Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2031–2070 · переход к 2036.
стр. 2031
ذكر الله لمن يذكره
والله سبحانه يذكر ذاكره، قال الله سبحانه: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢].
ويقول النبي ﷺ : (من ذكر الله في نفسه ذكره الله في نفسه، ومن ذكر الله في ملأ ذكره الله في ملأ خير منه) فتذكر الله سبحانه في نفسك كي يذكرك، ولا ينسى ربك أحداً، وتذكر الله إذا كنت في ملأ، كأن تكون في حديث مع قوم فتقول: تعالوا نذكر الله ، ونتدارس آيات من كتابه، أو تعالوا نتكلم عن أمر من أمور ديننا، نتفقه فيه، فإذا ذكرت الله في مجموعة ذكرك الله في ملأ من الملائكة خير من الذين أنت فيهم، وكلما زادت الجماعة زاد الله من خيره ومن فضله.
وإذا تذكرت الله فإنه يعصمك ، فالذي يكثر من ذكر الله، وسؤاله، ودعائه في السراء وفي الرخاء، هذا جدير أن يستجيب الله له في وقت البلاء والضراء؛ لأنه اعتاد أن يذكر الله، فهو لا يذكر الله في وقت البلاء فقط، بل هو في وقت الرخاء ذاكر لله، ومستأنس بذكره، فهو متشبه بأهل الجنة، فهم يستعذبون بالتسبيح والتحميد وذكر الله، ويلهمون ذلك كما يلهم الإنسان النفس، انظر إلى نفسك الذي يتردد في داخلك، فأنت تستمتع بأنك تتنفس، وانظر حينما يصيبك زكام وأنفك ينسد كيف يكون حالك؟ فأهل الجنة يلهمون ذكر الله، ويلهمون التسبيح والتحميد كما نلهم نحن في الدنيا النفس، حيث إن النفس يتردد، ويمكن أنك لا تنتبه للنفس الذي يخرج ويدخل إلا عندما يكتم عنك النفس.
فأنت مستمتع بأن تشم رائحة طيبة، وتستمتع بالنفس الذي يملأ صدرك، كذلك أهل الجنة يستمتعون بذكر الله ، فالمؤمن في الدنيا يتشبه بأهل الجنة، وقد قال الله النبي ﷺ : (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، أي: وهو معهم، فذاكر الله يتشبه بأهل الجنة في الإكثار من ذكر الله سبحانه: مسبحاً، حامدا، مهللاً، مكبراً، فيذكر الله فيقرأ القرآن، ويذكره فيأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويذكره في كل حال.
стр. 2032
ندم المرء على مجلس لم يذكر الله فيه
فذكر الله أعظم من أي شيء، قال الله سبحانه آمراً المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا﴾ [الأحزاب:٤١] أي: أكثروا من الذكر، فجاء بالمفعول المطلق للتأكيد، ووصفه للتبيين ولشدة التأكيد على ذلك، حتى تهتم لذكر الله سبحانه، وحتى لا تضيع الوقت في غير ذكر الله، قال رسول الله ﷺ : (ما من مجلس يجلسه اثنان فأكثر لا يذكرون الله فيه ولا يصلون على النبي ﷺ إلا كان عليهم ترة يوم القيامة) أي: كان عليهم حسرة، فكل مجلس يجلس فيه الناس لا يذكرون الله كان عليهم حسرة يوم القيامة، فإذا كان الشخص يقول: تعال نتحدث عن الكرة، أو نتحدث عن المباراة، أو نتحدث عن الممثلين، أو نتحدث عن الأغاني، أو عن دنيا، فإذا جاءوا يوم القيامة فيتذكرون هذا المجلس، كان عليهم هذا المجلس حسرة، كأنهم قاموا عن قتيل قتل لهم، فانظر إلى حزن الإنسان حين يصل إليه خبر قتل فلان، فإنه يصاب بالحسرة والكمد والغيظ، كذلك هذا حاله مع نفسه يوم القيامة حين يتذكر: ما الذي جعلني أجلس مجلساً لا أذكر الله فيه، لو كنت أذكر الله من قبل لنفعني هذا الذكر لله .
وأيضاً في الحديث الآخر: (ما من قوم يجلسون في مجلس ثم يقومون عنه ولم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي ﷺ إلا وقد قاموا عن مثل جيفة حمار) كأنهم جلسوا على وليمة، والوليمة التي جلسوا عليها يأكلون منها حماراً ميتاً منتناً.
فإذا ذكر الإنسان المؤمن ذلك كان الشاغل الأكبر له هو ذكر الله ، فيذكره في كل حاله، فإذا ذكرت الله فالله معك، والله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨].
فالله سبحانه مع المؤمن التقي، فهو يذكره سبحانه، وينصره، ويؤيده، قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب:٣٥].
فأنت إذا ذكرت الله ذكرك الله، فإذا ذكرك الله كان الخير كله لك من فضله ، والذي يذكر الله ربه سبحانه فلا يستوحش من الدنيا طالما أن الله معه، يذكر الله سبحانه، ولا يحب أن يضيع وقته في غير ذكر الله سبحانه وفي غير الصلاة على النبي ﷺ .
فإذا كنت تمشي في الطريق وستصل إلى بيتك في خمس دقائق أو في عشر دقائق، فمن الممكن لك أن تقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات أو أكثر فتبني لك قصراً في الجنة؛ لأن من قرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، عشر مرات يبنى له بيت في الجنة، فعندما تقرأ سورة الإخلاص مرة أخرى عشر مرات يبنى لك بيت في الجنة، أليس من الخسارة أن نضيع الوقت في اللهو وفي الكلام الذي لا ينفع، وفي الغيبة، والنميمة، وقول الزور، ولا نستغل وقتنا في ذكر الله ﵎.
стр. 2033
الفرق بين صلاة الله وصلاة المؤمن وصلاة الملائكة
стр. 2034
مضاعفة الأجر لمن صلى على رسول الله
إن من الفضائل التي حث عليها الإسلام الصلاة على النبي ﷺ ، قال ﷺ : (من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا) >والصلاة على النبي ﷺ أن تقول: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
فإذا صليت واستمتعت بالصلاة على النبي ﷺ فالله يصلي عليك بكل مرة عشر مرات، أي: يرحمك، ويثني عليك عشر مرات، فإذا أكثرت كان من الله أكثر وأكثر، ويبلغ نبيه ﷺ أن فلاناً يصلي عليه، فتكون كلما أكثرت من الصلاة على النبي ﷺ يوم القيامة قريباً منه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنك أكثرت من الصلاة عليه.
وجاء في الحديث أن أبي بن كعب سأل النبي ﷺ فقال: (يا رسول الله! إني أكثر من الصلاة، فكم أجعل لك من صلاتي؟ -أي: الدعاء، فقال النبي ﷺ : ما شئت، وما زدت فهو خير لك، فقال له: أجعل لك الربع من دعائي؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك النصف؟ قال: ما شئت، وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك دعائي كله، فقال ﷺ : إذاً يغفر لك ذنبك، وتكفى ما أهمك) أي: يكفيك الله كل هم من الهموم، ويغفر لك ذنبك أيضاً بهذا الفعل.
فانظروا إلى عظمة الله وكرمه سبحانه على عباده الذين يذكرونه، ويصلون على النبي صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2035
الصلاة على النبي ﷺ ذكر لله
إن الصلاة على النبي ﷺ هي ذكر لله ، فإذا قلت: اللهم يا رب صل على نبيك ﷺ ! سألت الله فذكرته، ودعوت لنبيك ﷺ بأن يصلي عليه ربه سبحانه، فكان ذكراً لله، وعندما تصلي على النبي ﷺ تحصل على الأجر العظيم، وكذلك عندما تسبح الله وتحمده وتهلله وتكبره يكون لك الأجر العظيم، وكلما عرفت الثواب في ذكر الله سبحانه ازددت حرصاً على ألا تفرط وألا تضيع ذلك، وألا تتلهى عنه بشيء كائناً ما كان.
وإن من ذكر الله عقب الصلاة أنك إذا قرأت آية الكرسي دبر كل صلاة لم يمنعك من دخول الجنة إلا أن تموت، فإذا مت على ذلك، فهو فضل عظيم من الله لك.
وإن كنت تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحي ويميت وهو على كل شيء قدير مائة مرة، يكتب الله لك مائة حسنة، ويمح عنك مائة سيئة، ويكن لك عدل عشر رقاب، أي: كأنك أعتقت عشرة من العبيد، ويكن لك حرزاً من الشيطان يومك حتى تمسي.
وإذا كنت ذاهباً إلى السوق، فقلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت، وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير، وكل ذلك في نصف دقيقة، فإن لك أجر مليون حسنة، أي: ألف ألف حسنة عند الله في هذا الذكر.
فلو كان على لسانك ذكر الله حين تذهب إلى السوق وحين ترجع منه، حين تمر على الناس، وحين تسلم على المسلمين، وحين توقظهم من غفلتهم لكان لك الأجر العظيم من الله سبحانه، فلا تتكبر على الخلق، إذا مررت على الناس فسلم عليهم، وقل: السلام عليكم ورحمة الله، سواء ردوا عليك أو لم يردوا عليك، فقد تمر على أناس لا يردون السلام، فلا تمتنع من إلقاء السلام، بل ذكرهم، وأيقظهم من غفلتهم، فإذا ردوا عليك كان الأجر لك ولهم، وإذا لم يردوا عليك السلام فالملائكة ترد عليك، وفضل الله عظيم، وكرمه واسع ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١].
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢] البكور: أول النهار، والعشي: آخر النهار، والآصال: قبل دخول الليل وعند دخول الليل، والمعنى: أنك دائماً تذكر الله في أول النهار، وفي آخر النهار، وبين الاثنين، أي: اذكروا الله دائما، ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١]، وسبحوه سبحانه، أي: قولوا: سبحان الله، نزهوه عن كل عيب وعن كل نقص، .
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣]؛ لأنه هو سبحانه المستحق لذلك، فاذكروه يذكركم ، واشكروه يزدكم من فضله، ولا تنسوا أنه هو الذي يثيبكم وهو الذي يرحمكم سبحانه، وهو الذي يثني عليكم عند ملائكته، وهو الذي يصلي عليكم، وكذلك ملائكته سبحانه.
стр. 2036
الفرق بين صلاة الله وصلاة المؤمن وصلاة الملائكة
فالمؤمن يصلي، والله يصلي، والملائكة تصلي، وفرق بين الصلوات: فالمؤمن يصلي أي: يدعو ربه سبحانه، ويعبد ربه بصلاته هذه.
والملائكة تصلي أي: تدعو للمؤمنين أن يغفر الله لهم، فصلاة الملائكة الدعاء، ﴿((الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧] هذه هي صلاة الملائكة عليكم، تستغفر لكم ربكم سبحانه، وتدعو لكم بالرحمة.
