Полный текст (3 717 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
تبرج الجاهلية الأولى
стр. 1997
إظهار المرأة زينتها واختلاطها بالأجانب
ذكرنا أن الجاهلية الأولى هي ما كان قبل النبي ﷺ سواء ما كان قبله مباشرة أو قبل عهد نوح أو في عهد إدريس أو في عهد إبراهيم على نبينا ﵊، أو بعد ذلك في عهد موسى وعيسى على نبينا وعليهم الصلاة والسلام.
فقد كان بين كل رسول ورسول تظهر جاهلية وتظهر فتن ويظهر اختلاط بين الرجال والنساء وبغي ووقوع في الحرام، فذكر العلماء أن من فعل الجاهلية أن المرأة كانت تكشف عن شيء من بدنها، كأن تلبس القميص أو (الجلابية) وتكون مفتوحة من الجانبين بحيث تبدو الثياب التي تلبسها المرأة تحتها، فهذه من فعل الجاهلية الأولى.
كذلك ذكروا أنه في زمان داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، كانت المرأة تلبس قميصاً من در غير مخيط الجانبين، وكانت النساء في الجاهلية الجهلاء يظهرن ما يقبح إظهاره، حتى كانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها.
أي إذا كانت المرأة جالسة مع زوجها كان يجلس معها صديقها كذلك، ونحن حين نسمع ذلك نستنكر ونقول: كيف يمكن أن يحدث هذا الشيء؟ وهذا يحدث الآن في الجامعات، فتجلس البنت مع أصدقائها في الكافتيريا وتتكلم معهم، وهذا هو فعل الجاهلية بل أسوأ، فقد كانت المرأة في الجاهلية تجلس مع رجل واحد وزوجها معها، والآن تجلس مع جملة من الأصدقاء، وتتزوج من وراء أهلها زواجاً عرفياً باطلاً محرماً، فتتزوج من إنسان بدون علم أحد، ثم بعد ذلك لعله يواقعها وتقول: زوجي، ثم يتركها بعد ذلك وتظل على هذه الحال، لا هي متزوجة ولا هي غير متزوجة ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قالوا: وكانت المرأة تجلس مع زوجها وخلها، فينفرد خلها بما فوق الإزار إلى الأعلى، يعني: صديقها ينظر إليها إلى ما فوق إزارها إلى وجهها وإلى صدرها، وزوجها ينفرد بما تحت الإزار، قال: وربما سأل أحدهما صاحبه البدل، فهذا من الجاهلية ولا حول ولا قوة إلا بالله.
стр. 1998
تمشي المرأة وسط الرجال
وقال مجاهد: كان النساء يتمشين بين الرجال، فذلك التبرج.
فالتبرج الذي يذكره مجاهد هو أن تمشي المرأة في وسط الرجال.
قال ابن عطية: والذي يظهر عندي أنه أراد الجاهلية التي لحقنها، يعني: كأنه يقول: الجاهلية الأولى التي لحقها الصحابيات؛ لأن التي عاشت منهن قبل الإسلام فترة وعاشت في الإسلام أدركنت ما كان يحدث فنبههن الله بألا تعدن إلى مثل هذه الجاهلية التي رأيتنها قبل ذلك.
قال: فأمرهن بالانتقال عن سيرتهن وهي ما كان قبل الشرع من سيرة الكفر وعدم الغيرة على المحارم؛ لأن أهل الجاهلية كان عندهم الزنا شيئاً عادياً، فكان الإنسان يذهب ويزني سراً أو علناً، وإن كان الذي يزني علناً يقبح نوعاً ما، فلم يكونوا ينكرون على أحد ولا حول ولا قوة إلا بالله، فجاء الإسلام ينهى عن الجميع، ظاهر الإثم وباطنه.
يقول الإمام القرطبي ﵀ عن الجاهلية الأولى: المقصود من الآية مخالفة من قبلهن من المشية على تغنيج وتكسير وإظهار للمحاسن للرجال إلى غير ذلك مما لا يجوز شرعاً، فالمرأة إذا أبدت شيئاً من زينتها وتجملت للرجال في الطريق فهذه هي الجاهلية الأولى، وهذا لا يجوز شرعاً، فأمرهن بلزوم البيوت.
стр. 1999
موقف الغرب من التبرج
فالبيت هو مكان المرأة، والغرب قد ضاقوا ذرعاً من خروج المرأة ومن الفجور ومن الزنا الذي عندهم، فبدءوا يحاولون أن يضعوا قوانين لمكوث المرأة في البيت، بأن تترك العمل وتقعد في البيت، وتأخذ أجرها كاملاً لفعلها هذا.
يعني: أن الذين سنوا للناس خروج المرأة وتبرجها عانوا من مضار ذلك، وعرفوا كيف ضاعت بيوتهم، فلا يوجد فيها المودة والرحمة الموجودة في بيوت المسلمين، فالفتاة والغلام إذا كبرا أصبح أحدهم ليس له دخل بأهله؛ لأنه ابن الدولة وليس ابن أهله، فأبوه وأمه لا يقدران على ضربه أو تأديبه ولو كان صغيراً؛ لأنه يذهب للمدرسة فيعطونه تلفون الشرطة ويقال له: إذا قام أبوك أو أمك بضربك فاتصل بالشرطة وأخبرهم بذلك، فإذا حصل هذا الشيء مرات يؤخذ الطفل أو الفتاة من أبيها وأمها وتعطى لأسرة أخرى من الأسر التي ليس عندها أطفال وينتظرون مثل هؤلاء ليأخذوهم ويربوهم بعيداً عن آبائهم وأمهاتهم.
فإذا كان الأب والأم يمنع من ضرب الولد فسوف يصبح الولد عنده إباحية، وليس عنده التزام بأي آداب، ولأنه ابن الدولة وليس ابن أبيه ولا ابن أمه؛ فإنه حين يكبر الأب أو الأم فالولد يرميهم في الملجأ أو يرميهم في دار المسنين، فلا يوجد عندهم الاحترام الموجود في بلاد المسلمين، فالابن يحترم أباه ويحترم أمه ويعطف عليهما، ينفق عليهما، يرجو من وراء ذلك الثواب عند الله ﵎.
تجد في بلاد المسلمين أن المسلم يحس أن أباه الشيخ الكبير، وأمه المرأة العجوز، فوق رأسه، وأنهما بركة البيت، وأن دعوة الأب ودعوة الأم سبب من أسباب دخول الجنة، وهذا الشعور لا يوجد عند الغرب؛ لأنهم يعيشون حياتهم هذه للاستمتاع فقط، فيذهب الأب للعمل في مزرعة بعيدة، بينه وبين ابنه آلاف الأميال، والابن يزوره كل سنة مرة أو كل سنتين مرة، ويموت يوم يموت ولا يوجد من يدفنه؛ لأنه لوحده في مكان بعيد من أجل المال الذي فرق بين الجميع.
стр. 2000
الغرب يصدرون الإباحية إلى بلاد المسلمين
فالآن وجدوا أن الأفضل هو في أن ترجع المرأة إلى بيتها، وفي الرجوع للجو الأسري، ولكن يرجعون على استحياء لئلا يقال: رجعتم إلى ما هو موجود في الإسلام الذي تزعمون معارضته، ولكنهم يصدرون القبيح إلى بلاد المسلمين.
فهم عرفوا أن الإسلام يجعل المؤمن مع المؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وهم لا يريدون هذا الشيء، بل يريدون إنساناً متفككاً مسحوباً عن مجتمعه وعن أسرته، ليس بينه وبين أخيه المودة والرحمة، فقاموا يصدرون لبلاد المسلمين الصور العارية والإباحية الجنسية، بحيث ينتشر بين المسلمين الخلل الأخلاقي والديني، فإذا بهم لا يعرفون دينهم، بل يحبون الشهوات والفتن، وإذا بكل مسلم أصبح لا ينكر على أصحاب المنكرات وإن حدثت أمامه، ولا يتمعر وجهه إذا رأى رجلاً وامرأة في الطريق، وقد كان هذا الأمر من قبل لا يمكن أن يحدث أمام الناس، أما الآن فأصبحوا يقعدون مع بعض على البحر، الرجل مع المرأة، الشاب مع الفتاة، يتبادلون القبلات، يلعبون مع بعض، ولا أحد يتكلم، ولا غيرة موجودة، ولا أحد يأمر بمعروف وينهى عن منكر.
جاءت تعاليم الغرب إلى بلاد المسلمين، وأصبحوا يطمحون إلى أكثر من ذلك، وهو اللواط ولا حول ولا قوة إلا بالله، ونادوا بأن الشذوذ حرية شخصية؛ حتى تتفكك عرى الإسلام وتتفكك بلاد المسلمين، ولا يكون في المسلمين من يقدر أن يقاوم الكفار.
أما الكفار فإنهم يزعمون التمسك بالدين، فاليهود دولة دينية، وأمريكا رئيسها رجل ديني مسيحي متعصب لهذا الشيء، فأول ما بدأ بحرب المسلمين قال: الحرب الصليبية، ثم رجع على استحياء وقال: لا أقصد هذا الشيء.
