← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

حكم حيض المرأة المحرمة وقد يحج الإنسان ومعه امرأته تحيض ويحتار ماذا يفعل؟ فالسيدة عائشة سافرت مع النبي ﷺ في الحج وحاضت في سرف ولم تعتمر، إلا أنها أدخلت عمرتها على حجها وصارت قارنة بعدما كانت مفردة، ثم أعمرها النبي ﷺ بعد ذلك من التنعيم. فهذا الحكم الجديد من الأحكام عرفناه بسبب زواج النبي ﷺ من أكثر من امرأة. فهنالك أمور كثيرة تعلقت بنساء النبي ﷺ عرفنا منها أحكاماً عظيمة في العشرة الزوجية بين النبي ﷺ مع نسائه. وقد يتزوج الإنسان اثنتين فيجد بيته جحيماً، هذه تؤذيه بشيء وتلك تؤذيه بشيء آخر، فيظن أنه صابر عليهما فيعلم أن النبي ﷺ جمع في وقت واحد تسع نسوة، وكانت نساء النبي ﷺ عندهن غيرة من بعضهن البعض، وقد تصل إلى حد مضايقة النبي ﷺ .

стр. 1962

العدل بين الزوجات امرأة من نساءه ترسل إليه في بيت السيدة عائشة ﵂ بصحفة فيها طعام، فإذا بالسيدة عائشة تضرب الصحن وتقلبه فينكسر وينقلب الطعام. فهذا حكم من الأحكام كيف سيتصرف النبي ﷺ فيه؟ بل كيف ترمي نعمة الله على الأرض؟ فالنبي ﷺ يغتفر لها الغيرة في ذلك؛ لأن غيرة المرأة تدفعها إلى أنها لا تفكر فيغتفر منها ذلك، ولكن يعاقبها لأنها كسرت الصحن بأن ترسل إليها بصحنها. فعرفنا من فعل النبي ﷺ صبره على غيرة امرأته، وعدله ﷺ في الصحن الذي انكسر بأن تدفع صحناً مكانه، فإن من أتلف شيئاً فعليه أن يصلحه. ومسند الإمام أحمد وغيره من كتب السنة فيها أحكام كثيرة روتها نساء النبي ﷺ يتعلم الناس منها الكثير من أفعاله في داخل بيته ﵊. ولذلك كان كبار الصحابة عندما يسألون عن أشياء تتعلق ببيت النبي ﷺ أو تتعلق بأحكام النساء يرسلون إلى نساء النبي ﷺ ليتعلموا منهن ذلك.

стр. 1963

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة خديجة فأول زوجة تزوج النبي ﷺ بها هي السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، وكان أولاده كلهم منها، ثم تزوج الثانية وهي السيدة سودة، وذلك بعد وفاة السيدة خديجة، فقد عاشت مع النبي ﷺ فترة طويلة، تزوجها ولها أربعون سنة، وتوفيت ولها خمس وستون سنة رضي الله ﵎ عنها، فمكثت مع النبي ﷺ خمساً وعشرين عاماً ودفنت بمكة. والعام الذي توفيت فيه السيدة خديجة هو العام الذي توفي فيه عم النبي ﷺ أبو طالب فكان يسمى هذا العام بعام الحزن، فإذا بالكفار يؤذون النبي ﷺ ويكيدون له كيداً لم يكونوا يصنعونه في حياة عمه أبي طالب وزوجته السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها. والسيدة خديجة امتازت بأنها وحدها التي كانت مع النبي ﷺ خلال خمس وعشرين سنة، فلم يتزوج عليها صلوات الله وسلامه عليه، فقد عرف لها فضلها ﵊، لأنها راعت النبي ﷺ ، وكانت له زوجة وأماً وكانت تصنع كل شيء في بيته لتريح النبي ﷺ . ولقد خلفت للنبي ﷺ بناتاً وبنين ﵊، البنات عشن بعد السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها. ومات أولاده كلهم في حياته ﷺ ما عدا السيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنها. ومن خصائص السيدة خديجة أن الله بشرها ببيت في الجنة من قصب، ومن لؤلؤ لا صخب فيه ولا نصب، وكانت من سيدات نساء الجنة، وابنتها السيدة فاطمة ﵂ من سيدات نساء الجنة، فالنبي ﷺ سيد الخلق ﵊، وامرأته سيدة النساء وابنته كذلك، وهذا شيء عظيم جداً من فضل الله سبحانه ﵎. وأولاده ﷺ كانوا كلهم من السيدة خديجة ﵂، ولم يكن من نسائه أولاد غيرها ﵂، وابتلاه الله ابتلاء عظيماً جداً، وهو أن كل أولاده ماتوا في حياته صلوات الله وسلامه عليه ما عدا السيدة فاطمة، لكي يتسلى المسلم بما حدث للنبي ﷺ عندما يموت له الولد فلا يجزع، بل يتأسى بالنبي ﷺ حينما مات أولاده وصبر عليهم صبراً عظيماً صلوات الله وسلامه عليه، ففي غزوة بدر ماتت ابنة النبي ﷺ وكتم عن المسلمين ذلك حتى لا يضيع عليهم فرحتهم بالنصر، فقد بلغه وفاة ابنته ولم يحضرها ﷺ ، وإنما جعل زوجها معها في المدينة ليقوم بأمرها، ورجع النبي ﷺ ولم يضيع على الناس فرحتهم بالنصر في يوم بدر بحزنه الخاص صلوات الله وسلامه عليه. فانظروا كيف كان مع الناس في نصرهم وأظهر لهم الفرح بذلك وفي داخله الحزن على وفاة ابنته صلوات الله وسلامه عليه. ومكث فترة طويلة جداً ﷺ ، ولم تنجب واحدة من نسائه، وربنا ذكر ذلك: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠] أي: لم يكن له ولد، لو كان له ولد لكان نبياً بعده ﷺ ، وهو القائل: (لا نبي بعدي) إذاً لا يمكن أن يعيش له ولد صلوات الله وسلامه عليه. وفي آخر حياته يرزقه الله من أمة عنده وهي مارية القبطية التي أهداها له المقوقس عظيم مصر، ووطأها بملك اليمين ﵊ فكان له منها إبراهيم ابن النبي صلوات الله وسلامه عليه. فلو عاش لكان من الأنبياء ولكن مات وله من العمر سنتان وهو في الفطام، مات ابن النبي صلوات الله وسلامه عليه قبل وفاة النبي ﷺ بعدة أشهر ليبتليه الله ، وليعلم صبره، فقد كان النبي ﷺ في آخر العمر، وتوفي وله ثلاث وستون سنة ﵊. في هذا السن الكبير يرزقه الله ولداً صغيراً عمره سنتان، وهذا أحب ما يكون إلى الأب، ثم يبتليه الله بأعظم بلاء بأن يموت ابنه الوحيد، فيصبر عليه النبي ﷺ ، وتسيل عيناه دموعاً ويقول: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون) وتخسف الشمس في هذا اليوم فإذا بالناس يقولون: خسفت الشمس لموت إبراهيم ﵇، فيقول النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة). فلا يمنعه حزنه ﷺ أن يبلغ حكماً من الأحكام الشرعية في الحال، فلا يجوز له ﷺ أن يؤخر البيان عن وقت الحاجة، فالشمس لم تكسف لموت إبراهيم ولا لحياة أحد ولا لموته، إنما هذه آية من آيات الله، فإذا حدث ذلك فافزعوا إلى الصلاة. فزاوج النبي ﷺ بالسيدة خديجة أنجب منها الولد وماتوا في حياته ﵊. وتزوج غيرها فمنع من الولد صلوات الله وسلامه عليه، وهكذا يصبر الإنسان إذا تزوج امرأة وكانت لا تنجب فهذا الشيء ابتلاء من الله ، ويتذكر أن النبي ﷺ تزوج مجموعة من النساء، ولم تنجب له واحدة منهن، وقد تكون الواحدة منهن أنجبت لزوجها قبل النبي ﷺ ، فإن الكثيرات منهن كن متزوجات قبل ذلك وأنجبن لأزواجهن ولكن مع النبي ﷺ لم يحصل ذلك إلا مارية فقد كانت أمة عنده فوطئها فأتت بولد ثم مات بعد ذلك، فصبر النبي ﷺ وضرب لنا المثل العظيم والأسوة الحسنة في الصبر على أمر الله وعلى قضائه وقدره .

стр. 1964

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة سودة بنت زمعة والسيدة سودة بنت زمعة أسلمت قديماً ﵂ وبايعت النبي ﷺ ، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها فتوفي هنالك، ثم رجعت إلى النبي ﷺ بعد الهجرة الثانية، فهاجر بها إلى المدينة، فقد كانت معه في مكة ﵊ ودخل بها هنالك، وهي التي وهبت يومها للسيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها، لأجل أن تكون زوجته في الجنة، أما في الدنيا فهي لا تريد الوطء؛ لأنها كانت كبيرة في السن. فقالت: يا رسول الله، يومي لـ عائشة. ففيه الإيثار وحب ما يحبه الحبيب، فهو صلوات الله وسلامه عليه حبيبها، وهي تحبه وتعلم أنه يحب عائشة أكثر منها، وحب القلوب لا يملكه الإنسان، والحب ميل في القلب يحركه الله كما يشاء ﵎، فقد علمت أن أحب نساء النبي ﷺ إليه السيدة خديجة ثم السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنهما، فهي تحب ما يحبه ﷺ . فهذا إيثار عظيم جداً من زوجة من زوجات النبي ﷺ ، فتتعلم المرأة المسلمة كيف تصبر إذا كان زوجها قد تزوج عليها بضرة كما صبرت نساء النبي ﷺ ففيهن الأسوة الحسنة والقدوة العظيمة. وتوفيت السيدة سودة في سنة أربع وخمسين، يعني بعد النبي ﷺ بأربع وأربعين سنة، فقد عاشت تبلغ أحكاماً شرعية ثم توفيت رضي الله ﵎ عنها.

стр. 1965

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة عائشة والسيدة عائشة ﵂ هي الصديقة بنت الصديق التي نزل فيها آيات من سورة النور يبرئها الله سبحانه مما رماها به أهل الكذب والإفك والنفاق، لعنة الله على من رماها واستمر على ذلك حتى قبضه الله منافقاً، أما من تاب من المؤمنين فقد حد الحد وانتهى أمره بهذا الشيء. والسيدة عائشة كانت أحب نساء النبي ﷺ إليه، وذكر في فضلها أن: (فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، ولكن لم يذكر أنها من سيدات نساء الجنة، إنما ذكر السيدة خديجة والسيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنهما. والسيدة عائشة تزوجها النبي ﷺ في مكة ودخل بها في المدينة، ففيه من الأحكام أنه يجوز أن يكون بين العقد وبين الزفاف فترة زمنية، وقد كان بين عقده ودخوله بها سنتان. كما يجوز للمسلم أن يعقد على زوجته ويدخل بها في الليلة التي عقد فيها، فجواز إطالة الفترة بين العقد وبين الدخول، مأخوذ من زواجه بالسيدة عائشة. وتوفي النبي ﷺ عنها ولها ثمان عشرة سنة ولم يتزوج بكراً غيرها، وقد دخل بها ولها تسع سنوات، وهي الوحيدة التي لم تتزوج قبله ﷺ ، وقد كان يريد أن يخطبها جبير بن مطعم، فتفاوض مع سيدنا أبي بكر الصديق في شيء فرفض الرجل فتركه أبو بكر ﵁ وانحلت الخطبة بذلك وتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه. وماتت السيدة عائشة ﵂ سنة تسع وخمسين أو ثمان وخمسين من هجرة النبي ﷺ ، إذاً فقد عاشت بعد النبي ﷺ ثمانياً وأربعين سنة، وقد كانت تقص وتحكي وتذكر أحكاماً شرعية وتعلم من يسألها من الناس، وهي الحافظة العظيمة الماهرة بهذا الأمر العظيم أمر دين الله سبحانه، فلقد بلغت أحكاماً عظيمة كثيرة.

