← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

وفاء الصحابة بعهدهم مع الله وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: وما غيروا دين الله سبحانه، ولم يتغيروا عما عاهدوا عليه الله ﵎، وإنما وفوا الله بما عاهدوا الله عليه، وثبتوا على دينهم، حتى قبضهم الله، فمنهم من مات شهيداً، ومنهم من مات على فراشه، وله أجر الشهداء؛ بعهده لله سبحانه، ومصداقاً لما ذكر النبي ﷺ في الإنسان الذي يتمنى الشهادة: (من طلب الشهادة بصدق يعطى أجرها ولو مات على فراشه). نسأل الله أن يجعلنا من الشهداء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1927

تفسير سورة الأحزاب [٢٣ - ٢٤] أخذ الله العهد من المؤمنين الصادقين أن يجاهدوا من أجل هذا الدين وأن يموتوا شهداء في سبيله، فبايعوا النبي ﷺ على ذلك، فما بدلوا وما غيروا، بل وفوا بعهودهم مع الله، فاستحقوا من الله الجنة على صدقهم ووفائهم بما عاهدوا الله عليه.

стр. 1928

تفسير قوله تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه إن الله كان غفوراً رحيماً)

стр. 1929

بيان عظم الوفاء بالعهد مع الله سبحانه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا * لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٣ - ٢٥]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات كيف أن المؤمنين منهم رجال عاهدوا الله فوفوا بهذا العهد وعاهدوه أن يجاهدوا في سبيل الله، وألا يبدلوا وألا يغيروا، وأن يثبتوا في قتالهم حتى يتوفاهم الله سبحانه أو يفتح الله لهم، فمنهم من وفى بهذا العهد مع الله سبحانه، ومنهم من لم يزل على الحياة ينتظر الفرصة للوفاء بهذا العهد مع الله ، ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] أي: لم يبدلوا ولم يغيروا ما عاهدوا الله عليه. والإنسان الذي يعاهد ربه على الشيء يلزمه الوفاء بما عاهد عليه في طاعته لله سبحانه، وله أجر عظيم، وإن عاهد الله ووفى بعهد فالله يمدحه، فإذا نذر نذراً ووفى بنذره فهذا إنسان وفي، وله أجره عند الله سبحانه، ولكن الذي يغير ويبدل وينسى عهده مع الله سبحانه، أو يتغافل عن ذلك، ففي هذه الآية إشارة إلى ذم مثل هذا الذي يبدل ويغير، وينقلب على عقبيه، فالمؤمنون صادقون مع الله ، عكسهم المنافقون الذين يكذبون، يتكلمون بما لا يفعلونه، يقولون أشياء هم في غاية البعد عن هذا الشيء الذي يقولونه.

стр. 1930

الابتلاء يميز الله به المؤمن من الكافر والإنسان المؤمن ينتظر فضل الله ، ويعلم أن الله يمحصه ويبتليه حتى يثبت على هذا الإيمان وحتى يرى الله منه ما عاهد الله عليه. وقد ابتلى الله المؤمن بالكافر، فليصبر المؤمن إذا رأى الكافر أمامه أقوى منه، وأكثر عدداً منه، فقد ثبت المؤمنون في مثل هذه المواقف، وعرفوا أن النصر من عند الله ، فتوكلوا على الله فكانوا مؤمنين، فمدحهم الله سبحانه، والمنافقون مذبذبون بين هؤلاء وبين هؤلاء، لا هم أظهروا إيماناً وكان في قلوبهم هذا الإيمان، ولا هم أظهروا كفراً وعلم من حالهم أنهم كفار، فهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فلذلك كان مصيرهم من الله أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار يوم القيامة، فقد فضحهم في الدنيا وسوف يعذبهم ويجعلهم في أسفل سافلين يوم القيامة، فالمؤمنون الذين مدحهم الله قال فيهم: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، وهذا وعد من الله مؤكد ويقين. فقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ [الأحزاب:٢٤] أي: لتكون العاقبة للمؤمنين أن يجزيهم الله جزاءاً بصدقهم؛ لأنهم صدقوا الله فصدقهم الله، وعاهدوا الله فوفوا فاستحقوا من الله سبحانه الجزاء الأوفى، فقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، أي: بسبب صدقهم، يجزيهم ويعطيهم الثمن على ذلك الجنة بسبب صدقهم.

стр. 1931

معنى قوله: (ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، فالله غفور رحيم، لما ذكر المؤمنين جزم وقطع بالثواب، ولما ذكر المنافقين علقه بمشيئته ؛ لأنه قد يتوب على المنافق الذي هو شر من الكافر، فالله غفور رحيم، ومن تاب تاب الله عليه. هذا أبو سفيان بن حرب الذي جاء زعيماً وقائداً لجيش من جيوش المشركين، وهو الذي فر في النهاية وقال: النجاة النجاة، وهرب من غزوة الأحزاب مع من معه، وشاء الله أن يتوب هذا الرجل فيؤمن والنبي ﷺ ذاهب ليفتح مكة، يعني: بعد يوم الأحزاب بثلاث سنوات، وكانت غزوة الأحزاب في شوال من سنة خمس للهجرة، وفتح مكة كان في رمضان من سنة ثماني للهجرة. والإنسان قد يكون في قلبه دخن، وقد يكون في قلبه نفاق، ثم فجأة يأتي الفضل من الله سبحانه، ويتوب إلى الله فيتوب الله عليه، ولذلك الإنسان المؤمن لا ييأس أبداً من روح الله ومن رحمته سبحانه، فهو القائل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]. فالله ودود، يتحبب إلى عباده بمغفرته وبحلمه عليهم وبكرمه ، ونحن نعلم أذى المنافقين وكثرة مؤامراتهم على النبي ﷺ وأصحابه، ومع ذلك فإن الله سبحانه يعذب المنافقين إن شاء، فأدخلهم تحت خطر المشيئة، إن شاء تاب عليهم فألهمهم التوبة، وإن شاء ظلوا على ما هم فيه من كفر ونفاق، حتى يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر. قال سبحانه: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب:٢٤]، فكانوا تحت خطر المشيئة، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، أي: إذا تابوا تاب الله عليهم، مهما وقع الإنسان في أعمال الكفر والشرك، وأعمال النفاق والمعاصي، فإذا تاب إلى الله وصدق في توبته فالله يتوب عليه، حتى ولو كان قبل هذه التوبة يستحق الدرك الأسفل من النار. ويزيد ذلك وضوحاً سورة النساء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢]. صلاتهم رياء وليست حباً في الله ، ولا تقرباً إليه، ولكن ليروا الناس أنهم يصلون، قال الله في مثل هؤلاء: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤٣]. ثم يذكر بعد ذلك سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥]، فالجنة درجات عالية، بعضها فوق بعض والنار دركات بعضها أسفل من بعض، فهم في أسفل نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥]. ومع ذلك يدرك الله برحمته من يشاء فيقول: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٦]. والمؤمنون لهم الأجر العظيم، ومن صار إليهم ورجع معهم فهذا من المؤمنين، وله أيضاً الأجر العظيم، وإن عمل المنافقون ما عملوا، فإنهم إن تابوا صاروا مع المؤمنين؛ لأنهم أصلحوا ﴿وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء:١٤٦]، أي: رجعوا للتوحيد، وأخلصوا الدين لله سبحانه، فالله يتجاوز عنهم، ويجعلهم مع المؤمنين، ومن المؤمنين، ويؤتيهم الأجر العظيم.

стр. 1932

معنى قوله تعالى (إن الله كان غفوراً رحيماً) ويبين الله سبحانه سبب هذا التجاوز وهذا الكرم، فيقول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]، من صفات الله سبحانه، ومن أسمائه الحسنى: أنه الغفور وأنه الرحيم، فهو يتوب على خلقه؛ لأن التوبة بيده سبحانه، ويرزق من يشاء توبة نصوحاً ثم يتوب عليه، ولا يسأل عما يفعل سبحانه، فهو يتوب على من يشاء بفضله ورحمته، فنحن نفرح بكرمه، ونفرح بتوبته على عباده ، وانظروا كيف أنه يدخل الله الجنة رجلين أحدهما قاتل لصاحبه، ولا يسأل عما يفعل . فهذا مؤمن يخرج للجهاد في سبيل الله فيقتله الكافر، ثم أدركت الكافر رحمة رب العالمين سبحانه، فأسلم ومات على الإسلام فدخل الاثنان -القاتل والمقتول- الجنة برحمة منه سبحانه، يغفر لمن يشاء ويتوب على من يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقوله تعالى: ﴿كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤] هذا التعبير الوحيد الذي يفيد أن الغفران والرحمة صفتان من صفاته سبحانه كانت وما زالت دائمة، سأل رجل عبد الله بن عباس ﵄ عن ذلك، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]، يعني: كان وانتهى على ذلك في الماضي؟ فتعجب ابن عباس من غلط هذا الإنسان ومن جهله باللغة العربية، فأخبره أن معنى: ﴿كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤]: أنه كان ولا يزال على ذلك أبداً ، ولا ينتهي منه ذلك، فهو في الماضي غفور رحيم، والآن غفور رحيم، ويوم الدين غفور رحيم، فهي صفة دائمة أبدية له ، يعبر عنها بهذا التعبير الذي يفيد جميع الأزمان: الماضي والحاضر والمستقبل. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٢٤]، (إن)، للتحقيق ولتأكيد ذلك، وقوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٤] صفة ثابتة لازمة له ، وكذلك جميع صفاته سبحانه لازمة له لا تزول منه أبداً. والغفر: المحو والستر، فالله يغفر، أي: يمحو الذنب ويستره، رحيم: يرحم العباد في الدنيا وفي الآخرة، وصفة الرحيم لله تختص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] يرحم المؤمنين، هو الرحيم وهو الرحمن، والرحمن صفة عظيمة لجميع خلقه سبحانه، وهي رحمة دائمة، والرحيم: رحمة تختص بالمؤمنين فيرحمهم يوم القيامة ، ولا يغفر لمن مات على الكفر والشرك بالله .

