Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
علم الله بما في القلوب
قال الله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١] كل إنسان قد يظهر شيئاً بلسانه ويخفي ويضمر شيئاً في قلبه، فالله أعلم بما في هذه القلوب.
قال الله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥١] في هذا إشارة إلى أن الإنسان قد ينطق بالشيء الذي لا يوافقه قلبه عليه، فيقول: أنا راض، وهو ليس براض في القلب، والله أعلم بما في القلب.
والله حليم ، يحلم عليكم، فالإنسان في حال التهور قد لا يرضى بشيء، ثم بعد ذلك يراجع نفسه، والله ﵎ يعلم من هذا الإنسان ذلك، ويعلم ما أضمر في قلبه، ويعلم أنه سيرجع إلى الحق ثانياً، فيحلم عليه من فضله ويكرمه سبحانه، ولا يعاجله بالعقوبة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١] فيه إشارة لجميع المؤمنين أن الله أباح للنبي ﷺ شيئاً ومنع المؤمنين من هذا الشيء، فأباح له أن يجمع أكثر من أربع من النسوة، أما المؤمنون فليس لهم إلا أربع لا يزيد الرجل على ذلك.
والإنسان يلزمه أن يعدل بين النساء، والنبي ﷺ جعل له ربه سبحانه من حقه أن يؤوي من يشاء أي: يضم من يشاء ويعزل من يشاء، لكن غيره من المؤمنين ليس له ذلك، فإذا تزوج بامرأتين فليس من حقه عزل هذه وضم هذه، وإذا كان لا يريدها فليطلقها، ولا يعضل هذه المرأة، فلا بد من القسم بينهما، ولا بد من العدالة، وقد كان النبي ﷺ يقسم بين نسائه فيعدل صلوات الله وسلامه عليه، مع تخيير الله سبحانه لنبيه ﷺ أن يؤوي من يشاء ويضم من يشاء ويعزل من يشاء، وكان ﷺ يدور على نسائه في الليلة الواحدة.
وغير النبي ﷺ يلزمه أن يقسم ويعدل بين النساء، وقد قال النبي ﷺ كما في سنن أبي داود وغيره: (من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل).
فالإنسان يقوم يوم القيامة بين يدي الله في موقف طويل جداً، فالله يصبر من يشاء، ويضيق على من يشاء، فالإنسان الظالم لنسائه يأتي يوم القيامة وشقه مائل، يعني: يأتي وهو مفلوج، أي مشلول، لأنه مال إلى إحدى نسائه على الباقيات.
والميل نوعان: ميل قلبي وهذا لا يملكه العبد، فيحب فلانة أكثر من فلانة، وجاء في حديث رواه أبو داود أن النبي ﷺ كان يقسم بين نسائه فيعدل، وكان يقول: (اللهم إن هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) فهو قسم بين النساء في النفقة من الطعام والشراب والكسوة، وهذا فيما يملك، أما ما لا يملكه وهو أنه كان يحب السيدة عائشة أكثر من غيرها، فهذا لا يملكه ﷺ ، والله هو الذي يملك ذلك .
فالزوج قد يميل لإحدى زوجاته أكثر من غيرها، وهذا لا يملكه العبد، فالله يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥١]، فهذا الميل خلقه الله في القلب، فالإنسان لا حرج عليه في ذلك.
والميل الآخر: أن يبيت مثلاً عند هذه أسابيع والثانية لا يأتيها كل أسبوع إلا مرة، أو ينفق على هذه ويسرف وهذه لا يعطيها شيئاً، فهذا هو الجور، والله يقول: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء:٣]، فالإنسان لا يجمع اثنتين إذا كان لا يقدر على العدل بينهما.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2102
تفسير سورة الأحزاب [٥٢ - ٥٣]
لما اختار أزواج النبي ﷺ الله ورسوله والدار الآخرة أكرمهن الله بأن حرم على نبيه أن يتزوج عليهن، ثم أباح له ذلك ليريهن كرامته ﷺ عنده، ثم بين الله الآداب التي ينبغي للضيف أن يراعيها تجاه المضيف، وبين مدى خلق النبي ﷺ في الصبر على ضيوفه وتحمل أذاهم.
стр. 2103
إكرام الله سبحانه لزوجات النبي ﷺ وبيان فضل النبي عليهن ﵅
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٢ - ٥٣].
في هذه الآيات يقول الله للنبي ﷺ : إنه لا يحل له النساء من بعد ما خيرهن واخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فكافأ الله نساء النبي ﷺ على اختيارهن للآخرة بأن حرم على النبي ﷺ أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه.
قال سبحانه: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب:٥٢]، يعني: وحتى لو طلق واحدة من هؤلاء التسع وأراد أن يتزوج واحدة مكانها فلا يحل له ذلك.
قال: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، حتى ولو أعجبك حسن امرأة فليس لك أن تتزوجها مكافأة من الله لنساء النبي ﷺ على حسن اختيارهن فيما خيرهن الله فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة.
قال تعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ [الأحزاب:٥٢]، أي: جميع النساء، وهنا بالياء.
والقراءة الأخرى: قراءة البصريين وقراءة أبي عمرو ويعقوب: (لا تحل لك النساء)، فجاء بضمير المؤنث للدلالة على جماعة النساء، والمعنى: لا يحل لك جميع النساء، ولا تحل لك جماعة النساء من بعد هذا التخيير واختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة.
قال: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب:٥٢]، وهذه قراءة الجمهور.
وقرأ البزي عن ابن كثير: (ولا أن تَّبدل بهن)، بتشديد التاء فيها، فإن النون تخفى في التاء وتشدد التاء فيها، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، فإذا وقف يعقوب عليها قال: (ولو أعجبك حسنهنه).
ثم قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢] فأجاز الله للنبي ﷺ ملك اليمين، فإذا ملك من الإماء فله أن يطأهن صلوات الله وسلامه عليه، لكنه لا يتزوج الحرائر على أزواجه ﷺ .
وقد استمر هذا التحريم إلى وقت معين، ثم أبيح له بعد ذلك ﷺ ، فامتنع هو نفسه صلوات الله وسلامه عليه ولم يتزوج عليهن.
قالت السيدة عائشة ﵂: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل له النساء ﵊.
فالله أحل له ذلك ليظهر فضله على نسائه ﵊، في كونه لا يختار بعدهن أن يتزوج عليهن صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2104
جواز النظر إلى المخطوبة وبيان ضابطه وشروطه
وفي قوله سبحانه: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، فيه إشارة إلى نظر الإنسان إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها فإن أعجبه حسنها ودلها وسمتها فليتزوجها، وقد تعجب المرأة الإنسان ولا تعجب غيره، فالجمال شيء نسبي، ولكل إنسان اختيار معين، فقد يرضيك ما لا يرضي غيرك، ويرضي غيرك ما لا يرضيك.
فالله يقول للنبي ﷺ : ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، وقد جاء في سنة النبي ﷺ بيان ذلك، وأن للرجل إذا أراد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها، وإلا فالأصل: أن الإنسان يغض بصره، فلا يجوز للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الرجل إلا للضرورة والحاجة.
جاء في سنن الترمذي من حديث المغيرة بن شعبة: أنه أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي ﷺ : (انظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما).
وهذا من محاسن الشريعة العظيمة، فلا يجوز أن يضيق على الإنسان الذي يريد أن يتزوج امرأة بألا ينظر إليها أصلاً، وإنما يبعث أحداً ليراها بدلاً عنه، ولربما بعث امرأة لتنظر إلى زوجته فلما رجعت وصفتها له على حسب ما رأتها، فيكتشف عند الدخول بها أنها على خلاف ما وصفت، وقد ذكرنا بأن الجمال نسبي متفاوت؛ فلذلك أمره النبي ﷺ هنا أن ينظر إليها، وذلك لأجل أن تدوم الحياة الزوجية بين الرجل والمرأة، فلا تحصل نفرة لأنه لم يرها إلا يوم الفرح.
وبعض الناس عندهم من التقاليد أن الرجل لا يرى المرأة إلا يوم الدخلة كما هو في الصعيد وغيره، وهذا خطأ، فالنبي ﷺ أمر المغيرة أن ينظر إليها قبل ذلك إذا أراد أن يخطبها.
وجاء في حديث آخر: أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له النبي ﷺ : (انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، فالمهاجري هذا أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار وهو لا يعرف هذه المرأة ولم يرها، فالنبي ﷺ بين له أن في أعين الأنصار شيئاً، ولعل هذا الشيء صغر أو نحوه، ولم يكن المهاجرون متعودين على ذلك في مكة.
قال له: (انظر إليها قبل أن تتزوجها فإن في أعين الأنصار شيئاً)، وهذا الأمر ليس على الوجوب، وليس معناه أن الإنسان يأثم إذا لم ينظر إلى المرأة، ولكن هذا الأمر إرشاد من النبي ﷺ ؛ لأنه جعله سبباً في دوام الحياة، وحتى تكون في وفاق مع هذه المرأة التي تريد أن تتزوجها.
روى الإمام أبو داود من حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل)، أي: فإن استطاع أن يذهب إلى بيتها ليراها وهي مع أبيها أو أخيها مثلاً فليفعل؛ لأن الخطبة مشروعة في الإسلام، مع أن الخطبة ليست عقداً وليست زواجاً، ولكنها مقدمة حتى ينظر الرجل وتنظر المرأة، فيذهب إليها وهي مع محارمها فينظر إليها.
وجاء عن محمد بن مسلمة في سنن الإمام ابن ماجه ومسند الإمام أحمد أنه قال: خطبت امرأة فجعلت أتحيل لها حتى نظرت إليها، يعني: رأى الوقت المناسب الذي يمكنه فيه أن ينظر إليها ولم يشأ أن يحرجها، فكانت هي تذهب إلى حقلها وهو يختبئ لها، فنظر إليها فرأى وجهها فتقدم لها وتزوجها، فرآه بعضهم فقال له: أتفعل ذلك وأنت صاحب رسول الله ﷺ ؟ فقال لهم محمد بن مسلمة ﵁: نعم، إن النبي ﷺ قال: (إذا ألقى الله في قلب أحدكم خطبة امرأة فلا بأس أن ينظر إليها).
بقيت هنا مسألة: وهي متى ينظر إليها؟ فلا يختبئ للنساء لينظر إليهن وهو لا يريد الخطبة أو الزواج فهذا لا يحل له، بل إذا أراد خطبتها فليذهب إليها عند أهلها وينظر إليها، ولو فرضنا أنه لم يتيسر له ذلك وتيسر في مكان آخر فله أن ينظر إليها، لكنه لا يحل له أن ينظر إليها وهي عارية مثلاً، ولكن ينظر إلى الوجه وإلى الكفين فقط، فهذه هي الأشياء التي أباحت الشريعة للإنسان أن ينظر إليها في المرأة.
стр. 2105
عدم اشتراط الإذن في النظر إلى المخطوبة
قال الإمام مالك: ينظر إلى وجهها وكفيها، ولا ينظر إلا بإذنها، هذا اختيار الإمام مالك: أنه لا ينظر إلى المرأة إلا أن تكون المرأة آذنةً له في ذلك فينظر إليها بإذنها.
وذهب الشافعي وأحمد: إلى أنه ينظر إليها بإذنها وبغير إذنها، سواء أذنت أم لم تأذن، فقد يذهب الإنسان إلى بيت إنسان يريد خطبة ابنته ويكون متفقاً مع وليها أن ينظر إليها، وقد لا يقول لها هذا الشيء حتى لا يحرجها إذا رفض الرجل أن يتزوجها، فيستدعي البنت لشيء معين فينظر إليها الضيف الذي يريد خطبتها من غير أن تعرف أنه يريدها، حتى إذا لم يرد زواجها لم يحدث في قلبها شيء من الحزن.
