← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

عقاب الله لأهل سبأ فلما قالوا ذلك وظلموا أنفسهم بذلك قال الله سبحانه: ﴿وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ [سبأ:١٩] أي: جعلنا حديثهم على كل لسان. وكل أحد يقول: هل رأيتم كيف فعل الله بأبناء سبأ؟ أرأيتم كيف فرقهم الله يميناً وشمالاً؟ أرأيتم ربنا كيف بددهم؟ فصار يضرب بهم الأمثال على خيبة الحال وعلى ما آل إليهم هذا المآل بكفرهم وببغيهم وبخروجهم عن طاعة ربهم سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: فرقناهم بعدما كانوا مجتمعين في بلدة واحدة، فتفرقوا في البلدان، فأصبح هؤلاء هنا وهؤلاء هنا، وذهبوا إلى كل مكان. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: لا يعتبر بذلك إلا من عرف نعم الله سبحانه، وصبر عن المعاصي، وتأسى بأفعال الصالحين، كنبينا ﷺ وكداود وسليمان وغيرهم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهؤلاء هم الذين يعتبرون بالآيات، وأما من ترك الاعتبار بالآيات فقد وقع فيما وقع فيه هؤلاء الناس الذين فرقهم الله سبحانه ﵎. يقول ابن عباس ﵁: لم يخرج من اليمن جميع قبائل سبأ، فست قبائل بقوا في اليمن يأكلون من هذه الثمار الرديئة، وأربع قبائل خرجوا إلى الشام فتفرقوا هنالك. والذين بقوا: الأزد ومذحج وكندة والأنمار والأشعريون وحمير. وتفرق الآخرون فذهبوا إلى الشام، ومنهم من توجه إلى مدينة النبي ﷺ ، فكان من ذريتهم بعد ذلك الأوس والخزرج، ونزلت عليهم اليهود وحصلت محالفات بينهم، حتى جاء النبي ﷺ المدينة، وأدخل الله الإسلام المدينة وطيبها سبحانه ﵎. فالغرض: أن الله سبحانه جعل هؤلاء عبرة وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: كثير الصبر على قضاء الله وقدره. ﴿شَكُورٍ﴾ [سبأ:١٩] أي: يشكر نعم الله سبحانه، ويصبر عن المعاصي فلا يقع فيها، ويصبر لأمر الله، ويشكر الله سبحانه إذا أعطاه النعم. فيمن الله عليه بالعلم والمعرفة ويمن عليه بالإيمان وبالصبر، فيصبره على قضائه وقدره. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2172

تفسير سورة سبأ [٢٠ - ٢٣] ذكر الله سبحانه قصة قوم سبأ، وكيف أغدق عليهم نعمه العظيمة، فجحدوا نعم الله عليهم، وصدق عليهم إبليس ظنه فأغواهم كما أغوى غيرهم من الناس، إلا المؤمنين الذين اعتصموا بالله فإنه لم يقدر على إغوائهم، وقد جعل الله إبليس فتنة للناس ليعلم المؤمن الصادق من غيره.

стр. 2173

تفسير قوله تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه وهو العلي الكبير) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: يقول الله في سورة سبأ عن قوم سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ * قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٠ - ٢٣]. لقد أخبرنا الله عن قوم سبأ: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ [سبأ:١٥]، وذكرنا أنه أعطاهم جنتين من فضله عن يمين وشمال، وجعل لهم البساتين والأنهار والعيون، وجعل لهم من فضله بين كل قرية وقرية قرية أخرى، فلا يرحلون من قرية إلا وينزلون في قرية أخرى، فكان هذا فضلاً من الله عليهم. وكان الواجب عليهم أن يشكروا نعمة الله سبحانه، وقد قال لهم: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥]. أي: هواؤها طيب، وأرضها طيبة، وثمارها عظيمة طيبة، فلا هوام فيها مؤذية للناس، ولا شيء ينغص عليهم حياتهم، وإنما فيها أمان من الله لهم، قال سبحانه: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ:١٥]. ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ:١٨]، وهذه نعمة من نعم الله ، وهي نعمة الأمن والأمان، فقد كانوا يسيرون مرتحلين من اليمن إلى بلاد الشام في أمن وأمان، يرحلون من قرية إلى قرية فلا يحتاجون إلى حمل زاد، بل ورد أن المرأة كانت تخرج إلى القرية تحمل مكتلها فوق رأسها وتسير تحت الأشجار والثمار فتتساقط الثمار في مكتلها من غزارتها فلا تخرج من البستان إلا وقد امتلئ مكتلها من غير أن تتعب نفسها في أخذ هذه الثمار! وهذا فضل من الله ، فاشكروا نعمة الله سبحانه فالبلدة طيبة والرب رب غفور . فلما رأوا هذه النعم العظيمة ازدادوا طغياناً، وأشراً، وبطراً، وقالوا: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ:١٩] أي: نحن نريد أن نستمتع بأسفار بعيدة، فلا نريد أسفاراً قريبة، نريد مفاوز، ونريد صحاري، ونريد طرقاً بعيدة، وقال بعضهم: (ربُنا باعَدَ بين أسفارنا) أي: ربنا قد باعد بين أسفارنا على وجه السخرية والاستهزاء بذلك. والنعمة إذا أتت للإنسان فلم يصنها استحق الحرمان، واستحق أن تضيع منه هذه النعمة، ومن فرط في النعمة، واستهزأ بها، وضيعها، وأتلفها، ضاعت منه النعمة ولم ترجع إليه مرة ثانية، فهؤلاء القوم كانوا أهل حضارة، فأهل التاريخ يقولون عن قوم سبأ: كانت لهم دولة عظيمة استمرت فترة طويلة جداً، وكانت دولة ذات حضارة عريقة، قامت في اليمن، قبل ميلاد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام بأكثر من ألف عام، وكانت دولة عظيمة قوية. وهنا نقول: مدينة بمعنى بلد، ولكن حين يقولون: دولة، يعني لهم حضارة، وسمعة مشهورة بين الدول التي بجوارها، ويحتاجون إليها، فكانت مثل دولة الفرس، ودولة الروم، فلما طغوا وبطروا نعم الله سبحانه، دمرهم وأهلكهم بأشياء عجيبة جداً، لأنه هو الذي منحهم نعمة الماء، ونعمة الهواء، والجبال العالية التي كانوا فيها، يسيل الماء بينها، وهو الذي منحهم عقولاً تفكر كيف تستغل هذه المياه لزراعة هذه الجبال العالية، ومعلوم أن المزارع التي في مستوى عال عن الأرض هي من أخصب ما يكون، وأن هواءها أفضل الهواء، فالله أعطاهم تفكيراً يفكرون به كيف يرفعون هذا الماء إلى هذا العلو، فبنوا سد مأرب بين جبلين عظيمين، وغرسوا فوق الجبال، وزرعوا، وأنبت الله نباتاً حسناً عظيماً، لا يوجد في أي بلد مثله، وقد امتن الله عليهم به، فكان الواجب عليهم أن يعرفوا نعمة الله عليهم فيعبدوه، ويشكروه سبحانه، ولكنهم أبوا إلا الكفر والتكذيب، وصدق عليهم إبليس ظنه. وإبليس ظن في آدم أنه مخلوق ضعيف، فإن الله لما خلق آدم جعل إبليس يطوف به، فيجده مخلوقاً من طين، ويجده أجوفاً، وذلك قبل أن يخلق الله فيه الروح، فعلم إبليس: أنه مخلوق ضعيف فقال: لئن سلطت عليه لأغوينه. لقد ظن ظناً في نفسه وهو لا يعلم الغيب، وعلم الله من إبليس أن هذا تفكيره، لذلك كان تدبير الله في كونه أن يهبطه إلى الأرض، وأن يجعله عدواً لبني آدم، وأن ينزل آدم إلى الأرض بخطيئة وقع فيها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما هو معروف في كتاب الله . ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ:٢٠] فقد قال لربه سبحانه: لئن سلطتني على هؤلاء، لأغوينهم، ﴿وَلَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فإبليس لم يطلع على الغيب، وإنما قالها ظناً من عند نفسه، وقال لله : ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢] أي: أنا لن أترك هؤلاء، وهذا القول قاله بظنه، فلقد صدق إبليس على هؤلاء القوم وعلى غيرهم ظنه، وهذه قراءة الكوفيين: عاصم وحمزة والكسائي وخلف، أما قراءة المدنيين والمكيين والبصريين والدمشقيين فيقرءونها: (ولقد صَدَقَ عليهم إبليس ظنه) أي: أن ظن إبليس صدق على هؤلاء فيما ظنه أنه يغوي ذرية آدم، فسلط عليهم وأغواهم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠]، فلما قال إبليس لربه: لأغوينهم أجمعين، قال الله : ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢]، فعباد الله المؤمنون الصالحون المقربون، ليس لإبليس سلطان عليهم، بل يهديهم الله ، ويدلهم على الخير، ويعينهم عليه، وينصرهم على عدوهم الشيطان، فيجتنبوا مكره وكيده، ويعتصموا بالله ، فهؤلاء هم الذين ينجيهم الله . فالبعض وهم القلة من المؤمنين الذين عبدوا الله سبحانه، ولم يتبعوا الشيطان، ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ:٢١] أي: إبليس حين أضل هؤلاء وأغواهم لم يكن يملك أن يحولهم من شيء إلى شيء، ولذلك حين يدخل إبليس النار مع عصاة بني آدم يختصمون ويستغيثون ويسألون من يخرجهم من النار، فيقول لهم إبليس: ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: لا أنا سأستجيب لصراخكم وأخرجكم، ولا أنتم ستستجيبون لصراخي وتخرجوني من النار، فكلنا فيها والعياذ بالله، ثم يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: لم تكن لي عليكم حجة، فالحجة لله ، الذين نزل عليكم الكتاب، وأرسل إليكم الرسل، أما أنا فليس لي أي حجة عليكم، فلم أرسل إليكم أحداً وإنما وسوست لكم فصدقتموني، واتبعتموني، فيتبرأ إبليس منهم ويتبرءون منه، كما يقول الضعفاء للكبراء: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]، فيقول المتبعون الكبراء لهؤلاء الأتباع الأصغار: أنحن أضللناكم وأزغناكم عن هدى الله بعد إذ جاءكم؟ لا، بل أنتم كنتم مضلين: ﴿بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ:٣٢]، ثم إن المتبوعين يتبرءون من التابعين لهم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٦٦ - ١٦٧] أي يقول: التابعون الصغار يوم القيامة حين يرون أسيادهم تبرءوا منهم: لو أنا نعود إلى الدنيا مرة ثانية من أجل أن نتبرأ منهم كما تبرءوا منا! يقول الله : ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧]، فالذي ضل في الدنيا قد عرف الحق، والله قد أعذر إلى خلقه، وأنذرهم وأنزل إليهم الكتب، وأرسل إليهم الرسل، وجعل الفطرة في قلوبهم، وجعل لهم عقولاً بحيث يعرفون بها الخطأ من الصواب، وهذه منه من الله الحكيم سبحانه.

стр. 2174

تفسير قوله تعالى: (وما كان له عليهم من سلطان) إبليس لم يأتهم بأي حجة: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [سبأ:٢١]، لذلك يقول إبليس وهو في النار: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢] أي: أنتم كنتم تعبدونني من دون الله، وأنا كفرت بعبادتكم: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]. قال الله في هذه الآية: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]. إلا هنا للاستثناء ويسمونه: الاستثناء المنقطع، والمعنى: لكن الشيطان فعل بهم ذلك، لنعلم علم شهادة، ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]. إذاً: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ معناها: ولكن لنعلم، وهل لم يكن يعلم قبل ذلك ؟! حاشا له سبحانه، فالله يعلم كل شيء. وعلم الله علمان: علم غيب: فقبل أن يوجد الخلق علم كل شيء ، وعلم شهادة: وهو الذي يحاسب الله العباد عليه، ومستحيل أن يختلف علم الشهادة عن علم الغيب، فعلم الغيب: هو قبل أن يوجد الإنسان، فلما أوجد الإنسان وفعل الأشياء رآها الله سبحانه، وسمعها وعلمها فسمي علم شهادة. فالله لا يحاسب الإنسان على علمه الغيبي به، بل يحاسبه على علم الشهادة، لتكون الحجة لله سبحانه. وعلم الشهادة هو الذي يذكره الله هنا، يقول: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [سبأ:٢١] أي علم شهادة: ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ﴾ [سبأ:٢١]، أي: من يؤمن فيعمل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ:٢١]، والذي يشك في الآخرة كافر بعذاب الله ، وبحسابه، والذي يشكك لا يعمل، كالمنافقين الذين قالوا: آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم، قال الله سبحانه، ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ:٢١] أي: يحفظ عليك كل ما تفعله. وذكرنا قبل ذلك أن الله سبحانه إذا ذكر اسمه العليم فإنه يدل على أنه قد علم بكل شيء ظاهراً وباطناً أولاً وآخراً، وأنه قد علم ما يجهر به الإنسان وما يسره ويخفيه ، فإذا قيد بصفة من صفاته كصفة الخبير، فإن المقصود منها علم الشيء الخفي الذي لا يظهر. فإذا ذكر أنه الشهيد سبحانه بمعنى العليم بالشيء المشاهد فإنه يدل على علم الله سبحانه بما هو مشاهد وما هو ظاهر. فإذاً: للعلم الخفي الخبير، وللعلم الظاهر الشهيد، فإذا كان يعلم ويحصي عليك، فهو الحفيظ ، فإنه يحفظك، ويحفظ ملائكته، ويحفظ جميع خلقه، كما أنه جعل للإنسان معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله، فإذا نزل القضاء والقدر من السماء، أصاب ما أراده الله ولم ينفع صاحبه بشيء، فالله يحفظ خلقه سبحانه، ويحصي عليهم أعمالهم فهو الحفيظ وهو المحصي .

стр. 2175

تفسير قوله تعالى: (قيل ادعوا الذين زعمتم من دون الله) قال : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله وهذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، والخطاب لجميع الكفار وخصوصاً كفار قريش الذين نزل القرآن وهم يسمعونه من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وفيه هذه القصة، قصة سبأ، وقصة سليمان، وقصة داود، عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ليتعظوا ويتدبروا ويعتبروا بأمر هؤلاء فيكونوا مؤمنين، ولا يكونوا مع الكافرين، فلما أصروا على كفرهم بالنبي ﷺ وبما جاء به، قال لهم الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ:٢٢] بكسر اللام وهي قراءة عاصم وقراءة حمزة وقراءة يعقوب: وباقي القراء يقرءونها: (قُلُ ادعوا) بالضم. (لا يملكون مثقال ذرة) أي: هل يملكون مثقال ذرة أي: قدر نملة؟ وهنا يمكن للإنسان أن يدعي ويقول: أنا أملك مالاً، وأملك كذا، وعندي بيت، وعندي كذا، فنقول له: هل تستطيع أن تحتفظ بهذا الشيء إلى أن تموت ولا أحد يأخذه؟ وهل تستطيع أن تخلد نفسك؟ لا، إذاً: فليس ملكك ملكاً حقيقياً، وإنما هو استخلاف من الله استخلفك عليه، وستزول ويبقى الشيء ثم ينتقل إلى غيرك بعد ذلك، فلا يزعم إنسان أنه يقدر أن يخلق نملة، فلن يستطيع مهما أوتي من علم، ومهما أوتي من قوة، فلن يقدر على ذلك. فإذا تبجح إنسان وقال: أنا أستطيع أن أفعل، قلنا بقول الله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل:٦٤]، فما قدروا ولا استطاعوا ولا يستطيعون أبداً على ذلك. ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: ليس لهذه الأصنام التي تعبد من دون الله سبحانه شرك يعني جزء، تقول: فلان شريكي في هذه الأرض، أي: أنت تملك جزءاً وهو يملك جزءاً آخر، فهم لا يدعون أنهم يملكون ذلك، وإن ادعوا ذلك علمنا بالضرورة كذبهم. قال: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا﴾ [سبأ:٢٢] يعني: في السموات ولا في الأرض، يعني: ليس لهم نصيب في السموات ولا في الأرض، ولا يقدرون على تدبير أمر السموات ولا أمر الأرض، ولا يقدرون أن يأتوا بالشمس من المغرب بدلاً من أن يأتي بها الله من المشرق، فهم لا يقدرون على شيء ولا يزعمون ذلك. قال سبحانه: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: ليس لهم مقاسمة مع الله، ولا شرك لهم مع الله سبحانه في ذلك، وليس لله من خلقه ظهير، والظهير: هو المظاهر والمعين، فلا يحتاج ربك إلى أحد يتظاهر به، أي: يتقوى به حاشا له ، فالكل يحتاج إلى الله، والله لا يحتاج إلى أحد من خلقه سبحانه، ما له منهم من ظهير.

