← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك)

стр. 2067

نسخ تحريم زواج النبي على أزواجه اللاتي كن معه قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] هذا إخبار للنبي صلوات الله وسلامه عليه بأن الله أحل له أزواجه ﵊، ورضي الله عنهن. (إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ) هذه الآية ذكر بعض أهل العلم أنها ناسخة لآية أخرى تليها وليست قبلها. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] قالوا: أحل الله له ذلك، وهو متزوج أصلاً ﷺ ، قالوا: فلا بد أن يكون هناك شيء قد حرمه الله عليه ثم أحله له بعد ذلك، فذكروا قوله تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب:٥٢] فهذا الذي لا يحل جعله مغيباً حتى يأتي حكم آخر، قالوا: هذا الحكم هو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، وكأنهم ذهبوا إلى أن الآية الناسخة متقدمة في التلاوة على الآية المنسوخة، كالتي في سورة البقرة في أمر العدة، حيث إن الله ذكر: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] في المرأة التي توفي عنها الرجل، وفي آية قبلها ذكر الله : ﴿أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] فكانت الناسخة في التلاوة قبل المنسوخة، وإن كان في الحكم أن ينزل الحكم المنسوخ أولاً ثم بعد ذلك الحكم الناسخ. لكن الأكثر من أهل العلم قالوا: إن هذه الآية يمن فيها الله على نبيه ﷺ بذلك، وليست هذه الآية التي نسخت الحكم، ولكن ذكرت السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لم يمت حتى أحل الله له النكاح، فكأن الله أحل له أن يتزوج، وبين له من هذه المرأة أو من هؤلاء النساء اللاتي تزوج منهن ﷺ ، ثم بعد ذلك نزل التخيير، بأن خير الله نساءه إذا كن يردن النبي أو يردن الحياة الدنيا وزينتها، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فجاءت المكافأة من الله أنه قال: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢] فكانت مكافأة لنساء النبي ﷺ . ثم بعد ذلك أباح له بوحي من السنة أن يتزوج، فكان منه ﷺ المكافأة لنسائه أنه لم يتزوج بعد ذلك عليهن صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: هذه الآية قوله : ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] هي ابتداء حكم من الله سبحانه، وإخبار عن حل كل من تزوجتها بهذه القيود والشروط.

стр. 2068

معنى قوله: (أحللنا لك أزواجك وما ملكت يمينك) ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] الأزواج: جمع زوج وجمع زوجة، فيطلق على المرأة زوجة بتاء التأنيث، ويطلق عليها أيضاً بغير تاء، وأزواجك هنا: جمع زوج. ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] إذاً: تزوج ﷺ ودفع مهوراً. قال: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: أباح له أيضاً ملك اليمين، وهي: الأمة، يملكها النبي ﷺ ويطؤها، فيجوز له ﷺ ويجوز للمؤمنين أيضاً ملك اليمين إذا وجد الإماء. ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ﴾ [الأحزاب:٥٠] مما أرجع الله إليك في الغنيمة أو في الفيء، ومما غنمت في الجهاد في سبيل الله ، فهذا حلال لك.

стр. 2069

معنى قوله: (وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك) كذلك أباح الله له فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] ففي هذه الآية قيد، فكل إنسان يجوز له أن يتزوج من بنت عمه أو من بنت خاله، أو من بنت عمته، أو من بنت خالته، لكن الله سبحانه قيد للنبي ﷺ أنه إذا تزوج بواحدة منهن لا بد أن تكون هذه التي تزوجها مهاجرة، فإذا لم تكن مهاجرة فليس له أن يتزوجها، وكأنه مكافأة لقريبات النبي ﷺ المهاجرات. وقوله: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، لاحظ أنه وحد هنا، فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ولما ذكر العمات جمع فقال: ﴿وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] مع أن له أعماماً وله عمات ﷺ . وقال أيضاً: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وله أخوال وله خالات، فأفرد في العم وفي الخال؛ لأن العادة عند العرب، أنه يطلق العم على الأعمام، والخال على الأخوال، بخلاف الخالة، تطلق على الواحدة، فهذا عرف لغوي كان موجوداً عند العرب، فلذلك راعى القرآن العرف اللغوي الذي عند العرب. ولما قال أيضاً: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ) [الأحزاب:٥٠] معناه: جميع الأعمام، فلما ذكر الله العمات راعى العرف اللغوي عندهم، فلو أنه قال: وبنات عمتك، تكون عمة واحدة فقط، لكنه قال: ((عَمَّاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]؛ لرفع الإشكال هنا. أما ذكر الخال فليس فيه إشكال عندهم، فالله يقول: ﴿وَبَنَاتِ خَالِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: أي خال من أخوالك تتزوج من بناته، لكن لما قال: ﴿وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] كان عندهم الخالة على الواحدة، فراعى هذا العرف فجمع الخالة، وأفرد الخال. قال تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وكل هؤلاء بشرط الهجرة، ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب:٥٠].

стр. 2070

معنى قوله: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) كذلك أباح الله له فقال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فأباح للنبي ﷺ أن يتزوج امرأة وهبت نفسها للنبي وهذا خاص له وحده ﵊، ليس لأحد غير النبي ﷺ ، فلا يجوز لامرأة أن تهب نفسها لرجل، تقول: وهبتك نفسي، وإنما هذا للنبي ﵊ فقط، وهذه خصوصية من خصوصياته؛ لأن الله ذكر أن النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فهو أولى بأي امرأة من وليها، فإذا كان لها ولي يزوجها وليها، فلا أحد من الأولياء يرفض نكاح ابنته من النبي ﷺ إذا كانت مؤمنة. فالله أباح للنبي ﷺ إذا وهبت له امرأة نفسها، أن يتزوجها سواء كان وليها هو الذي أتى بها، أو هي التي أتت إلى النبي ﷺ .

стр. 2071

اختلاف العلماء في وقوع زواج النبي ﷺ من المرأة التي وهبت نفسها له لكن هل وقع ذلك، هل وهبت امرأة نفسها للنبي ﷺ فتزوجها، فالآية أباحت، واختلف العلماء في الوقوع، فالكثيرون على أنه لم يقع أن امرأة وهبت نفسها للنبي ﷺ فتزوجها. والبعض ذكروا أن ممن وهبت نفسها للنبي ﷺ ، السيدة: ميمونة بنت الحارث، والبعض ذكر السيدة: زينب بنت خزيمة التي تكنى بأم المساكين الأنصارية. وجاء في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂، قالت: (كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ، وأقول: أما تستحي امرأة تهب نفسها لرجل؟) أي: أن السيدة عائشة كانت تغار من ذلك، وكانت تقول ذلك، (حتى أنزل الله ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١]، فقالت السيدة عائشة للنبي ﷺ : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك) أي: أن الله يحب الذي تحبه أنت، صحيح أن عائشة تغار، ولكن الحكم الشرعي: أن تلتزم السيدة عائشة وغيرها من نساء النبي ﷺ بحكم الله فيما أباحه لنبيه صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك كان النبي ﷺ يتزوج، فكان نساء النبي ﷺ لو كن يعرفن حيلة يمنعنه بها من الزواج لفعلن. يقول الله : ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: أن مسألة أن تهب المرأة نفسها للنبي ﷺ مسألة خالصة له، أي: أن هذا الحكم خاص به ﷺ . ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: يتزوجها، يستنكح وينكح بمعنى واحد، أي: يتزوجها صلوات الله وسلامه عليه. قال سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب:٥٠]. إذاً: هذا بيان للمؤمنين أنه لا أحد يعترض على النبي ﷺ ، فالله يخبرهم أنه لا يسأل عما يفعل. وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: فرضنا عليهم شيئاً، وفرضنا عليك أشياء غير ما فرضنا عليهم، وفرضنا عليك وعليهم أشياء أخر، أي: علمنا الأمر والفرق بينك وبينهم، فليس لأحد أن يعترض على حكم الله سبحانه. قال: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠]، أي: أحل الله لنبيه ﷺ هذه الأشياء، ونزل قرآناً يتلى حتى لا يكون عليه حرج ﷺ في أن يتزوج أكثر من أربع نسوة، ويمنع المؤمنين من النكاح بأكثر من أربع. قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠] فالله هو الغفور الرحيم، كان ولم يزل ، فهذه اللفظة تفيد الأبدية، أي: أنه شيء أبدي دائم سرمدي، أي: أن لفظة: كان الله غفوراً رحيما، فمعناها: أنه في الماضي: غفور رحيم، وفي الحاضر: غفور رحيم، وفي المستقبل: غفور رحيم . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2072