стр. 1966

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة حفصة ومن نساء النبي ﷺ السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية رضي الله ﵎ عنها، تزوجها رسول الله ﷺ ، بعد أن توفي عنها زوجها. فـ عمر بن الخطاب ﵁ عرضها على أبي بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، ثم عرضها على عثمان بن عفان ﵁. ففيها أن الرجل الفاضل قد يعرض ابنته الفاضلة على أهل الفضل، كالسيدة حفصة ﵂ كانت لها المنزلة ولها المكانة وعندها جمال ﵂، وأبوها عمر بن الخطاب ﵁ كان يخاف على ابنته الفتنة، فعرضها على أبي بكر الصديق وقال له: إن كنت ترغب أن تنكح فانكح حفصة، فـ أبو بكر الصديق سكت رضي الله ﵎ عنه، وكذلك عرضها على عثمان بن عفان فرد عليه بقوله: ليست لي حاجة في النكاح. فـ عمر كأنه وجد على أبي بكر حين لم يرد عليه فكأنه حصل في نفسه حزن، ثم حدث بعد ذلك أن خطبها النبي ﷺ وتزوجها، فقال أبو بكر لـ عمر: لعلك وجدت علي عندما لم أرد عليك؟ قال: نعم، -فقد كانوا أهل صدق رضي الله ﵎ عنهم- قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يذكرها فلو تركها لتزوجتها، ولا يمكن أن أفشي لك سر النبي ﷺ لأنه ذكرها، فقد يمكن ألا يتزوجها. فـ أبو بكر حمو النبي ﷺ ، وعائشة زوجة النبي ﷺ . ونتعلم من نكاح النبي ﷺ بعديد من النساء كيف تكون أخلاق الأحماء، فـ أبو بكر حمو للنبي ﷺ وهو صديقه ووزيره رضي الله ﵎ عنه، ففيه الأدب الشرعي الذي علمهم به الإسلام العظيم، وهو أن الإنسان يتكلم بالحق وبالعدل، وأن حق النبي ﷺ أن يتزوج أكثر من امرأة كما جعل الله ذلك له، فـ أبو بكر الصديق يرضى بهذا الشيء ويقول لـ عمر بن الخطاب: إن ابنتك لو لم يتزوجها النبي ﷺ لكنت أنا تزوجتها. والسيدة حفصة رضي الله ﵎ عنها كانت امرأة عظيمة فاضلة لها جمال وأبوها عمر بن الخطاب ﵁، فكان نساء النبي ﷺ يحدث بينهن نوع من الغيرة كما يحدث بين الضرائر، فالسيدة حفصة كانت واحدة من اللاتي غيرتهن شديدة،، فلما زاد ذلك منها غضب النبي ﷺ فطلقها. وكان عمر يذهب ليؤدب ابنته عند النبي ﷺ يقول لها: لا تسألي رسول الله ﷺ مالاً، سليني من مالي ما شئت، ولا تؤذي النبي ﷺ ، ثم يوبخها بكلام شديد جداً فيقول لها: إنما تزوجك النبي ﷺ من أجلي، وليس من أجل جمالك -وهذا القول يكسر نفس المرأة- والزمي حدك وإلا طلقك النبي ﷺ . فلما طلقها النبي ﷺ لم يعمل عمر شيئاً رضي الله ﵎ عنه، إنما جاء جبريل من عند رب العالمين سبحانه وقال للنبي ﷺ : راجعها إنها صوامة قوامة، أي: أن لها فضيلة أخرى، فهي كثيرة الصيام والقيام والله راض عنها، فهي زوجة النبي ﷺ في الجنة. فتتعلم المرأة من ذلك أنها إذا كانت ترضي ربها فالله لا يتخلى عنها أبداً. فنتعلم من طلاق النبي ﷺ للسيدة حفصة لما ضايقته ﷺ في شيء أن الله عرف لها فضل قيامها وفضل صيامها، فنزل جبريل فقال للنبي ﷺ : راجع حفصة فإنها صوامة قوامة. وفيه جواز أن يطلق الرجل امرأته إذا أغضبته، وفيه أنه يراجع نفسه وينظر إلى مزاياها وإلى فضائلها، فإذا كانت مطيعة لله سبحانه صبر عليها وارتجعها. توفيت رضي الله ﵎ عنها في شعبان من سنة خمس وأربعين من هجرة النبي ﷺ ، فمكثت بعد النبي ﷺ خمساً وثلاثين سنة تبلغ دين ربها، وماتت ولها ستون سنة، ولما توفي النبي ﷺ عنها كانت قد جاوزت الخمس والعشرين سنة ﵂ فمكثت بعده خمسة وثلاثين سنة، ثم توفيت رضي الله ﵎ عنها.

стр. 1967

الأحكام المأخوذة من زواجه بالسيدة أم سلمة ومن نساء النبي ﷺ السيدة أم سلمة، واسمها هند بنت أبي أمية المخزومية، تزوجها رسول الله ﷺ في سنة أربع من هجرته ﵊. وكانت السيدة أم سلمة زوجة لـ أبي سلمة وهو أحد الصحابة الأفاضل المهاجرين رضي الله ﵎ عنه، وكانت له فضيلة، فلقد صلى عليه رسول الله ﷺ وحضر جنازته ونهى النساء أن ينحن عليه رضي الله ﵎ عنه، فقال: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون) ودفن أبو سلمة ﵁ وكان لـ أم سلمة خير الرجال وكانت لا تعرف من هو خير من أبي سلمة ﵂، فعلمها النبي ﷺ دعاء تدعو به في هذه المصيبة وتقول: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها. قالت: من خير من أبي سلمة؟) ليس على بالها أبداً أن يتزوجها النبي ﷺ بعد أبي سلمة فكانت تقول ما قاله صلوات الله وسلامه عليه. فالبركة في طاعة النبي ﷺ ، وكم من أناس لم يقولوا ما قاله النبي ﷺ . أرأيتم الرجل الذي كان غضبان فقال النبي ﷺ : (إني أعلم كلمة لو قالها هذا لذهب عنه ما فيه. قالوا: وما هي؟ قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)، فقالوا له: قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال: أمجنون أنا؟ أي: لست مجنوناً حتى أقول هذا الكلام، فرفض أن يقول ما قاله النبي ﷺ . لكن - أم سلمة - استجابت للنبي ﷺ وقالت: اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها، فإذا بالنبي ﷺ يخطبها بعد ذلك ويتزوجها وتصير من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه في الدنيا وفي الآخرة. وكان للسيدة أم سلمة أطفال صغار، منهم عمر بن أبي سلمة رضي الله ﵎ عنهما، وزينب بنت أبي سلمة رضي الله ﵎ عنها، وكانت زينب طفلة صغيرة، وكانت تبيت مع أمها في غرفة واحدة في بيت النبي ﷺ ، وكان النبي ﷺ لا يأتي امرأته فصبر على ذلك لطيبة خلقه ﷺ وحسن أدبه ﵊، فقد صبر ليلة أو ليلتين، إلى أن انتبه عمار بن ياسر رضي الله ﵎ عنه وكان قريباً لها فدخل يزورها فوجد عندها هذه البنت فقال: أهذه عند رسول الله ﷺ ؟ فأخذها ﵁ وذهب بها إلى أهله، فأتى النبي ﷺ أهله ﵊. ففي هذا الأمر أن النبي ﷺ تزوج المرأة ومعها ابنتها وهذا من رحمته ﷺ بالاثنين وإن جنى على نفسه ﵊، فليس مهماً أن يأتي امرأته، المهم أنه لا يحرم المرأة من ابنتها حتى تنتبه هي إلى ذلك. فهذه من أحكام البيت ومن أحكام زواج النبي ﷺ من عدد من النساء، فنجد حكماً عظيمة لحوادث كثيرة، فلو لم يتزوج النبي ﷺ بهذا العدد فمن أين كنا سنعرف كيف يعاشر الرجل امرأته؟ وكيف يؤدبها؟ وكيف يكون طيباً معها؟ وإذا كان معها طفلة كيف يصنع؟ وكم من إنسان يقول كلاماً ووقت التنفيذ يكون صعباً عليه ولا يعرف تنفيذ هذا الشيء، فكون النبي ﷺ يفعل ذلك وهو الأسوة الحسنة والقدوة للخلق، يجعل الناس يتأسون به ﵊ ويتابعونه في ذلك، ويسهل عليهم المتابعة. نسأل الله أن يرزقنا حسن التأسي بالنبي ﷺ ، وأن يجعلنا معه في الجنة.

стр. 1968

تفسير سورة الأحزاب (تابع٣) [٢٨ - ٢٩] جعل الله نساء النبي ﷺ أمهات للمؤمنين، وبين الله فضلهن على نساء العالمين، وحرم الزواج منهن بعد موت النبي ﷺ إكراماً له، ولهن سيرة عطرة مبسوطة في كتب السير تدل على عظم قدرهن وعلو مكانتهن، فهن طريق إلى تبيين الشريعة بعد موت النبي ﷺ .

стр. 1969

ذكر ما جاء من سير أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ

стр. 1970

نبذة من سيرة أم سلمة ﵂ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. من نساء النبي ﷺ السيدة خديجة بنت خويلد، والسيدة سودة بنت زمعة، والسيدة عائشة رضي الله عن الجميع، ومنهن أيضاً حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، والخامسة من نساء النبي ﷺ السيدة أم سلمة واسمها: هند بنت أبي أمية المخزومية، وذكرنا أنها كانت تحت رجل تظنه خير الناس، وكان من خير أصحاب النبي ﷺ ، وما كانت تظن أن هناك خيراً منه رضي الله ﵎ عنه. وكان النبي ﷺ أمرها لما مات زوجها أن تسأل ربها سبحانه أن يؤجرها في مصيبتها وأن يخلف عليها خيراً منها، وتعجبت من ذلك وقالت: من خير من أبي سلمة ﵁؟ وما خطر ببالها قط أن يتزوجها النبي ﷺ ، فدعت ربها: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها). هنا سنة من السنن: أن الإنسان إذا ابتلي بمصيبة من المصائب يدعو بهذا الدعاء العظيم: (اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيراً منها)، حتى لو كان الإنسان لا يدري ما هو الخير الذي يأتيه من هذا الشيء الذي فقده، فإذا سأل الله لاشك أن الله يستجيب له، ويخلف عليه ما هو خير من هذا الشيء الذي فقده، إما في الدنيا وإما في الآخرة، يخلف عليه في الدنيا بأشياء هي أفضل مما فاته، أو في الآخرة يجد الثواب العظيم على الصبر على هذه المصيبة. تزوج النبي ﷺ السيدة أم سلمة ﵂ وبقيت مع النبي ﷺ حتى توفي ﷺ ، وعمرت بعد النبي ﷺ ، وماتت سنة (٥٩) من هجرة النبي ﷺ ، وقيل في سنة (٦٢)، يعني: عمرت بعد النبي ﷺ (٤٩) سنة أو (٥٢) سنة تحدث عن النبي ﷺ وتروي ما حدث من النبي ﷺ وما نزل من الأحكام في بيتها، وما حفظته عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1971