وهي كلمة مقصودة تماماً، فهي حرب صليبية على المسلمين، حرب تخرب ديار المسلمين، فأمريكا حين عرفت أن بترولها لن يكفيها ثلاثمائة سنة قادمة -كما كانوا يزعمون- ولا حتى عشرين سنة قادمة، بدءوا ينظرون: أين يوجد البترول؟ فإذا كان عند بحر قزوين في أفغانستان، إذاً لابد أن نأخذ أفغانستان.
البترول موجود في العراق، إذاً نأخذ العراق، موجود في بلاد الشرق الأوسط نضع أيدينا عليه، حتى يصبح هذا كله تحت سيطرتنا.
فليست القضية قضية تحرير ولا ديمقراطية ولا شيء من ذلك، إنما القضية قضية استيلاء على البترول؛ لأن الذي معهم سوف ينفد خلال سنوات قليلة، فقالوا: لابد أن نضع أيدينا على احتياطي البترول العالمي الموجود في هذه البلاد، وعرفوا أنهم لو جاءوا إلى هذه البلاد فجأة فإنهم سوف يقاومون من الشباب المتدين، فقالوا: لابد أن نخرب هؤلاء الشباب المتدينين، فندخل لهم الشهوات والشبهات، ندخل العري، ندخل الشكوك.
فبدعوى الإبداع سمح للشكوك في كل مكان، فيؤلف الإنسان كتاباً فيه سب لكلام ربنا ، والاعتراض على الدين، والاعتراض على السنة، وفيه تسفيه أمور الدين، ولو اعترض أحد عليه، قيل له: أنت ضد الحرية، أنت ضد الديمقراطية، أنت تحارب الإبداع، فبذلك يسكت الكل، ويترك لهؤلاء أن يتكلموا، ويمنع وجود الإنسان المتدين الذي ينافح ضد اليهود وضد الغرب الكافر، وينادى بالقضاء عليه بأي صورة من الصور، فإذا بالشباب يصبح شباباً مخنثاً، لا يعرف شيئاً عن دينه، وهؤلاء هم الذين إذا دخل الكفار بلاد المسلمين وجدوهم أمامهم، يريدون لقمة سائغة وإن ضاعت بلاد المسلمين.
وقاموا بتحويط بلاد المسلمين، وذلك باختلاق مشكلة في البلد الفلاني من أجل أن يضع الكافر رجله فيه، ومشكلة في البلاد الفلانية الأخرى من أجل ضربها، فإذا بضربة في ليبيا وضربة في العراق وضربة في السودان وضربة في دارفور، وهكذا حتى يحوطون بلاد المسلمين، والمسلمون في ضياع ولا يشعرون بذلك؛ لأنهم تركوا كتاب الله ، وعرف هؤلاء الكفار كيف يدخلون إليهم من باب الفتن والشهوات، فالمرأة تركت بيتها فلا تعلم عن أبنائها شيئاً.
تجد الأبناء أصبحوا أبناء شوارع، يجلس يتعلم من صاحبه في الشارع، واقف على قارعة الطريق طول النهار، لا يوجد شغل عنده، أو جالس على القهوة، أو جالس في نادي الفيديو أو في نادي الإنترنت ليشاهد الإباحيات، ويا ليته يشاهد شيئاً ينفعه في دينه أو دنياه، وإنما أخذوا كل سلبيات الغرب وكل الإجرام في البعد عن دين الله سبحانه.
يشاهد أفلام الشهوات، ويحاول أن يقلد ذلك، فكثر الاغتصاب في بلاد المسلمين، وكثر الخطف، وكثرت الفواحش ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فإسرائيل كانت تحارب المسلمين بإرسال فتيات إلى بلاد المسلمين على الحدود، وهؤلاء الفتيات مصابات بالإيدز؛ لأنهم عرفوا أن المسلمين ممكن أن يقعوا في الزنا بسهولة فيدخل الإيدز بلاد المسلمين عن طريق ذلك.
وكل طريقة يقدرون أن يخربوا بها بلاد المسلمين فإنهم يفعلونها، حتى أرسلوا حبوب زراعية توضع في الأرض، فإذا خرجت فإنها تملأ الأرض دوداً فتخرب الأرض ولا يبقى فيها خيرات، فإذا بك تأكل الفاكهة فتجد أنها ليس لها طعم، وتأكل الحبوب فلا تجد لها طعماً كذلك، ما هو الذي حصل فيها؟ لقد خربوا على المسلمين ما كان في بلادهم.
حرب ظاهرة وحرب باطنة، يخربون العقول والكفاءات، فإذا ظهرت كفاءات عالية في بلاد المسلمين فإنهم يخطفونها وتبقى عندهم في بلادهم، وإذا لم يقدروا على هذا فإنهم يقتلون علماء المسلمين في بلادهم، بحيث تبقى دول المسلمين دولاً متخلفة، لا دين فيها ولا شباب قوي فيدخلونها بمنتهى البساطة.
ولذلك كانوا طامعين أنهم حين يدخلون العراق فإن أهل العراق سوف يقابلونهم بالورود؛ لأنهم عرفوا أن الناس ابتعدوا عن الدين في العراق، فالناس هناك ضيعوا دينهم من فترة فضاعوا وتفرقوا شيعاً، فهم قد درسوا أحوال المسلمين وما هم عليه، فقالوا: سندخل العراق وسيستقبلوننا بالورود، ولكن الذين وقفوا لهم هنالك هم أهل الدين، وإن كانوا قلة وإن كانوا ضعفاء، ولكن الله يثبت من يشاء.
نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان، وأن يذل الكفر والكافرين، وأن يرينا فيهم يوماً يأتي عليهم فيه عذاب من عند الله وبأيدي المؤمنين، اللهم آمين يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2001
تفسير سورة الأحزاب [٣٣ - ٣٥]
نساء النبي ﷺ قدوة لنساء المسلمين، فإذا نهاهن الله عن التبرج والاختلاط وأمرهن بلزوم البيوت، فنساء المسلمين أولى بامتثال ما أمر الله سبحانه واجتناب ما نهى الله عنه، ففي ذلك تطهير للقلوب والأبدان من رجس الشيطان، والإناث والذكور كلهم معنيون بأمر الله ونهيه، ومجازون على كل عمل يعملونه.
стр. 2002
تفسير قوله تعالى: (ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب في نساء النبي ﷺ : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا * إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٣ - ٣٥].
في هذه الآيات من سورة الأحزاب أمر من الله لنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله عنهن، وهن القدوة الحسنة للنساء اللاتي يقتدى بأفعالهن وأقوالهن؛ لأنهن تعلمن من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٢]، فأمرهن بالوقار في البيوت ولزوم البيوت وهذا هو حجاب الشخوص، أن تلتزم بيتها ولا تخرج فيراها الناس، سواء خرجت بحجابها أو خرجت من بيتها في كامل ثيابها، وحولها ما يواريها، فأمرها الله ، بقوله: الزمي البيت، لا تخرجي من البيت.
قال الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٣]، وعليكن السكينة والوقار، واحذرن من التبرج، والتبرج بمعنى: الظهور والزينة، قال تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
وذكرنا في الحديث السابق تبرج الجاهلية الأولى وما كان النساء يفعلنه من ظهور أمام الرجال وفتنة، يحرش الشيطان بها بين النساء والرجال، وما وجد على الأرض من فتنة أشد على الرجال من النساء، فالنساء فتنة؛ ولذلك حذرهن الله من التبرج وقال: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣].
стр. 2003
تفسير قوله تعالى: (وأقمن الصلاة وآتين الزكاة)
ثم أمرهن سبحانه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣]، طاعة الله سبحانه عامة، ومن خصوصيات الطاعة: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والصلاة أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية، فهنا أمرهن الله سبحانه بالاستعانة بذلك على طاعة الله سبحانه، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا مما يعين الإنسان على طاعة الله سبحانه، يصلي فيكون قريباً من ربه سبحانه فيدعوه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ويزكى فيكون سمحاً جواداً كريماً، يبذل فيأخذ الأجر العظيم من الله سبحانه، ويظهر الإيمان بالصلاة وبالزكاة، بالعبادة البدنية وبالعبادة المالية.
قال تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣] في كل شيء، أي: في كل ما أمركن الله .
стр. 2004
تفسير قوله تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت)
ثم أمرهن سبحانه: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣]، طاعة الله سبحانه عامة، ومن خصوصيات الطاعة: إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والصلاة أعظم العبادات البدنية، والزكاة أعظم العبادات المالية، فهنا أمرهن الله سبحانه بالاستعانة بذلك على طاعة الله سبحانه، بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وهذا مما يعين الإنسان على طاعة الله سبحانه، يصلي فيكون قريباً من ربه سبحانه فيدعوه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، ويزكى فيكون سمحاً جواداً كريماً، يبذل فيأخذ الأجر العظيم من الله سبحانه، ويظهر الإيمان بالصلاة وبالزكاة، بالعبادة البدنية وبالعبادة المالية.
قال تعالى: ﴿وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب:٣٣] في كل شيء، أي: في كل ما أمركن الله .
стр. 2005
دخول نساء النبي في خطاب أهل البيت
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣]، أي: أهل بيته ﷺ .
والواضح من سياق الآيات أن الله يوجه الخطاب لنساء النبي ﷺ ، فهن الأصل في ذلك، فقد قال الله سبحانه: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا * يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب:٣٠ - ٣٣]، أيضاً هذه أوامر لنساء النبي.