تفسير سورة الأحزاب الآية [٥٠] لقد شرف الله نبيه محمداً ﷺ في الدنيا وفي الآخرة، ولذا كان ما أمر به النبي ﷺ أمراً لأمته وما نهي عنه نهياً لأمته، واستثنى الشرع أشياء أحلت للنبي ﷺ دون أمته، وأشياء فرضت على النبي ﷺ دون أمته، وأشياء حرمت على النبي ﷺ دون أمته، وهذا فيه زيادة فضل وشرف لحبيبنا ونبينا محمد ﷺ .

стр. 2073

ما أحل للنبي ﷺ وما حرم عليه من النساء

стр. 2074

مهر أمهات المؤمنين بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠ - ٥١]. يخبر الله في هاتين الآيتين نبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه أحل له أزواجه اللاتي آتى أجورهن قال تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] فأحل له أن يتزوج المرأة التي يخطبها صلوات الله وسلامه عليه، ويدفع مهرها ﵊ ويتزوجها. وذكر هنا ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] والنبي ﷺ كان يتزوج ويدفع مهراً، وكان مهر نساء النبي ﷺ في حدود اثنتي عشرة أوقية ونش يعني: ونصف أوقية، أي: حوالي خمسمائة درهم، والدرهم حوالي خمسة جرامات من الفضة، يعني: كأن مهر النبي ﷺ الذي يدفعه لنسائه حوالي ألف وخمسمائة جرام من الفضة، فهذا مقدار مهره ﷺ . وهنا بيان أن النبي ﷺ كان يدفع المهر لنسائه ﵊، ومهر أم حبيبة دفعه عنه النجاشي ملك الحبشة، كانت أم حبيبة بنت أبي سفيان مهاجرة إلى الحبشة مع زوجها وتوفي زوجها هناك، ثم تزوجها النبي ﷺ ، والذي قام بهذا العقد للنبي ﷺ كان النجاشي ملك الحبشة، وكان رجلاً مسلماً ﵁، اسمه: أصحمة النجاشي، ودفع مهر النبي ﷺ من عنده أربعمائة دينار، حوالي نصف كيلو ذهب فهو مهر يليق به لأنه ملك، فدفع هذا المهر عن النبي ﷺ . أما ما دفعه النبي ﷺ لنسائه فكان حوالي اثنتي عشرة أوقية ونش، والأوقية تساوي حوالي اثني عشر درهماً تقريباً، فحسب العلماء ذلك بحوالي خمسمائة درهم مهر النبي ﷺ لنسائه. ذكر هنا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٠] أي: مهورهن، فكان يتزوج ويدفع المهر، وربنا ذكر في النساء قال: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] يعني: مهور النساء عطية وفريضة من الله ، فلو أن إنساناً تزوج امرأة على أنها ليس لها مهر فهذا شرط باطل لاغ؛ لأن الله أمر بالمهر، ولو أن إنساناً تزوج امرأة على مهر بسيط فهذا شرط صحيح ويصح النكاح ولو على مهر بسيط. لكن أحياناً بعض الناس يقول: إن السنة أن تتزوج على خمسة وعشرين قرشاً وهذا كذب؛ لأن مهر النبي ﷺ لنسائه كان اثنتي عشرة أوقية ونشاً، والأوقية حوالي اثني عشر درهماً، فكان مهر النبي ﷺ لنسائه حوالي خمسمائة درهم تقريباً. فالذي يقول: مهر النبي ﷺ لنسائه كان أقل من ذلك، أو كان خمسة وعشرين قرشاً، ويزعم أن هذا سنة، فهذا ليس بسنة عن النبي ﷺ ، إنما السنة ما ذكرنا.

стр. 2075

جواز زواج النبي من بنات أعمامه وأخواله أخبر هنا ربنا النبي ﷺ بمن أحلهن له ﵊ فقال: ﴿أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٠]، كذلك ملك اليمين، أي: من اشترى من ماله ﷺ من الإماء، كذلك ما أفاء الله على النبي ﷺ من الغنائم أو من الفيء. قال: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ﴾ [الأحزاب:٥٠] فقيد هنا بنت العم وبنت الخال وبنت العمة وبنت الخالة بأنها تكون مهاجرة مع النبي ﷺ .

стр. 2076

اختصاص النبي بزواج الهبة قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠] وهذه خصوصية للنبي ﷺ كما ذكر الله قال: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠]. إذاً: أن تهب المرأة نفسها لغير النبي ﷺ غير جائز. وقد خصه الله ببعض الأحكام كما سنذكر بعد ذلك، منها ما فرضه عليه ﷺ ، ومنها ما حرم عليه ﷺ دون غيره من الناس. فهذه المسألة من الأشياء التي أباحها له ﷺ دون غيره من الناس. قال: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٥٠] وكلمة يستنكحها بمعنى: يتزوجها. ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب:٥٠] وكلمة النبي في كل القرآن تأتي في قراءة نافع مهموزة: النبيء، والأصل فيه النبأ يعني: له نبوءة إخبار وإعلام بالغيب من الله سبحانه ﵎، وباقي القراءة يقرءونها في القرآن كله النبي بعدم الهمز وبتشديد الياء الأخيرة. نافع له راويان هما: قالون وورش، في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا﴾ [الأحزاب:٥٠] نافع يقرؤها: (يا أيها النبيء انا) فيمد الياء ويظهر الهمزة ويسهل الثانية، فإذا جاء إلى قوله: ﴿لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب:٥٠] فهنا يخفف قالون ويقرؤها كغيره من القراء: ﴿لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ [الأحزاب:٥٠]، ويقرؤها ورش: (للنبيء إن اراد) فإذا وصل فسيقرأ ورش هذه الكلمة: (للنبيء ين اراد) ويقلب الهمزة الثانية لكي يجعلها ياءً وقد يمدها وقد يكسرها.

стр. 2077

تخصيص النبي بالتخفيف عنه في بعض الأحكام يقول الله سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] فرضنا على المؤمنين أشياء وقد نخفف عنك أنت في هذه الأشياء، فللمؤمن أن يتزوج: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣] أما النبي ﷺ فله أكثر من ذلك ﵊، أحل الله له ذلك للحكم التي ذكرنا من قبل، ومن أهمها: الدعوة إلى الله سبحانه، فإن امرأة واحدة لا تكفي أن تبلغ ما ينزل في بيت النبي ﷺ من الأحكام الشرعية من كتاب ومن سنة، فامرأة واحدة لا تكفي، إذا كان رجل واحد لا يكفي كيف بالمرأة الواحدة؟ والنبي ﷺ لكونه معصوماً، ولكون الله ﵎ أعطاه القوة والقدرة على ذلك فقد بلغ واستطاع أن يبلغ، أما غيره فلا يقدر على ذلك فكيف بالنساء، فلذلك جعل الله للنبي ﷺ أن يتزوج ما شاء من النساء، فتبلغ كل واحدة ما نزل في بيتها وما علمته من النبي ﷺ من الأحكام الشرعية للخلق. قال الله سبحانه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [الأحزاب:٥٠] يتزوج الرجل وله أن يتسرى، فيشتري أمة ويطأ بملك اليمين، قال تعالى: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب:٥٠] فإن الذي أحل لك هو الله ، فلا حرج عليك، وليس من حق أحد أن يعترض على ربه سبحانه. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠] يغفر لك وللمؤمنين، ويرحمك والمؤمنين. الإمام القرطبي يذكر لنا في هذه الآية أن الله ﵎ قد خص النبي ﷺ في الأحكام الشرعية بمعان لم يشاركه فيها أحد ﷺ ، ففرض عليه أشياء جعلها فريضة، وحرم عليه أشياء جعلها محرمة، ولا تكون هذه فريضة على غيره، ولا هذه محرمة على غيره ﵊.

