← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

تفسير قوله تعالى: (قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠]. هم يتهمونه بأنه على الضلال صلوات الله وسلامه عليه، وأنه جاء بما لا يعرفونه، وجعل الآلهة إلهاً واحداً وقالوا: إن هذا لشيء عجاب، فالله يأمره أن يخاطب عقولهم ويقول لهم: انظروا وتدبروا وتأملوا في هذا الذي جئتكم به هل هو باطل؟ هل فكرتم فيه حتى تعرفوا أنه حق أم باطل؟ وقد وعظهم قبل ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ:٤٦] فهو أمرهم بالتفكر، ثم تنزل معهم وقال: فرضنا أن هذا الشيء الذي جئتكم به باطل، أليس عندكم عقول تتبينون بها الباطل من الحق؟ إن كان باطلاً كما تزعمون فضلالي على نفسي وأنا أضر نفسي بهذا الشيء، وهل إنسان عاقل يريد أن يضر نفسه أو يضلها؟ إن ضللت كما تقولون فضلالي على نفسي، وأنا أحمل هذا الذنب عند الله سبحانه، وأنا الذي أقول لكم بكتاب الله : ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] أي: لا أحد سيحمل عني ذنبي، وأنا الذي أحمل الذنب، أفأمنعكم من الذنب وأقع فيه؟ هل يعقل هذا الشيء؟ فقوله تعالى: ((قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ)) هذه هي الحقيقة، أي: إن كنت على ضلال فسأضر نفسي وسأقع في عذاب الله سبحانه، وإن كنت على هدى فبما يوحي إلي ربي، والهدى ليس من عندي، فأنا عشت معكم، ولم أقرأ كتباً لأهل الكتاب ولا سافرت خارج هذه البلدة حتى أتعلم من أناس خارجها، بل في سفراته المعدودة كانوا هم معه صلوات الله وسلامه عليه، فعلموا أنه لن يتلقى علماً من أحد من البشر، فمن أين أوتي بهذا العلم العظيم؟ يقول: ((وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي)) أي: بالوحي من الله قد هداني. وقوله: ((إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ)) أي: الله سبحانه سميع يسمع كل شيء فيحاسب عما سمعه سبحانه، فهو سميع يسمع سبحانه الأصوات ما ظهر منها وما خفي منها، يسمع كل شيء، فهو قريب منكم أقرب إلى أحدكم من حبل الوريد، وإن كان هو فوق سماواته ، ولكنه قريب من عباده يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، فالله قبل أن يتحرك إنسان لنجدتك ينقذك وينصرك ، وقبل أن يتحرك أقرب الموجودين إليك ليؤذيك فالله أقرب منه يمنعه .

стр. 2207

تفسير قوله تعالى: (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب) قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ:٥١]. (ولو ترى) هنا الصيغة صغية تعظيم لهذا الشيء، يعني: لو ترى هذا الشيء العظيم الذي نكلمك ونحدثك عنه، ((وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا)) يعني: لو ترى إذ فزعوا حين جاءت القيامة من عند الله سبحانه، وحين جاء الموت على هؤلاء فأفزعهم الله ، وما استطاعوا هرباً ولا فكاكاً. قوله: ((فَلا فَوْتَ)) أي: لا يفوتوننا ولا يهربون منا ولا يعجزوننا، فأين يذهبون من الله وهو أقرب إليهم من حبل الوريد؟ فلا يفوتون الله سبحانه؛ لأنه مستحيل أن يفلت أحد من قضاء الله وقدره، ويفلت من عقوبة الله سبحانه ومن الموت الذي ينزل، بله من حضور القيامة بين يدي الله . والفزع الكثير، يكون عند الموت، فالإنسان الكافر يرى مالم يكن في حسبانه فيفزع، وإذا دخل قبره فزع وقد جاءت الملائكة تسأله: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: لا أدري ولا يعرف النبي ﷺ ؛ لأنه كذب به ﵊، وإذا قاموا من قبورهم في صيحة البعث والنشور يقومون مفزوعين يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] وإذا قاموا في الموقف العظيم وقيل: ادخلوا النار، فزعوا وطلبوا العود والتوبة. وقوله تعالى: ((فَلا فوت)) أي: لا يفوتوننا أبداً، وهنا يقرؤها حمزة بالمد: ((فَلا فَوْتَ)) ويتوسط في المد فيها في قراءة له، كأن هذا تأكيد النفي، فيمدها كما يمد قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:٢] وإن كان العادة في المد أنه يستقبل بهمزة أو بساكن، ولكن هنا لـ حمزة قاعدة في ذلك وهي: أنه إذا كان يريد تأكيد النفي مد الألف فيها أو مد حرف المد فيها، فيقرأ: ((وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلآ فوت))، يعني: مستحيل أن يفوتوا من الله ، و (ترى) يميلها. قال سبحانه: ((وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ)) أي: كل مكان في هذا الكون قريب من الله ، فالله يأمر كوناً فيكون بأمره سبحانه، وكل أفعاله تصيب من يريد ، ولا يفلت أحد فما هو آت من عند الله فهو قريب، وعباده لا يعجزونه ولا يهربون منه فهو أقرب إليهم من حبل وريدهم.

стр. 2208

تفسير قوله تعالى: (وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٢]. يعني: بالقرآن، متى قالوا هذا الشيء؟ قالوه لما بعثوا يوم القيامة ورأوا العذاب، حينما قالوا: آمنا وصدقنا ربنا، فأرجعنا مرة أخرى إلى الدنيا، فإن عدنا فإنا ظالمون، فيقول الله : ((وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ)) أي: آمنا بالوحي وآمنا بالقرآن وآمنا بالرسول ﷺ ، وأنى لهم تناول الإيمان من مكان بعيد؟ الآخرة بعيدة جداً، انتهى أمر الدنيا فلا رجعة مرة ثانية، فهم يقولون حين يعاينون العذاب: آمنا يا ربنا، و (أنى) أي: كيف، ومن يأتيهم بذلك؟ قوله: ((وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي عمرو وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف (التناؤش) بالهمزة فيها، والتناوش بمعنى التناول، وكأنه يضرب مثلاً لشيء نراه في الدنيا، لو أن إنساناً أدلى حبلاً من عمارة عالية جداً فوصل نصف المسافة ويوجد إنسان على الأرض يريد أن يتناول هذا الحبل فهو يقفز حتى يمسك بهذا الحبل ولا يقدر، فأين الآخرة من هذه الدنيا؟ ((أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ)) أي: كيف لهم تناول الإيمان والرجوع إلى هذه الدنيا مرة ثانية وقد بعدوا؟ مستحيل أن يعودوا إلى الدنيا مرة ثانية، ومستحيل أن يقبل منهم ذلك من مكان بعيد.