نبذة من حياة أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂ من نساء النبي ﷺ أيضاً السيدة أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵄: أم حبيبة كانت من المسلمات الأوائل، وزوجها كان مسلماً ثم تنصر، والله يَمُنّ على من يشاء بفضله ويخذل من يشاء بعدله، فمنّ عليها بالثبات على دينها، وخذل زوجها الذي هاجر معها إلى الحبشة وإذا به يجد أهل الحبشة نصارى فيتنصر مثلهم، لكنها ثبتت على الدين في دار البعد ودار الغربة. كانت متزوجة من عبيد الله بن جحش أخو السيدة زينب بنت جحش ﵂، السيدة زينب بنت جحش صارت أماً للمؤمنين ﵁، وأخوها مات نصرانياً كافراً في دار الحبشة دار الهجرة. فمن سوء الخاتمة: إنسان أسلم وهاجر في سبيل الله ثم غلبت عليه شقاوته فصار كافراً بعد ذلك؛ لذلك لا يأمن الإنسان مكر الله أبداً، وإذا أعطاك الله من فضله ومن خيره فاحرص على هذا الخير وتمسك به، تمسك إذ هداك الله سبحانه بالإسلام ولا تغتر، ولا تقول: أنا بعد عشرين سنة سأصلي، أو بعد خمسين سنة أصلي، لا تمن على الله ، فإن الله يقول: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات:١٧]. المنّة لله على خلقه، فأنت لا تدري أن الله سبحانه قد يملي لعبده ثم يختبره، فإذا به ينقلب على عقبيه، وكم من إنسان كان على خير وكان على دين، وإذا به فجأة ينقلب حاله ويترك دين الله ويترك صلاته ويترك التزامه، وكم من إنسان كان على هدى وعلى تقوى، ثم صار منافقاً بعد ذلك، فاسقاً شريراً. فلا تأمن مكر الله سبحانه ولا تمنّ عليه بأنك متمسك بدينه، فالفضل بيد الله سبحانه يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلاً، ويضل من يشاء، ويخذل من يشاء. فهذا الرجل عبيد الله بن جحش ممن خذله الله ، ارتد في الحبشة، وصار نصرانياً وكفر، وإذا به يموت على ذلك، وصارت هي وحيدة في هذه الدار. أين تذهب هذه المرأة الفاضلة؟ أبوها أبو سفيان زعيم قريش وزعيم الكفرة في هذا الحين، أسلم بعد ذلك ﵁، لكن حتى هذا الحين كان كافراً، هل تذهب إلى هذا الرجل أم أنها تظل في أرض الحبشة مع من هم هنالك ليس لها أحد، أو ترجع إلى المدينة؟ فإذا بالنبي ﷺ يشرفها ويكرمها ويتزوجها صلوات الله وسلامه عليه، هي في الحبشة وهو في المدينة صلوات الله وسلامه عليه، ويتولى هذا العقد الرجل المسلم الفاضل الذي هو ملك الحبشة، فإذا بالنبي ﷺ يرسل إليه فيزوج أم حبيبة من النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومن العجب أن ملك الحبشة ملك النصارى يسلم، وهذا الرجل المهاجر إلى أرض الحبشة يتنصر، فعندما تنظر في قضاء الله سبحانه تتعجب للأمر، ولكن لا عجب في ذلك، إنه أمر الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤]، علم أن هذا في قلبه الإسلام وفي قلبه الخير فهداه، فهذا النجاشي ملك الحبشة الذي كان نصرانياً إذا بالله يهديه إلى دينه سبحانه. والعجب أن قومه كلهم لم يسلم منهم أحد، ولم يسلم أحد من أهل الحبشة، وإنما أسلم الرجل وجمع البطارقة وجلس معهم، وجاء بالمهاجرين من أصحاب النبي ﷺ ليسمع منهم ما يقولون، فإذا بـ جعفر بن أبي طالب ﵁ يتلو عليه من كتاب الله سبحانه ويخبره عن أمر الله وأمر رسول الله ﷺ ، فيصدق ويؤمن علانية، وقومه يعلمون أنه على الإسلام رضي الله ﵎ عنه، فيأتيه من الكفرة القرشيين من يقول له: اسمع ماذا يقولون في المسيح عيسى بن مريم؟ يريدون أن يوقعوا بينه وبين أصحاب النبي ﷺ ، فإذا به يجمعهم ويسمع منهم، فيقولون له: إن المسيح بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه . إذاً: هو عبد مخلوق، فإذا به يقول: (ما زاد المسيح على مثل هذا بحصاة)، فأسلم وقال: لولا ما هو فيه من أمر الملك وأمر البلد لذهب إلى النبي ﷺ حتى يغسل قدميه صلوات الله وسلامه عليه. هذا ملك لم يغتر بملكه، ولم يفتنه أتباعه، عرف الحق فاتبع الحق فاستحق أن يأتي جبريل إلى النبي ﷺ ويقول: (مات أخوكم النجاشي فقوموا فصلوا عليه، فيقوم النبي ﷺ ويدعو المسلمين ويقول: مات أخوكم النجاشي قوموا فصلوا عليه)، فيصلي عليه صلاة الجنازة رضي الله ﵎ عنه. مَنّ الله عليه وهو ملك في قومه، وكل ملك يخاف على ضياع الملك من يده ولكن هذا لم يخف شيئاً، وقال: إن الله هو الذي ردّ عليّ ملكي، ليس لأحد فضل عليّ في ذلك. كان ملكه قد ضاع منه يوماً من الأيام، ورده الله عليه، فعرف الفضل لله. أسلم الرجل وزوج النبي ﷺ من أم حبيبة بنت أبي سفيان ودفع المهر من عنده، فكان أعظم مهر أمهرته امرأة، إذ دفع في السيدة أم حبيبة أربعة آلاف درهم، أي: أربعمائة دينار دفعها فيها، فكان أعلى مهر دُفع لامرأة من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، دفعه عنه النجاشي رضي الله ﵎ عنه، ثم بعث بالسيدة أم حبيبة إلى النبي ﷺ مع رجل من الصحابة وهو شرحبيل بن حسنة، فجاءت إلى النبي ﷺ في المدينة معززة مكرمة قد أبدلها الله خيراً مما كانت فيه ومما كانت عليه، وتوفيت بعد النبي ﷺ في سنة (٤٤) للهجرة، وعاشت بعد النبي ﷺ (٣٤) سنة.

стр. 1972

الكلام على ما جاء في صحيح مسلم من تزويج أبي سفيان للنبي بأم حبيبة جاء حديث في صحيح مسلم من طريق عكرمة بن عمار قال: حدثنا أبو زميل، قال: حدثني ابن عباس، قال: كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. أبو سفيان أسلم متأخراً، وابنته أسلمت قبله بكثير، أما أبوها أبو سفيان وأخوها معاوية فإنما أسلما قبل فتح مكة بشيء يسير، فالمسلمون كانوا يعرفون أن هذا أبو سفيان وكان شيخ قريش، وهو أبو سفيان الذي كان حارب المسلمين يوم بدر، ويوم أحد، ويوم الخندق؛ لذلك لم يكونوا يجلسون معه حتى بعدما أسلم، كانوا يعرفون أن له ما للمسلم من حق، لكن ما كانوا يقعدون إليه، وهو لم يعتد ذلك، بل كان يعتاد أنه كبير في قريش، والمسلمون لا يأبهون له ولا ينظرون إليه. هنا هذه الرواية التي في صحيح مسلم أنه جاء إلى النبي ﷺ فقال: (يا نبي الله، ثلاث أعطنيهن، فقال: نعم، قال: عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها، قال: نعم، قال: ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك، قال: نعم، قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين، قال: نعم). قال أبو زميل الراوي: ولولا أنه طلب ذلك من النبي ﷺ ما أعطاه ذلك؛ لأنه لم يكن يُسأل شيئاً إلا قال: نعم. هذا الحديث حديث مشكل فهو في صحيح مسلم، ولكن فيه إشكال عند العلماء، وهو أنه كيف يقول هذا الكلام: أزوجك أم حبيبة وهي متزوجة به ﷺ من قبل، وليس هو الذي زوجها، بل الذي زوجها له ملك الحبشة الذي كانت عنده. فلذلك كان الراجح: أن هذه الجملة التي في هذا الحديث وهم من الراوي، أن أبا سفيان طلب ذلك، وإن تأول بعض أهل العلم ذلك وقالوا: إنه يريد من النبي ﷺ أن تطيب نفسه، بأن يكون هو الذي يتولى أمر العقد، ولكن كيف يكون ذلك وهو عقد قد مرت عليه سنون، وتزوجها النبي ﷺ قبل أن يسلم أبوها بسنين، وما كان له أن يجدد عقداً على امرأة هي زوجته ﷺ . فالصواب: أن هذا وهم من الراوي، وأن أبا سفيان ﵁ قال شيئاً آخر فتوهم الراوي هذا فقاله، فالراوي يقول هنا: إن أبا سفيان قال: أزوجك من أم حبيبة، وقال له النبي ﷺ : نعم، وهذا بعيد جداً أن يكون؛ لأنه كان قد تزوجها قبل ذلك ﷺ ، وهذا مشهور في السير والمغازي وفي صحيح البخاري، أن النجاشي هو الذي زوج النبي ﷺ من أم حبيبة رضي الله ﵎ عنه. لكن طلب أبي سفيان الثاني أنه طلب من النبي ﷺ أن يجعل معاوية كاتباً بين يديه فهو صحيح، إذ كان معاوية يكتب للنبي ﷺ الوحي بعد ذلك، فكان من كتاب الوحي ﵃. وأبو سفيان صار له منزلة بعد ذلك بجهاده في سبيل الله ، يعني: كونه كان كبير قريش لم يكن له كلمة عند المسلمين؛ لأنه كبير قريش في الزمن الماضي يوم أن كان مع الكفار، وبما أنه حارب المسلمين ليس له منزلة، فهو رجل مسلم الآن وليس مهاجراً، إذاً: ليست له مزية، لا هو مهاجر ولا هو مسلم قديماً. فهنا لا فضل لأحد على أحد إلا بتقوى الله ، لكن لما صار مجاهداً بعد ذلك في سبيل الله سبحانه عرف المسلمون له فضله في جهاده في سبيل الله رضي الله ﵎ عنه، وهذا طلبه، أنه مثلما حارب النبي ﷺ يريد أن يكون مجاهداً بعد ذلك في سبيل الله ﵎. وابنته أم حبيبة اسمها: رملة بنت أبي سفيان، توفيت بعد النبي ﷺ بـ (٣٤)، أي: في سنة (٤٤) للهجرة.

стр. 1973

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂ ومن نساء النبي ﷺ : زينب بنت جحش، وأخوها عبيد الله بن جحش الذي كان زوجاً للسيدة أم حبيبة ﵂، وتوفي الرجل نصرانياً مرتداً، وأخته صارت أم المؤمنين، فسبحان مغير الأحوال! هذه أم المؤمنين زوجة النبي ﷺ في الجنة، وهذا أخوها كافر نصراني يكون في النار والعياذ بالله، فمن نساء النبي ﷺ زينب بنت جحش بن رئاب الأسدية، وكان اسمها برة، فسماها النبي ﷺ زينب. والنبي ﷺ ما كان يحب الأسماء التي فيها تزكية، فنتعلم من النبي ﷺ ألا نختار الأسماء التي فيها تزكية للأولاد، والله يقول: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. فكان النبي ﷺ يكره أن يدخل عنده الصحابة ويخرجون فيقولون: إنه كان عند برة، أو خرج من عند برة، أو دخل لـ برة. وبرة من المبرة، وهي المرأة التي جمعت خصال الخير، فتكون قد جمعت خصال البر كلها، فكره ذلك وغير اسمها ﷺ وسماها زينب، وفعل نفس الشيء مع ابنة زوجته أم سلمة، كان اسم ابنتها برة، فغيره إلى زينب صلوات الله وسلامه عليه. تزوجها النبي ﷺ في المدينة في سنة خمس من هجرته ﵊، وتوفيت في سنة عشرين، يعني: بعد النبي ﷺ بعشر سنوات، وكان لها ثلاث وخمسون سنة وقت وفاته ﵁، يعني: توفي النبي ﷺ ولها من العمر ثلاث وأربعون سنة.

стр. 1974

نبذة من حياة أم المؤمنين زينب بن خزيمة ﵂ ومن نساء النبي ﷺ : السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث، وهذه كانت تلقب من الجاهلية لكرمها بـ أم المساكين وهي السيدة زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف الهلالية، زينب الهلالية. وكانت تلقب في الجاهلية بـ أم المساكين؛ لأنها كانت تحب المساكين وكانت تطعمهم. تزوجها رسول الله ﷺ بعد هجرته بحوالي واحد وثلاثين شهراً، يعني: سنتين وثمانية شهور أو سبعة شهور بعد هجرته ﷺ . مكثت عند النبي ﷺ ثمانية أشهر ﵂ ثم توفيت، وهي من نساء النبي ﷺ اللاتي توفين في حياته، وكانت وفاتها في آخر ربيع الأول بعد هجرة النبي ﷺ بحوالي (٣٩) شهراً رضي الله ﵎ عنها، ودفنت بالبقيع بالمدينة.

стр. 1975

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ ومن نساء النبي ﷺ السيدة جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، من بني المصطلق، وكان بنو المصطلق قد غزاهم النبي ﷺ ، فكانت هي من سبي بني المصطلق. يعني: لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق كان من الأسارى السيدة جويرية رضي الله ﵎ عنها، فوقعت في سهم واحد من الصحابة اسمه: ثابت بن قيس بن شماس ﵁، خطيب النبي ﷺ ، فلما وقعت في سهمه ذهبت تبحث عمن يدفع لها مالاً حتى تتحرر من الرق، فذهبت إلى النبي ﷺ تستعين به، وكانت بنت سيد قومها رضي الله ﵎ عنها، وسبحان من يعز ويذل، هي ابنة سيد القوم وصارت الآن أمة تبحث عن مال لكي تفك رقبتها وتعتق. فالنبي ﷺ خيرها، إما أن يعطيها ذلك وإما أن يتزوجها ويعتقها صلوات الله وسلامه عليه، فاختارت النبي ﷺ ، فصارت زوجة للنبي ﷺ ومكثت مع النبي ﷺ حتى توفي، ثم ماتت بعده في سنة (٥٦)، يعني: بعد النبي ﷺ بـ (٤٦) سنة، وعمرها (٦٥) سنة حين توفيت ﵂.