ثم قال بعدما أمرهن بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وكأن الجملة هنا تعليلية، يعني: أمرناكم بكذا ونهيناكم عن كذا لعلة ولسبب، وهو أنا نريد أن نذهب عنكم الرجس يا آل بيت النبي ﵊، وواضح أن السياق من أول الآيات في خطاب نساء النبي ﷺ ، فهن داخلات في أهل بيته صلوات الله وسلامه عليه في هذه الآيات.
وجاء في حديث النبي ﷺ أنه جمع مجموعة ممن كانوا معه من آل بيته، منهم: علي بن أبي طالب، وابنته فاطمة، والحسن والحسين ووضع كساء عليهم ﷺ وقال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت، اللهم هؤلاء أهل بيتي)، فهؤلاء آل بيت النبي ﷺ ، فهل هؤلاء فقط هم آل بيت النبي ﷺ ؟
الجواب
ليسوا هم فقط، بل إن آل بيت النبي ﷺ أكثر من ذلك بكثير، فآل العباس من آل بيت النبي ﷺ ، وآل علي بن أبي طالب وذريته من آل بيت النبي ﷺ ، فالمؤمنون من أهله ﷺ من بني العباس ومن بني علي بن أبي طالب كلهم من أهله ﷺ ، والمؤمنون من آل بيته ﵊.
هنا في هذا الحديث كانت أم سلمة واقفة، ووجدت النبي ﷺ أدخلهم في الكساء وقال (اللهم! هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنا الرجس، فقالت: وأنا يا رسول الله؟ فقال: أنت على خير، أنت على مكانك).
فهنا لا ينبغي أن تأتي زوجة النبي ﷺ وتكون تحت كساء فيه من ليس محرماً لها، فهذا الكساء تحته علي بن أبي طالب ﵁ وليس محرماً لها، ولذلك لم يدخلها، ولم يقل لها: تعالي أنت أيضاً معنا تحت هذا الكساء، ولكن قال: (على مكانك، أنت على خير).
إذاً: واضح من التعليل الذي ذكره ربنا في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، أن الخطاب الساري فيها لنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، فدلت الآية على أن نساء النبي ﷺ من آل بيته، ودل حديث النبي ﷺ على أن هؤلاء من أهل بيته: علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين رضي الله عن الجميع، فالسيدة أم سلمة قالت: (وأنا معهم يا رسول الله؟! قال: أنت على مكانك، وأنت على خير) فهي على خير وهي من آل بيت النبي ﷺ ، ولكن قوله: (أنت على مكانك) أي: لا تدخلي معنا تحت الكساء، فلا ينبغي أن تكون هي مع من ليس محرماً لها تحت كساء واحد.
стр. 2006
ليس من أهل البيت من مات كافراً
وبنو هاشم كذلك من آل بيته ﵊، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣]، تكريماً للنبي ﷺ وتشريفاً له، وليس معنى ذلك: أن يكون من أهل بيته ﵊ من مات كافراً، مثلما مات أبو طالب عم النبي ﷺ ، ومثلما مات أبو لهب قبل ذلك، فهنا الخطاب للمؤمنين من آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه، أن الله يريد أن يطهرهم تطهيراً وأن يذهب عنهم الرجس.
стр. 2007
نفي العصمة عن أهل البيت
وهل معنى ذلك: أن آل بيت النبي ﷺ يكونون معصومين؟! ليسوا معصومين، إنما المعصوم من كان نبياً لله ، يعصمه الله بمرتبة النبوة، ومرتبة الرسالة، وهذه هي العصمة من الله لمن يشاء من خلقه، قال النبي ﷺ : (كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون).
إذاً: لا يقال إن آل بيت النبي ﷺ معصومون، هذا خطأ وليس بصواب، فليس أحد معصوماً إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وآل بيت النبي ﷺ ليسوا بأنبياء، إنما هو وحده فقط صلوات الله وسلامه عليه.
قال الله : ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، يريد الله ذلك، وإذا أراد الله شيئاً لابد أن يكون، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وجعل نساءه القدوة الحسنة للأمة، فكل امرأة من نساء النبي ﷺ بلغت دين ربها، فأحسنت ووفت بما عاهدت ربها عليه، وبلغت ما بلغها النبي ﷺ وعلمت الأمة، وعمِّر نساء النبي ﷺ بعده سنين طويلة، حدثن فيها عن النبي ﷺ بأحاديث كثيرة تعلمتها الأمة منهن ومن أصحابه رضوان الله ﵎ عليهم.
стр. 2008
تفسير قوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة)
قال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤].
فهنا أمرهن بالعبادة اللازمة والعبادة المتعدية، والعبادة اللازمة كالصلاة، وكل طاعة الله سبحانه من العبادات هي عبادة لازمة؛ لأن الثواب لصاحبه، والعبادة المتعدية كتبليغ العلم، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤].
فالآيات: القرآن، والحكمة: سنة النبي ﷺ ، وكله من عند الله ، فالله نزل على النبي ﷺ الذكر ليبين للناس ما نزل إليهم، وبين صلوات الله وسلامه عليه للناس ما نزل عليه من عند ربه سبحانه، فالكتاب والسنة كلاهما من عند الله سبحانه، بلغهما النبي ﷺ ، وسمعها أصحابه رضوان الله عليهم ومنهم نساء النبي ﵊، فبلغن وذكرن.
إذاً: أمرهن الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله سبحانه ورسوله، وعلل فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣]، يريد الله ذلك، فافعلن ذلك حتى يطهركن الله تطهيراً عظيماً، فكن على ما أراد الله .
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، فقد كان النبي ﷺ يتلو في بيت هذه آيات، وفي بيت هذه آيات، فتعرف هذه أحكاماً، وهذه أحكاماً، ويبلغن ذلك عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه من الحكمة في تعدد أزواج النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٤]، الله في علمه اللطف، وهو العلم الدقيق، والعلم بالخفايا، والله سبحانه لطيف في قضائه وقدره، فهو الذي يقدر الشيء ويكون لطيفاً بعباده في تشريعه وفيما قدره لعباده وقدره عليهم.
ولما ذكر الله اللطف والخبرة فالمقصود بها دقة علم الله سبحانه وعلمه بكل شيء دقيق وجليل، عظيم وصغير، قريب وبعيد، جلي وخفي، فالله يعلم كل شيء.
كذلك من لطفه سبحانه أن أراد بهن الخير العظيم، وأمرهن بالحجاب، وأن تلزم الواحدة منهن بيتها ولا تخرج من بيتها إلا لضرورة من الضرورات، ليقتدي نساء الأمة بنساء النبي ﷺ .
لو كان الخطاب لنساء الأمة فقط دون نساء النبي ﷺ ، لقال نساء الأمة: لا نستطيع ذلك، لكن وجدن القدوة الحسنة في نساء النبي ﷺ ، فلا تخرج الواحدة من بيتها إلا إذا كانت مع النبي ﷺ في غزوة ونحو ذلك، أو للحج أو للعمرة، وبعد وفاته التزمن البيوت، فكن لا يخرجن إلا لحج أو لعمرة، إلا ما كان من عائشة ﵂ لما خرجت للإصلاح بين الناس بعد مقتل عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان ما كان مما حدث يوم الجمل، وإنما أرادت أن يراها الناس فيوقرون آل بيت النبي ﷺ ويلتزمون أحكام الله وتخمد الفتنة، ولكن أرادت شيئاً، وأراد الله شيئاً آخر.
فكان الأصل في نساء النبي ﷺ المكث في بيوتهن، فلكي تقتدي نساء الأمة جعل الله نساء النبي ﷺ قدوة لهن وأمرهن بما في هذه الآيات، وجعل لهن الأجر العظيم إذا أطعن، وجعل عليهن العقوبة الأليمة إذا عصين، فصرن قدوة للنساء في التزام حكم الله .
стр. 2009
تفسير قوله تعالى: (إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات)
قال الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر ما ذكر الله ، وذكر أنه أعد لهم مغفرة وأجراً عظيماً.
روى الإمام الترمذي من حديث أم عمارة الأنصارية أنها أتت النبي ﷺ فقالت: (ما أرى كل شيء إلا للرجال) يعني: تقصد أن الآيات التي تنزل في القرآن: أن الله أعد للمؤمنين المغفرة والأجر العظيم، فيذكر المؤمنين بصيغة جمع المذكر السالم، ويذكر المسلمين ويذكر المحسنين، وكل شيء مذكور فيها بجمع المذكر السالم، فيقصد به الرجال، والنساء لم يذكرن؟ لكن في اللغة العربية إذا اشترك الرجال والنساء في شيء، فالخطاب يكون للرجال، ويدخل معهم النساء، لكن إذا كان الخطاب للنساء فلا يدخل معهن رجل واحد، فهنا إذا اجتمع مجموعة من النساء ومعهم رجل واحد، وأردت أن توجه الخطاب يكون الخطاب بصيغة جمع المذكر، فإذا كن كلهن نساءً فالخطاب بصيغة جمع المؤنث.