والله يصلي أي: يستجيب لهذا الدعاء ويثني على المؤمن، ويعطيه من فضله.
نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2037
تفسير سورة الأحزاب [٤١ - ٤٤]
أمر الله عباده المؤمنين بكثرة ذكرهم لربهم المنعم عليهم بأنواع النعم وصنوف المنن؛ لما لهم في ذلك من جزيل الثواب، وجميل المآب، ولأنه تعالى أخرجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الهدى واليقين، ويوم القيامة أعد لهم الأجور العظيمة، وأسكنهم جناته جنات النعيم، ورحمهم في الدنيا بالهداية، وفي الآخرة بأن أمنهم من الفزع الأكبر، وأمر ملائكته أن يتلقوهم بالبشارة بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وما ذاك إلا لمحبته لهم ورأفته بهم.
стр. 2038
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٤١].
أمر الله المؤمنين في هذه الآية أن يذكروا الله ذكراً كثيراً، فقال: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)).
والمؤمن يذكر الله حتى يذكره الله.
لا تنس ربك، لا تنس ذكر الله، تذكر أن الله هو الذي خلقك، وهو الذي يرزقك، وهو الذي يتوفاك ويحاسبك، فأكثر من ذكره .
فقوله: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا)).
ذكر الله يكون في الصلاة وفي غير الصلاة، تذكر الله سبحانه في كل أحوالك، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه يقوم ويصلي من الليل ويقول: (يا أيها الناس اذكروا الله، جاءت الراجفة، جاء الموت بما فيه، وأزفت الآزفة، جاءت الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه) فيأمر النبي ﷺ الناس في الثلث الأخير من الليل بذكر الله ، ويخبرهم أن الموت آتيكم، كما قال الله سبحانه: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل:١] فأخبر بالماضي على الشيء الذي سيكون؛ لتأكيد مجيئه وإتيانه، فالموت آت آت.
وقال النبي ﷺ : (أكثروا ذكر هادم اللذات، فإنه ما ذكر في سعة إلا ضيقها، ولا ذكر في ضيق إلا وسعه).
الموت عجيب أمره، الموت قدره الله على العباد، ولابد أن يكون في بال كل إنسان وفي قلبه، فيذكر الله سبحانه ويذكر أنه راجع إليه فذكره ربه سبحانه ينفعه، وصلاته وصومه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر ينفعه.
قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧].
فالإنسان الذي يعتاد ذكر الله سبحانه يثبته في وقت وفاته، ويجعله يقول: لا إله إلا الله ويثبت عليها، ويبشره الله سبحانه حتى يتوفاه على هذه الكلمة الطيبة.
لذلك ينظر المؤمن أمامه وينظر في غده، وينظر أنه سيلقى الله يوماً من الأيام، فليعمل لهذا اليوم من الآن ولا يسوف، ويقول: غداً أفعل غداً أفعل، لعل الغد لا يأتي عليه، ولعله يأتي عليه وهو غير قادر على العمل، فلذلك هنا نكثر من ذكر الله، فإن ذكر الله يعين على فعل الطاعات، وذكر الله يعين على اجتناب المحرمات.
стр. 2039
تفسير قوله تعالى: (وسبحوه بكرة وأصيلاً)
قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٢] يعني: دائماً، في أول النهار وآخر النهار، يعني: إذا ذكرنا ربنا في أول النهار لا نكتفي، بل نذكره سبحانه ونسبحه في أول النهار وفي آخره.
وأكثر من ذكر الله في كل أحوالك، وقد عرفنا من أحاديث النبي ﷺ كيف أنه كان يجلس في المجلس الواحد ويستغفر الله سبعين مرة ومائة مرة وكان صلوات الله وسلامه عليه يكثر من الاستغفار، ويسأل ربه الجنة ويتعوذ بالله من النار.
ويخبر النبي ﷺ في الحديث: (أن الإنسان إذا كان في مجلس وذكر الله وقال: اللهم إني أسألك الجنة ثلاث مرات، وقال: اللهم أجرني من النار ثلاث مرات، قالت الجنة لربها: اللهم أدخله الجنة، وقالت النار لربها: اللهم أعذه مني)، هذا إذا قال ذلك في مجلس واحد ثلاث مرات، فإذا أكثر من ذلك في يومه وقال سبع مرات في كل يوم: (اللهم إني أسألك الجنة، اللهم أجرني من النار) ويكرر، فإن الجنة تطلب من ربها أن يدخل الله هذا العبد الجنة؛ لأنه يسأل الجنة، وكذلك إذا تعوذ بالله من النار سبع مرات، فالنار تقول لربها سبحانه: اللهم أجره من النار.
لذلك ينبغي للمؤمن أن يكثر من الدعاء ومن ذكر الله، ويكثر من سؤال الله الجنة والتعوذ بالله من النار.
قوله: ((وَسَبِّحُوهُ)) أي: نزهوا الله وقدسوه بلفظ التسبيح (سبحان الله)، (فسبحان) مصدر، وأصلها أسبح الله تسبيحاً، أي: تقول لربك: أسبحك يا ربي وأنزهك عن أي نقص، وأقدسك.
والتسبيح يأتي بمعنى الذكر، بقول: سبحان الله، ويأتي بمعنى صلاة النافلة، ومنه صلاة السبحة، أي: صلاة النافلة.
فإذاً: أكثر من ذكر الله في فريضتك وفي نافلتك وفي غير الصلاة، أكثر من ذكره سبحانه في الغدوة وهي أول النهار، والأصيل والعشي أي: آخر النهار، فلا تترك وقتاً من يومك ولا من ليلك إلا وتذكر الله فيه.
стр. 2040
تفسير قوله تعالى: (هو الذي يصلي عليكم وملائكته)
قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب:٤٣] أي: يرحمكم سبحانه ويستجيب دعاء الملائكة الذين يستغفرون لكم ويدعون لكم، فالله يصلي عليكم، وصلاة الله على عباده بمعنى رحمة منه سبحانه ومغفرة، وبمعنى الثناء، وهو أن يثني على العبد ويذكره في ملأ خير من الملأ الذي هو فيه.
وملائكته يصلون عليكم بمعنى يستغفرون لكم ويدعون الله أن يرحمكم.
قوله: ((لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)) أي: من رحمته أن أرسل إلينا رسولاً كريماً صلوات الله وسلامه عليه، وأن نزل عليه هذا القرآن العظيم ليخرج العباد من ظلمات الكفر والضلالة إلى نور الإيمان واليقين.
قوله: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)) أي: الله هو الرحيم وهو الرحمن، وهو المعبود سبحانه، فهو رحيم ورحمن وكلاهما صيغة مبالغة من الرحمة، فهو ذو الرحمة العظيمة الواسعة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧] أي: هؤلاء الذين يستحقون الرحمة هم الذين اتبعوا النبي صلوات الله وسلامه عليه على دين الإسلام، دين رب العالمين سبحانه.
الفرق بين الرحيم والرحمن أن الرحمة في الرحمن تعم جميع خلقه مسلمهم وكافرهم، فمن رحمته أن أرسل الرسل لهداية الخلق فهو الرحمن سبحانه وتنزل المصيبة بكل مخلوق سواء كان مؤمناً أو كان كافراً، ويخففها الله سبحانه ويزيلها عن الجميع، فهي من رحمة الرحمن .
وتنزل النازلة العظيمة بالعبد في الدنيا فيدعو ربه سبحانه سواء كان مؤمناً أو كان كافراً، ويقول: يا رب يا رب.
وقد يكون الكافر مظلوماً ويدعو ربه فتصعد دعوته إلى الله ، فيستجيب الله له وينصره ممن ظلمه فهو الرحمن سبحانه.
وقال هنا: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)) إذاً: فالرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين فقط، وهي الرحمة التي تكون يوم القيامة، فهو يرحمهم في الدنيا ويرحمهم في الآخرة، ولا يرحم الكفار يوم القيامة، بل من مات مشركاً بالله كافراً فقد كتب الله عليه أنه محروم من الجنة ومحروم من رحمة الله، وأنه مستوجب للنار، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] فالله لا يغفر لمن مات وهو مشرك بالله سبحانه، كذلك من مات على كفره لا يغفر له، أما في الدنيا قبل أن تبلغ الروح الحلقوم فإنه إذا تاب إلى الله من أي ذنب كان كبيرة من الكبائر حتى من الشرك أو صغيرة من الصغائر فالله يتوب عليه.
إذاً: هنا يقول: ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)) أي: هذه الرحمة العظيمة الخاصة بالمؤمنين، قال : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف:١٥٦]، الذين يتبعون النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهذه رحمة الرحيم وهو أرحم الراحمين سبحانه.
إذاً: الرحمن رحمته واسعة تعم جميع خلقه ، فيرحم في الدنيا جميع عباده بأن يبين لهم ويدلهم على الحق، وأن يقيم عليهم حجته ، ولا يدع لهم شبهة من الشبه، بل يبين سبحانه الرحمة التي تختص باسمه الرحمن، والرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة، فهو سبحانه يرحمهم ويدخلهم جنته ، وفي الدنيا يهديهم فيدلهم ، ويحولهم من شك إلى يقين، ومن ضلال إلى هدى، ومن كفر إلى إيمان، ((وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا)).
قال ابن عباس ﵄: (لما نزل قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] قال: إذا بالمؤمنين يقولون للنبي ﷺ : هنيئاً لك يا رسول الله وليس لنا فيها شيء -يعني: هذه الآية خاصة بك- فأنزل الله هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب:٤٣]) يعني: أمركم أن تصلوا على النبي ﷺ ، فالفائدة تعود عليكم أنتم.
فالرسول حبيب رب العالمين وخليل رب العالمين سبحانه، سواء صلى عليه الناس أو لم يصلوا، فله أجره العظيم الوافر عند ربه سبحانه، ولكن أن تصلي عليه أيها المسلم فأنت المنتفع بذلك؛ لأنه كلما صليت عليه صلى عليك ربك سبحانه ورحمك، فأكثروا من الصلاة عليه صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2041
تفسير قوله تعالى: (تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجراً كريماً)
قال الله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٤] قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٣] هذا أقرب مذكور، وقوله: ((تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)) أي: يوم يلقون الله سبحانه، ويدخلهم جنته سبحانه ويريهم وجهه الكريم سبحانه، والتحية التي تكون بين المؤمنين في الجنة سلام، أي: يسلم بعضهم على بعض ويدعو بعضهم لبعض بالسلام؛ لأنه نجا من النار، وأن الله سلمه حتى يعيش في هذه الجنة دائماً أبداً مسلماً سالماً من الآفات ومن السوء ومن كل كرب ومن كل شر؛ لأن الدنيا فيها الكدور وفيها الشرور، وفيها التعب والنصب، أما الجنة فهي خالية من كل ما يكدر الصفو، وهي دار السلام، فيحييهم ربهم ، ويسلم عليهم ربهم بالسلام، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد:٢٣] يقولون: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:٢٤].