стр. 2078

ذكر بعض خصائص النبي ﷺ

стр. 2079

ما وجب عليه من العبادات دون أمته فذكر العلماء أشياء في بعضها خلاف، من ذلك: أن الله فرض عليه ﷺ التهجد بالليل، ثم خفف الله عنه فلم يخفف هو عن نفسه ﵊، واستمر في ذلك وقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً) صلوات الله وسلامه عليه، فكان قيام الليل فريضة عليه ﷺ ، ثم خفف الله عنه، واستمر هو ﷺ ولم يخفف على نفسه، وكان يقوم حتى تتورم قدماه ﵊، وقد يرجع وينام ثم يقوم مرة أخرى ويصلي، ثم يرجع وينام، ثم يقوم ثالثة ويصلي ﵊ فتذكر السيدة عائشة ﵂ أنه: (كان يصلي إحدى عشرة ركعة من الليل، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن) صلاة طويلة حسنة جميلة يقومها ﷺ ! كان إذا قرب الصباح يقوم يغمز نساءه بيده ﷺ فتقوم هي تصلي أيضاً وتوتر، لكن لا يأمرها أن تقوم الليل كله مثلما يقوم هو ﷺ . وكان يحتاج أن يستريح قبل الفجر، فكان يصلي سنة الفجر ثم يضطجع ﵊، ففي الفترة ما بين سنة الفجر حتى تقام الصلاة إن كان بعض نسائه قائمة يكلمها وإلا اضطجع على جنبه فيستريح قليلاً من القيام، ثم يقوم ويصلي بالناس الفجر صلوات الله وسلامه عليه. فكان قيام الليل فرضاً عليه بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢] فكان الفرض بها. أيضاً مما ذكروا أنه فرض عليه ﷺ يصلي الضحى، وصلاة الضحى ليست فريضة على الناس، والظاهر أنها كانت فرضاً عليه لفترة، ثم بعد ذلك أصبحت نافلة له ولغيره ﵊، ولكنه واظب على صلاة الضحى ﵊، وأحياناً كان يتركها ليبين للناس أنها ليست فريضة. كذلك ذكروا من الأشياء التي فرضت عليه الأضحية، فضحى ﷺ عن نفسه فذبح كبشاً وقال: (اللهم هذا عن محمد وآل محمد ﷺ ورفع الحرج عن أمته ﵊ بكرمه ﷺ فذبح كبشاً آخر وقال: (وهذا عمن لم يضح من أمتي) فرفع الحرج عن الأمة في أمر الأضحية الواجبة، وصارت الأضحية على الناس سنة. كذلك مما كان فرضاً عليه أن يصلي الوتر، وهذا داخل في التهجد؛ لأنه كان فريضة في وقت من الأوقات، ثم بعد ذلك صار الوتر نافلة له ولغيره، وواظب هو عليه صلوات الله وسلامه عليه. وأيضاً: مما أمر به السواك، فكان يستاك ﷺ كثيراً حتى يقول عن نفسه: (حتى خشيت أن أدرد) يعني: من كثرة استخدام السواك خشي على أسنانه أن تدرد، وهذا معلوم فإن الإنسان عندما يستخدم الفرشاة على أسنانه بطريقة قاسية جداً بشكل دائم تذهب وتتساقط في النهاية. فالنبي ﷺ كان يستخدم السواك بشكل دائم، كان يأمره جبريل بذلك ﷺ ، فأول ما يقوم من النوم يستخدم السواك، وكان إذا دخل بيته أول شيء يستخدمه السواك، وإذا توضأ استخدم السواك، وإذا دخل في الصلاة يستخدم السواك، فكان فمه أطهر وأطيب فم صلوات الله وسلامه عليه، فكان يستخدم السواك ويقول: (إني أناجي من لا تناجون) يعني: أنا أكلم الملائكة والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، فكان يشدد عليه في ذلك صلوات الله وسلامه عليه. من ذلك أيضاً قضاء دين من مات معسراً، لما فتح الله عليه الفتوح فالنبي ﷺ قال: (أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك كلاً أو ديناً فإلي وعلي) فكان كأنه فريضة عليه ﷺ أو هو اختار أن يقضي ديون من مات وعليه دين بعدما فتح الله عليه، وإن كان قبل ذلك لا يصلي على من مات وعليه دين، فلما فتح له ﷺ كان يقضي دين الميت من عنده ويصلي عليه. من ذلك أيضاً أنه فرض عليه ﷺ أن يشاور في غير الأحكام الشرعية، فالأحكام الشرعية لا مشاورة لأحد فيها، إنما هي أحكام من عند الله يأمر بها فينفذها النبي ﷺ ، لكن في غير ذلك من أمر القتال والجهاد في سبيل الله ، والسفر ونحو ذلك، كان يشاور كما قال له ربه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. كذلك من خصوصياته ﵊ أنه كان إذا عمل عملاً أثبته، فمرة من المرات ترك سنة الظهر القبلية حيث جاء له وفد من الوفود، فجلس يكلمهم ففاتته سنة الظهر ولم يصلها بعد الظهر حتى دخل وقت العصر، فلما صلى العصر قام وصلى ركعتين، فأرسلت أم سلمة إليه تسأله ﷺ : ألم تنه عن ذلك؟ فأشار إليها وبعد أن أكمل الصلاة بين لها أنه جاءه وفد فشغله عن هاتين الركعتين، فصلاها بعد العصر ثم أثبتها، إذاً: كل يوم يصلي هاتين الركعتين، فهذا خاص له ﷺ أنه إذا عمل عملاً أثبت هذا العمل وواظب عليه صلوات الله وسلامه عليه. أيضاً من ذلك: تخيير نسائه: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب:٢٨] على ما سبق في ذلك. إذاً: هنا هذه من الأشياء التي فرض على النبي ﷺ بعضها والبعض الآخر هو اختاره وأثبته وواظب عليه فكان له خاصة ﵊.