فإذا خوطب النساء وحدهن يكون الخطاب بصيغة المؤنث، وإذا ذكر الرجال وحدهم يكون بصيغة المذكر، وإذا ذكر الرجال والنساء أو رجل ومجموعة من النساء يكون الخطاب بصيغة المذكر.
فهذه المرأة الأنصارية قالت: (وما أرى النساء يذكرن بشيء) فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، وهذا حديث صحيح رواه الإمام الترمذي ﵀.
ذكر الله عشر صفات في هذه الآية، أول هذه الصفات قال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحزاب:٣٥] وحتى قوله سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
فالإسلام هو الأصل هنا، والإسلام دين رب العالمين سبحانه، وهو عبادات ظاهرة وباطنة، فإذا ذكر الإيمان فالمقصد ما هو أعظم وأعلى درجة، وإذا جاء الإسلام وحده، وتكلم عن الإسلام يدخل فيه الإيمان ويدخل فيه خصائص الإسلام والإيمان والإسلام والإحسان، وإذا ذكر الإيمان وحده كان كذلك، وإذا ذكر الإحسان كان كذلك، لكن إذا جمع الجميع فهي مراتب بعضها فوق بعض.
وفي حديث النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإسلام قال: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت) أي: العبادات الظاهرة.
قال: (قال: صدقت، فما الإيمان؟ قال: الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، قال: صدقت).
فلما اجتمع الإيمان والإسلام كان الإسلام العبادات الظاهرة، والإيمان ما كان في قلب الإنسان، فإذا قال: المسلم، فيقصد به من جمع كل شيء في الإسلام، وإذا قال: المؤمن، فيقصد به من جمع كل شيء في الإسلام، كما يقولون: إذا اجتمعا انفردا وإذا انفردا اجتمعا، فعلى ذلك الإسلام يدخل فيه الدين كله، والإيمان كذلك، وإذا اجتمع الاثنان يكون المقصود بالإسلام الأعمال الظاهرة، وبالإيمان الأعمال الباطنة، والأعلى من ذلك الإحسان، قال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
فهنا بدأ بما يشترك فيه الجميع: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، فلهن كما للرجال من المغفرة والأجر العظيم عند الله .
قال تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، القنوت: الخضوع والإذعان والذل لله سبحانه والخشوع والطاعة، وكل إنسان قانت لله سبحانه خاشع، ومطيع لله، وقائم في الصلاة لله ، ومقبل على الله سبحانه لا يلتفت عنه.
قال تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، أي: صدقوا في سرهم وصدقوا في جهرهم، يتكلم فيصدق، ويعاهد ربه سبحانه فيصدقه، ويعد فيفي، ويبايع فيصدق في بيعته، فالمؤمن صادق؛ لأنه يخاف الله سبحانه، والله أمر المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، فالزم الصادقين تتعلم منهم الصدق، وتتعلم منهم الوفاء، وتكن معهم في الدنيا؛ فتحشر معهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب:٢٣]، أي: صدقوا في كلامهم وحديثهم.
قال الله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥]، والصبر على ثلاثة أشياء: يصبر الإنسان على طاعة الله، فيلتزم ما أمر الله به ويفعله، فيصبر على الطاعة.
ويصبر الإنسان عن المعصية: ينهاه الله، لا تقع في الفواحش، لا تقع في الزنا، لا تسرق، لا تزن، فيستجيب لله مهما وجد أمامه من مغريات.
فالمؤمن صابر على طاعة الله، صابر عن المعصية، إذا رأى شيئاً حراماً غض بصره وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر مهما كانت الفتن داعية للإنسان، ومهما كان الشيطان يحركه ويدفعه إلى الخطأ، فالمؤمن يخاف من الله ويصبر على طاعة الله، ويصبر نفسه كما قال الله: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠].
إذاً: صبر على الطاعة، صبر عن المعصية.
كذلك يصبر على قضاء الله وقدره: فالمؤمن يصبر على البلاء، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] فالله يفتن المؤمن، ويختبره بشيء من البلاء ويذيقه، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، تنزل به المصيبة فلا يلطم خده، ولا يشق ثيابه ويحلق شعره، ولكنه يصبر ويتصبر ويقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، فهو يفوض الأمر لله ويتسلى بذلك.
ويقول: (إنا لله) أخذ مني مالي وسيأخذني، والمال مال لله، وأنا عبد لله سبحانه، فأنا لله وأنا راجع إليه، فهو يذكر نفسه، فالمؤمن يتصبر بذلك ويقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٦]، فيأتي الجزاء العاجل من الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧]، فالله يصلي عليهم ويرحمهم، ويثني عليهم ويمدحهم، ويجعلهم من الفائزين عنده، وأولئك هم المفلحون عند الله سبحانه وأهل التقوى.
فالصدق مع الله سبحانه والصبر على قضاء الله وقدره وعلى أوامره وعلى نواهيه، نسأل الله أن يجعلنا من من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2010
تفسير سورة الأحزاب الآية [٣٥]
ذكر الله سبحانه في سورة الأحزاب عشرة أصناف وعد الله بدخولهم الجنة ومغفرة ذنوبهم، ومنهم المتصدقون والمنفقون في سبيل الله، وقد حث الإسلام على الإحسان إلى الفقراء والمساكين ومراعاة أحوالهم.
стр. 2011
ذكر عشرة أصناف وعد الله سبحانه بدخولهم الجنة
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
يذكر الله في هذه الآية صفات ينبغي أن يتحلى بها كل إنسان مؤمن، وهي طاعة الله وطاعة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، والاتصاف بهذه الأوصاف العشرة التي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى قوله سبحانه: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] والناظر في هذه الآية يجد صفات بعضها أعلى من بعض، والمفترض أن تكون جميعها في كل إنسان مؤمن يخاف الله سبحانه ويرجو رحمته.
فمن يرد جنة الله فليتصف بذلك، أو ليكن فيه قدر عظيم من كل صفة.
стр. 2012
الصنف الأول والثاني المسلمون والمسلمات والمؤمنون والمؤمنات
فهو المسلم الذي دخل في دين الله وأظهر شعائره سبحانه، وهو المؤمن الذي في قلبه الإيمان الذي يحركه، ويدفعه إلى أن يأتي جميع وجوه الخير والبر والإحسان.
стр. 2013
الصنف الثالث القانتون والقانتات
وهو القانت لله سبحانه المذعن الخاشع له، وهو الذي يقوم في الصلاة باستقامة، فيتصل بربه سبحانه في صلاته، كما قال الله سبحانه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨].
стр. 2014
الصنف الرابع الصادقون والصادقات
الصادق مع نفسه، والصادق مع ربه، والصادق مع الخلق، فالصدق من الأمور الواجبة في دين الله ، ومن صحة إيمان الإنسان أن يكون صادقاً في إيمانه، وصادقاً في قوله: (لا إله إلا الله)، وصادقاً في حبه لله سبحانه وفي حبه لرسول الله ﷺ .
كذلك من الصدق أن يكون صادقاً مع نفسه وصادقاً مع الخلق، فلا يرائي ولا ينافق ولا يسمع بهتاناً ولا يقول شيئاً ويقصد شيئاً آخر إلا أن يكون في حرب ونحوه، كذلك لا يجادل الناس، فإذا أخطأ رجع على نفسه باللوم، ورجع إلى ربه بالتوبة، واعتذر لمن أخطأ في حقه.
والمؤمن الصادق لا يظهر شيئاً ويبطن خلافه؛ لأن صدق الكلام وصدق النية وصدق الإخلاص من علامات إيمان الإنسان الصادق مع ربه سبحانه.
стр. 2015
الصنف الخامس الصابرون والصابرات
قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] فهم صبروا على قضاء الله وقدره، وصبروا على أوامر الله فأطاعوه، وصبروا عن نواهي الله سبحانه فاجتنبوها، وانزجروا عنها وتركوها؛ لأنهم يخافون الله ، وإيمانهم ولد في قلوبهم الخشية التي تدفعهم للرضا بقضاء الله سبحانه وقدره، فالإنسان قد يحزن لنزول بلاء به ولا مانع من ذلك، وقد يبكي من ذلك ولا مانع من ذلك أيضاً، لكن أن يتضجر أو أن يتسخط على الله أو أن يتلفظ بما لا يليق فهذا الذي يمنع منه.
ومعلوم أن عين الإنسان تدمع، وقلبه يحزن، ولكن لسانه لا يتكلم إلا بما يرضي ربه ، كما قال النبي ﷺ ، وقد مات ابنه إبراهيم وهو ينظر إليه: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا سبحانه وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون).
فقوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] أي: أن يصبر المؤمن وأن تصبر المؤمنة على البلاء إذا نزل، فلا تصرخ المرأة المؤمنة ولا تنوح، ولا تشق الجيب من شدة المصيبة التي نزلت بها، بل تصبر وتتصبر؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة:٤٥].
فمن صفات الإنسان الخاشع أن يرجع إلى الله في مصيبته ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا يتكلم إلا بخير، فإذا وجد في نفسه شيء سكت عن الكلام وانتظر حتى يذهب عنه بعض ما هو فيه، ويشكر الله سبحانه ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
والصابر إن صبر على فقد قريب فله عند الله الأجر العظيم على صبره فقد يوفقه الله للقائه، فهو لا يدري متى يموت، وكم من إنسان فقد من يحبه ثم مات والتقى بمن يحبه؛ توفيقاً منه سبحانه؛ لذلك فالإنسان المؤمن يصبر لأمر الله .