وقد يجوز النظر بالاتفاق مع أهلها: كأن يخطب الإنسان في النهار فتحضر البنت فينظر إلى وجهها وينظر إلى كفيها بالاتفاق المسبق مع أهلها، وذلك قول الشافعي وأحمد.
وقالوا: بشرط أن تكون مستترة، فلا تدخل عارية أو بملابس البيت بحيث إنه ينظر إلى أكثر من ذلك، ولكن ينظر إلى الوجه والكفين فقط.
قال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم منها، هذا اختيار الإمام الأوزاعي ﵀.
فالشاهد: أنه يجوز للإنسان أن ينظر من مخطوبته إلى وجهها وكفيها، فإذا رأى منها ما يدعوه إلى أن يتزوجها فليتزوجها، لكن لا يجوز أن ينظر إليها كل مرة، ولا أن يقف في الشارع لينظر إلى بنات الناس ويقول: إني أريد أن أخطب، ولكن إذا ألقي في قلب أحدكم خطبة امرأة فله أن ينظر إليها، كما جاء في حديث النبي ﷺ .
стр. 2106
حكم تسري النبي لأمة كافرة
هنا يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٢]، ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب:٥٢]، فلم يحرم الله على النبي ﷺ أن يطأ بملك اليمين، وهنا اختلف العلماء: هل ملك اليمين للنبي ﷺ عام في المسلمة والكافرة، أم أنه خاص بالمسلمة فقط؟ والناظر في حياته ﷺ يجد أنه لم يحدث أنه وطأ بملك يمينه إلا امرأة مسلمة، وقد فعل ذلك يوم أن أهديت إليه امرأة قبطية فأسلمت عنده ﷺ ووطئها صلوات الله وسلامه عليه، وبناءً على ذلك يقول بعض العلماء: إنه لم يحل له ذلك أصلاً.
ويقول البعض الآخر: إنه يحل له كما يحل لغيره، ولكن لم يحدث ذلك، فالخلاف محصور في الحلية أو الحرمة فقط، ولكنهم اتفقوا على أنه لم يحدث ذلك منه صلوات الله وسلامه عليه.
والذين قالوا: بأنه منع من ذلك، قالوا: تنزيهاً لقدره ﷺ عن مباشرة امرأة كافرة، وقد قال الله للمؤمنين: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:١٠]، فإذا كان المؤمن لا يمسك بعصمة امرأة كافرة فكيف بالنبي ﷺ ؟!
стр. 2107
بيان وقت نزول آية الحجاب، وما يجب على الضيف تجاه مضيفه
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
في هذه الآية أدب جم للمؤمنين يؤدبهم الله به في أمر الطعام وأمر الجلوس في الضيافة، فيجب على الإنسان أن يلتزم بأدب الضيافة.
ويجب على المضيف أن يدعو الأتقياء لطعامه، فقد قال النبي ﷺ : (لا يأكل طعامك إلا تقي)، والراجح في هذا النهي أنه للإرشاد لا للتحريم، فيجوز للإنسان أن يطعم إنساناً شقياً أو مسلماً أو كافراً، سواء على وجه الهدية أو على وجه الصدقة، ولكن لا يكون هذا هو الغالب على أمر الإنسان أنه لا يطعم إلا الإنسان الشقي الفاجر، بل إذا دعا شقياً ليطعمه فليكن على وجه الدعوة له إلى دين الله ، وعلى وجه تحبيبه في دين الله سبحانه، فلابد أن توجد علة من وراء دعوتك له.
أما أن يدعو إنساناً شقياً بعيداً عن الله سبحانه للصحبة فقط فلا، لأنه قد تتعدى الأخلاق السيئة إليه؛ لأن الطباع معدية أشد من المرض، فحين يعتاد الإنسان أن يجلس مع إنسان رديء فيأكل معه ويشرب معه يتعلم منه ما هو عليه من أخلاق بذلة سافلة، والطيور على أشكالها تقع، فالإنسان الذي يود إنساناً غير سوي فيتخلق بأخلاقه لابد وأن يكون هناك شيء جمع بينهما ليصاحب هذا الإنسان.
ولذلك جاء في الحديث: (المرء مرآة قرينه)، فالإنسان مرآة لقرينه، فصورة قرينه تنطبع عليه، فالأخلاق هي التي تجمع بينهما، فلذلك نقول: إنه إذا دعا مثل هذا فليكن على وجه الندرة، وليدعوه إلى الله ويحببه في دين الله سبحانه ويدله على الطريق السوي، لكن يجب أن تكون العادة أنه لا يأكل طعامك إلا الإنسان التقي؛ لأن التقي إذا دخل بيتك غض بصره، وإذا أكل طعامك دعا لك، وإذا أكل شيئاً قليلاً شكر لك ولم يعترض عليك ولم يذمك.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣].
وسبب نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش ﵂ أولم عليها فدعا الناس، فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون في بيت النبي ﷺ ، وبيت النبي ﷺ عبارة عن غرفة واحدة، فامرأته في الغرفة وهو يسدل الحجاب بينه وبين الناس، وهنا أكل الناس عند النبي ﷺ ولم يخرجوا، والنبي ﷺ ينتظر خروجهم.
وهذا لا يليق أبداً، فالنبي ﷺ الآن معه امرأته وهي ليلة زفافه ﷺ ، وما زال الناس قاعدين في البيت! فجلسوا يتحدثون ولم يخطر ببال أحدهم أنهم يؤذون النبي ﷺ بذلك، فخرج ﷺ ورجع لعلهم يستحون ويمشون فلم يخرجوا، وخرج مرة ثانية ورجع فوجدهم جالسين، فكان هذا ثقيلاً على النبي ﷺ .
يقول أنس بن مالك: إن زوجة النبي ﷺ كانت مولية وجهها إلى الحائط، فهي غرفة واحدة موجود فيها النبي ﷺ وامرأته، وذلك قبل نزول آيات الحجاب، فزوجة النبي ﷺ معطية للناس ظهرها، ووجهها إلى الحائط، والنبي ﷺ ينتظر خروج هؤلاء، فأخذ يخرج ويرجع حتى فهموا منه ذلك فتحرجوا في النهاية.
قال أنس: فما أدري! أنا أخبرت النبي ﷺ أن القوم قد خرجوا أو أخبرني، قال: فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه ونزل الحجاب.
فنزول آيات الحجاب كان بعد زواج النبي ﷺ من السيدة زينب بنت جحش ﵂، قال: ووعظ القوم بما وعظوا به، وأنزل الله هذه الآية: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فمنع الناس من دخول بيت النبي ﷺ ، وألا يدخلوا إلا إذا دعوا لذلك وإلا فلا.
وحتى لو دعاك للدخول إلى بيته فلا تدخل من أول النهار، ولكن إذا نضج الطعام فاذهب وكل، فإذا أكلت فانصرف ولا تجلس في بيته؛ لأن ذلك يؤذي النبي ﷺ ويؤذي أهل النبي ﷺ ، فقال الله ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، بشرط: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وإناء الشيء، أي: نضجه، فلا تنتظر الطعام في بيته إلى أن ينضج، ولكن اذهب وقت نضجه فقط.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣]، أي: إذا دعيتم للطعام فادخلوا، فإذا أكلتم فانصرفوا ولا تجلسوا للحديث بعده، وهذا أدب عظيم للضيف يجب أن يعلمه جيداً.
يقول ابن أبي عائشة: حسبك من الثقلاء أن الشرع لم يحتملهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2108
تفسير سورة الأحزاب الآية [٥٣]
لقد حرم الله على المؤمنين دخول بيت نبيه ﵊ إلا إذا أذن لهم إلى طعام، ويكون هذا الدخول بآداب، حتى لا يؤذوا النبي بالدخول عليه في وقت لا يحب دخولهم عليه، لاسيما وبيوته كانت صغيرة.
стр. 2109
تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي)
стр. 2110
سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٣ - ٥٥].
في هذه الآيات من سورة الأحزاب يأمر الله المؤمنين بمراعاة الأدب العظيم مع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣] وثبت في نزول هذه الآية: أن النبي ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش ﵂ أولم، وكانت النساء إلى ذلك الحين لا يحتجبن من الرجال، وكان الرجال يدخلون مع النبي ﷺ إلى بيته، وتكون زوجة النبي ﷺ في هذا البيت، وبيته هو غرفة، فكان الضيف عندما يدخل معه ﷺ فالمرأة من نساء النبي ﷺ تولي ظهرها للضيف ووجهها للحائط.
فالنبي ﷺ أولم على السيدة زينب ﵂ ودخل الناس يأكلون ووجهها للحائط وظهرها للناس، والناس يدخلون فيأكلون وينصرفون، ومكث مجموعة منهم أكلوا ولم ينصرفوا، فالنبي ﷺ ساءه هذا الشيء، فخرج ﷺ ورجع لعلهم يفهمون، فلم ينصرفوا وبقوا يؤانس بعضهم بعضاً بالحديث، فكان النبي ﷺ يدخل ويخرج، ففي النهاية انتبهوا فخرجوا، وأنزل الله هذه الآية يؤدب المؤمنين أن هذا لا ينبغي أبداً، وعلى الإنسان ألا يكون ضيفاً ثقيلاً على من ينزل عليه، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣].
إذاً: الأصل حرمة دخول بيوت النبي ﷺ ، والله استثنى حالة واحدة وهي أن يدعوكم النبي ﷺ إلى بيته، واستثنى من هذا الاستثناء أنه حتى ولو دعاكم إلى بيته لا تدخلوا إلا في وقت نضج الطعام فقط، لتأكلوا ثم تنصرفوا، فإذا طعمتم لا يجوز لكم الجلوس مستأنسين لحديث، بل انصرفوا.
وهذا أدب عظيم للضيف في كيفية التعامل مع صاحب البيت، وخاصة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيقول الله ﵎ للمؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
قوله: (غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ)، يعني: غير منتظرين إناه، والمقصود هنا: وقت نضجه، فإذا دعا رجل إنساناً إلى طعام ليتغدى عنده فلا يذهب من الصبح وينتظر مائدة الأكل، بل لا يذهب حتى ينضج الطبيخ، فإذا أكل انصرف.
стр. 2111
أهمية الحرص على الوقت وعدم تضييع وقت الآخرين
على الإنسان إذا دعي إلى طعام ألا يكون ضيفاً ثقيلاً على من يذهب إليه، فإذا دعاك إنسان إلى طعام تذهب في وقت الدعوة الذي حدده المضيف وليس قبل هذا الوقت.
وعلى الإنسان أن يفي بوعده، وأن يلتزم بالمواعيد، فوقت المسلم غال، يقضي وقته في ذكر الله ، يقضيه في قضاء حوائجه، يقضيه في عمله، يقضيه مع أهله وأولاده، يقضيه في صلاة، يقضيه في عبادة، فعلى كل إنسان أن يراعي وقت الآخر، وإذا كان يريدك لحاجة لا تقل: دعوه ينتظر! وبعض الناس قد يزور آخر في وقت متأخر من الليل، فيضيع عليه عمل اليوم التالي أو يضيع عليه صلاة الليل، فهذا ما عرف قيمة الوقت.
