Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.
стр. 2136
معنى قوله: (الحكيم الخبير)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى عظيمان، وكل أسمائه عظيمة سبحانه، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) أي: لله من الأسماء تسعة وتسعون اسماً اختصت بأن من أحصاها دخل الجنة، وليس ذلك كل أسمائه سبحانه، بل له أسماء كثيرة، ولذلك جاء في دعاء النبي ﷺ : (أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك)، فله أسماء عظيمة كثيرة جليلة، ومن ضمن هذه الأسماء ما جاء في كتابه سبحانه ﵎ تسعة وتسعون اسماً من أحصاها دخل الجنة.
وأحصاها بمعنى: حفظها وفهم معانيها ودعا الله وسأله بمقتضى ما يعرف من أسمائه سبحانه، ففي كل نازلة تنزل بالعبد يسأل الله بالاسم المناسب لهذه النازلة، فإذا أخطأ سأل ربه سبحانه أن يغفر له فهو الغفور، وسأله أن يعفو عنه فهو العفو، وإذا وقع في ضيق سأل ربه أن يفرج عنه ذلك فهو الرحيم الحنان المنان سبحانه، وهو الكريم فيطلب منه أن يرزقه ويعطيه من كرمه وفضله.
والمقصود أن يستعمل أسماء الله في كل مناسبة ما يليق بها من أسماء الله ، وهذا من معاني من أحصاها دخل الجنة.
فذكر اسماً من أسمائه وهو الحكيم، أي: ذو الحكمة، فلا يخرج شيء عن علمه وحكمته، قدر كل شيء بعلمه، وكل شيء في موضعه بحكمته .
وهو الحكيم لا يدخل في نظام كونه خلل ولا فساد.
وهو الحكيم الذي كمل في حكمته، والحكيم صيغة مبالغة من الحكم فهو الحاكم والحكيم الذي يمضي حكمه ولا معقب لحكمه سبحانه.
ومن معاني الحكيم: المحكم اسم فاعل، أي: المتقن الذي يحكم كل شيء يقوله أو يفعله، فهذا القرآن كتاب حكيم أحكمه الله ﵎ وأتقن فيه كل شيء، والكون أتقن الله صنعه فهو المحكم لكونه لا شيء يخرج عن حكمته.
وأصل الحَكَمة الحديدة التي توضع في فم الفرس لشد اللجام فيها، ويقاد بها، فكأن الحكمة تقود صاحبها إلى ما يريده الله ، ولا يخرج الشيء عن إرادة الله أبداً، فهو الحكيم الحاكم المحكم في صنعه.
والحكيم أيضاً: المانع من الفساد الذي لا يدخل في تدبيره خلل، ولا في صنعه زلل.
والخبير: اسم آخر من أسماء الله يدل على علم الله سبحانه، فالعليم يدخل تحت الخبير، ويدخل تحته أنه الشهيد الذي هو علينا رقيب ، والعلم أعم من الخبرة، فالله يعلم كل شيء، فإذا اختص العلم ببواطن الأشياء فهي الخبرة، فإذا اختص علم الله تعالى بما يبطنه الخلق فهو سبحانه الخبير، وإذا اختص علمه بما يظهره الإنسان فهو الشهيد سبحانه، وإذا اختص ذلك بأن يجازيه عليه فهو الرقيب سبحانه.
فالكل عائد إلى صفة العلم منه ، وهو الحكيم الخبير الذي يعلم مصالح الأشياء ومضارها ولا تخفى عليه عواقب الأمور وبواديها والذي لا يقع في تدبيره خلل ولا زلل.
стр. 2137
تفسير قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها)
قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢]، الله هو الحكيم الخبير الذي يعلم العلم الشامل المحيط ما يلج في الأرض، وقد كان الكفار يظنون أن الله لا يعلم ما يسرونه، واجتمع ثلاثة نفر عند الكعبة في يوم من الأيام ثقفيان وقرشي أو قرشيان وثقفي عظيمة شحوم بطونهم، قليلة أفهام عقولهم، فقال بعض هؤلاء الحمقاء لبعض: أترون الله يعلم ما نقول؟ فرد بعضهم: نظن أنه إذا أعلنا سمعنا، وإذا أسررنا لم يسمعنا! يقولون ذلك من غبائهم وعدم تفكيرهم فقاسوا الخالق على المخلوق، فظنوا أن الله لا يعلم إلا ما يجهرون به أما ما يسرون فإنه لا يعلمه، فقال رجل: إن كان يعلم ما نعلن؛ فهو يعلم ما نسر.
قال الله يرد على هؤلاء وأمثالهم: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾ [سبأ:٢] الولوج: الدخول والتغيب، يقال: ولج في الشيء بمعنى: دخل وغاب فيه، فما يلج في الأرض أي: ينزل بداخلها ويختفي فيها فالله سبحانه ﵎ يعلمه.
قال الله: ((يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا)) أي: ما يخرج منها يعلمه أيضاً.
وقال: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] أي: يعلم ما يسقط من الأشجار من ورق، ومصير هذا الورق أين يذهب، هل يأكله إنسان أو حيوان أو أنه يتحلل ويغوص في باطن الأرض فينتفع به ما بداخل الأرض من دواب أو ينتفع به النبات بعد ذلك؟ فالله يعلم الحبة حين تسقط من السنبلة على الأرض هل تنزرع أم تكون رزقاً لنملة في الأرض أم تكون رزقاً لإنسان أو حيوان؟ والله يعلم ما يلج في الأرض من أشياء فتختفي بداخلها من أجساد ومن زروع وثمار ونحو ذلك.
وما يخرج من الأرض من أشجار وثمار ومعادن وغير ذلك.
ويعلم ما ينزل من السماء وما يعرج فيها من ملائكة تنزل من السماء، ومن مطر ينزل منها، ومن بلاء ينزل على العباد وقضاء وقدر، ويعلم ما يعرج إلى السماء من الملائكة (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، يجتمعون في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، فإذا صعد الذين باتوا فيكم إلى ربهم، سألهم ربهم سبحانه: كيف وجدتم عبادي؟ قالوا: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون).
стр. 2138
معنى قوله: (الرحيم الغفور)
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ:٢] هذان اسمان من أسماء الله الحسنى العظيمة، فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة التي لا نظير له فيها.
فالرحمن الرحيم صيغتا مبالغة، فالرحمن عظيم الرحمة، والرحيم عظيم الرحمة، لكن ما هو الفرق بينها؟ ذكر الله أنه كان بالمؤمنين رحيماً فكأنه يخص برحمته المؤمنين، والرحمن ذو الرحمة العظيمة البالغة التي تكون لجميع خلقه، فرحمته وسعت كل شيء .
وفي الدنيا جزء من رحمة رب العالمين سبحانه بها يرحم الإنسان أخاه، ويرحم الحيوان الحيوان، وترفع الدابة حافرها عن ولدها؛ لئلا تؤذيه.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] فيرحم المؤمنين يوم القيامة، ويدخلهم الجنة بفضله وبرحمته سبحانه.
والغفور: اسم آخر من أسماء الله ، وقد جاء في القرآن الغفور والغفار وغافر الذنب.
فالغفور والغفار من صيغ المبالغة فهو عظيم المغفرة، وأصل الغفر: الستر والتغطية، فكأنه سمي بذلك لأنه يستر الذنوب ويمحوها ولا يفضح عباده المؤمنين، فيستر زلاتهم ويغفر لهم ذنوبهم.
فالغفور: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن خطاياهم وأصلها التغطية، ومنها المغفر: وهو حلقات من حديد يلبسها المقاتل حتى لا تؤثر فيه ضربات السيوف فيستتر تحتها.
وقد قال الله تعالى في عباد الرحمن: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠] فلا يغفر فقط، لكن أيضاً من رحمته أنه قد يقلب السيئة التي وقع فيها العبد إلى حسنة؛ ولذلك قال النبي ﷺ : (إن المؤمن يدنيه الله في كنفه يوم القيامة ثم يأمر الملائكة أن يروه صحائف ذنوبه ويستر عنه ذنوباً كثيرة ويريه أشياء صغيرة من ذنوبه) فيقر بها ويخاف أن يريه الذنوب الأخرى التي فعلها، والله بكرمه يستره ويريه بعض ذنوبه ويقول: (قد سترناها عليك في الدنيا واليوم أغفرها لك) ثم يقول: (وسأبدلها لك حسنات) أي: مكان كل ذنب مما غفرناه سنبدله حسنات.
فينظر العبد في صحيفته ويتذكر الذنوب الأخرى ويقول: (يا رب! هناك ذنوب لا أراها هنا، فضحك النبي صلوات الله وسلامه عليه) لما نظر العبد لرحمة الله سبحانه فتطاول إلى أعظم مما ﵀ سبحانه، فطلب منه أن يبدل الذنوب التي سترها وغفرها حسنات والله على كل شيء قدير.
نسأل الله بفضله ورحمته أن يغفر لنا ويتجاوز عنا إنه هو الغفور الرحيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2139
تفسير سورة سبأ [٣ - ٩]
توعد الله جل وعلا أولئك الذين سلكوا سبيل العناد، وأبوا أن يسلكوا سبيل الرشاد، مع معرفتهم اليقينية بصدق رسالة الرسول الكريم ﵊، وكذبوا بالساعة متناسين أن الله أوجدهم من العدم، وأعرضوا عن آيات الله الكونية والشرعية.
стр. 2140
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ * لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ * وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٣ - ٨].
في هذه الآيات من سورة سبأ يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن تكذيب المشركين بالساعة، وعن رد الله سبحانه ﵎ على هؤلاء في تكذيبهم بقيام الساعة.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ:٣] قال بعضهم ذلك وصدقهم الباقون، وممن قال ذلك أبو سفيان قبل إسلامه وهو في مكة، وإسلامه كان متأخراً في العام الثامن من هجرة النبي ﷺ ، قبيل فتح مكة، وقد كان قبل ذلك من أشد المعادين للنبي ﷺ والمؤمنين.
فكان أبو سفيان يقسم للكفار أن الساعة لا تقوم، فيقول لكفار مكة: واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبداً، ولا نبعث.
فكذب الله ما قال، وكذب الكفار في دعواهم أن الساعة لا تأتي، فقال الله : ﴿قُلْ بَلَى﴾ [سبأ:٣] هم قالوا: ﴿لا تَأْتِينَا﴾ [سبأ:٣] فكان
الجواب
(( بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)) ستأتي هذه الساعة، هم نفوا ذلك، فأثبت الله بهذا اللفظ: ((بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ))، فهم أقسوا بآلهتهم التي لا تنفع ولا تضر، وأقسم الله بنفسه سبحانه، وقال للنبي ﷺ : اقسم لهم بالله سبحانه ﵎، فقال: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ:٣].
ستأتيكم ساعتكم وستقوم عليكم قيامتكم، وستأتي ساعة كل إنسان، وستأتي القيامة الكبرى بعد ذلك.
((قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ)) وهذا من أسماء الله سبحانه ﵎: علام الغيوب، عالم الغيب، وهو العليم سبحانه ﵎.
وقوله: ((عَالِمِ الْغَيْبِ)) هذه قراءة ابن كثير وقراءة أبي عمرو وقراءة عاصم وقراءة الكسائي.
وقرأها غيرهم من القراء بالضم: (عالمُ) وهم ابن عامر ونافع وأبو جعفر: ورويس.
قرأها حمزة والكسائي: (علام الغيب) سبحانه ﵎، فهو (عالم الغيب) و (علام الغيب) أيضاً.
((قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ)) فالوصف لله سبحانه العائد على هذا القسم، (وربي عالمِ الغيب) و (ربي علام الغيب) وصف للمقسم به، وهو: الله سبحانه ﵎.
وقراءة حمزة والكسائي: (علام الغيب) الوصف أيضاً مجرور على الأصل فيها: (وربي) معطوف عليه، فهو مجرور مثله.
(عالمُ الغيب) قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر ورويس ورُفعت؛ لأنها خبر لمبتدأ محذوف.
فالله سبحانه ﵎ عالم الغيب والشهادة، والله علام الغيوب، يعلم ما خفي، ويعلم كل شيء، ويعلم ما يبدو وما يخفى، وما ينويه الإنسان، بل وما لم ينوه بعد، فهو يعلم ما كان وما سيكون.
قال تعالى: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ:٣].
(يَعْزُبُ) بمعنى: يغيب، فلا يغيب عن علم الله سبحانه، مثقال ذرة، والذرة: هي النملة الصغيرة جداً، والتي لا يكاد الإنسان يراها، فإذا كان الله لا يغيب عنه قدر الذرة، فكيف بما هو أكبر من ذلك؟! لا يغيب عن الله شيء في خلقه ولا في كونه سبحانه.
(لا يَعْزُبُ) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها الكسائي: (لا يعزِب) والمعنى واحد.
﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [سبأ:٣] والمثقال: القدر أو الجزء، إذاً الجزء من هذه الذرة، يعلمه الله سبحانه ﵎، سواء كان في السموات أو في كان في الأرض.
قال تعالى: ﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣] إذاً الذرة التي هي أقل الأشياء الله يخبر أنه يوجد أصغر منها، وما كان أصغر منها فالله يعلمه سبحانه ﵎، وما كان أكبر من ذلك فالله يعلمه، فهو يعلم كل شيء سبحانه.
﴿وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣] فهو عند الله سبحانه ﵎ في كتاب مكتوب، يحدث كذا في يوم كذا، ويخلق فلاناً وفلاناً، وفلان يعصي، وفلان يطيع، وفلان يستحق الجنة، وفلان يستحق النار، وكل شيء مكتوب عند الله سبحانه ﵎ في كتاب مبين، وهو اللوح المحفوظ عنده سبحانه ﵎.
стр. 2141
تفسير قوله تعالى: (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات)
قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ:٤]، ((لِيَجْزِيَ)) اللام تعليلية، فقد علم الله سبحانه ﵎، وكتب عنده في لوح محفوظ؛ ليري الناس يوم القيامة أعمالهم ويجازون عليها.
إذاً الساعة آتية ليجزي الله هؤلاء، وكتب عنده ما يفعلون، فلابد من إتيان الساعة للجزاء، وكتب الله عنده أعمال العباد للجزاء أيضاً.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤] والله يذكر لنا الإيمان مقروناً بالعمل الصالح غالباً؛ حتى لا يتوهم إنسان أن يقول: آمنت، ثم يترك العمل ولا يعمل شيئاً، فالعمل الصالح من واجبات الإيمان لا بد منه، فالله يجزي المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالجنة، والذين لا يعملون الصالحات يعذبهم الله سبحانه ﵎ أو يغفر لمن يشاء سبحانه، أما الكفار فمأواهم النار ولا مخرج ولا منجى لهم منها أبداً.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [سبأ:٤] يعني: بالجزاء العظيم، وبالأجر قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ:٤] لهم مغفرة من الله، وفوق هذه المغفرة محو الخطايا، ومحو الذنوب، ويبدل الله سيئاتهم حسنات من فضله سبحانه، وأيضاً لهم الرزق العظيم، والرزق الكريم، فالله من صفاته أنه كريم سبحانه ﵎.