وقد علم الإمام الشافعي ﵀ أن عبد الرحمن بن مهدي ﵀ توفي ابن له، وعلم أنه حزن على فراق ابنه، فأرسل الإمام الشافعي إليه يعزيه ويقول له ﵀: إني معزيك لا أني على طمع من البقاء ولكن سنة الدين فما المعزى بباق بعد صاحبه ولا المعزي وإن عاشا إلى حين فالإنسان إذا حزن على فراق حبيب له قد يموت بعده، والفرقة لن تكون طويلة جداً، وإن عاش في الدنيا وصبر فله الأجر عند الله سبحانه.
ونحن نعلم أن النبي ﷺ مات، ومات الصحابة الأفاضل رضوان الله عليهم، فلابد أن نجعل النبي ﷺ الأسوة الحسنة، ونقتدي به ﷺ ، فقد مات كل أولاده في حياته ﷺ عدا فاطمة رضي الله ﵎ عنها، ماتت بعده، فكانت من أعظم الصابرين بعد النبي صلوات الله وسلامه عليه، كيف لا وهي التي فقدت أمها وجميع أخواتها وإخوتها في حياتها ﵂، وقد أوذي النبي ﷺ بمكة وكان لا يجرؤ أحد أن يقرب منه وهو يؤذى من أهل مكة إلا فاطمة ﵂، فكانت تخرج لترفع عن أبيها صلوات الله وسلامه عليه ما ألقاه عليه الكفار من سلا بعير ونحوه، وترد عليهم وتشتمهم رضي الله ﵎ عنها.
فأي صبر أعظم من صبر السيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنها؟! هذه امرأة تقتدي النساء بها ﵂، لأنها اقتدت برسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
كذلك يصبر على الفتن التي يراها أمامه، ويواسي نفسه أنه غداً يلقى الله ، كما كان الصحابة يقولون: غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
وكل مصيبة لا بد أن تنقضي، فليس هناك شيء يدوم، فإما أن تزول المصيبة وإما أن يموت الإنسان ويستريح من الدنيا وما فيها، كذلك يستعين الإنسان على الصبر بكثرة قراءته لكتاب الله سبحانه وسنة النبي ﷺ .
стр. 2016
الصنف السادس الخاشعون والخاشعات
قوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] فيتعلم الإنسان الخشوع إذا قرأ القرآن، ويستحضر المعاني العظيمة والجليلة في كتاب الله ، وإذا قرأ القرآن بكى، فإن لم يبك تباك ويقتدي بفعل النبي ﷺ ، فإنه كان يقرأ القرآن ويسمع لصدره أزيز صلوات الله وسلامه عليه من بكائه وخوفه من الله .
ويفعل الإنسان ذلك شيئاً فشيئاً حتى يرق قلبه؛ بكثرة قراءته للقرآن، وقراءته لسنة النبي ﷺ ، وسيرته الطيبة العظيمة، وبكثرة استغفاره ربه ، فبذكر الله تطمئن القلوب وترق.
وإذا أراد الإنسان أن يخشع ويرق قلبه فليستشعر جلال الله سبحانه، وعظمته سبحانه، وينظر إلى الفقراء وإلى الأيتام ويمسح على رءوسهم، كما قال النبي ﷺ : (إن أردت أن يرق قلبك فاربت على رأس اليتيم).
والذي لا ينهر المسكين، ولا الأرملة، ولا ينهر الذي يطلب منه شيئاً من معونة ونحوها يرق قلبه، ويخشع لله .
والإسلام دين عمل وتطبيق، فتطبق ما يقوله الله سبحانه، ليس كلاماً فقط، فكم من إنسان يتكلم عن الرقة وعن الخشوع ولا يرق قلبه ولا يبكي من خشية الله ، وكم من إنسان يتكلم عن المساكين وعن الأيتام وعن الأرامل، فإذا جاءه المسكين أو اليتيم أو الأرملة نهره ولم يعطه شيئاً وقد يكون المال معه.
وأبأس من هذا البائس من يكون لديه مال لغيره فيبخل به عن اليتيم وعن المسكين وعن الأرملة وعمن يحتاج، بل محروم من خير الله سبحانه من يأتيه مسكين يطلب منه شيئاً وهو يقدر أن يعينه ويعلم أنه مسكين ويحرمه ولا يعطيه.
وأبأس من هذا من معه مال لغيره قد وكله في توزيعه على الفقراء، فيأتيه الفقير والمسكين فلا يعطيه شيئاً.
إن الخشوع والخوف من الله شيئان لا يقالان باللسان وإنما يخرجان من القلب ويصدقهما عمل الإنسان.
لقد أوقفتني هذه الآية مع شيء حدث، وهو أن جاءت امرأة مسكينة إلى المسجد وابنها محتاج إلى نقل دم وتقول: إن ابنها في القاهرة يريد أن يعمل عملية في القلب، وهي تحتاج إلى مال، فلم يعطها أحد شيئاً، وبعد أيام أعطاها أحد الإخوة مالاً لذلك، فلما جاء إليها مات ابنها، وجاءت تطلب كفناً من أحد يعينها.
فلم تجد أحداً في المسجد، ومن الناس من يقول لها: الأكفان في المخزن، لكن الأكفان كبيرة، فلم تجد كفناً على مقاسه؛ فحزنت جداً مما حدث، هذه امرأة وابنها ميت وتريد كفناً، فيقال لها: إن الأكفان الموجودة في المسجد كبيرة، وهذه مأساة، فقد كان بإمكانها أن تأخذ كفناً كبيراً وتقصه وترمي ما بقي منه بعيداً أو تتصدق به.
فلابد للإنسان أن ينظر للفقير ويضع نفسه مكانه، فالطبيب الجراح قد تعود على أن يعمل عمليات جراحية؛ لذلك فإن قلبه شديد.
وكذلك الإنسان الذي يتعامل مع الفقراء والمساكين فمن كثرة تعوده على أن يأتي الفقراء والمساكين إليه يصبح الأمر بالنسبة له سهلاً، فأين رقة القلب؟ وأين الخوف من الله سبحانه.
لكن إذا جاء الفقير أو المسكين الذي يكذب على الناس فجزاء أمثال هؤلاء أن لا أحد يعطيهم شيئاً، لكن الإنسان الذي ابنه في المستشفى وهو مريض محتاج ولا يسأل الناس فهذا الذي يستحق أن يعطى.
وإذا مات إنسان فإن تكفينه ودفنه فرض كفاية، وإذا لم يقم به أحد أثم الجميع، وإذا لم يكن هناك مقبرة فلابد أن يتعاون الجميع على دفنه وإلا يأثم الجميع على ذلك؛ لأن هذه من فروض الكفاية التي تدرس في أحكام الجنائز.
ولا يستحق الإعانة من يقف على باب المسجد، فهم كذابون وأدعياء، وقد يكونون خاطفين للأطفال، فمثل هؤلاء لا نساعدهم.
ومن الناس من يدافع عنهم، وهل يدافع عن إنسان تارك للصلاة؟! حيث إن الناس يصلون وهو واقف خارج المسجد لا يصلي، وينتظر الناس حتى إذا أتموا الصلاة أخذ يطلب منهم، فليس هذا المسكين الذي نقصده، إنما المسكين والفقير هو الإنسان المحتاج الذي تعرفه، قال تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:٢٧٣] ولقد رأيت امرأة مسكينة جاءت تطلب وهي تحكي قصتها، وبجوارها أحد الإخوة الأفاضل يسمع قصتها ويبكي لبكائها.
فأنت تتقرب إلى الله بإعانة هؤلاء، وتطلب الجنة من الله بهم فلا يكن قلبك قاسياً، إذا جاءك الفقير لا تعطيه شيئاً، فإن هذا لا يليق أبداً ولا نحب أن نسمع مثل هذا أبداً.
وكم من إنسان كان يطلب من الناس وصار مليونيراً بعد ذلك، والله أعلم متى تتقلب الموازين؛ لذلك فإن رقة القلب وخشوعه يدفع الإنسان للعمل، ويدفعه إلى أن يشفق على المحتاج.
стр. 2017
الصنف السابع المتصدقون والمتصدقات
فقوله تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] عقبها الله بقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] فلن يتصدق الإنسان إلا إذا كان في قلبه الخشوع لله سبحانه والخوف من العذاب ومن العقوبة ومن السؤال يوم القيامة.
ومن الأسئلة يوم القيامة: جاءك فلان يطلب منك كذا فلم تعطه، وطلب فلان منك كذا فلم تعطه، ومرض عبدي فلان فلم تعده، ومات فلان فلم تصل عليه، فماذا يكون الجواب على ذلك؟ فأعدوا للسؤال جواباً واحذروا من غضب الله ، واخشعوا لله كما أمر.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2018
تفسير سورة الأحزاب [٣٦ - ٣٧]
كان التبني عادة جارية في أوساط المجتمع الجاهلي، وقد استمرت حتى بزغ نور الإسلام، وما إن نزل تحريم التبني حتى امتثل الرسول والصحابة لأمر ربهم جل في علاه، وتزوج النبي ﷺ بزينب التي كانت زوجاً لزيد بن حارثة، والذي كان النبي ﵊ قد تبناه.