إذاً: تحيتهم فيما بينهم السلام، بحيث يسلم بعضهم على بعض ويدعو بعضهم لبعض بالسلامة والأمن والطمأنينة والنجاة من كل الشرور، كذلك ربهم يسلم عليهم سبحانه، فيستجيب سبحانه دعاءهم، ويجعلهم في سلام وفي أمن في جنة الخلود، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
فقوله: (تحيتهم) أي: ويحيي بعضهم بعضاً، والتحية أصلها الدعاء بالحياة، أي: أدعو له بالحياة، هذا أصل التحية، فيكون المعنى: يدعو بعضهم لبعض بالحياة التي فيها سلام والتي فيها طمأنينة، والتي يسلم فيها العبد من الأمراض والأنكاد والشرور والآثام، ومن الكدر والتعب والنصب.
قوله: ((تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ)) أي: يوم القيامة عند دخولهم الجنة تحيتهم فيها سلام.
ثم قال الله : ((وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا)) أي: أعد لهم الله سبحانه أجراً، وهو سبحانه إذا أراد أمراً فإنما يقول له: كن فيكون.
فهنا الإعداد دليل على العناية من الرب سبحانه للعبد، فهو لا يحتاج إلى أن يعد وأن يجهز سبحانه، ولكن العناية بالمؤمنين أن الله سبحانه جهز لهم جنة من قبل أن يخلقهم، وجعل لهم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ويخبر أنه بكرمه هو الذي أعد لهم هذه الجنة، وأعد لهم أجراً على ما عملوه، والعبد إذا عمل استحق من الله سبحانه الأجر الكريم والأجر العظيم، ففي الدنيا تقول: هذا يعطيني أجراً عظيماً وذاك يعطيني أجراً لئيماً؛ لأن اللؤم من طباع الإنسان فهو في عطائه يعطي الشيء الرديء، مع أن الحاجة موجودة عنده، ويبخس الإنسان حقه، ولكن الله يعطي العطاء الكريم الذي يليق به ، والعبد لم يفعل شيئاً يستحق عليه هذا الأجر، ولكن رحمة رب العالمين سبحانه.
فالإنسان يأخذ بالأسباب ويعبد الله ؛ لأن الله خلقه وهو مهما عبد الله لم يوف الله حقه في شكر نعمه عليه سبحانه، فكيف بأن الله يعطيه هذه الجنة العظيمة، فهذا فضل من الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) فقوله: ((وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا)) فالإنسان المؤمن ينتظر من الله الخير والكرم، فإذا كنت تنتظر كرمه فابدأ أنت بالعمل وابدأ بالتوبة إلى الله سبحانه، ولا تقل: غداً أتوب، غداً أعمل كذا، لعله لا يأتي الغد؛ لأن الموت أمامنا، فنحن نرى الموت يأخذ الصغار ويأخذ الشيوخ ويأخذ الشباب ولا يترك أحداً، فكم من إنسان يسوف ويقول: غداً أتوب، غداً أفعل كذا، أنا لا زلت صغيراً، وعندما أكبر سأفعل كذا ولا يأتي عليه هذا السن الذي يتمنى أن يأتيه.
لذلك بادر بالتوبة وبادر بالعمل من قبل أن يأتي اليوم الذي قد وعد الله عباده به، الموت الذي لا يؤخر، إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2042
تفسير سورة الأحزاب [٤٥ - ٤٦]
النبي ﷺ هو الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، به انقشع ظلام الكفر والغواية، وولى غبار الجاهلية الجهلاء، ابتعثه الله ليكون داعياً إلى توحيد الله، وليكون شاهداً على جميع أفراد الأمة ومبشراً ونذيراً، وليكون سراجاً منيراً يضيء الله به العقول والقلوب، وتحيا به الأفئدة.
стр. 2043
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦].
يقول الله في هذه الآيات لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب:٤٥] فالله الذي أرسله صلوات الله وسلامه عليه وليس أحداً غيره.
وعبر بنون العظمة بياناً لعظمة الرب سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب:٤٥] فالإرسال من الله العظيم سبحانه أرسل نبيه ﷺ برسالة يبلغها؛ ليكون على الخلق شاهداً ومبشراً ونذيراً.
وقد أرسل لهذه الوظيفة وهي تبليغ رسالة الله ﵎، وأن يكون شاهداً على هذه الأمة، وأن يبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات بأن لهم أجراً حسناً، وأن ينذر الكفار الذين يعصون الله سبحانه من عذاب الله ومن عذاب النار، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] فهو الشاهد والمبشر والمنذر ﵊.
وذكر ﵊ في الحديث قال: (لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب) صلوات الله وسلامه عليه، فهو العاقب آخر الأنبياء ولا نبي بعده صلوات الله وسلامه عليه.
وهو نبي التوبة، وهو نبي الرحمة ﵊، فالله حين يذكر أنه الشاهد وأنه المبشر وأنه النذير يبين لنا وظيفته، فلما بلغ الأمة رسالة ربه صلوات الله وسلامه عليه قبضه ربه بعد ذلك ولم يستمتع من الدنيا بشيء.
فقد بدأ الإسلام بالنبي ﷺ وحده، وبدأ الإسلام غريباً، فدعا وحده، وأوذي وحده صلوات الله وسلامه عليه حتى دخل الناس في دين الله وأوذوا معه صلوات الله وسلامه عليه، ثم نصر الله دينه، ونشر هذا الدين العظيم فدخل الناس في دين الله أفواجاً، وبدأت الفتوح من الله يفتح للمؤمنين، وبدءوا يرون زهرة الحياة الدنيا ولم يكن هذا للنبي ﷺ ، فالله قال لنبيه ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].
فبلغ رسالة الله ﵎ وقال له: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] أي لتشهد على هذه الأمة، ومبشراً للمؤمنين، ونذيراً للكفار وللعصاة.
فلما بلغ رسالة الله صلوات الله وسلامه عليه وبشر المؤمنين وأنذر الكافرين قبض صلوات الله وسلامه عليه بعدما أشهد الناس على أنفسهم وقال لهم: (ألا هل بلغت؟) فأجاب الجميع أنه قد بلغ وشهدوا له، قال: (اللهم فاشهد).
صلوات الله وسلامه عليه.
فهو شاهد يشهد على هذه الأمة، ويشهد على الأمم جميعها، وقال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١].
فيوم القيامة يؤتى من كل أمة بشهيد، والشهيد هو نبي كل أمة فيؤتى به يوم القيامة ويسأل: هل بلغت؟ فيقول: بلغت.
وتسأل الأمة فتكذب نبيها ويقولون: لا، لم يبلغنا.
فيقال للأنبياء: من يشهد لكم؟ فيقولون: أمة محمد صلوات الله وسلامه عليه، فتشهد أمتنا للأنبياء أنهم بلغوا رسالة الله سبحانه، وأمتنا لم تر هؤلاء الأنبياء، ولكن الله أخبرنا بالخبر الصدق في كتابه الكريم سبحانه، فنخبر ونشهد تصديقاً لما قاله الله سبحانه يوم القيامة، فالله يشهد على هذه الأمة النبي صلوات الله وسلامه عليه ويقول: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١] فهو شهيد على هذه الأمة وعلى غيرها من الأمم ﵊.
وهو المبشر صلوات الله وسلامه عليه للمؤمنين، والبشارة: هي الإخبار بخبر سار، وهذا الغالب في البشارة، وقد تأتي كلمة البشارة بالخبر الضار الغير سار مثل قوله سبحانه: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:٢١] وهذا لأهل النار، ولكن هذا يكون بقيود، فالغالب في البشارة أنها في الشيء الذي يسر الإنسان أن يسمعه، فقال الله : ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥] أي: مبشراً للمؤمنين، فيبشرهم النبي ﷺ بالجنة، ويبشرهم بالنعيم المقيم، ويبشرهم ربهم بمغفرة منه وفضل ورحمة وجنات لهم فيها نعيم مقيم.
ونذيراً للعصاة، أي يخبر بالذي سيضرهم جزاء بما فعلوا.
فالبشارة يخبر بالذي يسرهم على ما صنعوا، والنذارة عكسها، فأنذرهم النبي صلوات الله وسلامه عليه من عذاب الله، ومن جهنم والعياذ بالله.
стр. 2044
تفسير قوله تعالى: (وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)
قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب:٤٦] فهو أول المسلمين ﵊ في هذه الأمة، وهو الداعي إلى ربه ﵎، فقد دعا الناس آحاداً وجماعات، دعا إلى الله ليلاً ونهاراً، دعا وجاهد في سبيل الله حق جهاده فقال له ربه سبحانه: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٤٦].
وذكر فضله سبحانه أنه داع إلى الله بإذن الله، قد أذن له بالدعوة إليه، وقد أعانه ووفقه، فالفضل من الله سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦] فهو السراج المنير ﵊، والمصباح الذي يضيء، فالله جعل القمر فيهن نوراً، والشمس سراجاً مضيئاً تضيء للخلق فيأتيهم النهار مع ضوء الشمس، والنبي ﷺ السراج العظيم المنير الذي أضاء الله به لهذه الأمة وللخلق جميعهم ظلمات الكفر والشك والضياع بنور الإيمان ونور اليقين به صلوات الله وسلامه عليه، فقال: ﴿وَسِرَاجًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وأكد ذلك أنه ﴿مُنِيراً﴾ [الأحزاب:٤٦].
ولاحظ الفرق بين سراج مضيء وسراج منير، فالسراج المضيء الذي فيه وهج، والذي فيه لهب، والذي فيه نار فقد يحرق الإنسان الذي يقترب منه، ولكن النور فيه برودة وإنارة، فالإنسان يجد النور فيمشي، والقمر نور، والشمس سراج، والشمس تحرق وتلهب في الصيف، بينما الإنسان يمشي في نور القمر ولا يتأذى منه، فالنبي ﷺ سراج وهاج منير ﵊، فالذي يكون معه صلوات الله وسلامه عليه يجد الطيب من النبي ﷺ ، والطيب من القول ومن الهدى من رحمة رب العالمين سبحانه بهذه الأمة.
وهنا قد يقال: ذكر الله أنه سراج والسراج العادة أنه يضيء فلم قال: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]؟
و
الجواب
أن هذا تأكيد من الله ، وقد ينير السراج للإنسان فعلاً ولكن إنارة بسيطة، ونور خافت، فأكد الله أن النبي ﵊ السراج المنير أضاء الله وأنار به الكون كله، وليس سراجاً فاتراً.