стр. 1933

أنس بن النضر وطلحة بن عبيد الله ممن قضى نحبه وقال الله سبحانه في هؤلاء المؤمنين: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: منهم من وفى بعهده لله ، ومن هؤلاء الذين وفوا بعهودهم أنس بن النضر رضي الله ﵎ عنه، فقد قاتل يوم أحد ببسالة، فكان شهيداً عظيماً رضي الله ﵎ عنه. ومن هؤلاء أيضاً طلحة بن عبيد الله رضي الله ﵎ عنه، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵃ جميعاً، بشرهم الله بالجنة على لسان النبي ﷺ . هذا طلحة بن عبيد الله ثبت مع رسول الله ﷺ في يوم أحد حتى أصيب، وكان ذلك في سنة ثلاث من هجرة النبي ﷺ ، حيث دافع عن النبي ﷺ دفاعاً شديداً، وذلك لما حوصر النبي ﷺ ومعه سبعة من الأنصار، من هؤلاء السبعة: طلحة بن عبيد الله رضي الله ﵎ عنه، وكان النبي ﷺ يقول: من للقوم؟ من للقوم؟ فقال رجل من الأنصار: أنا، فقام الأنصاري وقاتل قتالاً شديداً حتى قتل رضي الله ﵎ عنه. ثم قال النبي ﷺ : من للقوم؟ فقال آخر: أنا، حتى قتل هؤلاء الأنصار جميعاً، ولم يبق إلا طلحة فقال النبي ﷺ : من للقوم؟ فقام طلحة يدافع عن النبي ﷺ دفاعاً شديداً فقاتل كقتال هؤلاء السبعة رضي الله ﵎ عنه حتى ضرب ضربة على يده قطعت له عرقاً ﵁، فشلت يده التي وقى بها رسول الله ﷺ ، فقد كان المقصود بالضرب: رسول الله ﷺ ، فوقاه طلحة بيده فشلت رضي الله ﵎ عنه، وقال النبي ﷺ عن طلحة: (أوجب طلحة)، أي: وجبت لـ طلحة الجنة رضي الله ﵎ عنه. وجاء في سنن الترمذي عن طلحة بن عبيد الله أن أصحاب رسول الله ﷺ قالوا لأعرابي: سله عمن قضى نحبه؛ لأن الصحابة كانوا يخافون أن يسألوا النبي ﷺ بعدما نهاهم عن سؤال النبي ﷺ . والنحب معناه: النذر أو الحاجة أو العهد أو الموت، فكل المعاني صحيحة، فسأل الأعرابي النبي ﷺ فأعرض عنه ولم يرد عليه ﷺ ، ثم سأله مرة ثانية، فأعرض عنه ﷺ ، ثم سأله مرة ثالثة فأعرض عنه النبي ﷺ ، يقول طلحة بن عبيد الله: فدخلت من باب المسجد وعلي ثياب خضر، فقال النبي ﷺ : (من السائل عمن قضى نحبه؟) فقال الأعرابي: أنا، قال: (هذا ممن قضى نحبه!) فذكر طلحة بن عبيد الله رضي الله ﵎ عنه. فعلمنا من الحديث أن من قضى نحبه ليس معناه: الموت؛ لأن طلحة حي وليس ميتاً، فمن فعل ذلك يكون المعنى ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: وفى بنذره، ووفى بعهده مع الله ، وقد يكون منهم من مات، فالآية ليست متعلقة بمن مات فقط، بل هي متعلقة بمن وفى بنذره سواء مات أو كان باقياً على قيد الحياة.

стр. 1934

مصعب بن عمير ممن قضى نحبه جاء أيضاً في حديث رواه البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر مصعب بن عمير وكان قد مر عليه ﷺ في أحد وهو مقتول رضي الله ﵎ عنه فذكر هذه الآية. وكان مصعب أول داعية إلى الإسلام في المدينة، حيث سبق النبي ﷺ في المجيء إلى المدينة، وظل يدعو الناس في المدينة، فما ترك من بيت إلا ودخل فيه الإسلام بفضل الله ثم بسبب مصعب رضي الله ﵎ عنه، فقد كان جهاده وبلاؤه حسناً. وكان مصعب في مكة شاباً فتياً غنياً عزيزاً في قومه، وكانت أمه غنية جداً، وكانت تنفق عليه رضي الله ﵎ عنه، وتعطيه مالاً كثيراً، ومع ذلك فضل أن يدخل في دين الله ، وأن يترك المال الذي كان فيه، فترك الغنى وترك الترف، ودخل في دين الله ليبتلى ويقتل شهيداً رضي الله ﵎ عنه في يوم أحد، فقيراً ليس معه شيء إلا بردة، إذا كفنوه فيها فغطوا رأسه بدت قدماه، فإذا غطوا قدميه بدا رأسه رضي الله ﵎ عنه، فلما مر عليه النبي ﷺ ذكره وقرأ هذه الآية: (﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣])، وقال ﷺ : (وأشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم). فأمرهم بأن يزوروا شهداء أحد، وشهد لهم النبي ﷺ أنهم شهداء عند الله . فالمعنى هنا: أن هؤلاء قضوا ما أمر به، ووفوا لله سبحانه بعهدهم، فكان لهم الأجر العظيم عند الله، ولهم الجزاء على صدقهم، قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٤]، ليس من جنس طلحة فقط، بل منهم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، وحمزة عم رسول الله ﷺ ، وأنس بن النضر، وصحابة كثيرون، كلهم قضوا ما أمر الله به، عاهدوا النبي ﷺ على الإسلام، وعاهدوه على الجهاد في سبيل الله، وبايعه بعضهم على الموت في سبيل الله شهداء، فكان أن وفوا لله عهدهم فأعطاهم الله الأجر العظيم. نسأل الله أن يحشرنا مع رسول الله ﷺ ، ومع هؤلاء الصحابة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1935

تفسير سورة الأحزاب [٢٥ - ٢٧] اجتمع المشركون يوم الأحزاب على حرب الإسلام، وساندهم اليهود بخيانة العهد، ولكن رد الله الذين كفروا بغيظهم وأنزل الذين ظاهروهم من اليهود فمكن المسلمين من رقابهم.

стр. 1936

تفسير قوله تعالى: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٥ - ٢٩]. في هذه الآيات يخبرنا الله ﵎ عن الذين كفروا أنهم جاءوا من قريش وغطفان فردههم الله سبحانه خائبين خاسرين لم ينالوا خيراً، ظنوا أنهم ينتصرون على الإسلام والمسلمين، وأنهم سيغنمون المدينة وما فيها، فردهم الله خاسرين خائبين لم ينالوا شيئاً من الخير، ورجعوا متغيظين، قل موتوا بغيظكم. وكفى الله المؤمنين القتال بقدرته وقوته ﵎، ودون شدة قتال، وإنما كان القتال شيئاً يسيراً من بعض الكفار الذين عبروا الخندق إلى المسلمين، فقتلهم البعض من المسلمين وهم عدد قليل، ومن المسلمين كذلك؛ ليري الله سبحانه المؤمنين كيف أنه بقوته سبحانه وبأمره يرتد الكفار خائبين خاسرين مدحورين بغير قتال من المسلمين، جاءوا بغيظ وحنق فرجعوا به وبأزيد منه، ولم ينالوا خيراً لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكفى الله المؤمنين القتال، وكم ممن لا كافي له ولا مؤوي! ولذلك كان النبي ﷺ يثني على ربه سبحانه في كل ليلة حين ينام صلوات الله وسلامه عليه يقول: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا، والذي أطعمنا وسقانا، والذي من علينا فأفضل، والذي أعطانا فأجزل، الحمد لله على كل حال، رب كل شيء ومليكه، وإله كل شيء، نعوذ بك من النار). وكان يقول: (الحمد لله الذي كفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي). الله كفى المؤمنين، فأمنهم بعد أن كانوا خائفين، ووعدهم -ووعده الصدق سبحانه ﵎ أن ينصرهم فرأى المؤمنون أن الأمر أشد وأصعب، فلما زلزلوا زلزالاً شديداً إذا بالنصر يأتي من عند الله، وكفى الله المؤمنين القتال فعرفوا نعمة الله، وهم الذين صدقوا الله ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٢] فاستسلموا وسلموا لقضاء الله وقدره، ورضوا بما هم فيه من أمر أراده الله سبحانه ﵎، وانتظروا كيف يفرج الله سبحانه ﵎ عنهم هذا الغم. وقد قال الله في كتابه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦] وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (واعلم أن الفرج مع الكرب). اعلم أن النصر بيد الله سبحانه ﵎ يأتي في وقت الضيق والكرب والشدة، ويأتي الفرج في وقت ما يشتد الكرب على الناس، فالنصر مع الصبر، والفرج مع الكرب، وإن مع العسر يسراً، وجاء اليسر والفتح من عند الله، وجاء وعد آخر على لسان النبي ﷺ أنه لن يحدث أبداً أن يأتي هؤلاء الكفار مرةً ثانية إلى المدينة، قال ﷺ : (الآن نغزوهم ولا يغزونا). ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب:٢٥] الله القوي القادر يحكم أمره ويفعل ما يشاء سبحانه، ولا راد لأمره سبحانه. فالله عزيز غالب لا يغلب ولا يمانع ، وإذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون على ما أراد الله سبحانه، وإن أراد الخلق غير ما أراد الله فأمره لا بد وأن يكون، فهو العزيز المنيع الذي لا يغلب.

стр. 1937

تفسير قوله تعالى: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم)

стр. 1938

معنى قوله: (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم) ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٥] فهؤلاء المشركون -كفار قريش وغطفان- رجعوا بغيظهم لم ينالوا خيراً. أما اليهود الكفرة المجرمون فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦]. وظاهر بمعنى: ناصر وأيد، وكان معه ظهيراً أي: مدافعاً عنه، ومقوياً له، فاليهود ظاهروا الكفار أي: قووهم وقالوا: نحن معكم، اليهود من وراء النبي ﷺ ، والكفار من أمامه من المشرق والمغرب، فإذا بالله يخذل الجميع، وأنزل هؤلاء الكفرة من بني قريظة من اليهود من صياصيهم. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦] والصياصي: الحصون، فأنزلهم الله من حصونهم يعني: مكان مناعتهم وقوتهم، فهذا هو معنى الصيصية للشيء أنه الذي يدفع به عن نفسه، ومنه يقال: صياصي البقر أي: قرونها؛ لأنها تدفع بقرونها عن نفسها، وكأن الصياصي مكان الدفع عن الإنسان والمكان الذي يتحصن فيه. فبنو قريظة تحصنوا في حصونهم فأنزلهم الله من حصونهم، واليهود دائماً وأبداً يجهزون لأنفسهم ويعملون حساب القتال، فيملئون الحصون طعاماً وشراباً بحيث يقعدون فيها سنين من غير ما يقدر أحد أن ينزلهم منها، ولكن أنزلهم الله ﵎ رغم أنوفهم، فرفضوا أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ ، وارتضوا أن ينزلوا على حكم سعد بن معاذ ﵁، وظنوا أنه سيجاملهم، وأنه كالمنافق عبد الله بن أبي ابن سلول لعنة الله عليه الذي جامل اليهود ومات على كفر ونفاق، وحاشا لله أن يكون سعد بن معاذ كذلك، وإنما هو الرجل التقي النقي المحب لله ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه، فأنزلهم الله سبحانه من حصونهم. قوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الأحزاب:٢٦] فقد كانوا متحصنين ومستعدين أن يمكثوا أشهراً طويلة في هذه الحصون، ولكن الله سبحانه له جنود يلقون الرعب في القلوب فأرعبهم فإذا بهم يخافونه، وينزلون من حصونهم، وقد قال لهم أبو لبابة بن عبد المنذر: إنما هو الذبح، فازداد رعبهم، ونزلوا ليذبحوا ويقتلوا فقتل منهم ما بين الستمائة إلى السبعمائة إلى لعنة الله سبحانه ﵎، أمر النبي ﷺ بهم وحكم فيهم سعد بن معاذ بحكم الله سبحانه، فقتل هؤلاء. قال الله سبحانه: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ [الأحزاب:٢٦] قتلتم فريقاً من هؤلاء اليهود، وأسرتم آخرين كان حكم سعد بن معاذ أن تقتل المقاتلة من اليهود، ويؤخذ النساء والصبيان أسارى وسبياً، فالله من على المؤمنين بذلك. ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦] وهذه قراءة الجمهور: ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب:٢٦]. وقرأ يعقوب: (مِنْ صَيَاصيهُمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ)). و (الرعب): قراءة الجمهور فيها بتسكين العين، وقراءة ابن عامر والكسائي. وأبو جعفر ويعقوب: (الرُّعُبَ) بضم العين. وفي وصل (قلوبهم الرعب) قراءات للقراء، فيقرأ يعقوب: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمِ الرُّعْبَ) بكسر الهاء والميم على الوصل بالكلمتين. وقرأ الكسائي: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرُّعُبَ) بضم الهاء والميم وبضم العين أيضاً. وقرأ ابن عامر وأبو جعفر: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعُبَ)) على قراءة غيرهم أنه بكسر الهاء في قلوبهم، وبضم الميم على الوصل، و (الرعب) بضم العين فيها. وقرأ: (فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعُبَ) حمزة والكسائي وخلف. وباقي القراء: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهُمُ الرُّعْبَ).