стр. 2019
تفسير قوله تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم)
стр. 2020
تقديم اختيار الله ورسوله على اختيار العبد لنفسه
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا * وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٦ - ٣٧].
يذكر الله في هاتين الآيتين من سورة الأحزاب: أنه لا ينبغي لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله ﷺ أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم.
فالله أعلم بخلقه سبحانه، ويختار لهم الخير، فلا اختيار للعبد على ما اختاره الله سبحانه.
كذلك: النبي صلوات الله وسلامه عليه لا ينطق عن الهوى وإنما يتكلم بوحي من الله ﵎، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا اختار النبي ﷺ لمؤمن أو لمؤمنة أمراً من الأمور لم يكن لهم أن يختاروا بعد اختياره صلوات الله وسلامه عليه.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦]، ووصفهم في هذه الآية بالإيمان لتهييج باعث الإيمان في قلب الإنسان.
فالإنسان المؤمن هو الذي يستجيب لله وللرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويعلم أن ما اختاره الله واختاره الرسول ﵊ له خير مما اختاره هو لنفسه.
فذكر الله المؤمن والمؤمنة وكان من الممكن أن يقول: (وما كان لمؤمن إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون له الخيرة) ويكون ذكر المؤمن مغنياً عن ذكر المؤمنة، ولكن حتى لا يظن أن هذا للمؤمن الذكر دون الأنثى، فنص على الاثنين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ...﴾ [الأحزاب:٣٥] إلى آخر الآية.
فالله ويذكرنا بأن ما اختاره لنا خير مما اخترناه لأنفسنا، وما اختاره الرسول ﷺ لنا خير مما نختاره لأنفسنا إن كنا مؤمنين.
قال تعالى: ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ﴾ [الأحزاب:٣٦] وهذه قراءة الجمهور.
أما نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر فيقرءون: (أن تكون لهم الخيرة من أمرهم).
يعني: ليس لهم اختيار في أمرهم بعد اختيار الله ورسوله ﵊.
стр. 2021
سبب نزول الآية
نزلت هذه الآية في سببين: في السيدة زينب بنت جحش ﵂، ونزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
والسيدة زينب بنت جحش أراد النبي ﷺ تزويجها من زيد بن ثابت، فكرهت ذلك وكره أخوها ذلك، فقد نظرت إلى نفسها أنها بنت عمة النبي ﷺ ، فأمها هي عمة النبي ﷺ فهي شريفة من آل بيت النبي ﷺ ، فكيف تتزوج من زيد بن حارثة ﵁ وهو مولى.
وقد كان عبداً عند السيدة خديجة أهدته للنبي ﷺ ثم أعتقه النبي ﷺ ومنّ عليه بالعتق ثم تبناه صلوات الله وسلامه عليه قبل أن يحرم الله التبني؟ فأراد النبي ﷺ أن يزوج زيداً من زينب بنت جحش ﵂، فأبت زينب ذلك وجاء القرآن يخبر أنه إذا اختار النبي ﷺ شيئاً لا بد وأن يكون ما اختاره ﵊، هذا سبب من أسباب نزولها.
السبب الآخر هو في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فقد وهبت نفسها للنبي ﷺ ليتزوجها، فاختار النبي ﷺ لها غيره، فإذا بها لا تريد ذلك وكرهت وكره أخوها أيضاً أن تتزوج غير النبي ﷺ ، فجاءت الآية تعلمهم أن اختيار النبي ﷺ لهم هو خير من اختيارهم لأنفسهم، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦].
فإن كان سبب النزول خاصاً في أمر النكاح ولكنه عام، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
فعموم اللفظ: أي اختيار يختاره النبي ﷺ للمؤمنين في أمر حياتهم، أو في أمر جهادهم ومغازيهم، أو في أمر عملهم، وفي أي أمر من الأمور، فالخير للناس أن يتبعوه ﵊.
стр. 2022
معنى قوله: (ومن يعص الله ورسوله)
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦].
﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا﴾ [الأحزاب:٣٦] أي: إذا أمر بأمر من الأوامر.
﴿وَمَنْ يَعْصِ﴾ [الأحزاب:٣٦] فدل على أنه لا يجوز عصيانه، وهذه قاعدة يضعها الكثير من الأصوليين: أن الأمر على الوجوب، فإذا أمر الله والرسول ﷺ فليس لهم أن يختاروا، بل إنه من اللازم عليهم أن ينفذوا الأمر فإنهم إذا لم ينفذوا فقد عصوا.
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٣٦] فالذي يعصي أمر الله وأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه فقد عصى، وهذا دليل على أن الأمر يدل على الوجوب، فإذا أمر الله ورسوله ﷺ أمراً فالأصل فيه أنه واجب التنفيذ إلا أن تأتي قرينة تصرف هذا الأمر عن الوجوب إلى الاستحباب، كأن يأمر النبي ﷺ بفعل شيء ثم يخالفه أحياناً، فهذه قرينة تدل على أن الأمر على الاستحباب، وإلا لما خالفه النبي ﷺ وتركه أحياناً.
стр. 2023
تفسير قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك)
стр. 2024
قصة زواج زيد من زينب بنت جحش
قال الله بعد ذلك: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧].
(إذ تقول) أي: اذكر إذ تقول.
﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] وهو زيد بن حارثة رضي الله ﵎ عنه وهو الاسم الوحيد الذي ذكر في القرآن من أسماء غير الأنبياء، وكأنه ذكر مكافأة لـ زيد رضي الله ﵎ على صبره وعلى تنفيذه أمر الله سبحانه وأمر النبي ﷺ ، وعلى أنه أخذ منه شيء فعوض بما هو خير منه رضي الله ﵎ عنه.
وزيد كما ذكرنا كان عبداً أعتقه النبي ﷺ وتبناه في قصة ذكرناها قبل ذلك.
وبعد أن حرم الله التبني رجع نسبه إلى آبائه ﵁، فـ زيد أنعم الله عليه بنعمة الإيمان، وأنعم عليه النبي ﷺ بنعمة العتق، وأنه تبناه ﵊، فحصل على نعمة من الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧] فزوج النبي ﷺ زيداً من زينب بنت جحش، وعلم الله سبحانه أن النبي ﷺ يفعل ذلك، ورضي الله ﵎ عن ذلك، فأبت وتضايقت من ذلك فنزلت الآية تؤدب وتهذب الجميع فرضيت، ولكن في معيشتها معه كانت لا تحب عشرته، فكانت تتعالى عليه وتعيره أنه كان عبداً، فضايقه هذا الأمر حتى كاد أن يطلقها، فذهب للنبي ﷺ يستأذنه؛ لأنه هو الذي زوجها إياه، فأوحى الله ﵎ للنبي ﷺ أنه سيكون ذلك، وأن زيداً سيطلق امرأته وستكون زوجتك.
فاستحيا النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يخبر زيداً أنه سيطلقها في يوم من الأيام وسيتزوجها النبي ﷺ ، فكتم ﵊ هذا الشيء في نفسه، فهو لم يكتم أمراً أمر بتبليغه، وحاشاه صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كتم شيئاً يخصه هو، فكان ﵊ يقول لـ زيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧] وهذا من حيائه ﵊.
فإذا بالقرآن ينزل عليه ﷺ يقول له: لا تستحي، فهذا أمر ليس فيه حياء وإحراج لك، فقد أبحنا لك ذلك، والأمر الذي يحرجك أن تخالف أمر الله ، وأنت لم تخالف فلا حرج عليك في هذا الشيء، فهو سيطلقها وأنت ستتزوجها.
فجاءه زيد فقال له ﵊: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧] فإنه يسن لنا من السنن: أن الإنسان إذا جاءه آخر يشكو إليه امرأته يريد طلاقها، أن نقول له: اصبر، واتق الله، وأمسك عليك زوجك.
فقال النبي ﷺ ذلك لـ زيد رضي الله ﵎ عنه وسن للناس أن يذكر بعضهم بعضاً، وألّا يعين بعضهم بعضاً على الطلاق من أول مرة.
والغرض: أن النبي ﷺ أخبره ربه بذلك ونزل في القرآن هذه الآية: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] وانظر كيف يخاطب الله نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه.
فالله له فضل عليكم جميعاً، وأنت لك فضل على هذا الإنسان، فبدأ يكلم النبي ﷺ ويعاتبه ويبدأ بذكر نعمة النبي ﷺ على زيد رضي الله ﵎ بعد نعمة الله عليه.
стр. 2025
عتاب الله لنبيه في إخفاء أمر الزواج من زينب
قال تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: أخفى أن الله أوحى إليه أن زيداً سيطلقها، وأنت ستتزوجها، وجاءه زيد يقول: أنا أريد أطلقها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧]، وهو في نفسه يعلم أنه سيطلقها وستكون زوجة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
وبين الله سبب إخفاء النبي ﷺ ذلك؛ قال الله : ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ [الأحزاب:٣٧] فيعلمه ويعلم المسلمين أنه لا حرج عليك في ما أباحه الله لك، حتى وإن كان الناس ينتقصونك في ذلك، فالأمر الذي يجب أن يضايقك ويضرك هو الذي يكون في غضب الله سبحانه.