стр. 2080

ما حرم على النبي ﷺ ومنع منه حرمت عليه أشياء دون غيره ﵊: من ذلك تحريم الزكاة عليه وعلى آله، فيحرم على النبي ﷺ أن يأخذ شيئاً من زكوات الناس، وذلك إلى قيام الساعة، فليس للنبي ﷺ ولا لأحد من آل بيت النبي ﷺ من بني هاشم وبني المطلب أن يأخذوا من الصدقات شيئاً ولا من الزكوات، فيحرم عليه ﷺ الزكاة وكذلك على آل بيته. كذلك يحرم عليه صدقة التطوع، فكان يؤتى بالشيء من تمر ونحوه فيسأل: ما هذا؟ فإذا قالوا: هذا صدقة قال لأصحابه: كلوا، وإذا قالوا: هدية أكل وأمرهم أن يأكلوا ﵊، فكان يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة لنفسه ﵊. أيضاً من ذلك: خائنة الأعين، يعني: أن يغمز لأحد على شيء، فيجوز لغيره إذا كان في حاجة غمز فيها، أما هو فليس له ذلك ﷺ . وهنا قصة رواها الإمام أبو داود ورواها النسائي من حديث مصعب بن سعد عن أبيه يوضح هذا الأمر أنه ما كان لنبي أن يكون له خائنة أعين ﵊. يقول سعد بن أبي وقاص: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين). وهذا في فتح مكة ﷺ حين قال للناس: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) إلا أربعة لم يؤمنهم النبي ﷺ ، لأنهم كانوا من الخونة ومن أشد الناس إيذاء للنبي ﷺ وللمؤمنين، فبعضهم قتل، وبعضهم أفلت ثم أسلم بعد ذلك. فهؤلاء قال النبي ﷺ : (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة) وهم: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن خطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح، هؤلاء الأربعة من الرجال، وامرأتان كانتا تغنيان بشتم النبي ﷺ وسبه وهجائه، فأمر النبي ﷺ بقتل هؤلاء. فأما عبد الله بن خطل فأدرك وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن كريز وعمار بن ياسر فسبق سعيد عماراً فقتله. وأما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه. وأما عكرمة فركب البحر فأصابته ريح عاصف وهم في البحر، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً، يعني: انظر العرب في الجاهلية يعرفون أن الذي يعبدونه باطل لا ينفع ولا يضر، فلما ركبوا السفينة -وكلهم كفار- جاءت ريح عاصف عليهم فقال أصحاب السفينة: ارجعوا إلى الإخلاص واتركوا العبادة التي أنتم فيها، فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً ففكر عكرمة وقال: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص فلا ينجي في البر غيره، فقال: اللهم إن لك علي عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً ﷺ حتى أضع يدي في يده فلأجدنه عفواً كريماً، فجاءه فأسلم بعد ذلك ﵁. أما عبد الله بن سعد بن أبي السرح فاختبأ عند عثمان وكان أخاً لـ عثمان من أمه، فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به عثمان، ووقف به على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى، يعني: لم يرض أن يبايعه النبي ﷺ ، ثم في المرة الرابعة بايعه ﷺ ، ثم أقبل على أصحابه بعد أن مشى الرجل فقال: النبي ﷺ لأصحابه: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله؟)، يعني: لا بيعة بيننا وبينه، وهذا إنسان كان على الكفر وعمل عملاً قبل ذلك، فتفهمون أنني لا أريد أصلاً هذا الإنسان فيقوم له أحد ليقتله، فقالوا: (وما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك، هلا أومأت إلينا بعينك؟) أي: تغمز لأحد منا يقوم له فيقتله، قال: (إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين)، مع أنه يريد قتل هذا الإنسان. وعبد الله بن سعد بن أبي السرح هذا كان كاتباً يكتب للنبي ﷺ القرآن، ثم ارتد ورجع إلى الكفار وقال: أنا كنت أملي على النبي ﷺ وكنت أكتب من عند نفسي، فافترى وفتن الناس في ذلك، يعني يقول: أنا كنت أؤلف القرآن، وكان النبي ﷺ يوافقني، فكانت تنزل الآية فيها شيء، ثم ختام الآية: وكان الله غفوراً رحيما، كان الله عليماً حكيماً، فالرجل يقول للنبي ﷺ : أكتب عليماً حكيماً فينزل القرآن من عند الله ، يقول: اكتب عليماً حكيماً، فهو كان يفتري ويقول للناس: أنا الذي كنت أؤلف هذه الأشياء، وأنا الذي كنت أجعلها؛ ففتن الناس فاستحق أن يقتل، ولكن رحمة الله عظيمة وواسعة، لم يقتل هذا الإنسان وأفلت، وصار بعد ذلك أميراً على مصر في أيام الخلافة بعد النبي ﷺ . المقصود أن النبي ﷺ أراد قتله وأراد الله شيئاً آخر، والنبي ﷺ لم يغمز للناس، لو غمز لهم لقاموا إليه وقتلوه، ولكن من خصوصياته أنه ليس من حقه أن يغمز على أحد. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2081

تفسير سورة الأحزاب (تابع) الآية [٥٠] محمد ﷺ هو سيد البشر، وخاتم الرسل وأفضلهم، وقد خصه الله بخصائص كثيرة تشريفاً له وتكريماً، وبياناً لرفعة مكانته وعلو منزلته، ومعرفة هذه الخصائص تزيد المؤمنين إيماناً بالنبي ﷺ وإجلالاً له وتوقيراً.

стр. 2082

خصائص النبي ﵊ التي حرمت عليه دون غيره

стр. 2083

تحريم الصدقة على الرسول وآله الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا في الحديث السابق قول الله سبحانه لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠]، فخص الله سبحانه نبيه ﷺ بأحكام منها ما جاء في هذه الآية أن النبي ﷺ إن وهبت امرأة نفسها له فمن حقه أن يتزوجها صلوات الله وسلامه عليه. وذكرنا أن هذا ليس الحكم الوحيد الذي يختص بالنبي ﷺ ، بل هناك أحكام اختصت به في الفرائض وفي المحرمات، فحرم عليه أشياء أحلها الله لغيره، ولكن تشريفاً وتكريماً له ﷺ حرمها الله عليه كأخذ الزكاة، فلا يحل له أن يأكل من الزكاة ولا أن يأخذ صدقة صلوات الله وسلامه عليه، مهما كان نوع الصدقة، فليس له أن يأكل ولا حتى تمرة من تمر الصدقة. ولذلك لما وجد تمرة من تمر الصدقة في فم الحسن أخرجها من فمه وقال: (كخ كخ! أما علمت أنا لا نأكل الصدقة!) فمنع الصبي الصغير من أكل الزكاة مع أنه ليس مكلفاً، ولكن ليعلم النبي ﷺ آل بيته أنه لا يحل للنبي ﷺ ولا لأهل بيته أن يأكلوا من الصدقة.

стр. 2084

عدم جواز تبديل أزواجه ثم نسخ هذا الحكم أيضاً من الأشياء التي حرمت على النبي ﷺ قوله سبحانه في أزواجه ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢] فحرم الله عليه أن يبدل بهؤلاء الأزواج بعدما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فمنع أن يتزوج عليهن أو يتزوج غيرهن، ثم أباح له الله ذلك بعد ذلك، ولكن النبي ﷺ لم يفعل هذا مكافأة لأزواجه اللاتي اخترن الله ورسوله.

стр. 2085

عدم جواز التزوج بمن لا تحب صحبته كذلك من خصوصياته ﷺ أنه لا يتزوج بامرأة لا تحب صحبته ﷺ ، وغيره قد يتزوج امرأة تطمع في ماله أو في منصبه ولكن لا تحب صحبته، ويحل له أن يبقى معها، أما النبي ﷺ فلا، ولذلك المرأة التي قالت للنبي ﷺ عندما أراد أن يدخل عليها: أعوذ بالله منك، قال: (لقد عذت بمعاذ، الحقي بأهلك)، وقوله: (عذت بمعاذ) يعني الله يعيذك ويعصمك، فلن أقربك، وطلقها وفارقها صلوات الله وسلامه عليه. كذلك امرأة تزوجها النبي ﷺ فلما جاء ليدخل بها بسط يده إليها فإذا بالمرأة تستنكف وتستكبر عن النبي ﷺ ، فأمر أبا أسيد أن يرجعها لأهلها وقال: (متعها برازقيين وأرجعها إلى أهلها)، وكانت قد قالت له: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة! تقول هذا للنبي ﷺ ، فكان جزاؤها أنها لا تستحق أن تكون مع النبي ﷺ ، فظلت تندب حظها حتى ماتت. فهذه المرأة بعد ذلك علمت أنها فرطت في أمر عظيم وشرف عظيم، وهو أن تكون زوجة للنبي ﷺ .