стр. 1939

معنى قوله: (وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم) قال الله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] الله ﵎ إذا أراد شيئاً لابد وأن يكون، وكل شيء عنده بمقدار، فالمؤمن يتمنى من الله سبحانه أن ينصر الإسلام والمسلمين، ويتمنى من الله أن يغنم المسلمون أموال الكفار. والله له حكمة عظيمة بالغة، دعا النبي ﷺ في مكة إلى ربه ثلاث عشرة سنة ولا مال للمسلمين، ولا شيء لهم، فقد كانوا فقراء، وكانت الدعوة بطيئة جداً في مكة، كانوا يدعون إلى الله سبحانه ﵎ والذين يستجيبون هم عدد قليل. هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وكان أهل المدينة كذلك في فقر، والمسلمون جاءوا إلى المدينة فعانوا من الفقر والشدة سنين طويلة، وصبروا على ذلك حتى جاءت بعض الفتوح منها هذا الفتح، فإذا بهم يغنمون في سنة خمس من الهجرة بعد ثماني عشرة سنة من الدعوة إلى الله ﵎، وجاءت الأموال للمسلمين فقال الله سبحانه: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾ [الأحزاب:٢٧] أي: بني قريظة ﴿أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [الأحزاب:٢٧] غنموا كل ذلك، وأخذوا نساءهم وأولادهم سبياً، فالله فتح لهم فتحاً من فضله . ﴿وَأَوْرَثَكُمْ﴾ [الأحزاب:٢٧] وهنا الإرث ما يئول من إنسان إلى إنسان آخر، فاليهود قتلهم الله ، وورث أموالهم للمسلمين، وكذلك ديارهم، هل كان المسلمون يظنون ذلك قبل القتال؟! هم كان يكفيهم أن يرجع الكفرة فقط، بل أكثر من ذلك كاد النبي ﷺ أن يعطي لمن جاء من غطفان ثلث ثمار المدينة على أن يذهبوا، وعاهد اليهود على أن يكفوا شرهم عن المسلمين، لكن أعلنوا: إنا مع قريش، فإذا بالله يزلزل الناس وحتى يتبين الجيد من الرديء حتى يظهر الإنسان المؤمن بإيمانه ويظهر الخبيث المنافق بنفاقه، فميز بين الطائفتين وجاء الفتح والفرج من عند الله سبحانه، ورد الكفار جميعهم لم ينالوا خيراً ولا ثمرةً من ثمار المدينة. ثم رجع المسلمون إلى اليهود ليحاسبوهم على غدرهم مع النبي ﷺ ، فغنموا أراضي اليهود التي لم تكن على بال المسلمين قبل القتال، وغنموا ديارهم وأموالهم ونساءهم وذراريهم.

стр. 1940

ما وعد الله به رسوله يوم الأحزاب ثم من الله على المؤمنين ووعدهم أيضاً: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧]. أي: سنعطيكم أرضاً لم تطئوها، ولما هاجروا من مكة إلى المدينة منعوا من مكة ولم يستطيعوا أن يرجعوا إلى مكة مرةً ثانية، فالله يعدهم وعداً حقاً يقول: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] وهي مكة، فكان هذا الوعد بعد ثلاث سنوات حيث فتح الله للمؤمنين مكة فدخلوها ووطئوها وصارت أرضاً للإسلام، ولا هجرة بعد ذلك من مكة إلى المدينة. قال: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] كان ممنوعاً عليكم أن تذهبوا إليها، حتى إنه في الحديبية بعد غزوة الخندق ذهب النبي ﷺ إلى مكة في ألف وخمسمائة من المسلمين، فهم عدد قليل يذهبون ليعتمروا لا يخافون إلا الله ، ثم هم يمنعون وكادوا يقاتلون، ثم إذا بالكفار يتعاهدون مع المسلمين: أن ارجعوا هذا العام، وتعالوا في العام القادم لتدخلوا مكة. فاعتمر النبي ﷺ عمرة القضية سنة ثمان للهجرة وتوجه إلى مكة، ومعه حوالي خمسمائة فقط، ثم إذا بالله ﵎ يفتح للنبي ﷺ مكة في السنة التي تليها، ففي سنة سبع للهجرة دخل عدد قليل مكة وقال لهم المشركون: لكم ثلاثة أيام فقط، ثم بعد ذلك فتحت مكة في السنة الثامنة من الهجرة بفضل الله سبحانه. فهم لم يكونوا يقدرون على أن يطئوها فوصلوها بعد ذلك وصارت أرض إسلام قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧] يا ترى مكة فقط؟ لا، وإنما دخلوا مكة ثم توجهوا إلى هوازن والطائف، وفتح الله لهم بلاداً كان مستعصية عليهم. وقد ذهب النبي ﷺ قبل هجرته إلى الطائف يدعوهم إلى الله، وكانت قريش قد شددت عليه وآذته حتى خرج وترك مكة ثم توجه إلى الطائف؛ فإذا بهم يقفون له صفين ويرمونه بالحجارة حتى دميت قدماه صلوات الله وسلامه عليه، ثم إذا بالطائف تفتح بعد ذلك، ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٧] فتحت. ولما توجهوا إلى حنين وكانوا في قوة ظن المسلمون أنهم بقوتهم يفتحون هذا المكان فما استطاعوا، ووقف لهم الكفار في الشعاب فرشقوهم بالسهام والرماح، ففروا وتركوا النبي ﷺ حتى جاء النصر من عند الله سبحانه، ونزل النبي ﷺ إلى هؤلاء الكفار يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه، وإذا به ينادي على الأنصار فيأتون إليه، وقبل أن يأتوا جاء النصر من عند الله، وبدأ من مع النبي ﷺ يأسرون من الكفار بفضل الله ورحمته؛ ليعلم الخلق أن النصر من عند الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. وكان الله على كل شيء مما وعدكم ومما لم يعدكم به قديراً، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب:٢٧] لا ترد قدرته، ولا يجوز عليه العجز، تعالى الله عما يقول الكافرون علواً كبيراً. ولما جاء الفتح، وجاءت المغانم، وفتحت الدنيا على المسلمين، فإذا بنساء النبي ﷺ ينظرن إلى المال الطيب ويقلن: أعطنا مما أعطاك الله. وهنا تأتي آيات التأديب لنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، فنساء النبي ﷺ طاهرات مطهرات، فربنا ﵎ اختارهن لنبيه ﷺ في الدنيا والآخرة. الدنيا لم يطلبها صلوات الله وسلامه عليه، وكان يقول للمؤمنين: (ليس لي من أموالكم ولا من هذه المغانم غير الخمس) ليس لي منها أكثر من ذلك ولو شعرة من بعير، والخمس ماذا سيعمل به رسول الله ﵊؟ يقول: (والخمس مردود عليكم) سأرده عليكم في الضيوف الذين ينزلون علينا وفي الفقراء والمحتاجين، وفي الأرامل واليتامى، والذي يموت وعليه دين فأنا أسدد عنه هذا الدين، فإذا مت أنا فليس لي من المال شيء، ولا لآل محمد ولا لنسائه ﷺ ، بل هو صدقة على المسلمين، قال ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا صدقة) المال الذي نتركه يكون صدقة لا أحد يرث من هذا المال من أهالينا، فلم يمتع النبي ﷺ بمال في الدنيا صلوات الله وسلامه عليه. فكان نساء النبي ﵊ يطلبن النفقة والنبي ﷺ يصبر عليهن، حتى بدأت بعض نساء النبي ﷺ تغاضبه على النفقة في سؤالها، فإذا بالنبي ﷺ يغضب منهن، وينزل القرآن يخيرهن: إما أن تعشن على هذا الوضع الذي عليه النبي ﷺ ولكن الآخرة، وإما أن يفارقكن بالمعروف كما سيأتي في الدرس القادم إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1941

تفسير سورة الأحزاب [٢٨ - ٢٩] اختار الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه أزواجاً ليكن قدوات لنساء الأمة جمعاء، فاصطفاهن وطهرهن وزكاهن، وكان أعظم تزكية لهن أن خيرهن بين حب الله ورسوله والدار الآخرة وبين حب الدنيا والمال، فكن أعقل النساء وأعظمهن رجاحة وعقلاً حين اخترن الله وصحبة نبيه في الدنيا والآخرة، فكن الأزواج المطهرات والداعيات إلى الله، والمبلغات عن الله ورسوله ما عملن من هذا الدين.