أما إذا كان في طاعة الله فلا حرج فيه ولا تحرج أبداً من تنفيذ أمر الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: أن الله أحق أن تستحيي منه، فلا تستحي من الخلق في طاعة الله سبحانه، وأطع ربك ﵎ ولا تتحرج من الناس فلا قيمة لرأي الناس إن خالفوا الله ﵎.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: تزوجها ودخل بها وقضى منها حاجته ثم تعالت عليه فكره البقاء معها، قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧].
فأصبح الأمر بالزواج بالسيدة زينب بنت جحش من عند الله ﵎، وعوض زيداً عن فقدانه امرأته بهذه الآية الكريمة أن ذكر اسمه فيها، بل وفيها بشارة لـ زيد بأنه من أهل الجنة رضي الله ﵎ عنه.
وقد قتل شهيداً في غزوة مؤتة رضي الله ﵎ عنه مع جعفر بن أبي طالب بن عم النبي ﷺ ومع عبد الله بن رواحة شاعر رسول الله ﷺ .
стр. 2026
جواز زواج الرجل بزوجة متبناه إذا طلقها
قال الله : ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧].
وفي هذه الآية تعليل آخر وبيان سنة من سنن الله ﵎، فقد كانوا يدعون في الجاهلية التبني، كأن يتبنى الرجل إنساناً ويقول: أنت ابني وأنا أبوك ترثني وأرثك، أنت مني وأنا منك، مع أنه ليس منه، فلم يزل هذا الشيء حتى جاء الإسلام.
فكان من حكمة الله سبحانه أن يتبنى النبي ﷺ زيداً، ثم تنزل الآية تنهى عن ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] فكان النبي ﷺ أول من نفذ ذلك، على الرغم من أن النبي ﵊ كان يحب زيداً حباً شديداً وزيد فضل النبي ﷺ على أبيه وعلى أخيه وعلى عمه، فقد جاء أهله يبحثون عنه وعلموا أنه في مكة عند النبي ﷺ فجاءوا يطلبون ابنهم وذهبوا للنبي ﷺ وقالوا: ندفع لك الذي تريد وتعطينا ابننا، فيقول النبي ﷺ : (أو خيراً من ذلك؟) أي: أعطيكم خيراً من ذلك؟ (فقالوا: وما هو؟ قال: يختار زيد، فإن اختاركم فخذوه، وإن اختارني فما أنا بالذي يختار على من اختاره) فجاء زيد وأبوه يبكي عليه وعمه يطلبه وأخوه كذلك وزيد يقول: لا أختار على النبي.
وأهله كانوا كفاراً ومع ذلك فرحوا بأن زيداً طلب النبي ﷺ ومكث عنده ورجعوا مسرورين بذلك، فصار ابناً للنبي ﷺ بالتبني، فنزل القرآن يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥] فلا يجوز لكم التبني، فأول من ترك ذلك كان النبي ﷺ ، فرجع زيد إلى اسمه، فقد كان يطلق عليه زيد بن محمد فرجع إلى زيد بن حارثة رضي الله ﵎ عنه.
والغرض: أن الله سبحانه ذكر في هذه الآية: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧] قال: أدعيائهم، ولم يقل: أبناءهم لأنههم ليسوا أبناءهم، فكان الكفار إذا حدث منهم مثل هذا الشيء يعيرون من يحدث له ذلك ويقولون: تزوج زوجة ابنه أو دعيه، فلما نزلت هذه الآية إذا بالله يقول: لا حرج في أن يتزوج الإنسان زوجة من كان قد تبناه إذا طلقها، كما جاز للنبي صلوات الله وسلامه عليه أن يتزوج من السيدة زينب ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٧] أي: إذا قضى الله شيئاً لا بد وأن يكون.
ونرى في هذه الآية: أن الله سبحانه لما أمر النبي ﷺ بالزواج من السيدة زينب كان السفير بينه وبينها زيد رضي الله ﵎ عنه، فصارت عظيمة في نظر زيد، وكان يقول زيد ﵁: ما أجد في نفسي، قال: فذهبت ووليتها ظهري توقيراً للنبي ﷺ وخاطبتها ففرحت، وإذا بها ترد الفضل إلى الله سبحانه وتقول: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، فأصلي لله وهو يأمرني بما يشاء سبحانه، فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن فتزوجها النبي ﷺ ودخل بها.
فصنعوا وليمة الزفاف وصارت زوجة للنبي ﷺ وأماً للمؤمنين بما فيهم زيد الذي كان زوجها يوماً من الأيام وعوضه الله عن ذلك بأن ذكره في القرآن وذكر نعمته عليه.
نسأل الله من فضله ونعمه العظيمة إنه جواد كريم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2027
تفسير سورة الأحزاب الآية [٤١]
رغب الإسلام في المداومة على الذكر، فالذاكر يتحصن بالذكر من الوقوع فيما يغضب الله ، وكلما ازداد الإنسان ذكراً ازداد قرباً من الله فيأنس بربه سبحانه، وذكر الله يكون في الرخاء والشدة، والصلاة على النبي ﷺ من الذكر.
стр. 2028
فضل الذكر
стр. 2029
ذكر الله سبب للقرب من الله
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤١ - ٤٤].
يأمر الله المؤمنين في هذه الآيات بأن يكثروا من ذكر الله ، وقد ذكر الله فيما سبق من الآيات عشر صفات للمؤمنين والمؤمنات بدأها بقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥] وانتهى بأعلى الدرجات فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥].
فكلما ازداد الإنسان ذكراً لله، ازداد قرباً من الله سبحانه، فإذا كان ذكر الإنسان ربه قليلاً ابتعد شيئاً فشيئاً حتى ينسى الذكر وحتى يأتيه الشيطان فيتسلط عليه.
إن ذكر الله يطرد الشيطان، وذكر الله يجعل الإنسان يخاف من الله، فيخاف من المعاصي، فإذا وقع في معصية سارع وبادر إلى التوبة إلى الله سبحانه.
وإذا أراد أن يقع في فاحشة ذكر الله فاستغفر، وتاب، ورجع، وأناب، وامتنع من الوقوع في المعصية، وفيما يغضب الله .
وقد أمرنا الله سبحانه بذكره كثيرا، فذكر الله سبحانه هو الأنيس للإنسان المؤمن، فلا يجعله يستوحش أبدا ما دام مع الله .
فالإنسان الذي يركن إلى الناس، ويستأنس بهم، سرعان ما يفارقونه، لسبب أو لغير سبب، فيستوحش، أما الذي يأنس إلى الله فلا يهتم لذلك، سواء كان الناس كثيرين معه أو كانوا قليلين، فهو لا يهتم لأمر الناس، إنما يهتم لأمر دينه ولأمر ربه سبحانه.
стр. 2030
قراءة القرآن ذكر لله
والقرآن كتاب الله أعظم ذكر، وخير جليس لا يمل حديثه، والإنسان الذي يجالس القرآن لا يمل أبداً من ذكر الله سبحانه، ومن تلاوة كتابه الذي فيه نبأ من قبلنا وخبر ما بعدنا، وفيه قصص يقصها الله علينا؛ لتكون لنا عبرة وذكرى، وفيه أحكام الله سبحانه، وفيه ذكر الجنة، وذكر النار، وذكر الأنبياء، وصبرهم عليهم الصلاة والسلام، وفيه شريعة الله ﵎، والحرف منه بعشر حسنات، ويضاعف الله لمن يشاء من فضله سبحانه.
فهذا القرآن العظيم لا يمل الإنسان من ترداده، ومن ذكره، ومن قراءته ومن سماعه، فهنا يأمرنا الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١] أي: تذكره بكل وجه من وجوه ذكر الله ﵎، فإذا كنت في الصلاة فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر.
ونحن نعلم أن الله فرض خمس صلوات في اليوم والليلة، تنهى الإنسان عن الفحشاء والمنكر، ولكن ذكر الله يكون في الصلاة وفي غير الصلاة، فهو يستوعب اليوم كله، فالذاكر ربه سبحانه مستحيل أن يترك الصلاة، فهو عندما يصلي يذكر الله، وعندما يخرج من الصلاة فيختم صلاته يذكر الله، وعندما يخرج من بيته إلى الطريق يذكر الله، وعندما يدخل بيته يذكر الله، وعندما يقوم أو ينام، يذكر الله سبحانه، فهو لا يمل من ذكر الله، بل يستمتع ويستعذب ذكر الله ، يستعذب ذكر الله حين يأكل ويشرب، وحين ينام أو يستيقظ من نومه، وحين يذهب إلى السوق، وحين يقضي حاجته، وحين يلقى أخاه المسلم فيسأله عن حاله مع ربه سبحانه، فالإنسان المؤمن ذاكر لله أبداً، وهو مستمتع بذلك.
стр. 2031
ذكر الله لمن يذكره
والله سبحانه يذكر ذاكره، قال الله سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
ويقول النبي ﷺ : (من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه) فتذكر الله سبحانه في نفسك كي يذكرك، ولا ينسى ربك أحداً، وتذكر الله إذا كنت في ملأ، كأن تكون في حديث مع قوم فتقول: تعالوا نذكر الله ، ونتدارس آيات من كتابه، أو تعالوا نتكلم عن أمر من أمور ديننا، نتفقه فيه، فإذا ذكرت الله في مجموعة ذكرك الله في ملأ من الملائكة خير من الذين أنت فيهم، وكلما زادت الجماعة زاد الله من خيره ومن فضله.