стр. 1976

ذكر نبذة من حياة أم المؤمنين صفية ﵂ ومن نساء النبي ﷺ السيدة صفية بنت حيي بن أخطب الهارونية، من أولاد هارون أخي موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. كانت السيدة صفية بنت سيد قومها أيضاً، وسباها النبي ﷺ في يوم خيبر، ومنّ عليها ﷺ وأعتقها وأسلمت، وتزوجها النبي ﷺ فصارت أماً للمؤمنين رضي الله ﵎ عنها. ففي غزوة خيبر كانت أمة عند واحد من أصحاب النبي ﷺ اسمه دحية الكلبي، وقعت في سهمه وأراد بيعها فاشتراها منه النبي ﷺ بسبعة أرؤس، وصارت أمة للنبي ﷺ فأعتقها ومن عليها وتزوجها. نلاحظ أن السيدة جويرية كانت أمة واشتراها النبي ﷺ ومَنّ عليها وأعتقها وتزوجها، وجاء في حديثه ﷺ أن من الناس من يؤتى أجره عند الله مرتين، أي: يؤتى الأجر مضاعفاً عند الله، منهم: (من كان عنده أمة رباها فأحسن تربيتها، ثم أعتقها وتزوجها)، فالإنسان عندما يكون عنده أمة يملكها، فما الذي يجعله يعتقها ثم يتزوجها كأي حرة؟ فأي إنسان سيكون تفكيره على ذلك، إذ هي عندما تكون أمة عنده فهو يملكها، ويستمتع بها كما يشاء، ويوماً ما تضايقه فيبيعها، فالنبي ﷺ أراد أن يحث الناس على تحرير الرقاب فبدأ بنفسه يعتق ﵊، وكم أعتق من الرقاب ﵊، يقولون: فلان مولى رسول الله ﷺ ، فلان مولى رسول الله ﷺ ، يعني: كان عبداً عند النبي ﷺ فأعتقه. ولعل الإنسان عندما يقول: هذه الأمة أنا أعتقها ثم أتزوجها تكون هذه معرة، فيقوم النبي ﷺ بذلك حتى يكون قدوة للخلق ﵊، فهذه جويرية رضي الله ﵎ عنها كانت من سبي بني المصطلق، كانت أمة وصارت عند النبي ﷺ كذلك، فإذا به يعتقها ﷺ ويتزوجها حتى يتعلم من كانت عنده أمة أن يعتقها. ولعله إن أعتق الأمة وتركها ليس لها أهل؛ لأنها من قبيلة أخرى، فقد تضيع بين الناس، فإذا تزوجها حافظ عليها وصارت معززة مكرمة عنده فازدادت منزلتها، ففعل ذلك ﷺ بالسيدة جويرية وفعل ذلك بالسيدة صفية بنت حيي. وصفية بنت حيي أبوها حيي بن أخطب، قتل كافراً يهودياً، فهو الذي كان سبب مجيء قريش إلى النبي ﷺ في غزوة الخندق، ومع ذلك فإن النبي ﷺ لا يعامل إنساناً بمعاملة إنسان آخر آثم، ولكنه يعتقها ﷺ وتسلم ﵂، ويتزوجها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وتكون أماً للمؤمنين تحدّث عن النبي ﷺ . فالسيدة عائشة اغتاظت منها مرة من المرات، فتقول للنبي ﷺ : إن صفية -وتشير بيدها- قصيرة، فغضب النبي ﷺ لذلك وقال: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته)، أي: فلو وضعت هذه الكلمة في ماء البحر لأنتن، مع أن البحر طهور لا ينجسه شيء، لكن هذه الكلمة تنجس ماء البحر لو وضعت عليه، والكلمة هي أنها أشارت بيدها أنها قصيرة. وكم في مجالسنا من القيل والقال، وهذا من شؤم الإنسان أن يتكلم بالغيبة والنميمة على الخلق. السيدة حفصة في مرة من المرات كانت مع النبي ﷺ في سفر، وكانت السيد صفية معه أيضاً، والسيدة صفية راكبة على جملها، وحدث للجمل حدث فلم يصلح للركوب، وكان عند السيدة حفصة أكثر من جمل، فطلب منها النبي ﷺ أن تعين بما عندها، كما قال النبي ﷺ : (من كان عنده فضل ظهر فليعد من لا ظهر له)، فالسيدة حفصة كأنها أخذتها الغيرة، فقالت للنبي ﷺ : أنا أعطي هذه اليهودية. وهذه كلمة ليست طيبة أبداً، ولما قالتها سكت عنها النبي ﷺ وهجرها فترة طويلة على هذا حتى تأدبت، وحتى يئست من أن يأتيها النبي ﷺ ، ولم يكلمها أبداً ﵊ فترة طويلة حتى أحدثت توبة إلى الله ، فجاءها النبي ﷺ بعدما تابت من هذا الذي قالته، وبعدما عاقبها فترة طويلة على ذلك. وفي ذلك دلالة على تأديب النبي ﷺ لأهل بيته، فالغيرة موجودة، ولكن أن تصل الغيرة إلى أن يقال عن واحدة قد أسلمت: يهودية؛ فهذا لا ينبغي، واليهودية إذا أسلمت لها أجران عند الله ، أجر أنها كانت يهودية ثم عرفت الحق، فاتبعت الحق ودخلت في الإسلام، فتؤتى أجرها مرتين عند الله ﵎. وكان بعض نساء النبي ﷺ يتعالين عليها، فكان النبي ﷺ يعلم السيدة صفية أن ترد عليهن بقولها: إنها تحت نبي وأبوها نبي، أي: أبوها سيدنا هارون أخو موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فالنبي ﷺ يأخذ لها حقها ممن يظلمها، وقد تعلمنا من حياة النبي ﷺ ومن سيرته مع نسائه كيف كان يعدل بينهن ﵊، كيف كان يأخذ الحق لصاحبه، وهذا من ضمن الحكم في تعدد نساء النبي ﷺ ، إذ تحدث حوادث ونرى كيف يصنع النبي ﷺ فيها، وكيف يصبر على أذى نسائه ﵊، وكيف يؤدبهن ويهذبهن ﵊، فيتعلم المسلمون من النبي ﷺ ، فهو القدوة الحسنة. نسأل الله أن يجعلنا معه في الجنة صلوات الله وسلامه عليه، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1977

تفسير سورة الأحزاب [٢٨ - ٣١] لأنبياء الله منزلة عظيمة عنده سبحانه، وأعلاهم منزلة محمد ﷺ ، ولأزواجه منزلة عليا، ومقام رفيع، ولا بد أن تكون زوجة النبي راضية بقضاء الله وقدره غير ساخطة، فإذا رضيت وأطاعت ضوعف ثوابها، وإن عصت الله ورسوله ضوعف عقابها.

стр. 1978

ما ينبغي أن تتخلق به نساء الأنبياء

стр. 1979

سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٢٨ - ٣١]. ذكرنا في الدروس السابقة كيف أن الله أمر نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يخير أزواجه لما نظرن إلى شيء من الدنيا، وطلبن زيادة النفقة، وقد رأينا أن الله سبحانه قد فتح للنبي ﷺ شيئاً من الفتوح، وأغنمه أرضاً ودياراً وسبياً، فطلبن من النبي ﷺ زيادة في النفقة، فالنبي ﷺ لم تكن عادته ذلك، إنما كان ينفق على المسلمين، ويعطي نساءه ﵊ ما يحتجن إليه من النفقة، أما أكثر من ذلك واستمتاع بالدنيا فما كان يفعل ذلك ﵊. وقد كرم الله نبيه ﷺ فصرفه عن الدنيا فلم يكن صلوات الله وسلامه عليه يدخر مالاً لأهله إلا ما يكون من نفقة واجبة عليه. فنساء النبي ﷺ ظنت كل واحدة منهن أن الله قد فتح الفتوح، فمن حقها أن تطلب من النبي ﷺ زيادة في النفقة، فغضب النبي ﷺ بذلك وقد سألنه وألححن عليه، فغضب النبي ﷺ ، وغضب الله لغضب نبيه ﷺ وأنزل الآيات يخير نساء النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] أي: نعطيكن من الذي تردنه من المتاع ومن المال. وقوله تعالى: ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٨] أي: يطلقكن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فعلى هذا الوضع لا تصلحن للمعيشة مع النبي ﷺ ، لأن امرأة النبي لا بد أن تكون قانتةً لله ، وراضية بقضاء الله وقدره، وبالمعيشة التي يعيشها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه سنة الله مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.

стр. 1980

قصة إبراهيم مع أهل بيت ولده إسماعيل ﵉ إنَّ في قصة سيدنا إبراهيم ﵊ لعبرة، وذلك حين ترك إسماعيل مع أمه هاجر عند بيت الله المحرم، تركها ومعها سقاء فيه ماء، وجراب فيه تمر، وتركها في مكان قفر لا ناس فيها، فقالت: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ فتركها وانصرف ﵊؛ لأن الله أمره بذلك سبحانه، فلما ألحت عليه في النهاية قالت: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم. قالت: إذاً: لا يضيعنا. فوثقت في الله سبحانه فلم يضيعها الله ، فلما نفد تمرها وماؤها وخشيت أن يموت ولدها في هذا المكان استغاثت بربها فأغاثها سبحانه بأن أرسل جبريل وبحث بعقبه فكانت عين زمزم التي نعرفها، ويشرب الآن منها ملايين الخلق منذ أن أنشأها الله وحتى تقوم الساعة. ولما شبَّ إسماعيل النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، تزوج امرأة من جرهم، وجاء إبراهيم ليطالع تركته، فرأى امرأة، فعلم أنها امرأة ابنه إسماعيل، فسألها عن عيشهم وحياتهم، فقالت: نحن في ضيق. فمثل هذه المرأة التي تعيش على هذا الأمر من التضجر على الله سبحانه والرفض لقضاء الله وقدره لا تصلح أن تكون زوجةً لنبي ورسول. فقال إبراهيم: (إذا رجع زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه) وانصرف إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجاء إسماعيل وأحس بشيء فسألها: (أتاكم أحد؟ قالت: نعم شيخ صفته كذا وكذا، قال: أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. يقول لك: غير عتبة بابك. قال: أنت العتبة اذهبي إلى أهلك) فطلقها وتزوج غيرها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وجاء إبراهيم مرةً أخرى يطالع تركته فوجد هذه المرأة فسألها: (كيف عيشكم؟ قالت: نحن بخير. قال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم وسقاؤنا الماء. قال: اللهم بارك لهم في طعامهم وشرابهم) فبارك الله لهم في طعامهم وشرابهم، ولم يكن لهم شيء من الزروع، ولو كان لهم زروع لبارك الله في هذه الزروع. فعلى ذلك ذكر لنا النبي ﷺ كيف أن المرأة لما سخطت جوزيت بأنها لا تصلح أن تكون امرأة نبي فطلقها إسماعيل ﵊، أما الأخرى لما رضيت بقضاء الله قال لها يوصيها: (إذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له: أمسك عتبة بابك، فجاء إسماعيل فسألها: فقالت: جاء شيخ صفته كذا وكذا. قال: هذا أبي فقال: هل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم. يقول: أمسك عتبة بابك. قال: أنت العتبة، فأمسكها إسماعيل ﵊. إذاً: امرأة النبي لا بد أن تكون صابرة قانتة لله سبحانه، مطيعة لربها ونبيها عليه الصلاة السلام. كذلك نساء النبي ﷺ لا بد لهن من ذلك، وإن لم يكن ذلك فلا يصلح أن يكن مع النبي ﷺ ، فجاء التخيير من الله، وهو ليس تطليقاً لهن، ولكن إن اختارت نفسها طلقها النبي ﷺ ومتعها بمال، وإن اختارت ربها ورسول الله ﷺ والدار الآخرة فالله يعطيها الأجر في الآخرة ولا يعطيها في الدنيا نعيماً، فكلهن اخترن النبي ﷺ .