стр. 2209

تفسير قوله تعالى: (وقد كفروا به من قبل) قال الله : ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ:٥٣] الآن في الآخرة يريدون الرجوع إلى الدنيا، ولكن لا رجوع إليها مرة ثانية، وهم حينها يطلبون الإيمان وقد أعذر الله لهم وأنزل عليهم القرآن وأرسل إليهم رسولاً، فلا يقبل منهم ذلك. فقوله: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)) أي: كفروا بالله ، وكفروا بالرجوع إلى الله بالبعث والنشور. قوله: ((وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)) يعني: أنهم الآن صاروا في الآخرة ولا رجوع إلى الدنيا فهم يعذبون؛ لأنهم قد كفروا من قبل وهم في الدنيا، وقذفوا بالغيب، وهناك فرق بين قذف الله كما قال: ﴿إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ [سبأ:٤٨]، وهم يقذفون بالغيب من مكان بعيد، وهذا مثل مأخوذ من البيئة التي هم فيها ويشاهدونها، وهذا مثلما يقال: قذف بالغيب من مكان بعيد، يعني: أراد أن يرمي بحجرة، ويريد أن يصيب بها وهو بعيد جداً لا يصل إلى هذا المكان، فهؤلاء يقذفون بالغيب من مكان بعيد، فالمعنى: أنهم رموا النبي ﷺ بما ليس فيه، ورموا هذا القرآن بما لا ينبغي، فقالوا عن هذا القرآن: هذا سحر من عنده، وقالوا عن النبي ﷺ : إنه مجنون، وكاذب وساحر وكاهن، فهذا من الرجم بالغيب، وكأنه الرمي بالظن، فهم يرجمون بالظنون وبالكلام الباطل الذي لا يفكرون فيه، فهؤلاء مثل إنسان أغمض عينيه وأخذ طوبة يريد أن يرمي بها إنساناً بعيداً عنه، فهل يصيب بها؟ لا، هذا رجم بالغيب؛ لأنه رجم وهو لا يرى الذي يريد أن يرجمه، كذلك هؤلاء، لم يتدبروا فيما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يفكروا في هذا القرآن، بل ظلوا يؤلفون من رءوسهم ويقولون عن النبي ﷺ : ساحر وكذاب وكاهن، فيرجمون بالغيب من بعيد، فلا يريدون أن يتقربوا من النبي ﷺ ليتعلموا منه وينظروا ويتأملوا فيما جاء به من القرآن العظيم. قال الله سبحانه: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ)) أي: كفروا بالقرآن وكفروا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم قد قال لهم الله سبحانه: أفلا يعقلون؟ أفلا يتدبرون القرآن؟ فيأمرهم بالتفكر ويقول لهم: تدبروا في هذا القرآن، فلم يتدبروا ولم يتفكروا، بل أعرضوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يكتفوا بذلك بل إن هؤلاء الكفار كان إذا جاء إنسان من خارج مكة استقبلوه وقالوا له: احذر من هذا الرجل أن يسحرك، فهو الذي فرق بين الرجل وابنه، وفرق بين المرء وأهله، فهذا الذي يدخل مكة يخاف أن يذهب إلى النبي ﷺ ، ويضع في أذنيه كرسفاً إذا اقترب من النبي ﷺ ويغمض عينيه، فيتقرب من النبي ﷺ شخص من هؤلاء ويقول: ما أتيتك حتى أخذ عليّ هؤلاء الكفار العهود وحلفوني عشر مرات ألا آتيك، ولكن أبى الله إلا أن يفتح قلبه فيذهب للنبي ﷺ ويسمع منه هذا الحق العظيم الذي جاء به، بل هم أنفسهم عرفوا أن هذا الحق هو من عند الله ، فقد كان الكفار يتصنتون على النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن عند الكعبة بالليل حين يصلي صلوات الله وسلامه عليه، وهم الوليد بن المغيرة وأبو الجهل عمرو بن هشام وعتبة بن ربيعة وغيرهم من الكفار، فكان يسمعون نغمة القرآن ورصانته وبلاغته وفصاحته، وما فيه من حكم عظيمة وأحكام جميلة، وكان كل واحد منهم يختفي من الثاني، فيقفون خلف النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن، وقبل أن يظهر النور والضوء ينصرفون فتجمعهم الطريق الثلاثة، فيسأل بعضهم بعضاً أين كنت؟ فيقول: كنت أسمع محمداً، فيتواعدون ويتحالفون ألا يأتوا إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بهم بعد أيام يرجعون، ومع ذلك لا يؤمنون به، والقرآن عجيب ومحير ومعجز، فقد أعجزهم وأتى بهم مرة ثانية لكي يستمعوا لهذا القرآن مرة ومرتين وثلاثاً، وفي الأخير يقولون: سنفتن الناس، فيتحالفون ألا يأتوا للنبي ﷺ . فقالوا للوليد بن المغيرة قل شيئاً في هذا القرآن، فقال: أسمع قليلاً منه ثم أقول ما فيه، فلما سمع القرآن قال لهم: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فقالوا: أنت تقول هذا الشيء، فقال الوليد: نعم أنا الذي أقول هذا الشيء، فقام أبو جهل والثاني والثالث وقالوا: لقد سحرك محمد، وبعد ذلك قام أبو جهل الملعون بحيلة، فقام بجمع أموال من قريش وذهب بها إلى الوليد وقال: خذ هذه الأموال، فقال الوليد: لقد علمت أني أغناهم، فقال أبو جهل: أنت ما ذهبت لمحمد وسمعت منه إلا لكي يعطيك أموالاً، فخذ هذه الأموال فقد أتينا بها لك، فتأخذ الوليد النعرة والعصبية ويقوم ويقول كما يقولون: إنه ساحر، فقال الله : ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا﴾ [المدثر:١١ - ١٦] فهو بعدما سمع هذه الآيات عاند. فهو بعدما قال: وما هو بقول البشر، قالوا له: ضحك عليك محمد وقال بأنه سيعطيك مالاً، فقال لهم: أنا سأفكر قليلاً، فذكر الله لنا صورة هذا الإنسان وهو يفكر، وكيف أنه يريد أن يكذب على النبي ﷺ بعد أن عرف أن هذا من عند الله وما هو بقول البشر، فقال الله يصور الصورة التي كان بها: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ﴾ أي: لعن، لعنه الله سبحانه في تفكيره وتقدير هذا الذي يقوله، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٩] يعني: كيف أعمل عقله وفكره ليقدر أشياء مكذوبة على النبي ﷺ ، ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:٢٠ - ٢١] أي: قعد يتلفت شمالاً ويميناً، ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ [المدثر:٢٢] كهيئة الإنسان الذي أخذه التفكير العميق فيعبث في هيئته، وبعد ذلك ﴿أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر:٢٣ - ٢٦] هذا الذي يستحقه، وسقر أسفل النار والعياذ بالله في قعر جهنم ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٧ - ٢٩] سقر تهلك من يدخلها وتفنيه؛ فهي لا تبقي ولا تذر، ولكن الله سبحانه كتب لهم أن يخلدوا ويظلوا فيها فلا تفنيهم، وإنما تعذبهم العذاب الشديد، ثم قال: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٩] أي: تلوح أبشارهم وتحيلها وتذهب ألوانها الناضرة إلى ألوان سوداء فظيعة كالحة. هذا واحد من هؤلاء الكفار فكيف بجميعهم؟!. كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه يقرأ القرآن ويبكي، فيسمعه المشركون وخاصة نساء المشركين كن يسمعنه وهو في داره فيتقاذفن عليه كل واحدة تريد أن تسمع أبا بكر وهو يقرأ، كان يعجبهن ذلك ولعلهن يبكين لبكاء أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فتضايق المشركون من هذا الشيء، وقالوا: ستفتن نساءنا، وتجعلهن يدخلن في هذا الدين الذي أنت فيه، فيقولون: إما أن تترك هذا الذي أنت عليه، وإما ألا تجاورنا، فـ أبو بكر الصديق ﵁ فكر في الهجرة والنبي ﷺ يأمره أن يبقى، ثم بعد ذلك يخرج أبو بكر الصديق ﵁ من مكة ويترك هؤلاء، ويدخل مرة ثانية في جوار ابن الدغنة في قصة طويلة. إذاً: فالقرآن عجيب، وإذا سمعه أي إنسان يحن إليه ويميل بأذنه، يريد أن يسمعه مرة ومرتين وثلاثاً من حبه لهذا القرآن العظيم، فالكفار استمعوا للقرآن وأعجبهم، ولكن منعهم الحسد للنبي ﷺ أن يدخلوا في هذا الدين العظيم، والقرآن يشد الإنسان ويجذبه إليه حين يتجرد عن الهوى، فيهديه الله ، قال الله في هؤلاء الكفار -الذين تمنوا يوم القيامة العودة إلى الدنيا-: ((وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ)).

стр. 2210

تفسير قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) قال الله تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤]. قوله: (حيل بينهم) أي: حال بينهم حائل يستحيل أن يتجاوزوه؛ لأن الله قضى أنهم لن يعودوا مرة ثانية إلى هذه الدنيا. قوله: (وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ) قال: (يشتهون) ولم يقل: يريدون؛ لأن في ذلك الموطن يريدون الشهوة، وأشد أمنية الإنسان أن يشتهي شيئاً، فالواحد منهم يوم القيامة يشتهي أن يرجع إلى الدنيا؛ فيؤمن ويصدق ويصلي لله ويوحده، لكن يقول هنا: ((وَحِيلَ بَيْنَهُمْ)). قوله: ((وَحِيلَ)) هنا الفعل مبني للمجهول، والجمهور على هذه القراءة ((وَحِيلَ بَيْنَهُمْ)) وقراءة ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب بإشمام كسر الحاء ضمة؛ لبيان أن الفعل مبني للمجهول، فالله يحيل بينهم وبينما يشتهون، لكن الصيغة للمجهول (حيل) وأصلها حويل، أي: بينهم وبينه، وبذلك يقرؤها هؤلاء القراء: ابن عامر والكسائي ورويس عن يعقوب. قوله: ((كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ)) أشياع جمع شيع، والشيع جمع شيعة، وشيعة الإنسان أقاربه ومن يحيطون به، وهنا ليس المقصود بها أقاربهم وإنما أشباههم وأمثالهم الذين تشبه هؤلاء بهم، فقد تشبهوا بقوم نوح بقوم عاد وبقوم ثمود، فهؤلاء أشياعهم وأشباههم في الباطل وفي الكفر، وكما فعل بالسابقين فحيل بينهم وبينما يتمنونه وما يشتهونه من إيمان ودخول في الدين، فهم لما جاءهم الموت تمنوا الرجوع، لكن لا تنفع نفس إيمانها في ذلك الوقت، أي: وقت الغرغرة، فكما حيل بينهم وبين الإيمان حيل بين هؤلاء وبينما يشتهون كما فعل بأشياعهم وأشباههم من قبل؛ لأنهم كانوا في الدنيا في شك مريب وفي شك عظيم، والريب بمعنى الشك، وكأن الكلمة ﴿فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ [سبأ:٥٤] يعني في شك عظيم جداً مثل ما تقول: هذا شيء عجيب، أي: غاية في العجب، كذلك هذا شك غاية في الشك والإرابة والبعد عن الحق.

стр. 2211

المناسبة بين أول سورة سبأ وبين آخرها انظر كيف بدأ الله هذه السورة العظيمة الجميلة بالحمد له سبحانه وكيف ختمها ، فهي بدايتها بدأ بحمده سبحانه وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ:١] وكأن هؤلاء المشركين يرفضون أن يعبدوا الله حامدين شاكرين له سبحانه متوجهين إليه بأفعالهم، فالله لا يحتاج إليهم سبحانه فهو الغني وهو يحمد نفسه جل في علاه. فلله الحمد الذي يعلم ما يلج في الأرض، ويعلم ما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يصعد فيها ، وهو الرحيم بعباده المؤمنين، الغفور الذي يغفر لمن تاب وأناب إليه سبحانه. ثم قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ:٣] أي: بدأ بذكر قصة هؤلاء الكفار الذين قالوا: ليس هناك ساعة ولا قيامة، فقال الله سبحانه: إنهم قد سعوا في آيتنا معاجزين يريدون إبطال هذه الآيات، وقد قال لهم الذين أوتوا العلم: إن هذا هو الحق الذي جاء من عند الله سبحانه، فإذا بهم يتهكمون على النبي ﷺ ، كما قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ:٧ - ٨] وساق أفعال هؤلاء، وكيف أنهم اتبعوا الشيطان من دون الله، وكيف اتبعوا الهوى، وضرب لهم الأمثلة وذكر لهم قصة سليمان ﵊، وكيف عبد ربه هو وأبوه داود ﵇، كذلك الجبال والطير يعبدون الله سبحانه، والكفار يأبون إلا الكفر الذي هم فيه، وغير ذلك مما ذكره الله في أول السورة، فختم بالجزاء: ((وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)) فهؤلاء يستحقون كل الذي فعله ربنا بهم؛ لأنهم في الدنيا لا يريدون أن يشكروا الله ولا أن يحمدوه سبحانه، ولا يتبعوا النبي ﷺ ، فإذا جاءوا يوم القيامة يقولون: أرجعنا، فأنى لهم التناوش والتناول في ذلك الموقف؟ فمستحيل أن يرجعوا إلى الدنيا ويخرجوا من النار. فإذاً: قد أعذر من أنذر، فالله عز جل جاءهم بالحق فرفضوا ذلك، وساق لك كيف صنعوا مع ربهم، فهم يستحقون هذا الجزاء ولم يظلمهم الله ، إذ حال بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل؛ لأنهم كانوا في شك مريب. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ونسأل الله سبحانه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2212

تفسير سورة فاطر [ ١ - ٢] سورة فاطر من السور المكية، وفيها إثبات صدق النبي ﷺ ، وتثبيته على ما يلاقيه من قومه، وفيها تذكير الناس بنعم الله عليهم، كما أن فيها كشف نوايا الكفار وبيان غلطهم في عبادتهم غير الله، وفيها إنذارهم وتخويفهم من عذاب الله ، وغير ذلك مما بين وذكر في هذه السورة العظيمة.