ويأتي الأنبياء يوم القيامة إلى ربهم سبحانه والنبي قد دعا أمة ولم يستجب له أحد، ونبي استجاب له واحد، ونبي استجاب له عشرة، ونبي استجاب له أمة كبيرة، ونبينا ﷺ أعظم الناس في قدر من استجاب له صلوات الله وسلامه عليه فهو السراج المنير العظيم ﵊.
يقول ابن عباس ﵄: (لما نزلت: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] دعا رسول الله ﷺ علياً ومعاذاً فقال: انطلقا فبشرا ولا تعسرا.
فإنه قد نزل علي الليلة آية، وذكر لهم هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦]).
فأمرهما أن يذهبا إلى اليمن ليبشرا الناس وقال: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا).
فالداعي إلى الله يكون على الأمر الذي كان عليه النبي ﷺ ، فييسر للناس ولا يعسر عليهم.
(بشرا ولا تنفرا)، التبشير بجنة الله سبحانه ومرضاة الله عمن يطيعه.
(ولا تنفرا) الإنسان قد يدعو إلى الله سبحانه ولكنه شديد، وفي أسلوبه غلظة فينفر أكثر مما يدعو، وقد يقول النصيحة اثنان، فالذي يرفق بالناس يستجيبون له ويطيعونه، والذي يتشدد على الناس ويغلظ عليهم لا يستجيب له أحد، ويمكن أن يتعارك مع أحد المنصوحين أو يشتمه.
فالإنسان الذي يدعو إلى الله يكون رفيقاً بالناس رحيماً بهم، قال ﵊: (وإن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الشدة) ولكن الله يعطي فهذا قد يرفق بالناس فيستجيب الكثيرون، وهذا يغلظ مع الناس فلا يستجيب له أحد، مع أن هذا يدعو إلى الله وهذا يدعو إلى الله، وهذا مخلص وهذا مخلص، ولكن الفرق في الأسلوب في التعامل مع الخلق، فلذلك يتعلم الإنسان المؤمن من النبي ﷺ حسن الخلق، ويتعلم منه الرفق، والتبشير والتيسير كما قال ﷺ : (بشرا ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا).
فيبشر وييسر على الخلق حتى يستجيبوا لله سبحانه.
الناصح في دعوته الخلق لابد أن يكون أهم شيء عنده أن يستجيب الذي ينصحه، وأن يخرجه من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان، ومن الضلالة والمعاصي إلى طاعة الله قال ﵊: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس).
فالتيسير والتبشير من دين ربنا سبحانه الذي أمر به نبينا صلوات الله وسلامه عليه، قال له ربه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩] أي: بأي رحمة عظيمة من الله قد أعطاكها، برحمة عظيمة جليلة من الله جعلها في قلبك.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وهذه الآية العظيمة التي في قرآننا نجد مثلها في التوراة وشهد بذلك من أسلم كـ عبد الله بن سلام ﵁ وكعب الأحبار فقالوا: في التوراة هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٦] نبياً للأميين ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يدفع السيئة بالحسنة صلوات الله وسلامه عليه.
شهد شاهد من أهلها، أهل التوراة كـ كعب الأحبار وكـ عبد الله بن سلام رضي الله ﵎ عنهما، فقد دخلا في الإسلام وكانا يهوديين، أما عبد الله بن سلام فتشرف بصحبة النبي ﷺ ، ورأى رؤيا أنه يمسك بعروة فأخبره النبي ﷺ أنه يتمسك بالإسلام حتى يموت عليه، فكانت بشارة من الله على لسان النبي ﷺ لـ عبد الله بن سلام ﵁.
وأما كعب الأحبار فلم ينل هذا الحظ العظيم؛ لأنه لم يسلم في حياة النبي ﷺ وإنما أسلم في زمن عمر رضي الله ﵎ عنه، وكلاهما أخبر عن هذه الآية أنها في التوراة قرآها في التوراة وحفظاها بشارة بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب:٤٥] فذكر النبوة والرسالة، يا أيها المنبأ بأخبار من الغيب من الله سبحانه، يا أيها النبي الذي يوحى إليك بغيب من الله ﵎ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الأحزاب:٤٥] أي: جعلناك رسولاً لتبلغ رسالة من عندنا، وهو هذا القرآن العظيم والوحي من عند رب العالمين سبحانه، ومبشراً لمن آمن ومنذراً لمن كفر.
وداعياً إلى الله بفضل الله فقد أذن لك بالدعوة إليه.
﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦] أي: نوراً عظيماً، مصباحاً تضيء للخلق وتنير لهم، فدلهم على كل خير حتى تغيظت اليهود من النبي صلوات الله وسلامه عليه من كثرة اهتمامه بأمته واهتمامه بتبليغهم كل شيء، حتى إن قائلهم ليقول للمسلمين: ما يفعل بكم هذا النبي ﵊؟ ما ترك من شيء إلا علمكم حتى الخراءة، يعني: أدب الخلاء، يعلمهم النبي ﷺ إذا دخلت الخلاء تدخل برجلك اليسرى تقول: باسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
إذا خرجت قلت: غفرانك.
إذا استنجيت فلا تستنج بيدك اليمنى ولكن بيدك اليسرى، وليكن ثلاثاً واستجمر وتراً كما قال النبي ﷺ ، فيتغيظ اليهود ويقول النبي ﷺ : (ما حسدتكم اليهود على شيء كما حسدتكم على السلام، والتأمين خلف الإمام).
فالنبي ﷺ علمكم فليسلم بعضكم على بعض، كما أمر الله ، بقوله: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١].
فعلمهم أن يقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وأن في كل كلمة من هذه الكلمات عشر حسنات، وعلمهم أن يسلم بعضهم على بعض حتى لو التقوا مراراً فليسلموا مراراً، فحسدتهم اليهود؛ لأنهم علموا أن السلام يزيد المحبة بين المؤمنين، فقد قال النبي ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم).
وحسدوا المسلمين على التأمين خلف الإمام، والدعاء الذي يحصل عندما يقرأ المصلي الفاتحة يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، فيقول الله : حمدني عبدي.
﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] فيقول: أثنى علي عبدي.
﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] فيقول: مجدني عبدي.
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] يقول: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل.
﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] هذا طلب الإمام، فأما المأمومون فيقولون: آمين بمعنى: اللهم استجب، فالله يستجيب لعباده، ومن المستحيل أن يدعو كل هؤلاء المؤمنون في كل الأرض يقولون: ﴿
стр. 2045
تفسير سورة الأحزاب [٤٥ - ٤٨]
بعث الله محمداً ﷺ إلى كافة الناس بالبشارة للمؤمنين والهداية لهم، والنذارة للكافرين وإعلان الوعيد لهم في الدنيا والآخرة، ونهاه سبحانه عن طاعة الكافرين والمنافقين، وأن يتوكل عليه سبحانه حتى لا يضره كيدهم.
стр. 2046
النبي ﷺ هو الهادي والمهدي
стр. 2047
هداية النبي ﷺ للناس
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٥ - ٤٩].
يخبر الله ﵎ نبيه صلوات الله وسلامه عليه بأن وظيفته في هذه الدنيا أنه رسول وأنه نبي ﵊، وأنه الشاهد والمبشر والنذير، والداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير.
فهو يهدي به الله من يشاء من خلقه إلى صراطه المستقيم، وفرق بين هداية الله لخلقه وهداية النبي ﷺ ومن دعا بدعوته الخلق إلى الله .
فالنبي يهدي، بمعنى: يدل ويبين ﵊، فهو هاد يهدي الخلق ﵊ بالبيان، وينير لهم صلوات الله وسلامه عليه طريقهم، فيعرفون الحق من الباطل، فقد يسلكون طريق الحق وقد يتنكبونه.
أما الذي يحول من حال إلى حال فهو الله ، وعندما يقول لنا: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٧٣]، ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة:١٢٠] فالهدى ينسب إلى الله ، فيهدي من يشاء من خلقه.
وحين يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] فهذا صحيح، وحين يقول له صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] فهو أيضاً صحيح، فهو صلوات الله وسلامه عليه وظيفته أن يبين للخلق، فهو لا يملك قلوبهم، ولا يملك أن يخرجهم من الظلمات إلى النور ويحولهم من طريق إلى طريق، إنما يملك الدلالة ﵊.
إذاً: قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] أي: أنت تبين أن هذا صراط الله وكتابه، وهذه سنة النبي ﷺ ، وهذا طريق الجنة، وهذا طريق النار، إذاً: هو مبين ﵊، والناس يسمعون ويرون منه ﷺ هذه الآيات، فمنهم من يؤمن فينجو، ومنهم من يصر على كفره وجحوده فيهلك، والنبي ﷺ يهديهم بالبيان ﵊.
والله يقول: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] يعني: لا تحول ولا تغير قلب إنسان ولا تملك ذلك.
﴿لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال:٦٣].
إذاً: هو ﵊ يدلهم على الخير حتى يتحابوا وحتى يؤلف بين القلوب، ولكن هو لا يملك التحويل والتغيير، والذي يملك ذلك هو الله ﵎.
إذاً الهدى له معنيان: هدى الدلالة، فهذا يفعله النبي ﷺ ويملكه.
هدى التغيير والتحويل للقلوب: وهذا لا يملكه إلا الله ، ولذا يقول لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] يعني: لا تملك أن تغير، فلو كان يملك لغير قلب أبي طالب ولأدخله في الإيمان، ولكن ليست هذه وظيفته ﷺ .
إذاً: محمد ﷺ هو الشاهد على الأمم، والشاهد على هذه الأمة، والمبشر الذي يبشرهم بما يسرهم عند الله من جنات ونعيم مقيم، وهو المنذر يخوفهم بما أعد الله للكافرين والعصاة من عذاب، وهو الداعي إلى الله يدعو الخلق ويناديهم: تعالوا فادخلوا في دين الله ، يدلهم على الحق وعلى طريقه، ويدعو إلى الله بإذنه، وليس من عنده ﵊، بل قال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧].
والضال: التائه عن طريق الله سبحانه، لم يكن يعرف شريعة ربه سبحانه، إنما كان يتعبد لله ﵊، وما كان ينتظر أن ينزل عليه وحي.
ولكنه يعبد ربه سبحانه ليشكر نعم الله سبحانه، ويعرف أن الله الذي خلقه هو وحده الذي يستحق العبادة، ويعرف أن هذه الأصنام لا تستحق أن تعبد من دون الله.
стр. 2048
هداية الله لرسوله ﷺ وإرساله هادياً للناس
ولم يكن يعرف شريعة صلوات الله وسلامه عليه؛ ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى:٧] أي: فهداك إلى شريعته ﵎.