يجزي عباده بكرمه جزاء يليق به، فهو الإله وهو الرب، وصفته الكرم، فالرزق منه رزق كريم، رزق لا ينقطع عن عباده في الدنيا.
стр. 2142
تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥].
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ وهؤلاء عكس المؤمنين، فهم أعرضوا عن ربهم سبحانه، وجحدوا دينه، وكذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
وآيات الله سبحانه ﵎ أي: معجزات الله سبحانه، والآيات التي يريهم في الكون لا يقدر إنسان على أن يأتي بآية من هذه الآيات، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠] هذه آيات من آيات الله سبحانه.
ويأتي القرآن وهو الآية العظمى من الله سبحانه ﵎، لنريك آيات الله أكبر الآيات: الآية الكبرى آية رب العالمين، هذا القرآن الكريم.
فهؤلاء الكفار يسعون في آيات الله معاجزين، ومعجزين، المعاجز والمعجز: الذي يريد أن يعجز خصمه، يريد أن يعجزه ويعجّزه، فالكفار يظنون أن الله لا يقدر عليهم، ويقولون: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢].
ويأتي أبي بن خلف الجمحي للنبي ﷺ بقحف رأس ويفتته بيده ويقول: تزعم أن إلهك يبعث هذا؟! فيقول النبي ﷺ : (نعم، ويدخلك النار) الله يبعث هذا مرة ثانية ليجزيه، ويدخل هذا الكافر النار.
فالغرض أن ربنا سبحانه يخبر عن الكفار وأنهم يسعون، يعني: يحاولون جاهدين إبطال آيات الله ، ويحاولون التشكيك في آيات الله سبحانه ﵎، وهم بذلك معاجزين يعني: يظن الكافر أنه يعجز ربه، وأنه يفلت من الله سبحانه ﵎.
قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ:٥] ومحاولين أن يشككوا الناس في دين الله سبحانه ﵎، ظانين أنهم يفلتون من الله سبحانه.
(مُعَاجِزِينَ) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو: (معجزين) يعني: في ظنهم، فيظنون أنهم يعجزون ربهم ويعجزونه، فيهربون في الأرض، ولا يقدر أن يبعثهم مرة ثانية! (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا) مريدين إبطالها، معجزين ومعاجزين، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ:٥] أولئك لهم عذاب من عند الله سبحانه، عذاب عظيم وعقوبة من الله سبحانه ﵎ لهؤلاء.
((مِنْ رِجْزٍ)) الرجز هو: أشد العذاب، فلهم عذاب من الرجز، وهذا العذاب عذاب أليم أيضاً.
ووردت قراءتان لكلمة أليم: (أَلِيمٌ) و (أليمٍ)، (أَلِيمٌ) قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم ويعقوب، وهي وصف للعذاب، وكأنه يقول: أولئك لهم عذاب أليمٌ، فصفة العذاب أنه أليم.
وباقي القراء يقرءونها (أليمٍ) وهذا يكون عند الوصل، عندما يصل القارئ الآية بالآية التالية، إما أن يرفع على قراءة ابن كثير وحفص عن عاصم وقراءة يعقوب، أو يجر على قراءة باقي القراء.
وكأن على قراءة الجر أن الرجز أليم، إذاً هذا وصف للرجز للذي هو أشد العذاب عند الله سبحانه ﵎، وهو مؤلم، فهي صفة للرجز أنه مؤلم، بل غاية في الألم لهؤلاء الذين يعذبون به، نسأل الله العفو والعافية.
إذاً هؤلاء يريدون التعجيز، ويثبطون الناس عند دين الله سبحانه، ويبعدونهم عن دين الإسلام، ويعاجزون ظناً منهم أنهم يفلتون من الله سبحانه ﵎.
стр. 2143
تفسير قوله تعالى: (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق)
قال الله سبحانه: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ:٦] نحن ذكرنا أن سورة سبأ سورة مكية، واختلف العلماء في آية واحدة فقط منها وهي هذه الآية، فبعض أهل العلم قالوا: هذه الآية مدنية بناء على تفسيرها، وباقي السورة مكية إلا هذه الآية.
((وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ)) يعني: أهل الكتاب، وعلموا أن هذا هو الحق من عند الله، فدخلوا في دين الله ، كـ عبد الله بن سلام وغيرهم ممن دخلوا في دين الله سبحانه.
فقالوا: عبد الله بن سلام وغيره من أهل الكتاب لم يكونوا في مكة، والسورة نزلت في مكة، فدل أن هذه الآية نزلت في المدينة، ولكن أكثر المفسرين على أن الذين أوتوا العلم هم: المؤمنون، والقرآن أعظم العلوم، فهم الذين أوتوه، يعني: المؤمنون الذين اتبعوا النبي ﷺ ، فتعلموا منه وعلموا، فهؤلاء أهل العلم، فالسورة كلها مكية.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [سبأ:٦] أي: يرون ما نزل عليك من عند ربك سبحانه، يرون أنه ((هُوَ الْحَقَّ))، (أُنزل) هذا المفعول، (ويرى) بمعنى: يعلمون ويعتقدون ذلك، فيرى هنا تنصب مفعولين، فالمفعول الثاني هو الحق، و (هو) للتوكيد فيها، وفي غير القرآن يجوز (هو الحقُّ)، وهي قراءة شاذة، لكن القراءة التي في المصحف، وهي قراءة القراء كلهم: (هو الحقَّ)، فيرون القرآن هذا حقاً من عند الله سبحانه ﵎.
((وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ))، الصراط: طريق الإسلام الذي يقود إلى الجنة، فهو الصراط المستقيم الذي يدعو المؤمن ربه في كل صلاة، وفي كل ركعة من صلاته بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦].
إذاً: يرى أهل العلم أن هذا القرآن حق من عند الله سبحانه، ويهدي أي: يدل على طريق الله سبحانه ﵎.
((وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ)) فهو الغالب الذي لا يمانع سبحانه ﵎، والذي إذا قضى أمراً فإنما يقول له: كن فيكون، ومستحيل أن يكون على غير ما أراد الله سبحانه، فهو العزيز الغالب القاهر، الذي لا يغالب ولا يمانع أبداً، إذا أمر أمراً لا يستطيع أحد أن يمنع قضاءه سبحانه وقدره.
((الْحَمِيدِ)) أي: المحمود، المستحق للحمد العظيم، وهو: الثناء الجميل على الله سبحانه ﵎ بما هو أهل له.
(ويهدي إلى صراط) الصاد هنا فيها قراءات، فيقرأ قنبل عن ابن كثير، ويقرأ رويس أيضاً عن يعقوب، بإبدال الصاد سيناً (سراط)، ويقرأ باقي القراء (صراط) بالصاد، ما عدا خلف عن حمزة فيقرأ بإشمام الصاد زاياً، والمعنى واحد، فالصراط بمعنى: الطريق الذي يدل عليه هذا القرآن والذي يهدي إلى طريق ربنا سبحانه ﵎.
стр. 2144
تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧].
((وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا)) أي: مستهزئين بالنبي صلوات الله وسلامه عليه كعادتهم فهم يستهزؤون بالحق، وهم يعرفون أنه الحق لجهلهم ولحماقتهم وتفاهتهم ولصغر عقولهم، فهم يتكلمون عن النبي ﷺ بكلام كاذب، يقول الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧].
((هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ)) والعادة عندما تقول لشخص: دعني أدلك على رجل يفعل كذا وكذا، أن هذا الرجل مجهول، فلو كان الرجل معلوماً لقلت له: أدلك على فلان يفعل كذا، فكيف هذا وهم يعرفون النبي ﷺ تماماً؟! ويعرفون أهله صلوات الله وسلامه عليه، ولا يجهلونه ﵊، ومع ذلك يقولون هذا الكلام، هل ندلكم على رجل؟! تعالوا نريكم رجلاً، فقالوها هنا على وجه السخرية والتحقير لأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكأنهم يجهلونه ﵊! فتعرف جهل هؤلاء وحماقتهم حين يدعو أحدهم ربهم سبحانه ويقول: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأنفال:٣٢] فتعرف أنهم الجهلة، وأنهم أغبياء، وأنهم لا يفهمون ما يقولون، وهل هناك شخص عاقل يقول هذا الشيء؟! وهل يوجد شخص عاقل يقول لربه: يا رب! لو كان هذا الحق فأسقط علي حجارة من السماء، فأمتني؟! فالعاقل لا يقول هذا أبداً، العاقل يقول: يا رب! لو كان هذا الحق من عندك فاهدني إليه، ودلني عليه، وخذ بيدي إليه، أما الذي يقول: يا رب! لو كان هذا حقاً فأمطر علي حجارة، فهذا جاهل مغفل، لا يفهم ما يقوله.
وهؤلاء الكفار يقولون ذلك، ويدعون على أنفسهم، ويقول قائلهم: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، والقط: صحيفة العذاب، يعني: هات لنا العذاب من الآن، لن ننتظر حتى يوم الحساب! في عقولهم غباء عجيب، وإذا دخلوا في الإسلام إذا بالله يكشف عنهم ذلك، فينظرون إلى أنفسهم ويضحكون على أنفسهم.
فقد كان الصحابة يجلسون مع النبي ﷺ بعد صلاة الفجر في المسجد، وقد أخبرهم عن فضل الجلوس بعد صلاة الفجر في المسجد حتى يصلي ركعتي الضحى، وقال لهم ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة ثم مكث في مصلاه يذكر الله حتى طلعت الشمس ثم صلى ركعتين، كتب له أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة).
فكان الصحابة يحرصون على ذلك، فيجلسون مع النبي ﷺ يذكرون الله ، فإذا أشرقت الشمس، فليس وقتاً للصلاة عند شروق الشمس، فيتكلم بعضهم مع بعض، ويتحدثون عما كانوا يفعلون في الجاهلية، قال قائلهم: فكنا نتحدث بما كنا نصنع في الجاهلية، فنضحك ويسمعنا النبي ﷺ ، فيتبسم صلوات الله وسلامه عليه، يعني: كان يحكون الجهالات والحماقات التي كانوا عليها قبل دخولهم في دين الله سبحانه.
أليس الله يقول لنا: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩]؟ أليس هؤلاء الذي كانوا يئدون بناتهم في الجاهلية، يسلم أحدهم ويحدث النبي ﷺ بما صنع في جاهليته، وأنه أخذ ابنته وحملها وذهب بها وحفر لها حفرة في الأرض، وكان التراب يصعد على وجهه وابنته تمسح لحيته من التراب، وهو يحضر قبرها، ثم يدفنها في قبرها ويفرغ فوقها التراب! هذا في الجاهلية، ويذكر الرجل ذلك في الإسلام فيبكي على حاله، ويبكي على ما صنع في جاهليته، ولولا أن الله سبحانه ﵎ جعل الإسلام يجب ما قبله، لكان أمره عظيماً عند الله سبحانه.
يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨ - ٩] ما هو الذنب الذي فعلته هذه الفتاة التي يئدها والدها؟! وقد تكون قد كبرت فيئدها، ويدفنها وهي حية، وهذا فعل أهل الجاهلية، وفعل الكفار، فيستحقون عقوبة رب العالمين سبحانه على كفرهم وعلى تكذيبهم، وهذه عقولهم التي أضلهم الله ، فلم يعرفوا الحق، فاتبعوا الهوى، وفعلوا هذا فسخروا من النبي صلوات الله وسلامه عليه، قالوا عنه: مجنون، وهذا شيء يقوله بعضهم لبعض، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧] يقول لكم: إنكم عندما تموتون وتتمزقون في الأرض وتذهب العظام، ويذهب اللحم، ويذهب الجسم كله؛ سترجعون مرة ثانية، حتى يحاسبكم ربكم، فهل هذا الشيء معقول؟! يكذبون ويقول بعضهم لبعض على وجه السخرية والتهكم.
стр. 2145
تفسير قوله تعالى: (أفترى على الله كذباً أم به جنة)
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ:٨] هذا من قولهم الذي ينكر الله عليهم، يقولون: هل قد افترى على الله كذباً؟ ومن أين لكم أن تعرفوا أنه افترى على الله كذباً؟ هل حدثكم الله أنه لم يبعث رسولاً، بل أنزل كتابه، وأعجزكم هذا الكتاب، والواجب عليهم: أن ينظروا في هذا الكتاب.
إذاً خاطب عقولهم، والرسول غايته أن ينظروا في صدقه من كذبه، هل هو صادق أو كاذب فيما يقول؟ رسولاً، هرقل عظيم الروم لما جاءه خطاب النبي صلوات الله وسلامه عليه ما الذي صنعه؟ بدأ باستخدام عقله، فأتى بـ أبي سفيان مع جماعة من العرب فجعل أبا سفيان أمامهم وجعل وراءه الناس من العرب وقال: إذا كذب فأخبروني، وما المانع أن يكذب أبو سفيان؟ يقول هو بعدما أسلم ويحدث بهذا الحديث: لولا أن يؤثروا علي كذباً، فيعرفون أني كذبت كذبة لكذبت، وكان من أشد أعداء النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان يؤلب عليه العرب، ويذهب للنبي ﷺ لقتاله، هذا أبو سفيان من الله عليه في النهاية بأن أسلم بعد عداء مع النبي ﷺ دام إحدى وعشرين سنة ثم أسلم في آخر سنة ثمانية من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فيسأله هرقل: هذا الرجل الذي بعث فيكم أو الذي يزعم أنه بعث فيكم هل عهدتم عليه كذباً قط؟ هل كذب من قبل؟ قال: لا، ثم قال: هل كان أحد آبائه ملكاً في يوم من الأيام؟ أبو سفيان يجيب: لا، إذاً كيف هو فيكم؟ يقول: هو من أشرفنا ومن أفضلنا نسباً، فبعدما سأله نحو عشرة أسئلة، تبين له أنه رسول فقال: لو كان يترك الكذب على الناس فهل يكذب على الله سبحانه ﵎؟ ففي حياتكم لم تسمعوا عليه كذباً قبل ذلك، أيدعي الكذب على الناس ويكذب على الله سبحانه ﵎؟! لا يكون هذا من النبي ﷺ .
وقال: لو كان في آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، أتى الآن لكي يطلب ملك أبيه، وقلت إن هذا الرجل من أشرفكم، وكذلك الأنبياء يبعثون في أشراف قومهم.
في نهاية أسئلته يجمع كبراء قومه في قصره، وأغلق عليهم الباب، وقال لهم: ألا أدلكم على شيء تطلبون به خير الدنيا والآخرة؟ فقالوا: بلى، قال: اتبعوا هذا الرجل، إنه رسول حق.