стр. 1942

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا)

стр. 1943

سبب نزول آية التخيير الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٣١]. لما ذكر الله ﵎ في الآيات السابقة في هذه السورة كيف نصر المؤمنين على الكفار، وكيف رد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكيف أنزل الذين ظاهروهم من بني قريظة من صياصيهم وألقى في قلوبهم الرعب، وجعل للمؤمنين أن يقتلوا ويأسروا من هؤلاء، وغنموا مغانم كثيرة في ذلك، ثم بدأت الفتوح من الله على المؤمنين فتلاها فتوحات عظيمة، فكان هذا تمهيداً لما جاء بعد ذلك من فتح النبي ﷺ لمكة، ومن قتال هوازن وحنين ونصر المؤمنين في هذه المواطن، وفتح الله الفتوح على النبي صلوات الله وسلامه عليه. لما رأت نساء النبي ﷺ ذلك -وعادة النساء إذا وجدن الخير أن يطلبنه- طلبن من النبي ﷺ زيادة النفقة، والنبي صلوات الله وسلامه عليه كان يدخر لأهله قوته ثم ينفق ما زاد عن ذلك على الضيف، وعلى الفقراء والمساكين، وعلى كل من يحتاج، ومن ينزل على النبي ﷺ من وفود ونحو ذلك. فكأن نساء النبي ﷺ غاضبنه وهن يطلبنه مرة وراء مرة، فهجرهن النبي ﷺ شهراً كاملاً، حتى ظن بعض الصحابة أن النبي ﷺ قد طلق نساءه. لم يطلقهن ﵊ ولكنه هجرهن تأديباً لهن، ومقام النبي ﷺ عظيم، وأيضاً مقام نساء النبي ﷺ مقام عظيم، فالمقام مقام القدوة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١]. ونساء النبي ﷺ أسوة حسنة للمؤمنات، تقتدي كل مؤمنة بنسوة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فينبغي أن يترفعن عن طلب الدنيا، وعن طلب الزيادة من المال، وعن النظر إلى حطام الدنيا، فكان من الله سبحانه أن أدب نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه حتى يصلحن أن يكن نساءه في الجنة ﵊، فكان التأديب بأن هجرهن النبي ﷺ ثم أنزل الله هذه الآية في تخيير نساء النبي ﵊.

стр. 1944

معنى قوله: (فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحاً جميلاً) قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨]. أي إذا كنتن تردن الدنيا ومتاعها وحطامها فإننا سنعطيكن ذلك ونطلقكن طلاقاً جميلاً، والطلاق الجميل: هو طلاق السنة، فيكون إذا استحالت العيشة ما بين الرجل وامرأته أن يطلقها على السنة طلقة واحدة له أن يراجعها فيها. كذلك يمتعها بعد طلاقها سواء كان مفروضاً لها المهر أو ليس مفروضاً لها، فالمتعة على وجه الاستحباب في هذه الحالة. إذاً المعنى: تعالين أمتعكن ما شئتن من مال ثم أطلقكن الطلاق الجميل الذي لا عضل فيه ولا أذى، فتذهب المرأة لحالها وتأخذ متاعها، ولتترك النبي ﷺ يدعو إلى ربه صلوات الله وسلامه عليه على ما هو عليه من موضع وضعه الله فيه. يقول هنا: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] يعني: أعطيكن متعة الطلاق، وهو المال الذي يعطى للمرأة نفقةً لها بعد طلاقها، وهذا إما أن يكون واجباً إذا كانت المرأة لم تعط مهراً، ولم يفرض لها صداق. فإذا كانت المرأة قد أعطيت الصداق فيكون إعطاء المتعة لها مستحباً لا فرضاً، فقال: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] والتسريح هنا بمعنى: التطليق، وجاء في القرآن لفظ الطلاق ولفظ التسريح، وهما بمعنى واحد، فمن صريح ألفاظ الطلاق كلمة الطلاق، وأيضاً: كلمة التسريح على قول الكثير من أهل العلم. ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] يعني: على طلاق السنة وليس فيه مغاضبة، ولا أذى، وليس فيه إعضال.

стр. 1945

تفسير قوله تعالى: (وإن كنتن تردن الله ورسوله) ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [الأحزاب:٢٩] إذا أردتن الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه والدار الآخرة؛ فلا تطلبن الدنيا، ولا متاعها الزائل، ولا حطامها، فإن الله أعد للمحسنات منكن أجراً عظيماً. إذاً: هنا وصلنا إلى درجة الإحسان، فإذا طلبنا الله والرسول ﵊ وطلبنا الدار الآخرة وصلنا لدرجة الإحسان، والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أي: فإذا وصلتن إلى درجة الإحسان فإن لكل محسنة منكن عند الله الأجر العظيم. فهنا جاءت الآية للتخيير بين الدنيا والآخرة، بين البقاء مع رسول الله ﷺ على هذه الحال وبين متاع الحياة الدنيا. إذا كنتن تردن الله والدار الآخرة فلا بد من الصبر على أمر الله سبحانه، ولكن عند الله الأجر العظيم.

стр. 1946

قصة تخيير النبي لنسائه وهجره لهن روى الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله الأنصاري ﵄ قال: (دخل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ فوجد الناس جلوساً ببابه لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لـ أبي بكر فدخله، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي ﷺ جالساً حوله نساؤه واجماً ساكتاً) صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: هنا دخل عمر على النبي ﷺ فوجد حول النبي ﷺ وهو ساكت واجم، هيئته هيئة الغضبان ﵊ فقال: (والله لأقولن شيئاً أضحك رسول الله ﷺ . هذا عمر لقي النبي ﷺ غضبان حزيناً فقال: سأقول له مقالة أضحكه بها، قال: (فقال: يا رسول الله! لو رأيت بنت خارجة -زوجة عمر - حين سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها؛ فضحك رسول الله ﷺ يعني: جاء على المقصود والمطلوب، فـ عمر بن الخطاب قال هذه الكلمة ولم يعرف ما هو الأمر، ولكن وافق ما عند النبي ﷺ ، والمقصود من أنه عمر أدبها وضربها رضي الله ﵎ عنه، فضحك رسول الله ﷺ وقال: (هن حولي كما ترى يسألنني النفقة) أي: كلهن قاعدات يسألنني النفقة. قال: (فقام أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها) هنا التأديب الآن من أبي بكر لـ عائشة. وقام عمر يضرب حفصة ابنته كلاهما يقول: (تسألن رسول الله ﷺ ما ليس عنده؟ فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ شيئاً أبداً ليس عنده) يعني: لا نطلب منه حاجة ليست عنده، وإنما نطلب من المال الذي عنده. وهنا اعتزلهن النبي ﷺ شهراً يعني: بعد هذا الأمر قام واعتزلهن النبي ﷺ في غرفة له ﷺ مرتفعة، ثم نزلت هذه الآية بعد ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] فبدأ بـ عائشة فقال: (يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك). السيدة عائشة تزوجها النبي ﷺ في مكة وكان عمرها سبع سنوات، ودخل بها في المدينة ﷺ وعمرها تسع سنوات، ومات عنها ﷺ وهي بنت ثماني عشرة سنة. إذاً: كانت صغيرة في غزوة الأحزاب، فقد كانت في سنة خمس من الهجرة، يعني: كان عمرها حوالي أربع عشرة سنة تقريباً. كونه يقول لها ﷺ : (أخيرك) هنا راعى النبي ﷺ أنها صغيرة في السن، ممكن يكون فيها نوع من الاندفاع والتهور لا تفهم شيئاً، فلذلك قال لها: أنا سأقول لك شيئاً لا تعجلي فيه واستشيري أبويك في ذلك. فقالت: (وما هو يا رسول الله؟! فتلا عليها هذه الآية) وهنا ظهرت رجاحة عقلها ﵂، وأنها وإن كانت صغيرة السن لكنها كبيرة في القلب والعلم والعقل رضي الله ﵎ عنها، فقالت لرسول ﷺ : (أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟ بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وأسألك ألا تخبر أحداً من نسائك). وهذه فرصة لـ عائشة أنها تطلب الدار الآخرة وتريد النبي ﷺ ، ولكن حظ نفسها أنها لا تريده أن يقول لأحد من نسائه أنها قالت هذا القول، فقال النبي صلوات الله وسلامه عليه: (لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها، إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) ﵊. النبي ﷺ مقامه مقام عظيم، مقام المعلم، مقام التيسير على الناس، فلا معنى لأن تسأله نساؤه عن قول السيدة عائشة فيكتم عنهن، فالدين ليس فيه أغلوطات، نهينا عن الأغلوطات في المسائل، كأن تطرح المسألة بصورة غلط حتى لا يعرف الصواب، وخاصة إذا كان ذلك في القرآن. فبعض الناس لما يسمع القرآن يتحير عندما يقول له أحد: الآية كذا أو كذا؟ حتى يخبطه في الإجابة فهذا ليس تعليماً، ولكن إن شئت فحفظ الإنسان واسمع منه هذا الذي يقرأ وتسأل وهو يجيب عليك، أما أن تغلطه في الشيء بحيث إنه يقول في القرآن أو في السنة خطأ فهذا لا ينبغي. فالنبي ﷺ لم يبعث متعنتاً، ولا معنفاً ﵊، وإنما كان بالمؤمنين رءوفاً رحيماً، فقال هنا: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) هذه الرواية هنا. وفي رواية للترمذي أن عائشة ﵂ قالت للنبي ﷺ : (إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة). ثم مضى على نسائه ﵊ وكل امرأة من نسائه قالت كما قالت عائشة رضي الله عن الجميع، فاخترن الدار الآخرة، واخترن الله ورسوله، ولم يطلبن شيئاً من الدنيا.