كان لا يعرف من هو جبريل الذي ينزل من السماء! وما هو الناموس الذي عند الله ﵎! فلما نزل جبريل على النبي ﷺ فزع فزعاً عظيماً، وهرب إلى بيته ﷺ وهو يرتجف ويقول: زملوني زملوني! دثروني دثروني! ولم يعرف من هذا الرسول الذي جاء من السماء حتى طمأنته خديجة ﵂ وأخذته إلى ورقة بن نوفل؛ فأخبره أن هذا هو الناموس الأعظم الذي كان ينزل على موسى، فأنت ستكون نبي هذه الأمة، ولو أدركني يومك لأنصرنك نصراً مؤزراً، وإن قومك سيخرجونك، قال: أو مخرجي هم؟ قال: ما بعث نبي من الأنبياء بمثل ما بعثت به إلا عودي.
إذاً: ورقة بن نوفل لم يكن يعرفه النبي ﷺ ، ولم يعرف شيئاً من ذلك ﷺ .
ورقة كان على دين النصرانية، ولكن كان على الحق، عرف الحق رضي الله ﵎ عنه؛ فعرف أن نبياً سيبعث في هذا الزمان، وهذه علامات نبوته صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: لو أدركني يومك عندما تهاجر من مكة إلى المدينة سأنصرك نصراً مؤزراً.
إذاً عرف ورقة أنهم سيخرجونه، وسيهاجر صلوات الله وسلامه عليه، لكن ولم يعرفه النبي ﷺ ، لأنه لم يكن قد أوحي إليه بشيء، فهذا من معاني قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧].
أي: لم تكن تعرف شيئاً عن هذه الشريعة فهداك ودلك، لم يعلمك أحد من البشر قراءة ولا كتابة، ولا درست نصرانية ولا يهودية، وإنما كان على الفطرة السليمة صلوات الله وسلامه عليه، يتعبد لله سبحانه الليالي ذوات العدد في غار حراء، ثم يتزود لمثلها ويذهب مرة ثانية وثالثة حتى جاءه الحق من عند الله سبحانه ﵎ وهو في حراء.
فهو الداعي إلى الله بإذن الله سبحانه، قال تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر:٩٤] فأمر صلوات الله وسلامه عليه أن يجهر بالحق بإذن الله سبحانه.
آذاه قومه ولم يقدر أن يخرج من مكة إلى المدينة إلا بإذن الله؛ فانتظر أن يؤذن له، فخرج بعدما أذن الله له، وكان أبو بكر قد أوذي فأراد أن يهاجر، فإذا بالنبي ﷺ يصبره ويقول: إني أنتظر أن يؤذن لي، فانتظر أبو بكر مع النبي ﷺ حتى جاء الإذن من الله.
إذاً: هو لا يدعو من عند نفسه وإنما بأمر الله ولأمر الله، وبوحي من الله، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] لا ينطق عن هواه ولا عن شيء في نفسه، وإنما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٤ - ٦].
لم يعلمه أحد من البشر، وإنما جاءه جبريل من عند رب العالمين بالوحي آية آية! وحديثاً وراء حديث! يتعلم ﷺ من جبريل ويبلغ الناس، فهو الداعي إلى الله بإذن الله سبحانه، وهو السراج المنير صلوات الله وسلامه عليه بما جاء من هذه الشريعة العظيمة.
стр. 2049
تفسير قوله تعالى: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً)
قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧].
هنا البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين والعصاة، بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً أي: يتفضل عليهم التفضل العظيم، ويعطيهم الفضل والزيادة العظيمة من فضله ﵎، قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
إذا أحسنت أحسن الله إليك، الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فتعبد ربك أفضل العبادة وأحسنها، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فإن أحسنت أحسن الله إليك، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
فإذا أحسن العبد كان الله معه، وأحبه الله سبحانه وأعطاه الجزاء الذي هو أحسن وأفضل، إذاً: يوجد حسن ويوجد أحسن، ويوجد ما هو أحسن من ذلك وهو الزيادة فوق الأحسن، وهو النظر إلى وجه الله ، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين ومن المحسنين الذين لهم الحسنى وزيادة.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧] أي: فضلاً كبيراً لا يقدر أحد قدر هذا الفضل من الله سبحانه، والله يكلمنا بما يليق به سبحانه، فيعطي الثواب من فضله، وفضله عظيم، وخزائنه ملأى لا تغيض أبداً، سحاء الليل والنهار، فعندما يقول: لكم من الله الفضل الكبير، إذاً: هنا أمل عظيم فيما عند الله ﵎، الأمل العظيم في فضله ورضوانه وجناته وعطائه العطاء غير المجذوذ.
стр. 2050
تفسير قوله تعالى: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم)
قال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧].
هنا البشارة للمؤمنين، والنذارة للكافرين والعصاة، بشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً أي: يتفضل عليهم التفضل العظيم، ويعطيهم الفضل والزيادة العظيمة من فضله ﵎، قال سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦].
إذا أحسنت أحسن الله إليك، الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لم تكن تراه فإنه يراك، فتعبد ربك أفضل العبادة وأحسنها، و ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] فإن أحسنت أحسن الله إليك، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
فإذا أحسن العبد كان الله معه، وأحبه الله سبحانه وأعطاه الجزاء الذي هو أحسن وأفضل، إذاً: يوجد حسن ويوجد أحسن، ويوجد ما هو أحسن من ذلك وهو الزيادة فوق الأحسن، وهو النظر إلى وجه الله ، نسأل الله أن يجعلنا من المتقين ومن المحسنين الذين لهم الحسنى وزيادة.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٧] أي: فضلاً كبيراً لا يقدر أحد قدر هذا الفضل من الله سبحانه، والله يكلمنا بما يليق به سبحانه، فيعطي الثواب من فضله، وفضله عظيم، وخزائنه ملأى لا تغيض أبداً، سحاء الليل والنهار، فعندما يقول: لكم من الله الفضل الكبير، إذاً: هنا أمل عظيم فيما عند الله ﵎، الأمل العظيم في فضله ورضوانه وجناته وعطائه العطاء غير المجذوذ.
стр. 2051
نهي الله لنبيه ﷺ عن طاعة الكافرين والمنافقين
ثم قال لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:٤٨].
وهذا كرر ما ذكره في أول السورة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب:١]، فقال في أول السورة ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:١] فالكفار يداهنون، قال تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩].
فهم يدهنون ويلينون معك شيئاً، ويودون لو أنك ملت ولنت لهم في شيء، فيحذره الله سبحانه: احذر من الكفار! كانوا يقولون للنبي ﷺ : اذكر آلهتنا بخير ولو مرة واحدة ونحن ندخل معك في الإسلام، فلما أبى ﷺ قالوا: اسكت عن آلهتنا، لا تتكلم عن آلهتنا بخير ولا بشر، وحاشا له أن يسكت صلوات الله وسلامه عليه على باطل، بل لابد أن يبين أن هذه الأصنام وهذه الآلهة من دون الله لا تنفع شيئاً ولا تضر بشيء، وإنما الذي ينفع ويضر هو الله ﵎.
فكان كفار قريش يمنون النبي ﷺ يقولون له: اجعل لنا يوماً نجلس معك ولا نجلس مع هؤلاء الفقراء، فيقول له ربه سبحانه: احذر من ذلك ولا تطع الكافرين.
كذلك المنافقون يطلبون من النبي ﷺ أشياء، فالمنافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وهم يتولون غير الله سبحانه وغير رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، ويطلبون من النبي ﷺ ما ليس له أن يعطيهم إياه، كـ عبد الله بن أبي وطعمة بن أبيرق وغيرهم كانوا يحثون النبي ﷺ على إجابتهم فيطلبون أشياء لا يجوز له أن يفعلها ﷺ ، ويتعللون بالمصلحة، فيريدون أن يوالوا اليهود للمصلحة، يقولون: اليهود هؤلاء كانوا حلفاءنا في الجاهلية، وكانوا يحبوننا، وكانوا يدافعون عنا، فدعنا مع هؤلاء اليهود لا نتركهم، فيطلبون من النبي ﷺ ذلك ويشفعون عنده في اليهود، كـ عبد الله بن أبي لما شفع في بني النضير، وتركهم النبي ﷺ له في النهاية.
فالله يحذره: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب:٤٨] هؤلاء إذا أطعتهم أضلوك وأخرجوك عما أراده الله بك.
стр. 2052
معنى أمر الله لنبيه بأن يدع أذى الكفار والمنافقين
﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب:٤٨] فهم عندما يطلبون منه شيئاً فيرفض أن يجيبهم يؤذونه ﷺ بالقول، ويؤذونه بالفعل ﵊، فهم قاعدون للأذى فقط، فيقول الله لنبيه ﷺ : دعك من هذا الذي يفعلونه معك، وأعرض عن هؤلاء، ودع أذاهم حتى يؤذن لك من الله ، فأذن له صلوات الله وسلامه عليه في أمر الكفار أن يقاتلهم.
إذاً: هنا دع هؤلاء واصبر عليهم قليلاً حتى يأتي أمر الله، فجاء أمر الله في الكفار، قال الله : ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥].
فبعدما أنزل الله سورة براءة أمر النبي ﷺ أن يأخذ الكفار وأن يجاهدهم في الله ﵎.
فإذا كان أذى هؤلاء أنهم يسألون النبي ﷺ ، ويلحون في السؤال ليتعلموا لعلهم يدخلون في الدين، فهنا يلزمه أن يصبر صلوات الله وسلامه عليه؛ حتى يدلهم على الحق، وحتى يدخلوا في الدين، وقد جاء في في سورة براءة نفسها وهي من آخر ما نزل من القرآن أمر النبي ﷺ بجهاد الكفار صلوات الله وسلامه عليه، وأيضاً أمره فقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦].
إذاً: أمر ﷺ بقتال المشركين كافة، وأن يبدأهم بالغزو ﵊، ولكن مع ذلك لو أن أحداً من هؤلاء الكفار كان في جبهة المحاربين لك ثم طلب أن يسمع الدين وقال: أريد أن آتي لكم وأسمع ما الذي تقولونه في هذا الدين، فالله لكرمه سبحانه يقول: أسمعه، بلغه هذا الدين: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة:٦] فهو طلب الجوار، وقال: سنأتي نجاورك ونسمع منك فأجرني ولا تؤذني بشيء حتى أسمع هذا الدين، فقد أدخل في الدين وقد لا أدخل! فهنا قال الله سبحانه: ﴿فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة:٦] إلى متى؟ ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦] إلى أن يأتي عندك ولا أحد يتعرض له بشيء، فإذا جاء وسمع فلا تقول: ادخل في الإسلام لأنك سمعت وإلا نقتلك! ولكن بلغه دين الله سبحانه، ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة:٦] كما جاء آمناً في القوم فارجعه إليهم على حاله التي كان عليها قبل ذلك.