стр. 2086

عدم جواز التزوج بالكتابية كذلك يحرم عليه ﷺ أن يتزوج بالحرة الكتابية، ويجوز للمسلمين أن يتزوجوا من المحصنات من أهل الكتاب، أما النبي ﵊ فلا يجوز له أن تكون امرأته كتابية يهودية أو نصرانية، لأن نساء النبي ﷺ أمهات للمؤمنين، فكيف يقال عن زوجة النبي ﷺ : هذه نصرانية أو يهودية؟ هذا لا يليق بمقامه ﷺ . ومارية القبطية لم تكن زوجة للنبي ﷺ ، وإنما كانت أم ولد ثم أسلمت، وهي من أهل مصر، وأهل مصر كان يطلق عليهم أقباط، أرسلها المقوقس عظيم مصر هدية للنبي ﷺ هي وأختها سيرين، فأخذ النبي ﷺ واحدة وأعطى حسان بن ثابت الأخرى، فكانت عند النبي ﷺ ، وكان له منها إبراهيم بن النبي ﷺ وعليه السلام. ويوجد فرق بين الأمة والزوجة، الأمة ملك يمين يملكها الإنسان بأن يشتريها أو توهب له، أما الزوجة فلا تشترى، بل يخطبها الرجل من أهلها، فشرفت بذلك لأنها حرة، والأخرى أمة تباع وتشترى. وهاجر أم إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام كانت أمة لإبراهيم، بخلاف سارة فهي زوجة لإبراهيم، وهاجر كانت أمة تملكها سارة أهداها لـ سارة ملك مصر الذي أراد أن يأخذ سارة من إبراهيم، فسأله: من هذه؟ قال: أختي، خاف أن يقول: زوجتي فيقتله ويأخذها فقال: أختي! فأخذها منه وأراد أن يأتيها فدعا إبراهيم ربه ودعت سارة ربها فأنقذها الله من الرجل وشلت يده وسقط ولم يقدر أن يقوم، وكان يصرع كلما أراد أن يمسها، ثم قال: إنما جئتموني بشيطان، وأرسلها إلى إبراهيم وأهدى لها أمة هدية، وهي هاجر، فـ هاجر هي من أهل مصر. فـ سارة أخذت هاجر ثم وهبتها لإبراهيم، فكانت أمة لإبراهيم وليست زوجة له، وكثير من الناس حتى بعض المشايخ لا يفرق بين الأمة أم الولد وبين الزوجة، فيقول: هاجر زوجة إبراهيم. وهي لم تكن زوجة له، وإنما كانت سرية وأمة لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. والزوجة ليس للرجل أن يتزوج ويتركها في مكان وينصرف عنها، الزوجة لها حقوق شرعية، إذا كان يريد أن يتركها فليطلقها ولا يتركها في مكان وينصرف عنها، أما الأمة فيجوز له ذلك، وقد أمر الله إبراهيم أن يأخذ هاجر أم إسماعيل ويتركها في مكة في القصة العظيمة المعروفة. فـ سارة كانت زوجة وأما هاجر فلم تكن زوجة، بل كانت أم ولد لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كما كانت مارية القبطية أم ولد للنبي ﷺ ، فولدت له إبراهيم بن النبي ﷺ الذي توفي ولم يبلغ العامين، وتوفي قبل وفاة النبي ﷺ بأشهر قليلة. والمقصود أن النبي ﷺ كان يجوز له أن يطأ الكتابيات بملك اليمين، ومارية كانت كتابية ثم أسلمت عند النبي ﷺ ، لكن لا يجوز أن يتزوج ﷺ بامرأة كتابية يهودية أو نصرانية، حتى لا تكون أم المؤمنين كافرة يهودية أو نصرانية.

стр. 2087

عدم جواز نكاح الأمة أيضاً يحرم على النبي ﷺ نكاح الأمة، ونكاح الأمة بمعنى زواج الأمة ليس للنبي ﷺ ، وأيضاً ليس للمسلمين الأغنياء، وإنما يجوز في حالة أن يخشى إنسان على نفسه العنت، ولا يجد مالاً يتزوج به حرة؛ فيرخص له أن يتزوج الأمة. وإذا تزوج الرجل الحر الأمة ولم يشترط على سيدها أن الأولاد يكونون أحراراً فسيصير الأولاد عبيداً؛ لذلك منع المسلمون من الزواج بالإماء إلا بشروط، وضيق عليهم في ذلك حتى لا يتسع الأمر فيكون أولاد المسلمين عبيداً، فمنع الله من نكاح الإماء إلا أن يكون الإنسان فقيراً ويخاف على نفسه العنت، وبعد أن رخص الله قال : ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النساء:٢٥]. لكن من وطأ بملك اليمين فأولاده منها أحرار؛ لأنه اشتراها فهي ملكه، فإذا توفي صارت حرة يعتقها أولادها، ولا يجوز لهم أن يملكوها.

стр. 2088

منع النبي من الكتابة والقراءة قدراً وحرم الله على نبينا ﷺ أشياء تنزيهاً له ﷺ وتطهيراً، وبياناً لهذا الإعجاز الذي في هذه الشريعة، ومن ذلك أنه منع الكتابة تحريماً قدرياً، فالنبي ﷺ لم يتعلم القراءة والكتابة. ولا يشكل على ذلك أنه كتب مرة اسمه، فأي إنسان لا يكتب قد يكتب اسمه خاصة إذا رآه كثيراً، والنبي ﷺ كتب مرة واحدة، وكانت كأنها معجزة من الله له، وذلك في الحديبية عندما عقد الصلح بين النبي ﷺ وبين المشركين، وكتب علي بن أبي طالب ﵁ الصحيفة، فلما كتب: (محمد رسول الله) قال سهيل بن عمرو للنبي ﷺ : لو نعلم أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فالنبي ﷺ قال لـ علي: (امح رسول الله واكتب محمد بن عبد الله ﷺ ، فرفض علي وقال: والله لا أمحو رسول الله ﷺ ، فالنبي ﷺ محاها بيده، وكتب اسمه في الصحيفة صلوات الله وسلامه عليه)، وهذه هي المرة الوحيدة، وأما غير ذلك فلم يكتب أبداً صلوات الله وسلامه عليه، ولا قرأ كتاباً، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]. فلو كان يقرأ ويكتب لقالوا: ذهب وتعلم من أهل الكتاب، وجاء يكتب لنا كلامهم، ويقول لنا: هذا القرآن من عند الله؛ فلذلك حفظه الله ، فلم يطلع على صحيفة قبل ذلك، ولم يقرأ التوراة، ولم يقرأ الإنجيل، ولم يقرأ أساطير الأولين، وكل الناس يعرفون ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه، فكانت معجزة له ﷺ .

стр. 2089

منع النبي من نظم الشعر قدراً كانت العادة عند العرب أن الإنسان فصيح اللسان يجيد الشعر ويجيد الخطابة، ويعتبرون هذا من فروسية الإنسان، فيكون بطلاً يقاتل بالسيف وبالرمح وأيضاً يخطب باللسان ويقول الشعر. أما النبي ﷺ فمنع من الشعر قدراً، بل لعله إذا أراد أن ينشد شعر بعض الناس يبدل شيئاً مكان شيء، فكان من يسمع ذلك من النبي ﷺ يقول: نشهد أنك رسول الله. قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس:٦٩]، فمثلاً قال بعض المشركين من المؤلفة قلوبهم للنبي ﷺ : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع فهذا الشعر موزون له نغمة الوزن، فالنبي ﷺ قال له: أأنت الذي تقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة فضحك الناس وقالوا للنبي ﷺ : بل يقول: بين عيينة والأقرع، فصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس:٦٩] مع أن آل بيت النبي ﷺ كلهم يقولون الشعر، فهذا عمه أبو طالب قال قصيدة عظيمة في مدح النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك العباس عم النبي ﷺ قال شعراً وغيرهما، ولكن النبي ﷺ منع من الكلام بالشعر. والله ذكر الشعراء فقال عنهم: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٤ - ٢٢٧]، فالذين يقولون الشعر من المؤمنين قليل، والأكثرون من الشعراء تراهم في كل واد يهيمون، ولذلك يقولون: أعذب الشعر أكذبه، يعني الذي فيه مبالغات ومحسنات بديعية كثيرة، فكلما يزداد الشعر كذباً يزداد جمالاً عند من يسمعه، لكن النبي ﷺ ما كان له أن يتكلم بذلك ﵊. فمنعه الله سبحانه قدراً من الشعر، مع أن الشعر في حق غيره يكون مدحاً، لكن النبي ﷺ ليس له أن يتكلم بالشعر.