стр. 1981

تعداد زوجات النبي ﷺ ذكرنا في الأحاديث السابقة أنَّ عدد نساء النبي ﷺ اللواتي جمع بينهن تسعةٌ من النساء، وذكرنا في الحكمة من ذلك: أن النبي صلوات الله وسلامه عليه جعل له ربه ما لم يجعل لغيره لحكمة من الله ، وأعظم شيء في ذلك: التبليغ، قال الله سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]. وامرأة واحدة لا تكفي لتبليغ هذا الدين العظيم مع كثرة عدد المؤمنين والمؤمنات الذين يسألون النبي ﷺ ، ويسألون نساء النبي ﷺ ، فقد مات النبي ﷺ وعاش بعده نساؤه، فمنهن من عاشت حتى سنة خمس وأربعين، ومنهن من عاشت إلى سنة ثمانية وخمسين أو تسعة وخمسين أو بضع وستين. إذاً: عشن بعد النبي ﷺ أعواماً طويلةً، فبلغن دين الله سبحانه، ولو كانت امرأةً واحدة لكانت عرضة للنسيان، فتنسى ما يتلى في بيتها، وتنسى بعضاً من الأحكام، ولكن عدداً من النسوة تذكر إحداهن الأخرى بأحكام الله وبما قاله النبي ﷺ . وزوجات النبي ﷺ هن: السيدة خديجة بنت خويلد وسودة بنت زمعة وعائشة وحفصة بنت عمر وأم سلمة وأم حبيبة بنت أبي سفيان وزينب بنت جحش وزينب بنت خزيمة وكنيتها أم المساكين، وجويرية بن الحارث المصطلقية وصفية بنت حيي بن أخطب وريحانة بنت زيد بن عمرو بن خناقة من بني النضير سباها النبي ﷺ وأعتقها وتزوجها في سنة ست وماتت في حياة النبي صلوات الله وسلامه عليه. والسيدة ميمونة بنت الحارث الهلالية، تزوجها النبي ﷺ في مكان اسمه سرف على بعد عشرة أميال من مكة، وكان ذلك في سنة سبع من الهجرة، وهي آخر امرأة تزوجها النبي ﷺ ، تزوجها في سرف وماتت في نفس المكان، وصلى عليها أصحاب النبي ﷺ ، منهم: عبد الله بن عباس رضي الله تبارك تعالى عنه، ماتت في سنة إحدى وستين للهجرة وقيل: في سنة ثلاث وستين، فعمرت بعد النبي ﷺ ثلاثاً وخمسين سنة، أو واحداً وخمسين سنة تدعو إلى الله وتبلغ ما أمرها الله سبحانه بإبلاغه. وجل النساء اللاتي تزوجهن النبي ﷺ منهن من ماتت في حياته ﵊، ومنهن من مات عنها ﷺ ، فكان عدد من اجتمعن معه في وقت واحد تسع نسوة رضي الله ﵎ عليهن.

стр. 1982

ذكر النساء اللاتي خطبهن النبي ولم يتزوجهن أو طلقهن قبل الدخول وهناك نساء أخريات تزوجهن النبي ﷺ ولم يدخل بهن، منهن: امرأة من بني كلاب، واختلفوا في اسمها قيل: اسمها عمرة، وقيل: العالية وقيل: فاطمة، وقيل: غير ذلك، تزوجها النبي ﷺ فلما جاء ليدخل بها قالت: أعوذ بالله منك. فطلقها النبي ﷺ خوفاً من الله من كلمة هي قالتها، وهي لم تقصد هذه الكلمة، ولكنها لما قالت: أعوذ بالله، يعني: ألجأ إلى الله وأعتصم بالله منك، فخاف النبي ﷺ أن يأتيها وقد لجأت إلى الله واعتصمت به منه، فتركها وطلقها النبي صلوات الله وسلامه عليه. روى الإمام البخاري قال: تزوج رسول الله ﷺ أميمة بنت شراحيل، فلما أدخلت عليه بسط يده إليها فكأنها كرهت ذلك. وفي رواية أنها قالت: الملكة لا تأتي السوقة. فقد كانت كبيرة في قومها فظنت أنها ستتعالى حتى على النبي ﷺ ، فأمر أبا أسيد أن يجهزها ويكسوها ثوبين رازقيين وطلقها النبي ﷺ . فهذه المرأة أشقى الخلق لمَّا حرمت نفسها بكلامها وسوء عقلها من أن تكون زوجة للنبي ﷺ ، وتكون إحدى نسائه في الجنة ﵊. امرأة أخرى خطبها النبي ﷺ ، فإذا بأبيها يقول للنبي ﷺ : إن بها برصاً ولم يكن فيها شيء، ولكن الرجل لم يرد أن يزوجها من النبي ﷺ ، فتركها النبي ﷺ . ورجع الرجل إلى بيته فوجد ابنته برصاء، وجد فيها ما قاله عنها كذباً على النبي ﷺ ، فعاقبه الله . وهناك من خطبهن النبي ﷺ وتعللن للنبي ﷺ بعذر، وعذرهن ﷺ منهن: السيدة أم هانئ بنت عم النبي ﷺ ، فتعللت واعتذرت وقالت: إني امرأة مصبية، يعني: عندي أطفال صغار، فعذرها النبي ﷺ ودعا لها، وغيرهن ممن خطبهن النبي ﷺ وحدث عذر من الأعذار ولم يدخل بهن ﵊، ولم يعقد عليهن. ذكر الله لنبيه ﷺ أنه إن اخترن نساؤه الحياة الدنيا فعليه أن يمتعهن، والمتعة: النفقة، أي: يعطيهن مالاً ثم يطلقهن، وإذا أردن الله ورسوله والدار والآخرة فإن الله أعد للمحسنات منهن أجراً عظيماً. والأجر العظيم أجر يليق به ؛ لأن الله سماه عظيماً، والجنة شيء عظيم جداً؛ وقال النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر).

стр. 1983

مكافأة الله لزوجات النبي ﷺ لاختيارهن له ثم في الآيات التالية تأديب لنساء النبي ﷺ وللمؤمنات، وقد اختار هؤلاء النسوة الكرام النبي ﷺ ، فشكرهن الله سبحانه على ذلك، وكافأهن بأن قال للنبي ﷺ إنه ليس له أن يتزوج عليهن لأنهن اخترنه، قال تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢] إذاً: هذه مكافأة من الله لهؤلاء النسوة الطيبات الطاهرات اللاتي اخترن النبي ﷺ فقال: لا تتزوج عليهن بعد ذلك. ولكن لم يمت حتى أباح له الله أن يتزوج غيرهن، ولكن لم يفعل ﵊. إذاً: هنا منة من الله عليهن، ثم أباح له ذلك لتظهر منة النبي ﷺ عليهن، فهو لم يتزوج عليهن بعد ذلك حتى بعد ما أباح له ربه سبحانه له ذلك. كذلك قال للمؤمنين: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣] إذاً: هنا ميزة وخصيصة لنساء النبي ﷺ ، أن من تزوجها النبي ﷺ ودخل فهي أم للمؤمنين، ويحرم على المؤمنين أن يتزوج أحدهم بامرأة النبي ﷺ إذا توفي عنها صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 1984

تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة) وذكر الله أن لهن في الفضل والثواب والأجر والحسنات ما هو مضاعف على غيرهن، وكذلك في أمر الإساءة وحاشا لهن أن يفعلن ذلك فتكون العقوبة مضاعفة، كما قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٠] وحاشا لهن أن يقعن في ذلك. والفاحشة: المعصية، وتطلق على كبار الذنوب، فمن الفاحشة الوقوع في الزنا والعياذ بالله. ومن الفاحشة: المعصية لله وللرسول ﷺ . قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٠] أي ظاهرة قد بينها الله في كتابه وقد كشفت عن نفسها هذه الفاحشة فظهرت ولم تستتر. ﴿بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الأحزاب:٣٠] هذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم: (بِفَاحِشَةٍ مُبيَّنَةٍ) يعني: بين الله حكمها في كتابه، ومبيِّنة يعني: ظاهرة في نفسها يعرفها كل من يفهم ويعقل. وجزاء من تأتي بفاحشة مبينة: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] هذه قراءة الجمهور. وقراءة ابن كثير وابن عامر: ﴿نضعفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، وقراءة أبي عمرو ويعقوب: (يُضعَّف لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ). وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٠] أن يعذب أحداً من عباده هذا يسير عليه سواء كان هذا قريباً أو بعيداً من النبي ﷺ . وعكس ذلك: من يقنت، والقنوت: الطاعة والمبالغة في عبادة الله ، والخشوع له. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١] إذاً: الخشوع لله والطاعة لله وعمل الصالحات جزاؤه ﴿نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣١]. إذاً: يضاعف لها الأجر عند الله . وقراءة الجمهور: ﴿وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]. وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (ويَعْمَل صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ). فسمى الأجر الذي عنده بالأجر العظيم وأن الرزق الذي يعطيه الله لهن هو رزق كريم يعني: غاية في الكرم من الله ، أي: رزقاً يكرمهن الله به. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يجعلنا مع نبيه صلوات الله وسلامه عليه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1985

تفسير سورة الأحزاب [٣٠ - ٣٣] لقد جعل الله نساء النبي ﷺ قدوة لنساء المسلمين في الآداب الإسلامية، فإذا كان الله حذر نساء النبي ﷺ من الخضوع بالقول مع الرجال ومن الاختلاط وتبرج الجاهلية مع جلالة قدرهن وفضلهن على نساء العالمين، فنساء المؤمنين أولى بالتحلي بهذه الآداب.

стр. 1986

الثواب والعقاب في حق نساء النبي الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٢ - ٣٤]. في هذه الآيات من سورة الأحزاب يخاطب الله نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويبين فضلهن رضوان الله ﵎ عليهن، فهنّ نساء النبي ﷺ ولذلك طهرهن الله تطهيراً، أدبهن ورباهن بكتابه ، وبما أنزل على نبيه ﵊، فذكر في الآيات قبل ذلك خطاباً لهن: بأن نساء النبي ﷺ من تقع منهن في خطأ أو سوء يضاعف الله لها العذاب، قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠]، إذاً: الخطيئة منهن ليست كغيرهن، بل هنّ أشد، لذلك يعاقبن على ذلك عقوبة مضاعفة، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٠]. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [الأحزاب:٣١]، المرأة الصالحة إذا اتقت ربها ، وعملت بما أمرها به ربها على لسان نبيه ﷺ فلها الأجر المضاعف عند الله . إذاً: سيئتها مضاعف لها العقوبة فيها، وحسنتها حسنة مضاعفة، وهذا تكريم للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وبيان أنه لابد من مراعاة حرمة النبي ﷺ . ونساء النبي ﷺ ليس لهن أن يهتكن حرمات النبي صلوات الله وسلامه عليه بوقوعهن في الفاحشة أو بوقوعهن في إساءة، فنساء النبي ﷺ ﵅ إذا وقعن في شيء مما نهى الله عنه عاقبهن الله عقوبة مضاعفة، وإذا أتينَ ما أمر الله به يكون الأجر مرتين، قال تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١].