стр. 2176

تفسير قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، ونفي الشفاعة، وكرر الله ذكره في كتابه: ﴿منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ [البقرة:٢٥٥]، ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧]. والشفاعة من الشفع، والشفع عكس الوتر، الوتر الفرد الواحد، والشفع فرد آخر يأتي بجواره، حتى ينتفع هذا بهذا، فإذاً: صار الفرد شفعاً لما انضم إليه آخر، والشفاعة فيها هذا المعنى، فالإنسان يأتي يوم القيامة وحده منفرداً إلى الله ، ويهيئ الله من يشاء من خلقه أن يشفع لهذا الإنسان المؤمن، فيشفع رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وتشفع ملائكة الله، فيقفون بجوار هذا ويقولون لله: كان يفعل كذا وكذا، يا رب ارحمه، يا رب أخرجه من النار، وشفع الرسول للخلق، بمعنى: وقف بجوارهم، ودعا ربه سبحانه، أن ينجيهم مما هم فيه، فهذه هي الشفاعة يوم القيامة. يقول الله مؤكداً على المعنى الذي في هذه الآية، وأنه لا أحد يجرؤ على الشفاعة إلا بإذن الله ، لا ملك مقرب، ولا رسول مرسل، ولا أحد من خلق الله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، أي: إلا أن يأذن الله، ولذلك الشفاعة العظمى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، -نسال الله أن يجعلنا من أهل شفاعته عليه الصلاة السلام-، هي أنه يأتي تحت عرش الرحمن سبحانه، ويخر لله ساجداً، ويفتح الله عليه من المحامد يعلمها إياه في ذلك الموقف العظيم، ويتركه ما شاء ، إثباتاً لربوبيته سبحانه، وإلهيته، وإثباتاً لعبودية كل خلقه، فهذا رسوله وخليله وحبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه، يظل ساجداً حتى يأذن الله له ويقول: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع. فإذاً: لا تكون الشفاعة إلا بعد أن يأذن رب العالمين . قال سبحانه: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وهذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي وخلف: (إلا لمن أُذن له) فإذاً: هنا أَذن وأُذن، أذن الله بمعنى أعلم، وأُذن يعني جاء الإذن من عند الله سبحانه وتعلى للشافعين أن يشفعوا. ويوم القيامة فيه شفاعات، وهذا من رحمة رب العالمين ، فيشفع المؤمنون بعضهم في بعض، بإذن الله سبحانه، فيخرجون من شاء الله من النار من عصاة الموحدين.

стр. 2177

معنى قوله تعالى: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم) يقول سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] أي: إذا تكلم الله سبحانه أخذت الخلق الهيبة من الله ، حتى كأنهم يغشى عليهم أو يصعقون من الخوف من الله ، فيفزع عن قلوبهم، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ [سبأ:٢٣] للبناء للمجهول، وهذه قراءة الجمهور: وقراءة ابن عامر ويعقوب، (حتى إذا فَزَعَ) أي: أزال الفزع عن قلوبهم، و ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ [سبأ:٢٣] أي: أزيل الفزع عن قلوبهم. فهم فزعوا حين تكلم رب العزة سبحانه وخافوا منه وأخذتهم هيبته، ففزع عن قلوبهم، وكشف عنها الخوف، وأذن لهم أن يشفعوا فيمن أذن الله له بالشفاعة، فيقول بعضهم لبعض: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ [سبأ:٢٣] أي: فيقولون: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ:٢٣]، أذن لنا : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. وهل هذا يوم القيامة فقط فزع عن قلوبهم، أو في كل وقت؟ الظاهر من الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ أن هذا في كل وقت يحدث من ملائكة الله الذين هم في السماء، وقد جاء عند الترمذي من حديث أبي هريرة وهو صحيح، قال: (إذا قضى الله في السماء أمراً). أي: إذا أراد الله شيئاً نادى بذلك الشيء: فيفزع جميع من في السماء لما قضاه الله سبحانه، ويظنون أن الساعة قد قامت، ويخافون من عذاب الله ، فيصعقون، فأول من يفيق جبريل فيأمره الله أن افعل كذا وكذا، فينزل جبريل على الملائكة، ويفزع عن قلوبهم، أي: يصرف الفزع عن قلوبهم، فيسألون جبريل: ماذا قال ربنا؟ فيقول جبريل: قال الحق يعني: قضى ربنا بالحق، يقول أبو هريرة عن النبي ﷺ : (إذا قضى الله في السماء أمراً، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنها سلسلة على صفوان) أي: أنه من شدة فزع الملائكة من ربها ، تضرب بأجنحتها، فيحدث صوت فضيع، مثل ضرب السلاسل على الحجر أو على الحديد. وذكر في هذا الحديث أن الشياطين يكون بعضها فوق بعض، تسترق خبر السماء، فإذا وصل أمر الله إلى السماء الدنيا، يشاء الله أن تسمع بعض الشياطين ما تقول الملائكة، فتخطف الخبر من السماء، ويرسل الله عليهم شهاباً يحرق من يشاء الله سبحانه، ويشاء الله أن يصل الخبر إلى الأرض، فتلقيه الشياطين إلى الكهنة من الإنس، فإذا بالكاهن يحدث ويقول: سيحدث في يوم كذا كذا بما أخبره به الشيطان، ويزيد الشيطان على ذلك مائة كذبة، فيخبر بها الكاهن أيضاً، فيجد الناس ما ذكره الكاهن من أنه سيحصل في اليوم الفلاني كذا، فيزعمون أن الكهنة يعلمون الغيب، وهذه من الفتن والابتلاءات التي يبتلي الله بها عباده. ثم يقولون: ألم يخبركم أنه سيحصل يوم كذا وكذا، وقد صدق فيه، فصدقوه، فيصدقون الكهان، فجاء النبي ﷺ يبين أن الكاهن لا يعلم شيئاً من الغيب، وأنه لا يجوز لأحد أن يصدق الكاهن قال: (من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول: فقد كفر بما أنزل على محمد). ولو أن كلام الكهنة كله كذب، ما احتاج الناس أن يقول لهم رسول الله: كلام الكهنة كذب، ولكن الله يشاء أن يقولوا بالشيء من الصدق، ابتلاءً للعباد، هل سيتبعون النبي ﷺ فيما يقول أم سيتبعون الكهنة ويصدقوهم فيما يقولون؟ فلابد من هذا الابتلاء للخلق، وهو لحكمة أرادها الله . ولما خلق الله الجنة والنار، أمر جبريل أن يذهب وينظر، فنظر إلى الجنة فقال: والله لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ويخلق الله النار ويقول: اذهب فانظر، فينظر جبريل إلى النار فيقول: والله لو سمعوا بها ما دخلها أحد. ثم إن الله أحاط الجنة بالأشياء المكروهة التي يكرهها الإنسان، فهو يكره أن يجاهد في سبيل الله، ويكره أن يؤذى، ويكره أن يصبر على المخاطر التي حفت بها الجنة؛ لأن الأعمال التي تدخل الجنة هي الأعمال الشاقة الصعبة، ويأمر جبريل أن ينظر فيقول: والله أخشى أن لا يدخلها أحد! أي: لأنها حفت بما يكرهه الناس، ثم يقول لجبريل: اذهب وانظر إلى النار، وقد أحاطها بالشهوات، فيذهب وينظر، ويرجع إلى ربه ويقول: يا رب! أخشى أن يدخلوها كلهم. إن دخول الجنة ليس بالأمر السهل، فمن أراد أن يدخل الجنة فعليه أن يؤمن ويصدق ويبتلى فيصبر، فيرى الشهوات أمامه، ويتركها خوفاً من الله ، ويرى أعمال الخير وهي شاقة صعبة عليه فيعملها، فيصوم في اليوم الحار، ويتذكر الجنة ونعيم الجنة، والموقف بين يدي الله ، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وحين تدنو الشمس من الرءوس، فهذه الشمس البعيدة عنا، التي تحرق الرءوس في الصيف، تدنو من رءوس الناس يوم القيامة، ويسيل العرق من الإنسان حتى يغطي من بعض الناس رءوسهم، لأنهم لم يبذلوه في الدنيا خوفاً من الله وطاعة لله . وفي هذا الموقف يظل الله من شاء من خلقه كما قال النبي ﷺ : (سبعة يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، شاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد -إذا خرج منها حتى يرجع إليها-، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، وإمام عادل)، فالإنسان حين يتذكر ذلك، يهون عليه أن يصوم في يوم حار؛ لأنه سيلقى ربه يوم القيامة، فيؤجره على ذلك، ويكون حقاً على الله أن يسقيه في يوم العطش الأكبر؛ لأنه أظمأ نفسه لله في يوم حار، فالله يبتلي العبد بالأعمال الصالحة، فيجدها صعبة عليه، ولا يجد الذين يعينونه على الخير إلا قليلاً، والذين يمنعونه من الخير كثير، فهل تصبر على الخير وتعمله أم أنك تبتعد عنه وتتركه؟ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود:٧]. والنبي ﷺ يخبرنا كيف تخاف الملائكة من أجل أن نتعظ، فالملائكة لم تعص الله ، فإذا كان يوم القيامة وأفاقت الملائكة قالوا لله : ((سبحانك، ما عبدناك حق عبادتك))، فكيف بنا نحن الذين نخطئ أحياناً ونصيب أحياناً، نحن الذين نعصي الله ، وكل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون، نسأل الله أن يتوب علينا وأن يرحمنا، وأن يجعلنا من عباده المقربين.

стр. 2178

تفسير سورة سبأ [٢٣ - ٢٧] لقد استخدم النبي الكريم ﵊ أساليب عدة في دعوته، ومن هذه الأساليب: استثاره عقول المشركين واستنهاض أفكارهم؛ وذلك بسؤالهم أسئلة يقرون في إجابتها بألوهية الله ﵎، وهذا الأسلوب ذكره الله في سورة سبأ، فينبغي للدعاة مراعاة هذا الأسلوب الحكيم في دعوتهم.

стр. 2179

تفسير قوله تعالى: (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة سبأ: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٣ - ٢٦]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات أنه لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ذلك، والله ذكر في مواضع في كتابه أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا بإذنه كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. فالله سبحانه ﵎ لا يأذن لأحد أن يشفع إلا إذا أراد الله في وقت بعينه سبحانه ﵎؛ ولذلك ذكر في حديث الشفاعة: (أن النبي صلوات الله وسلامه عليه يخر تحت العرش ساجداً فيدعو لله ويثني عليه ثم يأذن له بعد ذلك سبحانه ﵎ بالشفاعة العظمى). قال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣] أي: إلا لمن أُذن له أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ﴾ [سبأ:٢٣] فالخبر ينزل من السماء فتأتي به الملائكة يحملون خبر الرحمن سبحانه ﵎، وينزل به جبريل ومن يسمع من الله سبحانه والله سبحانه ﵎، ويبعث إلى من يشاء من خلقه بأمره سبحانه، فإذا بأمر الله ينزل، والملائكة تسمع أمر الله وتخر لله سبحانه ﵎ من هيبته ومن خشيته ويصعقون إذا سمعوا نداء الله سبحانه ﵎؛ فزعين يظنون أن القيامة على وشك أن تقوم، فإذا به يفزع عن قلوبهم أي: يذهب الفزع عن القلوب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣] أي: أزال الفزع عن قلوبهم سبحانه، وقالت الملائكة تسأل جبريل: ماذا قال ربنا؟ فيقول: قال الحق، أي: قضى بالحق سبحانه ﵎، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]، العلي الكبير المتعال سبحانه ﵎، فهو العلي وعلوه علو ذات وعلو شأن وعلو في مقداره، وعلوه فوق سماواته على عرشه استوى كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وكما قال: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك:١٦]، وكما جاء في سؤال النبي ﷺ للأمة التي لطمها سيدها وأراد أن يعتقها فقال النبي ﷺ : (ائتني بها)، فسألها النبي ﷺ ليتبين له إيمانها، فقال لها: (من أنا؟ قالت: أنت رسول الله)، قال: (أين الله؟ فأشارت بيدها إلى السماء فصدقها النبي ﷺ وقال: اعتقها فإنها مؤمنة). ولو أخطأت في قولها وإشارة يدها لبين لها النبي ﷺ ولم يقرها على خطأ، فالقرآن والسنة يدلان على أن الله سبحانه فوق السماوات مستو على عرشه بائن من خلقه سبحانه ﵎. وكذلك في رفع الأيدي إلى السماء أثناء الدعاء دليل على علو الله، والنبي ﷺ جاءت عنه أحاديث كثيرة أنه رفع يديه إلى السماء ودعا ربه صلوات الله وسلامه عليه، فالغرض أن الله هو العلي، فهو علي بذاته سبحانه فوق سماواته، وعلي بقهره فوق خلقه، قهر جميع خلقه سبحانه فلا أحد يعترض على الله سبحانه على أمره الكوني القدري، أما إذا جاء قضاؤه وقدره فلا يقدرون أن يفروا من قضاء الله وقدره سبحانه ﵎، فهو العلي الغالب سبحانه، غلبهم بقضائه وقدره، وغلبهم بحكمه وحكمته سبحانه ﵎، وهو العلي في شأنه، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]. وهو الكبير، أكبر من كل شيء سبحانه ﵎، أرانا في خلقه الأشياء الكبيرة فأرانا الجبال وقال لنا سبحانه ﵎: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٢٧ - ٣٣]. أأنتم أشد خلقاً أم هذه الأشياء؟ فالإنسان ينظر إلى الأرض من حوله، وإلى السماوات ولكنها لا تساوي شيئاً مقارنة بهذا الكون الكبير، والله سبحانه فوق ذلك، فهو العلي الكبير سبحانه ﵎. فإذا عرف الإنسان أن هذا الكون كبير فإن الذي خلقه سبحانه ﵎ أكبر منه وأكبر من كل شيء، فهو العلي أن يدرك، فهو أكبر من كل شيء سبحانه ﵎.