وإذا تذكرت الله فإنه يعصمك ، فالذي يكثر من ذكر الله، وسؤاله، ودعائه في السراء وفي الرخاء، هذا جدير أن يستجيب الله له في وقت البلاء والضراء؛ لأنه اعتاد أن يذكر الله، فهو لا يذكر الله في وقت البلاء فقط، بل هو في وقت الرخاء ذاكر لله، ومستأنس بذكره، فهو متشبه بأهل الجنة، فهم يستعذبون بالتسبيح والتحميد وذكر الله، ويلهمون ذلك كما يلهم الإنسان النفس، انظر إلى نفسك الذي يتردد في داخلك، فأنت تستمتع بأنك تتنفس، وانظر حينما يصيبك زكام وأنفك ينسد كيف يكون حالك؟ فأهل الجنة يلهمون ذكر الله، ويلهمون التسبيح والتحميد كما نلهم نحن في الدنيا النفس، حيث إن النفس يتردد، ويمكن أنك لا تنتبه للنفس الذي يخرج ويدخل إلا عندما يكتم عنك النفس.
فأنت مستمتع بأن تشم رائحة طيبة، وتستمتع بالنفس الذي يملأ صدرك، كذلك أهل الجنة يستمتعون بذكر الله ، فالمؤمن في الدنيا يتشبه بأهل الجنة، وقد قال الله النبي ﷺ : (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، أي: وهو معهم، فذاكر الله يتشبه بأهل الجنة في الإكثار من ذكر الله سبحانه: مسبحاً، حامدا، مهللاً، مكبراً، فيذكر الله فيقرأ القرآن، ويذكره فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويذكره في كل حال.
стр. 2032
ندم المرء على مجلس لم يذكر الله فيه
فذكر الله أعظم من أي شيء، قال الله سبحانه آمراً المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا﴾ [الأحزاب:٤١] أي: أكثروا من الذكر، فجاء بالمفعول المطلق للتأكيد، ووصفه للتبيين ولشدة التأكيد على ذلك، حتى تهتم لذكر الله سبحانه، وحتى لا تضيع الوقت في غير ذكر الله، قال رسول الله ﷺ : (ما من مجلس يجلسه اثنان فأكثر لا يذكرون الله فيه ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة) أي: كان عليهم حسرة، فكل مجلس يجلس فيه الناس لا يذكرون الله كان عليهم حسرة يوم القيامة، فإذا كان الشخص يقول: تعال نتحدث عن الكرة، أو نتحدث عن المباراة، أو نتحدث عن الممثلين، أو نتحدث عن الأغاني، أو عن دنيا، فإذا جاءوا يوم القيامة فيتذكرون هذا المجلس، كان عليهم هذا المجلس حسرة، كأنهم قاموا عن قتيل قتل لهم، فانظر إلى حزن الإنسان حين يصل إليه خبر قتل فلان، فإنه يصاب بالحسرة والكمد والغيظ، كذلك هذا حاله مع نفسه يوم القيامة حين يتذكر: ما الذي جعلني أجلس مجلساً لا أذكر الله فيه، لو كنت أذكر الله من قبل لنفعني هذا الذكر لله .
وأيضاً في الحديث الآخر: (ما من قوم يجلسون في مجلس ثم يقومون عنه ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي ﷺ إلا وقد قاموا عن مثل جيفة حمار) كأنهم جلسوا على وليمة، والوليمة التي جلسوا عليها يأكلون منها حماراً ميتاً منتناً.
فإذا ذكر الإنسان المؤمن ذلك كان الشاغل الأكبر له هو ذكر الله ، فيذكره في كل حاله، فإذا ذكرت الله فالله معك، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
فالله سبحانه مع المؤمن التقي، فهو يذكره سبحانه، وينصره، ويؤيده، قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
فأنت إذا ذكرت الله ذكرك الله، فإذا ذكرك الله كان الخير كله لك من فضله ، والذي يذكر الله ربه سبحانه فلا يستوحش من الدنيا طالما أن الله معه، يذكر الله سبحانه، ولا يحب أن يضيع وقته في غير ذكر الله سبحانه وفي غير الصلاة على النبي ﷺ .
فإذا كنت تمشي في الطريق وستصل إلى بيتك في خمس دقائق أو في عشر دقائق، فمن الممكن لك أن تقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات أو أكثر فتبني لك قصراً في الجنة؛ لأن من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، عشر مرات يبنى له بيت في الجنة، فعندما تقرأ سورة الإخلاص مرة أخرى عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة، أليس من الخسارة أن نضيع الوقت في اللهو وفي الكلام الذي لا ينفع، وفي الغيبة، والنميمة، وقول الزور، ولا نستغل وقتنا في ذكر الله ﵎.
стр. 2033
الفرق بين صلاة الله وصلاة المؤمن وصلاة الملائكة
стр. 2034
مضاعفة الأجر لمن صلى على رسول الله
إن من الفضائل التي حث عليها الإسلام الصلاة على النبي ﷺ ، قال ﷺ : (من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا) >والصلاة على النبي ﷺ أن تقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
فإذا صليت واستمتعت بالصلاة على النبي ﷺ فالله يصلي عليك بكل مرة عشر مرات، أي: يرحمك، ويثني عليك عشر مرات، فإذا أكثرت كان من الله أكثر وأكثر، ويبلغ نبيه ﷺ أن فلاناً يصلي عليه، فتكون كلما أكثرت من الصلاة على النبي ﷺ يوم القيامة قريباً منه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنك أكثرت من الصلاة عليه.
وجاء في الحديث أن أبي بن كعب سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أكثر من الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: الدعاء، فقال النبي ﷺ : ما شئت، وما زدت فهو خير لك، فقال له: أجعل لك الربع من دعائي؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك دعائي كله، فقال ﷺ : إذاً يغفر لك ذنبك، وتكفى ما أهمك) أي: يكفيك الله كل هم من الهموم، ويغفر لك ذنبك أيضاً بهذا الفعل.
فانظروا إلى عظمة الله وكرمه سبحانه على عباده الذين يذكرونه، ويصلون على النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2035
الصلاة على النبي ﷺ ذكر لله
إن الصلاة على النبي ﷺ هي ذكر لله ، فإذا قلت: اللهم يا رب صل على نبيك ﷺ ! سألت الله فذكرته، ودعوت لنبيك ﷺ بأن يصلي عليه ربه سبحانه، فكان ذكراً لله، وعندما تصلي على النبي ﷺ تحصل على الأجر العظيم، وكذلك عندما تسبح الله وتحمده وتهلله وتكبره يكون لك الأجر العظيم، وكلما عرفت الثواب في ذكر الله سبحانه ازددت حرصاً على ألا تفرط وألا تضيع ذلك، وألا تتلهى عنه بشيء كائناً ما كان.
وإن من ذكر الله عقب الصلاة أنك إذا قرأت آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعك من دخول الجنة إلا أن تموت، فإذا مت على ذلك، فهو فضل عظيم من الله لك.
وإن كنت تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة، يكتب الله لك مائة حسنة، ويمح عنك مائة سيئة، ويكن لك عدل عشر رقاب، أي: كأنك أعتقت عشرة من العبيد، ويكن لك حرزاً من الشيطان يومك حتى تمسي.
وإذا كنت ذاهباً إلى السوق، فقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وكل ذلك في نصف دقيقة، فإن لك أجر مليون حسنة، أي: ألف ألف حسنة عند الله في هذا الذكر.
فلو كان على لسانك ذكر الله حين تذهب إلى السوق وحين ترجع منه، حين تمر على الناس، وحين تسلم على المسلمين، وحين توقظهم من غفلتهم لكان لك الأجر العظيم من الله سبحانه، فلا تتكبر على الخلق، إذا مررت على الناس فسلم عليهم، وقل: السلام عليكم ورحمة الله، سواء ردوا عليك أو لم يردوا عليك، فقد تمر على أناس لا يردون السلام، فلا تمتنع من إلقاء السلام، بل ذكرهم، وأيقظهم من غفلتهم، فإذا ردوا عليك كان الأجر لك ولهم، وإذا لم يردوا عليك السلام فالملائكة ترد عليك، وفضل الله عظيم، وكرمه واسع ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١].
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢] البكور: أول النهار، والعشي: آخر النهار، والآصال: قبل دخول الليل وعند دخول الليل، والمعنى: أنك دائماً تذكر الله في أول النهار، وفي آخر النهار، وبين الاثنين، أي: اذكروا الله دائما، ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، وسبحوه سبحانه، أي: قولوا: سبحان الله، نزهوه عن كل عيب وعن كل نقص، .
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣]؛ لأنه هو سبحانه المستحق لذلك، فاذكروه يذكركم ، واشكروه يزدكم من فضله، ولا تنسوا أنه هو الذي يثيبكم وهو الذي يرحمكم سبحانه، وهو الذي يثني عليكم عند ملائكته، وهو الذي يصلي عليكم، وكذلك ملائكته سبحانه.
следующие страницы →