стр. 2090

عدم جواز النظر في زينة الحياة الدنيا أيضاً حرم الله على النبي ﷺ أن يمد عينيه إلى ما متع به الناس، وغيره من الناس له أن ينظر إلى حديقة جميلة ويقول: ليت لي مثل هذه الحديقة، أو يرى قصراً جميلاً ويتمنى مثله، لكن النبي ﷺ لا يجوز له ذلك، قال الله: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [طه:١٣١]. فيحرم الله على النبي ﷺ أن يتطلع إلى الغنى، وأن يتطلع إلى الدنيا؛ ولذلك كان يذكر أنه ما يسره ﷺ أن يكون عنده مثل جبل أحد ذهباً يبقى عنده منه شيء بعد ثلاثة أيام، فينفقه ﷺ في ثلاثة أيام إلا أن يدخر شيئاً لقضاء دين عليه، أو لنفقة أهله.

стр. 2091

أحل الله خمس الغنائم لرسوله ﵊ أحل الله للنبي ﷺ أشياء ليست لغيره، فمن ذلك خمس المغانم، فجعل للنبي ﷺ الخمس فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال:٤١]. وقال ﷺ : (ليس لي من المغانم شيء إلا الخمس، والخمس مردود عليكم)، حتى الخمس سيتكرم ﵊ ويعطي منه للضيف ولابن السبيل وللأرملة وللمسكين، ومنه يأخذ رزقه ﷺ وطعامه وطعام أهل بيته ﵈.

стр. 2092

جواز الزيادة على أربع في الزواج والزواج بمن وهبت نفسها له والزواج بغير ولي كان للنبي ﷺ الزيادة على أربع نسوة ﵊ لحكمة التشريع وتبليغ الشريعة. وكان له أيضاً صلوات الله وسلامه عليه أن يتزوج بمن وهبت نفسها له. كان له أيضاً أن يتزوج بغير ولي، وهذا لا يجوز للمسلمين، قال النبي ﷺ : (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)، وقال: (أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل). والله قال عنه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب:٦]، فأي ولي امرأة فالنبي ﷺ أولى منه ﵊؛ ولذلك تزوج بـ زينب بنت جحش من غير ولي، بل بأمر الله ﵎.

стр. 2093

أحل الله مكة لرسوله يوم الفتح كذلك مما أبيح للنبي ﷺ أن يدخل مكة مقاتلاً وقال: (إنما أحلت لي ساعة من نهار، ولا تحل لأحد بعدي)، فكان حلالاً للنبي ﷺ أن يدخل مكة ويخرج أهلها من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وأن يقاتل فيها ساعة من نهار، وبعد ذلك حرمت عليه وعلى غيره صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2094

النبي لا يورث مما يختص به أيضاً ﵊ أنه لا يورث، وكل إنسان إذا مات يرثه أهله، أما النبي ﷺ فلا، فقد كان له نصيب من فدك وخيبر، وكان له الصفي من المغانم، وله خمس الخمس من الفيء، وله خمس المغانم، ومع ذلك لما مات لم يرثه أحد من أهله، لم ترثه السيدة فاطمة ﵂ ولا علي، وقال النبي ﷺ : (نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة).

стр. 2095

عدم فسخ نكاح نسائه بوفاته ﵊ من خصوصيات النبي ﷺ أن نكاحه لنسائه لا ينفسخ بالوفاة. فإذا مات النبي صلوات الله وسلامه عليه فلا يحل لامرأة من نسائه أن تتزوج غيره ﵊، بل هي زوجته في الدنيا وزوجته في الآخرة، فليس لها أن تتزوج من غير النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد صارت أماً للمؤمنين.

стр. 2096

جعل الله له الأرض مسجداً وطهوراً من خصائص النبي ﵊ أن الله جعل له الأرض ولأمته مسجداً وطهوراً، وهذا مما ميزت به هذه الأمة على الأمم السابقة، فمن لم يجد الماء ليتوضأ منه تيمم من الأرض، وإن لم يجد المسجد ليصلي فيه صلى في الطريق، فالأرض كلها مسجد وطهور يجوز للإنسان أن يصلي عليها، والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، وأقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبته أجمعين.

стр. 2097

تفسير سورة الأحزاب الآية [٥١] لقد خص الله رسوله بخصائص كثيرة، ومن ذلك ما وسع عليه في أمر النساء، وهذا يدل على إكرام الله لنبيه ﵊، وقد أخبر الله في كتابه بذلك، حتى ترضى أمهات المؤمنين بما آتاهن الله وتقر أعينهن ولا يحزن.

стр. 2098

تفسير قوله تعالى: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء)

стр. 2099

تخيير النبي في القسم بين نسائه الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب لنبيه ﷺ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا * لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب:٥١ - ٥٢]. ذكر الله ﵎ قبل هاتين الآيتين أنه أحل لنبيه أزواجه اللاتي آتى أجورهن وكذلك ملك يمينه، وذكر له أصنافاً ممن أحلهن له، ثم قال في آخر الآية: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٠] علم الله سبحانه ما الذي فرضه للنبي ﷺ وأحله له، وأعلم المؤمنين بذلك، وأعلم نبيه ﷺ حتى لا يقع في نفسه حرج من أن الله أباح له ما لم يبحه لغيره عليه الصلاة السلام. ثم قال في هؤلاء النساء اللاتي تزوجهن النبي ﷺ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١]، فمن تزوجها النبي ﷺ جعل الله سبحانه له أن يقسم بينهن بحسب ما يرى ﵊، فالقسم على النبي ﷺ ليس واجباً، وعلى غيره من الناس واجب، فأزواج النبي ﷺ اللاتي آتاهن أجورهن فتزوجهن قال له سبحانه: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب:٥١]، وكذلك من وهبت نفسها للنبي ﷺ إن شاء تزوجها وإن شاء أرجأها صلوات الله وسلامه عليه فلم يتزوجها وأخر هذا الأمر. هنا قراءة الجمهور: (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء). وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب وابن عامر وشعبة عن عاصم: (ترجئ) من الإرجاء، وهو نفس المعنى: أي: تؤخر، فكأنه أباح للنبي ﷺ إذا شاء تزوج، وإذا شاء ترك ﷺ ، ومن تزوجها صلوات الله وسلامه عليه له أن يقسم بينها وبين غيرها، وله ألا يفعل ذلك فيؤخر قسمها لحاجة أو لعذر. كذلك من وهبت نفسها للنبي ﷺ له أن يرجئها فيؤخرها، وله أن يتزوجها وهذا التخيير من الله ﵎. قال: (إنا أحللنا لك)، وفي هذا الإحلال للنبي صلوات الله وسلامه عليه تيسير من الله سبحانه على نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وفيه لنساء النبي ﷺ قرة عين، إذا علمن أن هذا ليس منه ﵊ ولكن من الله، فلو أن الأمر من النبي ﷺ لعل الواحدة يكون في نفسها شيء من الضيق، وتقول: لماذا يفعل بي كذا؟ لماذا لا يقصدني؟ لماذا أخرني النبي ﷺ ؟ فيكون في صدرها حرج، ولكن إذا كان الله أباح له ذلك ولا حرج على النبي ﷺ في ذلك، فالمرأة تسكت وترضى بأمر الله سبحانه.