стр. 2180

تفسير قوله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض) يقول الله سبحانه ﵎ مؤنباً المشركين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْض ِوَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] أي: من الذي يرزقكم؟ هل يرزقكم أحد إلا الله؟! فالله يقول: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ويقول سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] سبحانه ﵎. فالله هو الخلاق العظيم، وقد أقر المشركين بأن الله سبحانه هو الذي خلقهم وهو الذي يرزقهم فيستجيرون ويستغيثون به سبحانه أن يعطيهم، وانظر إلى فرعون كيف أن الله سبحانه ﵎ أرسل إليه موسى يدعوه إلى الله سبحانه فأبى وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وقال لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، وقال لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]. فكان جزاؤه ما قال الله : ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فذهبوا إلى موسى يهرعون إليه يقولون: يا موسى! ﴿يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف:٤٩] أي: ادع لنا ربك مثلما أتى لنا هذا البلاء يكشف عنا هذا البلاء. فعلموا أن الله سبحانه هو الذي يحكم ولا معقب لحكمه، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، قال هذا فرعون وقومه لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد أرسل الله عليهم الطوفان لما وجدوا الماء يغرق كل شيء فجأروا إلى موسى: ادع لنا ربك ونحن سنؤمن معك. فانتهى الطوفان بدعاء موسى وبدأت الأرض تزرع فرجعوا إلى كفرهم ولم يصدقوا فيما وعدوا موسى وكفروا به، فأرسل عليهم الجراد فأكلت زروعهم جميعها، فجأروا إلى موسى: ادع لنا ربك حتى يكشف عنا ما نحن فيه، ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]. فذهب عنهم الجراد بدعاء موسى فزرعوا وجمعوا حصادهم وجعلوه في خزائنهم ثم لم يؤمنوا بموسى فأرسل الله عليهم أنواعاً مختلفة من العذاب ولكنهم لم يؤمنوا بما يدعو إليه موسى. فحل العذاب على فرعون فأغرقه سبحانه ﵎ بذنبه وظلمه وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا. فالله سبحانه يقول لهؤلاء الكفار: من يرزقكم؟ فإذا بهم يقولون: الله، فهم لا يقدرون أن ينكروا ذلك وقد أراهم الله آية من الآيات فقد دعا عليهم النبي ﷺ فقال: (اللهم! أعني عليهم بسنين كسني يوسف)، وكان هذا لما آذوا النبي ﷺ في مكة أشد الأذى، فإذا به يستغيث بربه، وإذا بالله يمنع عنهم المطر، وإذا بهم لا يجدون نباتاً ولا طعاماً ولا ماءً يشربونه إلا الشيء القليل، فإذا بهم يجأرون للنبي ﷺ ، وقد أكلوا الجلود وأكلوا الميتة، ثم ذهبوا للنبي ﷺ يناشدونه بالله والرحم. فعرفوا أن الله هو الذي يرزق سبحانه، فذكر هؤلاء الذين ينكرون ألوهية الله سبحانه ﵎ أنه الإله الواحد الذي يستحق العبادة، والذين يقولون بالشرك كاذبين: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، قل لهؤلاء: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ و الجواب هو الله سبحانه الذي يرزق في السماوات والأرض، وينزل الرزق بقضائه وقدره من السماء فيرسل السحاب وينزل المطر وينزل ما يشاء من رحمته من السماء، وينبت لهم من الأرض ما يشاء سبحانه من بساتين وجنات ويخرج لهم الحبوب والثمار. قال سبحانه: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ:٢٤] إن لم يجيبوا وإذا تعنتوا فقل لهم: إن الله هو الذي يفعل ذلك. فالرب الصانع هو الذي يفعل ذلك سبحانه، وهم لم ينكروا ذلك، ولكن أنكروا أن يعبد وحده سبحانه ﵎، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] ولكن الله قال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سبأ:٢٤] فإذا قالوا: الله هو الذي يرزقنا، فأليس الإله الذي يرزق هو وحده الذي يستحق العبادة؟! وهل أصنامكم هذه ترزقكم أو تعطيكم؟! وكانوا مستيقنين أن أصنامهم لا تعطيهم شيئاً ولا تدفع عنهم ولا عن أنفسها شيئاً، لا تملك نفعاً ولا ضراً، ولكنهم كانوا مصرين على طغيانهم. سورة سبأ مكية كما ذكرنا قبل ذلك، وتخاطب عقول المشركين وتدعوهم بلطف وبرحمة من الله سبحانه ﵎، فيخاطب عقولهم وكأنه يقول لهم: فكروا من الذي يرزقكم؟ فإذا كان الله هو الذي يرزقكم ألا تعبدونه وحده سبحانه ﵎؟! وهلا عبدتموه وتركتم ما تشركون من دونه سبحانه ﵎؟! فأجاب عنهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ [سبأ:٢٤]. ثم خاطبهم وقال لهم هذه المقالة اللطيفة: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، وفي هذا تلطف في المخاطبة وفي الدعوة إلى الله سبحانه، أي: أحدنا على هدى وأحدنا على ضلال، ويقيناً نحن على هدى وأنتم على ضلال، ولكن لم يقل لهم ذلك على وجه التنزل في المناظرة مع الخصم. والإنسان إذا ناظر خصمه وأراد أن يكسبه يقول له: هب أن كلامك كان صواباً، أليس يكون كذا وكذا، وهو يعلم أن كلامه خطأ مائة في المائة. فيقول سبحانه أمراً نبيه أن يقول لهؤلاء: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤]، على هدى إن عرفنا من الذي خلق السماوات والأرض فعرفنا حقه وقدرنا قدره فعبدناه سبحانه، أو في ضلال مبين إن عرفنا أنه الخالق الرزاق الكريم سبحانه فعبدنا غيره سبحانه ﵎. وإذا كان الإنسان لا يقبل من عبده أن يذهب إلى غيره فكيف يقبل لربه سبحانه أن يذهب هذا الإنسان العبد عن ربه إلى غير الله سبحانه ﵎، ولذلك ضرب يحيى بن زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام لقومه لهم المثل في الشرك بالله سبحانه ﵎، وقد ذكره لنا النبي ﷺ ، وهو أن يحيى بن زكريا أمره الله بخمس كلمات أن يأمر بهن بني إسرائيل ويأمرهم أن يعملوا بهن، فكأنه تأخر يحيى بن زكريا ﵊، فقال له عيسى ابن خالته: إن الله أمرك بخمس تأمر بهن بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فإما أن تقوم وإما أن أقوم أنا. فقال: لا بل أقوم أنا، فقام يحيى بن زكريا وقال لهم هذه الأشياء الخمس التي أمره أن يقولها، أولها وهو الشاهد- قال لهم في توحيد الله سبحانه ﵎: إن الله أمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، ومثل من يشرك بالله كمثل رجل ابتنى داراً واشترى عبداً وقال لعبده: هذا عملي وهذه داري، فاعمل وأد إلي، أي: اجمع الأجر وضعه في داري، فكان العبد يأخذ المال ويعطيه لغير سيده! فأيكم يحب أن يكون عبده كذلك؟! فلا أحد يقبل ذلك، فكيف يقبلون أن يوجهوا العبادة لغير الله الذي خلقهم ورزقهم وسخر لهم الأرض ليعملوا وقال: اعبدوني وكلوا واشربوا ولا تشركوا بالله سبحانه ﵎، بل اشكروا لله سبحانه ﵎. فقال لهم هنا: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٢٤] أي: بين واضح وأصلها مبين.

стр. 2181

تفسير قوله تعالى: (قل لا تسألون عما أجرمنا) يقول الله سبحانه ﵎: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٢٥] أي: قل لهؤلاء لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ولا حجة بيننا وبينكم لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ وأنتم ستسألون عما تفعلون ونحن نسأل عما نعمل. ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ:٢٥] أجرم الإنسان: وأصله من الجرم، والجرم هو الجريمة أو الذنب، وقد يأتي الجرم بمعنى: الكسب، ومنه قول الله : ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:٢]. (لا يجرمنكم) أي: لا يدفعنكم هذا لعمل الخطأ، فلا يدفعنكم لكسب شيء تخطئون فيه، فأجرم في كذا واجترم بمعنى: كسب، وكثيراً ما تكون في الشر بمعنى اكتساب الذنب، وهنا تفنن القرآن في ذكر المعنيين، قال تعالى: ﴿قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سبأ:٢٥] أي: عما كسبنا في زعمكم من شر، وعما فعلناه من شرور فلا تسألون عن ذنوبنا. قال تعالى: ﴿وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٢٥] ويظهر فيها التلطف فلم يقل: عما تجرمون وإنما قال: ﴿وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ:٢٥]، ولو أنه قال لهم: عما أجرمتم فسيعرضون عن النبي ﷺ ، وقال لهم ذلك تلطفاً لعلهم يدخلون في دين الله. وقد دعاهم النبي ﷺ في مكة ثلاث عشرة سنة، وهو يتلطف لهم في القول صلوات الله وسلامه عليه، ويزدادون تعنتاً، وقام بواجبه على أكمل وجه، ولم يؤمن معه من هؤلاء من أهل مكة إلا العدد القليل من أهل مكة، فلما هاجر إلى المدينة فتح الله له القلوب والعقول ودخلوا في دين الله سبحانه ﵎، فتعلموا العلوم العظيمة من دين رب العالمين، فصار للإسلام قوة بعد ذلك، فلم ينفع مع المشركين إلا القوة بعد ذلك، والجهاد في سبيل الله سبحانه. فقد عاملهم بالرأفة والرحمة واللطف والدعوة إلى الله سبحانه، ولكنهم تعنتوا معه ﷺ ولم يدخلوا في دينه، بل منعوا الناس عن الدخول مع النبي صلوات الله وسلامه وتهددوه وخوفوه، فأخبر ربنا سبحانه ﵎ على لسان النبي ﷺ لهؤلاء الكفار أنكم مسئولون عن أفعالكم ونحن مسئولون عن أعمالنا أيضاً، ما اكتسبناه فهو لنا وما اكتسبتموه فهو عليكم، لا نسأل عن أعمالكم ولا تسألون عن أعمالنا.

стр. 2182

قال تعالى: (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق) قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦] أي: يوم القيامة، فلابد وأن نجتمع في يوم من الأيام، ونختصم معكم بين يدي الفتاح بمعنى: القاضي الحاكم سبحانه ﵎. ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ:٢٦] أي: يفصل بيننا في الخصومة. والله يجمع بيننا يوم القيامة لفصل القضاء، ثم يفتح أي: يفصل في الخصومة ويقضي ويحكم سبحانه ﵎ بالحق سبحانه، وهو الفتاح الذي يقضي الحكم العدل سبحانه، فهو الفتاح الذي يقضي بين عباده سبحانه ويحكم بينهم يوم القيامة بعلم. وكم من قاض في الدنيا من الناس يقضي على شيء من العلم والبينات، وكم من قاض يقضي على جهل في الدنيا، فالله سبحانه ﵎ عندما يذكر أنه سيقضي فهو العلام العليم، عالم الغيب والشهادة. قال: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ:٢٦] أي: في قضائه سبحانه وفي الفصل بين الخصومات. والله يوم القيامة منهم من يخفف حسابه ومنهم من يشدد عليه في الحساب، ومنهم من يكون الموقف بالنسبة إليه كوقت ما بين الفجر إلى الظهر ومنهم من يكون وقتاً طويلاً يستشعر الخمسين ألف سنة بين يدي الله ، نسأل الله أن يخفف عنا وأن يدخلنا الجنة بغير حساب. قال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ [سبأ:٢٦] الذي يفتح بين خلقه بعلمه سبحانه ﵎ وهذا بمعنى أنه هو القاضي الذي يقضي بين الخلق سبحانه ﵎، وإن كان الفتاح بمعنى الذي يفتح لعباده أبواب الرزق أيضاً فهو يفتح أبواب الرزق لعباده، ولكن المقصود هنا الذي يختم به الآية: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ:٢٦] بمعنى: يفصل بيننا. وهذا معنى من معاني الفتاح وهو: القاضي الذي يحكم بيننا يوم القيامة ويقضي بيننا بالحق سبحانه بعلم سبحانه ولا يحتاج إلى أحد.

стр. 2183

تفسير قوله تعالى: (قل أروني الذين ألحقتم به شركاء) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ:٢٧] وهنا المخاطبة لعقول المشركين الذين يعبدون الأصنام من دون الله: أروني هؤلاء: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ [سبأ:٢٧]. قال: ﴿أَرُونِيَ﴾ [سبأ:٢٧] أي: أرني أيها المشرك! ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ﴾ [سبأ:٢٧] أي: الأصنام كيف هم شركاء لله سبحانه ﵎؟! وكيف ينازعون الله سبحانه ﵎ في ملكه وفي خلقه وفي عباده وفي عمله سبحانه؟! هذا مستحيل ولا يكون أبداً! وكأنهم لو قالوا: تعالوا نريك، يقول: لا تقدروا على هذا وإنكم تزعمون وتكذبون، فهذا على معنى الرؤية القلبية. قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ:٢٧] الله وحده الذي يستحق العبادة العزيز الغالب القاهر الذي لا يغالب والذي لا يمانع سبحانه ﵎، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ:٢٧] الذي له الحكمة البالغة. وذكرنا قبل ذلك أن (الحكيم) له معان، وكلها ترجع إلى حكمة الله وإلى حكم الله سبحانه وإلى إتقان الله سبحانه ﵎ في خلقه، فهو الحكيم الذي له الحكمة البالغة، فلا خلل في كونه سبحانه، خلق المؤمن وخلق الكافر ولا خلل في ذلك، بل أراد سائر ذلك سبحانه، وهذه حكمة منه سبحانه ﵎. وخلق السماوات وخلق الأرض، وخلق الليل وخلق النهار؛ وكل شيء خلقه بحكمة، فلا خلل في شيء من خلقه سبحانه ﵎، فهو الحكيم الذي لا يدخل في صنعه وفي خلقه سبحانه خلل. وهو الحكيم بمعنى: المتقن الذي أتقن كل شيء خلقه سبحانه ﵎. وهو الحكيم بمعنى: الحاكم بصيغة المبالغة، الحاكم الذي يقضي بين عباده سبحانه، والذي ينزل الكتب تشريعاً لخلقه ليعملوا بحكمه سبحانه ﵎، فهو الحكيم بمعنى: المحكم، وبمعنى الحاكم، وبمعنى: المتقن، وبمعنى: ذو الحكمة سبحانه الذي لا يدخل في خلقه ولا في صنعه سبحانه خلل ولا زيغ. ففتح الله له ما شاء وسيفتح له ما شاء يوماً من الأيام فإن وعد الله حق. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يدخل الإسلام إلى كل بيت من بيوت العالمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2184

تفسير سورة سبأ [٣٤ - ٣٩] من سنن الله أن جعل في الأرض مسلمين وكافرين، وجعل الصراع بين الحق والباطل قائماً إلى قيام الساعة، وبين سبحانه أن الميزان عنده هو الإيمان والعمل الصالح، وليس الدنيا والجاه والأولاد، فإنه سبحانه يعطي المؤمن والكافر، ولكنه يجازي المؤمن بإحسانه ويجازي الكافر بكفره.

стр. 2185

تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ * وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٤ - ٣٨]. أخبر الله سبحانه ﵎ نبيه صلوات الله وسلامه عليه والمؤمنين أن سنته في خلقه أنه سبحانه ما أرسل في قرية من نذير إلا واستكبر المترفون فيها، وكذبوا وأعرضوا وقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون. فليس ما يحدث للنبي ﷺ مع أهل مكة بالشيء الجديد، وليس فعلهم بالشيء الغريب عن إخوانهم المشركين الكافرين الذين كانوا من قبلهم. فكل الكفار حين يأتيهم رسول من عند ربهم أول ما يواجهونه به أنهم يقولون: أنت كذاب، ويقولون: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ:٣٤]، ويقيسون الدار الآخرة على الدنيا، فيقولون: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا﴾ [سبأ:٣٥] ويقولون: لماذا بعثك ربك أنت؟ لماذا لم يبعثنا نحن؟ نحن أعطانا الأموال وأعطانا الأولاد فنحن نستحق الدنيا فكذلك نستحق الآخرة، وبدل ما يبعثك أنت يبعث واحداً منا!

стр. 2186

تفسير قوله تعالى: (وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين) قال : ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ:٣٥] بمعنى: أن ربنا أكرمنا في الدنيا بالمال والولد فكيف سيعذبنا يوم القيامة؟ فلو أن هناك يوم قيامة فأيضاً سيعطينا الكثير كما أعطانا في هذه الدنيا.