стр. 1987

تفسير قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحد من النساء) ثم قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]. قوله: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ))، تشريف لنساء النبي ﷺ بالتخصيص بالخطاب. قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: أنتن لستن كغيركن من النساء، فقد شرفكن الله بأن جعلكن زوجات للنبي ﷺ . ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، ويجوز الوقف على (اتَّقَيْتُنَّ) وله معنى، ويجوز الوقف على: ((لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) ويبدأ: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، وإن كان الأول أجمل، فالمعنى: أن النساء كلهن متساويات، والفرق بين امرأة وامرأة: التقوى. فقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: إذا اتقيتن سبحان الله وتعالى لستن كغيركن من النساء، ولكنكن أعلى منزلة وأشرف موضعاً، فـ (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) بتقواكن لله . أي: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) صرتن عند الله أشرف وأفضل من غيركن من النساء. وتقوى الله ترفع الإنسان عند الله درجات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وما رفع الله الذين أوتوا العلم درجات إلا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تقوى لله سبحانه، وازداد إحساناً في عمله، فيرفع الله المؤمنين عنده درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم فوقهم درجات بتقواهم لله . إذاً: هنا: ((يا نساء النبي)) الخطاب لهن أنهن لسن كغيرهن من النساء بشرط، والشرط هو تقوى الله . فالفضيلة عند الله بكونهن تقيات، ثم بكونهن نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه. ونساء النبي ﷺ إذا اتقين الله هنّ مع النبي ﷺ ليس في الدرجات الدنيا من الجنة، وليس في ربض الجنة، بل في أعلى الجنة، فلن يكون النبي ﷺ أعلى الجنة ونساؤه أسفل منه، بل يرفع الله الإنسان إلى منزلة من يحبه ممن هو أعلى منه، فيرفع الله نساء النبي ﷺ إلى منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكن معه في الجنة. وعلى الوقف الثاني: وهو أن تقف عند قوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) ثم تقرأ: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. ولها معنى أيضاً، والمعنى فيها: أن الإنسان أحياناً إذا اتقى الله يتنازل، فتواضعه يجعل غيره يركب عليه ويخدعه ويطمع فيه. إذاً: المعنى هنا: اتق الله ، ولكن لا تكن ليناً بحيث تخدع في الشيء، والنساء في ذلك أولى، فالمرأة تكون تقية فتتواضع، ولكن لا يجعلها هذا التواضع تلين أمام الرجال في القول، والرجل حين يتواضع للرجال أكثر من حده ينقص قدره عندهم فلا يعرفون قدره. والمرأة كذلك، فلو أن نساء النبي ﵊ ورضي الله عنهن يخضعن في القول مع الرجال بدعوى التواضع لطمع المنافق والفاسق، والذي يخاطب بذلك هو الله ؛ لأنه أعلم بما في القلوب. فإذا كانت المرأة من نساء النبي ﷺ ، والتي تربت في بيت النبي ﷺ يحذرها الله من الخضوع في القول، فنساء المؤمنين أولى بهذا الحذر. فلو أن إنساناً شريفاً كبيراً في قومه وله مهابة، تخاف أن تدخل بيته، وتستحيي أن تكلم نساءه أو تكلم أهله، فكيف بالنبي ﷺ وهو أجل الخلق قدراً؟ إذاً: قليل أن يحدث مثل هذا الشيء، ومع ذلك فإن الله يحذر نساء النبي ﷺ من الخضوع في القول للرجال. فعلى ذلك فإن غير نساء النبي ﷺ أولى، فكل امرأة للرجال فيها مطمع، فنحن في زمان فسد أهله، وكثر فيه الخيانة والغش، وكثر فيه الخديعة، فعلى كل إنسان أن يحافظ على نفسه، ويحافظ على أهل بيته. إذاً: حذر الله نساء النبي ﷺ أن يخضعن بالقول، فالمرأة تكون جادة في كلامها وتكون حازمة، لا تخنع بكلامها ولا تلين ولا ترخم صوتها لا بقراءة قرآن ولا بغيره، فإذا كانت المرأة تريد أن تقرأ القرآن وعلمت أن حول البيت رجال فلا يجوز لها أن ترفع صوتها بالقرآن، وخاصة إذا كانت تتغنّى بالقرآن، فلا يجوز لها أن تتغنى بالقرآن إلا مع نساء؛ لأن قراءة المرأة لكتاب الله أمام شيخ مدعاة للفتنة التي نهى الله عنها. إذاً: ليكن قولك قولاً فصلاً جاداً فيه الحزم وفيه القطع، وليس فيه الميل ولا التكسر أو التغنج، فلا يجوز للمرأة أن تصنع ذلك، حتى ولو كانت من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه اللاتي شرفهن الله سبحانه وطهرهن بموضعهن من النبي صلوات الله وسلامه عليه. فقوله تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: احذرن من الخضوع بالقول مع الرجال. وقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وهل يصل المنافق إلى مطمعه؟ حاشا لله ، ومستحيل أن يكون ذلك. لكن في زماننا قد يصل إلى مطعمه، والمصائب كثيرة، فعلى ذلك فإن المرأة تلزم بيتها، وتلزم الأدب الشرعي، وتلزم حجابها، ولا تخضع بالقول للرجال، ولا تختلط بهم، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. ومعنى الخضوع بالقول: اللين والتكسر في القول بترخيم الصوت وتليينه إظهاراً للتواضع. فعلى المرأة أن تلتزم وقارها وتلتزم الصمت، وإذا احتاجت لشيء تكلمت على قدر ما تحتاج، أما الأخذ والعطاء والإكثار من الكلام مع الرجل فهذا لا يجوز، والأصل في المرأة أن تلزم بيتها، فإذا خرجت لضرورة أو حاجة فليكن باللباس الشرعي، وليكن بالأدب الشرعي الذي أمر الله به. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: في كلامكن مع الناس. أمرهن الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة يجب عليها إذا خاطبت الأجانب حتى وإن كانوا من المحارم بالمصاهرة مثلاً أن تكون في كلامها غير رافعة للصوت، ولا تعتاد ذلك، ولتكن حازمة في كلامها، لا لين فيه ولا تكسر، إلا أن يكون كلاماً ليناً مع زوجها أو مع محارمها مثلاً، فهي مأمورة بخفض صوتها، وليكن خفض الصوت لها عادة.

стр. 1988

تفسير قوله تعالى: (وقرن في بيوتكن) ثم قال: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]. قوله: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ))، تشريف لنساء النبي ﷺ بالتخصيص بالخطاب. قوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: أنتن لستن كغيركن من النساء، فقد شرفكن الله بأن جعلكن زوجات للنبي ﷺ . ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، ويجوز الوقف على (اتَّقَيْتُنَّ) وله معنى، ويجوز الوقف على: ((لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) ويبدأ: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢]، وإن كان الأول أجمل، فالمعنى: أن النساء كلهن متساويات، والفرق بين امرأة وامرأة: التقوى. فقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، أي: إذا اتقيتن سبحان الله وتعالى لستن كغيركن من النساء، ولكنكن أعلى منزلة وأشرف موضعاً، فـ (لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ) بتقواكن لله . أي: (إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) صرتن عند الله أشرف وأفضل من غيركن من النساء. وتقوى الله ترفع الإنسان عند الله درجات، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] وما رفع الله الذين أوتوا العلم درجات إلا لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد تقوى لله سبحانه، وازداد إحساناً في عمله، فيرفع الله المؤمنين عنده درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم فوقهم درجات بتقواهم لله . إذاً: هنا: ((يا نساء النبي)) الخطاب لهن أنهن لسن كغيرهن من النساء بشرط، والشرط هو تقوى الله . فالفضيلة عند الله بكونهن تقيات، ثم بكونهن نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه. ونساء النبي ﷺ إذا اتقين الله هنّ مع النبي ﷺ ليس في الدرجات الدنيا من الجنة، وليس في ربض الجنة، بل في أعلى الجنة، فلن يكون النبي ﷺ أعلى الجنة ونساؤه أسفل منه، بل يرفع الله الإنسان إلى منزلة من يحبه ممن هو أعلى منه، فيرفع الله نساء النبي ﷺ إلى منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويكن معه في الجنة. وعلى الوقف الثاني: وهو أن تقف عند قوله تعالى: ((يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ)) ثم تقرأ: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]. ولها معنى أيضاً، والمعنى فيها: أن الإنسان أحياناً إذا اتقى الله يتنازل، فتواضعه يجعل غيره يركب عليه ويخدعه ويطمع فيه. إذاً: المعنى هنا: اتق الله ، ولكن لا تكن ليناً بحيث تخدع في الشيء، والنساء في ذلك أولى، فالمرأة تكون تقية فتتواضع، ولكن لا يجعلها هذا التواضع تلين أمام الرجال في القول، والرجل حين يتواضع للرجال أكثر من حده ينقص قدره عندهم فلا يعرفون قدره. والمرأة كذلك، فلو أن نساء النبي ﵊ ورضي الله عنهن يخضعن في القول مع الرجال بدعوى التواضع لطمع المنافق والفاسق، والذي يخاطب بذلك هو الله ؛ لأنه أعلم بما في القلوب. فإذا كانت المرأة من نساء النبي ﷺ ، والتي تربت في بيت النبي ﷺ يحذرها الله من الخضوع في القول، فنساء المؤمنين أولى بهذا الحذر. فلو أن إنساناً شريفاً كبيراً في قومه وله مهابة، تخاف أن تدخل بيته، وتستحيي أن تكلم نساءه أو تكلم أهله، فكيف بالنبي ﷺ وهو أجل الخلق قدراً؟ إذاً: قليل أن يحدث مثل هذا الشيء، ومع ذلك فإن الله يحذر نساء النبي ﷺ من الخضوع في القول للرجال. فعلى ذلك فإن غير نساء النبي ﷺ أولى، فكل امرأة للرجال فيها مطمع، فنحن في زمان فسد أهله، وكثر فيه الخيانة والغش، وكثر فيه الخديعة، فعلى كل إنسان أن يحافظ على نفسه، ويحافظ على أهل بيته. إذاً: حذر الله نساء النبي ﷺ أن يخضعن بالقول، فالمرأة تكون جادة في كلامها وتكون حازمة، لا تخنع بكلامها ولا تلين ولا ترخم صوتها لا بقراءة قرآن ولا بغيره، فإذا كانت المرأة تريد أن تقرأ القرآن وعلمت أن حول البيت رجال فلا يجوز لها أن ترفع صوتها بالقرآن، وخاصة إذا كانت تتغنّى بالقرآن، فلا يجوز لها أن تتغنى بالقرآن إلا مع نساء؛ لأن قراءة المرأة لكتاب الله أمام شيخ مدعاة للفتنة التي نهى الله عنها. إذاً: ليكن قولك قولاً فصلاً جاداً فيه الحزم وفيه القطع، وليس فيه الميل ولا التكسر أو التغنج، فلا يجوز للمرأة أن تصنع ذلك، حتى ولو كانت من نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه اللاتي شرفهن الله سبحانه وطهرهن بموضعهن من النبي صلوات الله وسلامه عليه. فقوله تعالى: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: احذرن من الخضوع بالقول مع الرجال. وقوله تعالى: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢] وهل يصل المنافق إلى مطمعه؟ حاشا لله ، ومستحيل أن يكون ذلك. لكن في زماننا قد يصل إلى مطعمه، والمصائب كثيرة، فعلى ذلك فإن المرأة تلزم بيتها، وتلزم الأدب الشرعي، وتلزم حجابها، ولا تخضع بالقول للرجال، ولا تختلط بهم، ولا تتبرج تبرج الجاهلية الأولى. ومعنى الخضوع بالقول: اللين والتكسر في القول بترخيم الصوت وتليينه إظهاراً للتواضع. فعلى المرأة أن تلتزم وقارها وتلتزم الصمت، وإذا احتاجت لشيء تكلمت على قدر ما تحتاج، أما الأخذ والعطاء والإكثار من الكلام مع الرجل فهذا لا يجوز، والأصل في المرأة أن تلزم بيتها، فإذا خرجت لضرورة أو حاجة فليكن باللباس الشرعي، وليكن بالأدب الشرعي الذي أمر الله به. قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: في كلامكن مع الناس. أمرهن الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمرأة يجب عليها إذا خاطبت الأجانب حتى وإن كانوا من المحارم بالمصاهرة مثلاً أن تكون في كلامها غير رافعة للصوت، ولا تعتاد ذلك، ولتكن حازمة في كلامها، لا لين فيه ولا تكسر، إلا أن يكون كلاماً ليناً مع زوجها أو مع محارمها مثلاً، فهي مأمورة بخفض صوتها، وليكن خفض الصوت لها عادة.

стр. 1989

معنى الأمر بالقرار في البيوت والنهي عن التبرج ثم قال الله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] وهذا خطاب لنساء النبي ﷺ ، وغيرهن يقتدين بهن. فالنبي ﵊ قدوة، والجميع يقتدون به رجالاً ونساء، ونساء النبي ﵊ قدوة يقتدي بهن النساء، وقد طهرهن الله وأمرهن أن يلزمن بيوتهن، فغيرهن ممن لم يكن مثلهن أولى وأولى. وإذا كانت المطهرة الشريفة الفاضلة مأمورة بذلك، فغيرها أولى بذلك. يقول الله سبحانه: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: هذا أمر من الله سبحانه حتى يذهب عنكم الرجس والآثام، وما كان من ذنوب ومعاصٍ في الجاهلية، ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] . وقراءة نافع وأبي جعفر وعاصم: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]. وباقي القراء يقرءون: (وقِرنَ في بيوتكن). والواو هنا عاطفة، وأصل الفعل من (قَرّ) إما من القرار أو الوقار، فكلا المعنيين مقصودان، تقول وقَر يقِر فهو وقور. فقوله: ((وقَرن)) أي: كن ملازمات لبيوتكن. وقوله: (وقِرن في بيوتكن) يأتي أيضاً بمعنى القرار، ويأتي بمعنى الوقار، أي: ليكن عليكن الوقار، في أي مكان تكنّ فيه، أو الزمن البيوت بوقار. وقوله: (بيوتكن) بضم الباء هي قراءة حفص عن عاصم وورش وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب. وباقي القراء يقرءونها بكسر الباء (بِيوتكن). وقوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فيها قراءتان: قراءة الجمهور: (ولا تبرجن). وقراءة البزي عن ابن كثير: (ولآ تَّبرجن) بالمد والتشديد، والمعنى: اللزوم فيها، كأنه شدد الكلمة للمبالغة في الزجر عن التبرج. وأصل التبرج: الظهور، أو الإظهار، وتبرج الجاهلية معناه: المرأة التي كانت تظهر زينتها وحسنها وجمالها للناس، وتمشي متغنجة متكسرة، ومتبخترة أمام الرجال، فنهاهن الله أن يتشبهن بهؤلاء.