هذا الدين العظيم من الله سبحانه فيه الأمن والأمان والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى ولو كان في ساعة الجهاد في سبيل الله سبحانه، والكفار في مكان والمسلمون في مكان، وجاء أحد الكفار يريد أن يسمع هذا الدين، فأجره إلى أن يأتي إليك، وأسمعه كلام الله سبحانه إلى أن يعقل ويفهم، ثم أرجعه مرة أخرى إلى قومه آمناً، وإذا أراد أن يدخل في هذا الدين فليفعل.
فهنا ربنا ﵎ يأمر نبيه البشير النذير، الداعي إلى الله بإذنه والسراج المنير، بأن يبشر المؤمنين ويبلغهم بأن لهم من الله الفضل الكبير.
قال: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ [الأحزاب:٤٨].
أي: لا تنشغل بما يؤذونك به، ولا تنشغل بالمعاقبة عن الأمر الذي أرسلت لأجله، ولأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس.
стр. 2053
أمر الله لنبيه بالتوكل عليه
ثم قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٤٨].
وهو سيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من باب: (إياك أعني واسمعي يا جارة) وإذا قال هذا لنبيه ﷺ وهو المتوكل على الله فإن المراد أن يداوم على ذلك.
وهو خطاب للمؤمنين بالتبع، أي: تعلموا من النبي ﷺ حسن التوكل على الله ﵎، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق:٣].
فأمر نبيه ﷺ بالتوكل، والثقة بالله ، وأن يكون جاعلاً ربه سبحانه وكيله في كل شيء، يثق في أن الله يدبر الأمر كله سبحانه، فالإنسان يتوكل على الله سبحانه.
هنا عندما تقول: أنا وكلت فلاناً بالأمر الفلاني، أي: أقمته مقامي في هذا الشيء، فأنا لا أستطيع فعل هذا الشيء، سأوكل محامياً يفعل لي هذا الشيء، فجعلته وكيلاً أي: ينوب عني في أن يقوم مقامي في هذا الشيء؛ لكي يعمل الذي أنا لا أعرفه.
فالله يقول: أنا وكيلك، أنا أجعلك تفعل ما لم تكن تقدر عليه قبل ذلك، فالذي يصير ولياً لله سبحانه كان الله سبحانه له كما قال: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه).
فالله وكيلك، ومدبر أمرك؛ وذلك إذا توكلت عليه سبحانه وجعلته وكيلك ووثقت به ﵎، وطلبت منه أن يقضي لك حوائجك، وعملت بطاعته سبحانه، فالله يدبر لك كل أمرك، ويعينك، ويفرج عنك كل همك.
قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى﴾ [الأحزاب:٤٨] أي: يكفيك الله ﵎ كل شيء، فهو مدبر لأمرك، وناصر لك على عدوك، فالله القائم على كل أمر سبحانه.
قال: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٨] وفيه وعد من الله بأن ينصر النبي ﷺ ، فهو وكيله أي: حافظه ﵊، قائم بأمره، ناصره على عدوه.
وهو للمؤمنين كذلك ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٨].
وذكر لنا سبحانه قوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة:١٢٩] إذا تولى عنك الناس، وتركوك وانصرفوا، فقل: حسبي الله، يعني: كافي الله .
﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [التوبة:١٢٩] لا أعبد إلا هو سبحانه.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ [التوبة:١٢٩] فوضت إليه أمري كله، فهو يفعل ما يشاء سبحانه، وأنا أرضى بحكمه وبفعله سبحانه، فهو وكيلي وكفيلي وحسيبي، وهو الحافظ لي القائم بأمري سبحانه: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٨].
نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه حق التوكل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2054
تفسير سورة الأحزاب الآية [٤٩]
إن عظمة هذا الدين تتجلى للمتأمل في تفاصيل تعاليم شرعه، ومن هذه الأحكام العظيمة ما شرع لتنظيم حياة الزوجين من أحكام الطلاق والعدة وغيرها من الأحكام المتعلقة بالحياة الزوجية.
стр. 2055
تفسير قوله تعهالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات)
стр. 2056
حق الرجعة في الطلاق الرجعي لمن دخل بها زوجها
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩].
يقول الله للمؤمنين معلماً ومرشداً وآمراً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، وهذه صورة من صور النكاح ثم الطلاق بعده.
فالإنسان قد يتزوج، ثم بعد ذلك يدخل بامرأته، ولعله بعد ذلك يطلقها فتكون مدخولاً بها، والمدخول بها لابد أن تعتد إذا طلقها، فإذا طلقها مرة يجوز له أن يراجعها في خلال عدتها، ثم لعله يطلقها بعدما يراجعها فيكون طلاقاً رجعياً، وتعتد المرأة من هذا الطلاق، ثم لعله يراجعها ثم لعله يطلقها بعد ذلك وهنا تكون ثلاث تطليقات، فبالطلقة الثالثة تبين المرأة من الرجل بينونة كبرى فلا يجوز له أن يراجعها حتى تتزوج زوجاً غيره، ثم إذا طلقها زوجها الآخر وانتهت عدتها فللأول أن يتزوجها مرة ثانية ويرجع إليها بثلاث تطليقات.
لكن إذا تزوج بالمرأة حدث بينهما شيء وطلق المرأة قبل أن يدخل بها فإنها تبين منه بهذه الطلقة بينونة صغرى، وليس له أن يراجعها، لأنه لا عدة له عليها.
إذاً: المراجعة تكون في المطلقة المدخول بها فقط، أما الغير مدخول بها فليس له عليها رجعة، فإذا طلقها كذلك بانت واستحقت على هذا الإنسان نصف المهر، وله أن يرجع في النصف الآخر إن كان دفع لها المهر كاملاً.
стр. 2057
المطلقة ثلاثاً لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجاً غيره
وهنا يذكر لنا ربنا ﵎ أمر العدة، فقد ذكر لنا الطلاق في سورة البقرة وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩]، فالذي يطلق مرة إما أن يمسك بمعروف في خلال عدة المرأة أو أن يفارقها بإحسان، فإذا طلق للمرة الثالثة فقد قال : ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:٢٣٠]، إذاً: بعد التطليقة الثالثة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.
والنكاح بمعنى العقد والوطء، فقوله: (حتى تنكح زوجاً غيره)، أي: حتى يعقد عليها إنسان آخر ويدخل بها، ولذلك جاء في حديث المرأة التي طلقها زوجها ثم تزوجت من رجل آخر وذهبت تشكو للنبي ﷺ أنه لا يجامعها ولا يمسها وليس له في أمر النكاح، فقال النبي ﷺ : (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) أي: زوجها الأول، (قالت: نعم، قال: لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك) يعني: أن الزوج الثاني إذا كان لم يدخل بك فليس لك أن ترجعي للرجل الأول.
فكأن المرأة كذبت على النبي ﷺ فقالت: إن هذا ليس له حاجة في النكاح لكي يأمره النبي ﷺ بفراقها ثم ترجع لزوجها الأول، فالنبي ﷺ وجد من علامات كذب المرأة أن هذا الرجل التي تزعم أنه ليس معه إلا مثل الهدبة: أنه كان متزوجاً قبل ذلك وله أولاد من الزوجة السابقة، وهم أشبه بأبيهم من الغراب بأبيه، فكيف يكون هذا الإنسان الذي كان متزوجاً وله أولاد من زوجته السابقة لا يقدر على النكاح؟!
стр. 2058
ما يجب على المطلقة المدخول بها
فذكر الله في سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فهنا المقصود المدخول بهن، فالمرأة المطلقة التي دخل بها زوجها تتربص ثلاثة قروء.
﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فلا يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها من حيض أو حمل، فلعل المرأة أن تكذب وتقول: انتهت الثلاث حيضات، حتى تبين من زوجها فلا يراجعها، فالله جعلها مؤتمنة على رحمها، فلا تكذب في أمر الحيض وتقول: انتهى الحيض.
ولعل المرأة تكون حاملاً وتريد أن تبين من زوجها فتقول: إنها ليست حاملاً وإنها انتهت حيضاتها، فليس لها ذلك أيضاً، فهي مؤتمنة على رحمها.
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:٢٢٨]، البعل هو الزوج، وهو أحق برد المرأة في وقت عدتها الرجعية، فهنا المرأة المعتدة هي التي دخل بها زوجها.
فالشريعة العظيمة راعت حق الزوج وأن ماءه إذا كان في رحمها لا تدخل ماءً آخر على الماء الأول، فلابد أن تستبرئ المرأة، ولا بد أن تنتهي علقة النكاح الأول بانتهاء الثلاث الحيضات، فتطهر المرأة من الحيضة الثالثة، ثم بعد ذلك لها أن تتزوج من تشاء.
стр. 2059
ما يجب على المطلقة قبل الدخول والمتوفى عنها قبل الدخول
وفي هذه الآية يذكر لنا نوعاً آخر وهي المرأة التي تطلق ولم يدخل بها زوجها، فلا عدة عليها، بسبب عدم وجود الوطء.
وقد تجب عليها العدة بسبب الموت، فهناك إنسان تزوج امرأة ثم طلقها، وإنسان تزوج امرأة فمات عنها، فالفرق بين الاثنين في أمر العدة أنه إذا تزوج المرأة ودخل بها فطلقها فيراعى براءة الرحم في ذلك؛ حتى لا ينشغل رحم المرأة بمائين: ماء الرجل الأول وماء الرجل الثاني، لكن في أمر المفارقة بالوفاة، فعليها مراعاة أشياء أخر بغض النظر عن أنه دخل بها أو لم يدخل بها، فهذا زوج وله حق على زوجته التي مات عنها أن تحزن عليه، فالحزن عليه ينافي أن تتزوج المرأة في اليوم الثاني بإنسان آخر، وهو إذا مات عنها فإنها ترثه في هذه الحالة، فكيف ترث ماله اليوم، وتتزوج غيره غداً؟! فأمرت الشريعة بأن تنتظر هذه المرأة أربعة أشهر وعشراً، سواء دخل بها هذا الزوج أو لم يدخل بها؛ لأن الذي مات كان زوجاً لها، فتحزن المرأة على زوجها الذي توفي مراعاة لأهله، والشريعة راعت شعور الناس في ذلك فمنعت أن تتزوج المرأة حتى تنتهي فترة العدة، وهي تبدأ من الوفاة فتمكث أربعة أشهر وعشراً.