فنخروا جميعهم نخرة واحدة، وجروا إلى الأبواب ليخرجوا، فدعاهم أن ارجعوا، وقال: إنما أردت أن أختبر صلابتكم في دينكم، فقاموا وخروا ساجدين لـ هرقل، ولم يدخل في دين الله مع معرفة أن ما جاء به الرسول ﷺ هو الحق من عند الله سبحانه ﵎! وقال ذلك هرقل فدخل في قلب أبي سفيان أن النبي ﷺ سيظهر في يوم من الأيام، ومع ذلك ظلت المعاندة على كفره إلى سنة ثمانٍ من هجرة النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وكل نبي يبعثه الله بآية من الآيات، فكان للنبي ﷺ أعظم الآيات وهي القرآن العظيم الذي تحدى الله به العرب أساطين الفصاحة والبلاغة والشعر على أن يأتوا بكتاب مثله، فلم يستطيعوا فقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣] لم يستطيعوا، وقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣] وما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلما لم يقدروا على ذلك، وكان من المفترض أن يدخلوا في دين الله؛ لأنهم قد غلبوا وعجزوا ولكنهم ظلوا على تكذيبهم واستهزائهم بالنبي ﷺ ، حتى دخلوا بعد ذلك يوماً من الأيام في دين الله، بعدما دخل غيرهم، وتأخروا هم عن الدخول في دين الله سبحانه.
فالقائل الذي يقول: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧] ألم يروا إلى أنفسهم كيف خلقهم الله سبحانه ﵎؟! فقد كانوا نطفة ثم علقة، ثم مضغة، ثم صاروا عظاماً ولحماً، وصاروا أجنة في بطون أمهاتهم، وخلقوا هذا الخلق الآخر، فنزلوا إلى هذه الدنيا على هذه الهيئة.
أليس الذي بدأهم من النطفة الحقيرة القذرة، والتي يستقذرها الإنسان بقادر على أن يعيدهم مرة أخرى؟! بلى، ولكنهم يكذبون على الله، ويكذبون على رسول الله ﷺ .
يقول الله : ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ:٨] أي: أم به مس من الجن، وهم يزعمون ذلك، قال تعالى: ﴿بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٨] لهم عذاب عند ربهم سبحانه، تراهم في ضلال بعيد، وهم تائهين متحيرين، لا يعرفون الحق ولا يهتدون إليه مع وضوحه وبيانه.
стр. 2146
تفسير قوله تعالى: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم)
قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ:٩].
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [سبأ:٩] أفلم ينظروا في السموات، ما بين يديك أمامك وأعلاك وتنظر خلفك، وأسفلك، انظر إلى السماء وإلى الأرض، انظر إلى ما أمامك وما خلفك، تعرف قدرة الله، وما صنع سبحانه ﵎ في السموات وما خلق في الأرض.
قال سبحانه: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ:٩]، إن نشأ نفعل ذلك، وهم قد استعجلوا عذاب الله سبحانه، وقالوا: اطلب من ربك أن يسقط علينا كسفاً من السماء، اجعل ربك أو اطلب من ربك أن يجعل لك قصراً من ذهب، أو اطلب من ربك أن يجعل لنا هذا الجبل ذهباً، فطلبوا أشياء وتعنتوا، وقالوا بعد تعنتهم: ولو فعلت ذلك ما نظن أننا سنؤمن بك! قال تعالى يخبر عن حالهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣] حتى لو رقيت في السماء ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء:٩٣] وحتى لو أتيت بهذه الأشياء لن ندخل في دينك، إذاً لماذا لا يدخلون مع معرفتهم أنه رسول رب العالمين، وكل ذلك بسبب الحسد والحقد الذي في القلوب، وقالوا: لست أغنى شخص فينا، نحن فينا أغنياء، وفينا من هو أكبر منك سناً، وفينا من كان يتعبد في الجاهلية، فلماذا لا يكون الرسول غيرك؟! فيتعنتون ويرفضون الدخول في دين الله .
ويقول قائلهم: كنا نحن وبنو هاشم كفرسي رهان، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، وفعلوا كذا ففعلنا، ثم يقولون: منا نبي، وأنى لنا بنبي؟ والله! لا ندخل في دينه أبداً! فيرفضون الدخول حسداً وحقداً على النبي ﷺ أن اصطفاه ربه سبحانه، وجعله رسولاً له سبحانه ﵎.
((أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (أيديهُم) وهذا على أن الأصل في الضمير الضم: هم.
قال الله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ:٩]، ((إِنْ نَشَأْ)) هذه نون العظمة، وهذه قراءة الجمهور، فالله يعبر عن نفسه بالنون التي تفيد التعظيم، ويقرؤها حمزة والكسائي وخلف بالفرد وإبدال النون بياء المضارعة: (إن يشأ يخسف بهمِ الأرض أو يسقط عليهم كسْفاً من السماء).
و (كسفاً) يقرؤها حفص فقط عن عاصم بفتح السين بمعنى: السحب الكثيفة، والأصل هنا أن معناها: الظلل من العذاب، وما يتكسف بعضه على بعض فيكون ظله عظيمة في السماء من نار تهوي على الناس، تحرقهم وتهلكهم، فالجمهور يقرءون: (كسْفاً من السماء)، وحفص عن عاصم يقرؤها: (كسَفاً من السماء) بالجمع فيها.
إذاً هنا: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ:٩] والمانع من ذلك رحمة الله سبحانه، وحلم الله سبحانه، فهو الحليم الذي يحلم عن عباده لعلهم يؤمنون، وقد آمن منهم الكثيرون.
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ:٩] فما يرونه في السماوات، وما يرونه في الأرض، وما يرونه أمامهم وخلفهم؛ فهذا كله من آيات الله سبحانه ﵎، يفقهها ويفهمها العبد المنيب الذي يرجع إلى ربه بالتوبة، والذي يدخل في دين الله سبحانه، فيفقه ويعلم، ويعلمه الله سبحانه من فضله.
نسأل الله أن يفقهنا في ديننا، وأن يعلمنا كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2147
تفسير سورة سبأ [١٠ - ١٢]
أخبر الله عن فضله وتكرمه على بني إسرائيل حيث جعل فيهم الملك والنبوة، وقد جمعهما لنبيين من أنبيائهم، وهما: داود وسليمان ﵉، وألان الحديد لداود، وعلمه صنع الدروع، وسخر له الطير والجبال يسبحن معه، وسخر لسليمان الريح والجن والإنس يعملون بين يديه بإذن الله .
стр. 2148
تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة سبأ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٠ - ١٢].
ذكرنا أن هذه السورة مكية يذكر الله فيها الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ويتعظون، ويذكر نعمه التي ينعم بها على عباده، وقليل من عباد ربنا الشكور، فمن العباد من يشكر النعم فيستحق المزيد منها، ويستحق الجنة دار الخلود، ومنهم من يكفر بالنعم فيستحق في الدنيا الهوان والذل، وفي الآخرة العذاب الشديد.
فهنا: ذكر الله داود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهما من عباد الله الصالحين، أنعم الله عليهما بالنبوة والعلم والحكمة والفهم، وأنعم عليهما بالملك أيضاً، فأعطاهما ملكاً عظيماً، وذكر الله سبحانه بعد ذلك بقليل قصة سبأ وكيف أنعم عليهم في الدنيا وأعطاهم فإذا بهم يكفرون بنعم الله سبحانه، ويتبعون الشيطان: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠] فإبليس يأتي للإنسان على أن يغويه ظناً منه، وقد قال الله سبحانه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فصدق ظنه عليهم، فأغوى منهم من شاء الله له الغواية، وثبت الله من شاء له الهداية، فهذا داود النبي وهذا سليمان ابنه، وننظر في القصة التي ذكرها الله هنا.
وقد تكرر في كتاب الله في مواضع ذكر داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وسليمان أيضاً، فذكر الله أنه آتى داود زبوراً، قال: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [النساء:١٦٣]، وقال في سورة الإسراء: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ [الإسراء:٥٥] وذكر داود وسليمان ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩] داود وسليمان ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] فآتى الله كلاً من الاثنين الحكم والعلم، آتاه النبوة من فضله سبحانه.
وقال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٩]، فسخر الله لداود الجبال تؤوب معه وتسبح، وكذلك الطير كما سيذكر لنا في هذه السورة.
كذلك قال سبحانه في سورة النمل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل:١٥] فذكر أنه اختصهما بعلم لم يعطه لغيرهما في زمانهما.
كذلك قال لنبينا صلوات الله وسلامه عليه في سورة (ص): ﴿اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ [ص:١٧] ذا القوة ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ * وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:١٧ - ٢٠] فهذا مما ذكره الله عن داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فداود نبي من أنبياء الله عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن أبناء يعقوب، ويعقوب له اثنا عشر سبطاً، ومن أسباط يعقوب يهوذا بن يعقوب ولاوي بن يعقوب، فجعل الله في سبط لاوي من أبنائه الأنبياء من بني إسرائيل، وجعل في سبط يهوذا الملوك من بني إسرائيل، فبنو إسرائيل يقودهم اثنان: نبي يحكمهم بشرع الله ، ويعلمهم ويربيهم ويؤدبهم، وملك يكون من أبناء يعقوب يسوسهم ويأمرهم، ويجهز جيوشهم ويقاتل معهم، فكان فيهم الأنبياء والملوك، الأنبياء من سبط، والملوك من سبط آخر من أسباط يعقوب.
стр. 2149
قصة تتويج داود الملك والنبوة
يذكر الله أنه آتى داود فضلاً، وقد فصل شيئاً طويلاً من هذا الفضل في سورة البقرة وفي هذه السورة الكريمة، قال الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦]، ((إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً)) فهنا: فيهم الملوك والأنبياء، النبي مختص بالشريعة يعلم ويؤدب ويربي، ويأتيه الوحي من الله ، والملك يقاتل ويسوس أمرهم، والنبي من سبط لاوي فيقولون لهذا النبي: ((ابعث لنا ملكاً)) عين لنا ملكاً من السبط الآخر الذي هو سبط يهوذا يكون ملكاً علينا.
قوله: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٦] كانوا مغلوبين مقهورين، قهرهم العمالقة الذين يعيشون في فلسطين، وهي قبيلة تسمى بذلك، فهم قهروا بني إسرائيل وأخذوا أبناءهم وأخذوا نساءهم، وأذلوهم غاية الذل، وكان هذا التحكم فيهم بسبب كفرانهم نعم الله عليهم، فكلما أعطاهم نعمة كفروا بهذه النعمة وتفرقوا، وحسد بعضهم بعضاً على ما آتاهم الله من فضله، فسلط الله عليهم غيرهم.
فهؤلاء لما وجدوا أنفسهم صاروا أذلة في الأرض قالوا لنبي لهم اسمه (شمويل) أو (شمعون): ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا﴾ [البقرة:٢٤٦] أي: أنتم كعادتكم، كلما ربنا يفرض عليكم القتال تفرون منه وتتركونه قال: ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة:٢٤٦] يعني: بعد هذا الذل الذي نحن فيه هل سنترك القتال أيضاً؟! لا، بل سنقاتل في سبيل الله فابعث لنا ملكاً، قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة:٢٤٧].
وطالوت كان من سبط بنيامين، وليس من سبط الذين فيهم الأنبياء، ولا من السبط الذين فيهم الملوك، وإنما كان من سبط بنيامين أخي يوسف النبي لأمه وأبيه عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فبعث لهم طالوت ملكاً فرفضوا، حيث كان طالوت دباغاً، وقيل: كان سقاء، يعني: كانت مهنته عندهم مهنة حقيرة، فكيف يكون هذا ملكاً علينا بعد أن كان دباغاً وسقاء؟! فقالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٧] يعني: هم يطلبون ومع ذلك يتكبرون ويرفضون! أنتم مهزومون وأذلاء والآن ترفضون ما أمر الله به نبيكم أن يعين عليكم هذا؟! ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، فربنا اصطفاه عليكم أنتم، فهو أفضل منكم ((وزاده بسطة)) فأعطاه علماً كثيراً، ولكن لم يعطه النبوة، وأعطاه جسماً عظيماً، فكان طويلاً عريضاً يصلح للقتال في سببل الله ، وجعل له آية: فقال تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ [البقرة:٢٤٨] فإذا بهم يجدون التابوت الذي قد ضاع منهم، وفيه التوراة وبقية ﴿مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ﴾ [البقرة:٢٤٨] كان قد أخذه أهل فلسطين منهم، وكانوا عباد أصنام.
فبنو إسرائيل كانوا إذا حاربوا قدموا التابوت فنصرهم الله ببركة ما فيه، فلما ضاع منهم التابوت كانوا مهزومين أذلاء أمام أعدائهم، فإذا بالله يجعل البركة لهذا الإنسان الذي يتولى قيادتهم بأن يظهر التابوت ويرجع إليه مرة أخرى، والملائكة تحمله وتأتيهم بهذا التابوت، فلما رأوا التابوت عرفوا أن طالوت هو الذي يستحق أن يكون ملكاً فرضوا بذلك، وجهزهم لقتال أعدائهم، ولما خرجوا لقتال الأعداء، ومروا بنهرٍ منعهم أن يشربوا من هذا النهر ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، احذروا! لا أحد يشرب من هذا النهر، وهذا أمر من الأوامر التي يأمرهم بها، فهو ينفذ أمر النبي الذي أمره بذلك، لا أحد يشرب من هذا النهر إلا أن يغترف غرفة بيده، والغرفة: ملء الكف، يغرف بيده ويشرب، لكن أن يأخذ ماءً كثيراً من النهر فلا: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ﴾ [البقرة:٢٤٩]، أكثرهم شربوا ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [البقرة:٢٤٩]، كانوا ألوفاً مؤلفة في الجيش الذي مع طالوت، وجاء في الصحيح عن أبي موسى الأشعري عندما ذكر عدد أهل بدر قال: (كنا نُحدث: أن عددهم كعدد جنود طالوت)، أي: كعدد المؤمنين مع طالوت، فالذي بقي من الألوف المؤلفة مع طالوت الملك حوالى ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً كعدة أهل بدر رضي الله ﵎ عنهم.
﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ﴾ [البقرة:٢٤٩] قال هؤلاء: ﴿لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]، جالوت هو قائد أعدائهم، ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩]، فكان هذا القتال بأمر الله ، والنصر بيد الله سبحانه، وكم ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة:٢٤٩] وهنا يقدر الله أمراً من الأمور ليظهر داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
داود كان راعي غنم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأراد الله أن يصطفيه ويجعله نبياً، وأن يجعله ملكاً، ويسبب الأسباب ، فـ طالوت هو القائد والملك على بني إسرائيل، وعدد بني إسرائيل ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً يقاتلون، فإذا بـ جالوت ومن معه من جنود الكفار عباد الأصنام يأتون ويتواجه الفريقان، فطلب جالوت أحداً يبارزه، فخاف جميع بني إسرائيل، فقال طالوت: من يخرج إليه ليقتله وسأزوجه ابنتي ويكون شريكاً لي في الملك؟! فإذا بداود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول: أنا أخرج، فاستصغروه لسنه، وأيضاً كان داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قصيراً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فاستصغروه ونظروا إليه فاحتقروه، أهذا يقتله؟! قال: أنا قاتله بإذن الله، وكان يجيد الرمي بالمقلاع، والمقلاع: هو الحجر يلف على الخيط ثم يحذف، فكان يصيب بالمقلاع، وكان رميه عظيماً به، وإذا بالله يعينه، فيخرج بمقلاعه إلى جالوت، فيستصغره جالوت ويحتقره ويقول: ارجع فإني لا أريد أن أقتلك، قال: ولكني أريد أن أقتلك، فرماه بالمقلاع، فشجه فقتله، وفر جميع الألوف الذين كانوا مع جالوت، وانتصر بنو إسرائيل بفضل الله ، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.