стр. 1947

الحكمة من زواج النبي ﷺ بأكثر من زوجة نساء النبي ﷺ الذي ذكرهن الله في القرآن وناداهن: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٣٠] فأخبرهن فقال: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ﴾ [الأحزاب:٣٠]. إذاً: إذا جاءت بالشيء الذي فيه الأجر والثواب فإنه يضاعف لها الأجر والثواب، وإذا جاءت بفاحشة فسيضاعف لها العذاب، فناداهن الله : ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]. فالتي تدخل عند النبي ﷺ تكون طاهرة مطهرة، يريد الله أن يطهرها ويرفع درجتها، لذلك جعل الله لنبيه أن يتزوج ما شاء من النساء يكن طاهرات مطهرات، يبلغن دعوة الله ﵎ التي أمرهن بالتبليغ، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]. احتاج النبي ﷺ أن يتزوج عدداً من النساء، فلا تكفي واحدة ولا اثنتان ولا مجموعة من النساء قليلة في تبليغ هذا الدين العظيم، فالله بكرمه ﵎ نظر إلى مصلحة النبي ﷺ وإلى مصلحة نساء النبي ﷺ ، وإلى مصلحة الأمة كلها. النبي ﷺ يدعو إلى الله، والأحكام التي تنزل منها أحكام تكون ظاهرة فيعلمها الناس، وأحكام تكون خفية فلا يعلمها إلا العدد القليل، وأحكام تأتيه وهو في بيته، وأحكام تأتيه وهو عند الناس، يأتي إلى النبي ﷺ من يسأله في بيته، ولا يمكن لكل الناس أن يأتوا إلى النبي ﷺ ويقابل الجميع في وقت واحد ليسمعوا منه، فكان نساء النبي ﷺ يسمعن من باقي الناس، ويجبن بما يحدث عند النبي ﷺ وبما عرفن من القرآن ومن سنة النبي ﷺ . النبي ﷺ يحتاج إلى نسائه مثل كل إنسان منا، ولو تخيلنا له ﷺ زوجة واحدة فقط وهو مشغول بالدعوة إلى الله وهي داعية معه؛ فمن سيقوم بحق النبي ﷺ الواجب عليها في البيت؟ فتخيل لو كنت أنت عندك امرأتك، وأنت رجل عندك عملك وبيتك وواجبك، وزوجتك متفرغة للدعوة، تذهب إلى الجامع الفلاني، وتذهب لتحفظ قرآناً في المدرسة، فهي ليل نهار مشغولة بالدعوة إلى الله، لذلك يقوم الإنسان فيقول لها: أنا أريد حظي ونصيبي، لابد أن يأخذ الإنسان راحته في بيته. فالله بكرمه سبحانه جعل للنبي أن يتزوج ما شاء، فتزوج النبي ﷺ تسعاً في وقت واحد، فالمرأة التي ليس هو عندها يأتيها من يشاء فيسألها، وتأتيها النساء يسألنها، كل امرأة تحكي مشاكلها فتجد من يجيب عليها، فتكون المرأة من نساء النبي ﷺ متفرغة ثمانية أيام، فهو عنده صاحبة القسم، فيقسم بين نسائه ﷺ ، وإذا فرغ من هذا اليوم ذهب إلى الثانية في اليوم الذي بعده. إذاً: هذه في باقي الأيام تدعو إلى الله ، وتخبر بما أخبر الله به، وتذكر ما يحدث في البيوت من أحكام وحكم، فهذا مقام التعليم، فلذلك كانت الواحدة لا تكفي والثنتان لا تكفي، والثلاث لا تكفي، فأباح له الله أن يتزوج ما شاء، فيدعو إلى الله، وتدعو نساء النبي ﷺ إلى الله . إذا مات النبي ﷺ وكانت له امرأة واحدة فربما تنسى أشياء، وكل إنسان معرض للنسيان، فامرأة واحدة لا تكفي في تبليغ هذا الدين العظيم وبكل ما يحدث في أمور النساء، وأمر بيت النبي ﷺ ، الإنسان منا ينسى ماذا عمل أمس، وماذا عمل في أول السنة، فكل منا قد ينسى، فكيف بالمرأة التي هي مشغولة بحال النبي ﷺ ؟! إذا مات عنها النبي ﷺ وحصل لها من الحيرة والاندهاش والحزن والغم على النبي ﷺ ربما تنسى أحكاماً كثيرة، فإذا كن نساء كثيرات ذكرت إحداهن الأخرى بهذا الشيء، فاحتاج النبي ﷺ إلى أن يتزوج عدداً من النساء يكون فيهن الخير والدعوة إلى الله سبحانه. وقد عمرن بعد موت النبي ﷺ ، فمنهن التي عاشت حتى سنة خمسين من الهجرة، والتي عاشت حتى سنة ثماني وخمسين من الهجرة، فبعد النبي ﷺ بأربعين سنة أو خمسين سنة وهناك امرأة موجودة من نسائه تدعو إلى الله سبحانه، ويسألها الناس، ويحتاج إليها أصحاب النبي ﷺ ، ولعلها الوحيدة تجتهد في أمر من الأمور ويخالفها الباقون، فتكون أخطأت في هذا الشيء، ولو كانت امرأة واحدة فسيؤخذ كلامها على أن هذا كلام نهائي، ولكن لم يكن هذا في واحدة من نساء النبي ﷺ . انظروا إلى حادثة من الحوادث مثلاً: السيدة عائشة ﵂ اجتهدت في أمر رضاع الكبير، مع أن الرضيع يفطم بعد سنتين من رضاعه. فهل ممكن أن نرضع من عمره ثلاث سنين أو أربع ويصير ابناً لك إذا أرضعته زوجتك؟ هذا حدث في عهد النبي ﷺ مع سالم مولى أبي حذيفة حيث صار بالغاً عند أبي حذيفة ﵁، وبدأ أبو حذيفة يغار منه، وهو الذي تربى في بيته فقد كان عبداً عنده، ثم أعتقه وصار كأنه ابن لـ أبي حذيفة ﵁. فذهبت امرأة أبي حذيفة إلى النبي ﷺ فأخبرته، فقال لها: (أرضعيه حتى يذهب ما في نفس أبي حذيفة) فأرضعته وعمره فوق العشر فصار ابناً له، فجاءت مسألة من المسائل وهي رضاع الكبير، هل هذه القضية خاصة بـ أبي حذيفة فقط أم أنها له ولغيره؟ فأكثر علماء الأمة على أنها لـ أبي حذيفة فقط، فالسيدة عائشة أخذت بأنه ما كان في سالم مولى أبي حذيفة فهو لغيره، فكانت إذا أرادت أن يدخل عليها أحد، تأمر أحداً من أهلها أن يرضعه، وعندئذٍ فمن الممكن أن يدخل على عائشة بهذا الرضاع، وتصير له بمنزلة الخالة من الرضاعة، فاجتهدت في ذلك السيدة عائشة ﵂. فلو كانت وحدها زوجة للنبي ﷺ لأخذ هذا الحكم على أنه حكم مسلم به، ولكن نساء النبي ﷺ الباقيات اعترضن وقلن: لا يدخل علينا أحد بمثل هذا الرضاع، وهذا اجتهاد منك أنت، وقصة سالم مولى أبي حذيفة لا نراها إلا لـ سالم فقط، وليست لغيره. كذلك زواج النبي ﷺ كان في أول الإسلام حين كان غريباً، فهو بدأ برجل واحد، وهو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكل من في الدنيا كان عليه وضده، ولا بد من بذل أسباب حتى يقرب من الناس ويقرب الناس إليه، فكان من ضمن الأسباب: النكاح، فعند العرب: إذا تزوج الإنسان بامرأة من قبيلة صارت القبيلة كلها أهلاً لهذا الإنسان، فيكون له قوة من الناس، وإذا كان النبي ﷺ قد نبذه أهله فسيجد من هؤلاء من يكون بينه وبينهم صلة رحم، فيراعون ما بينهم وبينه لأنه متزوج منهم، فيفرحون بذلك ويسمعون منه صلوات الله وسلامه عليه. فعندما يتزوج النبي ﷺ من هذه القبيلة وهذه القبيلة فيقرب بعضهم إلى بعض، ويؤاخي بينهم، فتكون قوة لدين الله . كذلك الزواج كان له أسباب أخرى، فكان النبي ﷺ يتزوج المرأة ليس لها أحد، تكون مهاجرة في مكان، وزوجها مات في مكان آخر، مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، وهذه أبوها شيخ قريش، وكان من الكفار، وكانت مهاجرة مع زوجها في بلاد الحبشة، فمات زوجها هناك، فهل ترجع إلى أبي سفيان ليعذبها؟ ذهبت إلى المدينة وليس لها أحد، فكان من النبي ﷺ أن تزوجها ليكون هو وليها صلوات الله وسلامه عليه، ويشرفها ﷺ بذلك. أمر آخر: أنه لعل قلب أبي سفيان وابنه معاوية يميل إلى الدين، وقد فرح أبو سفيان بنكاح النبي ﷺ لابنته فرحاً شديداً، وظل هذا في قلبه شيء حتى قبل فتح مكة بشيء يسير، ثم دخل في الإسلام. إذاً: كان هناك حكمة من نكاحه ﷺ لعدد من النساء. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1948

تفسير سورة الأحزاب (تابع١) [٢٨ - ٢٩] من حكمة تعدد زوجات النبي ﷺ تبليغهن ﵅ أحكام الإسلام بعد موته ﷺ ، وهناك حكمة أخرى في ذلك وهي تقوية الرابطة بين النبي ﷺ وقبائل شتى من العرب، وأمهات المؤمنين هن القدوة الحسنة لنساء المسلمين.

стр. 1949

تخيير النبي ﷺ لنسائه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]. يأمر الله نبيه ﷺ بتخيير نسائه: إن كن يردن الحياة الدنيا وزينتها فيمتعهن النبي ﷺ ويسرحهن سراحاً جميلاً، وإن كن يردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منهن أجراً عظيماً. فخيرهن النبي ﷺ فاخترن الله ورسوله، واخترن الدار الآخرة، وتركن الدنيا بما فيها، فكان لهن عند الله أعظم الأجر، قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٩]. وقدمنا أن الله سبحانه ربى نبيه ﷺ أعظم التربية فكان عبداً لله، عبد ربه حق العبودية، وتوجه إلى ربه سبحانه بكل طاعة أمره الله بها، وتواضع لربه ﵊ فاستحق أعظم الدرجات عند الله سبحانه، قال له ربه: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]. فجعل له الله يوم القيامة المقام المحمود بعبادته لربه، وبتواضعه لله، وبانصرافه عن الدنيا، كانت تأتيه الدنيا ﵊ فإذا به ينفق ويخرج المال، وكان يحزن أن يبقى عنده المال أكثر من ليلة، فيصلي بالناس الفجر ثم يهرع إلى بيته ﵊، فيتعجب الناس لسرعة النبي ﷺ في دخول بيته، فيقول: (تذكرت مالاً قد آتانيه الله فهو عندي)، فكان ﷺ يسرع لينفقه، وليخرجه لمن يستحقونه ويقول: إنه لا يفرح أن يبيت ثلاث ليال وعنده مال يدخره ﷺ ، ولا يحب ذلك بل يصرفه هكذا وهكذا وهكذا، فأنفق هذا المال في كل وجه من وجوه طاعة الله ولم يبق شيئاً. فهذا النبي الكريم ﵊ لا يبقي شيئاً من المال عنده، إلا ما يكون من نفقة لنسائه وما عليه من دين، أما غير ذلك فكان ينفق المال كله صلوات الله وسلامه عليه، وكان بلال هو المسئول عن نفقة النبي ﷺ ، فكان يأمره النبي ﷺ : (أنفق بلال! ولا تخف من ذي العرش إقلالاً) أي: أنفق يا بلال هذا المال في سبيل الله ، ولا تخف أن يضيق الله علينا، ما كان الله ليضيق علينا . هذا النبي ﷺ وهذا كرمه العظيم وتواضعه، وجاء حديث رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة: (جلس جبريل إلى النبي ﷺ فنظر إلى السماء) جبريل كان جالساً في يوم مع النبي ﷺ ونظر جبريل إلى السماء. (فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة) يعني: أول مرة ينزل فيها هذا الملك من ساعة أن خلقه الله . (فلما نزل هذا الملك قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك، قال: أملكاً نبياً يجعلك أو عبداً رسولاً؟!) أي: ربنا يخيرك ماذا تحب أن تكون، هل تحب أن تكون ملكاً مثل ما كان داود وسليمان ملكين وتكون نبياً، أم تحب أن تكون عبداً وتكون رسولاً لله ؟ (فقال جبريل للنبي ﷺ : تواضع لربك يا محمد!) صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه استشار جبريل ماذا أختار؟ هل أكون ملكاً نبياً أو أكون عبداً رسولاً؟! فأشار إليه أن تواضع، يعني: كن عبداً لله ، فتواضع النبي ﷺ وطلب من ربه أن يكون عبداً رسولاً. تواضع النبي ﷺ لله ، فرفعه الله على جميع خلقه أعظم منزلة وأعظم مكانة، فجعل له لواء الحمد يوم القيامة، وجعل له الشفاعة العظمى، وجعل له المقام المحمود، وجعله أول من يهز حلقة الجنة وأول من يدخلها، ولا تفتح الجنة لأحد قبله صلوات الله وسلامه عليه، فهو عندما تواضع لله رفعه الله أعظم المنازل. كان يجلس ﵊ للطعام وللشراب جلسة العبد، ويقول: (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد وآكل كما يأكل العبد) صلوات الله وسلامه عليه، فأعظم مراتب النبي ﷺ منزلة العبودية لربه سبحانه. فهذا النبي الكريم العبد الرسول ﵊ الذي تواضع لربه هل يعقل أن يكون له من النساء من تطلب هذه الدنيا؟ لا تصلح هذه المرأة أن تكون للنبي ﷺ ؛ لذلك نزلت الآية تخير هؤلاء: إذا كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فأنتن لا تصلحن للنبي ﷺ . قال تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] أي: أدفع لكن المتعة، أعطيكن ما تستمتعن به من مال ونفقة. وقوله تعالى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] أي: أطلقكن طلاقاً جميلاً، أي: طلاق سنة ليس فيه أذى وليس فيه إعضال وليس فيه إمساك مع التأذي، يسرحهن ﷺ إذا كن يردن الحياة الدنيا وزينتها. وإن كن يردن الله ويردن الرسول ﵊ ويردن الدار الآخرة، فعليهن أن ينتظرن من الله أعظم الأجر، وهو الأجر العظيم الذي يليق بعطاء الله .