стр. 2100

الحكمة من تخيير النبي ﷺ في القسم بين النساء وقوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي﴾ [الأحزاب:٥١] أي: تضم إليك من شئت ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: إذا أخر فلم يتزوج ثم ابتغاها بعد ذلك، فله أن يتزوجها ﷺ ، أو تزوج ومعه نساء، فقسم لفلانة ولفلانة ولم يقسم لفلانة ثم أراد أن يغير بعد ذلك فيقسم لفلانة مع هؤلاء؛ فهذا من حقه ﵊. ولعل الواحدة من نساء النبي ﷺ قد تضايق النبي ﷺ في شيء، مثلما حدث من السيدة حفصة رضي الله ﵎ عنها من شدة غيرتها على النبي ﷺ ، فضايقت النبي ﷺ ببعض الأفعال فطلقها صلوات الله وسلامه عليه، ونزل جبريل على النبي ﷺ فقال له: (راجع حفصة فإنها صوامة قوامة)، أي: لها فضيلة عند ربها سبحانه، فهي كثيرة الصيام والقيام، فردها النبي صلوات الله وسلامه عليه وأرجعها. فهنا ربنا يقول له ﷺ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: من عزلها النبي ﷺ فلم يقسم لها، أو طلقها ثم راجعها صلوات الله وسلامه عليه؛ فلا حرج عليه في ذلك، حتى تعلم نساء النبي ﷺ أنه قد أبيح له ذلك من عند الله سبحانه، ولا حرج عليه في ذلك، فتطمئن الواحدة أن هذا أبيح للنبي ﷺ ، وليس من حقها أن تعترض، واعتراضها ليس على النبي ﷺ وإنما يكون على ربها سبحانه، فهذا قوله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١]. ذلك أي: ما أخبر به ، قال: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: هذا منا نحن مننا عليك به، وأحللنا لك ذلك، وجعلنا لك أن ترجئ وأن تؤوي، وهذا من حقك فلا جناح عليك. فإذا علمت المرأة أن هذا تشريع من الله سبحانه لنبيه ﷺ اطمأن قلبها إذ هو ﷺ لا يفعل هذا من عند نفسه، وإنما بإباحة الله لنبيه ﷺ . وقوله: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب:٥١] كأنه إشارة إلى أن الأفضل له ألا يطلق أحداً من نسائه ﵊، وقد كاد أن يطلق السيدة سودة رضي الله ﵎ عنها، فعلمت سودة بذلك، فقالت للنبي ﷺ : (لا حاجة لي في الرجال، ولكن أحب أن أكون زوجتك في الجنة). فالنبي ﷺ لم يفارقها، ووهبت يومها للسيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها، فجعل النبي ﷺ يوم السيدة سودة للسيدة عائشة ﵂. قال الله : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١] أي: إذا عرفت الواحدة منهن أنها بالصبر على ذلك تكون زوجتك في الدنيا، وتكون زوجتك في الآخرة؛ تقر عينها بذلك، والعين القارة هي المستقرة، والقارة الباردة، والإنسان إما أن يكون حزيناً خائفاً، وإما أن يكون مسروراً مستقراً. فالإنسان الخائف الحزين غير الإنسان المسرور المطمئن المستقرة عينه، فمعنى (تقر أعينهن) أي: تستقر العين بالطمأنينة التي في القلب، وكذلك تقر العين أي تبرد العين، والإنسان الحزين عينه حارة ودمعته حارة، والإنسان المسرور عينه قارة، ودمعته باردة. إذا بكى من الفرح. إذاً: تنفيذ أمهات المؤمنين أمر الله ﵎، وعلمهن أن هذا من عند الله سبحانه أباح لرسوله ما شاء، وله أن يؤوي إليه من عزل؛ هذا كله أدنى أن تقر أعينهن. ﴿وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَينَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥١]. أي: يرضين كلهن بما أعطيتهن، فترضى كل واحدة وتعلم أن هذا القسم من عند الله سبحانه، وأن التخيير للنبي ﷺ من عند الله، فترضى كل واحدة، فهذا أمر الله، فيصبرن ويرضين بأمر الله .

стр. 2101

علم الله بما في القلوب قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١] كل إنسان قد يظهر شيئاً بلسانه ويخفي ويضمر شيئاً في قلبه، فالله أعلم بما في هذه القلوب. قال الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥١] في هذا إشارة إلى أن الإنسان قد ينطق بالشيء الذي لا يوافقه قلبه عليه، فيقول: أنا راض، وهو ليس براض في القلب، والله أعلم بما في القلب. والله حليم ، يحلم عليكم، فالإنسان في حال التهور قد لا يرضى بشيء، ثم بعد ذلك يراجع نفسه، والله ﵎ يعلم من هذا الإنسان ذلك، ويعلم ما أضمر في قلبه، ويعلم أنه سيرجع إلى الحق ثانياً، فيحلم عليه من فضله ويكرمه سبحانه، ولا يعاجله بالعقوبة. وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١] فيه إشارة لجميع المؤمنين أن الله أباح للنبي ﷺ شيئاً ومنع المؤمنين من هذا الشيء، فأباح له أن يجمع أكثر من أربع من النسوة، أما المؤمنون فليس لهم إلا أربع لا يزيد الرجل على ذلك. والإنسان يلزمه أن يعدل بين النساء، والنبي ﷺ جعل له ربه سبحانه من حقه أن يؤوي من يشاء أي: يضم من يشاء ويعزل من يشاء، لكن غيره من المؤمنين ليس له ذلك، فإذا تزوج بامرأتين فليس من حقه عزل هذه وضم هذه، وإذا كان لا يريدها فليطلقها، ولا يعضل هذه المرأة، فلا بد من القسم بينهما، ولا بد من العدالة، وقد كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل صلوات الله وسلامه عليه، مع تخيير الله سبحانه لنبيه ﷺ أن يؤوي من يشاء ويضم من يشاء ويعزل من يشاء، وكان ﷺ يدور على نسائه في الليلة الواحدة. وغير النبي ﷺ يلزمه أن يقسم ويعدل بين النساء، وقد قال النبي ﷺ كما في سنن أبي داود وغيره: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل). فالإنسان يقوم يوم القيامة بين يدي الله في موقف طويل جداً، فالله يصبر من يشاء، ويضيق على من يشاء، فالإنسان الظالم لنسائه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، يعني: يأتي وهو مفلوج، أي مشلول، لأنه مال إلى إحدى نسائه على الباقيات. والميل نوعان: ميل قلبي وهذا لا يملكه العبد، فيحب فلانة أكثر من فلانة، وجاء في حديث رواه أبو داود أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، وكان يقول: (اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) فهو قسم بين النساء في النفقة من الطعام والشراب والكسوة، وهذا فيما يملك، أما ما لا يملكه وهو أنه كان يحب السيدة عائشة أكثر من غيرها، فهذا لا يملكه ﷺ ، والله هو الذي يملك ذلك . فالزوج قد يميل لإحدى زوجاته أكثر من غيرها، وهذا لا يملكه العبد، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١]، فهذا الميل خلقه الله في القلب، فالإنسان لا حرج عليه في ذلك. والميل الآخر: أن يبيت مثلاً عند هذه أسابيع والثانية لا يأتيها كل أسبوع إلا مرة، أو ينفق على هذه ويسرف وهذه لا يعطيها شيئاً، فهذا هو الجور، والله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، فالإنسان لا يجمع اثنتين إذا كان لا يقدر على العدل بينهما. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2102

تفسير سورة الأحزاب [٥٢ - ٥٣] لما اختار أزواج النبي ﷺ الله ورسوله والدار الآخرة أكرمهن الله بأن حرم على نبيه أن يتزوج عليهن، ثم أباح له ذلك ليريهن كرامته ﷺ عنده، ثم بين الله الآداب التي ينبغي للضيف أن يراعيها تجاه المضيف، وبين مدى خلق النبي ﷺ في الصبر على ضيوفه وتحمل أذاهم.