стр. 1990

معنى الجاهلية الأولى قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. إذاً: هناك جاهلية أخرى، ستكون بعد ذلك. والجاهلية الأولى: ما كان قبل الإسلام، وذكروا أنه من عهد آدم حتى عهد النبي ﷺ ، ففي كل قرن جاهلية، وهي أن المرأة تبدي فتنتها وتبدي زينتها وتمشي أمام الرجال، فيراها الرجال وينظرون إليها، فذكر العلماء في الجاهلية الأولى أموراً مما كانت تصنعها المرأة في الجاهليات. فمثلاً: مما جاء في ذلك، يقول الإمام القرطبي: الجاهلية الأولى: الزمن الذي ولد فيه إبراهيم عليه وعلى نبينا ﵊، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق، وتعرض نفسها على الرجال، وتمشي متبرجة، لكي ينظروا إليها. وأنت ترى المرأة في هذا الزمان قاعدة ببيتها لابسة لباس البيت ومنظرها ظاهر التبرج، إذا نزلت إلى الطريق تتزوق؛ حتى ينظر إليها الرجال كما كان يصنع أهل الجاهلية الأولى. يقول: تلبس الدرع من اللؤلؤ، والدرع: القميص المحلى باللؤلؤ، فتمشي حتى ينظر إليها الرجال وهي على ذلك، قال ابن عباس ﵄: بين نوح وإدريس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عشرة قرون، وقيل: إن المرأة كانت تلبس الدرع من اللؤلؤ غير مخيط الجانبين، وتلبس الثياب الرقاق لا تواري بدنها. هذه الجاهلية الأولى. وفي الماضي كانت المرأة تمشي وتضرب برجلها؛ حتى ينظر من في السوق إلى ساقها ورجلها، وتبدي شيئاً من صدرها، بل تبدي جميع مفاتنها، وتتفنن في السير على الطريق حتى ينظر إليها الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فهي تعرض نفسها على الرجال، وتعرض نفسها على النار، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1991

أحوال جاهلية اليوم روي في صحيح البخاري أنه: (قوم من هذه الأمة يخرجون إلى عيد لهم ويذهبون إلى جانب علم -جبل من الجبال لمعصية الله فيخسف بهم، ويسقط عليهم العلَم، ويمسخ منهم قردة وخنازير). وذكر في حديث آخر: (أنه يخرج الرجلان إلى الفاحشة ويمسخ أحدهما قرداً أو خنزيراً، ولا يمنع ذلك صاحبه أن يكمل ما هو فيه) لا يمنعه أنه يكمل مشيه إلى المعصية، رأى صاحبه مُسخ قرداً أو خنزيراً فلم يترك المعصية. وانظر إلى الممثلات الآن ما الذي يحصل فيهن، ترى ممثلة متبرجة فاجرة، قد ابتلاها الله بأن سقطت من عمارة، وتلك أصيبت بالسرطان، وكذلك الرجال، ولكنهم لا يتعظون؛ لأن المال يغر الناس، والنبي ﷺ يقول: (السعيد من وُعظ بغيره، والشقي من شقي في بطن أمه). فالإنسان الذي يرى المصيبة في غيره فيتعظ هو السعيد، والإنسان الذي ينظر إلى غيره ولا يتعظ، ويحس أنه سينجو، ولن يحدث له شيء هو الشقي المبتلى ولا حول ولا قوة إلا بالله. وكم ترى من بلاء يحيط بالناس والناس لا يتعظون، والموت يفاجئ الناس، وكل يوم يصلون على جنازة في المسجد، مرة في الظهر، ومرة في العصر، ومرة في المغرب، ومن الناس من يقعد خارج المسجد ولا يصلي، ينظر الناس الميت داخلين به إلى المسجد وخارجين به، وكم من الناس من دخل المسجد والميت على ظهره ولا يصلي، ومن الناس من يتكلم خارج المسجد حال الخطبة وكأن الأمر لا يعنيه، ومن الناس من يقول: مكبرات الصوت التي في المسجد تزعجنا، والدروس تزعجنا، وهو لا يصلي ولا يعمل صالحاً، وتراه طوال النهار يضحك في الشارع. وهل تستحق الرحمة عند رب العالمين بالصلاة عليك بعد الموت وأنت تارك للصلاة، وتارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتخادع ربك سبحانه، وتخادع الناس، وفي النهاية تريد الرحمة من رب العالمين. نسأل الله أن يجعلنا من عباده السعداء، ولا يجعلنا من عباده الأشقياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1992

تفسير سورة الأحزاب (تابع) [٣٠ - ٣٣] المرأة المؤمنة يجب عليها أن تتخلق بأخلاق الإسلام، وأن تقتدي بأمهات المؤمنين ﵅ أجمعين، فقد علمهن وأدبهن القرآن الكريم في كثير من الآيات، وعلى المرأة المسلمة أن تترك التخلق بأخلاق الجاهلية الأولى من التبرج والسفور والخضوع بالقول، وأن تعلم أن هذه الصفات هي ما يريد الغرب الكافر منها، من أجل أن يسيطروا على بلاد المسلمين.

стр. 1993

صفات المرأة المؤمنة

стр. 1994

المرأة المؤمنة لا تخضع بالقول أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة الأحزاب: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٣ - ٣٥]. في هذه الآيات من سورة الأحزاب وما قبلها من الآيات يخاطب الله نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه وهو القدوة الحسنة وهن القدوة للمؤمنات، فقال قبل هذه الآيات: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب:٣٠] فهذا أمر من الله لهن بأن يلزمن الطاعة ونهي لهن عن الوقوع في المعصية، فمن وقعت منهن في معصية من المعاصي المعلومة المنهي عنها فإنه سيضاعف لها العذاب، فإذا اتقت ربها سبحانه وقنتت وخشعت وأذعنت له كان لها الأجر المضاعف عند الله سبحانه، قال جل وعلا: ﴿وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٣١]. ثم أخبرهن أنهن لسن كغيرهن من النساء لأنهن قدوة للنساء، تقتدي بهن كل امرأة مؤمنة طيبة صالحة، لذلك فإن الخطأ منهن سيتبعن فيه، والطاعة منهن سيتبعن فيها كذلك. فإذا أطعن الله ورسوله واتبعتهن المؤمنات على ذلك، كان لهن أجرهن وأجر من عمل بهذه الطاعة من بعدهن حتى تقوم الساعة، فقال سبحانه: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢] أي: بتقواكن الله سبحانه لستن كأحد من النساء، فإن اتقيتن ربكن سبحانه فاحذرن من المبالغة في ذلك فتقعن في الخضوع بالقول مع الرجال. بمعنى: تقوى الله سبحانه لا تدفعكن إلى اللين في القول مع الرجال الأجانب، فإنما تلين المرأة في القول مع زوجها أو مع محارمها، أما مع الإنسان الأجنبي فلا، حتى ولو كان هؤلاء الأجانب أبناء لنساء النبي ﷺ أو في حكم الأبناء، إذ هن أمهات المؤمنين ومع ذلك يحرم عليهن أن يخضعن بالقول مع الرجال الأجانب، ويحرم على المؤمنين الزواج منهن، وبذلك يكن قدوة حسنة لمن خلفهن. قال الله سبحانه: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ [الأحزاب:٣٢]، حتى وإن كنتن أمهات المؤمنين فلا تلن في القول، وليكن القول منكن قولاً فصلاً فيه الحزم، فيه التأديب، فيه التهذيب، فيه الإرشاد، فيه التبليغ لدين الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب:٣٢]، التعليل أنكن لو خضعتن بالقول طمع الذي في قلبه مرض، مع أن الإنسان الذي يذهب إلى بيت النبي ﷺ ليسأل النبي ﷺ أو ليسأل أمهات المؤمنين هذا في العادة يكون على تقوى ويريد أن يتعلم الحكم الشرعي، ومن النادر أن يذهب الذين في قلوبهم مرض أو شك أو نفاق أو فسق؛ لأنه يخاف على نفسه من الفضيحة، بأن ينزل الله في شأنه قرآناً يفضحه بما قال، فإذا كانت نساء النبي ﷺ قد أمرن بهذا، فغيرهن من النساء من باب أولى، ففي كل امرأة مطمع، وكما قالوا: لكل ساقطة لاقطة، فقد تكون المرأة صغيرة ويهواها شاب أو شيخ، وقد تكون المرأة كبيرة ويهواها إنسان، فإذا لانت في قولها وقعا في الهوى ووقعا في الحرام، فعلى الإنسان أن يخاف على نفسه من الوقوع فيما حرمه الله سبحانه ويجتنب الخلوة مع النساء الأجانب. وعلى المرأة كذلك أن تجتنب المخالطة للرجال قال سبحانه: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب:٣٢] يعني: مرن بالمعروف وانهين عن المنكر، والمعروف: ما جاء في كتاب الله من أحكام شرعية، قال ابن عباس ﵄: أمرهن بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

стр. 1995

المرأة المؤمنة تقر في بيتها ولا تتبرج قال تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣] من القرار وهو المكوث في البيوت، ومن الوقار، أي: ليكن عليكن الوقار والسكينة، ولا تخرجن من البيوت إلا للحاجة وللضرورة. ثم قال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: واحذرن تقليد أهل الجاهلية الأولى، وهي ما كان قبل الإسلام، سواء ما كان قبله مباشرة أو ما كان قبله بزمان طويل حتى إلى عهد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو ما كان من جهل في الناس واتباع للشيطان بتبختر النساء وخروجهن متزينات يفتن الرجال، فنهى الله نساء نبيه ﵊ عن تقليد هؤلاء. فالشيطان يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، ولا يحب أن يكون الإنسان مطيعاً لله سبحانه، فهو يبغض بني آدم لأن آدم ﵇ كان سبب دخول الشيطان النار، وذلك حين أمر الشيطان بالسجود لآدم فرفض، كما قال تعالى: ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٣٤]، أي: جحد وكفر واستكبر فاستحق أن يكون من أهل النار، والعياذ بالله. فقال لله : ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، أي: لن أدخلها وحدي، وإنما سأدعو كثيراً من الناس إليها، فانظر استكبار الشيطان، وانظر رده على ربنا سبحانه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] وقال في موضع آخر: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]. فالشيطان يتربص بالفتاة المؤمنة وبالإنسان المؤمن حتى يغويه ويضله عن سبيل الله، والله هدى الإنسان بهذا الكتاب العظيم وبين حدوده سبحانه، وحذر من تعدي هذه الحدود. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد:٣٦]، فالحياة قصيرة جداً، فمهما ظننت أنها طويلة فإنك تجد الأيام والليالي سرعان ما تمر حتى تجد العمر قد فني وبعد ذلك تقابل ربك . فليحذر الإنسان أن يغتر بالدنيا، أو أن يغتر بالشيطان أو بالشهوات والشبهات فيقع في المحرمات ويجادل بالباطل كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [الحج:٣ - ٤]، فمن تبع الشيطان أغواه وأضله عن سبيل الله ﵎: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُنِيرٍ * ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٨ - ٩]. أي: من الناس من يجادل في الله بلا علم ولا هدى ولا كتاب من الله ﵎، ويتبع الشيطان فيما يقوله له: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج:٩]، فالشيطان استكبر، وأولياء الشيطان يستكبرون أيضاً فيرفضون الحق الذي جاء من عند الله ويتبعون الشيطان على ما هو فيه من باطل وقد عرفوا أنه عدو لهم. فأخبر الله سبحانه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]. وهنا يخبر الله ويبين ما يريده بأهل البيت وكذلك بالمؤمنين الذين يتبعونهم، فقال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: يريد الله أن يطهركم تطهيراً بهذه الأحكام، من عدم اتباع الهوى والشيطان، وعدم مخالطة الرجال، فاحذروا من الوقوع فيما حرم الله سبحانه من الفتن ومن الغرور ومن تقليد أهل الجاهلية الأولى.

стр. 1996

تبرج الجاهلية الأولى

стр. 1997

إظهار المرأة زينتها واختلاطها بالأجانب ذكرنا أن الجاهلية الأولى هي ما كان قبل النبي ﷺ سواء ما كان قبله مباشرة أو قبل عهد نوح أو في عهد إدريس أو في عهد إبراهيم على نبينا ﵊، أو بعد ذلك في عهد موسى وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. فقد كان بين كل رسول ورسول تظهر جاهلية وتظهر فتن ويظهر اختلاط بين الرجال والنساء وبغي ووقوع في الحرام، فذكر العلماء أن من فعل الجاهلية أن المرأة كانت تكشف عن شيء من بدنها، كأن تلبس القميص أو (الجلابية) وتكون مفتوحة من الجانبين بحيث تبدو الثياب التي تلبسها المرأة تحتها، فهذه من فعل الجاهلية الأولى. كذلك ذكروا أنه في زمان داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، كانت المرأة تلبس قميصاً من در غير مخيط الجانبين، وكانت النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها. أي إذا كانت المرأة جالسة مع زوجها كان يجلس معها صديقها كذلك، ونحن حين نسمع ذلك نستنكر ونقول: كيف يمكن أن يحدث هذا الشيء؟ وهذا يحدث الآن في الجامعات، فتجلس البنت مع أصدقائها في الكافتيريا وتتكلم معهم، وهذا هو فعل الجاهلية بل أسوأ، فقد كانت المرأة في الجاهلية تجلس مع رجل واحد وزوجها معها، والآن تجلس مع جملة من الأصدقاء، وتتزوج من وراء أهلها زواجاً عرفياً باطلاً محرماً، فتتزوج من إنسان بدون علم أحد، ثم بعد ذلك لعله يواقعها وتقول: زوجي، ثم يتركها بعد ذلك وتظل على هذه الحال، لا هي متزوجة ولا هي غير متزوجة ولا حول ولا قوة إلا بالله. قالوا: وكانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها، فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، يعني: صديقها ينظر إليها إلى ما فوق إزارها إلى وجهها وإلى صدرها، وزوجها ينفرد بما تحت الإزار، قال: وربما سأل أحدهما صاحبه البدل، فهذا من الجاهلية ولا حول ولا قوة إلا بالله.