стр. 2187

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون) قال الله مجيباً لهؤلاء آمراً نبيه ﷺ أن يقول لهم: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سبأ:٣٦] لا يبسط الرزق للمؤمنين فقط، ولا يبسط الرزق للكافرين فقط، لا يبسط الرزق لهؤلاء لأنه يحبهم ولا لهؤلاء لأنه لا يحبهم، ولكن الله يبسط الرزق لمن يشاء، فمن شاء بسط له في الرزق وأعطاه المال الوفير والرزق الكثير، ومن شاء ضيق عليه وأعطاه المال القليل والرزق القليل، فالله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، أي: يقدر ويضيق على من يشاء سبحانه ﵎. والله سبحانه عليم حكيم يقول: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف:٣٣] أي: لولا أن يصير الناس أمة واحدة على الكفر وأن يكونوا كلهم كفاراً لجعل الله الدنيا كلها للكفار. ولولا أن تكون فتنة عظيمة للمؤمنين فإذا بالجميع يصيرون كفاراً: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا﴾ [الزخرف:٣٣ - ٣٥] أي: ذهباً، ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥] ما الذي منع الله سبحانه ﵎ أن يفعل ذلك؟ من حكمته سبحانه أنه يعلم أن هؤلاء الخلق سيصلون كلهم إلى الكفر؛ لأنهم سيرون فتنة شديدة لا يقدرون عليها، فلولا ذلك لأعطى للكفار الدنيا كلها ومنع المؤمنين منها، فالدنيا ابتلاء ومحن، والدنيا لا قيمة لها عند الله سبحانه ﵎، ولذلك جاء في الحديث: (لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء). فالدنيا لا تسوى عند الله ولا حتى جناح بعوضة، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يأخذ الكثير من هذه الدنيا. فلولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعل الله هذه الدنيا للكفار ولحرم المؤمنين منها؛ فإنها لا قيمة لها، ولكن حكمة الله أبت إلا أن يعطي هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك في هذه الدنيا، كما قال : ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء:٢٠] فهو الكريم يعطي سبحانه ﵎، ولكن العطاء الأعظم هو عطاء الآخرة التي يعطيها الله للمؤمنين ويمنعها من الكفار، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ:٣٦]. إذاً: فالله يعطي الدنيا للمؤمنين ولغيرهم، فالمؤمن يعطيه في الدنيا الرزق الحسن، ويعطيه المال الصالح، ويختبره هل يتصدق؟ هل يخرج الزكاة؟ هل يتواضع بهذا المال الذي أعطاه الله سبحانه أم أنه يغتر بهذه الدنيا؟ فالله يعطي للمؤمن الصالح مالاً صالحاً يصلح لمثله، فينتفع به ويؤدي حق الله سبحانه ﵎، ويؤجر عليه عند الله سبحانه ﵎. ولذلك جاء في حديث رواه الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه قال: (بعث إلي رسول الله ﷺ فقال: خذ عليك سلاحك وثيابك ثم ائتني. قال: فأتيته وهو يتوضأ). وعمرو بن العاص ﵁ قال النبي ﷺ عنه وعن أخيه: (عمرو وأخوه مؤمنان) فشهد له صلوات الله وسلامه عليه بالإيمان. وعمرو فرح بذلك، فجاء ليبايع النبي ﷺ على الإسلام، وكان عمرو بن العاص في جاهليته من رجال قريش ومن دهاتهم رضي الله ﵎، ثم أسلم عمرو بن العاص بعد ذلك، وجاء إلى النبي ﷺ ليبايعه على الإسلام فبسط النبي ﷺ يده فقبض عمرو يده وقال: أشترط. فقال: (وما تشترط؟ قال: أشترط أن يغفر لي) أي: أن ربنا يغفر لي الذنوب التي عملتها قبل ذلك. فقال النبي ﷺ : (يا عمرو! أما علمت أن الإسلام يجب ما قبله؟) أي: إذا دخلت في الإسلام غفر الله لك ما كان قبل ذلك، فأسلم رضي الله ﵎ عنه. فهنا النبي ﷺ علم مقدرته على القتال وأنه يصلح للقيادة فقال له: (خذ عليك ثيابك) يعني: اذهب بيتك، والبس ثيابك وخذ سلاحك وتعال فقال: (ثم ائتني، فأتيته، وهو يتوضأ، فصعد فيّ النظر ثم طأطأ) يعني: نظر إليه من أعلاه إلى أسفله رضي الله ﵎ عنه، وقال له النبي ﷺ : (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك) أي: أنا أريد أن أبعثك قائداً على جيش، فالنبي ﷺ قال له: (اذهب خذ عليك ثيابك وسلاحك) فلما جاء نظر إليه من أعلاه إلى أسفله فرآه مكتمل العدة، لابس السلاح ولابس الثياب التي تصلح للحرب وللقيادة، فلما جاء قال له النبي ﷺ : (إني أريد أن أبعثك على جيش فيسلمك الله ويغنمك وأرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا أرغب لك أن يكون عندك شيء من المال، رغبة صالحة، فماذا كان جواب عمرو بن العاص؟ قال: قلت: (يا رسول الله! ما أسلمت من أجل المال) قال ذلك خشية أن يكون النبي ﷺ يتألفه بذلك، وأنه أسلم من أجل المال، فهنا لما سمع النبي ﷺ يقول: (أرغب لك من المال رغبة صالحة) يعني: أنا لست داخلاً في الإسلام من أجل المال، قال: (يا رسول الله! إنما أسلمت لأكون معك، لم أسلم من أجل المال) يعني: ولكني أسلمت رغبة في الإسلام وأن أكون معك يا رسول الله. وهذا جواب جميل من عمرو ﵁، فقال النبي ﷺ : (يا عمرو نعم المال الصالح للمرء الصالح). إذاً: الإنسان المؤمن حيث يكون معه مال هذا شيء ليس سيئاً، وليس خبيثاً، ومن أعظم المال وأصلح المال وأطيب المال ما كان من رزق حلال، ومن أعظم الرزق الحلال الرزق في الجهاد، والغنيمة في الجهاد في سبيل الله التي جعل الله سبحانه رزق نبيه ﷺ في ذلك، كما قال ﷺ : (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) يعني: رزقه من جهاده في سبيل الله سبحانه ﵎. فهنا ظهر لنا في الحديث أن النبي ﷺ يخبرنا أن المؤمن قد يكون له مال صالح ومال حلال، ولا مانع من ذلك، فمهما وجد مالاً كثيراً صالحاً فإن المؤمن يستعمله في مرضاة الله سبحانه ﵎، ولذلك ربنا سبحانه لم يحرم المؤمنين من ماله في الدنيا.

стр. 2188

تفسير قوله تعالى: (وما أموالكم لا وأولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى) قال الله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ:٣٧] يعني: إذا أعطيناكم مالاً وأعطيناكم ولداً فليس معنى هذا أن لكم منزلة عند الله سبحانه، ولذلك أعطيناكم المال والولد ويوم القيامة نعطيكم أيضاً الجنة؛ لأنكم تستحقون ذلك، ليس الأمر كذلك، فليس كونك غنياً يصير لك منزلة كبيرة عند الله؛ فالمال ليس هو الذي يقربك عند الله زلفى، وزلفى: قربى، وكأنه يقول: يقربكم تقريباً، وتقريباً: مفعول مطلق، فزلفى كأنها هنا على غير الفعل، والمفعول لغير الفعل، فهنا قال: ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] وأصلها: تقربكم عندنا تقريباً، يعني: تتقربون قربة عظيمة إلينا بأننا أعطيناكم هذه الأموال؛ لتقربكم هذه الأموال عند الله، إنما الذي يقربكم أن تستعملوها في طاعة الله سبحانه ﵎. فالذي يقربكم هو العبادة وحب الله وحب هذا الدين العظيم، وحب الرسول ﷺ وطاعة الله سبحانه وطاعة رسوله صلوات الله وسلامه عليه. فالمال لا يقرب العبد عند الله إلا أن يكون هذا العبد مؤمناً فيستعمل هذا المال في طاعة الله، فيقربه من الله سبحانه. فالله هنا كأنه يخاطب الكفار والفجار وغيرهم: أنه لم نعطكم المال لأنكم تستحقون، ولم نعطكم المال لأن المال هذا يقربكم، فأنتم لا تستحقون ذلك؛ لأنكم تستخدمون هذا المال في طاعته. وقوله: ((إِلَّا مَنْ آمَنَ)) المؤمن هو الذي نعطيه المال فينفق في سبيل الله فيستحق عند الله الأجر، ويستحق عند الله الثواب العظيم. وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [سبأ:٣٧] يعني: ولكن من آمن وعمل صالحاً، فهنا (إلا) كأنه استثناء منقطع أو أنه على الاستثناء المتصل والمعنى: ما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم أنتم أيها الكفار! إلا من كان مؤمناً فهذا تقربه؛ لأنه يستعملها في مرضاة الله سبحانه. وقوله: ((لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ)) يعني: الجزاء المضاعف عند الله سبحانه، وقد عرفنا من الأحاديث أن الحسنة بعشر أمثالها، وأن النفقة في سبيل الله تبلغ إلى سبعمائة ضعف، ويزيد الله لمن يشاء من فضله سبحانه ﵎. فهنا لهم جزاء الضعف بما عملوا: بأعمال الخير، بإيمانهم، بصدقاتهم، بإنفاقهم في سبيل الله سبحانه ﵎. وضعف الواحد اثنين، وهنا ذكر تعالى أن لهم جزاء الضعف، وقال في السورة الأخرى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠] فعرفنا بذلك أن الحسنة تضاعف عند الله سبحانه أضعافاً مضاعفة وليست ضعفاً واحداً. وقال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة:٢٦١] فضاعف سبحانه ذلك إلى سبعمائة. فقوله: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١] دلت الآية على أن الله يكثر ويزيد من ثواب المنفق في سبيله سبحانه، وذكر في الآية الأخرى أنه يضاعف ذلك إلى سبعمائة ضعف، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه في الحديث: (سبق درهم مائة ألف درهم) يعني: رجل تصدق بدرهم فكان له أجر عند الله، وآخر تصدق بمائة ألف فكان له أجر، ولكن أجر صاحب الدرهم أعظم من أجر صاحب المائة ألف، فتعجب الصحابة لذلك! فالنبي ﷺ بين لهم: أن هذا رجل يملك درهمين فتصدق بأحدهما، تصدق بنصف ماله، وهذا له مال كثير أخذ من عرض ماله مائة ألف، فسبق الدرهم المائة الألف عند الله سبحانه ﵎، والله يضاعف لمن يشاء. فالله يعطي من عنده وهو الرزاق الكريم سبحانه ﵎، ويفضل بعض الناس على بعض بما يشاء سبحانه. وقوله سبحانه: ((فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا)) هذه قراءة الجمهور. وقراءة رويس عن يعقوب: (فأولئك لهم جزاءً الضعفُ بما عملوا) فنصب (جزاءً) على التمييز، أي: أن لهم الضعف جزاء من عند الله سبحانه ﵎، فميز لهم هذا الثواب وأنه جزاء من عند الله سبحانه، كما قال سبحانه في الحديث القدسي: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فالله يجزي الثواب العظيم، وعطاء الله سبحانه عطاء غير مجذوذ. قال: ((وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)) هذه قراءة الجمهور: ((فِي الْغُرُفَاتِ)) بالجمع، وقراءة حمزة: (في الغرفة) على الإفراد. وكأن الغرفة هنا جنس، فإذا جاءت بلفظ الإفراد فيعني الإفراد ويعني التثنية ويعني الجمع. والغرفة هي أعلى ما يكون، أو هي المكان العالي الذي يحب الإنسان أن يجلس فيه، وهي أشرف المواضع، وهي أعلى الجنات عند الله ، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. وقد أمرنا النبي ﷺ فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة؛ فإنها أعلى الجنة وأوسطها وفوقها عرش الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة). فالفردوس الأعلى هو أعلى الجنة، ولا نتخيل أن الغرفة بمعنى الغرفة التي نتكلم عنها في الدنيا؛ لأنه لا تقاس الآخرة على الدنيا، ولكن الغرف في أعالي الجنات، وفيها بساتين عالية جداً، وفيها قصور للمؤمنين لا يعلم حقيقتها وما فيها إلا الله سبحانه ﵎. فقوله: ((فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)) أي: أنهم يدخلون الجنة وأعلى الجنة، ولهم من الله الأمن والأمان، ولذلك يقال لأهل الجنة: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩]. وهذه نعمة عظيمة جداً، فمن يدخل الجنة يمنع الله عنه الخوف، ويمنع عنه الحزن؛ فلا خوف ولا حزن. والخوف الغالب أنه يكون من المستقبل، فأنت خائف من الذي قدامك من المستقبل. والحزن يكون على الماضي، فربما حصل كذا وحصل كذا فأنت حزين عليه، لكن في الجنة لا توجد حاجة تهمك في الماضي وتسبب لك الهم والحزن، ولا شيء يخشى في المستقبل فيخوفك، فربنا سيأمنك، ويعطيك الأمان في الجنة، ويقول لأهل الجنة كما في الحديث القدسي (أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبداً) فيطمئنون وهم في جنة الخلود؛ لأنهم يعلمون أن هذا نعيم مقيم لا يزول عنهم أبداً، ولا يتحولون عنه أبداً؛ فضلاً من الله ونعمة، والله ذو الفضل العظيم سبحانه.

стр. 2189

تفسير قوله تعالى: (والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون) قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٨]. قوله: ((وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ)) السعي: العمل الدائم، ((فِي آيَاتِنَا)) في حجج الله سبحانه، يعني: يدأبون في إبطالها، ويريدون إبطال حجج الله سبحانه وسنن النبي ﷺ بالتشكيك في ذلك، وبالنظر إلى أن هذه الأشياء ليست بشيء، وأن هذا القرآن ليس بمعجز، ونحن نقدر أن نأتي بمثله، فيقولون كلاماً كذباً على كتاب الله سبحانه وعلى رسول الله ﷺ ، ساعين دائبين في ذلك معاجزين؛ يريدون أن يفوتوا ويسبقوا ربهم سبحانه ﵎. فهم يريدون أن يسبقوا ويفوتوا الله سبحانه، ويظنون أنهم يعجزونه فلا يجمعهم يوم القيامة، فهم يسعون في آيات الله سبحانه معاجزين مصرين معاندين يريدون إبطالها، ظانين أنهم يسبقون ويفلتون من الله سبحانه ﵎. وقوله: ﴿أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ:٣٨] يعني: يحضرهم الله ويجمعهم يوم القيامة بقول (كن) فيكون، قال سبحانه: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] فيجمعهم الله يوم القيامة، فكل إنسان يأتي وحده إلى ربه سبحانه؛ ليسأله عما عمل؛ فإنه ظن أنه يعجز ربه، ولكن كيف يقدر، والله أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له: كن فيكون.