ونلاحظ في عدة الوفاة أنه لم يقل: (قروء) أي: حيضات، ولكن أربعة أشهر وعشراً، فيستوي فيها المرأة الصغيرة والكبيرة، والتي تحيض والتي لا تحيض، والتي دخل بها والتي لم يدخل بها، ففي كل الأحوال لا بد من هذه العدة، مراعاة لحق الزوج على هذه المرأة، ولحق أهل الزوج وأنها سترث من قريبهم، فلا يصح أن تأخذ ماله اليوم إرثاً وتتزوج غداً من إنسان آخر.
لكن أمر الطلاق قبل الدخول يختلف عن أمر الوفاة، فإذا طلقها قبل الدخول، فمن حقها في اليوم الثاني أن تتزوج غيره، ولا يوجد مراعاة لأمر هذا الرجل؛ لأنه هو الذي طلقها وفارقها ولم يدخل بها، فعلى ذلك لن يجتمع ماءان في رحمها، وليس له عليها حق أن تعتد، ولكن إن كان قد دفع لها مهراً كاملاً، فله أن يرجع بنصف هذا المهر.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب:٤٩]، النكاح هنا المقصود به: العقد.
стр. 2060
معنى قوله: (من قبل أن تمسوهن)
قال الله ﵎: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، وفيه إشارة إلى أن النكاح في أصل معناه: الوطء والدخول، فيكون عقداً مع وطء، ولكن قد يكون النكاح مجرد عقد فقط، فلذلك احترز وذكر: ﴿نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩].
وهنا القرآن فيه غاية الأدب في التعبير عن الجماع بهذه الألفاظ التي هي مهذبة جميلة، فيقول: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، فيكني عن الجماع بالمس.
وذكر هنا: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، أي: تطئوهن، ولذلك أخذ ابن عباس ﵁ من ذلك أن المس الذي ذكره الله في: ﴿لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء:٤٣]، معناه أيضاً: الوطء، وليس معناه أن يمسها بيده، فإذا أمر الإنسان بالغسل من لمس النساء فمعناه الجماع.
﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، هذه قراءة الجمهور.
وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُماَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، فجعلها من المساس، وكأنه يمسها وهي تمسه، في أمر الجماع.
﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، وهذه قراءة الجمهور بكسر الهاء.
وقراءة يعقوب: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، فإذا وقف عليها يقول: (عَلَيْهُنْ).
стр. 2061
حالات البينونة من الطلاق
قوله: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩]، والعدة هي: الحيضات المعدودة، فهذه المرأة الغير مدخول بها، ليس عليها أن تعتد إذا طلقها زوجها، وهذه التطليقة تعتبر تطليقة دائمة ويسمونها: بينونة صغرى.
والبينونة بمعنى: المفارقة والبعد، بان الشيء بمعنى: بعد، فإما أن تكون المرأة بائنة بينونة صغرى، أي: لهذا الذي طلقها أن يتزوجها مرة ثانية، بعقد جديد وشهود وولي، وإما أن تكون المرأة بائنة بينونة كبرى، أي: ليس له مراجعتها، فالبينونة الكبرى تكون إذا طلق الرجل المرأة التطليقة الثالثة أو حدثت المفارقة بالملاعنة، كأن يتهم الرجل امرأته بالزنا وحدث بينهما ملاعنة وشهد عليها أربع شهادات أنها وقعت في هذه الجريمة، ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] وهي ردت وشهدت أربع مرات عليه بالكذب في ذلك وأنها صادقة فيما تقول، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩]، وإذا تم اللعان عند القاضي فيفرق بين الاثنين فرقة كبرى لا مراجعة فيها، حتى ولو تزوجت بغيره، وهذه بينونة كبرى.
والتطليقات الثلاث تعتبر بينونة كبرى، ولكن إذا تزوجت غيره ثم طلقها الآخر، فللأول أن يتزوجها بعد ذلك، ولا يجوز للمرأة أن تذهب لإنسان يحلها للزوج الأول، فقد لعنه النبي ﷺ وسماه التيس المستعار، فقد ورد: (لعن النبي ﷺ المحلِّل، والمحلَّل له) وإذا اتفقوا وتواطئوا على ذلك، كما لو اتفقوا مع إنسان محلل يتزوجها يوماً وبعد ذلك يفارقها ثم ترجع لزوجها الأول، فهذا ملعون وقد سماه النبي ﷺ التيس المستعار، وقال: (لعن الله المحلل، والمحلل له) أي: الزوج الجديد والزوج الذي يريد أن يرجع المرأة على هذه الصورة.
والفرق بين البينونة الصغرى والكبرى أن البينونة الكبرى ليس له أن يراجعها، والصغرى له أن يراجعها كما لو ذهب إلى وليها وكان خاطباً من الخطاب، ثم وافقوا عليه، فله أنه يعيد العقد من جديد ويتزوجها من جديد، وهذا في البينونة الصغرى، وهذا فيما إذا طلق المرأة قبل الدخول.
وتكون أيضاً في حالة أخرى، وهي ما إذا طلق المرأة طلاقاً رجعياً وانقضت الثلاث الحيضات فإنها تبين منه بينونة صغرى، فله أن يتزوجها إن أراد بعد ذلك، لكن يذهب إلى وليها ويخطبها ويتزوجها بعقد جديد.
وكذلك إذا خالع الرجل المرأة بلفظ الطلاق فإنها تبين منه بينونة صغرى، وإذا خالعها بغير لفظ الطلاق تبين منه بمجرد أخذه المال، وقوله: خلعتك، فتبين المرأة بذلك، فالمرأة التي تذهب إلى القاضي وتخلع زوجها والقاضي يأمر بالمال، فتدفع المرأة مالاً لهذا الزوج، ويفرق القاضي بينهما، تصير بائناً منه وليس له أن يراجعها، إلا إن رضيت به بعقد ومهر جديدين.
فعلى ذلك هذه صورة من الصور التي لا يستطيع الإنسان رد المرأة.
ففي البينونة الصغرى له أنه يتزوجها بعقد جديد ومهر جديد، لكن إذا طلقها بعدما دخل بها، فخلال فترة الحيضات له أن يراجعها.
﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩]، يعني: ادفعوا لهن المتعة.
ففي هذه الآية ذكر الله المتعة واختلف العلماء هل المتعة لكل مطلقة، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١]، لعموم المطلقات، وهذا صحيح، وأنه لعموم المطلقات متاع بالمعروف.
ولكن هذا المتاع بالمعروف يكون فرضاً في حالة معينة ونافلة في باقي الأحوال، والحالة الوحيدة الذي تكون المتعة فرضاً للمرأة، هي عندما يطلقها الزوج قبل الدخول ولم يكن قد سمى لها مهراً، كأن يتزوج إنسان امرأة ولم يتفقوا على مهر، فالمهر قد أمر الله به في كتابه، فليس من حق إنسان أن يلغي المهر الذي أمر الله به، في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤]، فإذا تزوج ولم يتفقوا على مهر، وطلقها قبل أن يدخل بها، فلها المتعة بالمعروف.
فإذا كان قد سمى لها مهراً وطلق قبل الدخول فلها نصف المهر المسمى، وتستحب المتعة لعموم قوله سبحانه: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٤١]، لكن لا تجب إلا في صورة واحدة كما ذكرنا.
قال سبحانه: ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] يعني: طلقوهن.
﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩]، أي: طلاقاً جميلاً.
وهو الطلاق الذي يكون على السنة، وأن يطلق بالمعروف فلا يؤذي ولا يغاضب ولا يعضل المرأة حتى تفتدي نفسها، وأن يطلق المرأة وهي في طهرها وليست حائضاً، وإذا كانت في طهر فلا يكون قد جامعها فيه، ولكن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، أو يطلقها وهي حامل؛ فهذا هو الطلاق الذي ذكر الله ، ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب:٤٩].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 2062
تفسير سورة الأحزاب [٤٩ - ٥٠]
ذكر الله تعالى في سورة الأحزاب بعض مسائل طلاق المرأة، فإذا طلق الرجل المرأة وقد دخل عليها كان الطلاق رجعياً إلا أن يكون خلعها على مال، وكذلك يكون الطلاق رجعياً في خلال العدة، وطلاق المرأة قبل الدخول عليها طلاق بائن، فلا هزل في أمر الطلاق، والطلاق لا يقع حتى يكون النكاح على قول جمهور العلماء، وقد أحل الله لنبيه أزواجه منة منه سبحانه، وكافأ الله نساء النبي ﷺ بتحريم زواجه عليهن، ثم أحله له بعد ذلك، وبقي النبي ﷺ مع نسائه من غير زواج مكافأة منه لهن.
стр. 2063
أحكام الطلاق
стр. 2064
طلاق المرأة قبل الدخول عليها وبعد الدخول عليها
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٩ - ٥٠].
يقول الله للمؤمنين في أمر النكاح: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩].
وقد ذكرنا أن الإنسان إذا تزوج إما أنه يدخل بالمرأة أو أنه لا يدخل بها، فإذا دخل بها وطلقها كان الطلاق رجعياً، إلا إن خالعها على مال فيكون الطلاق بينونة صغرى، أو يكون القاضي هو الذي طلق على الرجل فتكون أيضاً بينونة صغرى، لا مراجعة له، فإذا أراد أن يتزوج يكون الزواج بعقد من جديد.
وإذا طلق الرجل المرأة وانقضت العدة في طلقة رجعية، فتكون قد بانت منه أيضاً بينونة صغرى، فلا رجوع له، إلا إذا أراد أن يعقد من جديد بمهر جديد، وولي وشهود.
لكن إذا أراد الرجوع في خلال عدة المرأة وكان الطلاق رجعياً، فله أن يراجعها من غير ولي، وتصح المراجعة من غير شهود، ويجب عليه أن يشهد في المراجعة.
وإذا طلق الإنسان المرأة قبل أن يدخل بها، فإنها تبين منه بهذه التطليقة.
وليس هناك هزل في أمر الطلاق، فقد ورد في حديث أن النبي ﷺ يقول: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح، والطلاق، والرجعة).
فإذا كان الرجل يمزح مع المرأة وقال لها: أنت طالق، فقد وقع الطلاق، سواء كان يقول: أنا كنت أنوي طلاقاً أو لم أنو طلاقاً؛ لأن اللفظة لفظة طلاق، يقع بها، ولا هزل في ذلك.
كذلك لو أن الرجل طلق المرأة، ثم قال: راجعتك، فقد رجعت له المرأة بذلك، ولو أنه قال: أنا أمزح لم أراجعك، وأنت طالق، وقعت طلقة ثانية، لأن لفظ الطلاق ليس فيه هزل ولا مزاح، فتجد الذي يلعب بالطلاق تقع منه طلقة أولى، وطلقة ثانية، فيأتي متحسراً، ويقول: طلقت المرأة، ولم أكن أقصد، إنما كانت نيتي كذا وكذا، فنقول: الطلاق يقع بلفظ الإيقاع أي: إذا قال: أنت طالق يقع الطلاق منه.