стр. 1950

إباحة الله لنبيه أن يتزوج ما شاء ذكرنا أن النبي ﷺ أباح له ربه سبحانه أن يتزوج ما شاء من النساء، فقال له ربه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠]. فالله أحل للنبي ﷺ أن يتزوج ما شاء من النساء بهذا القيد الذي في هذه الآية، وقال له : ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠]. وتزوج النبي ﷺ ودفع المهور، وأحل الله له ذلك. كذلك أباح له الله سبحانه ملك اليمين، أي: ما ملك من سبي، فالله أباح له وطأهن بملك اليمين. وملك اليمين شيء والزواج شيء آخر، إنسان يتزوج المرأة فلا يملك منها سوى العشرة، يعيش معها ويملك منها أنه يطأها، لكن ليست أمة عنده يأخذها ويبيعها مثلاً أو يتنازل عنها لغيره؛ لأنه عقد زواج بين الرجل وبين ولي المرأة برضا المرأة وبالشهود وبالإعلام في ذلك، فالإنسان يعيش مع زوجته بالمعروف، فإذا لم تكن هنا عشرة بالمعروف يطلقها، فالنكاح عقد بين الرجل وبين ولي المرأة على أن يستمتع الرجل بهذه المرأة عشرة زوجية معلومة، فهو لا يملك هذه المرأة وإنما يملك الاستمتاع ببضعها. لكن ملك اليمين أن يملك المرأة كما يملك الشيء، فكان العبيد يباعون، تباع المرأة ويباع الرجل فيجوز للرجل أن يشتري الأمة ويجوز له أن يطأها بملك اليمين؛ فيملك أن يبيعها، ويملك أن ينتفع بها، فهي أمة عنده، فأباح الله للنبي ﷺ ولغيره أن يملك ما شاء من الإماء. كانت الإماء في زمن من الأزمان موجودات، لكن الآن ليس هناك عبيد ولا إماء، فالباقي الآن أن الإنسان يتزوج المرأة بالنكاح الشرعي المعروف. فأباح الله لنبيه ﷺ أن يتزوج ما شاء من النساء وأباح له ملك اليمين، قال تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، بقيد ليست أي بنات عم، ولا أي بنات خال وإنما: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فهن لهن فضيلة أن هاجرن مع النبي ﷺ ، والتي لم تهاجر لم يحل الله له أن يتزوجها. فعلى ذلك إن كانت من آل بيته ﵊ فإنما شرفها بهجرتها إلى النبي ﷺ ، فالقيد في بنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك هو أنهن اللاتي هاجرن معك. كذلك أباح له: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠]، امرأة مؤمنة جاءت تهب نفسها للنبي ﷺ تريد أن تكون زوجة له، والنبي ﷺ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فعلى ذلك إذا وهبت امرأة نفسها للنبي ﷺ جاز له أن يتزوجها، وجاز له أن يزوجها لأحد من أصحابه ﵊، فهو أولى بها من نفسها. فقوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب:٥٠] هذه الصورة ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، فليس لأحد أن يقول: فلانة وهبت نفسها لي، ولكن النبي ﵊ أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو الذي يجوز له ذلك. والله قال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] ﴿فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] يعني: أنه لك مثنى وثلاث ورباع ليس لك أكثر من ذلك، وملك اليمين لك أن تطأ ما شئت إن وجد ذلك. قال الله سبحانه: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠]، أي: لئلا يكون عليك حرج في هذا النكاح، فرفع الله عنه الحرج صلوات الله وسلامه عليه، في أن يقول له أحد: لماذا؟ يقال: يفعل الله ما يشاء، فقد أباح لنبيه ﷺ ما لم يبح لغيره والتشريع بيد الله، وهذه شريعة الله ، يبيح ما يشاء ويمنع ما يشاء، ويحل ما يشاء لمن يشاء من عباده، فاختار نبيه ﷺ وأباح له ذلك. وذكرنا الحكمة أو بعضاً من الحكم في زواج النبي ﷺ من مجموعة من النساء، وأعظم الحكم في ذلك الدعوة إلى الله ، فامرأة واحدة لا تكفي لتبليغ هذه الشريعة، فقد تتعب وقد تمرض، فيحتاج النبي ﷺ لعدد من النساء يبلغن ما أمر الله ، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فأمر الله سبحانه نساء النبي ﷺ بأن يبلغن هذا الدين، ولا تكفي واحدة فاحتاج النبي ﷺ أن يتزوج مجموعة من النساء.

стр. 1951

ذكر زوجات النبي ﷺ وحياتهن العطرة

стр. 1952

ذكر نبذة من سيرة أم المؤمنين خديجة ﵂ أول امرأة تزوجها النبي ﷺ وهو في الخامسة والعشرين من عمره، أي: قبل أن ينزل عليه الوحي بخمس عشرة سنة، لأنه نزل عليه وله أربعون سنة صلوات الله وسلامه عليه. ففي سن الخامسة والعشرين تزوج النبي ﷺ من السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، وكانت أكبر من النبي ﷺ بخمس عشرة سنة، فالسيدة خديجة كان لها أربعون سنة حين تزوجها النبي ﷺ ، فتزوجها وهو شاب صغير، وهي قد تعدت مرحلة الشباب ودخلت في الكهولة فكانت في سن الأربعين رضي الله ﵎ عنها، وكانت حكمة من الله ﵎ أن يتزوج من هذه المرأة الفاضلة الصالحة رضي الله ﵎ عنها. والسيدة خديجة كانت امرأة غنية وحكيمة ﵂، وكانت متزوجة قبل النبي ﷺ . واسمها خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، فتجتمع مع النبي ﷺ في جده صلوات الله وسلامه عليه، فجدها قصي بن كلاب وهو جد النبي ﷺ أيضاً. كانت قبل النبي ﷺ عند رجل كنيته أبو هالة واسمه زرارة بن النباش من بني أسد، وقبل ذلك كانت عند رجل آخر اسمه عتيق بن عائذ، وولدت منه غلاماً اسمه عبد مناف، وولدت من أبي هالة هند بنت أبي هالة. فالسيدة خديجة تزوجت مرتين قبل النبي ﷺ ، وكانت صاحبة مال عظيم، وقد تاجر لها وقتاً من الأوقات في مالها ﵊ فظهرت بركة النبي ﷺ في مالها، وزاد مالها ونما نمواً عظيماً ببركة عمل النبي ﷺ فيه، فأحبت النبي ﷺ فتزوجها ﷺ ، وذهب عمه أبو طالب وخطبها للنبي ﷺ وفرحت بذلك فرحاً عظيماً. فكانت للنبي ﷺ الزوجة الصالحة العظيمة الرءوفة الرحيمة، وكانت له كالأم، وهذه من حكم الله سبحانه أن يتزوج أول ما يتزوج من امرأة تكبره سناً صلوات الله وسلامه عليه بخمس عشرة سنة، فعمره خمس وعشرون سنة، وعمرها أربعون سنة، فلم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه حتى توفيت بمكة ﵂ بعد سبع سنوات من بعثته صلوات الله وسلامه عليه، أو عشر سنوات. توفيت السيدة خديجة ولها خمس وستون سنة، أي: مكثت مع النبي ﷺ خمساً وعشرين سنة، وكل هذا الحين لم يتزوج عليها امرأة أخرى صلوات الله وسلامه عليه. وبعدما بعث مكثت معه في مكة سبع سنوات أو عشر سنوات، ثم توفيت رضي الله ﵎ عنها، وكان من أعظم البلاء على النبي ﷺ ومن أعظم أسباب الحزن والهموم موت السيدة خديجة وموت عمه أبي طالب في عام واحد، والاثنان كان بين موتهما أشهر يسيرة فسمي هذا العام بعام الحزن؛ لأنه عام حزن فيه النبي ﷺ حزناً شديدا ً على وفاة عمه وعلى وفاة السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها. فعمه أبو طالب كان يدافع عنه ﵊، فلم يجرؤ أحد من المشركين أن يؤذيه ﷺ في حياة عمه أبي طالب، والعجب أنه مات على الكفر، ولله الحكمة العظيمة أن يموت هذا الرجل الذي دافع عن النبي ﷺ كافراً. إن السيدة خديجة هي أول امرأة آمنت بالنبي ﷺ ، وهي أول من دعاها النبي ﷺ إذ هو في الغار ﵊، ويأتيه جبريل فيذهب إلى بيته ﵊ وهو في غاية الرعب والخوف ويقول: زملوني، زملوني دثروني، دثروني، أخاف أن يكون قد ذهب عقلي، تقول له: لا والله ما ذهب عقلك، وما كان الله ليصنع بك ذلك، وإنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، وتقري الضيف. فهي أول من آمن بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وتذهب إلى ابن عمها ورقة بن نوفل وتحدثه عن النبي ﷺ وما حدث له وتقول: أخبر ورقة بذلك فيحدثه فيقول: إنه الناموس الذي جاء موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. هذه السيدة خديجة المرأة الحكيمة العاقلة رضي الله ﵎ عنها، مكثت مع النبي ﷺ عمراً طويلاً، وهو يدعو إلى الله وأعانته على ذلك بمالها وبنفسها، فقد كانت تعطف على النبي ﷺ ، وعرف لها ربها فضلها، فنزل جبريل على النبي ﷺ يقول له: (بشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) والقصب هو اللؤلؤ، أي: ببيت من لؤلؤ. وقوله: (لا صخب فيه ولا نصب) أي: لا تسمع فيه صراخاً ولا صياحاً، وكم سمعت من الكفار وهم يؤذون النبي ﷺ وكم ترحمت عليه ﷺ مما يفعله به هؤلاء، فقد رحمت النبي ﷺ وواسته ووقفت بجواره رضي الله ﵎ عنها، فبشرها الله لصبرها على إزعاج هؤلاء المشركين في الدنيا، ببيت في الجنة من لؤلؤ، لا صخب فيه ولا نصب، ولا تعب بعد هذه الدنيا، فالنبي ﷺ إذا دخل الجنة له عند الله المنزلة العظيمة، وهي زوجته في الدنيا وفي الآخرة رضي الله ﵎ عنها. ماتت السيدة خديجة بمكة، ودفنت بالحجون، وهي مقبرة موجودة في مكة، دفنت هنالك ولم يصل عليها، إذ لم يكن قد فرضت الصلاة على الجنازة في هذا الوقت، فخرج بها من بيتها ودفنها النبي ﷺ ، ونزل في حفرتها ﵊، ليكون في الأرض التي دفنت فيها أثر بركة النبي ﷺ . ثم تزوج النبي ﷺ بعد وفاتها عدداً من النساء كما سنعرف بعد ذلك.