ثم ظهر أمر داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجعله طالوت شريكاً له في الملك، فصار ملكاً على بني إسرائيل مع طالوت، وزوجه بابنته، وإذا بالله يصطفيه فيجعله نبياً من أنبيائه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فصارت له النبوة والملك، وانتهى أمر طالوت، ومالت بنو إسرائيل إلى داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام في قصة طويلة جداً، لكن الغرض أن الله مكن له بذلك بعد أن كان راعي غنم، فقتل قائد جيش الكفار، فإذا ببني إسرائيل يجعلونه ملكاً عليهم، والله يجعل له النبوة، وكان داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام من سبط يهوذا الذين فيهم الملك، فصار لهم الآن الملك، وصار له الآن أيضاً النبوة، وفضله الله ، فهذا مختصر بدء أمر داود النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا﴾ [سبأ:١٠] هذا فضل عظيم من الله ، حيث كان راعي غنم فجعله الله نبياً وملكاً، فمنّ عليه بالفضل العظيم منه، وأنزل عليه الزبور، وكان كتاباً عظيماً يقرؤه ويتلوه، وأعطاه الله من جمال الصوت ما ذكر سبحانه أن الجبال تؤوب معه، وأن الطير تقف فوقه فتسمع لجمال صوته عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 2150
معنى قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه والطير)
قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، فهذا من فضل الله عليه، وكأنه قال: نادينا الجبال: يا جبال ونادينا الطير ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] والأوبة بمعنى: الرجعة، آب بمعنى: رجع، كأنه يقول: يا جبال رجعي معه صوته الجميل، هو يقول بصوت جميل مسبحاً ربه سبحانه، والجبال تردد معه ذلك، وهذه معجزة لهذا النبي الكريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ:١٠] ونادينا الطير كذلك أن تؤوب معه وأن ترفرف فوقه، وتقف لتستمع لمزامير داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهو يترنم بالزبور، أو يترنم بما يقوله من توبة لله ، وتسبيح وذكر لله .
قوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] هذه إجابة لدعاء دعا داود به ربه ، فأكرمه بأن جعل رزقه من عمل يده، كان ملكاً على بني إسرائيل فملك تحت يده أموال الناس، وتحت يده أموال المملكة، وكان غاية في العدل عليه الصلاة السلام فإذا به في يوم من الأيام يخرج بالليل متخفياً في الليل فيسأل الناس عن نفسه: كيف تجدون داود عليكم؟ كيف صنع داود بكم؟ فالناس يمدحونه ولا يعرفونه بالليل، وهو يستخفي عنهم ويسألهم عن نفسه حتى ينظر في نصح الناس له، وينظر في أمر الناس هل يحبون منه سيرته وعدله أم أنهم يبغضون منه خصلة من الخصال؟! فإذا بالله ييسر له ملكاً أو واحداً من الرعية، يقول لداود على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (نعم الرجل داود لولا أنه لا يأكل من عمل يده) نعم الرجل! هو رجل جيد لكنه لا يعمل بيده، ما يتكسب بصنع اليد، فإذا بداود يرجع إلى بيته ويسأل ربه أن يعلمه سبحانه، فعلمه بكرمه وفضله فأعطاه الكثير قال: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، فداود يلين الحديد في يديه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يمسك بالحديد فيصير كالعجين في يده، فيلوي الحديد كيفما يشاء: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠] هذه معجزة من معجزات الله ، يُري عباده أنه على كل شيء قدير، وأنه يسخر لمن يشاء من عباده ما يشاؤه منة من الله سبحانه وتفضلاً منه على من يشاء من خلقه، فقال سبحانه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠].
стр. 2151
تفسير قوله تعالى: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد)
قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١١] أمره الله أن يعمل بيده الآن فعمل، وجاء في حديث النبي ﷺ ذكر صيام وصلاة داود النبي ﵊، يقول ﵊: (أفضل الصيام صيام داود، وأفضل الصلاة صلاة داود، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وكان لا يأكل إلا من عمل يده، ولا يفر إذا لاقى).
فهذه خصال اجتمعت في داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه كان يكثر من الصيام فيصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يقوم لله فينام بالليل نصفه، ثم يقوم الثلث الذي يليه، ثم ينام السدس ليستريح وليقوم الفجر وهو قادر على أن يقوم بواجباته الشرعية عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
يقول النبي ﷺ : (وكان لا يفر إذا لاقى) كان يجاهد في سبيل الله ولا يفر أبداً، وواضح من القصة التي ذكرناها أنه هو وحده الذي تقدم لـ جالوت فقتله.
قال النبي ﵊: (ولا يأكل إلا من عمل يده)، ما هو عمل يده؟ علمه الله صنعة الدروع، قال الله له سبحانه: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١٠ - ١١] سبغ الشيء بمعنى: غطى وأفاض، ومنه قولهم: لبست ثوباً سابغاً بمعنى: ثوباً يكفيني ويفضل عني، أي: ثوب واسع فضفاض يزيد ويسبغ هذا الإسباغ، فقال الله سبحانه ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١] أي: دروعاً سابغات، يلبسها المجاهد المقاتل فتحميه من ضربات السيوف، فكانوا قبل ذلك يتقون بأن يأخذ المقاتل صفيحة كاملة ويضعها أمامه وأخرى خلفه درعاً يتقي بهما، فكانتا ثقيلتين عليه، لكن الله علم داود أن يصنع الحلق، فيصنع حلقة في حلقة في حلقة ويربط الحلق بعضها ببعض، فيصنع منها الدرع الذي يلبسه الإنسان، فيكون سابغاً عليه يقيه من ضربات عدوه، فهذه هي السابغات ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ:١١]، وكان التعليم من الله : اصنع هذا الدرع السابغ واعمل فيه كذا؟ ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] الإنسان عندما يقول: أقدر كذا، يعني: يعمل شيئاً على مقاس مضبوط.
قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] سرد الشيء بمعنى: أنه يجعل بعضه إلى بعض، فيضع بعضه على بعض حتى يجعله ثوباً واحداً كأنه النسج، ينسج الدرع من هذه الحلقات فيجعل حلقة من حديد وحلقة أخرى، ويجعل بينهما مسماراً فيربط الحلقتين إحداهما في الأخرى، وهكذا، فيقول: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: اجعل الفتحة التي في الحديد على قدر المسمار الذي يدخل فيها، فليست ضيقة فيفصمها المسمار، ولا واسعة فيسقط منها المسمار، وإنما هي مضبوطة، فالله علم داود فكان يصنع هذا الدرع العجيب الذي ما رأوا مثله قبله، ويبيعه لهم بأثمان عالية، فيأكل منها ويتصدق منها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فشرف الله أنبياءه، فجعلهم يعملون بأيديهم، وشرف نبينا صلوات الله وسلامه عليه، وجعل رزقه في الجهاد في سبيل الله، قال النبي ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)، يجاهد في سبيل الله فيكون له خمس الخمس من الغنيمة وخمس الفيء صلوات الله وسلامه عليه.
قال الله لداود ولآله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [سبأ:١١] اصنع هذه الأشياء التي علمناك إياها، واعمل عملاً صالحاً تتقرب به إلى الله : ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١١] أبصر ما تصنعونه وأجازيكم عليه ﴿إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سبأ:١١].
стр. 2152
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر)
تنزل الآية كاملة: ((وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ))، هذا سليمان بن داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، سخر الله لداود أشياء، وسخر لسليمان غيرها، وقبل ما نذكر سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، نذكر أن النبي ﷺ ذكر من معجزات داود النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنه خفف عليه الزبور، وكان كتاباً عظيماً كبيراً، فكان داود صلوات الله وسلامه عليه يقرأ الزبور مع جمال صوته، والجبال ترجع معه، والطير تقف مشدوهة من جمال صوته، ومن كلامه الجميل، ومن مناشدته ربه سبحانه، ومن استغفاره وتسبيحه، يقول النبي ﷺ : (خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج) أي: أنه لا يوجد شأن لداود في ذلك، وإنما هو فضل من الله ، فيخفف على من يشاء، فهذه معجزة، وانظر إلى حالك وأنت تقرأ سورة كم ستأخذ من الوقت؟! ربما تأخذ منك عشر دقائق أو ربع ساعة إذا كنت تتقن القراءة، وداود كان يقرأ الزبور كله متقناً له في وقت يسير، قال ﷺ : (فكان يأمر بدابته فتسرج) يعني: سيأخذ منه التجهيز قدر ربع ساعة أو نصف ساعة فيكون هو قد قرأ الزبور كله في خلال هذه الفترة! هذا الحديث في صحيح البخاري، يقول النبي ﷺ : (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدابته فتسرج، فكان يقرأ القرآن قبل أن تسرج دابته، وكان لا يأكل إلا من عمل يده).
وذكر الله من فضله على داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام أن قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص:٢٠] كل هذا ليشد الله ملك داود، فكان بنو إسرائيل مع أنبيائهم وملوكهم في غاية الروغان وعدم الاتفاق والائتلاف، فكانوا يختلفون ويحسد بعضهم بعضاً، ويكيد بعضهم لبعض، فشد الله ملكه بما أراهم من الآيات فخافوا منه هيبة؛ لأنه الملك، وأيضاً لأنه نبي، والله ينبئُه بالغيب.
من ذلك: ما رواه ابن جرير الطبري عن ابن عباس رضي الله ﵎ عنهما: أن رجلين تداعيا إلى داود ﵇ في بقر، ادعى أحدهما على الآخر أنه اغتصبها منه، فأنكر المدعى عليه، يعني: رجل يدعي أن فلاناً اغتصب مني بقري، فالآخر أنكر ذلك، فأرجأ أمرهما إلى الليل، فالأمر خاف عليه، ولا يوجد شهود ولا أحد يوضح ذلك، فداود أرجأ أمرهما إلى الليل حتى يدعو ربه سبحانه أن يبين له ذلك، فلما كان الليل أوحى الله إلى داود أن يقتل المدعي، وهذا قضاء عجيب جداً، الوحي من الله لداود: أن هذا الذي جاء ليقول: فلان أخذ بقري اقتله، فقام داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما أصبح وقال له داود: إن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك أيها المدعي! يعني: هو في الظاهر مظلوم، فلماذا أمر الله بقتله؟ قال: فإني قاتلك لا محالة فما خبرك؟ يعني: أنت ستقتل ستقتل، لكن اعترف بالصواب؛ لأن الله أوحى إليّ بذلك، قال: فما خبرك فيما ادعيته على هذا؟ قال: والله يا نبي الله! إني لمحق -يعني: فعلاً هو أخذ بقري وأنا محق- ولكني كنت قتلت أباه قبل ذلك! انظر إلى حكمة الله سبحانه وعدله! جاء الانتقام والقصاص يوماً من الأيام، وهو ليس على باله، وإنما جاء ليشتكي ويقول: أنا مظلوم، حتى يأتي له بالقصاص الأليم، أنت في يوم من الأيام قتلت أَبَا هذا الإنسان، قال: فأمر به داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام فقتل، فَعَظُم أمر داود في بني إسرائيل جداً، وخضعوا له خضوعاً عظيماً، ذكرها ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ [ص:٢٠]، فشد الله ملكه أي: قوى ملكه بمثل هذه الأحكام العظيمة منه التي من سمعها عرف أنه نبي، وأنه يوحى إليه من عند الله ، وأن الذي أوحى إليه بذلك لا يمكن أن يتركه ، ويتعلم منه الإنسان أن الله الحكم العدل ، ومهما ظلم الإنسان وبغى فلن يفلت من الله ، ولابد أن يقتص من الظالم يوماً من الأيام، ولا يحسبن الذين ظلموا أنهم يعجزون ربهم سبحانه، بل ربنا إذا أخرهم إنما يؤخرهم إلى أجل ثم يأتي القصاص منه، ويأتي حكمه وعدله.
نسأل الله من فضله ورحمته، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يخذل الكفار والكافرين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2153
تفسير سورة سبأ [١٢ - ١٤]
منن الله تعالى على عباده كثيرة، ومما من به على نبيه سليمان أن سخر له الريح تجري بأمره رخاء حيث يشاء، وأسال له النحاس وجعله مذاباً سائلاً، وسخر له من الجن من يعمل بين يديه بأمره، وأضفى عليه نعمة الفهم والقضاء.
стр. 2154
تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة سبأ: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٢ - ١٤].
لما ذكر الله شيئاً من قصة داود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف من عليه سبحانه وأعطاه ملكاً، وسخر معه الجبال يسبحن معه والطير، أمر داود أن يشكره عليها فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فالذين يشكرون الله من خلقه هم القليلون، والذين يكفرون نعم الله كثيرون، فقال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] فهذا داود ذكر الله لنا شيئاً مما جاء من قصصه ﵊، وهذا سليمان ابنه ذكر لنا ربنا كيف أنعم على هذا وذاك، إذ أنعم عليهما الابن بالعلم والفهم والملك والنبوة.
فمن نعم الله على سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما حكاه الله بقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ:١٢] وهذا من تسخير الله الكائنات لسليمان ﵊، فالريح سخرها له، فقال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ [الأنبياء:٨١] أي: سخر لسليمان الريح، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: (ولسليمان الرياح) أي: سخرنا الرياح له، وقراءة شعبة عن عاصم: (ولسليمان الريحُ) أي والريح لسليمان مسخرة، كأنها مبتدأ مؤخر؛ لأن الله يذكر أن هذه الرياح سخرها لسليمان، إذاً الريح لسليمان مسخرة بفضل الله وبقوته ، قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] فهذا تسخير عجيب، حيث إن الريح تطيع أمر سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
والريح خلق من خلق الله يرسلها فيجعلها نسيماً بارداً على قوم، ويجعلها حارة شديدة على قوم، ويجعلها عاصفة على قوم، ويجعلها قاصفة على قوم، فالله يصرف في كونه ما يشاء .
فالله سخر لسليمان الريح، وسرعتها عظيمة جداً إذ إن غدوها شهر، والغدو: هو الخروج مع أول النهار، فكأن سليمان ﵊ يسخر له ربه هذه الريح فتحمله مسيرة شهر في غدوة واحدة، فهو ينتقل من مكان إلى مكان، لو أنه ركب على فرسه لسار شهراً كاملاً حتى يصل إليه، ولكن الريح تحمله بأمر الله سبحانه هو ومن يريد أن يحمله معه في مقدار الضحى من النهار، ولو أن غيرها الذي سارها لسار مسيرة شهر، والرواح: هو العود بالعشي، والريح رواحها شهر! إذاً كأنه يذهب إلى مكان ويرجع إليه في غدو ورواح يذهب ويقضي حاجة ويرجع فيما لو ركب على الفرس وجرى إلى هذا المكان ورجع منه في شهرين، فالريح تذهب وترجع به في غدو ورواح في ذلك الوقت القليل! قال تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ:١٢] ذكر بعض أهل العلم منهم الثعالبي أن الريح إذا ذكرت في القرآن فلا تأتي إلا في الخير، والرياح لا تأتي إلا في الشر، وهذا فيه نظر؛ لأن ما من كلمة ريح جاءت إلا وفيها قراءة أخرى الرياح، فعلى هذا يكون الكلام غير مطرد إلا إن كان يقصد في اللغة، يعني: عند أهل اللغة ذلك، أما في القرآن فهو غير مطرد، فكأنه بنا على قراءة واحدة التفرقة بين الريح والرياح.