стр. 2190

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده) قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] كأن الله سبحانه ﵎ في الآية الأولى أجاب عن هؤلاء الكفار فقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ:٣٧] وهنا قال: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ:٣٦] قالها لهؤلاء الكفار الذين قالوا: إن الله أعطانا في الدنيا أموالاً فسيعطينا يوم القيامة، فإنه فضلنا في الدنيا وهذا دليل على أنه سيفضلنا يوم القيامة، فالله رد عليهم وقال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد:٢٦]، وبين أنه ليست أموالكم هذه ولا أولادكم التي تقربكم عندنا، ولكن المؤمنين تقربهم؛ لأنهم آمنوا بالله سبحانه، ولأنهم تقربوا إلى الله بالإنفاق في سبيل الله، وبالصدقة على من يستحق ذلك، فأخرجوا أموالهم لربهم سبحانه، فاستحقوا من الله الجزاء العظيم. ثم قال لهؤلاء المؤمنين مكرراً هذا المعنى العظيم: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ﴾ [سبأ:٣٩] فمن المؤمنين من يعطيه الله سبحانه مالاً ويعطيه من الدنيا متاعاً، ومنهم من يحرمه منها، والله عليم خبير، والله لطيف بعباده، فهو سبحانه ﵎ يعطي إنساناً ويعلم أن هذا الإنسان لن يغره المال فيعطيه الله سبحانه منه. وإنسان آخر من المؤمنين الله بعلمه وحكمته يعلم أن فلاناً هذا لو فتح له باب الرزق فسيطغى، وسيستكبر، وسيترك العبادة، وسيموت كافراً أو فاجراً أو فاسقاً، فيمنع برحمته سبحانه ﵎ عنه شيئاً، ولعل هذا الإنسان أن يكون قدامه باب رزق أوشك أن يأخذه، وأن يصير في يده، وإذا بالله يمنعه ويأخذه غيره. فيغضب الإنسان ويحزن ويتضايق في نفسه، لماذا منعت من شيء كان في يدي، لكن الإنسان المؤمن يعلم أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ويضيق على من يشاء؛ لحكمة منه سبحانه. وحين يحرم شيئاً من الرزق يقول: لعله لو أتاني هذا الرزق لعل الله كان قدر لي مصيبة وراء هذا الشيء، ولعلي لو أخذت هذا الرزق سوف أطغى وأستكبر، ولعلي أقع في معصية الله، فربنا منع عني المعصية بمنع ذلك، فيصير هذا من رحمة الله بي، فالحمد لله سبحانه. وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه إذا أعطاه الله سبحانه من رحمته وفتح له قال: (الحمد لله رب العالمين) فحمد الله. وإذا منع وابتلى بشيء من ابتلائه سبحانه قال: (الحمد لله على كل حال) فنحمد الله إن أعطانا، ونحمد الله إن منعنا؛ لأنه إن منعنا فقد أعطانا سبحانه ﵎، فإن منعك شيئاً من الدنيا أعطاك مكانه في الآخرة، وأعطاك شكراً وأعطاك صبراً وأعطاك حمداً له سبحانه، وإن منعك شيئاً أعطاك ما هو أعظم منه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فليس كل الناس يعلمون هذا الشيء، فإن الله يفتح على الإنسان المؤمن فيعلم حكمة الله سبحانه ﵎. والمؤمن يعلم ويفهم فيحمد ربه سبحانه على عطائه وعلى منعه سبحانه ﵎. والله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده، والكل عبيد لله سبحانه ﵎، وكأنه في الآية الأولى ذكر الجميع، وهنا اختص المؤمنين، وكأنه يقول: أنتم يا مؤمنون! منكم من يعبد ويعطيه الله في الدنيا، ومنكم من يعبد ويضيق الله عليه في الدنيا؛ ليس لأن هذا أفضل من هذا، ولكن الله أعطى كل إنسان ما يريد سبحانه وما يصلح لهذا الإنسان. فهناك إنسان لا يصلحه إلا الغنى؛ لأن الله جعل في نفسه الكرم، وجعله يحب الإنفاق فلا يصلح مع هذا إلا الغنى، فيعطيه الله المال فتظهر أثر النعمة عليه، فيعطي يميناً وشمالاً، وينفق لله سبحانه ﵎، فهذا خلقه الله لذلك. وقد كان سعد بن عبادة ﵁ من الكرماء في المدينة، ومن المشهورين بالجود والكرم، فكان له جفنة عظيمة تدور مع النبي ﷺ في بيوته ﷺ . وبيت النبي ﷺ كان يأتي إليه الضيوف، ويأتي إليه الناس الذين يريدون أن يتعلموا الإسلام، فيأتون فيطعمهم، فجفنة سعد تساعد في هذا الشيء. وكان سعد يدعو ربه سبحانه ﵎ ويقول: (اللهم إنك أعطيتني هذا الإنفاق، اللهم ارزقني الغنى) يعني: أنا أحب الإنفاق وهذا لا يصلح إلا بغنى، فيسأل ربه الغنى، فيعطيه الله سبحانه ﵎. وابنه قيس بن سعد بن عبادة رضي الله ﵎ عنه تعلم من أبيه الكرم، فكان ينفق كثيراً جداً، فقد خرج قيس في سرية فيها أبو بكر وعمر رضي الله ﵎ عنهما، وأصابتهم مجاعة، فـ قيس بدأ يستلف ويستدين، فكان يستلف الجمل من الرجل وينحره ليأكل الجيش، وجعل يفعل ذلك إلى أن خشي عمر ومنعه وقال له: ليس عندك مال، المال مال أبيك، فطلب عمر من أبي بكر أن يمنعه من هذا الشيء، فمنعه. فلما رجع إلى المدينة كلم أباه سعداً رضي الله ﵎ عنه، وقال: أصابتنا مجاعة، قال: انحر لهم. قال: فعلت. ففرح أبوه، وانظر كيف يأمر ابنه على شيء قد مضى، فقال له: ثم أصابتنا مخمصة. قال: انحر لهم. قال: فعلت. ثم قال: منعني أبو بكر ومنعني عمر رضي الله ﵎ عنهما، فتحسر أبوه على ذلك وقال له: لو نحرت كذا وكذا لأعطيت أنا، أي: كنت سأدفع هذا كله. فانظر إلى الكرم، فناس لا يصلح معهم إلا الكرم، والله أعلم سبحانه ﵎ بعباده، فيعلم أن هذا يتصدق، ويزكي، ويعطي لله ولا يمن على خلق الله فيعطيه الله ﵎. وهناك إنسان آخر هو مؤمن، ولكن الله يعلم أنه لو أعطى هذا لعله يعطي وينفق ويمن على صاحبه، فيضيع صدقته كلها، ولعله يمنع ويشح ويبخل، كما قال : ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء:١٢٨]، فليس كل إنسان يكون في قلبه إيمان يكون على درجة عظيمة من البذل والعطاء، ولكن فيهم وفيهم، فالله يعلم أن هذا يصلح له المال فيعطيه، وأن هذا لا يصلح له المال فيمنعه، وأن هذا يصلح للمال لاختباره فيختبره، والله أعلم بعباده سبحانه، لذلك انظر إلى نفسك في الوضع الذي أنت عليه واعلم أنه خير الأوضاع لك؛ لأنه هو الذي أراده الله لك. فالإنسان قد يشتغل شغلاً، ثم يتركه ويشتغل شغلاً ثانياً، ثم يتركه ويبحث عن ثالث؛ لأنه يبحث عن الرزق الكثير، فهنا لا تعجز ولكن احمد ربك سبحانه؛ فهو أعلم بما يصلح لك، وهذا الذي يصلح لك، وهذا الذي يصلحك لعله لو أعطاك غيره لأطغاك ولأفسدك، فهذه من نعم الله عليك.

стр. 2191

معنى قوله تعالى: (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه) قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [سبأ:٣٩] يا أيها المؤمنون! ما أنفقتم لله من شيء فهو يخلفه سبحانه ﵎، ويعطي مكانه. والحسنة بعشرة أمثالها عنده، والرزق يزيد في الدنيا، وهذا شيء عجيب جداً! وعد من الله ، والله لا يخلف الميعاد أبداً، ومستحيل أن يكون إنسان كريماً ويعطي ويتصدق والله يضيق على هذا الإنسان، بل الله يعطيه، فإن ضيق فلحكمة منه سبحانه ﵎ ولسبب معين، ولكن العادة أن الإنسان الذي ينفق الله يزيد له ماله، وصدق النبي ﷺ حين قال: (ثلاث أقسم عليهن - وذكر منها - ما نقص مال عبد من صدقة). فالإنسان الذي يتصدق الله وعده هنا في كتابه بالخلف فقال: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] وهنا نكر الشيء، أي: ولو كان شيئاً قليلاً فإن الله سبحانه يخلف مكانه ويزيده سبحانه، ويبارك لك في رزقك وفي مالك. قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] كان علي بن أبي طالب رضي الله ﵎ عنه يقول لأهل الأموال: أنفقوا فإني سمعت الله سبحانه ﵎ يقول: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ:٣٩] فكيف تريدون أن يخلف عليكم وأنتم لا تنفقون؟ أنفق من أجل أن ربنا يخلف عليك ويعطي لك غيره أما أنك لا تنفق وتريد أن يخلف عليك فلا. وجاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أحاديث جميلة في ذلك، منها: ما كان يقوله لـ بلال رضي الله ﵎ الصحابي الفاضل الذي عذب عذاباً شديداً في الله فهانت عليه نفسه مع شدة عذابهم له، فقد كانوا يأخذونه ويجرجرونه على الصخر في اليوم الحار الشديد القيض، ويجعلون على صدره صخرة، ويجرجرونه على الصخر؛ حتى يكفر بالله سبحانه، ويضربونه ويسلطون عليه الصبيان ليضربوه، وهو يقول: أحد أحد، يعبد الله وحده لا شريك له، هذا الصحابي الفاضل ﵁ كان عبداً فاشتراه أبو بكر رضي الله ﵎ عنه وأعتقه وجعله لله سبحانه ﵎. فكان بلال مع النبي ﷺ ، وكان هو مؤذن النبي ﷺ ، وكان مع النبي ﷺ كصاحب نفقته، وكأنه المسئول عن الإنفاق مع النبي ﷺ ، والنبي ﷺ ما كان يحب أن يأخذ معه مالاً ولا يدخر ﵊ شيئاً، بل ما كان معه من مال أنفقه ﷺ وأخرجه إلا أن يدخر شيئاً يكون لدين عليه، كما قال ﵊: (والذي نفسي بيده! لو كان لي مثل أحد ذهباً لم يسرني أن يمر علي ثلاث إلا وقلت هكذا وهكذا وهكذا عن يمينه وشماله ومن أمامه ومن خلفه، إلا مالاً أرصده لدين) أي: إلا أن يكون علي دين فأخرجه لصاحبه حتى يأتي. هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه كان بلال معه كصاحب النفقة، يعني: كان بلال هو الذي يأخذ مال النبي ﷺ ، فكان يأتي بطعام النبي ﷺ ، ويأتي بشراب النبي ﷺ ، ويأتي بغير ذلك، وكان يقول له: هات يا بلال، اعط لفلان كذا، واعط لفلان كذا، فالنبي ﷺ يأمر بلالاً فيعطي، ولعل بلال خاف أن المال سينتهي، فقال له النبي ﷺ : (أنفق يا بلال! ولا تخش من ذي العرش إقلالاً) لا تخف، فإن ربنا هو الذي يرزقنا، وليس أنا الذي أعطيك، ولا الناس هم الذين يعطونا، بل يعطينا ربنا، فربنا الرزاق الكريم سبحانه ﵎. فينفق بلال بأمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولا يخاف نقصان النفقة، فإن الذي يخلف عليهم هو الله سبحانه ﵎. وهنا حديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً). وهذا الحديث رواه الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء، وفيه: قال النبي ﷺ : (ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) يعني: أنه ينزل ملكان من السماء، حين تطلع الشمس من عند الأفق، ويكونان بجنبتيها عند طلوعها، أحدهما عن يمين الشمس والآخر عن شمال الشمس وهي تطلع. قال: (يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين) أي: كل من على الأرض يسمع إلا الثقلين: الإنس والجن، فلا يسمعون ذلك. قال: (ينادي الملكان: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم، فإنما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وأعط ممسكاً تلفاً). هذا الدعاء من الملكين دعاء مستجاب عند الله، ولن يبعث الله ملكين يدعوان ولا يستجيب سبحانه لهما، فإن ربنا كريم عظيم يبعث ملكين يدعوان ليستجيب سبحانه ﵎ لهما. وتسمع الخلائق الملكين وهما يدعوان: (يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم) أي: قوموا اعبدوا ربكم . قوله: (فإنما قل وكفى) اذهبوا إلى أرزاقكم، واطلبوا رزق الله سبحانه، ولا تطلبوه بمعصية الله، ولا تطلبوه من الحرام. قوله: (فإنما قل وكفى خير مما كثر وألهى) إذا أعطاك الله الرزق ولو كان قليلاً طالما أنه يكفيك فهو خير لك مما كثر فأطغاك وألهاك عن الله سبحانه ﵎. وقوله: (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، ولا آبت الشمس إلا ويقولان: اللهم أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً) في هذا الحديث الدعاء للإنسان الكريم المؤمن الذي ينفق بأن الله يخلف عليه، ويعطيه مكان ما أنفق، ولن ينفق درهماً ويعطيه درهماً مكانه، ولكن الله أكرم سبحانه يعطي العطاء الكثير سبحانه. يقول: (وأعط ممسكاً تلفاً) أي: الذي يمسك ماله ويشح على الناس ويبخل يعطيه التلف، فيتلف له ماله، أو أنه يجعل فقره في قلبه، والإنسان الذي ينفق يجعل الله غناه في قلبه، فقد يكون فقيراً قليل المال، ولكن يستشعر أنه أغنى الخلق، وأنه إنسان غني غير محتاج لأحد، وتراه يأكل ويشرب مثل غيره ولا يحتاج إلى أحد، فيجعل الله غناه في قلبه، فهذا المؤمن وإن أفقرت يده ولم يكن فيها الكثير فإنه غني في قلبه. وتجد إنساناً معه مال كثير والله جعل في قلبه الشح والفقر، يظن أن ماله سينتهي، وتراه يقول: ربما أن ربنا يبتليني بمرض وأحتاج إلى فلوس كثيرة، وربما أدخل مستشفى في يوم من الأيام فأحتاج كذا، فتراه خائفاً أنه سيحصل له في يوم من الأيام كذا، فلم يحصل له شيء، ومات والمال ذهب لغيره ولم يأخذ منه شيئاً! ولا حول ولا قوة إلا بالله، فالغنى غنى القلب.

стр. 2192

معنى قوله تعالى: (وهو خير الرازقين) قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩]. (وَهُوَ) هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها قالون وأبو جعفر وأبو عمرو والكسائي: (وَهْوَ خير الرازقين). وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ:٣٩] هو سبحانه ﵎ خير الرازقين، فمن الذي يرزق غير الله سبحانه ﵎؟ الرزاق هو الله سبحانه وحده لا شريك له، ولكن تعارف الناس في الدنيا على أن الواحد منهم يأخذ رزقه من بيت المال، ويأخذ أجرته من فلان، فكأن الناس يرزق بعضهم بعضاً على معنى من المعاني، والله هو الرزاق سبحانه، والعبد يرزق أخاه، يقول: رزقته اليوم، أي: أعطيته مالاً اليوم، لكنه يعطي من مال ينفد، والله سبحانه يعطي من مال لا ينفد، والعبد يعطي من مال غيره، فإن المال الذي في يده مال الله وليس ملكاً له حقيقة، والله يعطي من ماله الذي خلقه والذي يرزق به عباده سبحانه ﵎. فإذا قلنا: فلان يرزق فلاناً، وفلان يرزق فلاناً، فهذا كله لا شيء؛ فإن الله هو خير الرازقين سبحانه ﵎، فهو الرزاق الكريم ينفق ويقول للشيء: كن، فيكون، وخزائن الله ملأى لا تغيظها نفقة، قال ﵊: (أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات إلى أن تقوم الساعة؟ فإنه لم يغض مما في يده شيئاً). وهو الذي يقول لعباده كما في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط -الإبرة- إذا أدخل البحر). فإذا وضعت الإبرة في البحر وأخرجتها فإنها لا تنقصه شيئاً، ولو أن إنساناً يقول: نقصت منه شيئاً، فيقال عنه: إنه مجنون لا يفهم، فالإبرة تدخل البحر وتخرج من البحر وهو أمامنا مثلما هو، كذلك خزائن الله عظيمة واسعة مهما أنفق منها لا ينقص منها شيء، فهو سبحانه ﵎ خير الرازقين. نسأله من رزقه وفضله ورحمته سبحانه، ونسأله الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2193

تفسير سورة سبأ [٤٠ - ٤٧] يحشر الله الخلق جميعاً يوم القيامة، فيتبرأ كل معبود ممن عبده، فتتبرأ الملائكة ممن عبدها، وقد كان بعض أهل الجاهلية يعبدون الجن ظناً منهم أنهم الملائكة، ويوم القيامة يدخلون جميعاً النار؛ لأنهم كذبوا برسل الله سبحانه وعبدوا غيره.

стр. 2194

تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة سبأ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ:٤٠ - ٤٣]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن موقف من مواقف القيامة، قال تعالى: ﴿َيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [سبأ:٤٠] أي: اذكر هذا اليوم يوم يحشر الله الناس، فيبعثون من قبورهم وينشرون ثم يحشرون ويجمع بعضهم إلى بعض إلى الموقف العظيم بين يدي الله ، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:٤٠] يسأل الله الله سبحانه الملائكة: هل كان هؤلاء يعبدونكم من دون الله سبحانه؟ والملائكة لم توافق على هذه العبادة أبداً، ولم تكن لترضى أن تعبد من دون الله سبحانه، وهم الذين خلقهم الله، فهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ولكن هذا السؤال تبكيت لهؤلاء الكفار، وتوبيخ لهم، وإقامة الحجة عليهم بإدخالهم النار والعياذ بالله. وكان هؤلاء الكفار في الدنيا يعبدون الجن، ويزعمون أن هؤلاء الجنة الذي يعبدونهم هم الملائكة، وأنهم بنات الله ، فذكروا أن قبيلة من العرب من خزاعة كانوا يعبدون الجنة، ويزعمون أن الجِنة تتراءى لهم، ويزعمون أن الجن هؤلاء ملائكة، وأنهم بنات الله، حاشا لله ، فهو قول الله : ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]. والكافر لا يستحيي من ربه أن يفتري عليه، بل يقول ما لا يعرفه فيتكلم بالكلام العجيب، ويتعجب من الكلام الصحيح الذي لا يتعجب من مثله، فيقولون: الملائكة بنات الله، وليس عندهم أثارة من علم على ذلك، فإذا أخبروا أن الإله إله واحد لا شريك له، أحد صمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] فيعجبون أن يكون المعبود واحداً، والعقل إذا نظر وتفكر لم ينكر هذا المعنى أبداً، بل هو المعنى الذي لا يقبل العقل غيره، فما الاستحالة وما وجه العجب حتى يقولوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥]؟! فإن الإله الواحد الذي يستحق العبادة: هو الذي يخلق، وهو الذي يرزق، وهو الذي يملك النفع والضر ، وقد علموا أن ما يعبدون من دون الله لا يملكون لهم نفعاً ولا ضراً، لكنهم عبدوهم من دون الله، وزين لهم الشيطان سوء أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ [سبأ:٤٠] قراءة حفص عن عاصم ويعقوب أيضاً: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ﴾ [سبأ:٤٠] أما باقي القراء فيقرءونها بنون العظمة: (ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون). فالله يسأل الملائكة توبيخاً لهؤلاء المشركين الذين زعموا أن الملائكة بنات الله، وأنهم يعبدون الملائكة من دون الله سبحانه ﵎ كما يسأل الله المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة:١١٦]، وقد علم الله يقيناً أن المسيح لم يقل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ليبين لهؤلاء الكذابين الذين زعموا أن المسيح دعاهم إلى أن يعبدوه من دون الله، أنت قلت كذا؟ فيكذبهم ويقول: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦] ما قلت لهم إلا هذه الكلمة: أن يعبدوا الله، ما قلت لهم إلا ما أمرتني أنت به أن يعبدوا الله، فهنا أمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 2195

تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) يسأل الله الملائكة في الموقف العظيم توبيخاً لهؤلاء الذين عبدوهم، وحتى يعذبهم الله سبحانه، ويعلمون أن الله ما ظلمهم سبحانه، أأنتم قلتم لهم: اعبدونا من دون الله؟ تقول الملائكة: حاشا لله ما قلنا لهم ذلك، قال تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ:٤١] أي: تنزيهاً لك، وتقديساً لك، فالله سبحانه المنزه عن كل عيب وعن كل نقص ، والمنزه أن تكون له الصاحبة أو يحتاج إلى الولد، أو يكون له الولد سبحانه، فقالوا: سبحانك أي: تنزيهاً لك، وتسبيحاً لك، نسبحك ونقدسك، وننزهك عن أي عيب ونقص، وننزهك عن أن يكون لك الولد أو لك الصاحبة. قال سبحانه: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ:٤١] أي: أنت الذي تتولى أمورنا من هؤلاء، توليناك وعبدناك أنت، فأنت ولينا الذي تتولى أمرنا، فالذي يتولى ربه سبحانه يتولاه الله بمعونته وبنصره وبحمايته، فهي هداية منه . فقوله تعالى: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا﴾ [سبأ:٤١] أي: فولاؤنا لربنا من دون هؤلاء، ونتبرأ إليك من هؤلاء ولا ولاية بيننا وبينهم. ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:٤١] أي: هؤلاء الكذابون لم يكونوا يعبدوننا، إنهم لم يرونا حتى يعبدونا، بل كانوا يعبدون الجن، هؤلاء كما ذكرنا قبيلة من قبائل خزاعة عبدوا الجن من دون الله، وزعموا أن الجن كانت تتراءى لهم فعبدوهم، وزعموا أن هؤلاء الجن ملائكة، وأنهم بنات الله؛ لذلك فإن الملائكة تكذبهم، ويقولون لله : لم يعبدونا، وإنما عبدوا الجن من دونك، قالوا: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] أي: أكثرهم بالجن مؤمنون مصدقون، والجن يكذبون عليهم وهم يصدقونهم في ذلك، والجني يفرح أن الإنسان يعبده من دون الله، فهو شيطان يكذب على الإنسان، وإذا بالإنسان يتولاه من دون الله، وكان للجن أمور مع هؤلاء الكفار في الجاهلية، إذ كان الواحد منهم يخاف ويمشي في الصحراء وحده، فإذا مشى ينادي في الصحراء من خوفه ويقول: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: أستجير وأستغيث برب هذا الوادي، وإذا لم يقل ذلك فإن الجن تلعب به، تناديه وتزعجه وتخيفه وهو في الطريق، فكان يكفر بالله ويقول: إنه يستغيث ويستجير برب الوادي، يعني: بالشيطان الذي في هذا الوادي، فتفرح الجن بذلك؛ لأنهم عبدوهم من دون الله فيتركونهم, وإذا لم يفعلوا ذلك تتلاعب بهم الجن. فقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤١] يعني: مصدقون أن الجن ينفعونهم ويضرونهم من دون الله سبحانه، ومعتقدون في الجن أنهم يعلمون الغيب، ولذلك قدم لنا ربنا سبحانه قبل أن يذكر كلام هؤلاء المشركين قصة سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف أنه من عادة الجن إذا صادقهم البشر أنهم يتطاولون عليهم، ويظهرون أنهم أحسن منهم، وأنهم يعلمون الغيب، والبشر لا يعلمون شيئاً، فقد كان الجن في عهد سليمان ﵊ يزعمون ذلك، ولذلك جعل الله موت سليمان آية من الآيات، إذ جعله متكئاً على منسأته، وتوفاه الله وهو على هذه الهيئة، متكئاً على منسأته واستمرت الجن مسخرة لأمر سليمان سنةً كاملةً وهو على هذا الحال، حتى جاء أمر الله سبحانه؛ فإذا بدابة الأرض تأكل منسأته فسقط سليمان، فلما سقط ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ:١٤] تبينت الجن: اتضحت الجن وتبينت الجن للناس وظهر أمرهم وافتضحوا أمام الناس أنهم لا يعلمون شيئاً من الغيب، وأنهم كذابون في ادعائهم علم الغيب، فعادة من هو صادق من الجن أن يكذب الجن عليه، وقد يكون الجن جناً مؤمنين وجناً كافرين، فالجني المؤمن لا دخل بالبشر، ولا علاقة له بالبشر، ولا يتعرض لهم، لكن الجني الكافر والفاسق يتعرض للإنسان ليغويه، ويبعده عن طريق الرحمن ، كما فعل الجن بهؤلاء الكفار الذين عبدوهم من دون الله فأضلوهم، وأوهموهم أنهم ملائكة، وأنهم بنات الله، فعبدوهم من دون الله، فالله يحشرهم يوم القيامة، ويظهر كذب الجن الذين زعموا ذلك، والإنس الذين صدقوهم في ذلك، وقد أمرهم ربنا سبحانه ألا يصدقوهم، قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] يحذرهم الله سبحانه، فهؤلاء رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن، أي: يتعوذون ويستغيثون بالجن؛ لينفعوهم من دون الله، فزادوهم رهقاً وأتعبوهم، وزادوهم مرضاً فوق أمراضهم؛ لفعلهم ذلك.

стр. 2196

تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً) قال الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرّاً وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢]. ففي يوم القيامة يحشرهم الله سبحانه، ويأمر بهم إلى النار ولا يملك بعضهم لبعض نفعاً ولا ضراً، إذ كان الجني يضحك على الإنسان في الدنيا ويقول له: سننفعك، ونعمل لك كذا، وندلك على كذا، فيوم القيامة لا يملك أحد لأحد نفعاً ولا ضراً. فقوله تعالى: ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سبأ:٤٢] أي: ظلموا أنفسهم، وظلموا غيرهم، ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢] ذوقوا عذاب الهوان، عذاب نار جهنم، وكلمة النار هنا: تقرأ بالفتح النار، وتقرأ بالتقليل، وتقرأ بالإمالة، فيقللها الأزرق عن ورش، ويميلها أبو عمرو وحمزة أيضاً، ويميلها دون الكسائي، وكذلك ابن ذكوان يميلها، وباقي القراء يقرءونها بالفتح. فقوله تعالى: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ:٤٢] أي: كذبوا بالنار، وكذبوا بالعذاب، فذوقوا العذاب الذي كذبتم به الآن.

стр. 2197

تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا) يقول الله سبحانه: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ:٤٣] كان الكفار يتعاملون مع النبي ﷺ بالغيرة والحسد فإذا تكلم وقرأ عليهم آيات كتاب الله سبحانه فإن هذا جوابهم. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا﴾ [سبأ:٤٣] بكسر الهاء قراءة الجمهور، وبضمها قراءة حمزة ويعقوب: (عليهُم آياتنا بينات) أي: ظاهرة جلية بينة مبصرة ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ:٤٣] وهذا نوع من التحريش بالنبي ﷺ ، فكان يحرش بعضهم بعضاً عليه أنه رجل يريد أن يصدكم عما كان عليه آباؤكم، فقد كان عند العرب احترام للآباء، فكان أحدهم إذا تكلم عن أبيه يتكلم عنه بفخر واعتزاز، ولذلك ظنوا أنهم يغلبون النبي ﷺ بمثل ذلك، فقد جاء رجل يسأل النبي ﷺ : (أأنت أهدى أم عبد المطلب؟) فلم يجبه النبي ﷺ : فقال: (أنت أهدى أم عبد الله أبوه؟) فبين النبي ﷺ أن كلام الله هو الهدى وليس الذي يقولونه. قال تعالى: ﴿قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾ [سبأ:٤٣] من أجل إثارة بعضهم بعضاً على النبي ﷺ ، فكان القائل منهم يقول: هذا يريد أن يبعدك عما كان عليه أبوك وعما كان عليه جدك، فهل يرضيك ذلك؟ فيقول له: لا، بل آباؤنا، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] لذلك الكفار كان يدخل بعضهم لبعض من هذا المدخل، وأن هذا يسب آلهتنا ويسفه آباءنا، فيقول بعضهم لبعض: ﴿مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى﴾ [سبأ:٤٣]، ويقولون عن القرآن الكريم: هذا إفك، والإفك: حديث الكذب. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ﴾ [سبأ:٤٣] أي: عن الحق ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [سبأ:٤٣] هذا كلامهم، إذاً: رموا النبي ﷺ بالكذب، فقالوا: إن الكلام الذي جاء به إفك مفترى، وهذا الذي يقوله سحر مبين، يعني: سحر واضح جداً، والذي جعلهم يقولون: إنه سحر هو قولهم: ما سمعناه يقول كذباً قط، ولكنهم عرفوا السحر وطرقه، فقالوا عنه: كاهن، ولكنهم عرفوا سجع الكهان وكلامهم فهو ليس بكاهن، فأقنع بعضهم بعضاً أن النبي ﷺ يفرق بين الأب وابنه، وبين الأخ وأخيه، وأنه سفه آلهتهم، وشتم آباءهم، وليس عندهم رد غير ذلك، فاجتمعوا بكفرهم على أن يكذبوا على النبي ﷺ بذلك.

стр. 2198

تفسير قوله تعالى: (وما آتيناهم من كتب يدرسونها) قال الله سبحانه مجيباً ومبيناً كذبهم: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤] فهم قالوا: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، فلا آثار عندهم على ذلك، ولا أدلة لهم على أنهم كانوا على حق، هل معهم كتاب من عند الله سبحانه يبين لهم هذا الذي يدعونه؟ قال سبحانه:: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا﴾ [سبأ:٤٤] أي: من عندنا، لم ننزل عليهم قبل ذلك كتاباً من الكتب ويقولون: عندنا آثار من علم، فائتوا بهذه الكتب إن كنتم صادقين. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤] أي: لم نرسل في هؤلاء العرب قبلك من نذير، كان في الماضي إبراهيم أبو الأنبياء على نبينا وعليه الصلاة والسلام في العراق، ثم رحل إلى الشام على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم ذهب إلى مكة فبنى هذه الكعبة ورجع إلى الشام، وكان إسماعيل في مكة على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكان على الملة وعلى الدين، أما هؤلاء العرب أهل الفترة لم يكن فيهم نذير قبلك، فأنت أول من جاء إليهم. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤] قراءة حمزة ويعقوب: (إليهُم)، مثل (عليهُم) (إليهُم) (لديهُم) وباقي القراء يقرءون: (إليهِم) (لديهِم) (عليهِم). قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ [سبأ:٤٤] أي: منذر ينذرهم، ونبي ينذرهم ويخوفهم بعقوبة الله سبحانه على شركهم.

стр. 2199

تفسير قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم) قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥]. قوله تعالى: (وكذب الذين من قبلهم) يعني: تكذيب هؤلاء ليس بجديد فالذين من قبلهم كذبوا وأعرضوا، قال تعالى: ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥] يعني: هؤلاء القوم القرشيون المغرورون، كذبوا ما جئت به من عند الله، كذلك كذب الذين من قبلهم، ولكن الذين من قبلهم كانوا أقوى منهم أبداناً، وكانوا أكثر منهم عدداً، ومكنا لهم أشياء كثيرة لم نمكن لهؤلاء مثلها، وما بلغ هؤلاء معشار -أي: عشر- ما أوتي الذين من قبلهم، فقد آتيناهم أموالاً كثيرة، وأعطيناهم جنات وعيوناً وحدائق، أما هؤلاء فهم في الصحارى ليس فيها إلا القليل من هذه الأشياء، لكن السابقين أعطيناهم فكذبوا، وكانوا أغنياء أقوياء طوالاً في الأجسام عراضاً فيها، فهؤلاء أهلكناهم، ودمرناهم، وأغرقناهم، فكيف نصنع بهؤلاء الضعفاء؟ فإنهم لم يؤتوا معشار ما آتيناهم، قالوا: معشار بمعنى: العشر، يقال: العشر والعشير، وقيل: بل معشار بمعنى: عشر العشر والمعنى: آتينا هؤلاء القليل من الدنيا، ولم نؤتهم كما آتينا الذين من قبلهم، وقد كذب الذين من قبلهم فأهلكناهم، ألا يتعظ هؤلاء بالذين من قبلهم؟! قال: ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥] إذا وقفت عليها قلت: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [سبأ:٤٥] هذه قراءة الجمهور، وإذا وصلها الجمهور أيضاً فيقولون: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٥ - ٤٦] بالكسر فيها، أما ورش عن نافع إذا وصلها قرأ: (فكيف كان نكيرِي قل إنما أعظكم بواحدة)، ويعقوب يثبت الياء وصلاً ووقفاً: (نكيري)، ومعناها: إنكاري على هؤلاء كيف كان؟ وكيف كانت عقوبتي لهؤلاء؟ وكيف كان توقيفي لهم؟ وكيف كان عذابي لهؤلاء؟ إذاً: الإنكار هو العقوبة من الله ، فقد كان إنكاره شديداً، إذ أهلكهم الله فلم يبق منهم أحداً، كيف صنع بقوم نوح؟ كيف صنع بعاد؟ كيف صنع بثمود؟ كيف صنع بأصحاب الأيكة وبقوم لوط؟ كيف صنع بفرعون وهامان وجنودهما؟ فالله أنكر عليهم ما هم فيه إنكاراً عظيماً بعقوبة منه سبحانه، جعلتهم أمام الأمم التي تليهم عظة ومثلاً من الأمثال.