стр. 1953

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين سودة بنت زمعة ﵂ من نساء النبي ﷺ السيدة: سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، ونلاحظ أن السيدة خديجة كانت من بني أسد، وسودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس من بني عامر، وذكرنا في الحديث السابق أن نكاح النبي ﷺ للنساء من قبائل شتى مما يقوي رابطته بهذه القبائل، فكلهم ينتمون إلى النبي ﷺ بسبب ذلك، ويقوى دين الله ، وهذه حكمة أخرى من الله . والسيدة خديجة ذكرنا أنها أول من آمن بالنبي ﷺ ، وكل أولاد النبي ﷺ منها ما عدا واحداً، وهو إبراهيم بن النبي ﷺ من مارية القبطية المصرية. يقول هنا الإمام القرطبي: (ومنهن السيدة سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس العامرية، أسلمت قديماً وبايعت النبي ﷺ إسلامها كان قديماً وكانت متزوجة من ابن عم لها اسمه سكران بن عمر وأسلم أيضاً، وهاجروا جميعاً إلى الحبشة في الهجرة الثانية، فلما قدم زوجها مكة بعد الهجرة الثانية مات، وقيل: مات في الحبشة، فخطبها النبي ﷺ بعدما حلت من زوجها وتزوجها، ودخل بها في مكة. أيضاً السيدة عائشة تزوجها النبي ﷺ في مكة، لكن لم يدخل بها في مكة، وإنما دخل بها بعد سنتين في المدينة صلوات الله وسلامه عليه. هاجر النبي ﷺ بالسيدة سودة إلى المدينة، والسيدة سودة كانت أكبر نساء النبي ﷺ سناً، فلما كبرت في السن واستشعرت أن النبي ﷺ لا حاجة له فيها طلبت منه أن يبقيها، أي: لا يطلقها ولا يفارقها؛ لأنها لا تحتاج أن يكون لها زوج للنكاح ولا للوطء، فتنازلت عن يومها للسيدة عائشة ﵂، وقالت: أريد أن أكون زوجتك في الجنة، فكان الأمر على ما طلبت رضي الله ﵎ عنها، وأمسكها النبي ﷺ ، وتوفيت بالمدينة ﵂ في شوال سنة ٥٤هـ، أي: عمرت طويلاً رضي الله ﵎ عنها، فوفاتها بعد النبي ﷺ بأربع وأربعين سنة. فهذه حكمة من الله أن يتزوج النبي ﷺ مجموعة من النساء، فقد عاشت سودة ﵂ حتى عام ٥٤هـ، يا ترى كم من حديث حدثت به حتى ماتت في سنة ٥٤هـ، وهي واحدة من نساء النبي ﷺ ، والباقيات من نساء النبي ﷺ كل واحدة منهن كم حديثاً حدثت، وكم حكماً من الأحكام الشرعية بلغته، فاستفاد المسلمون من تعليم نساء النبي ﷺ لهم.

стр. 1954

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين عائشة ﵂ ثالث امرأة من نسائه ﵊: السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق ﵂، وكان سيتزوجها رجل آخر غير النبي ﷺ وهو جبير بن مطعم، وقد كان أبوه المطعم بن عدي من كبار أهل مكة، وأراد أن يزوج ابنه جبير بن مطعم من السيدة عائشة ﵂، فخطبها النبي ﷺ . وكان زواج النبي ﷺ من السيدة عائشة بعد أن جاءه جبريل وأراه خرقة من حرير فيها صورة السيدة عائشة وقال: هذه زوجتك، وكان النبي ﷺ يوم ذاك متزوجاً من السيدة سودة، والسيدة عائشة ما زالت صغيرة وعمرها سبع سنوات، فجاء جبريل إلى النبي ﷺ وأخبره أن عائشة ستكون زوجته، وهذا إخبار وإعلام من الله أنه سيتزوجها. وفعلاً طلبها من أبي بكر الصديق، فـ أبو بكر الصديق قال للنبي ﷺ : دعني أسلها من جبير، فكأنه تفاوض مع جبير ومع أبيه على أمر الإسلام أو غير ذلك، فلما بقوا على ذلك انسحب جبير ورفض الزواج من السيدة عائشة، فتزوجها النبي ﷺ ، وعقد بها ولها سبع سنوات، لكن لم يدخل بها إلا بعد أن جاوزت التسع سنوات وهي في المدينة.

стр. 1955

تفسير سورة الأحزاب (تابع٢) [٢٨ - ٢٩] أحل الله تعالى لنبيه أن يتزوج ما يشاء من النساء، وهذا من خصوصيات النبي ﷺ ، والحكمة من تعدد زوجات النبي ﷺ نقل التشريع الإسلامي إلى الأمة، وهذا ما ظهر جلياً من تتبع استنباط الأحكام الشرعية من زواجه بأمهات المؤمنين ومعاملته معهن.

стр. 1956

اختصاص النبي بالزواج بأكثر من أربع

стр. 1957

اختصاصه ﷺ بالزواج من أكثر من أربع الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٢٩]. الله أباح للنبي ﷺ أن يتزوج من النساء ما شاء، فليس مقيداً بعدد كغيره من المؤمنين، قال سبحانه: ﴿قََدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: لكيلا يكون على النبي ﷺ حرج في ذلك ((قََدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ)) أن يتزوجوا مثنى وثلاث ورباع وليس للرجل أن يزيد على ذلك. ولكن النبي ﷺ قد أحل الله له أن يتزوج ما شاء من النساء، قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠]. فالله فرض على المؤمنين أشياء معينة، ورخص لهم في أشياء أخر، وأما النبي ﷺ فاختصه الله بأشياء منها: أن له أن يتزوج ما زاد عن الأربع، فقد أباح له ذلك . وله حكم، فمن ضمنها: أن كثرة عدد النساء يبلغن عن النبي ﷺ ما يأتيه من عند ربه من أحكام شرعية فتقص كل واحدة منهن ما حدث مع النبي ﷺ فيما بينها وبينه من أشياء فيها أحكام يستفيد بها الخلق. فلو كانت امرأة واحدة ما قدرت على تبليغ هذا الدين العظيم كله وأحكام النساء كثيرة، فمنها أحكام الحيض والنفاس وأحكام الطلاق، وأحكام الخلع، وأحكام إرجاع الرجل امرأته، وأشياء كثيرة تكون المرأة بحاجة إليها فتذهب وتسأل النبي ﷺ .

стр. 1958

الأحكام المستفادة من حياة النبي مع أزواجه

стр. 1959

كيفية إتباع المرأة الحيض بفرصة ممسكة وقد تستحي المرأة أن تسأل النبي ﷺ ، فتسأل نساءه فيعلمنها، وقد تتجرأ المرأة وتسأل النبي ﷺ عن شيء يستحي هو منه صلوات الله وسلامه عليه، كما ذهبت امرأة تسأل النبي ﷺ أنها طهرت من الحيض فكيف تصنع؟ فالنبي ﷺ أمرها أن تتبع أثر الدم، قال: (خذي فرصة ممسكة فتتبعي أثر الدم). فالمرأة قالت: كيف أصنع؟ فاستحيا النبي ﷺ من سؤالها فقال: سبحان الله! خذي فرصة ممسكة فتتبعي بها أثر الدم، فإحدى نساء النبي ﷺ كانت موجودة فأخذتها وذهبت بها وقالت: اصنعي كذا وكذا. فهنالك من الأشياء ما يستحي النبي ﷺ أن يتكلم بها بصريح العبارة، ولكن المرأة لا تستحي أن تقول للمرأة: اصنعي كذا وكذا، فلو كانت امرأة واحدة للنبي ﷺ فلا تكفي أن تبلغ أحكاماً كثيرة، فكم من صحابيات يأتين من المدينة ومن خارجها فيسألن؟ فإذا كان عدد المسلمين في حجة الوداع مائة وثلاثين ألفاً فهو يبلغهم والصحابة يعلمونهم، ولكن الأحكام التي تتعلق بالنساء وبأحكام البيت والعشرة الزوجية وأحكام كثيرة يحتاج كل إنسان أن يعرفها ويتعلمها.

стр. 1960

الطلاق والرجعة فمن الأحكام الطلاق، وهو: أن يطلق الرجل امرأته، فلو أن النبي ﷺ لم يطلق إحدى زوجاته لكان يوجد على الإنسان حرج في نفسه إذا أراد أن يطلق فيقول: كيف أطلق ولم يفعل ذلك النبي ﷺ ؟ فإن طلق النبي ﷺ إحدى زوجاته، فلو كانت امرأة واحدة فإن كل الأحكام ستحصل في المرأة الواحدة، وهذا صعب جداً أن يكون، لذلك آذت النبي ﷺ بعض نسائه فلما اشتد الأمر به ﷺ طلق إحداهن وهي السيدة حفصة رضي الله ﵎ عنها ثم أرجعها. فهذا حكم من الأحكام، وهو أن الرجل الفاضل قد يطلق امرأته ويكون الخطأ منها وليس منه، كما فعل النبي ﷺ مع السيدة حفصة ﵂.

стр. 1961

حكم حيض المرأة المحرمة وقد يحج الإنسان ومعه امرأته تحيض ويحتار ماذا يفعل؟ فالسيدة عائشة سافرت مع النبي ﷺ في الحج وحاضت في سرف ولم تعتمر، إلا أنها أدخلت عمرتها على حجها وصارت قارنة بعدما كانت مفردة، ثم أعمرها النبي ﷺ بعد ذلك من التنعيم. فهذا الحكم الجديد من الأحكام عرفناه بسبب زواج النبي ﷺ من أكثر من امرأة. فهنالك أمور كثيرة تعلقت بنساء النبي ﷺ عرفنا منها أحكاماً عظيمة في العشرة الزوجية بين النبي ﷺ مع نسائه. وقد يتزوج الإنسان اثنتين فيجد بيته جحيماً، هذه تؤذيه بشيء وتلك تؤذيه بشيء آخر، فيظن أنه صابر عليهما فيعلم أن النبي ﷺ جمع في وقت واحد تسع نسوة، وكانت نساء النبي ﷺ عندهن غيرة من بعضهن البعض، وقد تصل إلى حد مضايقة النبي ﷺ .