стр. 2155
إذابة النحاس لنبي الله سليمان
قال تعالى: ﴿وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ [سبأ:١٢] هذه من نعم الله على سليمان حيث أسال له عين القطر، والقطر: هو النحاس، فكما سخر الله لأبيه الحديد وألانه له، جعل لسليمان النحاس مذاباً منصهراً يشكل منه ما يشاء، ويصنع منه ما يريد بأمر الله سبحانه، نعمة أخرى من نعم الله سبحانه، جعله عيناً كما تنظر أنت عين ماء، كذلك النحاس مذاب منصهر في عين من العيون يأخذه وينتفع به وينتفع به الناس، فجعله الله له سائلاً، وهذه نعمة من نعم الله عليه لم تكن لأحد آخر غير سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإنما كان الناس إذا أرادوا النحاس وجدوه معدناً صلباً قوياً، فيصهروه ويسيلوه ثم يستخدمونه فيما يشاءون.
стр. 2156
تسخير الله الجن لسليمان
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ:١٢] هذا شيء آخر سخره الله لسليمان ﵊.
فالجنة هم الشياطين، يسخرهم الله له فيخافون منه، ويهابونه، وأذلهم الله له ولسلطانه بأمره ، فيعملون مسخرين لسليمان ﵊.
وذكر الله تعالى تسخير الرياح لسليمان في سورة الأنبياء فقال: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأنبياء:٨١] فجعل الرياح تجري بأمر سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨١] أي: أن الله أعلم بمن يستحق ذلك فأعطاه.
وسليمان كان قد دعا ربه سبحانه فقال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] وكان من صغره قد فطنه الله وأعطاه الحكمة العظيمة، حتى إنه ليقضي بقضاء من يفهم بتفهيم الله له، ويحتاج إليه أبوه فيأخذ بقول ابنه وهو صبي صغير، وقالوا: إنه تولى الخلافة بعد أبيه وله سبع عشرة سنة، وقيل: بل وله ثلاث عشرة سنة، مما يدل على أنه كان صغيراً، فقد كان خليفة بعد أبيه من بعد وفاته بأمر من الله ، وبما أعطاه الله من حكمة، وقدرته على الفصل في الخصومات؛ فلذلك أحب الناس أن يكون هو الذي عليهم، فكان بأمر الله هو الخليفة والملك بعد أبيه داود.
ولقد من الله على داود بالملك وكان قبل ذلك راعي غنم، وما من نبي إلا ورعى الغنم، ثم صار بعد ذلك في هذا الملك العظيم، أما ابنه سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقد أعطاه الله خيلاً عظيمة فنظر إليها يوماً من الأيام وهي تجري أمامه فأعجبه منظرها، فجاء عليه وقت صلاة فنسي الصلاة من جمال الخيل، فلما تذكر الصلاة قال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص:٣٣] وعلم أن الخيل التي نظر إليها فأعجبته ضيعت عليه الصلاة، فقال: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص:٣٣].
قيل: طفق مسحاً أي: قتلاً، وكان ذلك جائزاً له ففعل ذلك، وقيل: بل كان يمسح عليها فالله أعلم بذلك، ولكنه رجع إلى ربه تائباً إليه، ودعا ربه أن يغفر له ذلك.
وأراد أن يكون له مائة من الولد، قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة فيكون لي من كل واحدة ولداً فيكون لي مائة من الولد يجاهدون معي في سبيل الله، وهذه نية عظيمة وجميلة وطلب حسن، وإذا بالملك بجواره يقول: قل: إن شاء الله، فلم يقل، وكأنه نظر إلى أن النية الصالحة تغني عن ذلك، أو أنه غفل عن ذلك، فلم يقل: إن شاء الله، فما ولدت منهن إلا امرأة واحدة فقط من المائة، ووضعت شق غلام أي: نصف غلام غير مكتمل في بطن أمه لا يصلح لشيء، ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ [ص:٣٤] أي: رجع إلى ربه فتذكر أنه لم يقل: إن شاء الله، فأناب إلى ربه ودعا ربه تائباً إليه وقال: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص:٣٥] فسأل ربه فأعطاه الله ملكاً لا يكون لأحد بعد سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
والله سخر لسليمان الجن يعملون بين يديه بإذن ربه سبحانه كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [سبأ:١٢] إذ ليس هو المالك المتصرف، ولكن بإذن الله، فالله هو مالك الملك ، ولذلك قال: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا﴾ [سبأ:١٢] أي: لقد أمرنا الجن بطاعة سليمان ومن ينحرف عن طاعة الله سبحانه ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢] فجعل له العذاب يوم القيامة على ذلك.
كذلك في الدنيا يؤدبه ربه سبحانه بأن سخر لسليمان ما يؤدب الجن به، فسليمان يؤدب الإنس والجن بتسخير من الله ، ومن ينحرف عما يقوله سليمان ولا يطيع بل يعصي فجزاؤه: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢] أي: من عذاب النار المستعرة.
стр. 2157
تفسير قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل)
قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي: أن الله يسخرهم وهم يصنعون له ما يريد، سواء أشياء لنفسه أم أمور ينتفع بها الناس.
قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ:١٣] المحراب: هو المكان الشريف والمقدم في أي مكان، ويطلق المحراب على المسجد، وعلى مقدم المسجد، وعلى الغرفة العالية، وعلى البناء العالي جداً، وعلى القصر العالي، كل هذا يطلق عليه المحراب، فكأن الله سخرهم يبنون له ما يشاء من مساجد، وقصور، وأبنية عالية، وعلامات في الطريق، فيصنعون ذلك.
قال تعالى: ((يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ)) أي: يعملون له تماثيل، وهذا كان جائزاً في شريعته ولا يحل لنا في ديننا، فقد حرمه الله علينا، ومن صور صورة من هذه الأمة يأمره الله يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، ويعذبهم في نار جهنم حتى يفعل ذلك وما هو بفاعل، فجعل لسليمان ﵊ الجن يصنعون له ذلك لحكمة منها أن تكون كعلامات للمكان، كأن يصور صور أناس ويريد بها شيئاً فالله أعلم بها، ولكن كان ذلك جائزاً في شريعة سليمان ﵊ وليس جائزاً في شريعتنا، فالنبي ﷺ لعن المصورين، وذكر أن من صور صورة كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، يعني لا يقدر على ذلك.
قال سبحانه: ﴿وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ [سبأ:١٣].
الجواب والجوابي: جمع جابية، وفي قراءة يعقوب: (وجفان كالجوابي)، ومثلها قراءة ورش عند الوصل وكذلك أبي عمرو: (كالجوابي وقدور راسيات) في الوصل فقط، فإذا وقف عليها يقول: (كالجواب).
والجوابي جمع جابية، ومنها الجوبة: وهو المكان أو الشيء المقعر، فهي الحياض العظيمة التي تجتمع فيها الماء، فالجن يصنعون له الجفان: وهي جمع جفنة، والجفنة القدر الضخم جداً، يقول تعالى: ((وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)) يعني: جفنة عظيمة جداً مثل الحوض الذي تأتي الإبل لكي تشرب منه، فيصنعونها في الأرض على الصخر حتى يصير كهيئة الوعاء الضخم، والجفنة: هي التي يوضع فيها الطعام، فكأنهم يصنعون له كهيئة الحوض العظيم الضخم، وليس حوضاً واحداً، بل حياضاً كثيرة لأجل أن يأكل منها جند سليمان وضيوفه.
وكل جفنة تسع عدداً كبيراً من الرجال، ومما ذكره المفسرون في ذلك أنها تسع ألف رجل يجلسون عليها، وهذا شيء عظيم وواسع جداً مما يصنعون فالله أعلم، ولكن الله ذكر ضخامتها بهذه الصورة، فقال: ((وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ)) يعني: كالحوض والحياض العظيمة الواسعة، تصنعها الجن لسليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: ((وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ)) القدر: هو الحلة والإناء الذي يطبخ فيه، والقدر الذي عندنا نحمله فنذهب ونأتي به، لكن القدور التي يصنعها الجن قدور عظيمة جداً راسية على الأرض لا تتحرك من ثقلها، ومن عظيم هيئتها، فكونهم يصنعون له الحياض العظيمة أو الجفان التي كالجوابي، والقدور التي يطبخ فيها لأجل أن يوضع في هذه الحياض الأكل ليأكل الناس، يدل على وجود عدد كبير جداً من الناس يطعمون عند سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهذا مما أعطاه الله وجل من الملك، وهذا من الشيء الذي يمدح عليه الإنسان، ويوصف بأنه كريم، إذ إن جفنته عظيمة وملآنة وضخمة جداً، وكان العرب فيهم ذلك، فلقد كان عبد الله بن جدعان له قدر عظيم يصعد إليه بسلم، وهذا قبل النبي ﷺ ، وكان يملؤها للحجيج، فيضع فيها لحماً كثيراً جداً، ومن أراد اللحم صعد على القدر بسلم لكي يأخذ منه.
إذاً الجفنة العظيمة دليل على كرم صاحبها، وكون سليمان ﵊ يصنع هذه الجفان العظيمة أو يأمر بصنعها لإطعام الخلق من محتاجين وضيوف وغيرهم دليل على الكرم العظيم الذي كان عليه سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
стр. 2158
معنى قوله تعالى: (اعملوا آل داود شكراً)
قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] أمرهم الله تعالى بالعمل وهو الشكر، وأهل الإعراب يقولون: هو مفعول به، والتقدير: اعملوا العمل الذي هو شكر.
إذاً الشكر يكون عملاً وليس بالقول فقط، وكذا كل مؤمن مأمور بأن يشكر الله بلسانه وقلبه وعمله.
وشكراً في قوله تعالى: ((اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا)) يحتمل أن تكون تمييزاً لهذا العمل، ويحتمل أن تكون مفعولاً لهذا الفعل، فكأن العمل الذي تعملونه هو الشكر لله سبحانه أو يكون شكراً لله ، فالمؤمن يعمل لله شاكراً نعم الله عليه، فيعمل ويجتهد ويصلي ويصوم ويقوم لله ، كما كان النبي ﷺ يقوم قياماً طويلاً، تقول السيدة عائشة ﵂: حتى ترم قدماه صلوات الله وسلامه عليه، أي: تتورم قدماه، فتقول: (يا رسول الله! ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول ﷺ : أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) ﵊.
فالعبد الشكور هو الذي يعرف نعمة الله فيشكر بلسانه وبقلبه وبعمله.
قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] فكان داود يعمل العمل العظيم من التسبيح الذي كان تتجاوب معه الجبال والطير، ويقوم في ثلث الليل مصلياً لله ، ويحكم بين الناس بالحق، ويطيع الله سبحانه في أمره وحكمه بين الناس، وكان ذا استغفار وتسبيح كثير، كذلك سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما قال الله : ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:١٣] قاموا بذلك ونفذوه، وهذا كله تهيئة وتوطئة ليبين لنا بعد ذلك أن الذين شكروا الله على نعمه أعطاهم الفضل العظيم، وأن من لم يشكر الله سبحانه يستحق نقمة الله عليه جزاء وفاقاً.
قال سبحانه: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣] أي: أن قليلاً من عباد الله من يشكر، فيمكن لكل إنسان أن يقول: الحمد لله، ولكن هل هذه الكلمة تخرج من قلب هذا الإنسان وهو يقول: الحمد لله أم هو يستقل نعمة الله عليه، ويستكثر نعمة الله على غيره، فيحسد الغير ويحقد عليه؟! العبد الذي يشكر لله سبحانه يعرف أن مبدأ النعم منه سبحانه، وأنه يعطي ما يشاء لمن يشاء سبحانه، يعطي ليس لاستحقاق العبد ولكن فضلاً منه سبحانه، فيعطي بفضله من يشاء، فإذا أعطاك الله شيئاً فاحمد ربك على ما أعطاك، واعلم أنك مهما بالغت من شكر فإن النفع لنفسك، كما قال ربنا: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [النمل:٤٠]، فشكرك يرجع إليك بنعم من الله، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فإذا شكر العبد ربه سبحانه زاده الله من الخير، وزاده من النعم كما فعل بداود وسليمان عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فذكر أنه أنعم عليهما وأنه أمر آل داود -وهم: داود وأبناؤه وذريته- أن يعملوا لله شاكرين له سبحانه.
стр. 2159
تفسير قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت)
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتْ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] المنسأة: هي العصا التي يتوكأ عليها ويقف عليها كالعكاز التي في يده، ودابة الأرض هي الأرضة التي تأكل الخشب، فهذه أكلت الخشب الذي في المنسأة إلى أن سقط سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
وقوله: (مِنسَأَتَهُ) فيها قراءات: قراءة الجمهور: ﴿تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ﴾ [سبأ:١٤] وقراءة هشام بخلفه، وقراءة ابن ذكون: (تأكل منسأْته) بتسكين الهمزة، وقراءة نافع وأبي جعفر وأبي عمرو: (تأكل منساته).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ [سبأ:١٤] أي: وقع سليمان، وكأنه ما بين أن بدأت الأرضة في أكل العصا إلى أن أكلت جزءاً من العصا فتحرك وسقط سليمان أخذت وقتاً طويلاً، قالوا: عاماً كاملاً وهو على هذا الحال واقف يصلي، وكان قد سأل ربه سبحانه أن يعمي عليهم موته، لحكمة منه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقيل: إن الحكمة هي أن الجن كانوا يزعمون أنهم يعلمون الغيب، فيقولون للإنس ذلك، فأراد سليمان أن يظهر للإنس أن الجن لا تعلم شيئاً من الغيب، وقيل: إنه سخر الجن في إكمال ما بدأه داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من بناء بيت المقدس، وكان قد أوصى سليمان بأن يكمله، فسخر سليمان الجن لذلك، فكانوا يحملون الحجارة ويقومون بالبنيان، وخشي أن تعلم الجن بموته فلا تكمل ذلك.
والغرض أن سليمان ﵊ مر عليه وقت طويل، وذكروا أنه سنة وهو على هذا الحال، فأجساد الأموات تبلى، ولكن أجساد الأنبياء لا يأكلها شيء، ولا تبلى، والله يحفظها بحفظه سبحانه، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (ما من أحد يصلي علي إلا وبلغني الملك فرددت ﵇ -أو ما من أحد سلم علي إلا بلغني الملك فرددت عليه- فقالوا: يا رسول الله! كيف ترد عليه وقد أرمت؟) (أرم) يعني أكلتك الأرض ولم يبق منك شيء، قال النبي ﷺ : (إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) إذاً ليس النبي ﷺ فقط، بل كل الأنبياء حرم الله على الأرض أن تأكل شيئاً منهم، فلا يتغيرون بموتهم عليهم الصلاة والسلام.