فانظروا إلى هذه الآية كيف تؤدب الصحابة إذا دعوا إلى طعام، حتى لا يضيعوا وقت النبي ﷺ ، وإذا أكلوا ينصرفون ولا يستأنسون لحديث، فالنبي ﷺ كان طيب العشرة، وكان لا يواجه أحداً بما يكره، دخل عليه رجل فقال وهو داخل: (بئس أخو العشيرة)، فعندما جلس إذا بالنبي ﷺ يتكلم معه ويتبسط معه ويضحك معه، صلوات الله وسلامه عليه.
فربنا يؤدب المؤمنين والنبي ﷺ إذا كان يؤانسك بالحديث ليس معنى هذا أنك تجلس وتأخذ راحتك وتضايق النبي ﷺ ، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، فعلى الضيف إذا دعي إلى الطعام أن يذهب في الموعد الذي حدد له، لا بعده ولا قبله، فإذا فرغ من الطعام فلينصرف ولا يجلس إلا أن يمسك به صاحب البيت، ويصر على مكثه فهذا أمر آخر، ولكن دائماً عود نفسك إذا دعاك إنسان ألا تمكث بعد الطعام كثيراً، حتى لا تضايق صاحب البيت، ولا تضطره أن يقول لك: ورائي شغل، ورائي كذا، أريد أن أنام، فتحرج صاحب البيت في ذلك.
قال ربنا سبحانه: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: أكلتم ﴿فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ﴾ [الأحزاب:٥٣] من الأنس، والأنس: ضد الوحشة، فالأنس يكون بالمحادثة اللطيفة، وبطيب المجلس، وبطيب المعاشرة.
فالمعنى: حتى لو بدا لك من النبي ﷺ ذلك فلا تستأنس بحديث، وتعود لتسأله عن شيء وراء شيء، وتتكلم وتطيل المجلس، وهذا أدب للصحابة وغيرهم أولى بهذا الأدب.
فعلى الإنسان أن يتأدب بهذا الأدب، فإذا أدخلك إنسان بيته لطعام فلا تطل في الكلام معه، فهو قد يريد أن يقوم من الليل، يريد أن يصلي الفجر، يريد أن يحضر الدروس، يحترم بعضنا وقت بعض، فالوقت عظيم جداً، الوقت فرصة عمرك ولن يعوض مرة ثانية، فلا تضيع وقتك ولا وقت غيرك، فالوقت غال جداً، الوقت هو عمرك، الوقت كالذهب، الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، الوقت عظيم، إذا ذهب لا يعوض أبداً، فلا تضيع وقتك ولا وقت غيرك.
فعلينا أن نراعي هذا الأدب الذي علمناه الله ﵎، وهو أدب الضيافة، وأدب الحديث، وعدم الإكثار من السؤال، وعدم تضييع أوقات الناس، إذا رأيت أخاك في المسجد يقرأ القرآن لا تقل له: تعال نتكلم قليلاً وتشغله عن القرآن، فالقرآن أعظم الأشياء، دعه يقرأ القرآن ويتقرب إلى الله .
وإذا رأيت إنساناً جالساً في المسجد من الفجر إلى الشروق من أجل أن يذكر الله، ويعمل بحديث: (من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين كتب له أجر عمرة تامة تامة تامة)، فلا تجلس لتكلمه وتضيع عليه أجر العمرة التامة.
عود نفسك أن تستأنس بالله ﵎، كثير من الناس لا يعرف هذا الشيء؛ فإذا جلس وحده لذكر الله يمل بسرعة؛ لكن إذا جلس يتكلم مع غيره فقد يجلس ساعات، فعود نفسك على الأنس بالله سبحانه، وأن تجلس وتتفكر في الله سبحانه، إذا سبحت تتأمل في معنى التسبيح، إذا حمدت الله سبحانه تتفكر في معنى الحمد، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
عود نفسك على الخلوة مع الله ﵎، وسيأتي رمضان وكثير منكم سيعتكف، لكن قد تجد الاعتكاف يتحول إلى سمرة، تراهم ساهرين يتكلمون، والنهار يضيعونه في النوم، وهكذا تضيع الأيام من غير فائدة كبيرة.
فلنعود أنفسنا على الخلوة مع الله ﵎، ونكثر من ذلك، وأهل الجنة يلهمون التسبيح كما نلهم النفس، فأهل الجنة متعتهم تسبيح الله ﵎، فالذاكر يستمتع في الدنيا بذكر الله سبحانه فيمتعه الله به في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 2112
حرمة إيذاء النبي ﵊
يقول الله : ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
أي أن الإطالة على النبي ﷺ كانت تؤذيه وتضايقه، وكذلك كثرة السؤال، وقد قال ﷺ : (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) فلا تضيعوا الوقت في كثرة السؤال، وتعلموا ما يقوله لكم النبي ﷺ ، ولا داعي للإكثار من الأسئلة.
فلم يزالوا يسألون النبي ﷺ حتى ضايقوه، فيجيء القرآن يؤدبهم: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة:١٢]، فالآن تصدق ثم اسأل النبي ﷺ ، فأشفقوا من تقديم الصدقات، فلما أبيح لهم بعد ذلك أن يسألوا بلا تقديم صدقة استحيوا من أنفسهم، فلم يسألوا النبي ﷺ ، فكان يعجبهم أن يأتي الأعرابي فيسأل النبي ﷺ فيستفيدون من ذلك، ولا يسألونه إلا لحاجة أو ضرورة.
وفي هذه الآية يقول الله : ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣]، كان حياء النبي ﷺ يمنعه أن يأخذ حظ نفسه ﷺ فيستحيي، ولكن الله لا يضيع ذلك؛ فإذا بالله يعلم المؤمنين ألا يؤذوا النبي صلوات الله وسلامه عليه فيدفعونه إلى أن يستحيي ولا يبين لهم ذلك.
стр. 2113
إثبات صفة الحياء لله تعالى
قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
الله ﵎ يستحيي، ولكن لا يستحيي من الحق، فالله حيي كريم سبحانه، وفي الحديث: (يستحيي إذا رفع عبده يديه أن يردهما صفراً)، فإذا رفع العبد يديه فالله يستحيي أن ينزل العبد يديه من غير أن يأخذ حاجة، فيعطيه ربنا سبحانه بكرمه وفضله.
إذاً: الله يستحيي أن يسأل فلا يعطي، فمن سأله أعطاه سبحانه بفضله وبكرمه، ولكن لا يستحيي من الحق: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، فالله لا يستحيي من الحق حتى ولو كان الأمر أن يضرب لكم المثل بالبعوضة، والبعوضة خلق من خلق الله لا تقدر أن تخلق مثلها، فالله الذي خلقها، وهو يضرب المثل بالشيء الذي خلقه، وكل خلق الله عظيم.
إذا تفكرتم وتدبرتم وتأملتم علمتم لم ضرب الله المثل بالبعوضة أو بالذبابة، والمتأمل يعرف أن ذكر هذا الشيء فيه معجزة من المعجزات، فمثلاً قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، الطالب: الذي يطلب الذباب ضعيف، والمطلوب: وهو الذباب أضعف منه، فإذا أخذ الذباب شيئاً بفمه فإنه ينزل منه سائل يحوله إلى شيء آخر، فمستحيل أن ترجع ما أخذه الذباب.
وضرب الله المثل بالبعوضة، وفيها آيات من آيات الله، تدخل إبرتها في جسم الإنسان وتسحب منه الدم، وترى في الظلام، فمعها أشعة فوق بنفسجية أو تحت الحمراء ترى بها في الظلام العرق الذي تسحب منه الدم، فالبعوضة أنت لا تهتم بشأنها، والله لا يستحيي أن يضربها مثلاً، فالبعوضة شيء عظيم من خلق الله ، فهي تفعل هذا الشيء الذي لا تقدر أنت على مثله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦].
إذاً: ربنا في أمر الحق في الإرشاد في الدعوة إليه لا يستحيي، وكذلك النبي ﷺ يدل على الحق ولا يستحيي من ذلك، ولما استحيا مرة عاتبه الله ، قال الله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٧]، فالله أوحى إلى نبيه أن زينب ﵂ زوجة زيد بن حارثة سيطلقها زوجها، ثم أنت ستتزوجها، وزيد ذهب إلى النبي ﷺ وقال: أريد أن أفارقها، فقال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٣٧] وهو يعلم أن الله قد ذكر له أنه سيطلقها.
стр. 2114
معنى قوله تعالى (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)
قال الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣].
أمر الله زوجة النبي ﷺ أن تكون من وراء الستر، ويأتي من يريد أن يسأل شيئاً من وراء حجاب، ولا تكون أمامه بحجابها، بل تخاطبه من وراء ساتر.
وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: متاعاً من متاع البيت، أو إنسان يسألها سؤالاً في من الأحكام الشرعية.
فقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: ما يتمتع به من العواري، وقيل: الفتوى.
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: هذا الحجاب الذي يضرب بينكم وبين نساء النبي ﷺ أطهر لقلوب المؤمنين، فلا يحدث أحد نفسه بشيء، ولا يمنيها بشيء، وكذلك أطهر لقلوب نساء النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهن اللاتي طهرهن الله، قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب:٣٣]، فإذا كانت الطاهرات المطهرات أمرن بذلك، فغيرهن من باب أولى أن يأمرن بالتحجب والاستتار.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2115
تفسير سورة الأحزاب [٥٣ - ٥٥]
لقد أنزل الله آية الحجاب، وبين الحكمة منه، وأن فيه طهارة للقلوب، وصوناً للأعراض، وبين من يجوز للنساء أن يظهرن عليه من محارمهن ونسائهن وما ملكت أيمانهن.
стр. 2116
أدب التعامل مع البيت النبوي
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا * إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣ - ٥٤].
يذكر الله تبارك تعالى في هاتين الآيتين من سورة الأحزاب للمؤمنين أدباً من الآداب مع النبي ﷺ ومع غيره أيضاً، فهو أدب الدعوة إلى الطعام، فإذا دعي إنسان إلى بيت للطعام سواء عند النبي ﷺ أو عند غير النبي ﷺ فعليه أن يتأدب بهذه الآداب.
قال الله هنا: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣]، وقال في آية أخرى: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧].
فأمر الله المؤمن ألا يدخل بيت النبي حتى يدعى إلى طعام، وبيت النبي ﷺ بيت صغير، وكان له تسعة بيوت هي تسع غرف، لكل امرأة من نسائه بيت من البيوت، فيصعب أن يدعو أناساً فيدخلون ويضيقون على النبي ﷺ المكان الذي هو فيه، ويضيقون على زوجه ﵊، فأمرهم الله أن يلتزموا الأدب مع النبي ﷺ ، فإذا دعوا إلى طعام فليأتوا في وقت الإطعام ليأكلوا، ولا يمكثون عند النبي ﷺ لا لسؤال ولا لحديث ولا لغيره.
قال: ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] والاستئناس للحديث أن الإنسان يستشعر الانبساط من صاحب البيت فيستأنس منه، وهذا من أدب صاحب البيت، والنبي ﷺ كان عظيم اللطف بأصحابه، ولعل لطفه هذا صلوات الله وسلامه عليه كان يطمعهم في المكث وفي الكلام معه، فربنا أدبهم ألا يطمعوا في هذا الشيء، فلا يطيلوا الجلوس في بيت النبي ﷺ فيؤذوا النبي ﷺ وأهل بيته، فإذا طعمت فاخرج وانصرف.
وكذلك في الدخول إلى بيوت غير بيوتكم، ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور:٢٧] فتدخل إلى البيت بإذن، فتستشعر الأنس من صاحب البيت وأنه راض بدخولك عنده، فإذا سلمت واستأذنت وشعرت بالأنس من صاحب البيت دخلت، فإذا طعمت وانتهت الضيافة فاخرج ولا تمكث، فمن أدب الضيف أنه لا يحل له أن يمكث في بيت مضيفه حتى يؤثمه أو حتى يحرجه.
قال الله سبحانه: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ [الأحزاب:٥٣].
(إناه) بمعنى: وقت النضج، أي: لا تنتظروا إلى أن يطبخ الطعام، ولكن ادخلوا في وقت الأكل وليس في وقت طبيخه.
﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: بإذن النبي ﷺ ، فإذا أذن لكم فادخلوا.
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: لا تمكثوا عند النبي ﷺ .
﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: لا تستأنسوا بالكلام مع النبي ﷺ ، فإن حديثه الطيب الجميل يطمعك أن تمكث عنده، وهذا من أدبه ﵊، لكن على الضيف أن ينصرف بعد الأكل.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: المكث عنده في بيته ﷺ ، فالإطالة والسؤال والكلام والاستئناس كان يؤذي النبي ﷺ ؛ لأنه يضيق عليه مكانه.
﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] أي: يستحيي أن يقول للناس: اخرجوا، ففي عرسه ﷺ بالسيدة زينب، دعا الناس وليس له إلا غرفة واحدة، وجلست فيها السيدة زينب مقبلة بوجهها إلى الجدار، وهذا قبل نزول الحجاب، فبقي أناس بعد الأكل يتكلمون عند النبي ﷺ ، حتى تضجر ﷺ ، فقام وخرج خارج الحجرة لعلهم يستشعرون ذلك ويخرجون، فما فهموا بل بقوا قاعدين، فرجع ودخل ثم خرج ﷺ حتى يخطر ببالهم، فلم يفهموا، ثم مرة ثالثة، وفي الأخيرة انتبهوا فقاموا وانصرفوا، وأرخي النبي ﷺ الستر بينه وبين أنس بن مالك ﵁، وكان صغيراً.
وهنا جاء كلام الله سبحانه تأديباً للجميع، فقال الله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣]، يعني: من ساعة نزول آية الحجاب إذا أردتم سؤال نساء النبي ﷺ حاجة أو معونة من المعونات، فليكن هذا من وراء حجاب، وليس لكم أن تتكلموا معهن مباشرة، ولكن لا بد من وراء ساتر.
قال: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] وهذا الأمر العظيم الذي أمركم الله ، وهذا الأدب الجم الذي فيه هذه الآية: ﴿أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣].
لاحظ أن الله سبحانه يتكلم عن نساء النبي ﷺ التي قال الله لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، فأهل بيت النبي ﷺ يريد الله أن يطهرهن، وأن يذهب عنهن الرجس بهذه الآداب حين يلتزمنها، فيؤدبهن الله سبحانه ويطهرهن، وقد فعل ذلك سبحانه، فهن الطاهرات المطهرات رضي الله ﵎ عنهن.
ومع ذلك أمر الناس فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب:٥٣] لأن الإنسان عند كلامه المباشر مع المرأة قد يطمع فيها، وقد تطمع المرأة في الرجل، فإذا كان هذا مع نساء النبي ﷺ اللاتي عصمهن الله سبحانه، وحفظهن بسبب أنهن زوجات النبي ﷺ ؛ فمع غيرهن اللاتي فيهن مطمع من باب أولى.
فنساء النبي ﷺ لا طمع لأحد أن يتزوج واحدة منهن، فالمرأة التي يطمع الإنسان في الزواج بها من باب أولى أن تؤمر بالتستر عنه، ويتكلم معها من وراء حجاب، حتى لا يطمع الرجل في المرأة.
قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٣] ذلكم أطهر لقلوب الرجال، وأطهر لقلوب النساء.
стр. 2117
تفسير قوله تعالى: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله)
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥٣] عصم الله رسوله ﷺ وعصم نساءه أن يؤذى فيهن صلوات الله وسلامه عليه.
قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣] فحرم الله على المؤمنين أن يتزوج أحدهم زوجة من زوجات النبي ﷺ إذا توفي عنها النبي ﷺ ، وكأن الآية نزلت في سبب تحديث بعض المنافقين نفسه بذلك، وقد حدث بعضهم غيره بذلك، فقال بعض المنافقين: ما بال محمد يتزوج من نسائنا، والله لئن مات محمد لنتزوجن نساءه! فهذا المنافق -لعنة الله على المنافقين- يمني نفسه أنه عندما يموت النبي ﵊ فسيتزوج من نسائه، فنزلت هذه الآية تفضح هذا المنافق، وتحذر المؤمنين بأن هؤلاء نساء النبي ﷺ هن أمهات المؤمنين، وليس لإنسان أن يتزوج أمه.
قال: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب:٥٣] بأن يتكلم أحدكم أو يحدث نفسه بعد وفاة النبي ﷺ بأن يتزوج واحدة من نسائه ﷺ .
﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب:٥٣] هذه حرمة مؤبدة، فزوجة النبي ﷺ إذا توفي عنها فهي محرمة أبداً على جميع المؤمنين.
﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: لو حدث ذلك وحاشا نساء النبي ﷺ أن يكون حدث منهن ذلك.
قوله سبحانه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ [الأحزاب:٥٣] يعني: أذى النبي ﷺ أو نكاح أزواج النبي ﷺ ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٣].
стр. 2118
تفسير قوله تعالى: (إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً)
قال الله سبحانه: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤].
هذا تحذير من الله لعباده، فأين تذهب من الله ؟ فمن أبدى ما في ضميره وما في قلبه فتكلم به، أو أخفى هذا الشيء وأكنه كهذا المنافق الذي تكلم بهذا الشيء وأسره لمن حوله، فإن الله قادر أن يفضحه، ويحذر الله المؤمنين أن يقولوا كما قال.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب:٥٤] إذا أبديتم ما في النفس، أو أخفيتم ما في النفس وأسررتموه، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤] ما قال: إن الله كان بهذا الذي أخفيتموه أو هذا الذي أعلنتموه، بل هو عليم بكل ما أخفيتم وما أعلنتم، ما أسررتم وما جهرتم، من صوت من كلام من حديث نفس من نية من شيء مرئي أو شيء مخفي كل شيء الله عليم به ، ففيها المدح لله سبحانه بأنه يعلم كل شيء، وفيها التحذير والتخويف للخلق من النية السيئة، ومن حديث النفس الذي يمني الإنسان بما لا يجوز له أن يفعله، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤].
стр. 2119
تفسير قوله تعالى: (لا جناح عليهن في آبائهن)
стр. 2120
معنى قوله: (لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن)
ذكر الله سبحانه الحجاب في هذه الآيات، بأن تحتجب المرأة فتستتر بثيابها من رأسها إلى أخمص قدميها، وحجاب زائد على هذا وهو أن تحجب شخصها حتى لا يرى، فتكون ستارة بينها وبين الناس، فهذا الحجاب الثاني خاص بنساء النبي صلوات الله وسلامه عليه زيادة في الحيطة وزيادة في الاحتراز والتفضيل لهن، وكأن أقرباء نساء النبي ﷺ سألوا النبي ﷺ : وهل نحن كذلك؟ يعني: الخطاب هو لأمهات المؤمنين، فمنع الله المؤمنين أن يسألوا نساء النبي ﷺ شيئاً إلا من وراء حجاب، أما الأقارب من الآباء والأبناء والإخوة؟ فأنزل الله سبحانه فيهم: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلا أَبْنَائِهِنَّ وَلا إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلا نِسَائِهِنَّ وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥].
فلا جناح على نساء النبي ﷺ وغيرهن أولى، فالآباء، والأبناء والإخوة وأبناء الإخوة وأبناء الأخوات وكذلك النساء اللاتي يدخلن عليهن وملك اليمين لا جناح عليهن في ذلك.
والله ذكر الأب، والمقصود الأب وإن علا، فيدخل الجد وأبوه وهكذا، سواء كان الجد من ناحية الأب، أو من ناحية الأم، فهؤلاء يجوز لهم أن يدخلوا على النساء ويجلسوا معهن، والمرأة من نساء النبي ﷺ تحتجب بشخصها من غير هؤلاء، وغير نساء النبي ﷺ تحتجب باللباس من غير هؤلاء.
فالأب يرى ابنته وهي في ثياب مهنتها أو في ثياب البيت، فيجوز أن يرى وجهها وشعرها ورقبتها وذراعها ورجليها، لكن عليها أن تستر منه صدرها، وبطنها، وركبتيها، ونحو ذلك، ومثل الأب مع ابنته الابن والأخ وغيرهما من محارمها.
قوله: ﴿وَلا أَبْنَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] والمقصود الابن وإن نزل، أي: الابن وابن الابن والبنت وبنت الابن وبنت البنت وابن البنت وهكذا إن نزلوا، فهؤلاء كلهم أبناء، فلا جناح عليهن في ذلك.
стр. 2121
معنى قوله: (ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن)
قوله: ﴿وَلا إِخْوَانِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] فالأخ يدخل على أخته ويجلس معها وهي في ثياب بيتها ولا شيء في ذلك، لا جناح يعني: لا حرج ولا إثم.
﴿وَلا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] فأبناء الإخوة وأبناء الأخوات يجوز لهم أن يجلسوا معها وهي في ثياب مهنتها وفي ثياب بيتها.
وفي الآية إشارة إلى جواز جلوس المرأة مع عمها وخالها وهي بثياب بيتها ومهنتها، وهذا قول جمهور العلماء.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المرأة تستتر أمام غير من ذكر الله هنا، فقالوا: تستتر من عمها، وخالها، وعللوا ذلك بعلة ضعيفة، فقالوا: العم والخال قد يصف هذه البنت لابنه، وابنه لا يجوز له أنه ينظر إليها.
وهذه العلة منتقضة بما ذكره الله هنا من ابن الأخ وابن الأخت.
فالصواب: أن العم والخال يجوز له أن يجلس مع بنت أخته أو مع ابنة أخيه ولا شيء في ذلك، والآية فيها إشارة إلى هذا الشيء.
وقد جاء في حديث أن النبي ﷺ قال: (عم الرجل صنو أبيه)، فالعم منزلته منزلة الأب، فهو من أولياء المرأة، والخال هو أخو الأم، وقد يكون وارثاً في بعض الأحوال ففي الحديث: (والخال وارث من لا وارث له)، فهو رحم للمرأة، والخالة بمنزلة الأم للمرأة، فالقول بأن الخال لا يجوز له أن ينظر إلى ابنة أخته، أو العم لا يجوز له أن ينظر إلى ابنة أخيه، هذا قول ضعيف.
وفي القرآن ما يدل على أن العم بمنزلة الأب، وذلك في وصية يعقوب: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٣]، فقالوا: ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣] أي: آباء يعقوب، والمقصود: إبراهيم وإسماعيل وإسحاق عليهم الصلاة والسلام، فإبراهيم جده، ووصفه بأنه أب، وإسماعيل عمه وليس أباه، وجعله من الآباء، وإسحاق هو أبو يعقوب.
стр. 2122
معنى قوله تعالى (ولا نسائهن)
قال سبحانه: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أي: النساء المؤمنات.