стр. 2213

ترتيب سورة فاطر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله ﵎: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:١ - ٢]. هذه السورة الخامسة والثلاثون من كتاب الله وهي من السور المكية التي كان نزولها قبل هجرة النبي ﷺ بزمن. وسورة فاطر في ترتيب سور النزول هي الثالثة والأربعون من كتاب الله ، نزلت بعد نزول سورة الفرقان، وقبل نزول سورة مريم، فهي من السور المكية التي نزلت في أوائل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2214

عدد آيات سورة فاطر وهذه السورة عدد آياتها ستة وأربعون آية حسب العد المدني الأخير وحسب العد الدمشقي أيضاً، وحسب المصاحف الدمشقية، وأربعة وأربعون آية حسب العد في المصحف الحمصي، وخمسة وأربعون آية في باقي المصاحف. وكما ذكرنا قبل ذلك: أن الخلاف في عد الآي يرجع إلى الوقف، أين وقف النبي ﷺ ؟ فقد يكون بعض القراء عدوا آية واحدة عدها البعض الآخر آيتين، باعتبار أن النبي ﷺ وقف في وسط هذه الآية، هذا هو سبب الاختلاف في العد، وليس زيادة آية أو نقصانها.

стр. 2215

أسماء سورة فاطر وهذه السورة اسمها سورة فاطر؛ لأنه بدأها سبحانه بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، وتسمى أيضاً بسورة الملائكة، لقوله سبحانه: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]، فذكر الله الملائكة مثنى وثلاث ورباع، فتسمى بسورة الملائكة؛ لذلك تجد بعض المفسرين يذكرون أنها سورة الملائكة، والأكثرون على أنها سورة فاطر، وهذه التسمية سواء كانت سورة الملائكة أو سورة فاطر لا تغير ما تحويه السورة.

стр. 2216

خصائص سورة فاطر هذه السورة سورة مكية فيها خصائص السور المكية، مثل الاهتمام بأمر العقيدة وأمر توحيد الله سبحانه، والتركيز على الحساب والجزاء، وعلى ذكر يوم القيامة والبعث والنشور، والجنة والنار، وذكر أهل الجنة، وذكر أهل النار، وفيها إثبات تفرد الله بالإلهية، وأنه الإله وحده الذي يستحق أن يعبد دون غيره، فبدأها بقوله: ((الحمد لله)) يعني: كل الحمد له وحده لا شريك له ، وجاء التأكيد على هذا المعنى في ثنايا السورة، فإنه مستحق للحمد على ما أبدع من الكائنات وخلقها ، وهذه الكائنات فيها دلالة على أنه متفرد بالخلق والأمر وحده لا شريك له.

стр. 2217

أغراض سورة فاطر هذه السورة من أغراضها إثبات صدق النبي صلوات الله وسلامه عليه فيما جاء به من عند الله سبحانه، وأنه جاء بالذي جاء به الرسل من قبله عليهم الصلاة والسلام. وفيها أيضاً: إثبات البعث وإثبات الدار الآخرة. وفيها: تذكير الناس بنعم الله عليهم، كنعمة الإيجاد، فإنه أوجدكم سبحانه، ونعمة الإمداد؛ فإنه يمدكم ويعطيكم من فضله . وما يعبد المشركون من دون الله لا يملكون من قطمير، كما قال سبحانه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]. أيضاً فيها: تثبيت النبي صلوات الله وسلامه عليه على ما يلاقيه من قومه، فيصبره ربه بما في هذه السورة من ذكر ذلك. كذلك فيها كشف نوايا هؤلاء الكفار في إعراضهم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأن ما منعهم من ذلك إلا أنهم تعززوا، وحسدوا النبي ﷺ على ما هو فيه من رسالة من عند الله، فحسدوه وأخذتهم العزة بالإثم. وكذلك فيها الإنذار لهؤلاء وتخويفهم بأن ما حل بالسابقين قد يحل بهم كذلك. وفيها أيضاً: الثناء على الذين تلقوا كتاب الله ، وتلقوا هذا الإسلام العظيم بالتصديق، وبضد ذلك حال المكذبين. كذلك فيها تذكير الناس بأنهم يودون أن يرسل الله إليهم رسولاً، فلما جاءهم رسول من عند رب العالمين كفروا به، وكذبوا وأعرضوا، فيذكرهم: ألم تكونوا تسألون الله سبحانه أن يرسل إليكم رسولاً؟ كذلك فيها أنه لا مفر لهم من حلول العذاب بهم على تكذيبهم، وقد شاهدوا آثار الأمم السابقة كيف فعل الله بهم، فلا يغتر هؤلاء بإمهال الله ، ولا يغتروا بالشيطان، قال سبحانه: ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]. هذه مجمل أغراض هذه السورة، وهي كلها من خصائص السور المكية.