стр. 1998

تمشي المرأة وسط الرجال وقال مجاهد: كان النساء يتمشين بين الرجال، فذلك التبرج. فالتبرج الذي يذكره مجاهد هو أن تمشي المرأة في وسط الرجال. قال ابن عطية: والذي يظهر عندي أنه أراد الجاهلية التي لحقنها، يعني: كأنه يقول: الجاهلية الأولى التي لحقها الصحابيات؛ لأن التي عاشت منهن قبل الإسلام فترة وعاشت في الإسلام أدركنت ما كان يحدث فنبههن الله بألا تعدن إلى مثل هذه الجاهلية التي رأيتنها قبل ذلك. قال: فأمرهن بالانتقال عن سيرتهن وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وعدم الغيرة على المحارم؛ لأن أهل الجاهلية كان عندهم الزنا شيئاً عادياً، فكان الإنسان يذهب ويزني سراً أو علناً، وإن كان الذي يزني علناً يقبح نوعاً ما، فلم يكونوا ينكرون على أحد ولا حول ولا قوة إلا بالله، فجاء الإسلام ينهى عن الجميع، ظاهر الإثم وباطنه. يقول الإمام القرطبي ﵀ عن الجاهلية الأولى: المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار للمحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، فالمرأة إذا أبدت شيئاً من زينتها وتجملت للرجال في الطريق فهذه هي الجاهلية الأولى، وهذا لا يجوز شرعاً، فأمرهن بلزوم البيوت.

стр. 1999

موقف الغرب من التبرج فالبيت هو مكان المرأة، والغرب قد ضاقوا ذرعاً من خروج المرأة ومن الفجور ومن الزنا الذي عندهم، فبدءوا يحاولون أن يضعوا قوانين لمكوث المرأة في البيت، بأن تترك العمل وتقعد في البيت، وتأخذ أجرها كاملاً لفعلها هذا. يعني: أن الذين سنوا للناس خروج المرأة وتبرجها عانوا من مضار ذلك، وعرفوا كيف ضاعت بيوتهم، فلا يوجد فيها المودة والرحمة الموجودة في بيوت المسلمين، فالفتاة والغلام إذا كبرا أصبح أحدهم ليس له دخل بأهله؛ لأنه ابن الدولة وليس ابن أهله، فأبوه وأمه لا يقدران على ضربه أو تأديبه ولو كان صغيراً؛ لأنه يذهب للمدرسة فيعطونه تلفون الشرطة ويقال له: إذا قام أبوك أو أمك بضربك فاتصل بالشرطة وأخبرهم بذلك، فإذا حصل هذا الشيء مرات يؤخذ الطفل أو الفتاة من أبيها وأمها وتعطى لأسرة أخرى من الأسر التي ليس عندها أطفال وينتظرون مثل هؤلاء ليأخذوهم ويربوهم بعيداً عن آبائهم وأمهاتهم. فإذا كان الأب والأم يمنع من ضرب الولد فسوف يصبح الولد عنده إباحية، وليس عنده التزام بأي آداب، ولأنه ابن الدولة وليس ابن أبيه ولا ابن أمه؛ فإنه حين يكبر الأب أو الأم فالولد يرميهم في الملجأ أو يرميهم في دار المسنين، فلا يوجد عندهم الاحترام الموجود في بلاد المسلمين، فالابن يحترم أباه ويحترم أمه ويعطف عليهما، ينفق عليهما، يرجو من وراء ذلك الثواب عند الله ﵎. تجد في بلاد المسلمين أن المسلم يحس أن أباه الشيخ الكبير، وأمه المرأة العجوز، فوق رأسه، وأنهما بركة البيت، وأن دعوة الأب ودعوة الأم سبب من أسباب دخول الجنة، وهذا الشعور لا يوجد عند الغرب؛ لأنهم يعيشون حياتهم هذه للاستمتاع فقط، فيذهب الأب للعمل في مزرعة بعيدة، بينه وبين ابنه آلاف الأميال، والابن يزوره كل سنة مرة أو كل سنتين مرة، ويموت يوم يموت ولا يوجد من يدفنه؛ لأنه لوحده في مكان بعيد من أجل المال الذي فرق بين الجميع.

стр. 2000

الغرب يصدرون الإباحية إلى بلاد المسلمين فالآن وجدوا أن الأفضل هو في أن ترجع المرأة إلى بيتها، وفي الرجوع للجو الأسري، ولكن يرجعون على استحياء لئلا يقال: رجعتم إلى ما هو موجود في الإسلام الذي تزعمون معارضته، ولكنهم يصدرون القبيح إلى بلاد المسلمين. فهم عرفوا أن الإسلام يجعل المؤمن مع المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وهم لا يريدون هذا الشيء، بل يريدون إنساناً متفككاً مسحوباً عن مجتمعه وعن أسرته، ليس بينه وبين أخيه المودة والرحمة، فقاموا يصدرون لبلاد المسلمين الصور العارية والإباحية الجنسية، بحيث ينتشر بين المسلمين الخلل الأخلاقي والديني، فإذا بهم لا يعرفون دينهم، بل يحبون الشهوات والفتن، وإذا بكل مسلم أصبح لا ينكر على أصحاب المنكرات وإن حدثت أمامه، ولا يتمعر وجهه إذا رأى رجلاً وامرأة في الطريق، وقد كان هذا الأمر من قبل لا يمكن أن يحدث أمام الناس، أما الآن فأصبحوا يقعدون مع بعض على البحر، الرجل مع المرأة، الشاب مع الفتاة، يتبادلون القبلات، يلعبون مع بعض، ولا أحد يتكلم، ولا غيرة موجودة، ولا أحد يأمر بمعروف وينهى عن منكر. جاءت تعاليم الغرب إلى بلاد المسلمين، وأصبحوا يطمحون إلى أكثر من ذلك، وهو اللواط ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونادوا بأن الشذوذ حرية شخصية؛ حتى تتفكك عرى الإسلام وتتفكك بلاد المسلمين، ولا يكون في المسلمين من يقدر أن يقاوم الكفار. أما الكفار فإنهم يزعمون التمسك بالدين، فاليهود دولة دينية، وأمريكا رئيسها رجل ديني مسيحي متعصب لهذا الشيء، فأول ما بدأ بحرب المسلمين قال: الحرب الصليبية، ثم رجع على استحياء وقال: لا أقصد هذا الشيء. وهي كلمة مقصودة تماماً، فهي حرب صليبية على المسلمين، حرب تخرب ديار المسلمين، فأمريكا حين عرفت أن بترولها لن يكفيها ثلاثمائة سنة قادمة -كما كانوا يزعمون- ولا حتى عشرين سنة قادمة، بدءوا ينظرون: أين يوجد البترول؟ فإذا كان عند بحر قزوين في أفغانستان، إذاً لابد أن نأخذ أفغانستان. البترول موجود في العراق، إذاً نأخذ العراق، موجود في بلاد الشرق الأوسط نضع أيدينا عليه، حتى يصبح هذا كله تحت سيطرتنا. فليست القضية قضية تحرير ولا ديمقراطية ولا شيء من ذلك، إنما القضية قضية استيلاء على البترول؛ لأن الذي معهم سوف ينفد خلال سنوات قليلة، فقالوا: لابد أن نضع أيدينا على احتياطي البترول العالمي الموجود في هذه البلاد، وعرفوا أنهم لو جاءوا إلى هذه البلاد فجأة فإنهم سوف يقاومون من الشباب المتدين، فقالوا: لابد أن نخرب هؤلاء الشباب المتدينين، فندخل لهم الشهوات والشبهات، ندخل العري، ندخل الشكوك. فبدعوى الإبداع سمح للشكوك في كل مكان، فيؤلف الإنسان كتاباً فيه سب لكلام ربنا ، والاعتراض على الدين، والاعتراض على السنة، وفيه تسفيه أمور الدين، ولو اعترض أحد عليه، قيل له: أنت ضد الحرية، أنت ضد الديمقراطية، أنت تحارب الإبداع، فبذلك يسكت الكل، ويترك لهؤلاء أن يتكلموا، ويمنع وجود الإنسان المتدين الذي ينافح ضد اليهود وضد الغرب الكافر، وينادى بالقضاء عليه بأي صورة من الصور، فإذا بالشباب يصبح شباباً مخنثاً، لا يعرف شيئاً عن دينه، وهؤلاء هم الذين إذا دخل الكفار بلاد المسلمين وجدوهم أمامهم، يريدون لقمة سائغة وإن ضاعت بلاد المسلمين. وقاموا بتحويط بلاد المسلمين، وذلك باختلاق مشكلة في البلد الفلاني من أجل أن يضع الكافر رجله فيه، ومشكلة في البلاد الفلانية الأخرى من أجل ضربها، فإذا بضربة في ليبيا وضربة في العراق وضربة في السودان وضربة في دارفور، وهكذا حتى يحوطون بلاد المسلمين، والمسلمون في ضياع ولا يشعرون بذلك؛ لأنهم تركوا كتاب الله ، وعرف هؤلاء الكفار كيف يدخلون إليهم من باب الفتن والشهوات، فالمرأة تركت بيتها فلا تعلم عن أبنائها شيئاً. تجد الأبناء أصبحوا أبناء شوارع، يجلس يتعلم من صاحبه في الشارع، واقف على قارعة الطريق طول النهار، لا يوجد شغل عنده، أو جالس على القهوة، أو جالس في نادي الفيديو أو في نادي الإنترنت ليشاهد الإباحيات، ويا ليته يشاهد شيئاً ينفعه في دينه أو دنياه، وإنما أخذوا كل سلبيات الغرب وكل الإجرام في البعد عن دين الله سبحانه. يشاهد أفلام الشهوات، ويحاول أن يقلد ذلك، فكثر الاغتصاب في بلاد المسلمين، وكثر الخطف، وكثرت الفواحش ولا حول ولا قوة إلا بالله. فإسرائيل كانت تحارب المسلمين بإرسال فتيات إلى بلاد المسلمين على الحدود، وهؤلاء الفتيات مصابات بالإيدز؛ لأنهم عرفوا أن المسلمين ممكن أن يقعوا في الزنا بسهولة فيدخل الإيدز بلاد المسلمين عن طريق ذلك. وكل طريقة يقدرون أن يخربوا بها بلاد المسلمين فإنهم يفعلونها، حتى أرسلوا حبوب زراعية توضع في الأرض، فإذا خرجت فإنها تملأ الأرض دوداً فتخرب الأرض ولا يبقى فيها خيرات، فإذا بك تأكل الفاكهة فتجد أنها ليس لها طعم، وتأكل الحبوب فلا تجد لها طعماً كذلك، ما هو الذي حصل فيها؟ لقد خربوا على المسلمين ما كان في بلادهم. حرب ظاهرة وحرب باطنة، يخربون العقول والكفاءات، فإذا ظهرت كفاءات عالية في بلاد المسلمين فإنهم يخطفونها وتبقى عندهم في بلادهم، وإذا لم يقدروا على هذا فإنهم يقتلون علماء المسلمين في بلادهم، بحيث تبقى دول المسلمين دولاً متخلفة، لا دين فيها ولا شباب قوي فيدخلونها بمنتهى البساطة. ولذلك كانوا طامعين أنهم حين يدخلون العراق فإن أهل العراق سوف يقابلونهم بالورود؛ لأنهم عرفوا أن الناس ابتعدوا عن الدين في العراق، فالناس هناك ضيعوا دينهم من فترة فضاعوا وتفرقوا شيعاً، فهم قد درسوا أحوال المسلمين وما هم عليه، فقالوا: سندخل العراق وسيستقبلوننا بالورود، ولكن الذين وقفوا لهم هنالك هم أهل الدين، وإن كانوا قلة وإن كانوا ضعفاء، ولكن الله يثبت من يشاء. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يذل الكفر والكافرين، وأن يرينا فيهم يوماً يأتي عليهم فيه عذاب من عند الله وبأيدي المؤمنين، اللهم آمين يا رب العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →