومن الغرب، فبقي المسلمون محصورين لا يستطيعون أن يعملوا شيئاً.
و ﴿زَاغَتِ الأَبْصَارُ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: أبصار المؤمنين.
﴿وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠] أي: من شدة الرعب، ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠].
стр. 1870
استيقان النبي ﷺ من غدر اليهود
ولما بلغت هذه الخيانة النبي ﷺ ، وهو مع المؤمنين أرسل إلى سعد بن عبادة سيد الخزرج وسعد بن معاذ سيد الأوس ﵄، وكانوا حلفاء اليهود في الجاهلية، فأرسلهما إلى اليهود لينظرا حقيقة الأمر دون أن يعلم بذلك أحد.
وهذا من ذكاء النبي ﷺ وشفقته على المؤمنين، فلو علموا أن اليهود قد غدروا بهم لأثر ذلك على قلوبهم ومعنوياتهم، لذلك قال لهذين الرجلين: انطلقا إلى بني قريظة، أرسل معهما أيضاً عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير، قال: (فإن كان ما قيل حقاً فالحنوا لي لحناً ولا تفتوا في أعضاد الناس)، أي: فإذا كانوا قد غدروا فلا تنشروا الخبر في وسط الناس، مع أن الخبر قد وصل إليهم، فخاف النبي ﷺ أنهم لو استيقنوا الخبر لفت في أعضاءهم، وألقوا بأيديهم ويئسوا.
وقوله لهم: الحنوا لي لحناً، يعني: قولوا كلاماً آخر أفهمه أنا والناس لا يفهمون منه شيئاً.
قال: (وإذا كان الكلام كذباً فاجهروا للناس).
وفعلاً ذهب السيدان سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير إلى اليهود فوجدوهم على أخبث ما يكون، فقد غدروا بالنبي ﷺ وانقلبوا وشتموهما.
ورجع سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومن معهما، وكان سعد بن معاذ أشد المسلمين على اليهود فشتمهم وسبهم وشتموه أيضاً، فقال سعد بن عبادة: دع عنك شتمهم، فالذي بيننا وبينهم أكبر من ذلك، ثم أقبلوا على النبي ﷺ فقالوا له: عضل والقارة، وهنا فهم النبي ﷺ ولم يفهم الناس شيئاً.
وعضل والقارة قبيلتان من العرب، أرسلوا إلى النبي ﷺ بعد غزوة أحد أن ابعث لنا من يعلمنا القرآن، فأرسل إليهم ستة من قراء القرآن، فلما ذهبوا إليهم غدروا بهم وخانوهم وقتلوهم، فكأنهم يذكرونهم أن اليهود قد عملوا بمثل ما عمل به عضل والقارة بالقراء، فهذا هو اللحن الذي قصده النبي ﷺ .
فلما سمع النبي ﷺ مقالتهم قال: (أبشروا يا معشر المسلمين).
وقد كان الأمر كما ذكر الله بأنهم جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وكادوا يظنون بالله الظنونا، بل ظنوا بالله ظن السوء، بأنه لا ينصرهم وأنه تركهم.
стр. 1871
موقف المنافقين في غزوة الخندق
وفي هذه الغزوة جاءت الفرصة التي أظهرت المنافقين في وقت ضعف المسلمين، وفي وقت مجيء أعداء المسلمين، فإن المنافقين يخافون من قوة المسلمين، فإذا كان المسلمون أقوياء فإن النفاق لا يظهر في هؤلاء، وإذا كانوا ضعفاء فإن نفاهم يظهر.
وكان في المدينة منافقون ولم يكونوا في مكة؛ لأن الكفار أقوياء ظاهرون، والمسلمين ضعفاء مستضعفون، فكان المسلم في مكة يخفي إسلامه، أما المنافق فإن قلبه فيه كفر، فإذا كان في مكة أظهر الكفر معهم، وإذا كان في المدينة فإنه يخاف من المسلمين فيظهر لهم الإسلام، فإذا حدثت مصيبة كهذه المصيبة ظهر المنافقون وتكلموا.
فمنهم من قال: إن بيوتنا عورة فإذا وقفنا هنا بجانب جبل سلع والكفار عند جبل أحد فسوف يأتون إلى بيوتنا فيدخلونها.
فيتركون النبي ﷺ ويستأذنونه ويرجعون إلى بيوتهم من خوفهم ورعبهم وتخذيلهم للمسلمين.
ومنهم من قال: يعدنا محمد ﷺ أن يفتح كنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن على نفسه! وذلك لما ضرب النبي ﷺ صخرة وحطمها بثلاث ضربات في كل ضربة وجد بشارة من الله أن يفتح له بلاد الشام وبلاد الفرس وبلاد الروم وبلاد اليمن، فبشر المسلمين بذلك، فإذا بهؤلاء المنافقين يسخرون ويقولون: يعدنا أن نفتح بلاد قيصر وبلاد كسرى وبلاد اليمن ونحن محتارون في هؤلاء الكفار لا نستطيع أن نعمل شيئاً.
فظهر ما في قلوبهم من الكفر والتكذيب بالنبي ﷺ ، ولا يستحيون أن يظهروا هذا الشيء.
فهم يظهرون إذا وجدوا المسلمين في ضعف، فأظهروا نفاقهم لعنة الله عليهم وعلى أمثالهم، يقول قائلهم: يعدنا محمد أن نفتح كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، قال ذلك من المنافقين معتب بن قشير أحد بني عمرو بن عوف، وممن قال ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣]، أوس بن قيظي.
стр. 1872
استشارة النبي ﷺ لأصحابه
ولقد أقام النبي ﷺ على هذا الحصار بضعاً وعشرين ليلة، فغزوة الأحزاب ليس معناها أنها كانت يوماً واحداً، بل ظلت بضعاً وعشرين يوماً على هذا الرعب وهذا الخوف، والكفار كانوا مستعدين يبحثون عن مكان يدخلون منه على المسلمين، والمسلمون كانوا متحصنين بهذا الخندق، ومن ثم قد يخرج اليهود عليهم من الخلف، ولكن تحدث من الله المعجزة والنصر للمؤمنين وهم على ذلك.
وحصل بين الكفار والمسلمين مناوشات بالرماح والرمي بالأحجار، ولم يصل بعضهم إلى بعض بسبب الخندق، ولما رأى رسول الله ﷺ أن البلاء قد اشتد على المسلمين وأصابهم الخوف، ومن ثم بدأ الشك في قلوبهم وذلك لخيانة اليهود أراد أن يذهب عنهم هذا الخوف، فلجأ إلى أن يعمل معاهدة بينه وبين بعض الكفار، أن يكفون عن القتال ويعطيهم شيئاً، فأراد النبي ﷺ أن يصنع ذلك لا خوفاً على نفسه ﵊، لكن خوفاً على المؤمنين الذين زاغت أعينهم واضطربت قلوبهم.
فأرسل إلى عيينة بن حصن الفزاري وإلى الحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان فجاءا إلى النبي ﷺ ، فأراد ﷺ أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ويكفون عن الحرب.
إذاً هنا نصف جيش الكفار سيرجع ويبقى خمسة آلاف وعدد المسلمين ثلاثة آلاف، فالعدد يكون متكافئاً بينهما، فالنبي ﷺ شاور الأنصار، كان ليفعل شيئاً حتى يستشير أصحابه ﵊.
فشاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة على أن يعطيهم ثلث ثمر المدينة ويرجعوا عن الحرب.
والمشاورة دائماً تكون مع كبار القوم أهل الحكمة وأهل العلم وأهل الإيمان، فلا يمكن أن يأتي النبي ﷺ إلى جيش عدده ثلاثة آلاف مقاتل ويستشيرهم واحداً واحداً، ولكن يشاور الكبار مثل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ﵄، فالكبير دائماً عنده أدب وعنده رأي وحكمة، فقالا للنبي ﷺ : (يا رسول الله! هذا أمر تحبه فنصنعه لك؟ أو شيء أمرك الله به فنطيعه؟ فقال النبي ﷺ : بل أمر أصنعه بنفسي)، أي: لم يأمرني ربي ولا أريد هذا الشيء ولكن من أجل الخوف الذي ملأ قلوب الناس قلت لكم هذا الأمر.