فإذا كانت المرأة فاسقة يخشى منها عند دخولها أن تتطلع وتخرج فتحدث، فيجب أن تستتر المرأة منها، فالمرأة المؤمنة هي التي تدخل على المرأة؛ فإذا كانت المرأة التي تدخل عليها مشهورة بالفجور، أو مشهورة بالكلام في ذلك، وأنها تطلع على العورات وتخرج فتحدث بما رأت؛ فهذه لا تجلس معها، بل تستتر منها حتى لا تصفها، لكن الأصل أن المرأة تدخل مع المرأة وتجلس معها، ويجوز أن تنظر إلى ما عدا العورة منها، وهي من السرة إلى الركبة بالنسبة للمرأة مع المرأة.
وأخذ بعض أهل العلم من قوله سبحانه: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] أن المقصود نساء المؤمنات، وأنه احتراز من نساء الكافرات، فقالوا: لا يجوز للمرأة المؤمنة أن تجلس مع المرأة الكافرة، بل تستتر وتحتجب منها.
وهذا القول فيه نظر، والصواب خلافه؛ لأن السيدة عائشة ﵂ كانت تدخل إليها امرأة يهودية، ولم يذكر الرواة في الحديث أن السيدة عائشة كانت تحتجب منها، ولو كانت تحتجب منها لعلمنا ذلك من رواة هذا الخبر.
وفي الحديث أن امرأة يهودية دخلت على عائشة وقالت لها: (تعوذي بالله من عذاب القبر)، فقالت: أو في القبر عذاب؟ وكان إلى ذلك الحين لم ينزل على النبي ﷺ أن في القبر عذاباً، فسألت النبي ﷺ عن ذلك فقال: (إنما تعذب اليهود) ثم أوحى الله إليه يعلمه بأن في القبر عذاباً، وأنه يكون حفرة من حفر النيران أو روضة من رياض الجنة، فعلم النبي ﷺ ذلك، وعلم أمته.
فالنبي ﷺ لم يقل: لـ عائشة: احتجبي منها، فيكون قوله ﵎: ﴿وَلا نِسَائِهِنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥] على الغالب، فإنه في الغالب لا يدخل على المؤمنة من النساء إلا النساء المؤمنات، لكن إذا كانت المرأة مشهورة بالفجور ومعروفة بكثرة الكلام، وأنها تدخل وتنظر وتخرج فتحدث الرجال، فلا تدخل هذه المرأة على النساء لئلا تكشف عوراتهن.
стр. 2123
معنى قوله (ولا ما ملكت أيمانهن)
قوله تعالى: ﴿وَلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [الأحزاب:٥٥].
قوله: (ما ملكت) هذه من ألفاظ العموم، يعني: كل ما ملكت المرأة من رجال أو من نساء.
وجاء في الحديث أن النبي ﷺ دخل على بنته السيدة فاطمة رضي الله ﵎ عنها وكانت هي وعلي بن أبي طالب وعبد للسيدة فاطمة، وكانت السيدة فاطمة في ثوب لا يستر جميعها، فإذا رفعت الثوب لتستر وجهها انكشفت قدماها، وإذا أرادت أن تستر قدميها انكشف وجهها، فلما رأى النبي ﷺ ذلك قال: (لا حرج عليك، إنما هو أبوك وزوجك وعبدك).
فدل على ما في هذه الآية أن المرأة إذا ملكت عبداً جاز لهذا العبد أن يدخل على سيدته؛ لأنه صار من أهل البيت، فيأخذ منها ويعطيها، وتحدثه، ويجوز له أن يرى وجهها وما بدا منها كأنه من أهل البيت.
لكن لا يجوز لها أن تمكن هذا العبد أن يطأها بملك اليمين، وهذا بإجماع أهل العلم.
стр. 2124
أمر الله لنساء نبيه بتقواه
قال الله : ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٥].
أمر الله نساء النبي ﷺ -وغيرهن من باب أولى- بتقوى الله سبحانه في أمر الاستتار؛ لأن المرأة قد تتنزل في هذا الشيء، وتستسهل أن ينكشف منها شيء، والمرأة إذا لم تذكر لعلها تتغافل عن هذا الشيء، ولعلها تلبس الحجاب ولا تستتر به الاستتار الذي أمر الله؛ فقال الله : ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:٥٥].
أي: احذرن من غضب الله ، فالمرأة تستسهل الأمر إن لم يكن عليها رقيب، وإن لم يكن عليها من يأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر.
قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب:٥٥]، وقال في الآية التي قبلها: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٤]، فالله يشاهد كل شيء، ويشهد على كل شيء، وكفى بالله شهيداً؛ فإذا كان هو الشهيد وهو الحكم فهو يحكم على عبده ولا يقدر العبد أن ينكر شيئاً.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2125
تفسير سورة الأحزاب الآية [٥٦]
للصلاة على النبي ﷺ فضل عظيم، وقد أمر الله تعالى بالصلاة على النبي ﷺ ، ومن المواطن التي تجب فيها الصلاة على النبي ﷺ : التشهد، وفي غير ذلك تكون الصلاة مستحبة، وقد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ القبور أعياداً وموالد؛ لأن ذلك وسيلة إلى الشرك بالله تعالى.
стр. 2126
تفسير قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي)
стр. 2127
فضل الصلاة على النبي ﷺ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا * إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا * وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب:٥٦ - ٥٨].
يأمر الله المؤمنين بالصلاة على النبي ﷺ والتسليم عليه، ويخبر أنه سبحانه يصلي على النبي ﵊، وأن ملائكة الله كذلك يصلون على النبي ﷺ ، فأمرنا أن نقتدي بذلك، وأن نصلي عليه وأن نسلم تسليماً صلوات الله وسلامه عليه.
فهنا قال الله تعالى وأخبر عن نفسه: ((إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)).
وإن صلاة الله على نبيه صلوات الله وسلامه عليه بمعنى الرحمة وبمعنى الثناء الحسن الجميل، فالله يمدح نبيه ﷺ ويثني عليه ويرحمه .
فإذا كان الله ﷻ صلى على النبي ﷺ فلا يحتاج إلى أحد أن يصلي عليه، ويكفيه صلاة ربه سبحانه عليه، وإخباره سبحانه بأن الملائكة أيضاً تصلي عليه ﷺ تشريف له ﷺ .
والملائكة لا يعلم عددهم إلا الله فهم أعداد كثيرة جداً، وقد حدث النبي ﷺ عمن يزورون البيت المعمور في السماء كل يوم، إذ يحج إلى هذا البيت المعمور سبعون ألفاً ولا يرجعون إليه، وذلك منذ خلقه الله حتى تقوم الساعة.
فالملائكة أعداد لا تحصى، ولا يستطيع الإنسان أن يتخيل عدد الملائكة، وكل ملائكة الله يصلون على النبي ﷺ فلا يحتاج إلى صلاة البشر ﵊.
فالإنسان حين يصلي على النبي ﷺ هو الذي يثاب على ذلك، فعندما يصلي مرة يصلي الله عليه عشراً كما سيأتي في أحاديث النبي ﷺ ، ويصلي على النبي ﷺ فيستحق شفاعته ﵊ يوم القيامة.
стр. 2128
مواطن وجوب الصلاة على النبي ﷺ ومواطن استحبابها
أمرنا الله أن نصلي عليه لننتفع نحن، والأمر على الوجوب، فتجب الصلاة على النبي ﷺ إجمالاً.
وتنفيذاً لهذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] ذكر العلماء أنه تجب الصلاة على النبي ﷺ ولو مرة واحدة.
ويصلي على النبي ﷺ كذلك في الصلاة، وذلك عندما سأل الصحابة النبي ﷺ : (يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال النبي ﷺ : قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد).
فعلمهم كيف يصلون، ولما سألوه كيف نصلي؟ قال: (قولوا)، والله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
إذاً: هذا أمر من الله وأمر من نبيه ﷺ في الصلاة عليه.
إذاً: إجمالاً يجب على المؤمنين أن يصلوا على النبي ﷺ .
فإذا قيل: أي المواطن التي تجب فيها الصلاة على النبي ﷺ ؟ ف
الجواب
في الصلاة، فالإنسان في التشهد يقرأ التشهد ثم يصلي على النبي ﷺ .
وفي غير ذلك تكون الصلاة عليه مستحبة، ويكفي ذم النبي ﷺ من ذكر عنده فلم يصل عليه، قال: (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2129
ذكر أحاديث في فضل الصلاة على النبي ﷺ
والأحاديث التي وردت في فضل الصلاة عليه قد ذكرناها في كتاب الدعوات، وهي أحاديث كثيرة وعظيمة وجليلة، والذي يقرأ الأحاديث يشتاق للصلاة عليه ﷺ ، لما في الصلاة عليه من ثواب عظيم عند الله.
فمن الأحاديث التي وردت ما رواه الترمذي من حديث أبي بن كعب ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ إذا ذهب ثلث الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله فقد جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه، جاء الموت بما فيه).
فقوله: إذا ذهب ثلث الليل، أي: إذا ذهب الثلثان وبقي الثلث الأخير من الليل.
وقد كان ﷺ يقوم يصلي من الليل ما شاء، وينادي في الناس ليصلوا من الليل قال أبي بن كعب: (قلت يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك ﵊ فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: ما شئت.
قال: قلت الربع؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك.
قال: قلت النصف؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك.
قال: قلت فالثلثين؟ قال: ما شئت فإن زدت فهو خير لك).
ومعنى ذلك أن يكثر من الصلاة على النبي ﷺ : (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) كما علمنا النبي ﷺ .
يقول: (كم أجعل لك من صلاتي)، أي: كم أجعل لك من دعائي، عندما أجلس أدعو لنفسي وأدعو لفلان وأدعو لفلان، وأدعو للناس وأصلي عليك، وأجعل قدراً من الدعاء لك أنت يا رسول الله، فكان النبي ﷺ يقول: ما شئت حتى وصل إلى الثلثين فقال: (أجعل لك صلاتي كلها؟) إذاً: كل دعائي صلاة عليك! فقال ﷺ : (إذاً: تكفى همك ويغفر لك ذنبك).
وكأن أبي ﵁ يقول للنبي ﷺ : (إني أنشغل عن الدعاء بكثرة الصلاة عليك فقال النبي ﷺ : إذاً: تكفى همك).
إن الإنسان إذا صلى على النبي ﷺ يكشف الله عنه الهم، ويغفر له ذنبه، فإذا كان جل أو كل دعائه صلاة على النبي ﷺ كفاه الله ما أهمه وغفر له ذنبه.
ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي ﷺ حديث لـ عبد الله بن عمرو بن العاص، وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، أن النبي ﷺ قال: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول ثم صلوا عليَّ، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ثم سلوا الله لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله).
إذاً: هي درجة عالية في الجنة، يقول النبي ﷺ : (سلوا الله لي الوسيلة) أي: أن أكون صاحب هذه المنزلة العظيمة عند الله سبحانه.
قال: (وأرجو أن أكون أنا هو) أي: أرجو أن أكون أنا هذا العبد الذي له هذه المنزلة، وسيكون هو صلوات الله وسلامه عليه قال: (فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة) أي: من سأل للنبي ﷺ هذه المنزلة العظيمة التي لا تكون إلا لعبد واحد من عباد الله من بين خلقه جميعاً حلت له شفاعة النبي ﷺ .
ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة عليه ﷺ ما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم ﷺ فيه إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم).
(ما جلس قوم) أي: قوم من المسلمين لم يجلس هؤلاء القوم (مجلساً) أي: مجلس بيع أو مجلس شراء، أو مجلساً في المسجد، أو في بيت، أو مجلس في طريق، أي مجلس جلس فيه الناس.
(ولم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي ﷺ فيه إلا كان عليهم ترة) أي: كان حسرة عليهم يوم القيامة.
قال: (فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم) فانظر إلى اجتماع الناس في مجلس من المجالس، إما أن يجتمعوا على ذكر الله وإما على اللهو واللعب، فإذا كان اجتماعهم ليس فيه ذكر لله وليس فيه صلاة على النبي ﷺ ، فهذا المجلس يستحقون أن يلاموا عليه.
والغالب أن هذه المجالس تخلو من ذكر الله، فإذا خلت من ذكر الله سبحانه كان فيها ذكر الشياطين، وكان فيها ذكر اللهو واللغو واللعب، وكان فيها الغيبة والنميمة والبهتان والزور، فإذا كان كذلك استحقوا عذاب الله ، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
ومن الأحاديث الواردة في فضل الصلاة على النبي ﷺ حديث رواه الترمذي أيضاً عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي) ﵊.
(رغم) من الرغام، والرغام: التراب، وكأنه يدعو على الإنسان أن أنفه تكون في أذل ما يكون، تكون أنفه في التراب، فدعا عليه النبي ﷺ بالذل، وهذا دعاء على الإنسان الذي يذكر أمامه النبي ﷺ فلا يصلي عليه.
وقال ﷺ : (رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له) نسأل الله أن يبلغنا رمضان وأن يغفر لنا سبحانه.
(ورغم أنف رجل أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما فلم يدخلاه الجنة) فهؤلاء جميعاً رغمت أنوفهم، والنبي ﷺ يدعو عليهم بالذل في الحياة الدنيا.
فإذا كان الإنسان يذكر أمامه النبي ﷺ فلا ينشرح صدره ولا يصلي على النبي ﷺ فهو إنسان بخيل يستحق أن يذله الله .
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث رواه الترمذي أيضاً عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) ﵊.
كذلك حديث رواه أبو داود عن فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ قال: قال النبي ﷺ : (إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه جل وعز والثناء عليه، ثم يصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بعد بما شاء) فهذا فضالة بن عبيد يذكر: أنه سمع من النبي ﷺ هذا المعنى، فذكر أنه قال: (إذا صلى أحدكم) أي: إذا بدأ أحدكم يدعو فليتمهل في الدعاء، بأن يحمد الله سبحانه في البداية، ثم يثني عليه، ثم يمجده، وبعد ذلك يصلي على النبي ﷺ ، ثم يسأل الله ما شاء من طلب.
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام).
(إن لله ملائكة سياحين) يسيحون في الأرض شمالاً ويميناً، ويسمعون من الناس الصلاة على النبي ﷺ ويبلغون النبي ﷺ هذه الصلاة.
وورد في حديث رواه الإمام النسائي من حديث أبي طلحة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (أتاني ملك فقال: يا محمد إن ربك يقول: أما يرضيك أن لا يصلي عليك أحد إلا صليت عليه عشراً، ولا يسلم عليك أحد إلا سلمت عليه عشراً) وهذا فضل عظيم في الصلاة والسلام على النبي ﷺ .
وكل ما ذكرناه أحاديث صحيحة.
ومنها حديث رواه النسائي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات، وحطت عنه عشر خطيئات، ورفعت له عشر درجات) فصلاة واحدة على النبي ﷺ فيها هذا الفضل كله: أن الله يصلي عليه ويرحمه عشر مرات، ويحط عنه عشر خطيئات، ويرفع له عشر درجات.
حديث آخر رواه أبو داود عن أوس بن أوس عن النبي ﷺ في فضل يوم الجمعة قال: (فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي).
إذاً: يوم الجمعة بالأخص تعرض الصلاة على النبي ﷺ .
ومن الأحاديث الواردة في ذلك حديث رواه أبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇.
وهذه فضيلة عظيمة جداً، فالذي يسلم على النبي ﷺ تبلغ الملائكة النبي ﷺ سلامه، فيرد النبي ﷺ عليه سلامه عليه.
كذلك في حديث رواه أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
(لا تجعلوا بيوتكم قبوراً) أي: لا تجعلوها كالقبور خالية من الصلاة، فقد نهانا النبي ﷺ عن الصلاة في القبور، ولا يجوز لإنسان أن يذهب إلى المقبرة فيصلي فيها صلاة الظهر أو صلاة العصر، فإذا ترك صلاة النافلة في البيت كأنه جعل البيت كالمقبرة، وكما أن المقبرة لا يصلى فيها فكذلك البيت الذي لا يصلى فيه صار كالمقبرة.
стр. 2130
النبي ﷺ ينهى عن اتخاذ القبور أعياداً وموالد
يقول ﷺ : (لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً) نهى أن يجعل القبر عيداً من العادة والاعتياد على الشيء، كأن الإنسان يذهب إلى قبر النبي ﷺ ، فيجتمع الناس حوله للجلوس حول القبر للدعاء هنالك، وبذلك يعظم الناس القبر فيرجعون لأمر الجاهلية من تعظيم للقبور ومن تعظيم للأحجار وغير ذلك، فقال: (لا تجعلوا قبري عيداً)، فإذا كان هذا قبره ﷺ يقول فيه: (لا تجعلوا قبري عيداً) فكيف بقبر غيره؟! والناس في هذا الزمان يعملون الموالد للقبور، كمولد أبي العباس، ومولد البدوي، ومولد كذا ومولد كذا، والنبي ﷺ نهى أن يجعل قبره عيداً ﵊، فقال: (لا تجعلوا قبري عيداً) فغيره محظور عليه ذلك من باب أولى.
قال: (وصلوا علي) أي: أكثروا من الصلاة علي.
إذاً: ينبغي للإنسان أن لا ينشغل بأمر القبر، ولا يتوجه لقبر النبي ﷺ ويدعو: يا رب يا رب، فإن هذا غير جائز، ولكن إذا أراد أن يدعو يتوجه إلى القبلة ويدعو ربه ، ولا يسأل النبي ﷺ بعدما مات وإنما يسأل الله الحي الذي لا يموت.
قال: (وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).
إذاً: لا تنشغل بأن تذهب إلى قبره ﷺ حتى تصلي عليه، ولكن في أي مكان أنت فيه صل عليه فصلاتك تبلغه، وليس المعنى: أنه لا يذهب إلى مسجد النبي ﷺ ، بل الزيارة مشروعة لمسجد النبي ﷺ وشد الرحال إليه، فيذهب إلى قبر النبي ﷺ يسلم عليه، فإذا أراد أن يدعو توجه إلى القبلة وليس إلى القبر.
كذلك حديث رواه ابن ماجة عن عامر بن ربيعة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يصلي علي إلا صلت عليه الملائكة ما صلى علي) وهذه فضيلة أخرى؛ أنه مهما كنت تصلي على النبي ﷺ فالملائكة تصلي عليك وتدعو لك.
قال: (فليقل العبد من ذلك أو ليكثر) أي: إذا أردت أن تُقِلَّ فأقل، وإذا أردت أن تكثر فأكثر من الصلاة على النبي ﷺ .
стр. 2131
حكم المتغافل عن الصلاة على النبي ﷺ
إذا قال قائل: ما حكم الإنسان الذي يتغافل عن الصلاة على النبي ﷺ ؟ ف
الجواب
حكمه كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة وهو حديث صحيح أيضاً عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة).
فبعض الناس يذكر أمامه النبي ﷺ فلا يصلي عليه ويتشاغل عن ذلك.
فالنبي ﷺ يقول لهذا الإنسان: إن الله يؤاخذ العبد على نسيانه، ولكن التغافل هذا كأنه نسيان متعمد.
فمن الناس من تقول له: صل على النبي ﷺ ، فيقول لك: دائماً تقول لنا ذلك، فهذا الإنسان الذي يتغافل عن الصلاة على النبي ﷺ كأنه نسيها فيخطئ طريقه إلى الجنة كما ذكر ذلك النبي ﷺ .
وكما ذكر في الحديث الآخر: (من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله) إن الإنسان الذي كان يذكر أمامه النبي ﷺ ولا يصلي عليه إذا كان حظه أنه دخل النار بسبب ذنوبه، فأبعده الله، فلا هو الذي في الدنيا عمل صالحاً يدخله الجنة، ولا هو الذي أكثر من الصلاة على النبي ﷺ ؛ فتنفعه شفاعته إذا دخل النار أن يخرجه الله من النار إلى الجنة.
كذلك ما جاء عن عمر ﵁ قال: (إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك ﷺ فالإنسان إذا دعا لا يتعجل الإجابة، فليصل على النبي ﷺ في أول دعائه وفي آخر دعائه وليكثر من ذلك، وهذا الدعاء جدير بأن يستجيبه الله سبحانه.
نسأل الله أن يصلي على نبيه ﷺ ويسلم تسليماً كثيراً، وأن يستجيب دعاءنا، وأن يجعلنا من مرافقيه في الجنة صلوات الله وسلامه عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2132
تفسير سورة سبأ [ ١ - ٢]
الله يستحق الحمد والثناء الجميل لما له من الأسماء الحسنى والصفات العلى، والأفعال العظيمة، فهو مالك لما في السماوات والأرض وما بينهما، وهو واسع العلم، يعلم كل شيء يلج في الأرض أو يعرج منها، يعلم قدره ومستقره ومآله، وكذلك يعلم ما يعرج في السماوات من ملائكة وأعمال وما ينزل منها من ملائكة وغيث مدرار.
стр. 2133
مقدمة بين يدي سورة سبأ
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
هذه السورة الرابعة والثلاثون من كتاب الله ، وهي من السور المكية التي من خصائصها: التذكير بتوحيد الله ، والتذكير بالبعث والنشور والكلام عن اليوم الآخر وما يكون فيه، والتذكير بآيات الله سبحانه التي أنزلها على نبيه صلوات الله وسلامه عليه وما فيها من حكم ومواعظ.
كذلك فيها إثبات علم الله المحيط، وأسباب صدق النبي صلوات الله وسلامه عليه فيما يخبر به من كتاب الله ، ويشهد له بذلك الذين أوتوا العلم سواء من أهل الكتاب أو من المؤمنين الذين دخلوا في هذا الدين العظيم.
كذلك يضرب الله فيها الأمثال للناس لعلهم يتذكرون بما ذكر الله فيها من أسماء.
هذه السورة في ترتيب المصحف هي الرابعة والثلاثون، وبحسب النزول ذكروا أنها نزلت بعد سورة الإسراء، فقد ذكر الله سبحانه في سورة الإسراء أن المشركين طلبوا من النبي ﷺ آيات فقال عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩١].
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء:٩٢] فقالوا ذلك للنبي ﷺ ، فرد الله سبحانه ﵎ عليهم في هذه السورة فقال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ:٩] يعني: إن نشأ فعلنا بهم هذا الشيء الذي يطلبون على وجه الاستبعاد أنه لا يكون، ويظنون أنه لا يقدر ﵊، ويكذبونه ويجحدون بآيات الله .
وربنا يخبر أنه أخر عنهم ذلك حلماً ورحمة، لعل هؤلاء يتوبون إلى الله .
وهي على ترتيب النزول السورة الثامنة والخمسون من كتاب الله ، وعدد آياتها أربع وخمسون عند جمهور من عد هذه السورة، وفي مصحف أهل الشام خمس وخمسون آية، وليس الخلاف في زيادة الآيات ونقصانها إنما الخلاف في موضع الوقف، فالعد الشامي اعتبر قول الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ [سبأ:١٥] آية، أما باقي القراء فأكملوا الآية على أنها آية واحدة وليست آيتين، وهكذا في كل ما جاء فيه خلاف في عد الآيات فهو في موضع الوقف وهل هو رأس آية أم لا؟
стр. 2134
تفسير قوله تعالى: (الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض)
هذه السورة العظيمة بدأها الله بحمد نفسه فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] بدأ الله هذه السورة بالحمد، وليست السورة الوحيدة التي بدأها بذلك، فقد بدأ الفاتحة بحمد نفسه فقال: ((الحمد لله رب العالمين)).
وفي سورة الأنعام قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
وفي سورة الكهف: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١].
وفي سورة فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] فهذه خمس سور في كتاب الله بدأها بحمد نفسه، وكلها نزلت في مكة حين كان الكفار يدعون إلى كتاب الله فلا يستجيبون، ويذكرون بحكم الله سبحانه وأحكام الله، وما في كتابه من آيات ويعظهم النبي ﷺ فلا يحمدون ربهم ولا يشكرون، فقال: (الحمد لله) فحمد نفسه وهو مستغني عن حمد الخلق.
هذه السورة اسمها سورة سبأ، وتسمى السورة عادة إما بشيء يذكر فيها، أو بما جاء في أولها، أو نحو ذلك.
فسميت بسورة سبأ باعتبار ذكر سبأ فيها، لكن من سبأ هذا؟ جاء في حديث عند الترمذي عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: (يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم) يقول: إن قومي من بني مراد فيهم المسلمون، وفيهم الكفار فهل يجمع المسلمين ويقاتل بهم الكفار فقوله: (ألا أقاتل من أدبر من قومي) يعني: أعرض عن الإسلام.
وقال: (بمن أقبل منهم) يعني: إلى دين الله .
قال: (فأذن لي في قتالهم) أي: وافقه النبي ﷺ وأذن له في قتال الكفار.
قال: (وأمّرني) أي: جعلني أميراً.
قال: (فلما خرجت من عنده سأل عني: ما فعل الغطيفي؟ فأخبر أني قد سرت) يعني: سار من أجل أن يجمع قومه المؤمنين؛ ليقاتلوا الكفار.
قال الرجل: (فأرسل في أثري فردني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: ادع القوم) يعني: قبل أن تبدأ بالقتال ادعهم إلى دين الله .
قال: (فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك) وهذا من رحمة النبي صلوات الله وسلامه عليه ألاَّ تتعجل في القتال، إذ ليس هو الغرض، وإنما القتال حتى يدخل الناس في دين الله ، فالكفار قد يمنعون الناس من دخول دين الله فلا يصلح معهم إلا القتال.
ولكن لعل المناسب لقومك الدعوة بالرفق؛ لذلك قال له النبي ﷺ : (ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه) والذي لم يسلم؟ قال ﷺ : (فلا تعجل حتى أحدث إليك) قال الرجل: (وأنزل في سبأ ما أنزل) يعني: نزلت سورة سبأ ونزل فيها ما نزل.
وسورة سبأ عند جماهير المفسرين سورة مكية وهو الراجح وإن كان هذا الحديث يدل على نزولها في المدينة؛ لأن الرجل جاء النبي ﷺ سنة تسع من الهجرة.
لكن الراجح أن الرجل يخبر عن سماعه وليس عن إنزال هذه السورة، يعني: كأنه سمعها في هذا الوقت من النبي ﷺ .
قال: (فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ؟) أي: هل سبأ أرض أم امرأة؟ فقال النبي ﷺ : (ليس بأرض ولا مرأة ولكنه رجل ولد له عشرة من العرب) يعني: كان أبا عشر قبائل من العرب قال: (فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة) تيامن: اتجه يميناً، وتشاءم: اتجه شمالاً، يعني: ذهب إلى أرض اليمن ستة، وإلى أرض الشام أربعة من أولاد سبأ، قال: (فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة) يعني: أربع قبائل من القبائل الموجودة في بلاد الشام وهي لخم وغسان وجذام وعاملة فهؤلاء من أولاد سبأ، فيكون أبا لعشر قبائل من العرب.
قال: (وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكنده ومذحج وأنمار) فهؤلاء الذين ذهبوا إلى بلاد اليمن فهو أبوهم.
فقال الرجل: (وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة) فبين النبي ﷺ في هذا الحديث أن سبأ ليست أرضاً ولا امرأةً اسمها سبأ، ولكنه رجل أبو عشر قبائل من العرب جعل الله في أولاده آية وعبرة كما سيأتي.
وهذه السورة كعادة السور المكية فيها ذكر قصص القرآن للعظة والعبرة.
فذكر لنا كيف أنه مكن لداود ﵊ وآتى داود من عنده علماً، وكيف سخر لسليمان ﵇ الريح، وكيف مات سليمان وقد سخر الله له الجن، وزعمت الجن أنها تعلم الغيب وكذبوا في ذلك، فلما مات سليمان لم يعرفوا موته، وظلوا مسخرين خائفين من سليمان وقد مات ﵊، وكان واقفاً على عصاه فترة طويلة وهم لا يعلمون موته.
ثم أرسل الله الأرضة تأكل عصاه فسقط سليمان فعلموا أنه كان ميتاً وتبين للجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.
فهذه حكمة من الله أن يري عباده من آياته أنه يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، وهو علام الغيوب سبحانه كما ذكر لنا في أول هذه السورة.
كذلك ذكر قصة سبأ وكيف أغناهم الله وأعطاهم.
وانظر إلى سليمان ﵊، وإلى سبأ وقصته: سليمان آتاه الله العلم، وآتاه الملك والنبوة؛ فحمد الله وسخر له ربه ما يشاء فما ازداد إلا حمداً لله وشكراً وتواضعاً له سبحانه.
أما قوم سبأ فأعطاهم الله الجنات وأعطاهم العيون والبساتين والثمار حتى إنهم ليخرجون من أرضهم مسافرين إلى أرض أخرى، فيمر المسافر بقرية بعد أخرى فيجد عندهم طعامه وشرابه والدلالة على الطريق، وهذا من فضل الله العظيم عليهم.
فسليمان حمد الله سبحانه وأمر العباد بطاعة ربه، وهؤلاء كفروا وجحدوا نعمة الله ووصل بهم الأمر إلى البطر والغرور حتى قالوا: ربنا باعد بين أسفارنا، يعني نحن نريد سفراً نتعب فيه ونشقى فيه لكي نحس أنا قد سافرنا، فلما عصوا ربهم أرسل عليهم سيل العرم فدمر هذا كله، ولم يبق لهم من الجنات والبساتين شيئاً، وأبدلهم بالجنات أشجاراً ذوات أكل خمط مر وأثل وشيء من سدر قليل، قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] فلما كفروا ربهم سبحانه استحقوا ذلك وهي إشارة إلى هؤلاء الكفار إن أسلمتم فاقتديتم بسليمان وبنبينا صلوات الله وسلامه عليه كان لكم الخير من الله ، وإذا أعرضتم فكنتم كقوم سبأ كانت عليكم العقوبة، ولن تعجزوا الله .
стр. 2135
معنى قوله: (الحمد لله)
بدأ الله السورة بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [سبأ:١]، الألف واللام للجنس يعني: جنس الحمد وكل الحمد له ، فهو الذي يستحق الحمد على أسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله العظيمة الجميلة.
والحمد بمعنى: الثناء الجميل على الله سبحانه لكماله وجلاله وجماله.
كذلك الحمد يدخل تحته الشكر؛ لأنك تحمده سبحانه لأنه يستحق، وتحمده لأنه يعطي وينعم.
فالحمد أعم من الشكر وأخص منه، فالحمد له والشكر يكون له ولغيره، فهو الذي يستحق الحمد على ما فيه من صفات جليلة وعظيمة وجميلة، وعلى ما أعطى خلقه من نعم.
قال تعالى: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ)) اللام في (لله) للملك، يعني: الله يستحق هذا الحمد ويملكه وحده.
ثم قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات)).
يبين استحقاقه سبحانه للحمد بأنه هو الذي يملك ما في السماوات وما في الأرض فيكون الحمد له وحده.
أما غيره فلا يملك شيئاً إلا عرضاً من الدنيا وليس ملكاً حقيقاً، وكل مخلوق يملكه الله شيئاً يغتر بهذا الشيء، وذلك ليس ملكاً أبدياً، فإذا جاءت الوفاة انتقل إلى غيره، فكان مستخلفاً في الأرض، ويخلف الناس بعضهم بعضاً في هذه الأموال.
قال سبحانه: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)) أي: السماوات وما فوقها وما تحويها، والأرض وما فوقها وما تحتها وما فيها وكل ما بينهما يملكه الله .
قال سبحانه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَة﴾ [سبأ:١] هذا من التفنن الجميل في كتاب الله ، فلم يكرر الحمد لله بنفس الصيغة، فلم يقل: الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض، والحمد لله الذي له ما في الآخرة، ولكن أتى بصيغة أخرى هي في موضعها غاية في الجمال، وتأمل في معناها، فالله سبحانه يستحق الحمد في الدنيا وفي الآخرة: في الدنيا قد يحمد المخلوق ربه سبحانه، وقد يثني على غيره كأن يكون إنسان أعطاه شيئاً فيشكره عليه ويحمده على ما فيه من صفات جميلة مثلاً.
ولكن إذا جاءت الآخرة فلا يحمد أحداً، ولا يذكر أحد أحداً، فكل إنسان يقول: نفسي نفسي.
قال تعالى: (وله الحمد) فقدم الجار والمجرور على الاسم للاختصاص، أي: أن هذا الحمد في الآخرة ليس له ولغيره بل له وحده لا شريك له، فيعرف الجميع المسلمون والكفار، الإنس والجان أنه وحده سبحانه الذي يستحق الحمد وأنه وحده الإله الذي لا شريك له.
له الحمد في الآخرة فأهل الجنة يقولون: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.
كذلك إذا دخلوا الجنة كان آخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.
وكلما أنعم عليهم بنعمة كان آخر ما يفرغون من نعمه العظيمة يقولون: الحمد لله رب العالمين.
стр. 2136
معنى قوله: (الحكيم الخبير)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى عظيمان، وكل أسمائه عظيمة سبحانه، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) أي: لله من الأسماء تسعة وتسعون اسماً اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة، وليس ذلك كل أسمائه سبحانه، بل له أسماء كثيرة، ولذلك جاء في دعاء النبي ﷺ : (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فله أسماء عظيمة كثيرة جليلة، ومن ضمن هذه الأسماء ما جاء في كتابه سبحانه ﵎ تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة.
وأحصاها بمعنى: حفظها وفهم معانيها ودعا الله وسأله بمقتضى ما يعرف من أسمائه سبحانه، ففي كل نازلة تنزل بالعبد يسأل الله بالاسم المناسب لهذه النازلة، فإذا أخطأ سأل ربه سبحانه أن يغفر له فهو الغفور، وسأله أن يعفو عنه فهو العفو، وإذا وقع في ضيق سأل ربه أن يفرج عنه ذلك فهو الرحيم الحنان المنان سبحانه، وهو الكريم فيطلب منه أن يرزقه ويعطيه من كرمه وفضله.
والمقصود أن يستعمل أسماء الله في كل مناسبة ما يليق بها من أسماء الله ، وهذا من معاني من أحصاها دخل الجنة.
فذكر اسماً من أسمائه وهو الحكيم، أي: ذو الحكمة، فلا يخرج شيء عن علمه وحكمته، قدر كل شيء بعلمه، وكل شيء في موضعه بحكمته .
