← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

دروس وعبر من غزوة الخندق وغزوة بني قريظة

стр. 1892

حكمة الله في ابتلاء المؤمنين يوم الأحزاب أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]. يذكر الله ﵎ في هذه الآيات وما بعدها ما كان في غزوة الخندق، حتى إن المؤمنين زلزلوا زلزالاً شديداً، فاضطربت قلوبهم، وحدث لهم خوف شديد فاضطروا إلى عمل الخندق، فحاصرهم الكفار من المشرق ومن المغرب، وكان من ورائهم اليهود، فحدث في النفوس خوف ورعب شديد. فمن المؤمنين من وصل خوفه إلى بدنه ولم يجاوزه، ومنهم من وصل خوفه إلى قلبه فإذا به يقول كلاماً فيه كفر، كـ معتب بن قشير وغيره من الذين قالوا عن النبي ﷺ : إنه يعدنا كنوز قيصر وكسرى وأحدنا يخاف أن يذهب إلى الخلاء. كان فضل الله على المؤمنين عظيماً، فقد نصرهم الله نصراً عظيماً لا يتوقعونه، فهم لا يقدرون على قتال هذا العدد الكبير من الكفار، ولكن الله ﵎ على كل شيء قدير، فقد أرسل الرياح وهي جند من جنود الله سبحانه، وأنزل الملائكة. والله لا يحتاج إلى ذلك سبحانه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. ولكن ليري المؤمنين أسباب النصر، فقد كان بقدرته تعالى أن يمنع الكفار أصلاً من المجيء إليهم، ولكن الله له الحكمة في أن يبتلي المؤمنين ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]، وفي أن يحدث لهم الخوف ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:١٥٥]. فإذا أصيب المسلم بمصيبة يصبر ويتصبر ويقول: إن لله وإنا إليه راجعون، وينتظر الفرج من الله ﵎، فلذلك جعل الله سبحانه هذا بلاءً للمؤمنين وجعله محنة ثم منحة بأن نصرهم وفضلهم ﵎. انتهى أمر الأحزاب بهذه الرياح الشديدة التي هاجت عليهم ولم يقدروا معها على نصب الخيام، ولم يقدروا معها على إيقاد النار، ولم يقدروا معها على عمل الطعام، ولم يقدروا معها على إمساك خيولهم وإمساك ركابهم فإذا بها تضطرب وتميل وتتحرك، ولم يجدوا إلا أن يفروا وعلى رأسهم قائدهم أبي سفيان فإنه ركب جمله ونسي أن يفك قيد يده، فما فكه إلا وهو راكب فوقه، وصاح فيهم: النجاة النجاة، الهرب الهرب! فيهربون بفضل الله ﵎.

стр. 1893

حصار النبي ﷺ لبني قريظة يرجع المؤمنون مع النبي ﷺ إلى المدينة ويضعون أسلحتهم، فإذا بجبريل يأتي للنبي ﷺ وعلى ثناياه النقع -أي على أسنانه الأمامية الغبار- فيقول للنبي ﷺ : وضعتم سلاحكم؟ والله ما وضعت الملائكة أسلحتها. ثم يأمره أن يتوجه إلى بني قريظة ويحاصرهم. ويتوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة ويحاصرهم عشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري رضي الله ﵎ عنه، فحكم فيهم بحكم الله ﵎: أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأولادهم ونساؤهم، وأن تؤخذ أموالهم، فقتل من بني قريظة في هذا اليوم ما بين الستمائة إلى السبعمائة رجل. وكانوا في غاية العناد، حتى إن سيدهم وهو كعب بن أسد دعاهم لخصلة من خصال ثلاث منها: أسلموا، فإنكم تعلمون أنه رسول، فيرفضون ذلك فإذا به يرفض معهم، فيقتل الجميع. أمر النبي ﷺ بقتل المقاتلة من الرجال، وقتلت امرأة واحدة فقط، وقد نهى النبي عن قتل النساء، وإنما قتلت هذه المرأة واسمها بنانة امرأة الحكم القرظي لأنها قتلت رجلاً من المسلمين بأن طرحت عليه رحى من فوق الحصن فقتلته عمداً وعدواناً، وهذا المسلم اسمه خلاد بن سويد، فأمر النبي ﷺ بقتلها لكونها قتلت مسلماً، ولم يقتل من النساء غيرها، ثم استحيوا النساء والذرية أي: الأطفال، فأبقوهم على الحياة.

стр. 1894

شفاعة ثابت بن قيس بن شماس لرجل من بني قريظة ثابت بن قيس بن شماس كان يلقب بخطيب رسول الله ﷺ ، هذا الرجل الفاضل من الأنصار، ولما أنزل الله سورة الحجرات وفيها نهي المؤمنين عن رفع الأصوات على النبي ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:٢]، وكان الرجل جهوري الصوت، فظن أن الآية نزلت فيه وأنه هو الذي حبط عمله، فحبس نفسه في بيته، وظل يبكي ويقول: أنا أرفع صوتي على رسول الله ﷺ . فافتقده النبي ﷺ ، فأُخْبِرَ أن الرجل حبس نفسه في البيت لأنه يظن أن هذه الآية نزلت فيه وأنه حبط عمله، فبشره النبي ﷺ بأنه ليس من أهلها، وكان بعد ذلك لا يتكلم مع النبي ﷺ إلا همساً رضي الله ﵎ عنه. هذا الرجل كان خطيباً بارعاً، وكان عادة العرب أنهم يأتون للنبي ﷺ وفوداً ومعهم الشعراء والخطباء لإظهار نوع من التحدي، فيقولون للنبي ﷺ : أينا أفضل في الخطابة أو الشعر، نحن أم أنت؟ فما كان من النبي ﷺ إلا أن يدخل معهم في ذلك ولا يرد عليهم، ولكن كان يأمر ثابت بن قيس بن شماس فيتكلم فيبهرهم بخطبته رضي الله ﵎ عنه، ويأمر أحد الشعراء كـ حسان أو غيره فيغلبهم بما يقول، أما النبي ﷺ فما كان له أن يتكلم في مثل هذا أبداً. الغرض أن ثابت بن قيس بن شماس جاء للنبي ﷺ يستشفع في رجل من اليهود، لأنه عمل له جميلاً في الجاهلية فلا يريد أن يُقتل هذا اليهودي، فالنبي ﷺ طيب خاطره بذلك، فـ ثابت بن قيس بن شماس استوهب منهم عبد الرحمن بن الزبير كان صبياً وأسلم، ورجلاً كبيراً اسمه رفاعة بن سموءل القرظي وهبه النبي ﷺ لـ أم المنذر سلمى بنت قيس، ووهب لـ ثابت بن قيس رجلاً آخر وهو ابن باطا وكانت له عنده يد، فقال له: قد استوهبتك من رسول الله ﷺ بيدك التي لك عندي. فلما سمع ابن باطا هذا الكلام فرح فرحاً شديداً لأنه لم يقتل، فقال اليهودي: ذلك يفعل الكريم بالكريم، يعني أنا عملت لك جميلاً في يوم من الأيام وأنت عملت في هذا اليوم، فهذا فعل الكرماء، وهو رد الجميل بالجميل، فيا ترى ما الذي كان عمله هذا الرجل معه؟ كان في الجاهلية قد أسر ثابت بن قيس بن شماس وكاد يقتله، ثم منَّ عليه بالحياة فجزَّ ناصيته وتركه فلم يقتله، فلذلك طلب من النبي ﷺ أن يمنَّ عليه بذلك، فتركه له النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولكن الرجل اليهودي قال لـ ثابت: كيف يعيش رجل لا ولد له ولا أهل؟ أي: أنهم مأسورون وسيبقون عبيداً، فذهب ثابت بن قيس إلى النبي ﷺ يستشفع له في عياله وزوجته، وكان عياله قد أسلموا أما هو فلم يسلم، فهو كان اسمه الزبير بن باطا، وابنه هو عبد الرحمن بن الزبير بن باطا، وهو مسلم. فشفع ثابت بن قيس أن يُرد عليه ماله فأعطاه ماله، وبعد ذلك قال: ما فعل ابن أبي الحقيق الذي كان وجهه كأنه مرآة صينية؟ فقال: قتل، قال: فما فعل المجلسان؟ يعني الكبار من بني قريظة؟ أي: بني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة. قال: قتلوا، قال: فما فعلت الفئتان؟ قال: قتلتا. قال: برئت ذمتك، فألحقني بهم، فأبى ثابت بن قيس بن شماس أن يقتله، فقام غيره من المسلمين فقتله، لأنه يعلم أن محمداً ﷺ نبي حق ومع ذلك لم يسلم ويريد أن يلحق بأصحابه إلى النار، لعنة الله على الظالمين، فقتل كما قتل الباقون. قسم النبي ﷺ أموال بني قريظة فأسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهماً واحداً، وكانت غزوة الخندق فتح بني قريظة في آخر ذي القعدة وأول ذي الحجة من السنة الخامسة من هجرة النبي ﷺ .

стр. 1895

شهداء غزوة الخندق ولما تم أمر بني قريظة وقتلوا استجاب الله لدعوة سعد بن معاذ ﵁، عندما قال: اللهم إذا أبقيت شيئاً من قتال قريش فأبقني لهم. فلما تم القتال قبضه الله في ذلك السهم الذي أصابه في أكحله، فانفجر الدم بعدما كان الجرح قد اندمل ومات شهيداً رضي الله ﵎ عنه. وكانت له منزلة عظيمة جداً، فقد ذكر النبي ﷺ أنه اهتز لموته عرش الرحمن، أي: أن العرش مخلوق خلقه الله ﵎، فكأن أهل السماوات اهتزوا طرباً لقدوم سعد بن معاذ إلى جنة الله . استشهد ﵁ في غزوة الخندق، وكان عدد الكفار في هذه الغزوة عشرة آلاف، وعدد المسلمين ثلاثة آلاف وكان القتال بينهما مراشقات بالسهام. وقتل في هذه الغزوة من المسلمين ستة، وهم: سعد بن معاذ وأبو عمرو من بني عبد الأشهل وأنس بن أوس بن عتيك وعبد الله بن سهل والطفيل بن نعمان وسلمة بن غنمة وكعب بن زيد. وهذا من فضل الله ﵎ على المؤمنين، فلو حصل التحام كان سيكثر عدد القتلى من المسلمين ومن غيرهم، وألقى الله في قلوب الكفار الرعب ففروا، وهذا الرعب ليس من عدد القتلى في الكفار، فقد قتل منهم ثلاثة فقط، إنما هو بسبب ما ألقاه الله في قلوبهم من الخوف، وما جاءهم من الرياح، من أجل أن يعرف المسلمون أنهم لم يعملوا شيئاً، فليسوا هم الذين أخافوهم، فهم قتلوا منهم ثلاثة، وقُتِلَ الضعف من المسلمين، فالنصر من عند الله وحده لا شريك له. وبعد هذه الغزوة قال النبي ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) أي: لا تجرأْ قريش أن تغزو النبي ﷺ أبداً، فكان المسلمون هم الذين يتوجهون إليهم، فكانوا يذهبون في سرايا إلى قرب مكة، ولم تخرج قريش إليهم، إلا ما كان في يوم الحديبية عندما حدث الصلح فقد جاءوا غير مقاتلين، وبقيت بين المسلمين وبينهم زيارات فيسمعون من المسلمين، ويذهب المسلمون إليهم فيسمعون منهم حتى فتح الله مكة بعد ذلك بفضله وبكرمه .

стр. 1896

انشغال المسلمين عن الصلاة في غزوة الخندق وفي يوم الخندق جاء في حديث أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هوي من الليل حتى كُفينا، وذلك قول الله : ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥]، فأمر النبي ﷺ بلالاً فأقام فصلى الظهر فأحسن كما كان يصليها في وقتها، ثم أمره فأقام فصلى العصر، ثم أمره فأقام المغرب فصلاه، ثم أمره فأقام العشاء فصلاها، وذلك قبل أن ينزل ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]. ففي آخر ذي القعدة من سنة خمس كان أمر صلاة الخوف لم ينزل، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء:١٠٢]. ولما شغل الكفار المسلمين عن أربع صلوات الله وسلامه عليه فلم يصلوها إلا في وقت العشاء، وهي الظهر والعصر والمغرب جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله ما كدت أصلي العصر حتى غربت الشمس، فقال النبي ﷺ : وأنا والله ما صليتها، ملأ الله قبورهم وبيوتهم ناراً شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر). فعرف الصحابة أن الصلاة الوسطى التي أمر الله بالمحافظة عليها هي صلاة العصر، فأمر بلالاً ﵁ فأذن ثم أقام فصلى النبي ﷺ الظهر بعد المغرب ثم أقام، فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، وكان وقت العشاء قد دخل فصلى بعد ذلك العشاء ﷺ ، فكأنه صلى بعد المغرب صلوات اليوم كلها ما عدا الفجر، ثم منع من تأخير الصلاة عن وقتها. فأنزل الله أمر صلاة الخوف أو صلاة المسايفة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩]، أي: صل على حالك الذي أنت فيه سواء كنت راكباً فوق الخيل أو راجلاً، فإن وجدت ماءً فتوضأ، فإن لم تجد فتيمم ولا تضيع وقت الصلاة وصل بحسب ما تيسر، فصار تأخير الصلاة عن وقتها ممنوعاً إلا ما يكون من الجمع بين الصلاتين النهاريتين: صلاة الظهر والعصر، والصلاتين الليليتين: المغرب والعشاء، فيجوز جمعها عند الانشغال بالقتال، أما إخراج صلاة نهارية عن وقتها حتى يأتي الليل فهذا غير جائز، وكذلك تأخير صلاة ليلية حتى يدخل وقت الفجر، وكذلك تأخير صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، فهذا غير جائز، فكل صلاة يجب أن تصلى في الوقت الذي حده الله لها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣].

стр. 1897

عمل الملائكة في غزوة الأحزاب قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. ذكر المفسرون أن الله أرسل الملائكة على هؤلاء الكفار ولم تقاتل في هذا اليوم، بخلاف ما حدث في يوم بدر فإنها نزلت وقاتلت مع المسلمين، فكان أحد المسلمين في يوم بدر يرفع السيف من أجل أن يقتل الكافر فيرى رقبته قد طارت أمامه، فقال النبي ﷺ : (إن الملائكة هي التي صنعت ذلك). أما في يوم الأحزاب فإن نزول الملائكة من أجل تكثير المسلمين، وإلقاء الرعب في قلوب الكفار، فقلعت أوتاد الخيام، وقطعت الحبال، فطارت الخيام، وأطفأت النيران وأكفأت القدور، وجالت الخيل بعضها في بعض، وأرسل الله عليهم الرعب، وكثر تكبير الملائكة في جوانب العسكر حتى كان سيد كل خباء يقول: يا بني فلان هلم إلي! ظنوا ذلك النبي ﷺ وأصحابه. فلما اجتمع القوم إلى سيدهم أبي سفيان قال لهم: النجاة النجاة، فهرب الجميع. كان الله بما يعملون بصيراً، والله بصير ورءوف بعباده سبحانه، وهزم الكفار وكان الله قوياً عزيزاً.

стр. 1898

تفسير سورة الأحزاب [٩ - ١٤] يخبر الله تعالى عن نعمته وفضله وإحسانه إلى عباده المؤمنين في صرفه أعداءهم عندما تحزبوا عام الخندق، ويخبر عن حال المؤمنين وما كانوا فيه من شدة الخوف والرعب مع التسليم التام لقضاء الله وقدره، وعن حال المنافقين وما كانوا فيه من الخور والضعف والاستسلام للكفار لو تغلبوا على المسلمين.

стр. 1899

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]. يخبرنا الله عن يوم الأحزاب وما كان فيه من شدة وزلزلة للمؤمنين، ثم ما كان فيه من نصر الله سبحانه لعباده المؤمنين. قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ)) أي: اذكروا جنس نعمة الله ، ومن هذه النعم هذه النعمة في يوم الأحزاب، إذ جاءتكم جنود وجاءكم جيش جرار من مكة وغطفان وغيرها، جاءوا للمدينة، قال الله : ((إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا)). أي: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ حين جاءكم هؤلاء فأسرع الله بالنصر إليكم، ونصر الله قريب، وكل ما هو آت من عند الله فهو قريب، فمهما ظن الإنسان أنه تأخر، ومهما ظن الإنسان أن ربنا سبحانه لم يعطه الذي طلبه فإنه ما تأخر الشيء الذي يريده الإنسان إلا لحكمة من الله . ولو أن الأحزاب حين جاءوا وهم في الطريق أرسل عليهم الريح فقلبتهم وكفأتهم وقتلتهم لما شعر المؤمنون بحلاوة هذا النصر، ومعلوم أنه عندما تقع الشدة على الإنسان ثم يأتي الفرج بعدها يعرف الإنسان قيمة هذا الفرج، ويعرف فضل الله . ولا يعرف الشيء إلا بضده، ويذوق المسلمون العناء والتعب ويصبرون ويصابرون فيتذوقون بعد ذلك حلاوة النصر وحلاوة الفرج من عند الله سبحانه، فذكرهم بهذه النعمة ثم فصل الله ما كان.

стр. 1900

تفسير قوله تعالى: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم) قال الله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب:١٠]. أي: اذكروا عندما جاءكم هؤلاء الأحزاب من كل مكان فنصركم الله عليهم. قال تعالى: ((إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)) يعني: كأنهم جاءوا من مكانين: من فوقكم ومن أسفل منكم، من المشرق ومن المغرب، من مكان عال ومن مكان منخفض. وقوله: ((جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ)) فهؤلاء الكفار بينكم وبينهم الخندق، واليهود من ورائكم خانوكم بعد ذلك، فإذا كانت القلوب بلغت الحناجر من شدة الخوف والرعب من الكفار، فكيف حين يعرفون أن اليهود أيضاً صاروا من ورائهم، وصار المسلمون بين فكي كماشة؟! هؤلاء من ورائهم وأولئك من أمامهم، والمسلمون في غاية الرعب والخوف، فيذكرهم الله بهذه النعمة. لقد بلغ الخوف بهم مبلغاً عظيماً، قال تعالى واصفاً حالهم: ((وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ)) يعني: صار الواحد منهم كأنه لم ير شيئاً أمامه قد زاغ بصره، فينظر في كل مكان فلا يستطيع أن يركز، وكأن القلب وصل إلى الحنجرة من شدة الرعب والخوف. انظر وأنت راكب المصعد حين ينزل بك فجأة وأنت غير منتبه تحس أن قلبك قد طار، وكذلك عندما يفزعك أحد في شيء تحس أن قلبك قد طار، ففي هذه الحالة لا تستطيع التفكير، فحال المسلمين كان كذلك، فقد بلغت القلوب الحناجر، وزاغت أبصارهم، لا يعرفون من أين تأتي لهم المصيبة، فهؤلاء هل يستطيعون أن يدافعوا عن أنفسهم، وقد بلغ من حالهم ذلك؟ حينها جاء النصر من عند الله ، ولم يقتل من المسلمين سوى ستة، ولم يقتل من الكفار سوى ثلاثة. إذاً: لم يكن هناك حرب وقتال بينهم ولم تحصل مسايفة، ولكن حدث ما أخبر الله به أن جاء النصر من عند الله وحده لا شريك له. فالمؤمن في قلبه الإيمان وإن قال: يا رب أخرت النصر لكن أنا واثق في نصرك، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] يعني: لابد من الصبر، فيخبر الله عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام: ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ)) من إيمان قومهم، ((وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا)) أي: وظن الرسل واستيقنوا أن هؤلاء مكذبون لهم، وانتظر الرسل النصر من الله ، وتأخر النصر شيئاً ثم جاء النصر بعد ذلك، ((جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ)) أي: ينجي الله من يشاء ويهلك من يشاء . إذاً: الإنسان قد يتمنى شيئاً ولكن ليس شرطاً أن تدرك ما تتمناه، وأن يحقق الله الذي تتمناه بعينك، لكن له حكمة أن يحقق هذا الشيء أو يؤخر، وفي كل خير، كما قال النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) فالأمر كله خير للمؤمن، والله أعلم بما هو خير وأفضل للمؤمن، فأنت حين تتمنى شيئاً والله يقول لك: لن أعطيك هذا الشيء، بل نعطيك ما هو أفضل منه، فيتمنى المؤمن أن يقتحم على عدوه وأن يقتل عدوه وينتصر عليه، والله يرى لهذا العبد مكانة أنك لو قتلت هذا العدو فلن تصل لها، ولو قتلك العدو تصل إليها، فالله يحكم بالشيء الذي يمكن أن الإنسان لا يريد هذا الشيء، قال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧] المؤمنون يطلبون شيئاً. ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال:٧]. فالله له الحكمة فيما يفعل بعباده، فالمؤمنون ظنوا بالله الظنونا، فمنهم من ظن أن سيغلبون الكفار، لكن لحكمة من الله تأخر النصر، أما المنافقون فأساءوا الظن بالله سبحانه كعادتهم. فقوله: ((وتظنون)) الخطاب هنا موجه للمؤمنين وللمنافقين الذين معهم، المؤمنون ظنوا أن النصر تأخر لحكمة من الله ، المنافقون قالوا: إنه يعدنا بكنوز كسرى وقيصر ونحن لا يأمن أحدنا أن يذهب إلى الخلاء، فأساءوا الظن بالله . قوله: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) فيها قراءتان: فيقرأ نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم وأبو جعفر: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) وصلاً ووقفاً، إذا وقف قال: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) وإذا وصل الآية بالتي تليها ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) * ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. ويقرؤها ابن كثير وحفص عن عاصم والكسائي وقفاً: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) بالألف في آخرها، فإذا وصل حذف الألف وجعلها فتحة فقط قال: ((وتظنون بالله الظنون)) * ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. وباقي القراء يقرءونها بغير ألف وقفاً ووصلاً: (وتظنون بالله الظنون). والذي سيقال في هذه الكلمة: ((وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)) سيأتي في كلمة (الرسولا) و (السبيلا) في الوقف والوصل.

стр. 1901

تفسير قوله تعالى: (هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً) قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١١]. قوله: ((هنالك)) وإن كانت للمكان ولكن المقصود بها هنا: في هذا الوقت ابتلي المؤمنون، أي: ابتلاهم الله . فالله سبحانه يبتلي ويختبر ويمتحن ويمحص عباده ليظهر الجيد من الرديء، قال سبحانه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [الأنفال:٣٧] وهنا قال: ((هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ)) أي: الله لابد وأن يبتلي عبده المؤمن، ولذلك قال في سورة العنكبوت: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] تريد أن تقول: أنا مؤمن ولا يحصل لك بلاء أبداً، هذا لا يمكن أن يكون، فلابد من البلاء، وكلما ازداد الإيمان ازداد البلاء، فلذلك أشد الناس ابتلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويليهم في ذلك الصالحون ثم الأمثل فالأمثل. قوله: ((وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا)) أصل الزلزلة الحركة، كأن المؤمنين زلزلوا وحركوا حركة شديدة، حركة في المكان الذي هم فيه بحيث إنه يروح ويجيء في المكان، لا يستطيع أن يثبت فيه. فقوله: ((وَزُلْزِلُوا)) اضطربت القلوب وخافت من شدة الرعب، وكان الاضطراب في النفس وفي القلب من شدة الرعب والخوف.

стр. 1902

تفسير قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]. يظهر النفاق في مثل هذه المواقف، فالمنافق تراه ساكتاً عندما يكون المؤمنون أقوياء ولا يوجد بلاء، لكن عندما يحدث البلاء يبدأ المنافق يخرج لسانه ويتكلم. والمنافق: هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، فالمنافقون قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾، في قلوبهم مرض، في قلوبهم كفر، في قلوبهم شك، في قلوبهم أنجاس الجاهلية ورجسها، يقولون: ((مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا)). فالمنافق عندما يتكلم في وقت الضراء التي تصيبه فأول ما يشتم ويسب في الله وفي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. والمنافقون يخافون من الناس ولا يخافون من الله ، يقولون عن الله : ما وعدنا الله إلا باطلاً، ويقولون عن النبي ﷺ : يغرنا ويضحك علينا بهذا الشيء، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢].

стр. 1903

تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣]. قوله: ((وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ)) أي: من المنافقين. والطائفة تطلق على المجموعة، وقد تطلق على الواحد، فهنا قالها واحد ووافقه الباقون، فقال رجل اسمه أوس بن قيظي والد عرابة بن أوس الذي كان يضرب به المثل في الكرم، وهذا أبوه كان منافقاً، فقال هذا الرجل كما أثبت الله قال: ((يَا أَهْلَ يَثْرِبَ)). ويثرب هي المدينة، كانت تسمى بذلك، والنبي ﷺ سماها (طابة) وسماها (طيبة) وسماها (المدينة)، ولم يكن النبي ﷺ يحب هذا اسم يثرب، فالله أثبته؛ لأن ذلك المنافق قال ذلك، فنادى على أهل يثرب. ولكن النبي ﷺ كان لا يحب هذا الاسم؛ لأن يثرب مأخوذ من التثريب، كما قال سيدنا يوسف ﵊: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف:٩٢] والتثريب بمعنى التوبيخ، فتسمية المدينة بطابة وطيبة لأنها أسماء جميلة، فكان النبي ﷺ يسميها بذلك، ولها أسماء أخرى. فهنا قالوا: ((يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)) ولماذا سميت يثرب؟ قيل: سميت على اسم رجل نزلها من العماليق واسمه يثرب بن عبيل، هذا أصل التسمية فيها. قالوا: ((لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا)) هذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة جمهور القراء: ((لا مَقام لكم فارجعوا)). قوله: ((لا مُقَامَ لَكُمْ)) (مُقام) مصدر من أقام يقيم إقامة فهو مقام، وعلى القراءة الأخرى: (لا مَقام) كأنه مكان، أي: لا موضع إقامة. إذاً: لا إقامة ولا مكان تقيمون فيه في هذا المكان الذي أنتم فيه مع النبي ﷺ . قوله: ((فَارْجِعُوا)) أي: اتركوا النبي ﷺ في مكانه، وارجعوا إلى المدينة. قوله: ((وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)) المنافق يكذب ولا يهمه أنه يكذب، فيستأذنون النبي ﷺ ويقولون: نحن تركنا بيوتنا في المدينة عورة ومكشوفة، وجدارها قصيرة فقد يأتي أحد ويدخل فيها، وهم لا يقولون ذلك صدقاً، وإنما يقصدون أن يفروا ويتركوا النبي ﷺ وحده، هذا فعل المنافقين في كل وقت، يقول الله : ((وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ)). ويكذبهم الله قال: ((وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ)) أي: ليست بعورة، وإنما حقيقة أمرهم ((إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا)) ففضحهم الله .

стр. 1904

تفسير قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: من أنحائها. لو دخل الكفار عليهم المدينة من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وطلبوا منهم أن يشركوا وأن يعصوا الله لم يتلبثوا ولم ينتظروا، وإنما يدخلون في الكفر بسرعة؛ لأنهم منافقون، والمنافق ينتظر متى يظهر الكفر لكي يظهر كفره، فلذلك لو دخلت عليهم المدينة من نواحيها وطلب منهم الفتنة لما توقفوا. قال تعالى: ((ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا)) أي: لوقعوا في هذه الفتنة، وهذه قراءة الجمهور ((لَآتَوْهَا)). وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وابن ذكوان بخلفه (لأتوها) يعني: لدخلوا فيها. فآتى بمعنى أعطى، وهم يعطون بأيديهم الفتنة وهي الكفر والشرك والنفاق، ويعطون المعصية، و (لأتوها) أي: أي مكان فيه فتنة يجرون إليه. قوله: ((وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا)) يعني: على استحياء، أي يطلب منه الكفر والمعصية فيستحي قليلاً أن يعرف المؤمنون حقيقة كفره ونفاقه، قال الله : ((وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا)) يعني: ما صبروا على إيمان يظهرونه إلا شيئاً يسيراً، ثم أعطوا الكفر وأظهروا ذلك. ومعنى آخر فيها: ((وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا)) يعني: كم سيعيشون بعدما يكفرون، سيقبضهم الله وسيأخذهم مهما عاشوا، فلن يعيشوا إلا فترة قليلة ثم يقبضهم الله على ما هم فيه من سوء خاتمة. نسأل الله حسن الخاتمة، ونسأله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1905

تفسير سورة الأحزاب [١٢ - ١٩] ذكر الله تعالى في هذه الآيات حال المنافقين في غزوة الأحزاب من أنهم يشكون في وعد الله تعالى ووعد رسوله، وأنهم يفرون من أرض المعركة بمبررات واهية، وأنهم أخلفوا وعد الله ووعد رسوله.

стр. 1906

تفسير قوله تعالى: (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا * وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٣ - ١٧]. لما ذكر الله ما كان في يوم الأحزاب من نصر الله للمؤمنين، بعدما زلزلوا زلزالاً شديداً وفتنوا فتنة عظيمة، ذكر لنا ما صنع المنافقون في هذا الوقت، ليفضح المنافقين ويحذر المؤمنين أن يطيعوا مثل هؤلاء أو أن يقتدوا بهم. فالمنافق يظهر أنه إنسان حكيم، وأنه يريد الحق والصواب، ويتشدق بالكلام على الجهاد، فإذا جاء موطن الخوف ووقت الجهاد كان أول من يفر، ويتأول لنفسه ويعتذر بأعذار يرى أنه محق في هذا الذي يصنعه، ويكذبهم الله بما يقولون، فهنا فضحهم الله في سورة الأحزاب، وفضحهم أكثر من ذلك في سورة براءة. فذكر هنا سبحانه: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢]. والمنافق هو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، والذين في قلوبهم مرض هم المنافقون، وفي قلوبهم شك ونفاق، وكل إنسان بحسبه، فمنهم من زاد النفاق في قلبه وزاد الشك والمرض حتى خرج عن الإسلام. ومنهم من بلغ به نفاقه إلى أن يعصي الله ورسوله، وأن يترك المؤمنين ويخذلهم، فحكم هؤلاء المنافقين بحسب قدر هذا النفاق، إما أن يخرجهم من الدين بالكلية، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، أو أنه يدفعهم بأن يعصوا رسول الله، أو أن يفروا من النبي صلوات الله وسلامه عليه. فالذين قالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا غررواً لا شك أنهم كافرون، لأنهم قالوا: إن وعد الله ليس بحق، والله يقول: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس:٥٥]. فمن قال إن وعد الله باطل، ووعد رسول الله ﷺ باطل فهو كافر.

стр. 1907

تفسير قوله تعالى: (وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم إن يريدون إلا فراراً) قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [الأحزاب:١٣] المنافقون مجموعات فطائفة منهم يقولون: يا أهل يثرب، أي: يا أهل المدينة ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:١٣]، وهذه قراءة حفص عن عاصم. وقراءة الجمهور: ﴿لا مَقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب:١٣]، أي: لا موضع إقامة لكم. فهو مصدر أي: لا إقامة لكم في هذا المكان، ولا عيش لكم في هذا المكان، فإنكم ستضيعون وستهلكون، ففروا منه واتركوا النبي ﷺ عند جبل سلع خارج المدينة وارجعوا أنتم إلى المدينة. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣]. هنا التظاهر بالحكمة، فهم يظهرون الشيء ويبطنون خلافه، فيقولون: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣] فنحن نريد أن نرجع من أجل أن ندافع عن المدينة وندافع عن أهلنا، وبيوتنا أسوارها قصيرة، ويسهل دخولها من الكفار وفيها النساء. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣] بيوتنا تقرأ بضم الباء، وتقرأ بالكسر، فهما قراءتان سبعيتان أو مشهورتان. وقراءة الضم قرأها ورش عن نافع وقرأها أبو عمرو وحفص عن عاصم، وقرأها أبو جعفر، ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها: ﴿إِنَّ بِيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [الأحزاب:١٣]، بكسر الباء. قال الله مكذباً لهم: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ [الأحزاب:١٣] أي: أنهم كذابون فيما يقولون. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب:١٣] أي: حقيقة الأمر أنهم يريدون الفرار من مواجهة الكفار.

стр. 1908

تفسير قوله تعالى: (ولو دخلت عليهم من أقطارها) قال تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: لو دخلت البيوت أو دخلت المدينة عليهم من أقطارها، أي: من أنحائها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ [الأحزاب:١٤] أي: ثم طلب منهم أن يكفروا بالله ، وأن يعصوا رسول الله ﷺ ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: لأعطوا بأيديهم هذه الفتنة. وقوله تعالى: ﴿لَآتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤] هذه قراءة نافع وأبي جعفر وحفص عن عاصم. وقراءة ابن كثير، وقراءة ابن ذكوان: ﴿لَأتَوْهَا﴾ [الأحزاب:١٤]. ومعنى: (لأتوها) أي: لجاءوا إلى الفتنة، و (لآتوها): لأعطوا هذه الفتنة، فهم يقدمون ويعطون، وهم يذهبون بأنفسهم إلى مواطن الفتن. وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤]، أي: وما صبروا على الدين في الظاهر إلا شيئاً يسيراً، ثم بعد ذلك ينقادون إلى الفتنة. وأيضاً: ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٤] أي: ما تلبثوا بالحياة والاستمتاع بما صنعوا إلا يسيراً، ثم قبضهم الله إليه.

стр. 1909

تفسير قوله تعالى: (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥]. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب:١٥] أي: أنهم عاهدوا الله قبل ذلك كما في غزوة أحد أو في غزوة بدر، كأنهم لم يشهدوا مع النبي ﷺ هاتين الغزوتين؛ فلذلك قالوا: لو شهدنا الغزو مع النبي ﷺ سترون الذي نصنعه. والفرق بين المؤمنين والمنافقين، أن المنافقين يتكلمون كثيراً، ويعدون كثيراً، ولا ينفذون ما يقولونه. أما المؤمنون فإنهم يخافون الله، يروى أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ تخلف عن النبي ﷺ في يوم بدر، فقال: لو أشهدني الله ﵎ مع النبي ﷺ ليرين الله ما أفعل. وخاف أنه يقول: سأفعل كذا ولكن قال: ربنا ينظر الذي سأفعله. فلما حضر مع النبي ﷺ في يوم أحد قاتل قتالاً شديداً حتى قتل رضي الله ﵎ عنه. فكان الذي قاله: ليرين الله ما أصنع فقط، ولم يزد على ذلك. أما المنافقون فيتكلمون كثيراً فيقولون: لئن شهدنا سنفعل وسنفعل، وسترون منا الشجاعة والإقدام والتثبيت، وعهدٌ علينا إذا حضرنا القتال سنعمل أشياء. ومعنى قوله تعالى: ﴿لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب:١٥] أي: نحن ما نفر أبداً وعهد علينا ذلك. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥] أي: الأمر ليس لعبة أنك تقول: يا رب عهد عليَّ أن أفعل كذا، أو تقول: لله عليَّ نذر أن أفعل كذا وكذا، وبعد ذلك تظن أنه كلام قد انتهى، فأنت تخاطب الله سبحانه ﵎، فإنه سيسألك عن هذا العهد: لم قلته؟ وهل نفذته أم لا؟ وإذا نفذته هل أخلصت أم لا؟ وأسئلة كثيرة في هذا الشيء الذي يفعله الإنسان ويقوله. وكثير من الناس يقولون: يا رب عهد عليَّ ألا أعمل هذه المعصية، أو أن أفعل كذا، فيسأل العبد يوم القيامة: لم عاهدت؟ وهل فعلاً فعلت هذا الذي قلت أو لم تفعل؟ وإذا فعلت فهل نفذت أم لا؟ وإذا فعلت أو نفذت فهل كنت مخلصاً لله سبحانه، أم كنت تفعل رياءً أمام الناس؟ أسئلة كثيرة عند الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب:١٥] أي: يسأل الله سبحانه ﵎ صاحب العهد عن عهده. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبَارَ﴾ [الأحزاب:١٥] أي: لا يهربون مولين الناس دبرهم، أو معطين ظهورهم لأعدائهم فيهربون من أمامهم.

стр. 1910

تفسير قوله تعالى: (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت) قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب:١٦]. فكر أيها الإنسان أنك إذا فررت من القتال وقد حذرك الله من ذلك أن ذلك من الكبائر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦]. والفرار من القتال من الكبائر، فلا تفر إذا قاتلت، ولكن واجه ودافع عن دين الله سبحانه ﵎، واطلب إحدى الحسنيين: إما النصر وإما الشهادة. ومن الثلاثة الذين يحبهم الله سبحانه ﵎ ويضحك إليهم سبحانه ﵎ ويثيبهم الثواب العظيم: رجل قابل الكفار فلم يفر، أي: توجه إلى الكفار وقاتلهم حتى نصره الله أو حتى قتل شهيداً، هذا أحد الثلاثة الذين يحبهم الله سبحانه ﵎. فيقول الله تعالى لهؤلاء الفرار: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٦] أي: ستفر من أين؟ فكر في هذا الموت الذي تفر منه، فالموت آت ومقدور ومعلوم، فأن تموت شهيداً أفضل لك من أن تموت وأنت على معصية الله سبحانه ﵎. فلو تفكر الإنسان أنه إذا قتل شهيداً، فإنه لا يستشعر بألم القتل أو ألم الذبح أو ألم الإصابة، والصحابة كانوا يقاتلون في سبيل الله ويقول أحدهم: والله ما شعرنا بألم القتال، أي: ألم الجروح وغيرها من ضرب بالسيف وغير ذلك، والواحد منهم كانت تقطع يده في القتال، وتكون متعلقة في كتفه، فيضع يده تحت رجله على الأرض ويتمطى عليها، ثم ينزعها من كتفه من أجل أن يكمل القتال ولا يستشعر بشيء، فهؤلاء أصحاب النبي ﷺ . أما الذين يحسون ويشعرون بألم الدواء، فإن ذلك كان بعد انتهاء القتال تماماً، فعندما يضعون الدواء أو العلاج فإنهم يحسون بألم الدواء، لكن في القتال لا يحسون بشيء، فإنهم قاتلوا في سبيل الله سبحانه، وأخلصوا لله ، فأعانهم الله وثبتهم، فما كان أحدهم يشعر بشيء. والنبي ﷺ يذكر لنا في الشهيد أنه لا يشعر إلا بمثل القرصة، والله يطمئنه فيغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى منزله من الجنة، ويرى الحور العين، ويزوج باثنتين وسبعين منهن، ويتوج بتاج الكرامة، ويلبس حلة الكرامة، وعندما تخرج روحه فإنه ينظر الكرامة التي أمامه، ويقيه الله من عذاب القبر وفتنته. فالذي يمزق بدنه في سبيل الله أو يقتل شهيداً، لا يحس بشيء، وعكسه الذي يموت على فراشه، أو كان قد أكل وشرب واستراح ثم بعد ذلك قبضت روحه، فألم الموت أشد من ألم السيوف، حتى المؤمن فإنه يموت بعرق الجبين، فيشتد على المؤمن التقي في خروج روحه، ويشعر بألم شديد، وكان النبي ﷺ يعاني كرباً عظيماً في حال وفاته، ولذلك فإن السيدة عائشة ﵂ قالت: ما غبطت أحداً مات بغير ذلك. يعني بعدما رأت من النبي ﷺ . فالذي يموت على فراشه فإن الله سبحانه ﵎ يشدد عليه ليرفع درجته، والشهيد قد ارتفعت درجته فلا يحتاج لهذا الشيء، فلا يشدد عليه، وإنما يرى المنزلة من الجنة ويرى الحور العين، ويعطى من فضل الله سبحانه ﵎ ومن رحمته. فلو تفكر الإنسان لتمنى أن يكون شهيداً، وأجر الشهادة يعطى لمن تمناها وسألها من الله سبحانه ﵎ بإخلاص. قال تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ [الأحزاب:١٦] فإذا فر الإنسان من الموت، أو من القتل، فإنه سيأتي عليه الموت، أو مكتوب عليه أنه سيقتل. فلو أنه كان مكتوباً عليه أنه سيقتل في سبيل الله سبحانه، وهو مقدم مقبل على الأعداء، سيضربه العدو ويقتله. فلو أنه فر سيأتيه سهم من غرب، أي: من ورائه فيقتله، فأيهما أفضل أن يأتيه السهم من أمامه وهو مكر على الأعداء أو وهو فار من الأعداء؟ فيقول الله لعبده: إذا كان مكتوباً عليك أن تموت في هذا الحين فلن ينفع الفرار. وبفرض أنكم ما استطعتم أن تفروا، وهذا فرض جدلي وليس حقيقياً، قال سبحانه: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٦] أي: حتى لو فررتم من هذا الشيء، وتمتعتم بهذه الحياة الدنيا، فإنها متعة قليلة ثم بعدها الموت.

стр. 1911

تفسير قوله تعالى: (قل من ذا الذي يعصمكم من الله) قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧]. أي: تفكر أيها الإنسان من يعصمك ويمنعك ويقيك من الله ﵎؟ ومن يدفع عنك شيئاً أراده الله سبحانه؟ فالأمر أعظم بكثير من أن يوجد من يقدر أنه يفعل شيئاً، مثلما تقول لإنسان: من ذا الذي قدر علي؟ من ذا الذي يفعل فيَّ كذا؟ فالله ﵎ يقول: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:١٧] فأي مخلوق هذا الذي يقدر أن يقف أمام قضاء الله وقدره فيمنع ذلك. قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ [الأحزاب:١٧] أي: إن أراد أن يسيئكم، أو يمسكم السوء والكرب. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب:١٧]، قال تعالى في سورة أخرى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢] فلا يقدر الإنسان أن يمنع ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب:١٧] ذكرنا قبل ذلك أن الولي بمعنى القريب، وأصله من الولي وهو القرب، فالولي هو ابن العم والعم وغيرهما من القرابات، فالأولياء كأنهم قريبون منك في نسبك، فلا ينفعك من دون الله قريب ولا نسيب ولا غريب ولا بعيد، ولا أحد ينصرك ويدافع عنك، أو يمنعك من الله.

стр. 1912

تفسير قوله تعالى: (قد يعلم الله المعوقين منكم) يقول : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] وقد هنا للتحقيق والتأكيد وليست للشك، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة:١] ومعنى: ((قد يعلم الله المعوقين)) أي: قد علم الله يقيناً ما يقول هؤلاء المعوقون. وكلمة المعوق مأخوذة من التعويق، وعوق بمعنى: صد عن الشيء، أي: منعه. فهؤلاء المعوقون المانعون للمؤمنين من القتال، الصادون لهم عن الجهاد في سبيل الله ، الذين يتعللون بالأعذار فيقولون للمؤمنين: لا تقاتلوا فإنكم متعبون أو مرضى، أو إن أبناءكم ونساءكم يحتاجون إليكم فلو رجعتم إليهم كان أحسن لكم، فيعوقون المؤمنين ويخوفونهم، وهذا فعل الشيطان. فالشيطان يقف للإنسان في مواطن، فيأتي المؤمن عند دخوله في دين الله سبحانه فيقول له: أتدع دينك ودين آبائك وتدخل في هذا؟ فلأجل أن يصده يذكره بآبائه، فإذا عصى المؤمن الشيطان ودخل في دين الله سبحانه، فإنه يأتيه عن طريق الهجرة فيقول له: أتهاجر وتترك أرضك وديارك وتكون في أرض الغربة والفتنة؟ والمؤمن يعصي الشيطان ويهاجر إلى الله سبحانه ﵎، فيأتيه عند الجهاد فيقول: أتجاهد فتقتل ويضيع أولادك ومالك وتترك كذا وكذا؟ فيعصيه المؤمن ويطيع الله سبحانه ﵎. والمنافق مثل الشيطان فهو أسوته وقدوته، فهو يفعل كفعل الشيطان، فيعوق المؤمن عن الخير، يقول تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٨] أي: المعترضين لكم ليصدوكم عن سبيل الله سبحانه. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: إلينا، وتعالوا أو عودوا معنا أين ستذهبون؟ قال سبحانه: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] فهؤلاء من المنافقين. والمنافقون المعوقون لهم صور كثيرة، فالواحد منهم يكون مع النبي ﷺ في القتال، فيدعو من معه ويقول لهم: تعالوا للقتال، ثم يذهب ويتولى عن النبي ﷺ ، كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول في يوم أحد، وخذل النبي ﷺ وأخذ ثلث الجيش وهرب ورجع بهم إلى المدينة. كذلك في يوم الخندق، فإن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ رجع إلى منزله بعذر من الأعذار ليفعل شيئاً، فترك السيوف والرماح ورجع ليأخذ حاجة من المدينة ثم بعد ذلك يرجع للنبي ﷺ ، فوجد واحداً من هؤلاء المنافقين جالساً يأكل ويشرب ويلهو، وقال له: هلم إلي، أي: تعال كل معنا واترك القتال وابعد عن هؤلاء. قال ابن زيد: هذا يوم الأحزاب، انطلق رجل من عند النبي ﷺ فوجد أخاه بين يديه رغيف وشواء ونبيذ، أي: يأكل لحماً ورغيفاً ويشرب خمراً، فقال له: أنت في هذا ونحن بين الرماح والسيوف؟ فقال: هلم إليَّ، فقد تبع لك ولأصحابك، والذي يحلف به لا يستقل بها محمد أبداً. ومعنى فقد تبع أي: فقد أحيط، يعني: أنهم سيهلكون وسيضيعون فإن الكفار قد أحاطوا بهم، فلا يفعلون شيئاً في القتال. فقال له المؤمن التقي: كذبت، فذهب إلى النبي ﷺ يخبره بذلك، فقبل أن يصل إلى النبي ﷺ نزلت الآية تفضح هذا وأمثاله، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب:١٨] أي: أقبلوا إلينا. وقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ [الأحزاب:١٨] أي: لا يأتون القتال ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] القليل هم الذي يأتون القتال، من الخوف والرعب، ولأجل السمعة والرياء، وهؤلاء المنافقون إذا حضروا القتال لم يقاتلوا إلا قليلاً. إذا فروا إلى المدينة يقومون يذكرون للصحابة نحن فعلنا وفعلنا، ولو لم نكن في المدينة لضاعت بيوتكم، وهم يكذبون في ذلك.

стр. 1913

تفسير قوله تعالى: (أشحة عليكم وكان ذلك على الله يسيراً) قال الله سبحانه: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: أبخل الناس عليكم. والشحيح هو الإنسان الذي يضن بما في يده، بل وبما في يد غيره أيضاً، فهم يمتنعون عن إعطائكم أي خير، ولا يوجد في هؤلاء خير، فلا يواسونكم بألسنتهم، ولا يعطونكم من أموالهم، بل هم في غاية الشح. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩] فصورتهم في وقت الخوف في غاية من الرعب، والإنسان الجبان غير مستقر في مكانه من شدة رعبه، ((تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ)) أي: تتحرك في كل مكان يريدون أن يهربوا إلى مكان آمن. قال تعالى: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩] كأن الموت آتيه لا محالة. قال تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: أنهم في وقت الخوف مرعوبون خائفون، يبحثون عن حماية، فإذا ذهب الخوف تشجعوا وظهروا. وقوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] السلق بمعنى رفع الصوت وإكثار الكلام، ومنه السالقة والصالقة بالسين وبالصاد بمعنى: الرافعة صوتها، فذم النبي ﷺ عن الصالقة والحالقة والشاقة ودعا عليهن. والمرأة الصالقة: هي التي تصوت، والحالقة: هي التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة: هي التي تمزق ثيابها عندما يموت لها قريب، فالتي تصنع ذلك معلونة، فالصلق والسلق بمعنى رفع الصوت. والمعنى: أظهروا الجراءة والبجاحة والكلام بالصوت العالي، والشتم والنبذ في المسلمين. وقوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: ألسنتهم حادة مثل الحديد الشديد، ففي وقت عدم الخوف فإنهم يتكلمون على المؤمنين، فيقولون مثلاً: لا يعرف كذا، أو هؤلاء المجاهدون الذين أنفقوا فإنهم يراءون الناس في الإنفاق، فمن أنفق منهم شيئاً قليلاً، قالوا فيه: ربنا غني عن هذا الشيء، فلا يعجبهم من أنفق كثيراً أو قليلاً. فالمجاهدون من المؤمنين لم يعملوا أي شيء، فلو كنا نحن كنا عملنا. وهم لا يفعلون لا قليلاً ولا كثيراً، قال سبحانه: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: ما عندهم خير لا في كلامهم ولا في فعالهم ولا في إنفاقهم. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: أن الدافع لهم إلى ذلك هو عدم الإيمان في القلوب، فأحبط الله أعمالهم، أي: أبطل ما أظهروه من أعمال ظاهرها الخير وحقيقتها الرياء، فلا ثواب لهم. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩] أي: إحباط أعمالهم على الله يسير، هذا المعنى الأول. والمعنى الآخر: كان نفاقهم عند الله لا قيمة له؛ لأن هؤلاء لا ينصرون دين الله، إنما ينصر دين الله من آمن بالله سبحانه، والله غني عن عباده. نسأل الله أن يجعلنا من عباده الناصرين دينه، المدافعين عنه، المخلصين له. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1914

تفسير سورة الأحزاب [١٨ - ٢٢] يخبر تعالى أن من صفات المنافقين الجبن والخور والخوف، فهم في غزوة الأحزاب أصابهم الهلع والجزع، حتى تمنوا أنهم في البوادي يسألون عن حال الرسول والمؤمنين من بعيد، بخلاف المؤمنين فقد وصفهم الله تعالى بأنهم استمروا على العهد والميثاق، فمنهم من استشهد في سبيل الله، ومنهم من ينتظر الموت على مثل ذلك ولم يبدلوا تبديلاً.

стр. 1915

هلع المنافقين وخوفهم من القتال الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٠ - ٢٢]. ذكر الله في هذه الآيات من سورة الأحزاب وما قبلها الفرق بين المؤمنين وبين المنافقين، كيف صنع المنافقون في يوم الأحزاب من تخذيلهم لرسول الله ﷺ ، ومن كذبهم عليه وعلى المؤمنين، ومن ظنهم السوء بربهم ، وكيف صنع المؤمنون من تصديقهم للنبي ﷺ ، وحسن ظنهم في الله سبحانه، وإن كان الأمر شديداً عليهم، ولكن كل إنسان يبتليه الله بحسب ما في قلبه من إيمان. فابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، واضطربوا وظنوا أن النصر تأخر شيئاً، ولكن هم واثقون في الله سبحانه بأنه لن يخذل رسوله صلوات الله وسلامه عليه. أما المنافقون فأساءوا الظن بالله سبحانه، وكذبوا على الله وعلى رسوله ﷺ فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب:١٢] أي: إلا محالاً وباطلاً. فهؤلاء المنافقون فضحهم الله سبحانه، وبين أنهم المعوقون للمؤمنين عن القتال، والصادون للمؤمنين عن جهادهم في سبيل الله ، الذين يقولون لإخوانهم في النسب أو لأصحابهم: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] فهم من أجبن الناس ويرمون غيرهم بالجبن، فقد قالوا عن النبي ﷺ وعن أصحابه: إنهم من أجبن الناس عند اللقاء، وإنهم من أجوع الناس بطوناً، ويقولون عنهم: إنما هم أكلة رأس، يعني: عددهم قليل، فلقلتهم يكفيهم الرأس من الغنم. فهؤلاء المنافقون يقولون لإخوانهم: هلم إلينا، أي: دعوا النبي ﷺ وتعالوا فاجلسوا معنا وكلوا، ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:١٨] (البأس) أي: القتال. قوله: (أشحة عليكم) أي: هم من أبخل الناس وأشح الناس، فالبخيل: هو الذي يضن بما في يده وبما في يد غيره، لم يكتف بما في يده، فهو شحيح ضنين على المال الذي معه وعلى المال الذي مع غيره، فهو شحيح مقتر لا يبذل. فقوله: ((أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ)) يعني: يرفضون لكم الخير، ويرفضون منكم إنفاقاً في سبيل الله . قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: إذا جاء القتال، ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب:١٩] هذا حالهم، كالإنسان الذي يرى الموت أمامه مرعوب يهتز ويرتعش، هذا حال هؤلاء المنافقين. فإذا انتهى هذا الخوف إذا بهم يتشجعون ويظهرون الشجاعة، ويقولون: عملنا وعملنا، انظروا نحن لو كنا موجودين كنا عملنا كذا، وهم أجبن خلق الله. يذكر سبحانه هؤلاء المنافقين بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون:٤] هذا حال هؤلاء المجرمين المنافقين، تجدهم طوال الأجسام عراضها، أشكالهم ومناظرهم جميلة، كذلك تأخذ منهم كلاماً كأن مقتضاه الحكمة، وهو في الحقيقة خلاف ذلك. وقال سبحانه: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] الخشب يستفاد منه في صناعة الأبواب وسقافة البيوت، لكن إذا كان الخشب مسنداً إلى الجدران فليس فيه أي فائدة، وإنما يحصل منه ضيق على الناس، فهذا هو حال هؤلاء، كأنهم خشب غير منتفع به، ولكن خشب مسنود على الجدران. يذكر الله سبحانه صفات المنافقين، ويبين أنهم في غاية الخوف والرعب والجبن إذا جاء الأعداء، يقول تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب:١٩] أي: ألسنتهم لاذعة حادة، يتكلمون كلاماً سيئاً عن المؤمنين، بل عن رسول الله ﷺ . قوله: (سلقوكم) أي: أيرفعوا أصواتهم بالقول، وكانوا في حال الخوف في غاية الجبن، لكن بعد أن غادر الأعداء رفعوا أصواتهم على المؤمنين، فهم ليسوا أشحة في الإنفاق لما في أيديهم فقط، بل هم لا يحبون من المؤمنين الإيمان، ولا يحبون للمؤمنين النصر على الأعداء، ولا يحبون خيراً يأتي لرسول الله ﷺ ولا للمؤمنين. ثم قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الأحزاب:١٩] أي: أولئك يزعمون الإيمان بألسنتهم، أما القلوب فهي خالية من الإيمان، والنتيجة تكون كما قال الله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:١٩] هم يستحقون ذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فهم وإن صلوا معكم ظاهراً، لو استطاعوا أن يتركوا الصلاة لتركوها، ولذلك لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، فهم لولا خوفهم من أن النبي ﷺ يعاقبهم، لما صلوا مع الناس الجماعة، ولتركوا الصلاة بالكلية. إذاً: هم يفعلون الخير في الظاهر أمام الناس، وهم في الحقيقة إنما يفعلون ذلك رياء وسمعة أمام الناس، فاستحقوا أن يفضحهم الله سبحانه، وأن يحبط أعمالهم، قال تعالى عن الكافرين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. أي: جعلناه هباءً كالغبار الذي يرى في الكوة التي تدخل منها الشمس، فكذلك أعمالهم لا وزن لها عند الله . قال تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:١٩] يعني: الأمر كله يسير على الله سبحانه، فكونهم يؤمنون أو يكفرون كل هذا يسير على الله سبحانه، وكذلك كونه سبحانه يحبط أعمالهم هذا يسير على الله؛ لأنه سبحانه، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

стр. 1916

تفسير قوله تعالى: (يحسبون الأحزاب لم يذهبوا) يقول سبحانه عن هؤلاء: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ [الأحزاب:٢٠] أي: من الرعب الذي أصابهم، أما المؤمنون فقد صدقوا مع النبي ﷺ ، وأرسل النبي ﷺ حذيفة ليأتيه بخبر الكفار، فرأى الكفار وهم يقولون: النجاء النجاء، وجاء حذيفة إلى النبي ﷺ وأخبره أن القوم قد ذهبوا، وجاء جبريل يخبر النبي ﷺ ، فعرف المؤمنون أن النبي ﷺ صادق فيما يقول، فرجعوا مع النبي ﷺ إلى المدينة. أما هؤلاء المنافقون الذين ملأ الجبن قلوبهم فهم لا يصدقون أن الكفار قد ذهبوا، فقد استغربوا: كيف يفر عشرة آلاف كافر من ثلاثة آلاف من المؤمنين، فهم يحسنون الظن في الكفار ويسيئون الظن في الله سبحانه وفي المؤمنين. وقوله: (يحسبون) قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي وخلف ويعقوب: (يحسِبون) بكسر السين. والباقون يقرءون: (يحسَبون) بفتحها، وهم عاصم وابن عامر وحمزة وأبو جعفر. قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب:٢٠]. يعني: هؤلاء يحبون لو أنهم يهربون من المدينة إلى البادية حتى ينظروا لمن الغلبة، فهم مع المنتصر، هذا حال المنافق، قال تعالى عنهم: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ﴾ [النساء:١٤٣] أي: لا مع المؤمنين ولا مع الكفار، فهم يقفون مع من ينتصر. قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٠] يعني: يسألون عن خبركم مع الكفار هل انتصرتم أو انهزمتم، أما أن يكونوا معكم يعينونكم على القتال فلا؛ لأنهم لا يجيدون ذلك. قوله: (يسْألون) هذه قراءة الجمهور. أما قراءة رويس عن يعقوب: (يسَّاءلون عن أنبائكم). النبأ: هو الخبر المغيب، فهم لا يريدون خبراً مشاهداً، وإنما يريدون أن يسمعوا الذي حصل مع المسلمين من بعيد فقط. قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٠] يبين ربنا سبحانه للمؤمنين أن هؤلاء وإن كثروا العدد فلا تفرحوا بهم؛ لأن حقيقتهم أنهم يخذلون بينكم، ويلقون في قلوب المؤمنين الاختلاف وبذور الشقاق، فهم يخوفون المؤمنين من الكفار، وهم يفسدون فيما بين المؤمنين، وهم يثبطونهم عن القتال.

стр. 1917

تفسير قوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) أما المؤمنون فهم يتبعون الرسول صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه أسوتهم وقدوتهم ﵊، وانظر الفرق بين هؤلاء وهؤلاء، يقول سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١]. يعني: لقد كان لكم أيها الناس جميعاً الأسوة الحسنة في رسول الله ﷺ . كان الخطاب في الآيات السابقة للمنافقين، وهنا الخطاب للجميع -للمؤمنين وللمنافقين- أي: اقتدوا جميعاً برسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وذروا ما أنتم عليه من معاصي الله سبحانه. قوله: (أسوة) بالضم، وهي قراءة عاصم وحده. أما باقي القراء فإنهم يقرءون: (إسوة) بالكسر. فقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) يعني: القدوة الحسنة في الإتساء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه للمؤمنين، فالمؤمن يقتدي بالنبي ﷺ ؛ لأنه يحب رسول الله ﷺ ، ولأن هوى المؤمن تبع للنبي ﷺ ولما جاء به. والمؤمن يفدي رسول الله ﷺ بنفسه وبأهله وبماله. ولذلك يحدث النبي ﷺ أصحابه عن هؤلاء المؤمنين الذين يأتون من بعده ولم يروه، لكنهم يودون أن يروه، ولو فقدوا أهليهم وأموالهم. قال تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] أي: يرجو ثواب الله ويرجو لقاء الله، ويرجو اليوم الآخر فهو يؤمن بالله وباليوم الآخر ويعتقد يقيناً جازماً أنه ملاقي الله، وأنه يأتي عليه يوم الحساب للجزاء والثواب والعقاب، فهو يود أنه مع النبي ﷺ مقتدٍ به في الدنيا؛ فهو إمامه يوم القيامة، يوم يدعو الله كل أناس بإمامهم. يقول الله سبحانه: ﴿وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] الذكر يعين على طاعة الله سبحانه، والله مع الذين يذكرونه ، فحين يذكر المؤمن ربه يكون الله معه.

стр. 1918

تفسير قوله تعالى: (ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢]. يذكر الله كيف كان حال المؤمنين لما رأوا الأحزاب، فقد أعلمنا حال المنافقين، وأنهم كانوا في غاية الخوف والرعب تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت. أما المؤمنون فإنهم لما رأوا الأحزاب قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، أي: هذا وعد الله أن يأتي الكفار وأن يحدث بيننا وبينهم الالتحام والقتال ويأتي نصر الله، وصدق الله ورسوله. فرق بين المؤمن والمنافق، المنافق أصابه الخوف والرعب فقال: يعدنا محمد بكنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الخلاء، لكن المؤمن لما رأى هذا الرعب وهذا الخوف قال: صدق الله ورسوله. يعني: بمجيء الأحزاب الكفار سيأتي نصر الله ؛ لأن الله ورسوله ﷺ وعدا بالنصر والتمكين، وبأننا نفتح قصور الشام وقصور العراق وبلاد الحبشة وغيرها، وصدق الله وصدق رسول الله ﷺ ، سنكون في وقت من الأوقات منتصرين، ويدخل الإيمان في كل مكان كما قال النبي ﷺ . فالمؤمنون ما زادهم ما هم فيه من خوف ومن شدة إلا إيماناً، وهذا قول النبي ﷺ : (وهل تنصرون إلا بضعفائكم). لما رأى الأقوياء كـ سعد بن أبي وقاص وغيره في يوم بدر أن لهم مزية وفضلاً على غيرهم من المؤمنين، وذلك بأنهم قاتلوا بالسيف وغيرهم ضعفاء، فقال سعد للنبي ﷺ : (أعطني هذا السيف لعله يعطاه من لا يبلي بلائي -أي: قد يأخذ السيف من لا يعمل مثل ما أعمله- فالنبي ﷺ قال لـ سعد: وهل تنصرون إلا بضعفائكم؟). يعني: النصر لا يأتي بقوة الأجسام والسلاح وإنما يأتي بقوة هؤلاء في إيمانهم، فهؤلاء الضعفاء يدعون الله ويستغيثون بالله ويطلبون النصر منه سبحانه فينصرهم، أما القوي فقد يعجب بنفسه ويظن في نفسه قوة فينسى أن يدعو ربه. إذاً: فالمؤمنون ازدادوا في حال خوفهم إيماناً بالله، وثقة في الله سبحانه، وتسليماً لأمر الله؛ لأنهم سلموا أنفسهم لله بما يشاء، فصدقوا الله ، فصدقهم الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب:٢٢] أي: بالرب سبحانه ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] بالقضاء والقدر، وهذا حال المؤمنين أنهم يسلمون لله سبحانه، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فيرضون فيرضيهم الله سبحانه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1919

تفسير سورة الأحزاب [٢٢ - ٢٣] إن الدين الإسلامي بحاجة إلى رجال يحملونه بصدق وجدية لا تعرف الكسل ولا الفتور ولا التراجع، وقد حرص النبي ﷺ على بناء هؤلاء الرجال وتربيتهم، ولقد حقق رسول الله ﷺ هذا الهدف، فبنى رجالاً مؤمنين بالله حق الإيمان، ولذلك مدحهم الله بأنهم صدقوا ما عاهدوا الله عليه.

стр. 1920

تكذيب المنافقين لله ورسوله أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٢ - ٢٥]. ذكر الله ﵎ في هذه الآيات وما قبلها وما بعدها ما كان في يوم الأحزاب: وهي غزوة الخندق، وقد كانت في شوال من العام الخامس لهجرة النبي ﷺ ، وكان قد جاء فيها الكفار بسبب اليهود الذين ألبوهم على المسلمين وأغروهم بأن يأتوا إلى المسلمين في بلادهم، فجاءت قريش وغطفان، وظاهرهم المنافقون من بني قريظة، وكان عدد الكفار عشرة آلاف رجل، وكان عدد المسلمين ثلاثة آلاف. فلما رأى المؤمنون هذا الأمر قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب:٢٢]. والله وعد المؤمنين إما النصر والتمكين، وإما الشهادة والجنة. فلما رأى المؤمنون هذا الذي أمامهم ولا طاقة لهم به قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله، أي: إما ينصرنا، أو نقتل ونكون في الجنة. وقد صدقوا الله وصدقوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وقد أراهم النبي ﷺ آية من الآيات حين كسر الصخرة التي كانت في الخندق ومنعت المؤمنين من الحفر، فنزل إليها بنفسه ﵊ وضربها ثلاث ضربات، وفي كل ضربة يتفتت جزء من هذه الصخرة ويخرج منها من الشرر ما يشاء الله سبحانه، ويرى نوراً يخرج منها، فيقول: (الله أكبر، أعطاني الله كنوز كسرى، أعطاني الله كنوز قيصر، فتح الله عليكم اليمن)، فذكر النبي ﷺ ما ذكر من أمر الله سبحانه، فصدق المؤمنون وقالوا: هذا وعد من الله سبحانه سيكون ويتم. وأما المنافقون فكذبوا بذلك وأظهروا كفرهم وتكذيبهم، وقالوا: يعدنا بكنوز قيصر وكسرى ونحن لا يأمن أحدنا أن يدخل الخلاء. وظهر النفاق من هؤلاء، ودعا بعضهم إخوانهم إلى أن يهربوا إلى المدينة وقالوا: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ [الأحزاب:١٣]، أي: اتركوا النبي ﷺ وارجعوا إلى المدينة فلا مقام لكم في هذا المكان ولن تقدروا على الكفار، حتى جاء نصر الله ففضح المنافقين وأيد المؤمنين، وأخبر عن حال الفريقين، فقال عن المؤمنين: إن هذا الهم الذي كانوا فيه ما زادهم إلا إيماناً وتسليماً، فازداد إيمانهم، والمصائب والبلاء يجعلهما الله سبحانه على المؤمنين رحمة بهم، فيزدادون إيماناً بما يحدث لهم من بلاء، ويزدادون إيماناً ويقيناً، ويمحص الله ما في قلوبهم من إيمان فيظهر الإيمان، ويظهر التمسك بدين الله ﵎. فإن في وقت الرخاء يزعم الجميع أنهم على الدين، وأنهم يفدون هذا الدين بأرواحهم وأموالهم ودمائهم، ولكن إذا نزل البلاء لا يثبت إلا المؤمن الزائد الإيمان، فمدحهم الله سبحانه أنهم ازدادوا في هذا البلاء إيماناً، وازدادوا تسليماً لله سبحانه، ورضا بالقضاء والقدر، فرضوا بقضاء الله وبقدره، وبما يكون من أمر الله سبحانه فأعطاهم الله النصر، ومكن لهم سبحانه، ووعدهم على لسان نبيه ﷺ عندما قال: الآن نغزوهم ولا يغزوننا، فكان ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1921

معنى قضاء النحب قال الله سبحانه في المؤمنين: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]. مدح الله المؤمنين بأنهم لم يبدلوا وثبتوا على دينهم، فقد عاهدوا الله ﵎ وبايعوا رسول الله ﷺ وعاهدوه على أن يجاهدوا في سبيل الله، وعلى أن يثبتوا على هذا الدين، وأن يبذلوا في سبيل هذا الدين كل غال وثمين، فيبذلوا النفوس والأموال في سبيل الله ﵎، ويبذلوا ما استطاعوا بذله، فعاهدوا الله وصدقوا في عهدهم، ونفذوا ما عاهدوا عليه، فمدحهم الله بقوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣]. والنحب يأتي بمعنى: العهد، وبمعنى: النذر، وبمعنى: الموت، وبمعنى: الحاجة. والمعاني الثلاثة الأولى مقصودة في هذه الآية، أي: أنهم وفوا بعهودهم مع الله سبحانه ﵎ ومع رسول الله ﷺ ، فكان أحدهم يعاهد الله ويقول: إذا لقيت الكفار ليرين الله ما أفعل، فيوفي بما قاله، كما روى أنس بن مالك عما صنعه عمه أنس بن النضر ﵄. فقال الله سبحانه: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: عاهد ووفى بما قال، ومنهم من عاهد ولكن لم يتمكن، وسيتمكن بعد ذلك وسيوفي، فهو ينتظر الوفاء بما عاهد عليه الله سبحانه، من جهاد في سبيل الله وبذل في سبيله ﵎. وهذا على أن النحب بمعنى: النذر والعهد، وهذا الذي يليق بأول هذه الآية. فهم عاهدوا الله ونذروا له سبحانه أن يبذلوا في سبيله ما استطاعوا، من بذل ومن جهد، فوفوا بعهودهم وبنذورهم. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: ينتظر فرصة ليبلي بلاءً حسناً ويظهر ذلك. وقيل: من معانيها الموت. ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، يعني: قتل شهيداً في سبيل الله، ومنهم من لا يزال حياً، وسيوفي الله بما عاهد عليه.

стр. 1922

غياب أنس بن النضر عن بدر واستدراكه ذلك في أحد وقد جاءت أحاديث في الصحيحين في هذا المعنى، منها ما جاء في صحيح البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبت عن أول قتال قاتلت المشركين. وقد كان أنس بن النضر من شجعان أصحاب النبي ﷺ ، ومن المؤمنين الصادقين، رضي الله ﵎ عنه وعن أصحاب النبي ﷺ . وفي يوم بدر لم يأمر النبي ﷺ المؤمنين جميعهم بالخروج، وإنما أمر من كان سلاحه حاضراً أن يخرج، حتى يلحقوا عير قريش القادمة من الشام قبل أن تفوتهم، فلم يكن الخروج من أجل القتال وإنما من أجل العير؛ ليغنموها ويرجعوا بها؛ فلذلك لم يكن الأمر بالخروج واجباً على الجميع، وإنما على من كان سلاحه حاضراً، فلم يخرج أنس بن النضر ﵁؛ لأن سلاحه لم يكن حاضراً في ذلك الحين. فخرجوا وقاتلوا فكانوا أعظم الناس عند الله ، واطلع الله سبحانه على أهل بدر فقال لهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). أي: مهما عملتم من ذنوب، وحاشا لهم أن يقعوا في كبائر يعصون بها الله سبحانه، ولكن الله من عليهم بذلك ليطمئنوا، فأنتم وأنتم في الدنيا من أهل الجنة، ومصيركم إلى الجنة، وقد غفرت لكم. فقال النبي ﷺ لهؤلاء: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ولم يحضر أنس بن النضر، وسمع ذلك، فقال للنبي ﷺ : (يا رسول الله! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين ليرين الله ما أصنع)، وخاف أن يقول غيرها، أو أكثر من ذلك. وفي رواية مسلم قال أنس ﵁: عمي الذي سميت به لم يشهد مع رسول الله ﷺ بدراً. يعني: أن أنس بن مالك سموه على اسم عمه أنس بن النضر أما أبوه مالك فمات كافراً، ولكن عمه أنساً هذا كان مؤمناً، رضي الله ﵎ عنه. فيقول: إني سميت على اسم عمي هذا. ويقول عن عمه: إنه لم يشهد بدراً، قال: فشق عليه أن غاب أول مشهد شهده رسول الله ﷺ . فقال: لئن أراني الله مشهداً فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرين الله ما أصنع، قال: فهاب أن يقول غيرها، خاف أن يقول أكثر من هذا الشيء، وخاف أن يقول: سأكون شجاعاً وأبلي بلاءً حسناً، وخاف أن يقول: سأقاتل قتالاً عظيماً؛ لأنه خاف ألا يقاتل ويفر. فلم يقل إلا: إن الله سيرى ما أصنع. وفرق بين المؤمنين والمنافقين الذين يدعون أشياء لا يقدرون عليها، يهربون من القتال ثم يزعمون شجاعات فعلوها، وهم لم يصنعوا شيئاً، ويقولون: لو كنا نحن لفعلنا وفعلنا، وهم لن يفعلوا، ولو كانوا حاضرين لكانوا أول من يهرب.

стр. 1923

موقف أنس بن النضر يوم أحد قال أنس رضي الله ﵎ عنه: فشهد يوم أحد، يعني: عمه أنس بن النضر. قال: فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون؛ لأن أكثر المسلمين فروا يوم أحد عن رسول الله ﷺ ، وقد نصرهم الله في البداية بثباتهم وبطاعتهم للنبي ﷺ ، فلما طمع الرماة في الغنيمة، وتركوا أماكنهم التي حذرهم النبي ﷺ من أن يتركوها، ونزلوا يجمعون الغنيمة، جعل الله الدائرة عليهم بعدما انتصروا، فهزموا هزيمة منكرة؛ بسبب معصيتهم للنبي ﷺ . فلما رأى أنس بن النضر في يوم أحد المسلمين منهزمين قال رضي الله ﵎ عنه: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء. أي: الذين هربوا، يعتذر لله مما لا ذنب له فيه، ولكنه قال ذلك تأدباً مع الله. قال: وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، يعني: المشركين. ثم تقدم للقتال، في وقت كان الكفار فيه أربعة أضعاف المسلمين. وقد كان عدد جيش المسلمين يوم أحد ألفاً ويزيدون قليلاً، وعدد الكفار ثلاثة آلاف، ثم عاد المنافق الملعون عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث جيش النبي ﷺ من الطريق، وهرب به، راجعاً إلى المدينة، وترك النبي ﷺ بين الستمائة إلى السبعمائة من المسلمين. فكان الكفار أربعة أضعاف المسلمين عندما فر هذا المنافق عن النبي ﷺ بمن معه. فلما وجد أنس بن النضر المسلمين منهزمين يوم أحد قال لله : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء، وتقدم لهذا الجمع العظيم من الكفار ليقاتل وحده ﵁ فيراه سعد بن أبي وقاص رضي الله ﵎ عنه، وكان أيضاً من الشجعان. يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: إنه استقبله وهو آت، وفي رواية أخرى: أنه استقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر. يقسم بالرب أنه ينظر إلى الجنة، فيقدم على الكفار وكأنه يرى الجنة أمامه، فيقول: إني أجد ريحها دون أحد. أي: أشم رائحة الجنة دون أحد. قال سعد بن معاذ ﵁: فما استطعت -يا رسول الله- ما صنع. يعني: وهو من الشجعان، قال: ولكن ما قدرت أن أفعل ما فعله هذا الرجل العظيم ﵁. قال أنس: فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف، والإنسان قد يضرب ضربة أو ضربتين فيقع، وهذا وجد به بضع وثمانون ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، فكم الذين هجموا عليه رضي الله تعالى عنه حتى يتسنى لأحدهم أن يضربه بالسيف، والثاني يرميه بالرمح والثالث يرميه بالسهم؟ لا شك أنهم كانوا مجموعات كثيرة من الكفار قد هجموا على هذا الرجل الواحد من المؤمنين، رضي الله ﵎ عنه، حتى قتلوه. فمن شدة ما صنع بهم اغتاظوا منه، فمثلوا به وشوهوه، وقطعوه حتى لم يعرفه أحد، ولم تعرفه إلا أخته ببنانه، أي: بأصبعه؛ فقد قطعه الكفار ومزقوه، حتى لم يعرف وجهه من جسده وإنما عرف بأصبعه، رضي الله ﵎ عنه، فقد كان في أصبعه أثر فعرفته أخته بهذا الأثر، رضي الله ﵎ عنه. قال أنس ﵁: فكنا نرى أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه، يعني قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، وأخته تسمى الربيع بنت النضر. وقد كانت عائلة أنس بن مالك ﵁ عائلة عفيفة جداً، هذا عمه أنس بن النضر ﵁ الذي عرفناه، وأمه هي أم سليم، وخالته أم حرام بنت ملحان رضي الله ﵎ عن الجميع، وزوج أمه أبو طلحة الأنصاري ﵁.

стр. 1924

منزلة أنس بن النضر عند الله فهذا الرجل العظيم أنس بن النضر قتل في سبيل الله، فماذا كانت منزلته عند الله وهو في الدنيا؟ فمن الضرورة أن تكون له في الدنيا منزلة عند الله؛ حتى يعطيه الله هذه الشهادة العظيمة، وينزل فيه قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب:٢٣]، وحتى يصدقه الله في حسن بلائه في سبيل الله سبحانه. يقول أنس بن مالك ﵁: إن أخته وهي تسمى: الربيع كسرت ثنية امرأة. أي: تشاجرت مع امرأة فضربتها في سنها، فكسرت سنها، فذهب أهل المرأة يشكون للنبي ﷺ : أن هذه ضربت ابنتنا، وكسرت سنها، ويريدون القصاص. والنبي ﷺ يحكم بالعدل، فحكم بالقصاص كما طلبوا، فلما قضى النبي ﷺ بذلك إذا بـ أنس يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها؛ يحلف بالله أنه لن يقع القصاص فإذا بأهل المرأة يأتون إلى النبي ﷺ ويقولون: عفونا. فصدق الله يمينه رضي الله ﵎ عنه، فتعجب النبي ﷺ ، وقال لأصحابه: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره). فبعد أن طلبوا القصاص ورفضوا الدية إذ بهم يرضون بها بعد ذلك، بعد أن أقسم فبر الله قسمه، وكان شهيداً بعد ذلك.

стр. 1925

إبرار الله لقسم البراء بن مالك ﵁ ومثله في هذه البسالة والجهاد في سبيل الله أخ آخر لـ أنس بن مالك ﵁، وهو البراء بن مالك فقد كانوا من عائلة عجيبة جداً، رضوان الله ﵎ عليهم، وعلى أصحاب النبي ﷺ . فـ البراء بن مالك كان في غاية الشجاعة، رضي الله ﵎ عنه، وله فيها مواقف عديدة، ولكن أعجب ما فيه القسم على الله، وقد أخبر النبي ﷺ عنه أنه من الذين إذا أقسموا على الله أبرهم. وعندما غزا أصحاب النبي ﷺ تستر في بلاد فارس بعد وفاة النبي ﷺ ووجدوا القتال قتالاً شديداً قالوا للبراء بن مالك: يا براء! اقسم على ربك أن يمنحنا أكتافهم. فخاف على نفسه من الشهرة؛ لأنه إذا أقسم على ربه فإنه سيستجيب له، ثم يعيش مشهوراً بعد ذلك، فرأى أنه لا ينفع أن يعيش بعد ذلك، فأقسم على ربه فقال: اللهم إني أقسم عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني أول شهيد في المعركة، فاستجاب الله دعائه، وبر قسمه، فدارت الدائرة فقتلهم المسلمون وأسروهم، واستشهد رضي الله ﵎ عنه. فما كانوا يقسمون على الله من أجل أن يشتهروا بين الناس، فإذا اشتهروا بين الناس فإنهم يكرهون العيش، ويحبون الموت؛ لأنهم لا يريدون الدنيا، وإنما يطلبون الآخرة. إذاً: قوله سبحانه هنا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: منهم من ينتظر الوفاء بعهد الله الذي عاهده فيه على الجهاد في سبيل الله.

стр. 1926

وفاء الصحابة بعهدهم مع الله وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: وما غيروا دين الله سبحانه، ولم يتغيروا عما عاهدوا عليه الله ﵎، وإنما وفوا الله بما عاهدوا الله عليه، وثبتوا على دينهم، حتى قبضهم الله، فمنهم من مات شهيداً، ومنهم من مات على فراشه، وله أجر الشهداء؛ بعهده لله سبحانه، ومصداقاً لما ذكر النبي ﷺ في الإنسان الذي يتمنى الشهادة: (من طلب الشهادة بصدق يعطى أجرها ولو مات على فراشه). نسأل الله أن يجعلنا من الشهداء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1927

تفسير سورة الأحزاب [٢٣ - ٢٤] أخذ الله العهد من المؤمنين الصادقين أن يجاهدوا من أجل هذا الدين وأن يموتوا شهداء في سبيله، فبايعوا النبي ﷺ على ذلك، فما بدلوا وما غيروا، بل وفوا بعهودهم مع الله، فاستحقوا من الله الجنة على صدقهم ووفائهم بما عاهدوا الله عليه.

стр. 1928

تفسير قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إن الله كان غفوراً رحيماً)

стр. 1929

بيان عظم الوفاء بالعهد مع الله سبحانه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٣ - ٢٥]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات كيف أن المؤمنين منهم رجال عاهدوا الله فوفوا بهذا العهد وعاهدوه أن يجاهدوا في سبيل الله، وألا يبدلوا وألا يغيروا، وأن يثبتوا في قتالهم حتى يتوفاهم الله سبحانه أو يفتح الله لهم، فمنهم من وفى بهذا العهد مع الله سبحانه، ومنهم من لم يزل على الحياة ينتظر الفرصة للوفاء بهذا العهد مع الله ، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: لم يبدلوا ولم يغيروا ما عاهدوا الله عليه. والإنسان الذي يعاهد ربه على الشيء يلزمه الوفاء بما عاهد عليه في طاعته لله سبحانه، وله أجر عظيم، وإن عاهد الله ووفى بعهد فالله يمدحه، فإذا نذر نذراً ووفى بنذره فهذا إنسان وفي، وله أجره عند الله سبحانه، ولكن الذي يغير ويبدل وينسى عهده مع الله سبحانه، أو يتغافل عن ذلك، ففي هذه الآية إشارة إلى ذم مثل هذا الذي يبدل ويغير، وينقلب على عقبيه، فالمؤمنون صادقون مع الله ، عكسهم المنافقون الذين يكذبون، يتكلمون بما لا يفعلونه، يقولون أشياء هم في غاية البعد عن هذا الشيء الذي يقولونه.

стр. 1930

الابتلاء يميز الله به المؤمن من الكافر والإنسان المؤمن ينتظر فضل الله ، ويعلم أن الله يمحصه ويبتليه حتى يثبت على هذا الإيمان وحتى يرى الله منه ما عاهد الله عليه. وقد ابتلى الله المؤمن بالكافر، فليصبر المؤمن إذا رأى الكافر أمامه أقوى منه، وأكثر عدداً منه، فقد ثبت المؤمنون في مثل هذه المواقف، وعرفوا أن النصر من عند الله ، فتوكلوا على الله فكانوا مؤمنين، فمدحهم الله سبحانه، والمنافقون مذبذبون بين هؤلاء وبين هؤلاء، لا هم أظهروا إيماناً وكان في قلوبهم هذا الإيمان، ولا هم أظهروا كفراً وعلم من حالهم أنهم كفار، فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فلذلك كان مصيرهم من الله أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة، فقد فضحهم في الدنيا وسوف يعذبهم ويجعلهم في أسفل سافلين يوم القيامة، فالمؤمنون الذين مدحهم الله قال فيهم: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، وهذا وعد من الله مؤكد ويقين. فقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ [الأحزاب:٢٤] أي: لتكون العاقبة للمؤمنين أن يجزيهم الله جزاءاً بصدقهم؛ لأنهم صدقوا الله فصدقهم الله، وعاهدوا الله فوفوا فاستحقوا من الله سبحانه الجزاء الأوفى، فقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، أي: بسبب صدقهم، يجزيهم ويعطيهم الثمن على ذلك الجنة بسبب صدقهم.
следующие страницы →