стр. 2218

تفسير قوله تعالى: (الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلاً) هذه السورة بدأها الله سبحانه بقوله: ﴿٣الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١] وقدمنا أنه في كتاب الله خمس سور افتتحها الله بهذا الحمد العظيم له وحده، وهي: سورة الفاتحة، وسورة الأنعام، وسورة الكهف، وسورة سبأ، وكذلك هذه السورة سورة فاطر، وكلها سور مكية، وكأن الخطاب موجه للخلق: (اعبدوا الله)، فرفض الكفار أن يعبدوه، وأن يشكروه سبحانه، وأن يحمدوه، فقال: (الحمد لله) أي: هو مستغنٍ عن حمدكم، ومستغنٍ عن شكركم وعبادتكم، فهو جعل له عباداً يعبدونه من الملائكة، عبدهم لنفسه ، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وخلق من الإنس ومن الجن من هم أولى بعبادته ، وهو غني عن الخلق جميعهم. وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] الحمد كما قدمنا هو بمعنى: الثناء الجميل والحسن على الله بأفعاله العظيمة الحسنة الجميلة، فهو يحمد بما يستحقه وبما هو أهل له، ويثنى عليه بجميل فعله . ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، في هذه السورة اسمان له : اسمه (الله)، واسمه (الفاطر) و (الله) بمعنى: المألوه، فالله هو المعبود الذي يؤله ويعبد ، فالخلق يعبدونه وحده لا شريك له، فقد أمرهم بعبادته فقال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]. وفطر الشيء بمعنى: خلقه، وبمعنى: أوجده على غير مثال سابق، وبمعنى: اخترعه وابتدعه. فقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١]، أي: أوجدهما ولم يكن قبل ذلك مثال لهما عمل على شكله وعادة الناس في الاختراعات أنهم يقلد بعضهم بعضاً، فهذا صنع شيئاً والثاني طور هذا الشيء، والثالث طوره إلى شيء آخر، فالطائرة التي تطير كيف وصلوا إلى صناعتها؟ بدءوا يفكرون كيف تطير هذه الطيور، والطيور من خلق الله ، فجاء العباس بن فرناس وعمل له جناحين، وحاول أنه يطير من على الجبل بالجناحين، فوقع على الأرض، والذي بعده طور هذا الشيء، والثاني يطور ويطور، إلى أن اخترعوا الطائرة والصاروخ. فالإنسان يخترع، لكنه يقلد من كان قبله أو يقلد خلقاً خلقه الله ، لكن الله حين أوجد السماوات والأرض لم يكن قبلها سماء يخلق مثلها، ولم يكن قبل الأرض أرض أخرى يخلق مثلها، ولكن هو الذي فطرها، أي: أنشأها أول مرة ولم يكن لها مثال سابق قبل ذلك. فالله فاطر السماوات والأرض، أي: خلقها على غير مثال سابق، وابتدع إنشاءها، وأتقن صنعها، فهو فاطر، أي: خالق هذه الأشياء التي ليست على مثال سابق قبل ذلك. يقول عبد الله بن عباس رضي الله ﵎ عنهما: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض، أي: ما معنى فاطر السماوات الأرض؟ لأن فاطر معناه: خالق، وخالق تحتمل معنى الخلق، وتحتمل معنى التقدير، لكن هناك فرق بين فاطر وخالق. فهنا ابن عباس ﵄ يقول: ما كنت أعرف معنى هذه الكلمة إلى أن جاء أعرابيان يختصمان إليه في بئر، فقال أحد الأعرابيين: أنا فطرتها. فتبين لـ ابن عباس الآن معنى فطرها، أي: أنا حفرتها وأوجدتها قبل أن تكون قبل ذلك. فقول الأعرابي: أنا فطرتها، أي: أنا ابتدأتها، وعلى هذا فمعنى: (فاطر السماوات والأرض)، أي: الذي ابتدأ خلق السماوات والأرض على غير مثال سابق. وقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]، الله يذكر الآيات العظيمة، مثل خلق السماوات وخلق الإبل وغيرها، كما قال سبحانه: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٨]، فتتفكر في هذه السماء العظيمة، وتتفكر في الكون وفي الخلق الذي أمامك، فإن الذي خلقه هو الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]. ولما نزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩٠] التي في آخر سورة آل عمران قال النبي ﷺ في صبيحة نزولها: (لقد أنزل عليّ الليلة آيات، ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها، ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها)، فلما يقرأ الإنسان: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران:١٩٠] لا يجعل الآيات تمر هكذا على أذنه كأي شيء يسمعه، ولكن عليه أن يتدبر ويتفكر في خلق هذه السماوات، ويتفكر في السماء التي لا يصل إليها أحد أبداً، وفي النجوم التي في السماء، يقولون: إن أقرب نجم من هذه المجموعة إلينا يبعد عنا أربعة ونصف مليون سنة ضوئية، فمن يستطيع أن يصل إلى هذه المسافة؟ وكيف يصل إلى هذه المسافة بشر؟ مستحيل أن يصل إنسان إلى نجم من هذه النجوم، فإنه يريد أعماراً حتى يصل إليها، والبشر إنما وصلوا إلى ما حوال الأرض في فلك الأرض نفسها، والمجموعة الشمسية التي حول الشمس منها الأرض، ومنها الزهرة ومنها القمر ومنها المريخ وغيرها من المجموعة التي تدور في فلك واحد قريبة من بعضها، فقد يصل الإنسان إلى ذلك، أما أنه يصل إلى نجم من النجوم فلا، بل مستحيل أن يصل إليه. وهذه النجوم البعيدة جداً في السماء جعلها الله سبحانه زينة للسماء الدنيا تحت السماء الدنيا، والإنسان لا يصل إلى هذه السماء، والسماء فيها مجرات، وفيها كواكب وشموس وأقمار، والمجرة التي نحن فيها تسمى بمجرة درب التبانة؛ ويشبهونها بالتبن، لأن منظرها مثل التبن وهذه المجرة عدد الكواكب التي فيها والأقمار والشموس مليارات، والأرض كوكب من الكواكب التي فيها، وهي أصغر الكواكب فيها، وهناك كواكب أخرى كثيرة أكبر منها بكثير. هذه المجرة التي نحن فيها التي اطلع العلماء على وجه واحد فقط منها، وهو الوجه المواجه للأرض فقط، أما الذي خلفها والذي تحتها فإلى الآن لم يعرفوا عنه شيئا، يقولون: الذي قدرنا أن نحصي منها كذا وكذا مليار من الشموس ومن الأقمار، أي: في هذا الجزء الذي أطلعهم عليه ربنا، وكل يوم يخترعون شيئاً ينظرون به إلى هذه الأشياء، فتجدهم يقولون: اكتشفنا اليوم أن هذا نجم على بعد كذا سنة ضوئية، واكتشفنا نجماً آخر على بعد كذا، بل نقرأ في الجرائد أنهم عملوا في أمريكا تلسكوباً جديداً المرآة التي تتبعه تبلغ حوالي أربعين متراً أو نحو ذلك، وفيها أشياء يستطيع الشخص أن ينظر بها على بعد مئات الكيلو مترات، ولو أن شمعة تحترق على بعد كذا مليون كيلو متر لرأوها وهي تحترق بهذا التلسكوب، هذا التلسكوب صنعوه من أجل أن ينظروا به في خلق الله ، ويجدون العجب العجاب، يجدون الكون الذي لا يتناهى، ويجدون أن الكون ممتلئ بالشموس والأقمار والنجوم، وكل شيء في فلكه يدور ويجري ليس فيها شيء يصطدم في شيء آخر، بل يسيرها الله في دقة متناهية، ويجدون أشياء عجيبة جداً، فالإنسان يتفكر في هذه الأشياء العظيمة، من الذي دبر أمرها؟ ومن الذي أوجدها؟ ومن الذي جعلها في هذا المدار التي هي فيه تدور ولا يرتطم بعضها ببعض؟ إنه الله الذي قال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]. فالله خلق هذه الأرض وجعلها للإنسان، وعمرها له، وجعلها صالحة لأن يعيش عليها، وخلق له فيها الماء، وأخرج له فيها المرعى، وجعل له طعامه منها، وجعل له حيوانات يحمله عليها، ودبر أمرها، وما من شيء إلا والله يعلم عنه كل شيء، كما قال : ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ * عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٨ - ٩]، وقال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩] فكل شيء عند الله في كتاب مبين، فعندما تتفكر في النمل الذي يسير في الأرض تقول: كم نملة يا ترى في هذه الأرض؟ ولماذا خلقها الله سبحانه؟ والنبي ﷺ نهى عن قتل هذا النمل الذي أوجده الله سبحانه على الأرض. فالإنسان يتفكر، وتفكير الإنسان قاصر؛ لأنه ينظر من جهة واحدة فقط، لكن لم يحط بكل شيء علماً. فالله بديع السماوات والأرض، وفاطر السماوات والأرض، جعل لكل شيء سبباً من الأسباب، فتجد النمل الذي تتأذى منه يحبه أناس آخرون، ويبحثون عنه، ففي بعض الأماكن مثلاً: يذهبون إلى الغابة ليأتوا بالنمل، ويقطعون أشجاراً من الغابة ممتلئة نملاً فيأخذونها فوق الجمال ويبيعونها في السوق، فيشتريها أناس من أصحاب البساتين التي فيها الموالح فتتسلط على فطريات معينة ومكروبات معينة، والنمل فقط هو الذي يقدر أن يقضي عليها، ولم لم يستخدموا النمل لهلك محصولهم، وهذا شيء عجيب جداً! لقد خلق الله النمل، وعرفه كيف يجمع غذاءه، فترى كل نملة من النمل تأتي إلى الحبة الموجودة في الأرض، فتخاف أن يأتي عليها الشتاء وتخاف أن تزرع هذه الحبة، فتأكلها من المكان الذي تنبت منه؛ من أجل أن تفسد الحبة ولا تزرع بعد ذلك، فالله سبحانه هو الذي أعطاها هذا التفكير لكي تصنع ذلك، قال : ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ

стр. 2219

عظم خلق الملائكة قال الله سبحانه عن نفسه: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١]، أخبرك الله عما ترى في السماء من العجب، وأخبرك أن الأرض فيها العجب، فأنت نظرت فوجدت ما قاله الله حقاً. والآن يخبرك عما لا تراه، فتصدق كما صدقت في الأول، فالملائكة خلق من خلق الله ، جعلهم الله عباداً له مطيعين، كما قال عنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فمنذ أن خلقت الملائكة إلى أن يشاء الله وهم يعبدون الله ولا يعصون لله أمراً، هؤلاء الملائكة أخبر سبحانه أنه خلقهم: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر:١]. وقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر:١] أي: رسلاً بين الله وبين من شاء ممن اصطفاه الله من خلقه، من الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فينزل الملك بالوحي من السماء إلى الأرض، والعادة أن الذي ينزل هو جبريل، وقد ينزل الله غيره، فمن الملائكة الرسل بين السماء والأرض جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فإن ملك الموت رسول رب العالمين ليقبض أرواح الخلق، فجعل الله من الملائكة رسلاً ينزلون إلى هذه الأرض، لما يشاءه الله سبحانه. ولما سأل النبي ﷺ جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام: (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا)، يعني: أنت تنزل علينا في أوقات معينة فلماذا لا تأتي أكثر من ذلك؟ وجبريل ﵇ يحب النبي صلوات الله وسلامه عليه، والنبي ﷺ يحبه، فأنزل الله قوله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [مريم:٦٤])، فلا تشغل نفسك بذلك، واشغل نفسك بعبادة الله الذي يرسل الملائكة، واشغل نفسك بالمرسِل وهو الله عن هذا المرسَل الذي يأتي إليك بأمر الله سبحانه. وهؤلاء الملائكة العظام ﵈ جعل الله لهم أجنحة، وأنت تتفكر: لماذا الأجنحة؟ هل هي ليطيروا بها؟ فالمسافة التي بين السماء والأرض مستحيل أن يقطعها صاروخ، أو تقطعها طائرة أو نحو ذلك، لكن الملك يقطعها في وقت قليل جداً، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة:٥]، ونزول الملك إلى هذه الأرض يكون في وقت يسير جداً، فقد كان ينزل من السماء إلى النبي ﷺ بكرة وعشياً في الصباح وفي المساء، والوقت الذي ينزل فيه لا يقدر مخلوق أن يصل إليه إلا في هذا القدر: ألف سنة، فلذلك خلق لهم الأجنحة ((مثنى))، كلمة (مثنى) معناها: اثنين اثنين، ((وثلاث)) يعني: ثلاثة ثلاثة، ((ورباع)) يعني: أربعة أربعة، يعني: من الملائكة من لهم جناحان جناحان، ومنهم -من الملائكة- من له ثلاثة ثلاثة، ومنهم من له أربعة أجنحة، فيقضون أمر الله بحسب ما يأمرهم . وقوله: ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر:١] هل هذا أكبر عدد؟ أخبر النبي ﷺ : (أنه رأى جبريل على هيئته التي خلقه الله عليها مرتين له ستمائة جناح)، فكان له هذا العدد الضخم من الأجنحة التي خلقها الله له. وأما كيف تكون؟ فلا ندري، فهذا خلق الله، وهو خلق عظيم جداً رآه بين السماء والأرض على هذه الهيئة العظيمة، ولما صعد بالنبي ﷺ ليلة المعراج، ووصل إلى سدرة المنتهى إذا به يتواضع، إلى أن صار كالحلس البالي، والحلس هو: الشيء الذي تضعه فوق الجمل حتى تقعد عليه، هذا الملك العظيم الذي سدت أجنحته ما بين المشرق والمغرب لما وصل إلى سدرة المنتهى تواضع، فإذا به كالحلس البالي من تواضعه للرب . وجاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود ﵁: (أن النبي ﷺ رأى جبريل ﵇ له ستمائة جناح)، وحدث النبي ﷺ عن بعض ما رآه في الملائكة فقال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، وإذا كان طول عنقه على هذه الهيئة، فكيف بباقي جسده؟

стр. 2220

تفسير قوله تعالى (يزيد في الخلق ما يشاء) قوله: ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] أي: يزيد زيادة عددية وزيادة كيفية في هذا الخلق، وفيما يعطيه من الوصف، فالله يزيد في الخلق ما يشاء، فيفنى خلقاً خلقه سبحانه، ويخلق خلقاً آخر جديداً، ويخلق ما يشاء . فعدد خلقه يزيد، فالبشر كانوا مليوناً ثم صاروا خمسة مليون ولا زالوا يزيدون وهكذا يزيد الجن والملائكة، والله يزيد ما يشاء في العدد وفي كيفية هذا الخلق، فيخلق خلقاً كالخلق الأول، ويخلق خلقاً آخر ليس كالذي خلقه من قبل، وإنما يخلقه بكيفية أخرى جديدة، فالله يفطر الأشياء ويبتدع ما يشاء . فالله في هذه الآية يقول: ((يزيد في الخلق ما يشاء))، ويدخل فيها أي شيء يزيده الله في الخلق من طول في قامة الإنسان أو الحيوان أو غيره، ومن اعتدال في الصور، ومن تمام في الأعضاء، وقوة في البطش ويعطي الحصافة في العقل، ويعطي الصحة في البدن، ويعطي الجزالة في الرأي، ويعطي الجرأة في القلب، ويعطي السماحة في النفس، ويعطي بعداً عن الآفات، ويعطي ذلاقة في اللسان وفي التعبير وفي البيان والفصاحة، ويعطي اللباقة في تكلم الإنسان، ويعطي حسن الهيئة وحسن مزاولة الأمور وما أشبه ذلك، فيزيد ما يشاء لمن يشاء من خلقه، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]، أي: يفعل ما يشاء سبحانه، ولا شيء يعجزه سبحانه.

стр. 2221

تفسير قوله تعالى: (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها) قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢] ففي الآية الأولى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١] فلا تعجب، فالله على كل شيء قدير، وهنا يقول: ((وهو العزيز)) أي: الغالب الذي لا يمانع، ((إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون))، ومستحيل أن يعترض أحد على ما يريده الله، فيمنع ما يريده الله، وليس هذا ممكن أبداً. فالله هو العزيز الغالب القاهر . ((الحكيم)) الذي يحكم كل شيء، ويخلق كل شيء بإتقان وبحكمة، فلا يدخل في خلقه خلل، وهو الحاكم على كل شيء، يحكم بأمره ما يريد، المحكم للأشياء . فالله هو الغالب ذو الحكمة سبحانه، القاهر الذي له حكمة في كل أمر من أموره، ويحكم كل أمر من أموره. وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ [فاطر:٢] أي: برحمته وبقوته وبحكمته: ((فلا ممسك لها))، أي: لا أحد يمسك رحمة الله سبحانه إذا فتحها؛ فهو العزيز الذي لا يغالب، ولا يقدر أحد أن يمنع رحمته عن أحد من خلقه سبحانه؛ لأنه العزيز سبحانه. فإذا أراد أن تمطر السماء فمستحيل أن يمنع الخلق هذا المطر، ولن يستطيعوا أن يمنعوا المطر، فإذا أمسك الله ذلك، وأقحط عليهم دنياهم، فهل يقدرون أن يأتوا بسحابة وينزلوا المطر منها؟ لا يقدرون. وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]، لا يقدر أحد أن يرسل ما يمسكه الله، فإذا منع الله فليس لأحد أن يقف ويقول: أنا أرسل هذا الذي منعه الله، لا يقدر أبداً، فإذا منع الله أحداً من خلقه رزقاً فلا يقدر أحد أن يأتيه بهذا الرزق ولا بغيره؛ لأن الله هو العزيز الغالب حين أعطى وحين منع ، الحكيم في عطائه وفي منعه. قال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر:٢] أي: لهذا الذي أمسكه ومنعه، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]. نسأل الله من فضله ورحمته؛ فإنه لا يملكها إلا هو، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2222

تفسير سورة فاطر [٢ - ٨] يذكر الله سبحانه عباده المؤمنين بفضله عليهم، وأنه هو القادر الوحيد على أن ينزل على عباده من رحماته، وأنه لا يستطيع أي مخلوق كان أن يمسك رحمة الله إذا أرسلها سبحانه، ثم يخاطب سبحانه خليله ﵊ بكلمات هي ألطف ما تكون ليبين له أن عمله مقتصر في الدعوة، وأن الهداية خاصة برب العزة والجلال.

стр. 2223

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم وهو العزيز الحكيم) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ * الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ * أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٢ - ٨]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات عن رحمته العظيمة التي يفتحها لمن يشاء من خلقه، ولا يقدر أحد على ردها أو على إمساكها، فقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ﴾ [فاطر:٢]، فمن ذا الذي يمسك رحمة الله إن فتحها لأحد من خلقه؟! وكذلك إن أمسك سبحانه ﵎ عن الخلق شيئاً وحجزه ومنعه، من الذي يستطيع أن يرسله بعد الله سبحانه؟! لا إله إلا هو سبحانه، فهو العزيز الحكيم، والغالب القاهر الذي إذا قضى شيئاً لا يقدر أحد أن يمنعه، وهو الحكيم، يقدر ما يشاء وقت ما يشاء سبحانه. ثم يقول الله سبحانه للناس جميعهم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [فاطر:٣]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [فاطر:٣]، ففي الخطاب المكي دائماً ينادي: يا أيها الناس! فالقليل من أهل مكة هم المؤمنون، والكثير منهم مشركون، فيجمع بندائه جميع الناس، بخلاف الخطاب المدني أن فالعادة في الخطاب المدني يقول: يا أيها الذين آمنوا؛ لأن الأكثر في المدينة هم المؤمنون. ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: اذكر ولا تنسى هذه النعمة ولا تسكت عنها، ولا تكتمها، وقل للخلق: قد أنعم الله علينا بنعم عظيمة. ولفظ: نعمة جنس، ولذلك لم يجمعها، فلم يقل: نعمات، فإذا جاء الجنس دخل فيه الواحد والاثنان والجمع والقليل والكثير. فإذا قال: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، أي: جميع النعم العظيمة من الله التي أنعم بها على خلقه، فكل نعمة أنعم الله بها على أحد من خلقه داخلة تحت هذه اللفظة، فاذكروا كيف أعطاكم السمع والبصر والفؤاد، وكيف أعطاكم اليد والرجل وأعطاكم العقل والعمل، والرزق، وخلق لكم السماوات، والأرضين والجبال، وأرسل الرياح، فاذكروا هذه النعم تعرفوا من الذي خلقها ومن الذي أنعم بها عليكم، فهو جدير أن تعبدوه وأن تشكروه وحده لا شريك له. (ونعمة)، كتبت في أكثر المصاحف بالتاء، فإذا وقفت عليها فتقف بالتاء، والجمهور على ذلك. ولكن ابن كثير وكذلك أبا عمرو ويعقوب البصريين، والكسائي يقرءونها بالهاء فيقولون: (اذكروا نعمة). ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣]، ﴿غَيْرُ﴾ [فاطر:٣]، بالضم وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة أبي جعفر وحمزة والكسائي وخلف: (هل من خالق غيِرِ الله يرزقكم من السماء والأرض)، بالكسر على أنها وصف لما قبلها، والأصل في خالق، أنه مرفوع. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]، و الجواب لا؛ لأن النبي ﷺ لو سأل هؤلاء الكفار من الذي خلقكم؟ يقولون: الله، ولو لم ينطقوا هذا، فقد شهد الله عليهم أنهم يقرون بذلك في قلوبهم ويقرون أن الله وحده هو الذي يخلق، وأنه وحده هو الذي يرزق وأنه وحده الذي ينعم سبحانه ﵎. ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣]، أي: هل يوجد أحد آخر غير الله يرزقكم من السماء فيفتح عليكم البركات من السماء وينزل عليكم من السماء ماء فيسقيكم ويطعمكم ويرزقكم ويخرج لكم الثمرات من الأرض فيطعمكم؟ والجوب: لا خالق غير الله ، فالمشركون يعرفون هذا الجواب؛ لأنهم لم يشركوا في ربوبيته سبحانه، فلا أحد من المشركين يقول: إن الرب اثنان ولكنهم يقرون بتوحيد الربوبية وأن الرب واحد، فقد جاء عمران بن حصين عندما كان كافراً، إلى النبي ﷺ وقال له النبي ﷺ : (كم تعبد اليوم يا حصين؟! قال: سبعة، واحد في السماء وستة في الأرض، فقال: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء)، فهو الذي يرجوه لنفعه وضره وهو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويحيي ويميت وينفع ويضر، ويعبدون هذه الآلهة، بسبب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فالشيطان زين لهم هذا الكلام الذي لا قيمة له، ولا معنى له، وقالوا: نحن أحقر من أن نعبد الله مباشرة، يقولون هذا كذباً وبهتاناً وزوراً، فيفترون على الله الكذب، ويعبدون غير الله ، فيقول الله مجيباً: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة:١٦٣] يعني لا يستحق العبادة إلا هو، فلا معبود بحق إلا الله . قال تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣]، الإفك بمعنى: الصرف: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٣] أي: فكيف تصرفون عن توحيده سبحانه، و (أنى يؤفكون) من الإفك وهو الافتراء وكيف يفترون عليه سبحانه ﵎ فيصرفهم كذبهم عن الله سبحانه ﵎؟ فإذاً كيف صرفوا عن توحيد الله سبحانه، هل هؤلاء لهم عقول، وهل هم ينظرون ويتفكرون ويعقلون؟ إنهم لا يعقلون، فلو كانوا يعقلون لعبدوا الله وحده لا شريك له، فانظر وتعجب كيف صرفوا عن توحيد الله وقد عرفوا أنه هو الرب وحده، فعبدوا غير الله ﵎.