стр. 2103

إكرام الله سبحانه لزوجات النبي ﷺ وبيان فضل النبي عليهن ﵅ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الأحزاب لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٢ - ٥٣]. في هذه الآيات يقول الله للنبي ﷺ : إنه لا يحل له النساء من بعد ما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكافأ الله نساء النبي ﷺ على اختيارهن للآخرة بأن حرم على النبي ﷺ أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه. قال سبحانه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب:٥٢]، يعني: وحتى لو طلق واحدة من هؤلاء التسع وأراد أن يتزوج واحدة مكانها فلا يحل له ذلك. قال: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، حتى ولو أعجبك حسن امرأة فليس لك أن تتزوجها مكافأة من الله لنساء النبي ﷺ على حسن اختيارهن فيما خيرهن الله فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة. قال تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب:٥٢]، أي: جميع النساء، وهنا بالياء. والقراءة الأخرى: قراءة البصريين وقراءة أبي عمرو ويعقوب: (لا تحل لك النساء)، فجاء بضمير المؤنث للدلالة على جماعة النساء، والمعنى: لا يحل لك جميع النساء، ولا تحل لك جماعة النساء من بعد هذا التخيير واختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة. قال: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب:٥٢]، وهذه قراءة الجمهور. وقرأ البزي عن ابن كثير: (ولا أن تَّبدل بهن)، بتشديد التاء فيها، فإن النون تخفى في التاء وتشدد التاء فيها، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، فإذا وقف يعقوب عليها قال: (ولو أعجبك حسنهنه). ثم قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢] فأجاز الله للنبي ﷺ ملك اليمين، فإذا ملك من الإماء فله أن يطأهن صلوات الله وسلامه عليه، لكنه لا يتزوج الحرائر على أزواجه ﷺ . وقد استمر هذا التحريم إلى وقت معين، ثم أبيح له بعد ذلك ﷺ ، فامتنع هو نفسه صلوات الله وسلامه عليه ولم يتزوج عليهن. قالت السيدة عائشة ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء ﵊. فالله أحل له ذلك ليظهر فضله على نسائه ﵊، في كونه لا يختار بعدهن أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2104

جواز النظر إلى المخطوبة وبيان ضابطه وشروطه وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، فيه إشارة إلى نظر الإنسان إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فإن أعجبه حسنها ودلها وسمتها فليتزوجها، وقد تعجب المرأة الإنسان ولا تعجب غيره، فالجمال شيء نسبي، ولكل إنسان اختيار معين، فقد يرضيك ما لا يرضي غيرك، ويرضي غيرك ما لا يرضيك. فالله يقول للنبي ﷺ : ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، وقد جاء في سنة النبي ﷺ بيان ذلك، وأن للرجل إذا أراد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها، وإلا فالأصل: أن الإنسان يغض بصره، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إلا للضرورة والحاجة. جاء في سنن الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة: أنه أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي ﷺ : (انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما). وهذا من محاسن الشريعة العظيمة، فلا يجوز أن يضيق على الإنسان الذي يريد أن يتزوج امرأة بألا ينظر إليها أصلاً، وإنما يبعث أحداً ليراها بدلاً عنه، ولربما بعث امرأة لتنظر إلى زوجته فلما رجعت وصفتها له على حسب ما رأتها، فيكتشف عند الدخول بها أنها على خلاف ما وصفت، وقد ذكرنا بأن الجمال نسبي متفاوت؛ فلذلك أمره النبي ﷺ هنا أن ينظر إليها، وذلك لأجل أن تدوم الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة، فلا تحصل نفرة لأنه لم يرها إلا يوم الفرح. وبعض الناس عندهم من التقاليد أن الرجل لا يرى المرأة إلا يوم الدخلة كما هو في الصعيد وغيره، وهذا خطأ، فالنبي ﷺ أمر المغيرة أن ينظر إليها قبل ذلك إذا أراد أن يخطبها. وجاء في حديث آخر: أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : (انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، فالمهاجري هذا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار وهو لا يعرف هذه المرأة ولم يرها، فالنبي ﷺ بين له أن في أعين الأنصار شيئاً، ولعل هذا الشيء صغر أو نحوه، ولم يكن المهاجرون متعودين على ذلك في مكة. قال له: (انظر إليها قبل أن تتزوجها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، وهذا الأمر ليس على الوجوب، وليس معناه أن الإنسان يأثم إذا لم ينظر إلى المرأة، ولكن هذا الأمر إرشاد من النبي ﷺ ؛ لأنه جعله سبباً في دوام الحياة، وحتى تكون في وفاق مع هذه المرأة التي تريد أن تتزوجها. روى الإمام أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، أي: فإن استطاع أن يذهب إلى بيتها ليراها وهي مع أبيها أو أخيها مثلاً فليفعل؛ لأن الخطبة مشروعة في الإسلام، مع أن الخطبة ليست عقداً وليست زواجاً، ولكنها مقدمة حتى ينظر الرجل وتنظر المرأة، فيذهب إليها وهي مع محارمها فينظر إليها. وجاء عن محمد بن مسلمة في سنن الإمام ابن ماجه ومسند الإمام أحمد أنه قال: خطبت امرأة فجعلت أتحيل لها حتى نظرت إليها، يعني: رأى الوقت المناسب الذي يمكنه فيه أن ينظر إليها ولم يشأ أن يحرجها، فكانت هي تذهب إلى حقلها وهو يختبئ لها، فنظر إليها فرأى وجهها فتقدم لها وتزوجها، فرآه بعضهم فقال له: أتفعل ذلك وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال لهم محمد بن مسلمة ﵁: نعم، إن النبي ﷺ قال: (إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها). بقيت هنا مسألة: وهي متى ينظر إليها؟ فلا يختبئ للنساء لينظر إليهن وهو لا يريد الخطبة أو الزواج فهذا لا يحل له، بل إذا أراد خطبتها فليذهب إليها عند أهلها وينظر إليها، ولو فرضنا أنه لم يتيسر له ذلك وتيسر في مكان آخر فله أن ينظر إليها، لكنه لا يحل له أن ينظر إليها وهي عارية مثلاً، ولكن ينظر إلى الوجه وإلى الكفين فقط، فهذه هي الأشياء التي أباحت الشريعة للإنسان أن ينظر إليها في المرأة.

стр. 2105

عدم اشتراط الإذن في النظر إلى المخطوبة قال الإمام مالك: ينظر إلى وجهها وكفيها، ولا ينظر إلا بإذنها، هذا اختيار الإمام مالك: أنه لا ينظر إلى المرأة إلا أن تكون المرأة آذنةً له في ذلك فينظر إليها بإذنها. وذهب الشافعي وأحمد: إلى أنه ينظر إليها بإذنها وبغير إذنها، سواء أذنت أم لم تأذن، فقد يذهب الإنسان إلى بيت إنسان يريد خطبة ابنته ويكون متفقاً مع وليها أن ينظر إليها، وقد لا يقول لها هذا الشيء حتى لا يحرجها إذا رفض الرجل أن يتزوجها، فيستدعي البنت لشيء معين فينظر إليها الضيف الذي يريد خطبتها من غير أن تعرف أنه يريدها، حتى إذا لم يرد زواجها لم يحدث في قلبها شيء من الحزن. وقد يجوز النظر بالاتفاق مع أهلها: كأن يخطب الإنسان في النهار فتحضر البنت فينظر إلى وجهها وينظر إلى كفيها بالاتفاق المسبق مع أهلها، وذلك قول الشافعي وأحمد. وقالوا: بشرط أن تكون مستترة، فلا تدخل عارية أو بملابس البيت بحيث إنه ينظر إلى أكثر من ذلك، ولكن ينظر إلى الوجه والكفين فقط. قال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم منها، هذا اختيار الإمام الأوزاعي ﵀. فالشاهد: أنه يجوز للإنسان أن ينظر من مخطوبته إلى وجهها وكفيها، فإذا رأى منها ما يدعوه إلى أن يتزوجها فليتزوجها، لكن لا يجوز أن ينظر إليها كل مرة، ولا أن يقف في الشارع لينظر إلى بنات الناس ويقول: إني أريد أن أخطب، ولكن إذا ألقي في قلب أحدكم خطبة امرأة فله أن ينظر إليها، كما جاء في حديث النبي ﷺ .
следующие страницы →