стр. 1962

العدل بين الزوجات امرأة من نساءه ترسل إليه في بيت السيدة عائشة ﵂ بصحفة فيها طعام، فإذا بالسيدة عائشة تضرب الصحن وتقلبه فينكسر وينقلب الطعام. فهذا حكم من الأحكام كيف سيتصرف النبي ﷺ فيه؟ بل كيف ترمي نعمة الله على الأرض؟ فالنبي ﷺ يغتفر لها الغيرة في ذلك؛ لأن غيرة المرأة تدفعها إلى أنها لا تفكر فيغتفر منها ذلك، ولكن يعاقبها لأنها كسرت الصحن بأن ترسل إليها بصحنها. فعرفنا من فعل النبي ﷺ صبره على غيرة امرأته، وعدله ﷺ في الصحن الذي انكسر بأن تدفع صحناً مكانه، فإن من أتلف شيئاً فعليه أن يصلحه. ومسند الإمام أحمد وغيره من كتب السنة فيها أحكام كثيرة روتها نساء النبي ﷺ يتعلم الناس منها الكثير من أفعاله في داخل بيته ﵊. ولذلك كان كبار الصحابة عندما يسألون عن أشياء تتعلق ببيت النبي ﷺ أو تتعلق بأحكام النساء يرسلون إلى نساء النبي ﷺ ليتعلموا منهن ذلك.

стр. 1963

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة خديجة فأول زوجة تزوج النبي ﷺ بها هي السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، وكان أولاده كلهم منها، ثم تزوج الثانية وهي السيدة سودة، وذلك بعد وفاة السيدة خديجة، فقد عاشت مع النبي ﷺ فترة طويلة، تزوجها ولها أربعون سنة، وتوفيت ولها خمس وستون سنة رضي الله ﵎ عنها، فمكثت مع النبي ﷺ خمساً وعشرين عاماً ودفنت بمكة. والعام الذي توفيت فيه السيدة خديجة هو العام الذي توفي فيه عم النبي ﷺ أبو طالب فكان يسمى هذا العام بعام الحزن، فإذا بالكفار يؤذون النبي ﷺ ويكيدون له كيداً لم يكونوا يصنعونه في حياة عمه أبي طالب وزوجته السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها. والسيدة خديجة امتازت بأنها وحدها التي كانت مع النبي ﷺ خلال خمس وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، فقد عرف لها فضلها ﵊، لأنها راعت النبي ﷺ ، وكانت له زوجة وأماً وكانت تصنع كل شيء في بيته لتريح النبي ﷺ . ولقد خلفت للنبي ﷺ بناتاً وبنين ﵊، البنات عشن بعد السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها. ومات أولاده كلهم في حياته ﷺ ما عدا السيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنها. ومن خصائص السيدة خديجة أن الله بشرها ببيت في الجنة من قصب، ومن لؤلؤ لا صخب فيه ولا نصب، وكانت من سيدات نساء الجنة، وابنتها السيدة فاطمة ﵂ من سيدات نساء الجنة، فالنبي ﷺ سيد الخلق ﵊، وامرأته سيدة النساء وابنته كذلك، وهذا شيء عظيم جداً من فضل الله سبحانه ﵎. وأولاده ﷺ كانوا كلهم من السيدة خديجة ﵂، ولم يكن من نسائه أولاد غيرها ﵂، وابتلاه الله ابتلاء عظيماً جداً، وهو أن كل أولاده ماتوا في حياته صلوات الله وسلامه عليه ما عدا السيدة فاطمة، لكي يتسلى المسلم بما حدث للنبي ﷺ عندما يموت له الولد فلا يجزع، بل يتأسى بالنبي ﷺ حينما مات أولاده وصبر عليهم صبراً عظيماً صلوات الله وسلامه عليه، ففي غزوة بدر ماتت ابنة النبي ﷺ وكتم عن المسلمين ذلك حتى لا يضيع عليهم فرحتهم بالنصر، فقد بلغه وفاة ابنته ولم يحضرها ﷺ ، وإنما جعل زوجها معها في المدينة ليقوم بأمرها، ورجع النبي ﷺ ولم يضيع على الناس فرحتهم بالنصر في يوم بدر بحزنه الخاص صلوات الله وسلامه عليه. فانظروا كيف كان مع الناس في نصرهم وأظهر لهم الفرح بذلك وفي داخله الحزن على وفاة ابنته صلوات الله وسلامه عليه. ومكث فترة طويلة جداً ﷺ ، ولم تنجب واحدة من نسائه، وربنا ذكر ذلك: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: لم يكن له ولد، لو كان له ولد لكان نبياً بعده ﷺ ، وهو القائل: (لا نبي بعدي) إذاً لا يمكن أن يعيش له ولد صلوات الله وسلامه عليه. وفي آخر حياته يرزقه الله من أمة عنده وهي مارية القبطية التي أهداها له المقوقس عظيم مصر، ووطأها بملك اليمين ﵊ فكان له منها إبراهيم ابن النبي صلوات الله وسلامه عليه. فلو عاش لكان من الأنبياء ولكن مات وله من العمر سنتان وهو في الفطام، مات ابن النبي صلوات الله وسلامه عليه قبل وفاة النبي ﷺ بعدة أشهر ليبتليه الله ، وليعلم صبره، فقد كان النبي ﷺ في آخر العمر، وتوفي وله ثلاث وستون سنة ﵊. في هذا السن الكبير يرزقه الله ولداً صغيراً عمره سنتان، وهذا أحب ما يكون إلى الأب، ثم يبتليه الله بأعظم بلاء بأن يموت ابنه الوحيد، فيصبر عليه النبي ﷺ ، وتسيل عيناه دموعاً ويقول: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) وتخسف الشمس في هذا اليوم فإذا بالناس يقولون: خسفت الشمس لموت إبراهيم ﵇، فيقول النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة). فلا يمنعه حزنه ﷺ أن يبلغ حكماً من الأحكام الشرعية في الحال، فلا يجوز له ﷺ أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فالشمس لم تكسف لموت إبراهيم ولا لحياة أحد ولا لموته، إنما هذه آية من آيات الله، فإذا حدث ذلك فافزعوا إلى الصلاة. فزاوج النبي ﷺ بالسيدة خديجة أنجب منها الولد وماتوا في حياته ﵊. وتزوج غيرها فمنع من الولد صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا يصبر الإنسان إذا تزوج امرأة وكانت لا تنجب فهذا الشيء ابتلاء من الله ، ويتذكر أن النبي ﷺ تزوج مجموعة من النساء، ولم تنجب له واحدة منهن، وقد تكون الواحدة منهن أنجبت لزوجها قبل النبي ﷺ ، فإن الكثيرات منهن كن متزوجات قبل ذلك وأنجبن لأزواجهن ولكن مع النبي ﷺ لم يحصل ذلك إلا مارية فقد كانت أمة عنده فوطئها فأتت بولد ثم مات بعد ذلك، فصبر النبي ﷺ وضرب لنا المثل العظيم والأسوة الحسنة في الصبر على أمر الله وعلى قضائه وقدره .

стр. 1964

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة سودة بنت زمعة والسيدة سودة بنت زمعة أسلمت قديماً ﵂ وبايعت النبي ﷺ ، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها فتوفي هنالك، ثم رجعت إلى النبي ﷺ بعد الهجرة الثانية، فهاجر بها إلى المدينة، فقد كانت معه في مكة ﵊ ودخل بها هنالك، وهي التي وهبت يومها للسيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها، لأجل أن تكون زوجته في الجنة، أما في الدنيا فهي لا تريد الوطء؛ لأنها كانت كبيرة في السن. فقالت: يا رسول الله، يومي لـ عائشة. ففيه الإيثار وحب ما يحبه الحبيب، فهو صلوات الله وسلامه عليه حبيبها، وهي تحبه وتعلم أنه يحب عائشة أكثر منها، وحب القلوب لا يملكه الإنسان، والحب ميل في القلب يحركه الله كما يشاء ﵎، فقد علمت أن أحب نساء النبي ﷺ إليه السيدة خديجة ثم السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنهما، فهي تحب ما يحبه ﷺ . فهذا إيثار عظيم جداً من زوجة من زوجات النبي ﷺ ، فتتعلم المرأة المسلمة كيف تصبر إذا كان زوجها قد تزوج عليها بضرة كما صبرت نساء النبي ﷺ ففيهن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة. وتوفيت السيدة سودة في سنة أربع وخمسين، يعني بعد النبي ﷺ بأربع وأربعين سنة، فقد عاشت تبلغ أحكاماً شرعية ثم توفيت رضي الله ﵎ عنها.

стр. 1965

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة عائشة والسيدة عائشة ﵂ هي الصديقة بنت الصديق التي نزل فيها آيات من سورة النور يبرئها الله سبحانه مما رماها به أهل الكذب والإفك والنفاق، لعنة الله على من رماها واستمر على ذلك حتى قبضه الله منافقاً، أما من تاب من المؤمنين فقد حد الحد وانتهى أمره بهذا الشيء. والسيدة عائشة كانت أحب نساء النبي ﷺ إليه، وذكر في فضلها أن: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، ولكن لم يذكر أنها من سيدات نساء الجنة، إنما ذكر السيدة خديجة والسيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنهما. والسيدة عائشة تزوجها النبي ﷺ في مكة ودخل بها في المدينة، ففيه من الأحكام أنه يجوز أن يكون بين العقد وبين الزفاف فترة زمنية، وقد كان بين عقده ودخوله بها سنتان. كما يجوز للمسلم أن يعقد على زوجته ويدخل بها في الليلة التي عقد فيها، فجواز إطالة الفترة بين العقد وبين الدخول، مأخوذ من زواجه بالسيدة عائشة. وتوفي النبي ﷺ عنها ولها ثمان عشرة سنة ولم يتزوج بكراً غيرها، وقد دخل بها ولها تسع سنوات، وهي الوحيدة التي لم تتزوج قبله ﷺ ، وقد كان يريد أن يخطبها جبير بن مطعم، فتفاوض مع سيدنا أبي بكر الصديق في شيء فرفض الرجل فتركه أبو بكر ﵁ وانحلت الخطبة بذلك وتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه. وماتت السيدة عائشة ﵂ سنة تسع وخمسين أو ثمان وخمسين من هجرة النبي ﷺ ، إذاً فقد عاشت بعد النبي ﷺ ثمانياً وأربعين سنة، وقد كانت تقص وتحكي وتذكر أحكاماً شرعية وتعلم من يسألها من الناس، وهي الحافظة العظيمة الماهرة بهذا الأمر العظيم أمر دين الله سبحانه، فلقد بلغت أحكاماً عظيمة كثيرة.
следующие страницы →