فالغرض أن نبي الله سليمان ظل قائماً في مصلاه يصلي وفي يده منسأته، ومات وهو على هذا الحال، وقدرة الله حفظته فلم يسقط، والجن تعمل فيما أمر به سليمان، ويتعبون ويذهبون ينظرون إليه وهو في مصلاه قائم يصلي، فيرجعون مسخرين في العمل ذاهبين راجعين وسليمان على حاله إلى أن شاء الله أن تأكل الأرضة هذه العصا فيسقط سليمان ﵊.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ [سبأ:١٤] أي: ظهر كذبهم فيما يدعونه من معرفة الغيب.
﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] فلقد كانوا مسخرين عاماً كاملاً يعملون وهم يخافون من سليمان أن يعاقبهم ويعذبهم فيعملون بأمره وهو ميت ﵊، فتبينت الجن أي ظهر لهم أنهم كذبوا وأنهم لا يعرفون شيئاً من أمر الغيب.
وقوله: (تَبَيَّنَتِ) هي قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب (تبينت) على البناء للمفعول، بمعنى: ظهر أمر الجن للناس، فكأنه تبين للناس أن الجن لا يعرفون شيئاً من الغيب، فهذا راجع إلى الناس.
فهذه هي قصة سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 2160
بناء بيت المقدس وإتمامه
جاء عن النبي ﷺ أنه لما بنا سليمان بيت المقدس سأل ربه أنه لا يأتيه أحد إلا ويغفر الله له، نسأل الله أن يحرره وأن يمكن المسلمين من الذهاب إليه، وأن يغفر لنا وللمسلمين، فهذا كان من دعائه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وهذه نعمة من نعم الله على سليمان أنه أتم بناء بيت المقدس، وأن سخر له ما ذكر من أشياء في هذه الآية وفي غيرها من القرآن.
لما أعطى الله لداود وسليمان الحكم والملك أمر الله بالحكم بالعدل فقال لداود: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:٢٦] وهذه مقولة قالها الله لنبي من أنبيائه ﵊، فغيره من باب أولى، إذ على من تولى أمر الناس ألا يتبع الهوى حتى لا يضل، والنبي ﷺ يدعو لمن تولى أمر الناس ورفق بهم ويدعو على من تولى أمر الناس فشق عليهم، قال ﷺ : (اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليهم، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به).
فدعا النبي ﷺ على من يتولى أمور الناس فيعنفهم ويشق عليهم ويقسو عليهم بأن يعامله الله بمعاملته، ومن تولى أمر الناس فرفق بهم أن يرفق الله به.
стр. 2161
نماذج من براعة نبي الله سليمان وفطنته في القضاء
قال الله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٨ - ٧٩] من منن الله وفضله العظيم أن آتى داود حكماً وعلماً وآتى سليمان حكماً وعلماً، ولكن الله يقضي بما يشاء فعلم سليمان أشياء لم يعلمها داود مع صغر سليمان في السن وكبر داود في السن عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وهذه قصة ذكرها ربنا في كتابه، فقال: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ [الأنبياء:٧٨] وذكر أنه ذهب اثنان يختصمان إلى داود النبي، وكان أحد الاثنين صاحب حرث ومزرعة، والآخر عنده غنم، فخرجت غنمه على مزرعة هذا الآخر فأكلت ما فيه من حرث، فقضى داود بقضاء، وسليمان قضى بقضاء آخر، فكان القضاء من داود أن المزرعة تساوي مبلغ كذا، والغنم تساوي كذا، بنفس قيمة الزرع، فحكم بأن صاحب المزرعة يأخذ الغنم، وهذا قضاء صحيح له وجهة من النظر، حيث غرمه قيمة ما أفسده.
أما سليمان فحكم بشيء آخر حيث قال: هلا غير ذلك؟! أي: شيء آخر غير ذلك، قال: وما ذاك؟ قال: تعطي الغنم لصاحب الحرث فينتفع بها حتى يزرع له الآخر أرضه حتى تعود كما كانت ثم يرجع الغنم لصاحبها، فرفق بالاثنين، فهذا صاحب الحرث ليس عنده ما يأكله ولا يشربه، فحكم له أن يأخذ الغنم فينتفع بها إلى أن يصلح هذا الآخر له أرضه، فيزرعها مرة أخرى إلى أن ينمو الزرع فيأخذ هذا غنمه وهذا يأخذ زرعه، فيكون هذا فيه رحمة بالاثنين، فلا هذا فقد الغنم بالكل، ولا هذا فقد زرعه ولم يأخذ بدله شيئاً، فكان حكم سليمان أقرب إلى الحكم الذي هو أرفق بالناس من حكم داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال الله : ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩].
وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ حكم آخر أيضاً عن سليمان مما فهمه الله سبحانه ﵎، فيقول النبي ﷺ : (كانت امرأتان معهما ابناهما، وجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت إحداهما لصاحبتها: ذهب بابنك).
أي: أن امرأتين كان مع كل منهما طفل رضيع، فجاء الذئب وخطف واحداً من الولدين فقتله، فإذا بالمرأة تقول للأخرى: أخذ ولدك أنت، وهذه تقول: أخذ ولدك.
قال رسول الله ﵌: (فاحتكما إلى داود النبي ﵊، فكأنه رأى أمارة من الأمارات تدل على أن هذه الكبيرة هي الصادقة فحكم بالصبي للكبرى، فلما خرجتا وجدتا سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فقضى بينهما بحكم آخر، قال: هاتوا الصبي، وقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما؛ لكي نعدل بين الاثنتين، فبداهة أم الصبي تخاف على ابنها، والأخرى لا يهمها ذلك، فقالت أم الصبي: دعوه لها هو ابنها، فعرف أنها أمه فأعطى الصبي لأمه).
وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم عن النبي ﷺ حيث قال: فقال سليمان: (ائتوني بالسكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله! هو ابنها، فقضى به للصغرى) فذكر الله أنه فهم سليمان حكماً فقال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء:٧٩] وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2162
تفسير سورة سبأ [١٥ - ١٩]
قصة سبأ فيها عبرة وعظة لكل من يأتي بعدهم إلى يوم القيامة، فبعد العز الرفيع، والراحة العظيمة، والنعم الجليلة صاروا إلى ما صاروا إليه من تفرق وتشتت، حتى ضربت بهم الأمثال، وسارت بحديثهم الركبان، وما حصل لهم ما حصل إلا بسبب كفرهم وإعراضهم عن الله، فعلى المسلم أن يشكر نعم الله ليحافظ عليها من أن تسلب منه فالشكر قيد النعم.
стр. 2163
نعم الله على عبديه داود وسليمان ﵉
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٥ - ١٩].
يذكر الله لنا في هذه الآيات قصة سبأ وما صنع الله بهم، فقد كان في قصتهم عبرة عظيمة وآية كبيرة لمن يعتبر.
وقد ساق الله لنا قبل ذلك إشارات إلى ملك سليمان وإلى ملك داود ﵉، وكيف أنه أنعم عليهما فعبداه سبحانه ﵎ حق العبادة، فقد كان داود ﵊ نبياً وملكاً، وقد آتاه الله من الملك أشياء عظيمة من فضله سبحانه ﵎، فقد سخر له الجبال يسبحن، والطير يجتمعن حوله وفوقه إذا قرأ الزبور، وسهل له الزبور فكان يقرؤه في فترة وجيزة جداً، حتى إنهم ليسرجون له فرسه فيقرأ الزبور كله خلال هذا الوقت، وهذا من نعم الله عليه، وسخر له الحديد، كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١٠ - ١١].
وقد أمر الله آل داود أن يعملوا لله شكراً، فقال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
ومن آل داود ﵊ سليمان ﵊ الذي دعا ربه أن يؤتيه ملكاً لا يكون لأحد من بعده، فقال: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص:٣٥]، فأعطاه الله سؤاله، قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٩].
أي: هذا عطاء من الله سبحانه ﵎، يرينا بذلك كيف يعطي العبد في الدنيا ليتخيل ما الذي يفعله في الآخرة سبحانه ﵎.
فإذا كان هذا الملك كله جعله لعبد من عباده في الدنيا التي لا تساوي شيئاً، فكيف يعطي في الآخرة سبحانه ﵎؟! فقد سخر له في الدنيا من الجن من يغوصون له، ويعملون عملاً دون ذلك.
فكانت الجن تعمل له في البر وفي البحر، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٧] أي: منهم من يبني له البيوت العالية والقصور والمحاريب، ومنهم من يغوص في البحر ليأتيه بما في البحر من درر، ومن أشياء جعلها الله فيها، كالطعام البحري.
وهم يفعلون بأمره ما يشاء.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ:١٢].
وقال: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ﴾ [ص:٣٨] أي: منهم من قرنهم الله في الأصفاد؛ تخويفاً لغيرهم، وجعل لسليمان أن يعذب من يشاء منهم.
قال تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص:٣٩] أي: لن نحاسبك على ذلك، ولا شيء عليك لأنك تعمل بأمرنا في ذلك.
فشكر ربه سبحانه، وعمل له سبحانه، وصلى وصام له سبحانه، فكان من أحسن الناس عبادة، وضربت بعبادة داود وببكائه وبأوبته إلى ربه سبحانه ﵎ الأمثال.
وقد ذكر لنا ذلك سبحانه لنتعظ ونعتبر بأن الإنسان مهما أوتي ملكاً في الدنيا فإن الملك الحقيقي لله.
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١].
стр. 2164
تفسير قوله تعالى: (لقد كان لسبأ في مسكنهم آية)
ثم ساق الله لنا بعد ذلك قصة أخرى لنرى ما في آيات الله من عجائب، وما في تدبير كونه من ابتلاء لخلقه وفتن.
قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
فيبتلي الله سبحانه ﵎ عباده بالخير، فينعم عليهم نعماً عظيمة طائلة، فيعطيهم البساتين والجنات والعيون والأنهار والأبناء والعبيد والأموال، ابتلاءً منه سبحانه، كما قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] أي: من يشكر نعمة الله سبحانه ويعرفها فيؤتيها حقها، ومن يكفر بنعم الله سبحانه فيكذب ويظن أن الله ما أعطاه إلا لفضله، كما يقول البعض من هؤلاء، وقد أرانا الله آية من الآيات، فقد أعطى هذه النعم لقوم فلما لم يشكروها استجلبوا على أنفسهم النقم، فجعلهم آية، وفرقهم بعد اجتماعهم وصاروا مثلاً وعبرة للناس، يضرب بهم الأمثال، فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ.
أي: كما تفرق أهل سبأ يميناً وشمالاً، ويقولون: فلان تفرق شذر مذر كأيدي سبأ.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].
فقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ [سبأ:١٥] هذه قراءة الجمهور على أنها: مصروفة مجرورة.
وقرأ قنبل عن ابن كثير: (لقد كان لسبأْ في مسكنهم آية) بالتسكين فيها.
وقرأ البزي عن ابن كثير وهي قراءة أبي عمرو: (لقد كان لسبأَ في مسكنهم آية) على أنها: ممنوعة من الصرف، وكأنها اسم للقبلية.
وسبأ أبوهم وسميت القبيلة بعده باسمه.
وقد قال النبي ﷺ في الحديث عندما سأله رجل: (يا رسول الله! ما سبأ؟ أرض أم امرأة؟ فقال النبي ﷺ : لا هي أرض ولا هي امرأة، ولكنه رجل ولد له من الولد عشرة فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية فلخم وجذام وغسان وعاملة).
فـ سبأ هو أبوهم، وكأن سبأ لقب له، قالوا واسمه: عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فهو قحطاني من أبناء يعرب بن قحطان.
وكان أول من سبى من العرب، أي: أول من أسر وأخذ السبي، فلقب سبأ للأسر الذي كان يصنعه، وقيل: إن الرجل كان مؤمناً، فالله أعلم بأمره.
لكن الغرض أن هذا كان قبل الإسلام بفترة طويلة.
قال الله سبحانه: (فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) فيها ثلاث قراءات: الأولى: (فِي مَسْكَنِهِمْ)، وهي قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة.
والثانية: (في مسكِنهم)، وهي قراءة الكسائي بكسر الكاف فيها.
والثالثة: (في مساكنهم)، وهي قراءة باقي القراء، على تعدد المساكن والبيوت التي كانوا فيها.
قال تعالى: (آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ) أي: كان لهم في مساكنهم آية عظيمة.
وكان لهم جنتان، فإذا نظر الناظر عن يمينه وجد الجنات -والجنة: البستان العظيم- وإذا نظر عن شماله وجد الجنات.
أي: بساتين عن اليمين وبساتين عن الشمال.
وكلما مر الإنسان من هناك رأى عن اليمين وعن الشمال هذه البساتين.
стр. 2165
نبذة وجيزة عن دولة سبأ
كانت سبأ دولة من الدول قبل الإسلام بأكثر من ألف عام، واستمر الملك للتبابعة فيهم بعد ذلك إلى قبل الإسلام بفترة وجيزة تصل إلى مائة وخمسة عشر عاماً، ثم حدثت أشياء ذكرها أهل التواريخ، والله أعلم بما كان فيها.
فالغرض أن ملك التبابعة كان موجوداً هناك إلى قبل الإسلام.
والتبابعة من أحفاد سبأ أيضاً.
ويطلق لقب (تبع) على كل من ملك اليمن وحضرموت يقول الحافظ ابن كثير: كانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت (تبعاً)، كما يسمون ملك الشام مع الجزيرة (قيصراً)، ومن ملك الفرس يسمونه بـ (كسرى)، ومن ملك مصر يسمونه (فرعون)، ومن ملك السودان والحبشة يسمونه (النجاشي)، ومن ملك الهند يطلقون عليه (بطليموس)، فهذه ألقاب يطلقونها على الملوك التي كانت تملك هذه الأماكن، ولهم أسماء غيرها.
ومن جملة الملوك الذين ملكوا أرض سبأ في يوم من الأيام الملكة بلقيس، فقد ملكتها في عهد سليمان النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فقد رجع الهدهد بعدما تأخر عن سليمان وأخبره أنه وجد هؤلاء القوم يسجدون للشمس من دون الله، وأنه وجدهم تملكهم امرأة ولها عرش عظيم.
قال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل:٢٤].
ثم أسلمت بلقيس مع سليمان لله رب العالمين.
وأما هؤلاء القوم فقد كانوا قبل ذلك.
وقد ذكر الله سبحانه ﵎ في أمرهم أنه قال لهم: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥] أي: هذا رزق عظيم دار عليهم، فكلوا من هذا الرزق الذي أعطاكم الله، واشكروا له سبحانه ﵎.
فالرزق من الله ليس منكم أنتم، فاشكروا له، فهو الرزاق سبحانه، فقد أعطاكم هذه البلدة الطيبة، وهو الرب العظيم الغفور.
فقد كانت بلدتهم بلدة طيبة، ليست أرضاً طينية ولا أرضاً رملية، وفيها ما شاء الله من الثمار والنبات، وقد أعطاهم الله فيها خيراً عظيماً وفيراً، فكانوا يأكلون ويشربون ويتنعمون، وقد كان هواؤها هواء طيباً، حتى إنهم ليقولون: إن الهوام كانت لا تعيش في هذه الأماكن من طيب هوائها، ومن طيب منبتها، فكانت من طيب هوائها لا توجد فيها العقارب والأشياء الخبيثة التي تؤذي.
قال الله : ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥]، وهذه نعمة عظيمة جداً من الله سبحانه، فكان المفترض في هؤلاء أن يشكروا نعم الله سبحانه ﵎، وأن يعبدوه حق العبادة.
стр. 2166
تفسير قوله تعالى: (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم)
قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦].
فقوله: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾، أي: أعرضوا عن هذه النعمة التي أعطاهم الله سبحانه، وأعرضوا عن عبادة الله سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦].
فلما كفروا النعمة عجل الله بذكر العذاب قبل أن يذكر السبب، وذلك أنهم لما كفروا بنعمة الله استحقوا العذاب.
فقد أعرضوا عن شكر الله سبحانه، وجحدوا نعمته سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ:١٦] أي: السد العالي الذي وراءه الماء العظيم، فهذا السد هدمه الله سبحانه ﵎ لأسباب عجيبة جداً، فسال عليهم الماء كالجيش العرمرم الشديد الصعب، فأغرق كل شيء وأتلف كل ما أتى عليه، والمقصود بالعرم السد أو السيل، أي: السيل الصعب الذي لا يقدر أحد على منعه ولا على صده، وقد كانت المياه تسيل عندهم بين جبلين، ففكروا ببناء سد للاستفادة من هذه المياه، فبنوا سداً اسمه سد مأرب، ومأرب اسم القرية التي كانت هناك.
وكأن مأرب بمعنى: المياه، أي: سد المياه الذي تجمع المياه خلفه، فبنوا بين الجبلين الذي كان يسيل بينهما الماء سداً، حتى وصلوا بالسد إلى الأعلى قمم الجبال، وهذه من نعم الله عليهم، أن سخر لهم ما يبنون به هذا السد، فارتفع الماء خلف السد حتى بلغ الجبال، فزرعوا الجبال واستفادوا منها أعظم الاستفادة.
فاجتمع لهم الهواء الطيب والنبات العظيم والبساتين المثمرة، فلم يشكروا ربهم سبحانه ﵎ أن سخر لهم هذا الجبل، وهذا السد، وهذا الماء، فاستحقوا سلب هذه النعمة، فسلط الله عليهم من يهدم عليهم هذا السد المرتفع.
فسخر شيئاً عجيباً جداً وهو الجرذ (الفأر)، سخره الله سبحانه ﵎ وسلطه على هذا السد، فأكل أسفله فانهار السد فإذا بالمياه تغرق كل شيء أمامها.
قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ [سبأ:١٦] أي: جنتين أخريين بدل البستانين اللذين كانا فيهما من كل الثمرات، ومن كل نعم الله العظيمة.
قال تعالى: ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَي أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] والأكل والأكُل يعني: الجنا.
قرأها نافع وابن كثير: (أُكْل)، بتسكين الكاف.
وقرأها الجمهور: (أكُلٍ).
وقرأها أبو عمرو ويعقوب: (ذواتي أُكُلِ خمطٍ)، بالإضافة إليها.
و (الخمط) كأنه الحامض، يقال: لبن خامط أي: ابتدأ يتغير ولم يصل إلى درجة الحموضة التي لا يقبل معها.
وكذلك الثمار بعدما كانت ثماراً يانعة عظيمة جميلة في طعمها تحولت إلى هذا الشيء العجيب، وأصبح الثمر ثمراً خامطاً أي: فيه طعم الحموضة، فلا يصلح للأكل إلا بمرارته وحموضته وملوحته.
وقوله تعالى: ﴿وَأَثْلٍ﴾ هي: شجر الطرفاء، وهو شجر فيه الشوك.
فبعد الجنات العظيمة أصبحت الأشجار تنبت لهم الشوك، وأصبح طعم النبات والثمار مالحاً وحامضاً بكفرهم وببغيهم.
قال تعالى: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ [سبأ:١٦] والسدر: النبق.
أي: شجر النبق، فحتى يحصلوا على هذا النبق كانوا يصعدون شجرته العالية حتى يحصلوا على قليل منه، ولا ينفعهم شيئاً.
كما يقال: هذا لحم جملٍ غث على رأس جبل وعر، لا سمين فينتقى ولا سهل فيرتقى.
أي: لا اللحم سمين حتى نذهب إليه، ولا الجبل سهل فنرتقي عليه.
وكذلك هؤلاء أبدلهم الله بهذا بعد الثمار الطيبة التي كانوا فيها قبل ذلك.
فضاع كل ذلك وصاروا إلى ما صاروا إليه بكفرهم.
стр. 2167
تفسير قوله تعالى: (ذلك جزيناهم بما كفروا)
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سبأ:١٧] أي: ذلك الجزاء العظيم الفضيع من الله سبحانه بكفرهم، فقد كفروا وعبدوا غير الله، وكفروا بنعم الله سبحانه فلم يشكروها.
قال تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ هذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب.
وقرأها الباقون: (وهل يُجازى إلا الكفور)، وليس المقصود بأن الكفور فقط هو الذي يجازى، وإنما المقصود: إنما يجازى مثل هذا الجزاء الصعب الشديد من كفر بالله، وكفر بنعمه سبحانه، فاستحق أن يباد وأن تسلب منه النعم، وكذلك استحق نار جهنم يوم القيامة، ولا ينفعه شيء.
وفي الصحيحين عن السيدة عائشة ﵂ أنها سمعت النبي ﷺ يقول: (من نوقش الحساب عذب)، وفي رواية: (من حوسب هلك، فقالت السيدة عائشة ﵂: أليس الله يقول في المؤمن: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق:٨]؟ قال النبي ﷺ : ليس ذاك، ولكنه العرض) أي: أن المؤمن يعرض الله عليه كتابه، ويقول له: فعلت كذا يوم كذا، ثم يعفو عنه ويتجاوز سبحانه ﵎.
وأما الإنسان الكافر فالله يناقشه الحساب، وكل من نوقش الحساب عذب، سواء كان كافراً أو عاصياً صاحب كبائر أو فاسقاً أو فاجراً فمن نوقش الحساب أهلكه الله وعذبه يوم القيامة.
وهنا يذكر لنا ربنا سبحانه أنه لا يجازى الجزاء الذي لا ينفع معه شيء إلا الإنسان الكافر، حتى ولو كان له عمل صالح في الدنيا، ولكن كفره جعل عمله غير مقبول، فلا ينفعه عمله، قال الله سبحانه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أي: أخذنا أعمالهم وبعثرناها فلا تنفع أصحابها يوم القيامة لكفرهم.
فهل يجازى إلا الكفور؟! أي: الجزاء الأوفى، والمعنى: أن الكافر يجازى أشنع الجزاء على كفره، ويوفيه الله على كل شيء فعله، ولذلك حين يقال لأهل النار: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر:٤٢ - ٤٧].
فجوزوا على كفرهم، وعلى بقية الأعمال التي لا تصل إلى هذه الدرجة، فيحاسبهم الله على كل شيء.
إذاً: فكأنه يقول في الآية: هل يجازى الجزاء الوافي على كل عمل يعمله إلا من كفر بالله فاستحق ذلك؟!
стр. 2168
تفسير قوله تعالى: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة)
ثم بعد أن ذكر سبحانه عذابهم وإبادتهم وإهلاك أرضهم ذكر سبحانه الأسباب التي عملها هؤلاء، وهي أنهم أعرضوا عن الله سبحانه، وكأن الله أرسل إليهم أنبياء يدعونهم فلم يؤمنوا بالله سبحانه ولم يذكروا ربهم بل كفروا ولم يشكروا، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] هنا يذكر سبحانه باقي نعمه على هؤلاء، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [سبأ:١٨]، والقرى المباركة هي قرى الشام.
فهم كانوا في اليمن، فإن سبأ ومأرب بجوار صنعاء.
فجعل الله من صنعاء إلى الشام قرىً، كل قرية تتلو قرية، ووراء كل قرية قرية، حتى إن المسافر للتجارة من اليمن إلى الشام كان لا يحتاج إلى زاد ولا إلى ماء في الطريق.
ويجد الجنات والعيون من خروجه حتى يصل، ومن هناك حتى يرجع إلى أرضه! قال تعالى: ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾، أي: ليست باطنة ومختفية.
وأنت إذا سافرت في الطريق البري من الإسكندرية للعمرة أو للحج فإنك تمر على صحار شاسعة، ولا تجد قرية إلا بعد تعب ومشقة ولا تجدها على الطريق.
وتحتاج إلى من يدلك عليها.
وأما قوم سبأ فقد جعل الله لهم القرى ظاهرة ليست مختفية، ولا يحتاجون إلى من يدلهم عليها، وجعل الله لهم الأرض كلها بساتين وجنات وعيون في الطرق جميعها، فكانوا يصبحون في ذلك ويمسون فيه.
فإذا سافروا وانتقلوا من مكان إلى مكان، أو من قرية إلى قرية لا يحتاجون إلى حمل شيء من الأمتعة معهم في الطريق.
قال تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ [سبأ:١٨] وأتى فيها بنون العظمة سبحانه ﵎.
وإذا قدر الله سبحانه فمن المستحيل أن يأتي الشيء على خلاف تقديره سبحانه.
فقدر سبحانه الوقت الذي يستغرقونه في المشي في القرى، حتى إذا أمسوا أمسوا في قرية، وإذا أصبحوا ومشوا قليلاً رأوا القرية الأخرى، ويبيتون في قرية أخرى، حتى لا يتعبون.
стр. 2169
نعمة الله بالأمن والأمان على قوم سبأ
قال تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨] أي: سيروا ما شئتم من الأيام والليالي في خلال هذه القرى آمنين.
والإنسان إذا سار من قرية إلى قرية أخرى بعيدة فإنه يسير خائفاً من اللصوص وقطاع الطريق، وأما إذا مشى في قرى متقاربة فلا يخرج من قرية حتى يدخل قرية أخرى، وكان الناس في كل طريقه فلا يخاف من قطاع الطرق.
فجعل الله بلدة هؤلاء القوم بلدة طيبة، وهواءها نقياً، ولا توجد فيها الهوام، وفيها من الثمار والأشياء التي يحتاجونها الشيء الوفير والنعم الكثيرة، وفيها الأمن والأمان.
وقد جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (من بات آمناً في سربه، معافىً في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها).
فإذا كان الإنسان في أمان وهو في بيته وعنده طعامه وشرابه ولا يوجد أحد يسأله أي دين فهو ملك في مكانه، فماذا يريد أكثر من هذا؟ فهؤلاء كانت عندهم الدنيا كلها وكفروا بالله ولم يحمدوه ولم يشكروه.
стр. 2170
تفسير قوله تعالى: (فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا)
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: هؤلاء كفروا بالله وهم يعلمون أنه الرب.
والكافر يعرف أن الرب هو الذي يخلق ويرزق، ولكن لا يتوجه له بالعبادة بل يشرك به غيره سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩]، وهذه قراءة الجمهور.
وقرأها يعقوب: (فقالوا ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا)، على صيغة الإخبار، أي: أن ربنا قد باعد بين أسفارنا.
وقرأها ابن كثير وأبو عمرو وهشام: (ربَّنا بعِّد بين أسفارنا).
وكل قراءة يقصد بها معنى.
ولكن مجمل الكلام ومضمونه أنهم ملوا من الراحة وتعبوا منها، وبطروا، فاستحقوا الشقاء، مثل بني إسرائيل عندما لم يعجبهم المن والسلوى ضرب الله عليهم التيه، يتيهون في الأرض أربعين سنة، ولا يصلون إلى بيت المقدس.
فكانوا يقطعون الطريق في متاهة ولا يعرفون كيف يصلون إلى بيت المقدس، فلما جاعوا سألوا ربهم الطعام وهم في العقوبة، فأنزل الله عليهم الطعام المن والسلوى، وهما عسل من الشجر وطائر السمانى، يأكلون ما شاءوا ولا يدخرون شيئاً، ثم اشتاقوا إلى البقل، فقالوا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة:٦١] أي: كل الوقت ونحن نأكل عسلاً ولحماً، فنريد أن نأكل ثوماً وبصلاً وجرجيراً وبقلاً من الأرض.
فتعنتوا ورفضوا هذه النعمة العظيمة وطلبوا هذه الأشياء.
فقال لهم: انزلوا أي قرية من القرى، ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة:٦١] أي: اذهبوا وكلوا الثوم والفول والعدس، واتركوا هذه النعم العظيمة التي تأتيكم بغير تعب.
فالإنسان الذي يبطر من نعم الله سبحانه يستحق أن يحرم.
فهؤلاء قالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩].
وكأن قولهم هذا على وجه التهكم.
أي: أسفارنا قليلة جداً، فنريد سفراً طويلاً، وطلبوا ذلك من الله سبحانه ﵎ الذي لم يشكروه ولم يعبدوه سبحانه، بل وجهوا العبادة إلى غيره.
وعلى قراءة يعقوب: (ربُّنا باعَدَ بين أسفارنا) أي: كأنهم قالوا مستهزئين: انظروا كيف أن ربنا باعد بين أسفارنا، فبين كل قرية وقرية قرية في الوسط.
يقولون ذلك على وجه التهكم.
وأما على قراءة: (ربَّنا بعِّد بين أسفارنا) أي: اجعل سفرنا بعيداً.
لماذا جعلته قريباً؟
стр. 2171
عقاب الله لأهل سبأ
فلما قالوا ذلك وظلموا أنفسهم بذلك قال الله سبحانه: ﴿وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ:١٩] أي: جعلنا حديثهم على كل لسان.
وكل أحد يقول: هل رأيتم كيف فعل الله بأبناء سبأ؟ أرأيتم كيف فرقهم الله يميناً وشمالاً؟ أرأيتم ربنا كيف بددهم؟ فصار يضرب بهم الأمثال على خيبة الحال وعلى ما آل إليهم هذا المآل بكفرهم وببغيهم وبخروجهم عن طاعة ربهم سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: فرقناهم بعدما كانوا مجتمعين في بلدة واحدة، فتفرقوا في البلدان، فأصبح هؤلاء هنا وهؤلاء هنا، وذهبوا إلى كل مكان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: لا يعتبر بذلك إلا من عرف نعم الله سبحانه، وصبر عن المعاصي، وتأسى بأفعال الصالحين، كنبينا ﷺ وكداود وسليمان وغيرهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهؤلاء هم الذين يعتبرون بالآيات، وأما من ترك الاعتبار بالآيات فقد وقع فيما وقع فيه هؤلاء الناس الذين فرقهم الله سبحانه ﵎.
يقول ابن عباس ﵁: لم يخرج من اليمن جميع قبائل سبأ، فست قبائل بقوا في اليمن يأكلون من هذه الثمار الرديئة، وأربع قبائل خرجوا إلى الشام فتفرقوا هنالك.
والذين بقوا: الأزد ومذحج وكندة والأنمار والأشعريون وحمير.
وتفرق الآخرون فذهبوا إلى الشام، ومنهم من توجه إلى مدينة النبي ﷺ ، فكان من ذريتهم بعد ذلك الأوس والخزرج، ونزلت عليهم اليهود وحصلت محالفات بينهم، حتى جاء النبي ﷺ المدينة، وأدخل الله الإسلام المدينة وطيبها سبحانه ﵎.
فالغرض: أن الله سبحانه جعل هؤلاء عبرة وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: كثير الصبر على قضاء الله وقدره.
﴿شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: يشكر نعم الله سبحانه، ويصبر عن المعاصي فلا يقع فيها، ويصبر لأمر الله، ويشكر الله سبحانه إذا أعطاه النعم.
فيمن الله عليه بالعلم والمعرفة ويمن عليه بالإيمان وبالصبر، فيصبره على قضائه وقدره.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2172
تفسير سورة سبأ [٢٠ - ٢٣]
ذكر الله سبحانه قصة قوم سبأ، وكيف أغدق عليهم نعمه العظيمة، فجحدوا نعم الله عليهم، وصدق عليهم إبليس ظنه فأغواهم كما أغوى غيرهم من الناس، إلا المؤمنين الذين اعتصموا بالله فإنه لم يقدر على إغوائهم، وقد جعل الله إبليس فتنة للناس ليعلم المؤمن الصادق من غيره.
стр. 2173
تفسير قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وهو العلي الكبير)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: يقول الله في سورة سبأ عن قوم سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٠ - ٢٣].
لقد أخبرنا الله عن قوم سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ:١٥]، وذكرنا أنه أعطاهم جنتين من فضله عن يمين وشمال، وجعل لهم البساتين والأنهار والعيون، وجعل لهم من فضله بين كل قرية وقرية قرية أخرى، فلا يرحلون من قرية إلا وينزلون في قرية أخرى، فكان هذا فضلاً من الله عليهم.
وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله سبحانه، وقد قال لهم: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].
أي: هواؤها طيب، وأرضها طيبة، وثمارها عظيمة طيبة، فلا هوام فيها مؤذية للناس، ولا شيء ينغص عليهم حياتهم، وإنما فيها أمان من الله لهم، قال سبحانه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥].
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨]، وهذه نعمة من نعم الله ، وهي نعمة الأمن والأمان، فقد كانوا يسيرون مرتحلين من اليمن إلى بلاد الشام في أمن وأمان، يرحلون من قرية إلى قرية فلا يحتاجون إلى حمل زاد، بل ورد أن المرأة كانت تخرج إلى القرية تحمل مكتلها فوق رأسها وتسير تحت الأشجار والثمار فتتساقط الثمار في مكتلها من غزارتها فلا تخرج من البستان إلا وقد امتلئ مكتلها من غير أن تتعب نفسها في أخذ هذه الثمار! وهذا فضل من الله ، فاشكروا نعمة الله سبحانه فالبلدة طيبة والرب رب غفور .
فلما رأوا هذه النعم العظيمة ازدادوا طغياناً، وأشراً، وبطراً، وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] أي: نحن نريد أن نستمتع بأسفار بعيدة، فلا نريد أسفاراً قريبة، نريد مفاوز، ونريد صحاري، ونريد طرقاً بعيدة، وقال بعضهم: (ربُنا باعَدَ بين أسفارنا) أي: ربنا قد باعد بين أسفارنا على وجه السخرية والاستهزاء بذلك.
والنعمة إذا أتت للإنسان فلم يصنها استحق الحرمان، واستحق أن تضيع منه هذه النعمة، ومن فرط في النعمة، واستهزأ بها، وضيعها، وأتلفها، ضاعت منه النعمة ولم ترجع إليه مرة ثانية، فهؤلاء القوم كانوا أهل حضارة، فأهل التاريخ يقولون عن قوم سبأ: كانت لهم دولة عظيمة استمرت فترة طويلة جداً، وكانت دولة ذات حضارة عريقة، قامت في اليمن، قبل ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام بأكثر من ألف عام، وكانت دولة عظيمة قوية.
وهنا نقول: مدينة بمعنى بلد، ولكن حين يقولون: دولة، يعني لهم حضارة، وسمعة مشهورة بين الدول التي بجوارها، ويحتاجون إليها، فكانت مثل دولة الفرس، ودولة الروم، فلما طغوا وبطروا نعم الله سبحانه، دمرهم وأهلكهم بأشياء عجيبة جداً، لأنه هو الذي منحهم نعمة الماء، ونعمة الهواء، والجبال العالية التي كانوا فيها، يسيل الماء بينها، وهو الذي منحهم عقولاً تفكر كيف تستغل هذه المياه لزراعة هذه الجبال العالية، ومعلوم أن المزارع التي في مستوى عال عن الأرض هي من أخصب ما يكون، وأن هواءها أفضل الهواء، فالله أعطاهم تفكيراً يفكرون به كيف يرفعون هذا الماء إلى هذا العلو، فبنوا سد مأرب بين جبلين عظيمين، وغرسوا فوق الجبال، وزرعوا، وأنبت الله نباتاً حسناً عظيماً، لا يوجد في أي بلد مثله، وقد امتن الله عليهم به، فكان الواجب عليهم أن يعرفوا نعمة الله عليهم فيعبدوه، ويشكروه سبحانه، ولكنهم أبوا إلا الكفر والتكذيب، وصدق عليهم إبليس ظنه.
وإبليس ظن في آدم أنه مخلوق ضعيف، فإن الله لما خلق آدم جعل إبليس يطوف به، فيجده مخلوقاً من طين، ويجده أجوفاً، وذلك قبل أن يخلق الله فيه الروح، فعلم إبليس: أنه مخلوق ضعيف فقال: لئن سلطت عليه لأغوينه.
لقد ظن ظناً في نفسه وهو لا يعلم الغيب، وعلم الله من إبليس أن هذا تفكيره، لذلك كان تدبير الله في كونه أن يهبطه إلى الأرض، وأن يجعله عدواً لبني آدم، وأن ينزل آدم إلى الأرض بخطيئة وقع فيها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما هو معروف في كتاب الله .
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠] فقد قال لربه سبحانه: لئن سلطتني على هؤلاء، لأغوينهم، ﴿وَلَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فإبليس لم يطلع على الغيب، وإنما قالها ظناً من عند نفسه، وقال لله : ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] أي: أنا لن أترك هؤلاء، وهذا القول قاله بظنه، فلقد صدق إبليس على هؤلاء القوم وعلى غيرهم ظنه، وهذه قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، أما قراءة المدنيين والمكيين والبصريين والدمشقيين فيقرءونها: (ولقد صَدَقَ عليهم إبليس ظنه) أي: أن ظن إبليس صدق على هؤلاء فيما ظنه أنه يغوي ذرية آدم، فسلط عليهم وأغواهم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، فلما قال إبليس لربه: لأغوينهم أجمعين، قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]، فعباد الله المؤمنون الصالحون المقربون، ليس لإبليس سلطان عليهم، بل يهديهم الله ، ويدلهم على الخير، ويعينهم عليه، وينصرهم على عدوهم الشيطان، فيجتنبوا مكره وكيده، ويعتصموا بالله ، فهؤلاء هم الذين ينجيهم الله .
فالبعض وهم القلة من المؤمنين الذين عبدوا الله سبحانه، ولم يتبعوا الشيطان، ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ:٢١] أي: إبليس حين أضل هؤلاء وأغواهم لم يكن يملك أن يحولهم من شيء إلى شيء، ولذلك حين يدخل إبليس النار مع عصاة بني آدم يختصمون ويستغيثون ويسألون من يخرجهم من النار، فيقول لهم إبليس: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: لا أنا سأستجيب لصراخكم وأخرجكم، ولا أنتم ستستجيبون لصراخي وتخرجوني من النار، فكلنا فيها والعياذ بالله، ثم يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: لم تكن لي عليكم حجة، فالحجة لله ، الذين نزل عليكم الكتاب، وأرسل إليكم الرسل، أما أنا فليس لي أي حجة عليكم، فلم أرسل إليكم أحداً وإنما وسوست لكم فصدقتموني، واتبعتموني، فيتبرأ إبليس منهم ويتبرءون منه، كما يقول الضعفاء للكبراء: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]، فيقول المتبعون الكبراء لهؤلاء الأتباع الأصغار: أنحن أضللناكم وأزغناكم عن هدى الله بعد إذ جاءكم؟ لا، بل أنتم كنتم مضلين: ﴿بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢]، ثم إن المتبوعين يتبرءون من التابعين لهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] أي يقول: التابعون الصغار يوم القيامة حين يرون أسيادهم تبرءوا منهم: لو أنا نعود إلى الدنيا مرة ثانية من أجل أن نتبرأ منهم كما تبرءوا منا! يقول الله : ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، فالذي ضل في الدنيا قد عرف الحق، والله قد أعذر إلى خلقه، وأنذرهم وأنزل إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وجعل الفطرة في قلوبهم، وجعل لهم عقولاً بحيث يعرفون بها الخطأ من الصواب، وهذه منه من الله الحكيم سبحانه.
стр. 2174
تفسير قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان)
إبليس لم يأتهم بأي حجة: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ:٢١]، لذلك يقول إبليس وهو في النار: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: أنتم كنتم تعبدونني من دون الله، وأنا كفرت بعبادتكم: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢].
قال الله في هذه الآية: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١].
إلا هنا للاستثناء ويسمونه: الاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن الشيطان فعل بهم ذلك، لنعلم علم شهادة، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١].
إذاً: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ معناها: ولكن لنعلم، وهل لم يكن يعلم قبل ذلك ؟! حاشا له سبحانه، فالله يعلم كل شيء.
وعلم الله علمان: علم غيب: فقبل أن يوجد الخلق علم كل شيء ، وعلم شهادة: وهو الذي يحاسب الله العباد عليه، ومستحيل أن يختلف علم الشهادة عن علم الغيب، فعلم الغيب: هو قبل أن يوجد الإنسان، فلما أوجد الإنسان وفعل الأشياء رآها الله سبحانه، وسمعها وعلمها فسمي علم شهادة.
فالله لا يحاسب الإنسان على علمه الغيبي به، بل يحاسبه على علم الشهادة، لتكون الحجة لله سبحانه.
وعلم الشهادة هو الذي يذكره الله هنا، يقول: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [سبأ:٢١] أي علم شهادة: ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ [سبأ:٢١]، أي: من يؤمن فيعمل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، والذي يشك في الآخرة كافر بعذاب الله ، وبحسابه، والذي يشكك لا يعمل، كالمنافقين الذين قالوا: آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، قال الله سبحانه، ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ:٢١] أي: يحفظ عليك كل ما تفعله.
وذكرنا قبل ذلك أن الله سبحانه إذا ذكر اسمه العليم فإنه يدل على أنه قد علم بكل شيء ظاهراً وباطناً أولاً وآخراً، وأنه قد علم ما يجهر به الإنسان وما يسره ويخفيه ، فإذا قيد بصفة من صفاته كصفة الخبير، فإن المقصود منها علم الشيء الخفي الذي لا يظهر.
فإذا ذكر أنه الشهيد سبحانه بمعنى العليم بالشيء المشاهد فإنه يدل على علم الله سبحانه بما هو مشاهد وما هو ظاهر.
فإذاً: للعلم الخفي الخبير، وللعلم الظاهر الشهيد، فإذا كان يعلم ويحصي عليك، فهو الحفيظ ، فإنه يحفظك، ويحفظ ملائكته، ويحفظ جميع خلقه، كما أنه جعل للإنسان معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، فإذا نزل القضاء والقدر من السماء، أصاب ما أراده الله ولم ينفع صاحبه بشيء، فالله يحفظ خلقه سبحانه، ويحصي عليهم أعمالهم فهو الحفيظ وهو المحصي .
стр. 2175
تفسير قوله تعالى: (قيل ادعوا الذين زعمتم من دون الله)
قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله وهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، والخطاب لجميع الكفار وخصوصاً كفار قريش الذين نزل القرآن وهم يسمعونه من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيه هذه القصة، قصة سبأ، وقصة سليمان، وقصة داود، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ليتعظوا ويتدبروا ويعتبروا بأمر هؤلاء فيكونوا مؤمنين، ولا يكونوا مع الكافرين، فلما أصروا على كفرهم بالنبي ﷺ وبما جاء به، قال لهم الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ:٢٢] بكسر اللام وهي قراءة عاصم وقراءة حمزة وقراءة يعقوب: وباقي القراء يقرءونها: (قُلُ ادعوا) بالضم.
(لا يملكون مثقال ذرة) أي: هل يملكون مثقال ذرة أي: قدر نملة؟ وهنا يمكن للإنسان أن يدعي ويقول: أنا أملك مالاً، وأملك كذا، وعندي بيت، وعندي كذا، فنقول له: هل تستطيع أن تحتفظ بهذا الشيء إلى أن تموت ولا أحد يأخذه؟ وهل تستطيع أن تخلد نفسك؟ لا، إذاً: فليس ملكك ملكاً حقيقياً، وإنما هو استخلاف من الله استخلفك عليه، وستزول ويبقى الشيء ثم ينتقل إلى غيرك بعد ذلك، فلا يزعم إنسان أنه يقدر أن يخلق نملة، فلن يستطيع مهما أوتي من علم، ومهما أوتي من قوة، فلن يقدر على ذلك.
فإذا تبجح إنسان وقال: أنا أستطيع أن أفعل، قلنا بقول الله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]، فما قدروا ولا استطاعوا ولا يستطيعون أبداً على ذلك.
﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: ليس لهذه الأصنام التي تعبد من دون الله سبحانه شرك يعني جزء، تقول: فلان شريكي في هذه الأرض، أي: أنت تملك جزءاً وهو يملك جزءاً آخر، فهم لا يدعون أنهم يملكون ذلك، وإن ادعوا ذلك علمنا بالضرورة كذبهم.
قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا﴾ [سبأ:٢٢] يعني: في السموات ولا في الأرض، يعني: ليس لهم نصيب في السموات ولا في الأرض، ولا يقدرون على تدبير أمر السموات ولا أمر الأرض، ولا يقدرون أن يأتوا بالشمس من المغرب بدلاً من أن يأتي بها الله من المشرق، فهم لا يقدرون على شيء ولا يزعمون ذلك.
قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: ليس لهم مقاسمة مع الله، ولا شرك لهم مع الله سبحانه في ذلك، وليس لله من خلقه ظهير، والظهير: هو المظاهر والمعين، فلا يحتاج ربك إلى أحد يتظاهر به، أي: يتقوى به حاشا له ، فالكل يحتاج إلى الله، والله لا يحتاج إلى أحد من خلقه سبحانه، ما له منهم من ظهير.
следующие страницы →