وكثير من الناس يقول لزوجته: أنت طالق! ثم يقول: كنت أهددها، وليس هناك تهديد في كلمة: أنت طالق، هذا إيقاع للطلاق.
إنما التهديد قد يقبل من الرجل إذا كان يحلف بالطلاق، كأن يقول لها: لا تفعلي كذا، وافعلي كذا، فهنا قد يقبل منه أن يقول: كنت أهدد، وقد يحمل على اليمين، وفيه كفارة يمين إذا لم يقصد الطلاق، لكن إيقاع الطلاق: أنت طالق! ليس فيه كلام، بل يقع الطلاق بنية أو بغير نية في ذلك.
وفي هذه المسألة يذكر الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فذكر سبحانه: أن الرجل إذا نكح ثم طلق، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فلا يوجد عدة، إذاً: الطلقة وقعت، وليس لك مراجعتها.
وكثير من الشباب يكون قد عقد، ثم تأخذه العزة أحياناً، ويغضب على المرأة، فيقول: أنت طالق، ثم بعد ذلك يخاف أن يذهب إلى أبيها وقد طلقها، فيأبى أبوها أن يرجعها له، فيقول لها: تعالي أرجعك عند القاضي.
فلا ترجع إليه بذلك، فإذا تزوجها على ذلك، فهو نكاح باطل، وليس صحيحاً، ولا بد من تزويج الولي، لأن هذا الرجل لم يدخل بها، والذي له أن يراجع المرأة من غير ولي هو الذي دخل بها فطلقها، ففي خلال فترة العدة له المراجعة.
стр. 2065
طلاق المرأة قبل الزواج بها
في هذه الآية وهي قوله : ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] لاحظ الترتيب: ﴿نَكَحْتُمُ﴾ [الأحزاب:٤٩] فذكر النكاح.
﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فأخذ منها العلماء مسألة من هؤلاء العلماء: علي بن الحسين فإنه سئل عن رجل قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، أي: إذا غضب شخص من امرأة وقال لها: إن تزوجتك فأنت طالق! فقد علق الطلاق على الزواج، قال علي بن الحسين: ليس بشيء، فقد ذكر الله النكاح قبل الطلاق، وهذا فقه دقيق، وهو أنه لا يقع الطلاق حتى يكون النكاح، فإذا قال الإنسان لامرأة غريبة عنه لا يعرفها: أنت طالق! ولم يتزوجها بعد لا يقع الطلاق بهذا الشيء؛ لأنها ليست امرأته.
كذلك لو قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق! فلو تزوجها لا يقع الطلاق، وإن كان هناك قول في مذهب الإمام مالك وهو الراجح عندهم، أن الإنسان إذا قال ذلك للمرأة، وكان محصوراً بفترة معينة، أو بزمن معين، أو بامرأة معينة، أو بعدد من النساء معينات، يقع هذا الطلاق، فإذا تزوج هذه المرأة التي قال فيها ذلك يقع الطلاق.
أو يكون شائعاً كأن يقول الإنسان: إن تزوجت فكل امرأة أتزوجها هي طالق، قالوا: هذا تضيق على نفسه، فهنا يكون قد حرم ما أحل الله سبحانه، فجعلوا إذا قال ذلك على العموم لا يقع شيء، وإذا خصص وقع الطلاق.
والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم: أن الطلاق لا يقع حتى يكون النكاح، يعني: ينكح أولاً ثم بعد ذلك إذا طلق وقع هذا الطلاق.
ولذلك جاء في حديث المسور بن مخرمة الذي رواه ابن ماجه وهو حديث صحيح عن النبي ﷺ قال: (لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق قبل ملك) أي: لو أن إنساناً قال لامرأة: إذا تزوجتك فأنت طالق، ثم تزوجها، لا يقع؛ لأن هذا التطليق كان قبل أن ينكح هذه المرأة، فلا يقع هذا الطلاق.
كذلك لا عتق قبل ملك، فإذا قال إنسان لعبد: لو اشتريتك فأنت حر، لا يقع التحرير حتى يشتريه ثم يتلفظ بلفظ التحرير بعد ذلك.
وفي الحديث الآخر يقول النبي ﷺ ، وهذا حديث أيضاً عن ابن ماجه من حديث علي بن أبي طالب (لا طلاق قبل نكاح).
وروى الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال النبي ﷺ : (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا طلاق له فيما لا يملك) والمقصود هنا: أن الإنسان لا يقع منه عتق على من لا يملكه، ولا يقع منه طلاق على من لم يتزوجها أصلاً، وكذلك لا نذر له فيما لا يملك، كأن يقول: لله علي نذر إذا حدث كذا أني أذبح ناقة فلان، وليست الناقة ملكه حتى يذبحها، فليس له أن ينذر هذا النذر، وهناك تفصيل لأهل العلم في ذلك، لكن الغرض مسألة الطلاق، أنه لا يقع طلاق حتى يتم النكاح، والشاهد هذه الآية، قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ [الأحزاب:٤٩] فرتب التطليق على وجود النكاح.
стр. 2066
تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك)
стр. 2067
نسخ تحريم زواج النبي على أزواجه اللاتي كن معه
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] هذا إخبار للنبي صلوات الله وسلامه عليه بأن الله أحل له أزواجه ﵊، ورضي الله عنهن.
(إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) هذه الآية ذكر بعض أهل العلم أنها ناسخة لآية أخرى تليها وليست قبلها.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] قالوا: أحل الله له ذلك، وهو متزوج أصلاً ﷺ ، قالوا: فلا بد أن يكون هناك شيء قد حرمه الله عليه ثم أحله له بعد ذلك، فذكروا قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:٥٢] فهذا الذي لا يحل جعله مغيباً حتى يأتي حكم آخر، قالوا: هذا الحكم هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، وكأنهم ذهبوا إلى أن الآية الناسخة متقدمة في التلاوة على الآية المنسوخة، كالتي في سورة البقرة في أمر العدة، حيث إن الله ذكر: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] في المرأة التي توفي عنها الرجل، وفي آية قبلها ذكر الله : ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] فكانت الناسخة في التلاوة قبل المنسوخة، وإن كان في الحكم أن ينزل الحكم المنسوخ أولاً ثم بعد ذلك الحكم الناسخ.
لكن الأكثر من أهل العلم قالوا: إن هذه الآية يمن فيها الله على نبيه ﷺ بذلك، وليست هذه الآية التي نسخت الحكم، ولكن ذكرت السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يمت حتى أحل الله له النكاح، فكأن الله أحل له أن يتزوج، وبين له من هذه المرأة أو من هؤلاء النساء اللاتي تزوج منهن ﷺ ، ثم بعد ذلك نزل التخيير، بأن خير الله نساءه إذا كن يردن النبي أو يردن الحياة الدنيا وزينتها، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فجاءت المكافأة من الله أنه قال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢] فكانت مكافأة لنساء النبي ﷺ .
ثم بعد ذلك أباح له بوحي من السنة أن يتزوج، فكان منه ﷺ المكافأة لنسائه أنه لم يتزوج بعد ذلك عليهن صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: هذه الآية قوله : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] هي ابتداء حكم من الله سبحانه، وإخبار عن حل كل من تزوجتها بهذه القيود والشروط.
стр. 2068
معنى قوله: (أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك)
﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] الأزواج: جمع زوج وجمع زوجة، فيطلق على المرأة زوجة بتاء التأنيث، ويطلق عليها أيضاً بغير تاء، وأزواجك هنا: جمع زوج.
﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] إذاً: تزوج ﷺ ودفع مهوراً.
قال: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: أباح له أيضاً ملك اليمين، وهي: الأمة، يملكها النبي ﷺ ويطؤها، فيجوز له ﷺ ويجوز للمؤمنين أيضاً ملك اليمين إذا وجد الإماء.
﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ﴾ [الأحزاب:٥٠] مما أرجع الله إليك في الغنيمة أو في الفيء، ومما غنمت في الجهاد في سبيل الله ، فهذا حلال لك.
стр. 2069
معنى قوله: (وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك)
كذلك أباح الله له فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ففي هذه الآية قيد، فكل إنسان يجوز له أن يتزوج من بنت عمه أو من بنت خاله، أو من بنت عمته، أو من بنت خالته، لكن الله سبحانه قيد للنبي ﷺ أنه إذا تزوج بواحدة منهن لا بد أن تكون هذه التي تزوجها مهاجرة، فإذا لم تكن مهاجرة فليس له أن يتزوجها، وكأنه مكافأة لقريبات النبي ﷺ المهاجرات.
وقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، لاحظ أنه وحد هنا، فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ولما ذكر العمات جمع فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] مع أن له أعماماً وله عمات ﷺ .
وقال أيضاً: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وله أخوال وله خالات، فأفرد في العم وفي الخال؛ لأن العادة عند العرب، أنه يطلق العم على الأعمام، والخال على الأخوال، بخلاف الخالة، تطلق على الواحدة، فهذا عرف لغوي كان موجوداً عند العرب، فلذلك راعى القرآن العرف اللغوي الذي عند العرب.
ولما قال أيضاً: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ) [الأحزاب:٥٠] معناه: جميع الأعمام، فلما ذكر الله العمات راعى العرف اللغوي عندهم، فلو أنه قال: وبنات عمتك، تكون عمة واحدة فقط، لكنه قال: ((عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]؛ لرفع الإشكال هنا.
أما ذكر الخال فليس فيه إشكال عندهم، فالله يقول: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: أي خال من أخوالك تتزوج من بناته، لكن لما قال: ﴿وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] كان عندهم الخالة على الواحدة، فراعى هذا العرف فجمع الخالة، وأفرد الخال.
قال تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وكل هؤلاء بشرط الهجرة، ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].
стр. 2070
معنى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي)
كذلك أباح الله له فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فأباح للنبي ﷺ أن يتزوج امرأة وهبت نفسها للنبي وهذا خاص له وحده ﵊، ليس لأحد غير النبي ﷺ ، فلا يجوز لامرأة أن تهب نفسها لرجل، تقول: وهبتك نفسي، وإنما هذا للنبي ﵊ فقط، وهذه خصوصية من خصوصياته؛ لأن الله ذكر أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو أولى بأي امرأة من وليها، فإذا كان لها ولي يزوجها وليها، فلا أحد من الأولياء يرفض نكاح ابنته من النبي ﷺ إذا كانت مؤمنة.
فالله أباح للنبي ﷺ إذا وهبت له امرأة نفسها، أن يتزوجها سواء كان وليها هو الذي أتى بها، أو هي التي أتت إلى النبي ﷺ .
следующие страницы →