أو قال ﷺ : (والله ما أصنعه إلا أني قد رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، فقال سعد بن معاذ ﵁: يا رسول الله! والله لقد كنا ونحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا إليه وأعزنا بك نعطيهم أموالنا، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
فسر رسول ﷺ ، أي: فرح ﷺ بذلك؛ لأنه لم يرد غير ذلك ﵊، وقال: (أنتم وذا، وقال للاثنين من رؤساء الكفار: انصرفا فليس لكم عندنا إلا السيف).
стр. 1873
موقف علي بن أبي طالب مع عمرو بن عبد ود
وقبل نصر الله للمؤمنين حصل شيء من المناوشات، فالكفار ضاق بهم الأمر، فأخذوا يبحثون عن أضيق مكان في الخندق من أجل أن يعبروا إلى المسلمين من خلال هذا المكان، ففوارس قريش منهم عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب الفهري وكانوا من فرسان قريش وشجعانهم.
فأقبلوا حتى وقفوا على الخندق يبحثون عن مكان من أجل أن يعبروا إلى المسلمين، وأيضاً فإن فيهم شجاعة، حيث إنهم أربعة أو خمسة ويريدون أن يذهبوا لثلاثة آلاف رجل، فكانت شجاعتهم منقطعة النظير، من أجل أن نعرف أن المسلمين لم يجاهدوا أناساً ضعفاء أو أوباشاً لا يعرفون القتال، هؤلاء أناس أقوياء جداً وفي غاية الشجاعة والجرأة، بدليل أن أربعة يريدون أن يتعدوا الخندق من أجل أن يقاتلوا من وراء الخندق.
وتوجهوا إلى مكان ضيق من الخندق، فضربوا خيولهم فاقتحمت بهم الخندق.
أي: قفزت حتى وصلوا إلى المسلمين وجاوزوا الخندق وصاروا بين الخندق وبين جبل سلع الذي كان عنده المسلمون، فخرج إليهم علي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عنه، فلما خرج علي ﵁ أقبلت الفرسان نحوه ومعه مجموعة من المسلمين.
وعمرو بن عبد ود هذا كان في يوم بدر قد أثبتته الجراحة فلم يقاتل في يوم أحد بعد ذلك، وفي يوم الخندق أراد أن يري الناس شجاعته وأنه هو الرجل العظيم الشجاع الجريء، فلما وقف نادى في المسلمين: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله ﵎.
وهنالك فرق كبير في السن بين علي بن أبي طالب وبين هذا الرجل، فقال له: يا عمرو! إنك عاهدت الله فيما بلغنا عنك أنك لا تدعى إلى إحدى خصلتين أو خلتين إلا أخذت إحداهما، أي الأفضل منهما قال: نعم.
فـ علي بن أبي طالب قبل أن يقاتله يدعوه للإسلام لأنه عاهد الله على ذلك، فقال له: يا عمرو بن عبد ود! إني أدعوك إلى الله وإلى الإسلام، فقال: لا حاجة لي بذلك، أي: لا أريد هذا الشيء، قال: فأدعوك إلى المبارزة فإنك على باب الموت، فقال الرجل: يا ابن أخي! والله ما أحب أن أقتلك! فهو مستعظم لنفسه أنه من كبار المشركين وعلي بن أبي طالب مثل ابنه الصغير، ففي ظنه أن علياً لا يقدر عليه، فقال لـ علي: لا أحب أن أقتلك، لأننا أقرباء وأنت من قريش فلا أريد أن أقتلك، فهل هناك أحد آخر غيرك من أجل أن أقتله فثقته بنفسه أنه سيقتل علياً ويقتل من معه.
فقال علي بن أبي طالب أنا والله أحب أن أقتلك! فظهرت شجاعة علي ﵁ كأنه يحمسه ويقول له: تعال إذاً قاتلني، فحمي عمرو بن عبد ود ونزل عن فرسه فعقره، من أجل إثبات الشجاعة والقوة في أنه ينزل عن فرسه، بل ويقتله من أجل ألا يقتله أحد ومن أجل أن يريهم أنه يقاتل على رجليه، وأقبل إلى علي بن أبي طالب ﵁، فتنازلا وتجاولا وثار النقع -أي: الغبار- بينهما حتى حال دونهما الناس فلا يستطيعون أن ينظروا شيئاً لأن الغبار حولهما، فلما انجلى النقع إذا بـ علي على صدره وهو يذبحه رضي الله ﵎ عنه، فلما رأى أصحابه أن علياً قتل صاحبهم فروا منهزمين وهم من أشجع الكفار وقال علي رضي الله ﵎ شعراً جميلاً عن هذا الإنسان الكافر: نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصواب نازلته فتركته متجدلاً كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو انني كنت المقطر بزني أثوابي لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب هذا علي ﵁ يقول: أنا قتلته، وأنا دافعت عن دين النبي ﷺ ، وهو يدافع عن الحجارة، وأنا دعوته إلى الله فأبى أن يسلم، وعففت عن أثوابه عندما قتلته، ولو أنني كنت المقتول لسلبني أثوابي وتركني عرياناً على الأرض.
فهذا شرف المؤمنين في قتالهم رضي الله ﵎ عنهم، وقال حسان بن ثابت لما رأى عكرمة بن أبي جهل وهو يفر: فر وألقى لنا رمحه لعلك عكرم لم تفعل حسان بن ثابت يشنع به لما هرب وهو ابن أبي جهل الذي كان سيد قريش فر وألقى لنا رمحه لعلك عكرم لم تفعل ووليت تعدو كعدو الظليم ما أن يجور عن المعدل ولم تلو ظهرك مستأنساً كأن قفاك قفا فرعل أي: أن قفاه مثل قفا الضبع، فهذا من حسان وفيه قصة طويلة.
стр. 1874
تفسير سورة الأحزاب (تابع٢) [٩ - ١٠]
لقد حصلت في غزوة الأحزاب بعض المواقف الإيمانية التي سطرها أصحاب النبي ﷺ ، ومن ذلك: قتل علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود، وموقف الأنصار الشجاع من عدم إعطائهم لغطفان ثلث ثمار المدينة، وموقف نعيم بن مسعود الأشجعي وتخذيله للكفار، وموقف صفية بنت عبد المطلب من اليهودي الذي تسلل إلى الحصن، وموقف حذيفة بن اليمان عندما دخل في صفوف الأحزاب تنفيذاً لأمر النبي ﷺ .
стр. 1875
مواقف عظيمة في غزوة الأحزاب
стр. 1876
تصدي المسلمين للأحزاب
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١].
هذا اليوم الذي يذكره الله ﵎ كانت فيه هذه النعمة العظيمة من ربنا سبحانه على المؤمنين، وهو يوم غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب، وكانت في العام الخامس من هجرة النبي ﷺ حيث جاء الأحزاب لحرب النبي ﷺ بسبب اليهود الذين دعوهم لذلك وجمعوهم، فجاءت قريش ومن معها من أهل نجد وغطفان وغيرهم من المشركين في عشرة آلاف رجل، يزعمون أنهم يستأصلون النبي ﷺ والمسلمين الذين معه في المدينة.
وأشار سلمان على النبي ﷺ بأن يحفر خندقاً يكون بينهم وبين المشركين، وكان عدد جنود المسلمين ثلاثة آلاف رجل.
أمر الأحزاب كان أمراً شديداً، ولم يحدث كثير قتال، فالقتال كان قليلاً، والبعض من المشركين حاولوا أن يبحثوا عن ثغرة في الخندق ليعبروا إلى النبي ﷺ ، فعبر مجموعة من فوارسهم منهم عمرو بن عبد ود العامري، وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب وضرار بن الخطاب، وكان هؤلاء فرسان قريش وشجعانها.
فلما اقتحموا الخندق وصاروا عند المسلمين خرج منهم من يطلب من المسلمين المبارزة وهو عمرو بن عبد ود، فخرج إليه علي بن أبي طالب ﵁، ومكنه الله منه مع كون الفرق كبيراً بين الاثنين، هذا رجل كبير ومن الجريئين والمشهورين بالشجاعة، وعلي بن أبي طالب شاب صغير ﵁، ولكن الله قواه بإيمانه، فغلبه وعلاه وذبحه، فلما رأى الكفار ذلك فر الباقون وهربوا.
كان اليوم كما قال الله سبحانه ﵎ إنه يوم عظيم ويوم شديد، زاغت فيه الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وظنوا بالله الظنونا، وخانت اليهود من خلف المسلمين والنبي ﷺ مشغول بالكفار الذين أمامه، وبلغ خبر اليهود للمسلمين ففت في أعضادهم، فالنبي ﷺ أرسل للتأكد من ذلك، فقد أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة وغيرهم، حتى يأتوه بخبر اليهود ولا يذكرون الخبر تصريحاً إذا خانوا، فإذا لم يخونوا فليصرحوا بذلك، فجاءوا وعرضوا بالكلام الذي فيه أن اليهود قد خانوا فعلاً.
стр. 1877
حكمة الله في نصر عباده المؤمنين
فالأمر كان شديداً، والله ﵎ له الحكمة العظيمة البالغة، أنه يزلزل الناس ويخيفهم حتى لا يجدوا لهم ملجأً من الله إلا إليه، فيكون اعتمادهم وتوكلهم على الله سبحانه وحده لا شريك له، وله الحكمة سبحانه في أن تكون الهزيمة على طائفة والانتصار لطائفة أخرى، فالمسلمون في بعض الغزوات يغلبون من أولها، وفي بعضها يغلبون ثم يغلبون، وفي بعضها يغلبون من أولها إلى آخرها، وقد يهزمون كما حدث في يوم أحد مثلاً، فالله يرينا آيات من آياته، أن هؤلاء المسلمين الذين مع النبي ﷺ بشر كغيرهم من البشر عرضة للنصر وعرضة للهزيمة.
والهزيمة لها أسباب في داخل نفوس الناس، كما قال الله : ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥]، فكثرة العدد ليست كل شيء، فيوم حنين كان عدد المسلمين مع النبي ﷺ يقارب من عدد الكفار، كانوا عشرة آلاف ومعهم ألفان من مسلمي الفتح، والكفار كانوا عشرة آلاف أو نحو ذلك، وإذا بالمسلمين ينهزمون ولم يبق إلا سبعون رجلاً.
فإذاً أمر القتال ليس لعبة، إنه قتال الكفار ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، فليس كل مسلم يذهب إلى المعركة ويقول الله أكبر فإن الله سينصره مباشرة من غير أخذ بأسباب القتال وأسباب النصر، التي منها: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠]، أي: استعدوا لذلك بالقوة الإيمانية وبقوة العدد والعتاد، فإذا كان معكم عدد وسلاح وإيمان فقاتلوا في سبيل الله ، وتوكلوا عليه سبحانه، فسوف يأتي النصر والفتح من عند الله.
وإذا لم يوجد معكم الإيمان فإذاً لا تنتظروا النصر من الله، وكذلك إذا وجد الإيمان ولا يوجد عدد ولا إعداد للقتال، فأمر القتال ليس لعبة، لا بد من الاستعداد كما أمر الله ﵎.
وفي غزوة الأحزاب كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف؛ والكفار عشرة آلاف، فإذاً العدد غير متكافئ بين المسلمين وبين الكفار.
وقد أنزل الله ﵎ قبل ذلك في يوم بدر ويوم أحد، ما يدل على أن الواحد من المسلمين يمكن أن يقاوم عشرة من الكفار، وليس له أن يفر منهم؛ قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا﴾ [الأنفال:٦٥]، فإذاً المائة من المؤمنين يغلبون ألفاً، ثم بعد ذلك خفف عنهم لما علم أن فيهم ضعفاً، فإن يكن منهم مائة صابرة يغلبون مائتين، وإن يكن منهم ألف يغلبون ألفين بإذن الله، فالواحد أمام اثنين، أما في غزوة الخندق فإن الواحد أمام ثلاثة، فلا يستطيعون المواجهة، لكن الخندق حال بينهم وبين الكفار حتى أتى نصر الله، فليس المسلمون هم الذين خرجوا إليهم، بل الكفار هم الذين جاءوا، فانتظروا من الله سبحانه ﵎ الفرج.
стр. 1878
موقف الأنصار من رأي النبي في إعطاء ثلث ثمار المدينة لقبيلة غطفان
ولقد ضاق الأمر بالمسلمين حتى أن النبي ﷺ ليشفق عليهم، فكاد أن يتفق مع بعض الكفار على أن يأخذوا ثلث ثمار المدينة ويرجعوا ليخذلوا جيش الكفار من قريش.
وإذا بالأنصار يرفضون ويقولون للنبي ﷺ : إن كان هذا أمراً من الله سبحانه فإنا سنطيعه وإن كان أمراً تحبه أنت أيضاً نطيعه، وإن كان أمراً تعمله لنا نحن فلا، فإنهم لم يكونوا يطمعون ونحن في الكفر أنهم يأخذوا منا ثمرة من ثمار المدينة إلا شراءً أو قرى أو هدية، أما أنهم يأخذون هكذا من غير سبب فليس لهم إلا السيف.
وكان أهل المدينة شجعاناً، وكانوا مشهورين بذلك، ولما جاء تبع اليمن بجيشه يحارب أهل المدينة فكانوا يقاتلونهم بالنهار، ويطعمونهم بالليل على أنهم ضيوف.
فلم يمنعهم قتالهم من أنهم يبعثون لهم شيئاً من الطعام، فلما قالوا للنبي ﷺ : ليس لهم عندنا إلا السيف، فرح النبي ﷺ بذلك لأنهم ثابتون على دينهم.
стр. 1879
موقف نعيم بن مسعود الأشجعي
ولما علم الله من قلوب المؤمنين أنهم أقوياء في إيمانهم، جاء فضله عليهم، ولكل شيء سبب من الأسباب، فأرسل الله رجلاً كان كافراً وأسلم في ذلك الحين، واسمه نعيم بن مسعود الأشجعي، رجل من أشجع، وكان حليفاً لليهود يعرفه اليهود ويعرفه أهل مكة، فتوجه إلى النبي ﷺ يقول: (يا رسول الله! إني قد أسلمت، ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال النبي ﷺ : إنما أنت رجل واحد من غطفان فلو خرجت فخذلت عنا).
النبي ﷺ يخبر أنه لا يعمل شيئاً في القتال، وإنما يستطيع أن يخذل بأن يلقي في قلوبهم الخوف ويوقع بينهم العداوة بحيث ينصرفون، فقال النبي ﷺ : (فلو خرجت فخذلت عنا إن استطعت كان أحب إلينا من بقائك معنا).
وقال النبي ﷺ : (فاخرج فإن الحرب خَدعة)، وهذه اللفظة تقرأ على وجوه، الحرب خَدعة، والحرب خُدعة، والحرب خِدعة، وكل وجه له معنى، وأجمل المعاني الحرب خَدعة، والمعنى: إذا عرفت أن تخدع خصمك فقد قتلته، وخَدعه قتله، وهي اسم مرة.
فخرج نعيم بن مسعود ﵁ حتى أتى بني قريظة الذين خانوا النبي ﷺ .
وكان بينه وبينهم كلام ومنادمات وزيارات في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم، قالوا: قل، فلست عندنا بمتهم، أي: نحن لا نتهمك بشيء، وهم يظنون أنه ما زال على الكفر، فقال لهم: إن قريشاً وغطفان ليسوا مثلكم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، وإن قريشاً وغطفان قد جاءوا لحرب محمد ﷺ وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، فإن رأوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادكم، وخلوا بينكم وبين الرجل ولا طاقة لكم به، فعليكم أن تأخذوا رهائن من قريش من أجل أن لا يفروا ويتركوكم لمحمد.
فقالوا: لا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً.
ثم تركهم وخرج وتوجه إلى قريش فقال لهم: قد عرفتم ودي لكم معشر قريش وفراق محمد، وقد بلغني أمر أرى من الحق أن أبلغكموه نصحاً لكم، فاكتموا عني.
قالوا: نفعل! قال: تعلمون أن معشر اليهود قد ندموا على ما كان من خذلانهم محمداً، وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من بقي منهم حتى نستأصلهم.
ثم أتى غطفان وهو منهم وقال لهم مثل ذلك، فلما كانت ليلة السبت وكان ذلك من صنع الله ﵎ لرسوله ﷺ وللمؤمنين أرسل الله ﵎ ريحاً تقلب عليهم أوانيهم، وتطفئ نيرانهم وأصبح الكفار متخبطين لا يدرون ما يعملون؟ فقالوا: إلى متى سنستمر فلنقم للقتال.
فأرسلوا لليهود: إنا لسنا بدار مقام وقد هلك الخف والحافر، فاغدوا صبيحة غد للقتال حتى نناجز محمداً فنقاتله ونخلص من هذه الحرب.
واليهود أرسلوا إليهم وقالوا لهم: إن اليوم يوم السبت، ونحن لا نقاتل يوم السبت، وقد علمتم ما نال منا من تعدى في السبت، ومع ذلك لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً.
فهذا الذي أراداه نعيم بن مسعود ﵁، فلما سمعوا ذلك قالوا: صدق نعيم بن مسعود فردوا إليهم وقالوا: والله لا نعطيكم رهناً أبداً، فاخرجوا معنا إن شئتم، وإلا فلا عهد بيننا وبينكم، فقال بنو قريظة: صدق والله نعيم بن مسعود! وخذل الله الكفار، فلا هؤلاء قاموا للقتال ولا هؤلاء.
стр. 1880
موقف صفية بنت عبد المطلب من اليهودي الذي تسلل إلى الحصن
وكان اليهود يحاولون أن يعملوا شيئاً في حصن من حصون المسلمين الذي فيه النساء، فاليهود غدارون كعادتهم، فالنبي ﷺ جعل نساء المسلمين في حصن من الحصون وكان فيه حسان رضي الله ﵎ عنه، فكان في هذا الحصن نساء النبي ﷺ والسيدة صفية بنت عبد المطلب عمة النبي صلوات الله وسلامه عليه وأخت حمزة بن عبد المطلب ﵁.
فقالت ﵂: كنا يوم الأحزاب في حصن حسان بن ثابت وكان فيه النساء والصبيان، وحسان لم يكن يقدر على القتال، فكان النبي ﷺ يجعله في الحصن الذي فيه النساء والصبيان، فجاء مجموعة من اليهود فجعل أحدهم يدور حول الحصن، لعله لا يجد فيه رجالاً فيهجم اليهود على الحصن ويأخذون كل من فيه.
فطلبت صفية من حسان أن ينزل إليه، ولكن حسان كان شاعراً مجيداً ﵁، لم يكن يستطيع القتال، فلم ينزل رضي الله ﵎ عنه، فلما رأت ذلك السيدة صفية ﵂، إذا بها تأخذ عموداً من أعمدة الخيام، وتضرب به اليهودي على رأسه حتى قتلته رضي الله ﵎ عنها، وألقته على اليهود من الحصن.
فاليهود لما نظروا إليه قالوا: ما كان محمد ليدع نساءه وحدهن.
فالسيدة صفية كانت شديدة وجريئة، فعلت ما لم يفعله حسان رضي الله ﵎ عنه.
وهذا ليس أول ما فعلته فقد شهدت مقتل أخيها حمزة ﵁، والنبي ﷺ خاف عليها أنها ترى في يوم أحد حمزة وهو مقتول والكفار قد شوهوه، فالنبي ﷺ أمر الزبير أن يرد أمه حتى لا ترى أخاها حمزة وهو قتيل ﵁، فلما ذهب يردها فإذا بها تضربه في صدره وتقول: إليك عني، وتذهب بقوة وشجاعة وتنظر إلى أخيها وتسترجع وتتصبر رضي الله ﵎ عنها، في موقف لو أن رجلاً رأى مثله لعله ينهار، ولكن ثبتها الله ﵎ وصبرها ورجعت وأتت بكفنين ليكفن بهما حمزة رضي الله ﵎ عنه وأرادت أن تنقل حمزة على الجمال إلى المدينة، فنهى النبي ﷺ عن ذلك وأمر بدفنه حيث قتل رضي الله ﵎ عنه.
فالسيدة صفية أرى الله كرامة على يدها لما قتلت اليهودي وألقته على اليهود، فخاف اليهود من هذا الحصن أن يكون فيه رجال يقاتلونهم، وانصرفوا عنه، ثم جعل الله نعيم بن مسعود يخذل بين اليهود وبين الكفار حتى ارتعب الجميع، ثم إذا بالرياح تهيج عليهم فإذا بـ أبي سفيان من شدة رعبه يقول: يا معشر قريش! إني مرتحل.
стр. 1881
موقف حذيفة بن اليمان
ويحكي لنا حذيفة بن اليمان رضي الله ﵎ عنه خبر هؤلاء فيما يرويه الإمام مسلم عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال رجل من التابعين: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال حذيفة ﵁: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وبرد شديد، فقال رسول الله ﷺ : (ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة)، أي: واحد منكم يذهب يأتينا خبر هؤلاء وأدعو له أنه يكون معي يوم القيامة، فلم يقم أحد.
قال حذيفة ﵁: (فسكتنا فلم يجبه منا أحد)، لأنهم كانوا مرعوبين، قال الله : ﴿وَزَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب:١٠]، أي: من شدة الرعب والخوف.
قال ﵁: (فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة.
فسكتنا فلم يجبه أحد، فقال: قم يا حذيفة فائتنا بخبر القوم، فلم أجد بداً إذ دعاني باسمي)، أي: فقمت في هذا الوقت.
قال ﷺ : (اذهب فائتني بخبر القوم ولا تذعرهم)، أي لا تخوفهم، ولا تعمل فيهم شيئاً أو تحدث حدثاً هنالك، لأنهم في غاية الرعب، فهذه إذاً بركة وكرامة من الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه.
يقول حذيفة: (فلما وليت من عنده وكانت الليلة شديدة الرياح، شديدة البرد، فكأنما أمشي في حمام).
بركة وكرامة للنبي ﷺ ، ومعجزة من المعجزات، قام حذيفة وكأنه يمشي في حمام، أي: مكان حار، ولا يحس بشيء.
قال: (حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار)، أي: من شدة البرد يضع ناراً خلف ظهره من أجل أن يتدفأ بها، قال: حذيفة ﵁: (فأردت أن أرميه).
وهنا بلغت به الشجاعة بعد الخوف الشديد، فلو أراد أن يرميه بسهم لفعل وأبو سفيان هو زعيم هؤلاء الكفار في ذلك الحين، قال: (فذكرت قول رسول الله ﷺ : ولا تذرعهم، قال: ولو رميته لأصبته، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام)، فرجع مثلما ذهب في مكان حار، لا يشعر بشيء.
ولما وصل إليهم قال أبو سفيان كل رجل يتعرف على من يليه، لئلا يكون فيهم جواسيس للنبي ﷺ ، قال حذيفة: (فأخذت بيد الذي بجواري وقلت له: من أنت)، أي: أظهر نفسه أنه منهم، فسأل من بجواره: ما اسمك؟ فلما قال: ما اسمك؟ فالثاني لن يقول له: وأنت ما اسمك؟ وجلس حذيفة في وسطهم في الظلام، وهم يظنونه منهم، فسمع أبا سفيان يقول: ويلكم يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، أي الخيول والإبل بسبب الرياح التي أرسلها الله ، وبسبب خلف بني قريظة للعهد.
فمن شدة ما أرسله الله عليهم من الريح، فإن خيامهم لا تقف مكانها، فإنها تطير في الهواء ولا يثبت لهم قدر فكيف سيأكلون، ولا تقوم لهم نار، فارتحل أبو سفيان ووثب على جمله فما حل عقال يده إلا وهو قائم، فمن شدة الرعب الذي وقع في الكفار، فإن أبا سفيان وثب على جمله، ولم يحل عقاله إلا وهو قائم.
قال حذيفة: (ولولا عهد رسول الله ﷺ لقتلته بسهم)، أي: لقتل أبا سفيان ورجع للنبي ﷺ .
فلما رجع شعر بالبرد مرة أخرى، حتى أدفأه النبي ﷺ بثوبه، ونام رضي الله ﵎ عنه، قال: (فلم أزل نائماً حتى أصبحت، فلما أصبحت قال النبي ﷺ : قم يا نومان)، أيْ: يا كثير النوم، فقام ﵁، وقد ذهب الأحزاب.
هذه قصة الأحزاب مختصرة فيها عبرة لمن يعتبر، فإن النصر من عند الله وحده لا شريك له، إن تنصروا الله ينصركم.
стр. 1882
تفسير سورة الأحزاب (تابع٣) [٩ - ١٠]
يوم الأحزاب هو يوم من الأيام العصيبة التي واجهها المسلمون، فقد اجتمعت قوى الكفر والأحزاب من يهود ومشركين ومنافقين للقضاء على النبي ﷺ وأصحابه في المدينة، ولكن الله للمشركين بالمرصاد، فلم تلبث قوى الكفر أن جاءتها جنود الله، فرجع المشركون على أعقابهم ينكصون، ثم اتجه النبي وأصحابه إلى بني قريظة ناقضي العهد، فقتلوا رجالهم ووسبوا نساءهم وأطفالهم، وغنموا أموالهم بإذن الله.
стр. 1883
نصر الله للمؤمنين بريح وجنود لا ترى
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩].
قصة الأحزاب قد ساق الله صوراً منها في هذه السورة، وذكرنا بنعمته العظيمة على المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٩]، فنعم الله كثيرة وعظيمة ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، أي: جنس نعمة الله ﵎، فهذه نعمة من نعم الله ﵎ عليكم حين نصركم على الكفار، وكانوا قد أحاطوا بكم وأحدقوا بكم، ولولا فضل الله عليكم لكنتم بين أيديهم يفعلون بكم ما يشاءون، ولكن الله من عليكم بالنصر.
قوله: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب:٩].
المسلمون مع النبي ﷺ جنود يجاهدون في سبيل الله ، ولكن الجنود الذين قصدهم هنا هم ملائكة الله .
فأرسل جنوداً من السماء: الريح جند من جند الله سبحانه، الملائكة جند من جند الله ﵎، النار الماء الكائنات التي خلقها الله، كل شيء من جنود الله ، نحن لا ندري إلا بما يخبرنا الله ﵎ عنه.
﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا﴾ [الأحزاب:٩] أرسل على هؤلاء الكفار شيئاً من الريح فإذا بهذه الريح ترعب هؤلاء، وأرسل عليهم جنوداً من الملائكة، ولم تقاتل الملائكة في هذه الغزوة، وإنما سلطهم الله على هؤلاء الكفار يكفئون قدورهم، ويفكون قيود إبلهم وخيولهم فإذا هم في رعب، فالخيل يفك رباطها فتجول بعضها على بعض، القدور موجودة على النار فتطفأ النار وتقلب القدور، فإذا هم في رعب شديد مما يحدث أمامهم.
فلذلك يذكرنا الله بأننا لم نقاتل هؤلاء الكفار، وإنما أرسل الله من عنده من يرعبهم.
ذكرنا ربنا كيف أنه سبحانه ﵎ جعل هذه الليلة على الكفار غاية في البرودة، فالمسلمون شعروا بالبرودة، ولكن بينهم وبين الكفار خندق لم يشعروا بشيء من هذه الريح، وهذه معجزة من المعجزات، فالمسلمون مع النبي ﷺ بينهم وبين الكفار خندق، ومن وراء هذا الخندق العظيم ريح شديدة عاصفة تهيج على هؤلاء الكفار، فلا يقدرون على القيام، وأما في الناحية الأخرى عند النبي ﷺ والمسلمين فلم يشعروا بشيء من هذه الريح، حتى إن النبي ﷺ ليحتاج أن يرسل من يأتيه بخبر القوم، فيقوم حذيفة رضي الله ﵎ عنه بأمر النبي ﷺ ويذهب إلى هؤلاء الكفار، ويرى ما هم فيه من الرعب والبرد الشديد، فيقول حذيفة ﵁: لم أشعر بشيء من هذا كله، وكأني أمشي في حمام، أي: في مكان ساخن.
فيجلس ويسمع منهم ما يقولون، وأنهم راجعون إلى مكة، فيرجع حذيفة إلى النبي ﷺ ويخبره بذلك، وعند رجوع حذيفة ﵁ إلى النبي ﷺ يشعر بالبرد.
ويبقى أن المسلمين لم يشعروا إلا بالبرد الشديد، أما ريح هائلة كما عند الكفار فلم يشعروا بشيء من ذلك، لكن الكفار هم الذين شعروا بذلك، رجع حذيفة إلى النبي ﷺ فنام في تلك الليلة، ولما أصبح أيقظه النبي ﷺ .
стр. 1884
غزوة بني قريظة وما فيها من مواقف ودروس
стр. 1885
أجر المجتهد على اجتهاده وإن أخطأ
ولما أصبح رسول الله ﷺ وقد ذهب الأحزاب وعادوا إلى بلادهم، إذا بجبريل يأتي إلى النبي ﷺ في صورة دحية الكلبي على بغلة عليها قطيفة ديباج، فقال: يا محمد! إن كنتم وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة أسلحتها بعد.
وهنا يستحي النبي ﷺ من ذلك، حيث إنه وصحابته قد وضعوا سلاحهم، والملائكة لم تضع أسلحتها بعد، فقال له: إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم حصونهم.
فتقدم إليهم جبريل فزلزل بهم حصونهم، فألقي الرعب في قلوبهم، فخافوا وارتعبوا من مجيء النبي ﷺ والمؤمنين، فأمر النبي ﷺ منادياً ينادي في الناس: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.
فتوجه المسلمون إلى بني قريظة، وفي أثناء الطريق صلى بعضهم العصر، وقالوا: إنما مقصود النبي ﷺ الإسراع في المسير.
وبعضهم لم يصل العصر إلا بعد وصوله إلى بني قريظة، وقالوا: نحن نفذنا أمر النبي ﷺ حرفياً.
فلما علم النبي ﷺ ذلك لم يؤنب أحداً من الطائفتين، فهؤلاء اجتهدوا وأولئك اجتهدوا، فالذين قالوا: نصلي في بني قريظة، أخذوا بظاهر نص النبي ﷺ ، والذين قالوا: نصلي ونذهب إلى هناك، أخذوا بالمعنى الذي أراده النبي ﷺ ، وهو الإسراع في المسير.
وهنا ذكر العلماء في ذلك قاعدة وهي: أن المجتهد إذا اجتهد فأصاب فهو مأجور، وإذا اجتهد فأخطأ فهو أيضاً مأجور، لذلك كان كلا الفريقين على صواب، فالفريق الذي صلى العصر في بني قريظة قد نفذ كلام النبي ﷺ بحرفه، فهؤلاء يكون لهم الأجر أعظم من أولئك الذين صلوا في الطريق.
والنبي ﷺ لم يخطئ واحداً، ولا عنف واحداً من الفريقين، ففيه دلالة على تصويب المجتهدين، فإذا اجتهد هذا واختار رأياً، والآخر اجتهد واختار خلافه، فلا يخطئ واحداً من الاثنين، لكن هل يكون في المسألة قولان كلاهما صواب؟
الجواب
لا، فالصواب قول واحد، فالمجتهد إن أصاب فله أجر عند الله ، وإن أخطأ فله أجر عند الله ﵎، ولذلك لا يعنف هذا ولا ذاك، فالكل اجتهد، لكن إن علم أحد بالدليل أن أحد الاثنين هو المصيب فيلزمه اتباع الدليل، وإن لم يعلم الدليل القاطع فيبقى الجواز بأخذ قول هذا أو ذاك، طالما أن المسألة ليس فيها دليل يدل على تصويب واحد من الاجتهادين.
стр. 1886
جرح سعد بن معاذ في غزوة الأحزاب ودعاؤه بأن تقر عينه من بني قريظة
وهنا كان سعد بن معاذ سيد الأوس أحد الذين أرسلهم النبي ﷺ إلى بني قريظة، ليعرف منهم هل ما زالوا على العهد أم قد خانوا؟ فقدم هو وسعد بن عبادة الخزرجي وعبد الله بن رواحة وغيرهم، فلما قدموا على اليهود كان أشد المجموعة على اليهود هو سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، فسبهم وشتمهم، فسبوه وشتموه رضي الله ﵎ عنه.
وسعد بن عبادة قال: دعك منهم الآن فالأمر أكبر من ذلك، أي: ارجع إلى النبي ﷺ لينظر في أمرهم.
وكان سعد بن معاذ قد أصابه سهم في هذه الغزوة، رماه به أحد المشركين، يسمى ابن العريقة، وكان رجلاً كافراً، فلما رماه قال: خذها وأنا ابن العريقة.
فأصاب السهم أكحله ﵁ الله عنه، فجرحه جرحاً شديداً، ودعا سعد على من رماه فقال: عرق الله وجهك في النار.
ودعا ربه سبحانه ﵎ بدعوة عجيبة فقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهدهم من قوم كذبوا رسولك ﷺ ، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاللهم لا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة.
أي: إذا لم يكن هناك حرب مع قريش فاجعل الشهادة لي بهذا السهم الذي أصابني، وقبل ذلك أقر عيني من بني قريظة، هؤلاء الذين خانوا النبي صلوات الله وسلامه عليه.
واستجاب الله له دعوته، فالتأم الجرح، وكان سعد بن معاذ ﵁ هو الذي حكم في بني قريظة، ثم بعد ذلك إذا بالجرح ينفجر، فيموت سعد بن معاذ شهيداً من هذا الجرح رضي الله ﵎ عنه.
تقول السيدة عائشة ﵂ عن اليوم الذي أصيب فيه سعد في أكحله: مر سعد وعليه درع مقلصة مشمر الكمين وبه أثر الصفرة وهو يرتجز.
وكان فارعاً في الطول ﵁، وكانت أطرافه خارجة من درعه لطوله ﵁ وضخامة جسده.
فخافت عائشة أن يحصل له شيء من الكفار؛ إذ لو أرادوا أن يرموه فسيرمونه في أطرافه، فممكن أن يحدث له شيء ﵁، وكان وهو متوجه إلى النبي ﷺ يرتجز ويقول: لبث قليلاً يشهد اليهجا جمل ما أجمل الموت إذا حان الأجل وفعلاً أصيب بالسهم، فجاء في أكحله -في عرق في يده- فكان فيه استشهاده رضي الله ﵎ عنه، والناس قالوا: نرجو أن يكون قد استجيبت دعوته.
وفعلاً استجاب الله دعوة سعد بن معاذ ﵁، فمات شهيداً ولم تعد هناك حرب بين المسلمين وكفار قريش، ولذلك قال النبي ﷺ بعدها: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا).
أي: لن يأتوا إلينا، بل سنذهب نحن إليهم، وكان كما قال النبي ﷺ ، ففتحت مكة بعد ذلك، وصارت دار إسلام.
стр. 1887
غدر يهود بني قريظة وعدواتهم للإسلام
خرج المسلمون إلى بني قريظة، واليهود من طبعهم أنهم لا يقاتلون المسلمين مواجهة، وإنما من خلف الحصون والجدران، فيرمون بالسهام والرماح على المسلمين من خلف هذه الحصون التي يتحصنون بها، قال تعالى: ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحشر:١٤] فتحصنوا في حصونهم، فتوجه النبي ﷺ فحاصرهم في قريتهم، وكان الحصار شديداً.
وقد ذكر أن النبي ﷺ وجه المسلمين إلى هناك، فلما وصل إليهم علي سمعهم يشتمون النبي ﷺ ، فرجع إلى النبي ﷺ ، وكأنه أراد منه ألا يذهب هو إليهم.
فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله! ألا تبلغ إليهم.
فهو ﵁ عرض للنبي ﷺ ولم يفاجئه بأن اليهود يشتمونه، وهذا أدب منه ﵁ وأرضاه.
فالنبي ﷺ وهو الذي لا ينطق عن الهوى قال: (أظنك قد سمعت منهم شتمهم لي).
فهو ﵁ لم يرد للنبي ﷺ الذهاب إليهم، فقال النبي (لو رأوني لكفوا) أي: لو رأوه لكفوا عن سبهم وشتمهم ولخافوا؛ لأن الله نصره بالرعب الذي ألقاه على هؤلاء اليهود.
وفعلاً نهض إليهم النبي ﷺ ، فلما رأوه أمسكوا عن السب والشتم للنبي ﷺ والمسلمين، فقال لهم: (نقضتم العهد يا إخوة القردة! أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته)، فقالوا: ما كنت جاهلاً يا محمد! فلا تجهل علينا.
أي: ليس من عادتك أن تشتم يا محمد! بينما هم في الأول كانو يشتمون ثم سكتوا، بعد أن ألقي في قلوبهم الرعب، ونزل رسول الله ﷺ فحاصرهم بضعاً وعشرين ليلة، وعرض عليهم كعب بن أسد سيدهم -وكان يعرف أن النبي ﷺ نبي ورسول، ولم يرض بشتم هؤلاء للنبي ﷺ واحدة من ثلاث خصال: إما أن تسلموا وتتبعوا محمداً ﷺ والذي جاء به، فتحرزوا أموالكم ونساءكم وأبناءكم، فوالله إنكم لتعلمون أنه الذي تجدونه في كتابكم، وإما أن تقتلوا أبناءكم ونساءكم ثم تتقدموا فتقاتلوا حتى تموتوا، وإما أن تبيتوا المسلمين ليلة السبت، لأنهم سيظنون أننا لا نقاتل يوم السبت.
أي: فنحن ممنوعون من القتال في يوم السبت.
لكن هذا ليس مهماً لأن عادتهم خداع الأنبياء، وبخداعهم هذا يظنون أنهم يخدعون ربهم، فقال: في ليلة السبت نخرج ونقاتل المسلمين، وهم غير متوقعين ذلك منا، وفي ذلك زيادة طمأنينة لهم، فنقتلهم قتلة عظيمة.
فردوا عليه بقولهم: ولا نخالف حكم التوراة، وهو قد حلف لهم أنه النبي الحق الذي سيبعث في آخر الزمان.
قالوا: وأما قتل أبنائنا ونسائنا، فما وزرهم حتى نقتلهم؟ فلا نفعل هذا الشيء.
وأما القتال في يوم السبت فنحن لا نقاتل ولا نتعدى يوم السبت.
стр. 1888
موقف أبي لبابة بن عبد المنذر من بني قريظة
ثم بعثوا إلى أبي لبابة بن المنذر، وهو رجل من أصحاب النبي ﷺ ، والرجل والإنسان قد يحدث منه شيء من الأشياء، فيعثر ويقع في الخطأ أو الخطيئة، فـ أبو لبابة عندما أرسلوا إليه، وهو من الأوس، وكان حليف بني قريظة في الجاهلية، فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ونساءهم ورجالهم، وقالوا له: يا أبا لبابة! أترى أن ننزل على حكم محمد ﷺ ، ويعمل فينا الذي يريده؟ فقال لهم أبو لبابة: نعم، وأشار إلى حلقه، أي: سيذبحكم.
فهنا ﵁ قال: نعم، لأن الله سبحانه ﵎ أمر النبي ﷺ بالحكم بين الناس، وأبو لبابة كان بإمكانه أن ينصح اليهود في شيء ويقع في الخيانة لكن لن يقع في الكفر، ويقول لهم: لا تنزلوا على حكم النبي ﷺ .
فهنا قالوا: ننزل على حكم محمد.
قال: انزلوا على حكم محمد، وأشار إلى أنه إذا نزلتم على حكمة سيذبحكم ﵊، فوقع في الخيانة بسبب هذا الكلام.
فلما فعل ذلك تخلى الشيطان عنه وتركه، وهو الذي أغواه وأوقعه في ذلك، وإذا به يتذكر أنه قد خان الله ورسوله ﷺ ، وبدل أن يرجع إلى النبي ﷺ رجع إلى المدينة، فدخل المسجد وربط نفسه في سارية من سواري المسجد، حتى يتوب الله عليه، أو يموت على هذه الحالة، وكانت امرأته تفك رباطه وقت الصلاة فيصلي مع المسلمين، ثم يعود إلى رباطه مرة أخرى، فبلغ أمره للنبي ﷺ .
وانظر إلى الرحمة المهداة ﷺ ، قال: (أما إنه لو أتاني لاستغفرت له، لكن أما وقد فعل ما فعل، فلا أطلقه حتى يطلقه الله)، أي: حتى تأتي براءته وحكمه من الله ، فيتوب عليه، فأنزل الله قوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢].
فكان أبو لبابة من ضمن الذين اعترفوا بذنوبهم، وتابوا إلى الله سبحانه فتاب الله عليهم.
стр. 1889
حكم سعد بن معاذ في بني قريظة
ولما طال الحصار على بني قريظة رفضوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ ، وإنما قالوا: ننزل على حكم رجل كان حليفنا في الجاهلية، ألا وهو: سعد بن معاذ ﵁، فرضي النبي ﷺ بذلك.
وعند ذلك جاء الأوس إلى سعد بن معاذ يذكرونه كيف كان يهود بني قريظة حلفاءهم في الجاهلية، وأنهم كانوا معهم في الضراء والسراء، وأن النبي ﷺ أعطى عبد الله بن أبي ابن سلول يهود بني النضير، فتركهم النبي ﷺ من أجله، وكانوا حلفاءه في الجاهلية، فقالت الأوس لـ سعد: فلا تكن أقل من ابن سلول في نفع حلفائه من يهود بن النضير، وسعد بن معاذ ﵁ ساكت لا يتكلم بكلمة، ثم قال: آن لـ سعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
ويخرج ﵁ إلى يهود بني قريظة، فلما رآه النبي ﷺ والمسلمون قال النبي ﷺ : (قوموا إلى سيدكم فأنزلوه).
فقاموا إليه وأنزلوه رضي الله ﵎ عنه، ثم جلس وحكم في يهود بن قريظة فقال: تقتل مقاتلتهم وتسبى نساءهم وذريتهم وتقسم أموالهم، فكان هذا حكم سعد في هؤلاء الخونة الذين خانوا الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه، فحكم فيهم ولم تأخذه في الله لومة لائم.
وعند ذلك قال النبي ﷺ : (لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سماوات).
فوصفه بأنه اجتهد فأصاب حكم الله في هؤلاء، ولو حكم بغير ذلك لخالف حكم الله ، فكان هذا هو حكم الله فيهم.
فقتل من هؤلاء سبعمائة، ولم يسلم أحد منهم، مع معرفتهم بالنبي ﷺ ، لكن فضلوا القتل على أن يدخلوا في دين النبي صلوات الله وسلامه عليه، فاليهود نادر أن يدخل منهم أحد في دين النبي ﷺ ، لطمعهم في الدنيا، وطمعهم في الرياسة، مع ما هم فيه من أكل أموال الناس بالباطل، واليهود يفضل أحدهم الموت على أن يضيع منه المال، أو يضيع منه المنصب الذي هو فيه.
فأبوا أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، فخندقت لهم خنادق وقتلوا فيها، وكانوا عددهم من الستمائة إلى السبعمائة، وكان على حيي بن أخطب حلة جميلة فظن أن المسلمين سيأخذونها، فمزقها قطعاً صغيرة، حتى لا ينتفع بها أحد، وهذه عادتهم في أنهم لا يتركون مكاناً حسناً بعدهم، حتى لا ينتفع به أحد، فهم يفسدون ويخربون في الأرض، فهذا الرجل لما أتي به إلى النبي ﷺ ليقتل قال للنبي ﷺ : والله ما لمت نفسي في عداوتك أبداً.
يقول ذلك للنبي ﷺ وهو يعرف أنه رسول الله ﷺ ، ثم يقول للناس: يا أيها الناس! لا بأس بأمر الله قدر وملحمة كتبت على بني إسرائيل، ثم جلس فضربت عنقه.
نسأل الله أن يقتل بقية بني إسرائيل في الدنيا كلها، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل أعداء الدين، وأن يحصيهم عددا، ويقتلهم بددا، ولا يبقي منهم أحداً، وأن يمكن للإسلام والمسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله صحبه أجمعين.
стр. 1890
تفسير سورة الأحزاب (تابع٤) [٩ - ١٠]
ذكر الله في هذه الآيات ما حصل للمؤمنين في غزوة الأحزاب من البلاء والخوف الشديدين، فأرسل الله تعالى على الكفار ريحاً وجنوداً من الملائكة، فهزمهم الله تعالى شر هزيمة، ثم بعد ذلك حاصر النبي ﷺ يهود بني قريظة، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم وأولادهم ونساءهم، ثم قسم أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم، وللراجل سهماً واحداً.
стр. 1891
دروس وعبر من غزوة الخندق وغزوة بني قريظة
стр. 1892
حكمة الله في ابتلاء المؤمنين يوم الأحزاب
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١].
يذكر الله ﵎ في هذه الآيات وما بعدها ما كان في غزوة الخندق، حتى إن المؤمنين زلزلوا زلزالاً شديداً، فاضطربت قلوبهم، وحدث لهم خوف شديد فاضطروا إلى عمل الخندق، فحاصرهم الكفار من المشرق ومن المغرب، وكان من ورائهم اليهود، فحدث في النفوس خوف ورعب شديد.
فمن المؤمنين من وصل خوفه إلى بدنه ولم يجاوزه، ومنهم من وصل خوفه إلى قلبه فإذا به يقول كلاماً فيه كفر، كـ معتب بن قشير وغيره من الذين قالوا عن النبي ﷺ : إنه يعدنا كنوز قيصر وكسرى وأحدنا يخاف أن يذهب إلى الخلاء.
كان فضل الله على المؤمنين عظيماً، فقد نصرهم الله نصراً عظيماً لا يتوقعونه، فهم لا يقدرون على قتال هذا العدد الكبير من الكفار، ولكن الله ﵎ على كل شيء قدير، فقد أرسل الرياح وهي جند من جنود الله سبحانه، وأنزل الملائكة.
والله لا يحتاج إلى ذلك سبحانه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].
ولكن ليري المؤمنين أسباب النصر، فقد كان بقدرته تعالى أن يمنع الكفار أصلاً من المجيء إليهم، ولكن الله له الحكمة في أن يبتلي المؤمنين ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]، وفي أن يحدث لهم الخوف ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥].
فإذا أصيب المسلم بمصيبة يصبر ويتصبر ويقول: إن لله وإنا إليه راجعون، وينتظر الفرج من الله ﵎، فلذلك جعل الله سبحانه هذا بلاءً للمؤمنين وجعله محنة ثم منحة بأن نصرهم وفضلهم ﵎.
انتهى أمر الأحزاب بهذه الرياح الشديدة التي هاجت عليهم ولم يقدروا معها على نصب الخيام، ولم يقدروا معها على إيقاد النار، ولم يقدروا معها على عمل الطعام، ولم يقدروا معها على إمساك خيولهم وإمساك ركابهم فإذا بها تضطرب وتميل وتتحرك، ولم يجدوا إلا أن يفروا وعلى رأسهم قائدهم أبي سفيان فإنه ركب جمله ونسي أن يفك قيد يده، فما فكه إلا وهو راكب فوقه، وصاح فيهم: النجاة النجاة، الهرب الهرب! فيهربون بفضل الله ﵎.
стр. 1893
حصار النبي ﷺ لبني قريظة
يرجع المؤمنون مع النبي ﷺ إلى المدينة ويضعون أسلحتهم، فإذا بجبريل يأتي للنبي ﷺ وعلى ثناياه النقع -أي على أسنانه الأمامية الغبار- فيقول للنبي ﷺ : وضعتم سلاحكم؟ والله ما وضعت الملائكة أسلحتها.
ثم يأمره أن يتوجه إلى بني قريظة ويحاصرهم.
ويتوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة ويحاصرهم عشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري رضي الله ﵎ عنه، فحكم فيهم بحكم الله ﵎: أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأولادهم ونساؤهم، وأن تؤخذ أموالهم، فقتل من بني قريظة في هذا اليوم ما بين الستمائة إلى السبعمائة رجل.
وكانوا في غاية العناد، حتى إن سيدهم وهو كعب بن أسد دعاهم لخصلة من خصال ثلاث منها: أسلموا، فإنكم تعلمون أنه رسول، فيرفضون ذلك فإذا به يرفض معهم، فيقتل الجميع.
أمر النبي ﷺ بقتل المقاتلة من الرجال، وقتلت امرأة واحدة فقط، وقد نهى النبي عن قتل النساء، وإنما قتلت هذه المرأة واسمها بنانة امرأة الحكم القرظي لأنها قتلت رجلاً من المسلمين بأن طرحت عليه رحى من فوق الحصن فقتلته عمداً وعدواناً، وهذا المسلم اسمه خلاد بن سويد، فأمر النبي ﷺ بقتلها لكونها قتلت مسلماً، ولم يقتل من النساء غيرها، ثم استحيوا النساء والذرية أي: الأطفال، فأبقوهم على الحياة.
стр. 1894
شفاعة ثابت بن قيس بن شماس لرجل من بني قريظة
ثابت بن قيس بن شماس كان يلقب بخطيب رسول الله ﷺ ، هذا الرجل الفاضل من الأنصار، ولما أنزل الله سورة الحجرات وفيها نهي المؤمنين عن رفع الأصوات على النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، وكان الرجل جهوري الصوت، فظن أن الآية نزلت فيه وأنه هو الذي حبط عمله، فحبس نفسه في بيته، وظل يبكي ويقول: أنا أرفع صوتي على رسول الله ﷺ .
فافتقده النبي ﷺ ، فأُخْبِرَ أن الرجل حبس نفسه في البيت لأنه يظن أن هذه الآية نزلت فيه وأنه حبط عمله، فبشره النبي ﷺ بأنه ليس من أهلها، وكان بعد ذلك لا يتكلم مع النبي ﷺ إلا همساً رضي الله ﵎ عنه.
هذا الرجل كان خطيباً بارعاً، وكان عادة العرب أنهم يأتون للنبي ﷺ وفوداً ومعهم الشعراء والخطباء لإظهار نوع من التحدي، فيقولون للنبي ﷺ : أينا أفضل في الخطابة أو الشعر، نحن أم أنت؟ فما كان من النبي ﷺ إلا أن يدخل معهم في ذلك ولا يرد عليهم، ولكن كان يأمر ثابت بن قيس بن شماس فيتكلم فيبهرهم بخطبته رضي الله ﵎ عنه، ويأمر أحد الشعراء كـ حسان أو غيره فيغلبهم بما يقول، أما النبي ﷺ فما كان له أن يتكلم في مثل هذا أبداً.
الغرض أن ثابت بن قيس بن شماس جاء للنبي ﷺ يستشفع في رجل من اليهود، لأنه عمل له جميلاً في الجاهلية فلا يريد أن يُقتل هذا اليهودي، فالنبي ﷺ طيب خاطره بذلك، فـ ثابت بن قيس بن شماس استوهب منهم عبد الرحمن بن الزبير كان صبياً وأسلم، ورجلاً كبيراً اسمه رفاعة بن سموءل القرظي وهبه النبي ﷺ لـ أم المنذر سلمى بنت قيس، ووهب لـ ثابت بن قيس رجلاً آخر وهو ابن باطا وكانت له عنده يد، فقال له: قد استوهبتك من رسول الله ﷺ بيدك التي لك عندي.
فلما سمع ابن باطا هذا الكلام فرح فرحاً شديداً لأنه لم يقتل، فقال اليهودي: ذلك يفعل الكريم بالكريم، يعني أنا عملت لك جميلاً في يوم من الأيام وأنت عملت في هذا اليوم، فهذا فعل الكرماء، وهو رد الجميل بالجميل، فيا ترى ما الذي كان عمله هذا الرجل معه؟ كان في الجاهلية قد أسر ثابت بن قيس بن شماس وكاد يقتله، ثم منَّ عليه بالحياة فجزَّ ناصيته وتركه فلم يقتله، فلذلك طلب من النبي ﷺ أن يمنَّ عليه بذلك، فتركه له النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولكن الرجل اليهودي قال لـ ثابت: كيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل؟ أي: أنهم مأسورون وسيبقون عبيداً، فذهب ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ يستشفع له في عياله وزوجته، وكان عياله قد أسلموا أما هو فلم يسلم، فهو كان اسمه الزبير بن باطا، وابنه هو عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، وهو مسلم.
فشفع ثابت بن قيس أن يُرد عليه ماله فأعطاه ماله، وبعد ذلك قال: ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كان وجهه كأنه مرآة صينية؟ فقال: قتل، قال: فما فعل المجلسان؟ يعني الكبار من بني قريظة؟ أي: بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة.
قال: قتلوا، قال: فما فعلت الفئتان؟ قال: قتلتا.
قال: برئت ذمتك، فألحقني بهم، فأبى ثابت بن قيس بن شماس أن يقتله، فقام غيره من المسلمين فقتله، لأنه يعلم أن محمداً ﷺ نبي حق ومع ذلك لم يسلم ويريد أن يلحق بأصحابه إلى النار، لعنة الله على الظالمين، فقتل كما قتل الباقون.
قسم النبي ﷺ أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً واحداً، وكانت غزوة الخندق فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من هجرة النبي ﷺ .
стр. 1895
شهداء غزوة الخندق
ولما تم أمر بني قريظة وقتلوا استجاب الله لدعوة سعد بن معاذ ﵁، عندما قال: اللهم إذا أبقيت شيئاً من قتال قريش فأبقني لهم.
فلما تم القتال قبضه الله في ذلك السهم الذي أصابه في أكحله، فانفجر الدم بعدما كان الجرح قد اندمل ومات شهيداً رضي الله ﵎ عنه.
وكانت له منزلة عظيمة جداً، فقد ذكر النبي ﷺ أنه اهتز لموته عرش الرحمن، أي: أن العرش مخلوق خلقه الله ﵎، فكأن أهل السماوات اهتزوا طرباً لقدوم سعد بن معاذ إلى جنة الله .
استشهد ﵁ في غزوة الخندق، وكان عدد الكفار في هذه الغزوة عشرة آلاف، وعدد المسلمين ثلاثة آلاف وكان القتال بينهما مراشقات بالسهام.
وقتل في هذه الغزوة من المسلمين ستة، وهم: سعد بن معاذ وأبو عمرو من بني عبد الأشهل وأنس بن أوس بن عتيك وعبد الله بن سهل والطفيل بن نعمان وسلمة بن غنمة وكعب بن زيد.
وهذا من فضل الله ﵎ على المؤمنين، فلو حصل التحام كان سيكثر عدد القتلى من المسلمين ومن غيرهم، وألقى الله في قلوب الكفار الرعب ففروا، وهذا الرعب ليس من عدد القتلى في الكفار، فقد قتل منهم ثلاثة فقط، إنما هو بسبب ما ألقاه الله في قلوبهم من الخوف، وما جاءهم من الرياح، من أجل أن يعرف المسلمون أنهم لم يعملوا شيئاً، فليسوا هم الذين أخافوهم، فهم قتلوا منهم ثلاثة، وقُتِلَ الضعف من المسلمين، فالنصر من عند الله وحده لا شريك له.
وبعد هذه الغزوة قال النبي ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) أي: لا تجرأْ قريش أن تغزو النبي ﷺ أبداً، فكان المسلمون هم الذين يتوجهون إليهم، فكانوا يذهبون في سرايا إلى قرب مكة، ولم تخرج قريش إليهم، إلا ما كان في يوم الحديبية عندما حدث الصلح فقد جاءوا غير مقاتلين، وبقيت بين المسلمين وبينهم زيارات فيسمعون من المسلمين، ويذهب المسلمون إليهم فيسمعون منهم حتى فتح الله مكة بعد ذلك بفضله وبكرمه .
следующие страницы →