стр. 2200

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة) قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ﴾ [سبأ:٤٦] يعني: لهؤلاء ﴿إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أي: كلمة واحدة أقولها لكم، موعظة أعظكم بها، خصلة واحدة أدعوكم إليها لتتعظوا، ولتأخذوا حذركم من ربكم ، بأن تؤمنوا وأن تطيعوا، والكلمة الواحدة التي طلبها النبي ﷺ هي: قولوا: لا إله إلا الله، فإن هذه الكلمة العظيمة مفتاح الجنة، قال رسول الله ﷺ : (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) هذه الكلمة العظيمة التي دعا النبي ﷺ عمه أبا طالب إلى أن يقولها، (قل: لا إله إلا الله كلمة واحدة أحاج لك بها عند ربك). هذه الكلمة العظيمة التي قال النبي ﷺ لهؤلاء: أعظكم بها أن تقولوها، هذه الكلمة إذا تأملت معناها عرفت أن هؤلاء القوم كانوا يفهمون معنى هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فهم عرب، وهذه الكلمة عربية، فعرفوا الكلمة وعرفوا ما ينبني عليها، ولذلك رفضوا هذه الكلمة. فقوله: (قل إنما أعظكم بواحدة)، أي: قولوا: لا إله إلا الله، معناها: لا أتوجه بعبادة لغيره إذا كان الإله إلهاً واحداً، ولكن الكفار لا يريدون أن يكون الصلة بينهم وبين الله هو النبي ﷺ ، فهم يرفضون ذلك، يرفضون أن يأمرهم النبي ﷺ ؛ لأنه أصغر منهم سناً، وهناك من هو أقوى منه، وأكبر منه سناً، وأكثر منه مالاً، فلماذا يخصه الله بالرسالة حسب زعمهم؟ فهم لا يقبلون منه أمراً لهذه الأسباب، وإنما الأمر لله وحده ، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم:٣] صلوات الله وسلامه عليه، إنما الوحي من ربه سبحانه. فقال لهم: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أي: أذكركم وأحذركم من سوء العاقبة بخصلة واحدة فقط: أن تتفكروا في هذه الخصلة الواحدة، قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ [سبأ:٤٦]، في هذه الموعظة التي أقولها لكم، أدعوكم إلى طاعة الله ، هذه هي الخصلة الواحدة والأمر الواحد الذي جاء به النبي ﷺ اعبدوا الله وحده، وهذه دعوة كل الأنبياء والرسل من قبله، دعوا قومهم: أن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] أي: قولوا: لا إله إلا الله لا نعبد إلا الله، والكفار كانوا يقرون بربوبية الله أنه الخالق وأنه الرازق، وأنه الذي ينفع ويضر سبحانه، لكنهم يعبدون معه غيره، ويقولون: نعبد هذه الأصنام لأنها تقربنا إلى الله، وسبب عبادتهم للأصنام كما قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢] لذلك الذي كان يسلم منهم بعد ذلك كان يضحك على نفسه كثيراً عندما يذكر جهله وغباءه وكيف عبد هؤلاء الأصنام! وكيف يصنع التمثال من الحجر هو ويخته بيده ويطؤه بقدمه ثم يضربه بفأسه، ثم يعبده من دون الله! وأعجب من ذلك: أنه إذا لم يلق حجراً يصنع إلهاً من التمر فيعبده من دون الله حتى إذا جاع أكله، وكانوا يفعلون ذلك في السفر، أو يأخذ الشاة ويحلبها فيأخذ الحليب ويخلطه مع رملٍ من الأرض حتى يجعلها عجينة ثم يجعلها تمثالاً ثم يجففه بالشمس ويعبده من دون الله ، فإذا عاد من سفره ترك هذا التمثال، وعاد إلى صنمه الذي في بيته يعبده من دون الله! قال الله عنهم: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان:٤٤] فعبدوا هذه الأشياء من دون الله سبحانه، فلا يعقلون ولا يفهمون. فقال لهم النبي ﷺ : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ﴾ [سبأ:٤٦] خذوا هذه الخصلة الواحدة التي آمركم بها وتفكروا فيها، أنا دعوتكم أن تقولوا لا إله إلا الله فكذبتموني وقلتم عني: مجنون، وقلتم عني: ساحر، وقلتم: الكتاب هذا مفترى، إذاً: تفكروا في ذلك، قال: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦]، أن تقوموا لله مثنى، أي: اثنين اثنين (وفرادى) أي: كل واحد بنفسه حتى تصلوا إلى الأمر السليم، فالأمر المشكل لا يكون إلا كذلك، إذا أشكل الأمر على إنسان بدأ يزن الأمر في رأسه حتى يصل إلى شيء، أو أنه يأتي بإنسان عاقلٍ آخر ويجلس معه، فيكون كل واحد مرآة للآخر. إذاً: التفكير السليم يحتاج الإنسان فيه إلى أن يكون وحده يفكر، وبعد ذلك يجلس مع غيره ليستعين به، لم يقل: لأن المجموعات لا يصلون إلى حل أبداً حين يفكرون، ولكن يصلون إلى حل عن طريق الشورى، ولذلك علمنا النبي ﷺ أن تستخير الله ونطلب منه الخير في الأمور، وصلاة الاستخارة ركعتان، من غير الفريضة يسأل فيها العبد ربه ، يقول: (اللهم إن كان هذا الأمر خيراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي ويسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كان شراً لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به)، فتستخير ربك وتفكر في هذا الأمر ثم تشاور مع غيرك فيه، فإذا فعلت ذلك فإن الله يوفقك للصواب؛ لذلك فإن التفكير الجماعي لا يجدي؛ لأنهم كلهم كفرة، والكبراء يمنعون الصغار من التفكير لذلك لا يصلح التفكير في جماعة من الناس، إنما التفكير إذا أردت الاهتداء والوصول إلى الصواب أن تفكر وحدك لتكون منصفاً، ثم تشاور إنساناً آخر عاقلاً مثنى وفرادى فتصلون إلى الصواب يوماً من الأيام. قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] هذه قراءة الجمهور، وقراءة رويس عن يعقوب: (ثم تَّفكروا ما بصاحبكم من جنة) والوقف على (ثم تتفكروا) وقف تام عليها، وقيل: بل الوقف على ما بعدها (ما بصاحبكم من جنة)، وكلاهما له معنى؛ فإذا وقفنا ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ [سبأ:٤٦] تمت هنا، إذاً: هنا أمرهم أن يقوموا لله مثنى وفرادى، ثم يقومون مخلصين يبتغون بقيامهم أن يوصلهم الله سبحانه إلى الحق، فيتفكرون في قول النبي ﷺ لهم: قولوا: لا إله إلا الله، ثم تتفكروا، ثم قال لهم: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أي: ليس بصاحبكم من جنة، هذا إذا كان على الابتداء بذلك: ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦] أما على الوصل فيها والوقف على (جنة) فيقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] هذه الجنة التي تزعمون أنها فيه، تفكروا هل فيه من جنة؟ وعلى ذلك تكون (ما) هنا موصولة بمعنى: الذي، أي: ثم تتفكروا في الذي زعمتم أن بصاحبكم جنة، وصاحبكم هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، هل فيه فعلاً جنون كما تقولون؟ إذاً: على الأولى نفي من الله : ﴿مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ [سبأ:٤٦] أما على الثانية فهي وصل أي: تفكروا في الذي زعمتم ورميتموه به من جنون هل هو فعلاً كما تقولون. قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٦] أي: ما هو إلا نذير لكم صلوات الله وسلامه عليه بين يدي عذاب شديد، وما هو إلا رسول، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران:١٤٤]، هذه وظيفته صلوات الله وسلامه عليه في هذه الدنيا، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]. قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦]، والمعنى: أنتم المحتاجون، فأمامكم عذاب أنتم لا ترونه، فأرسلنا إليكم هذا النبي الكريم الرسول البشير ﵊ ليحذركم من هذا العذاب، وكان من الممكن ألا نرسل إليكم شيئاً، ونجازيكم ونعذبكم، ولكن الله رءوف بعباده، لطيف بهم حليم كريم سبحانه، يأبى أن يعذب حتى يقيم العذر والحجة على هؤلاء، فقال لهم سبحانه: (ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير) أي: منذر يخوفكم مما أمامكم من عذاب يستقبلكم عند الله سبحانه. قال الله سبحانه في سورة الشورى للنبي ﷺ : ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] إذاً: هو لا يسأل أجراً أصلاً، ولكن إن سألتكم شيئاً أسألكم أن تراعوا المودة، فإن بيني وبينكم مودة، بيني وبينكم قرابة، فلا تقطعوا الأرحام، إما أن تدخلوا في الدين, وإما أن تتركوني أدعو غيركم، ولا داعي لأن تدخلوا طالما أنتم على ذلك، ولعل الله يهديكم في يوم من الأيام، ولكن راعوا المودة في القربى. إذاً: النبي ﷺ يقول: خلوا أموالكم؛ لأنهم قالوا له: إن كنت جئت بهذا الأمر تبتغي به ما لاً جمعنا لك من أموالنا حتى تصير أغنانا، فقال لهم: لا، ما أنا طالب منكم شيئاً من المال، إنما أدعوكم إلى الله .

стр. 2201

تفسير قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] أي: إن كنت طلبت منكم مالاً فخذوه، ولو أني سألتكم مالاً فهو لكم، وفي سورة الشورى قال سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] يعني: لا أسألكم عليه من أموالكم شيئاً، ولكن أطلب منكم أن تراعوا المودة التي بيني وبينكم، ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ [يونس:٧٢]. إذاً: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ:٤٧] وهذه قراءة الجمهور كما ذكرنا قبل ذلك، والقراءة الأخرى لـ قالون، وأبي جعفر، وأبي عمرو، والكسائي: (فهْو لكم) وقراءة نافع وأبي جعفر، وقراءة أبي عمرو، وقراءة ابن عامر، وحفص عن عاصم: (إن أجريَ إلا على الله) وباقي القراء يقرءونها: (إن أجريْ إلا على الله) منهم من يمد ومنهم من يقصر. والمعنى: لا أطلب الأجر إلا من الله ، وهو على كل شيء شهيد، فهو شهيد علي فيما أطلب وفيما أقول، وشهيد عليكم سبحانه، وكلمة شهيد على صيغة مبالغة من الشاهد وهو سبحانه الذي يعلم ما يقولونه، ويشهد عليهم ، والشهيد: الرقيب العالم الحاضر الذي يراقب أفعالكم وأقوالكم، والذي يراقبني ويراقبكم. فلذلك النبي صلوات الله وسلامه عليه لا يحتاج إلى أموالهم، فالله هو الرزاق الكريم الذي يرزقهم سبحانه، فيطلب منهم أن يستجيبوا، وإن لم يستجيبوا فليفكروا في أنفسهم هل في صاحبهم من جنة؟ هل صاحبهم هذا طلب منهم أشياء من دنياهم؟ إنما طلب منهم أن يعبدوا الله وحده لا شريك له. نسأل الله أن يرزقنا الإخلاص وكلمة التوحيد، وأن يحيينا عليها وأن يتوفانا عليها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2202

تفسير سورة سبأ [٤٧ - ٥٤] يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يقول للمشركين: أنا لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله إليكم، ونصحي إياكم، وأمركم بعبادة الله، وإنما أطلب ثواب ذلك من عند الله العالم بجميع الأمور، وهو الذي جاء بالحق والشرع العظيم الذي به يكون زهوق الباطل واضمحلاله، وأخبر تعالى عن مآل هؤلاء المكذبين بالوحي وبالرسول، وأنه لا ينفعهم الإيمان يوم القيامة، فهذا شيء بعيد عنهم ومستحيل في حقهم.

стр. 2203

تفسير قوله تعالى: (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [سبأ:٤٧] يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)) أي: الله شاهد يشهد على الناس؛ لأنه يعلم ما يظهرون ويعلم ما يسرون، فهو الشهيد سبحانه عليهم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام:١٩] فأعظم شهادة شهادة الله سبحانه الذي لا يخفى عليه شيء، ((قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ)) أي: قل لهؤلاء الكفار: لا أطلب منكم أجراً على تبليغ رسالة الله سبحانه، وإنما أطلب من الله لا من أحد من خلقه كما قال سبحانه: ((إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ)) وهو الشهيد على ذلك، يشهد عما أقول وأفعل، ويشهد عما تستجيبون أو تكذبون وتفعلون، قال: ((وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)).

стр. 2204

تفسير قوله تعالى: (قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سبأ:٤٨] أي: ينزل الله سبحانه الحق من السماء، والحق هو الوحي والقرآن الذي أتانا من عند رب العالمين سبحانه، والحق خلاف الباطل. فالله يأتي بالحق ينزله على النبي صلوات الله وسلامه عليه، والتعبير هنا تعبير عظيم فقد قال: (يقذف) والقذف يكون بالحجر، تقول: فلان قذاف، يعني: يمسك الحجر ويحذف بها، ويمسك الرمح ويقذف به، فإذا رمى بالشيء اليسير فهذا هو الحذف، كأن يحذف بالحصا إذا حذفها بأصابعه، أما رميه بالشيء الكبير فهذا هو القذف، كأن يقذف بالصخر، فالله يشبه نزول الحق من السماء بهذا الحجر الذي يقذف به المضل الباطل، فالله ينزل هذا القرآن من السماء، يقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فالقرآن نزل ليقضي على الباطل وليس ليتلطف به؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ لما كادت له قريش كيداً عظيماً، وأتعبوا النبي ﷺ فقام لهم صلوات الله وسلامه عليه وقال: (والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح) فهؤلاء الكفار كانوا يتطاولون عليه صلوات الله وسلامه عليه، فكانوا كلما طاف بالكعبة ومر بهؤلاء الكفار شتموه وسبوه صلوات الله وسلامه عليه، ثم وقف لهم فقال: (والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح، فهم لما قال ذلك خافوا وقالوا: اذهب يا أبا القاسم ما عهدناك جهولاً) يعني: لا تقلدنا بجهلنا، فلسنا متعودين منك الجهالة؛ ولذلك قال ربنا للمؤمنين: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فهؤلاء الكفار لا ينفع معهم اللين؛ لأنهم متكبرون، ولكن أعد لهم القوة التي يخافون منها، وإذا كنت من أهل القوة فتلطف معهم لعلهم يدخلون في دينك، وإذا ظلوا على العناد وعلى العداوة وأظهروا ذلك فقاتلهم وأخفهم بذلك. قوله: ((قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ)) أي: ينزل الحق من السماء وحياً على النبي ﷺ ليفضح الكفار ويقذف به الباطل، والقذيفة: هي الشيء الذي يرمى به، فكأن الوحي ينزل من السماء كالقذائف على الباطل وأهله فيدمغهم ويهلكهم ويمحوهم، فهو يقذف بالحق علام الغيوب سبحانه، فالذي يقذف هو الله ، وهو علام الغيوب يعلم كل شيء سبحانه وما يستحقه هؤلاء، وأنت لا تعلم ولكن الله يعلم أنه لا يصلح معهم إلا قتالهم، لذلك أمرك بقتالهم وبالإعداد لهم، وأنزل عليك القرآن ليدمغ باطلهم وليشدخه ويزيله، ليهلك الباطل ويحق الحق بكلماته سبحانه. فقوله: ((قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ)) أي: أن الحق قوة والذي على الحق معهم قوة، معه قوة كتاب الله سبحانه ومعونة الله سبحانه؛ لأنه على الحق. قوله: ﴿الْغُيُوبِ﴾ [سبأ:٤٨] هذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة عن عاصم، وقراءة حمزة (علام الغِيوب)، والغيوب جمع غيب، والله يعلم ما خفي من الأشياء وما ظهر سبحانه.

стр. 2205

تفسير قوله تعالى: (قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد) قال الله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ [سبأ:٤٩] أي: جاء القرآن العظيم من عند ربنا، جاء الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالحق من عند الله سبحانه، قل يا محمد: جاء الحق الذي يعادي الباطل، والله سبحانه حق وكتابه حق ورسوله حق، ولذلك ورد في دعاء النبي ﷺ : (اللهم لك الحمد أنت رب السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق، ولقاؤك حق، وقولك حق، والساعة حق، والجنة حق، والنار حق) فهنا كل هذه الأشياء أثبتها الله سبحانه فهي الحق، وكل ما يقوله الله فهو الحق. قوله: ((قُلْ جَاءَ الْحَقُّ)) أي: من عند الله سبحانه ((وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)) قال المفسرون: الباطل المقصود به في هذه الآية الشيطان، فالله أتانا من عنده بهذا الكتاب العظيم، والشيطان يلقي في النفوس التكذيب والعناد والاستكبار والبعد عن النبي ﷺ ، والكفر بما جاء به، وهذا الباطل الذي اتبعتموه من دون الله هو الشيطان، فهل هذا الشيطان يخلق شيئاً؟ وهل يقدر على إعادة هذا الشيء؟ ((مَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)) أي: لا يقدر أن يبدأ خلقاً ولا يقدر على إعادة خلق؛ لأنه عاجز ولا يملك شيئاً، وإنما الله هو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ، فخلق الإنسان من عدم من لا شيء من تراب من ماء، وأوجد هذا الإنسان ثم يميته ويفنيه ، ثم يعيده مرة ثانية. أما ما يعبدون من دون الله كالشيطان والأصنام والهوى وغير ذلك من عبادة غير الله سبحانه، فهل هذه المعبودات تقدر على أن تبدأ خلقاً؟ لا تقدر، وقد بدأ الله الخلق ثم أفناه، فهل تقدر هذه الأشياء على إعادته؟ مستحيل، لا الشيطان يقدر ولا هذه المعبودات من دون الله تقدر؛ لأن كل هذه الأشياء من الباطل وقد قال الله: ((وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ)).

стр. 2206

تفسير قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]. هم يتهمونه بأنه على الضلال صلوات الله وسلامه عليه، وأنه جاء بما لا يعرفونه، وجعل الآلهة إلهاً واحداً وقالوا: إن هذا لشيء عجاب، فالله يأمره أن يخاطب عقولهم ويقول لهم: انظروا وتدبروا وتأملوا في هذا الذي جئتكم به هل هو باطل؟ هل فكرتم فيه حتى تعرفوا أنه حق أم باطل؟ وقد وعظهم قبل ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦] فهو أمرهم بالتفكر، ثم تنزل معهم وقال: فرضنا أن هذا الشيء الذي جئتكم به باطل، أليس عندكم عقول تتبينون بها الباطل من الحق؟ إن كان باطلاً كما تزعمون فضلالي على نفسي وأنا أضر نفسي بهذا الشيء، وهل إنسان عاقل يريد أن يضر نفسه أو يضلها؟ إن ضللت كما تقولون فضلالي على نفسي، وأنا أحمل هذا الذنب عند الله سبحانه، وأنا الذي أقول لكم بكتاب الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] أي: لا أحد سيحمل عني ذنبي، وأنا الذي أحمل الذنب، أفأمنعكم من الذنب وأقع فيه؟ هل يعقل هذا الشيء؟ فقوله تعالى: ((قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ)) هذه هي الحقيقة، أي: إن كنت على ضلال فسأضر نفسي وسأقع في عذاب الله سبحانه، وإن كنت على هدى فبما يوحي إلي ربي، والهدى ليس من عندي، فأنا عشت معكم، ولم أقرأ كتباً لأهل الكتاب ولا سافرت خارج هذه البلدة حتى أتعلم من أناس خارجها، بل في سفراته المعدودة كانوا هم معه صلوات الله وسلامه عليه، فعلموا أنه لن يتلقى علماً من أحد من البشر، فمن أين أوتي بهذا العلم العظيم؟ يقول: ((وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)) أي: بالوحي من الله قد هداني. وقوله: ((إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)) أي: الله سبحانه سميع يسمع كل شيء فيحاسب عما سمعه سبحانه، فهو سميع يسمع سبحانه الأصوات ما ظهر منها وما خفي منها، يسمع كل شيء، فهو قريب منكم أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، وإن كان هو فوق سماواته ، ولكنه قريب من عباده يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فالله قبل أن يتحرك إنسان لنجدتك ينقذك وينصرك ، وقبل أن يتحرك أقرب الموجودين إليك ليؤذيك فالله أقرب منه يمنعه .

стр. 2207

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ:٥١]. (ولو ترى) هنا الصيغة صغية تعظيم لهذا الشيء، يعني: لو ترى هذا الشيء العظيم الذي نكلمك ونحدثك عنه، ((وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا)) يعني: لو ترى إذ فزعوا حين جاءت القيامة من عند الله سبحانه، وحين جاء الموت على هؤلاء فأفزعهم الله ، وما استطاعوا هرباً ولا فكاكاً. قوله: ((فَلا فَوْتَ)) أي: لا يفوتوننا ولا يهربون منا ولا يعجزوننا، فأين يذهبون من الله وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؟ فلا يفوتون الله سبحانه؛ لأنه مستحيل أن يفلت أحد من قضاء الله وقدره، ويفلت من عقوبة الله سبحانه ومن الموت الذي ينزل، بله من حضور القيامة بين يدي الله . والفزع الكثير، يكون عند الموت، فالإنسان الكافر يرى مالم يكن في حسبانه فيفزع، وإذا دخل قبره فزع وقد جاءت الملائكة تسأله: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري ولا يعرف النبي ﷺ ؛ لأنه كذب به ﵊، وإذا قاموا من قبورهم في صيحة البعث والنشور يقومون مفزوعين يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] وإذا قاموا في الموقف العظيم وقيل: ادخلوا النار، فزعوا وطلبوا العود والتوبة. وقوله تعالى: ((فَلا فوت)) أي: لا يفوتوننا أبداً، وهنا يقرؤها حمزة بالمد: ((فَلا فَوْتَ)) ويتوسط في المد فيها في قراءة له، كأن هذا تأكيد النفي، فيمدها كما يمد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] وإن كان العادة في المد أنه يستقبل بهمزة أو بساكن، ولكن هنا لـ حمزة قاعدة في ذلك وهي: أنه إذا كان يريد تأكيد النفي مد الألف فيها أو مد حرف المد فيها، فيقرأ: ((وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلآ فوت))، يعني: مستحيل أن يفوتوا من الله ، و (ترى) يميلها. قال سبحانه: ((وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)) أي: كل مكان في هذا الكون قريب من الله ، فالله يأمر كوناً فيكون بأمره سبحانه، وكل أفعاله تصيب من يريد ، ولا يفلت أحد فما هو آت من عند الله فهو قريب، وعباده لا يعجزونه ولا يهربون منه فهو أقرب إليهم من حبل وريدهم.

стр. 2208

تفسير قوله تعالى: (وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢]. يعني: بالقرآن، متى قالوا هذا الشيء؟ قالوه لما بعثوا يوم القيامة ورأوا العذاب، حينما قالوا: آمنا وصدقنا ربنا، فأرجعنا مرة أخرى إلى الدنيا، فإن عدنا فإنا ظالمون، فيقول الله : ((وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ)) أي: آمنا بالوحي وآمنا بالقرآن وآمنا بالرسول ﷺ ، وأنى لهم تناول الإيمان من مكان بعيد؟ الآخرة بعيدة جداً، انتهى أمر الدنيا فلا رجعة مرة ثانية، فهم يقولون حين يعاينون العذاب: آمنا يا ربنا، و (أنى) أي: كيف، ومن يأتيهم بذلك؟ قوله: ((وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي عمرو وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (التناؤش) بالهمزة فيها، والتناوش بمعنى التناول، وكأنه يضرب مثلاً لشيء نراه في الدنيا، لو أن إنساناً أدلى حبلاً من عمارة عالية جداً فوصل نصف المسافة ويوجد إنسان على الأرض يريد أن يتناول هذا الحبل فهو يقفز حتى يمسك بهذا الحبل ولا يقدر، فأين الآخرة من هذه الدنيا؟ ((أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ)) أي: كيف لهم تناول الإيمان والرجوع إلى هذه الدنيا مرة ثانية وقد بعدوا؟ مستحيل أن يعودوا إلى الدنيا مرة ثانية، ومستحيل أن يقبل منهم ذلك من مكان بعيد.

стр. 2209

تفسير قوله تعالى: (وقد كفروا به من قبل) قال الله : ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣] الآن في الآخرة يريدون الرجوع إلى الدنيا، ولكن لا رجوع إليها مرة ثانية، وهم حينها يطلبون الإيمان وقد أعذر الله لهم وأنزل عليهم القرآن وأرسل إليهم رسولاً، فلا يقبل منهم ذلك. فقوله: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)) أي: كفروا بالله ، وكفروا بالرجوع إلى الله بالبعث والنشور. قوله: ((وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) يعني: أنهم الآن صاروا في الآخرة ولا رجوع إلى الدنيا فهم يعذبون؛ لأنهم قد كفروا من قبل وهم في الدنيا، وقذفوا بالغيب، وهناك فرق بين قذف الله كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ:٤٨]، وهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد، وهذا مثل مأخوذ من البيئة التي هم فيها ويشاهدونها، وهذا مثلما يقال: قذف بالغيب من مكان بعيد، يعني: أراد أن يرمي بحجرة، ويريد أن يصيب بها وهو بعيد جداً لا يصل إلى هذا المكان، فهؤلاء يقذفون بالغيب من مكان بعيد، فالمعنى: أنهم رموا النبي ﷺ بما ليس فيه، ورموا هذا القرآن بما لا ينبغي، فقالوا عن هذا القرآن: هذا سحر من عنده، وقالوا عن النبي ﷺ : إنه مجنون، وكاذب وساحر وكاهن، فهذا من الرجم بالغيب، وكأنه الرمي بالظن، فهم يرجمون بالظنون وبالكلام الباطل الذي لا يفكرون فيه، فهؤلاء مثل إنسان أغمض عينيه وأخذ طوبة يريد أن يرمي بها إنساناً بعيداً عنه، فهل يصيب بها؟ لا، هذا رجم بالغيب؛ لأنه رجم وهو لا يرى الذي يريد أن يرجمه، كذلك هؤلاء، لم يتدبروا فيما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفكروا في هذا القرآن، بل ظلوا يؤلفون من رءوسهم ويقولون عن النبي ﷺ : ساحر وكذاب وكاهن، فيرجمون بالغيب من بعيد، فلا يريدون أن يتقربوا من النبي ﷺ ليتعلموا منه وينظروا ويتأملوا فيما جاء به من القرآن العظيم. قال الله سبحانه: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)) أي: كفروا بالقرآن وكفروا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم قد قال لهم الله سبحانه: أفلا يعقلون؟ أفلا يتدبرون القرآن؟ فيأمرهم بالتفكر ويقول لهم: تدبروا في هذا القرآن، فلم يتدبروا ولم يتفكروا، بل أعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتفوا بذلك بل إن هؤلاء الكفار كان إذا جاء إنسان من خارج مكة استقبلوه وقالوا له: احذر من هذا الرجل أن يسحرك، فهو الذي فرق بين الرجل وابنه، وفرق بين المرء وأهله، فهذا الذي يدخل مكة يخاف أن يذهب إلى النبي ﷺ ، ويضع في أذنيه كرسفاً إذا اقترب من النبي ﷺ ويغمض عينيه، فيتقرب من النبي ﷺ شخص من هؤلاء ويقول: ما أتيتك حتى أخذ عليّ هؤلاء الكفار العهود وحلفوني عشر مرات ألا آتيك، ولكن أبى الله إلا أن يفتح قلبه فيذهب للنبي ﷺ ويسمع منه هذا الحق العظيم الذي جاء به، بل هم أنفسهم عرفوا أن هذا الحق هو من عند الله ، فقد كان الكفار يتصنتون على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن عند الكعبة بالليل حين يصلي صلوات الله وسلامه عليه، وهم الوليد بن المغيرة وأبو الجهل عمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهم من الكفار، فكان يسمعون نغمة القرآن ورصانته وبلاغته وفصاحته، وما فيه من حكم عظيمة وأحكام جميلة، وكان كل واحد منهم يختفي من الثاني، فيقفون خلف النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، وقبل أن يظهر النور والضوء ينصرفون فتجمعهم الطريق الثلاثة، فيسأل بعضهم بعضاً أين كنت؟ فيقول: كنت أسمع محمداً، فيتواعدون ويتحالفون ألا يأتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بهم بعد أيام يرجعون، ومع ذلك لا يؤمنون به، والقرآن عجيب ومحير ومعجز، فقد أعجزهم وأتى بهم مرة ثانية لكي يستمعوا لهذا القرآن مرة ومرتين وثلاثاً، وفي الأخير يقولون: سنفتن الناس، فيتحالفون ألا يأتوا للنبي ﷺ . فقالوا للوليد بن المغيرة قل شيئاً في هذا القرآن، فقال: أسمع قليلاً منه ثم أقول ما فيه، فلما سمع القرآن قال لهم: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فقالوا: أنت تقول هذا الشيء، فقال الوليد: نعم أنا الذي أقول هذا الشيء، فقام أبو جهل والثاني والثالث وقالوا: لقد سحرك محمد، وبعد ذلك قام أبو جهل الملعون بحيلة، فقام بجمع أموال من قريش وذهب بها إلى الوليد وقال: خذ هذه الأموال، فقال الوليد: لقد علمت أني أغناهم، فقال أبو جهل: أنت ما ذهبت لمحمد وسمعت منه إلا لكي يعطيك أموالاً، فخذ هذه الأموال فقد أتينا بها لك، فتأخذ الوليد النعرة والعصبية ويقوم ويقول كما يقولون: إنه ساحر، فقال الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١١ - ١٦] فهو بعدما سمع هذه الآيات عاند. فهو بعدما قال: وما هو بقول البشر، قالوا له: ضحك عليك محمد وقال بأنه سيعطيك مالاً، فقال لهم: أنا سأفكر قليلاً، فذكر الله لنا صورة هذا الإنسان وهو يفكر، وكيف أنه يريد أن يكذب على النبي ﷺ بعد أن عرف أن هذا من عند الله وما هو بقول البشر، فقال الله يصور الصورة التي كان بها: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ﴾ أي: لعن، لعنه الله سبحانه في تفكيره وتقدير هذا الذي يقوله، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩] يعني: كيف أعمل عقله وفكره ليقدر أشياء مكذوبة على النبي ﷺ ، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:٢٠ - ٢١] أي: قعد يتلفت شمالاً ويميناً، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر:٢٢] كهيئة الإنسان الذي أخذه التفكير العميق فيعبث في هيئته، وبعد ذلك ﴿أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٣ - ٢٦] هذا الذي يستحقه، وسقر أسفل النار والعياذ بالله في قعر جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٧ - ٢٩] سقر تهلك من يدخلها وتفنيه؛ فهي لا تبقي ولا تذر، ولكن الله سبحانه كتب لهم أن يخلدوا ويظلوا فيها فلا تفنيهم، وإنما تعذبهم العذاب الشديد، ثم قال: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩] أي: تلوح أبشارهم وتحيلها وتذهب ألوانها الناضرة إلى ألوان سوداء فظيعة كالحة. هذا واحد من هؤلاء الكفار فكيف بجميعهم؟!. كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن ويبكي، فيسمعه المشركون وخاصة نساء المشركين كن يسمعنه وهو في داره فيتقاذفن عليه كل واحدة تريد أن تسمع أبا بكر وهو يقرأ، كان يعجبهن ذلك ولعلهن يبكين لبكاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فتضايق المشركون من هذا الشيء، وقالوا: ستفتن نساءنا، وتجعلهن يدخلن في هذا الدين الذي أنت فيه، فيقولون: إما أن تترك هذا الذي أنت عليه، وإما ألا تجاورنا، فـ أبو بكر الصديق ﵁ فكر في الهجرة والنبي ﷺ يأمره أن يبقى، ثم بعد ذلك يخرج أبو بكر الصديق ﵁ من مكة ويترك هؤلاء، ويدخل مرة ثانية في جوار ابن الدغنة في قصة طويلة. إذاً: فالقرآن عجيب، وإذا سمعه أي إنسان يحن إليه ويميل بأذنه، يريد أن يسمعه مرة ومرتين وثلاثاً من حبه لهذا القرآن العظيم، فالكفار استمعوا للقرآن وأعجبهم، ولكن منعهم الحسد للنبي ﷺ أن يدخلوا في هذا الدين العظيم، والقرآن يشد الإنسان ويجذبه إليه حين يتجرد عن الهوى، فيهديه الله ، قال الله في هؤلاء الكفار -الذين تمنوا يوم القيامة العودة إلى الدنيا-: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)).

стр. 2210

تفسير قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. قوله: (حيل بينهم) أي: حال بينهم حائل يستحيل أن يتجاوزوه؛ لأن الله قضى أنهم لن يعودوا مرة ثانية إلى هذه الدنيا. قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: (يشتهون) ولم يقل: يريدون؛ لأن في ذلك الموطن يريدون الشهوة، وأشد أمنية الإنسان أن يشتهي شيئاً، فالواحد منهم يوم القيامة يشتهي أن يرجع إلى الدنيا؛ فيؤمن ويصدق ويصلي لله ويوحده، لكن يقول هنا: ((وَحِيلَ بَيْنَهُمْ)). قوله: ((وَحِيلَ)) هنا الفعل مبني للمجهول، والجمهور على هذه القراءة ((وَحِيلَ بَيْنَهُمْ)) وقراءة ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب بإشمام كسر الحاء ضمة؛ لبيان أن الفعل مبني للمجهول، فالله يحيل بينهم وبينما يشتهون، لكن الصيغة للمجهول (حيل) وأصلها حويل، أي: بينهم وبينه، وبذلك يقرؤها هؤلاء القراء: ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب. قوله: ((كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ)) أشياع جمع شيع، والشيع جمع شيعة، وشيعة الإنسان أقاربه ومن يحيطون به، وهنا ليس المقصود بها أقاربهم وإنما أشباههم وأمثالهم الذين تشبه هؤلاء بهم، فقد تشبهوا بقوم نوح بقوم عاد وبقوم ثمود، فهؤلاء أشياعهم وأشباههم في الباطل وفي الكفر، وكما فعل بالسابقين فحيل بينهم وبينما يتمنونه وما يشتهونه من إيمان ودخول في الدين، فهم لما جاءهم الموت تمنوا الرجوع، لكن لا تنفع نفس إيمانها في ذلك الوقت، أي: وقت الغرغرة، فكما حيل بينهم وبين الإيمان حيل بين هؤلاء وبينما يشتهون كما فعل بأشياعهم وأشباههم من قبل؛ لأنهم كانوا في الدنيا في شك مريب وفي شك عظيم، والريب بمعنى الشك، وكأن الكلمة ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] يعني في شك عظيم جداً مثل ما تقول: هذا شيء عجيب، أي: غاية في العجب، كذلك هذا شك غاية في الشك والإرابة والبعد عن الحق.
следующие страницы →