وهو الحكيم لا يدخل في نظام كونه خلل ولا فساد.
وهو الحكيم الذي كمل في حكمته، والحكيم صيغة مبالغة من الحكم فهو الحاكم والحكيم الذي يمضي حكمه ولا معقب لحكمه سبحانه.
ومن معاني الحكيم: المحكم اسم فاعل، أي: المتقن الذي يحكم كل شيء يقوله أو يفعله، فهذا القرآن كتاب حكيم أحكمه الله ﵎ وأتقن فيه كل شيء، والكون أتقن الله صنعه فهو المحكم لكونه لا شيء يخرج عن حكمته.
وأصل الحَكَمة الحديدة التي توضع في فم الفرس لشد اللجام فيها، ويقاد بها، فكأن الحكمة تقود صاحبها إلى ما يريده الله ، ولا يخرج الشيء عن إرادة الله أبداً، فهو الحكيم الحاكم المحكم في صنعه.
والحكيم أيضاً: المانع من الفساد الذي لا يدخل في تدبيره خلل، ولا في صنعه زلل.
والخبير: اسم آخر من أسماء الله يدل على علم الله سبحانه، فالعليم يدخل تحت الخبير، ويدخل تحته أنه الشهيد الذي هو علينا رقيب ، والعلم أعم من الخبرة، فالله يعلم كل شيء، فإذا اختص العلم ببواطن الأشياء فهي الخبرة، فإذا اختص علم الله تعالى بما يبطنه الخلق فهو سبحانه الخبير، وإذا اختص علمه بما يظهره الإنسان فهو الشهيد سبحانه، وإذا اختص ذلك بأن يجازيه عليه فهو الرقيب سبحانه.
فالكل عائد إلى صفة العلم منه ، وهو الحكيم الخبير الذي يعلم مصالح الأشياء ومضارها ولا تخفى عليه عواقب الأمور وبواديها والذي لا يقع في تدبيره خلل ولا زلل.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها)
قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢]، الله هو الحكيم الخبير الذي يعلم العلم الشامل المحيط ما يلج في الأرض، وقد كان الكفار يظنون أن الله لا يعلم ما يسرونه، واجتمع ثلاثة نفر عند الكعبة في يوم من الأيام ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي عظيمة شحوم بطونهم، قليلة أفهام عقولهم، فقال بعض هؤلاء الحمقاء لبعض: أترون الله يعلم ما نقول؟ فرد بعضهم: نظن أنه إذا أعلنا سمعنا، وإذا أسررنا لم يسمعنا! يقولون ذلك من غبائهم وعدم تفكيرهم فقاسوا الخالق على المخلوق، فظنوا أن الله لا يعلم إلا ما يجهرون به أما ما يسرون فإنه لا يعلمه، فقال رجل: إن كان يعلم ما نعلن؛ فهو يعلم ما نسر.
قال الله يرد على هؤلاء وأمثالهم: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ [سبأ:٢] الولوج: الدخول والتغيب، يقال: ولج في الشيء بمعنى: دخل وغاب فيه، فما يلج في الأرض أي: ينزل بداخلها ويختفي فيها فالله سبحانه ﵎ يعلمه.
قال الله: ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)) أي: ما يخرج منها يعلمه أيضاً.
وقال: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: يعلم ما يسقط من الأشجار من ورق، ومصير هذا الورق أين يذهب، هل يأكله إنسان أو حيوان أو أنه يتحلل ويغوص في باطن الأرض فينتفع به ما بداخل الأرض من دواب أو ينتفع به النبات بعد ذلك؟ فالله يعلم الحبة حين تسقط من السنبلة على الأرض هل تنزرع أم تكون رزقاً لنملة في الأرض أم تكون رزقاً لإنسان أو حيوان؟ والله يعلم ما يلج في الأرض من أشياء فتختفي بداخلها من أجساد ومن زروع وثمار ونحو ذلك.
وما يخرج من الأرض من أشجار وثمار ومعادن وغير ذلك.
ويعلم ما ينزل من السماء وما يعرج فيها من ملائكة تنزل من السماء، ومن مطر ينزل منها، ومن بلاء ينزل على العباد وقضاء وقدر، ويعلم ما يعرج إلى السماء من الملائكة (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، فإذا صعد الذين باتوا فيكم إلى ربهم، سألهم ربهم سبحانه: كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون).
стр. 2138
معنى قوله: (الرحيم الغفور)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى العظيمة، فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة التي لا نظير له فيها.
فالرحمن الرحيم صيغتا مبالغة، فالرحمن عظيم الرحمة، والرحيم عظيم الرحمة، لكن ما هو الفرق بينها؟ ذكر الله أنه كان بالمؤمنين رحيماً فكأنه يخص برحمته المؤمنين، والرحمن ذو الرحمة العظيمة البالغة التي تكون لجميع خلقه، فرحمته وسعت كل شيء .
وفي الدنيا جزء من رحمة رب العالمين سبحانه بها يرحم الإنسان أخاه، ويرحم الحيوان الحيوان، وترفع الدابة حافرها عن ولدها؛ لئلا تؤذيه.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] فيرحم المؤمنين يوم القيامة، ويدخلهم الجنة بفضله وبرحمته سبحانه.
والغفور: اسم آخر من أسماء الله ، وقد جاء في القرآن الغفور والغفار وغافر الذنب.
فالغفور والغفار من صيغ المبالغة فهو عظيم المغفرة، وأصل الغفر: الستر والتغطية، فكأنه سمي بذلك لأنه يستر الذنوب ويمحوها ولا يفضح عباده المؤمنين، فيستر زلاتهم ويغفر لهم ذنوبهم.
فالغفور: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وأصلها التغطية، ومنها المغفر: وهو حلقات من حديد يلبسها المقاتل حتى لا تؤثر فيه ضربات السيوف فيستتر تحتها.
وقد قال الله تعالى في عباد الرحمن: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] فلا يغفر فقط، لكن أيضاً من رحمته أنه قد يقلب السيئة التي وقع فيها العبد إلى حسنة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (إن المؤمن يدنيه الله في كنفه يوم القيامة ثم يأمر الملائكة أن يروه صحائف ذنوبه ويستر عنه ذنوباً كثيرة ويريه أشياء صغيرة من ذنوبه) فيقر بها ويخاف أن يريه الذنوب الأخرى التي فعلها، والله بكرمه يستره ويريه بعض ذنوبه ويقول: (قد سترناها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك) ثم يقول: (وسأبدلها لك حسنات) أي: مكان كل ذنب مما غفرناه سنبدله حسنات.
فينظر العبد في صحيفته ويتذكر الذنوب الأخرى ويقول: (يا رب! هناك ذنوب لا أراها هنا، فضحك النبي صلوات الله وسلامه عليه) لما نظر العبد لرحمة الله سبحانه فتطاول إلى أعظم مما ﵀ سبحانه، فطلب منه أن يبدل الذنوب التي سترها وغفرها حسنات والله على كل شيء قدير.
نسأل الله بفضله ورحمته أن يغفر لنا ويتجاوز عنا إنه هو الغفور الرحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2139
تفسير سورة سبأ [٣ - ٩]
توعد الله جل وعلا أولئك الذين سلكوا سبيل العناد، وأبوا أن يسلكوا سبيل الرشاد، مع معرفتهم اليقينية بصدق رسالة الرسول الكريم ﵊، وكذبوا بالساعة متناسين أن الله أوجدهم من العدم، وأعرضوا عن آيات الله الكونية والشرعية.
стр. 2140
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٣ - ٨].
في هذه الآيات من سورة سبأ يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن تكذيب المشركين بالساعة، وعن رد الله سبحانه ﵎ على هؤلاء في تكذيبهم بقيام الساعة.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ:٣] قال بعضهم ذلك وصدقهم الباقون، وممن قال ذلك أبو سفيان قبل إسلامه وهو في مكة، وإسلامه كان متأخراً في العام الثامن من هجرة النبي ﷺ ، قبيل فتح مكة، وقد كان قبل ذلك من أشد المعادين للنبي ﷺ والمؤمنين.
فكان أبو سفيان يقسم للكفار أن الساعة لا تقوم، فيقول لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبداً، ولا نبعث.
فكذب الله ما قال، وكذب الكفار في دعواهم أن الساعة لا تأتي، فقال الله : ﴿قُلْ بَلَى﴾ [سبأ:٣] هم قالوا: ﴿لا تَأْتِينَا﴾ [سبأ:٣] فكان
الجواب
(( بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)) ستأتي هذه الساعة، هم نفوا ذلك، فأثبت الله بهذا اللفظ: ((بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ))، فهم أقسوا بآلهتهم التي لا تنفع ولا تضر، وأقسم الله بنفسه سبحانه، وقال للنبي ﷺ : اقسم لهم بالله سبحانه ﵎، فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
ستأتيكم ساعتكم وستقوم عليكم قيامتكم، وستأتي ساعة كل إنسان، وستأتي القيامة الكبرى بعد ذلك.
((قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ)) وهذا من أسماء الله سبحانه ﵎: علام الغيوب، عالم الغيب، وهو العليم سبحانه ﵎.
وقوله: ((عَالِمِ الْغَيْبِ)) هذه قراءة ابن كثير وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة الكسائي.
وقرأها غيرهم من القراء بالضم: (عالمُ) وهم ابن عامر ونافع وأبو جعفر: ورويس.
قرأها حمزة والكسائي: (علام الغيب) سبحانه ﵎، فهو (عالم الغيب) و (علام الغيب) أيضاً.
((قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)) فالوصف لله سبحانه العائد على هذا القسم، (وربي عالمِ الغيب) و (ربي علام الغيب) وصف للمقسم به، وهو: الله سبحانه ﵎.
وقراءة حمزة والكسائي: (علام الغيب) الوصف أيضاً مجرور على الأصل فيها: (وربي) معطوف عليه، فهو مجرور مثله.
(عالمُ الغيب) قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ورويس ورُفعت؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوف.
فالله سبحانه ﵎ عالم الغيب والشهادة، والله علام الغيوب، يعلم ما خفي، ويعلم كل شيء، ويعلم ما يبدو وما يخفى، وما ينويه الإنسان، بل وما لم ينوه بعد، فهو يعلم ما كان وما سيكون.
قال تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣].
(يَعْزُبُ) بمعنى: يغيب، فلا يغيب عن علم الله سبحانه، مثقال ذرة، والذرة: هي النملة الصغيرة جداً، والتي لا يكاد الإنسان يراها، فإذا كان الله لا يغيب عنه قدر الذرة، فكيف بما هو أكبر من ذلك؟! لا يغيب عن الله شيء في خلقه ولا في كونه سبحانه.
(لا يَعْزُبُ) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها الكسائي: (لا يعزِب) والمعنى واحد.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [سبأ:٣] والمثقال: القدر أو الجزء، إذاً الجزء من هذه الذرة، يعلمه الله سبحانه ﵎، سواء كان في السموات أو في كان في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣] إذاً الذرة التي هي أقل الأشياء الله يخبر أنه يوجد أصغر منها، وما كان أصغر منها فالله يعلمه سبحانه ﵎، وما كان أكبر من ذلك فالله يعلمه، فهو يعلم كل شيء سبحانه.
﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣] فهو عند الله سبحانه ﵎ في كتاب مكتوب، يحدث كذا في يوم كذا، ويخلق فلاناً وفلاناً، وفلان يعصي، وفلان يطيع، وفلان يستحق الجنة، وفلان يستحق النار، وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه ﵎ في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ عنده سبحانه ﵎.
следующие страницы →