стр. 2224

تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر:٤]، أي: إذا دعوتهم إلى ربك فكذبوك فليس هذا بالشيء الجديد: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فاطر:٤]، كقوم قوم نوح من قبل فقد كذبوا نبيهم نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٢٣ - ١٢٤]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٤١ - ١٤٢]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦]، أي: فلست أول نبي يكذب، ولكن كذب قبلك أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام. ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر:٤]، أي: الأمور كلها راجعة إلى الله سبحانه ﵎، ليجازي العباد على ما صنعوا، والذي يرجعها هو الله ، وفي الآية قراءتان: قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم جميعهم يقرءون: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ [فاطر:٤] وباقي القراء يقرءون: (وإلى الله تَرجِعُ الأمور). فكل أمر يحدث راجع إلى الله ليسأل صاحبه، لم فعلت هذا؟ ليجازي بذلك كل عامل بما عمل. فأي قول يقال وأي فعل يفعل، وكل تدبير يكون فهو إلى الله سبحانه ﵎، وكل شيء راجع إليه فإلى الله تصير الأمور، أي مصيرها إليه، والجزاء عليه .

стр. 2225

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس إن وعد الله حق) قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، كرر النداء مرة ثانية. ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [فاطر:٥]، وقد وعد الله سبحانه بالثواب على الإيمان والطاعة، ووعد بالعقوبة على الكفر والمعصية، ووعدكم بأنكم ترجعون إلى الله سبحانه، فوعده حق ولا يخلف الميعاد، وأمره آت حتى وإن نظرنا أنه بعيد، فلا شيء بعيد على الله فكل شيء قريب، ولذلك يقول: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، أي: سيأتي ولكونه يقيناً فهو في حكم أنه قد أتى، فالجنة آتية والنار آتية، والجزاء آت والعقوبة آتية، والله حسابه آت، والموت آت لا مفر منه. ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [فاطر:٥]، أي: لا تغتروا بهذه الدنيا فإن الدنيا تغر الإنسان وإذا تزخرفت له وتزينت له نسي نفسه، ونسي ربه سبحانه، ونسي دينه، وطمع فيها وكأنه سيعيش فيها ويخلد فيها أبداً، والإنسان نهم بطبيعته يريد المزيد، فكلما أعطي من الدنيا طلب الأكثر، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (أنه لو كان لابن آدم واد من ذهب لتمنى له ثانياً، ولا يملأ عين ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب). وهذه كانت آية في كتاب الله فنسخت تلاوتها، وبقي حكمها، وهنا يقول لنا النبي ﷺ ، إن ابن آدم طماع فلو أعطاه الله وادياً من ذهب، لتمنى وادياً ثانياً، ولو أعطاه الثاني لتمنى ثالثاً، وهو لا يدري ماذا سيعمل به؛ لأنه لا يفكر كيف يصنع في هذا الشيء، فيطلب ما لا يقدر عليه، ويطلب ما لا ينتفع به، ويطلب الكثير وهو موقن أنه سيموت، وأنه سيترك الذي جمعه، ولكنه طمع الإنسان ولو طمعت فيما عند الله سبحانه لكان خيراً لك وأبقى عند الله سبحانه ﵎. وجاء في حديث النبي ﷺ : (اثنان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا) فطالب العلم لا يشبع من طلب العلم، كلما ازداد علماً، ازداد علماً بجهله، ويقول الإمام الشافعي ﵀: كلما زدت علماً زادني ذلك علماً بجهلي، هذا يقول ذلك، وهو من هو؟! فالإنسان كلما ازداد علماً عرف أن فوقه من هو أعلم منه، وأنه تعلم من أهل العلم الذين كانوا أعلم منه بذلك، فيتواضع بطلب العلم؛ لأنه يزداد تواضعاً، فكلما فتحت له أبواب العلم فتح عليه أن يعرف قدر نفسه، وأن علام الغيوب هو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:٧٦]، فيتواضع العبد لله سبحانه، ويزداد تواضعاً، قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وكذلك في أمر الدنيا، فإذا فتحت الدنيا على أحد صار نهماً جشعاً، يطلب الدنيا، ولا يستكفي بما عنده، ولا يقنع بالشيء القليل الذي كان يأخذه بل يطلب الكثير حتى يشيب ولا يزال قلبه شاباً على حب الدنيا، فيصير الإنسان شيخاً كبيراً هرماً عجوزاً، وهو يطلب الدنيا، إلا من رحم الله ﵎، (يشيب الشيخ وقلبه شاب على حب الدنيا)، كما جاء في الأثر عن النبي ﷺ . قال تعالى: ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]. أي: لا تغتروا بالدنيا وزخرفها وزينتها، ولا تغتروا بما يزينه لكم الشيطان من شهوات ومن شبهات، فحذرنا من الدنيا وغرور الدنيا. فالدنيا إما أن تكون لإنسان داراً يستمتع فيها بطاعة الله كما قال بعض الحكماء: إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وجنة الدنيا هي جنة الطاعة، وجنة حب الله سبحانه، فالإنسان المؤمن يطيع الله ويرضى عن الله، فيرضيه الله ﵎. ﴿الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، جاء في القرآن بالضم: (الغُرُور)، وجاء في القرآن بالفتح: ﴿الْغَرُورُ﴾ [فاطر:٥]، فالغَرور هو صاحب الغُرور، أي: الشيطان، والغُرور: الباطل والزخارف التي في الدنيا، فإذاً لا تغتروا بما يقوله لكم الشيطان ويخدعكم به، والغرور هنا هو الشيطان لعنة الله عليه.

стр. 2226

تفسير قوله تعالى: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، أي: احذروا أن يغركم بالله سبحانه ﵎ وأن يزين لكم الباطل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فالشياطين يوحون إلى أشياعهم، وأوليائهم، ويوسوسون إليهم حتى يجادلوا المؤمنين بإيقاع الشبهات في قلوبهم، ويلبسون عليهم ليلبسوا عليهم دينهم، فأولياء الشيطان يسول ويزين لهم القول الباطل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١٣٧]، ولكنه ترك للشيطان أن يوسوس حتى يجازيه ويجازي أتباعه وأشياعه يوم القيامة. فحذر المؤمنين وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، فالشيطان يوسوس للإنسان، ويدفع أولياءه ليجادلوا المؤمنين، ولا يملك أكثر من الجدل وأكثر من الوسوسة في القلوب، ولكن الله أنزل الكتاب وأرسل رسوله صلوات الله وسلامه عليه، ووهب الناس القلوب والعقول حتى يفهموا عن الله سبحانه، فأعذر إليهم وحذرهم، وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر:٦]. وبين لنا أنه لما خلق آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام في الجنة كان الشيطان سبب خروجه من الجنة، وأنه وسوس إليه وإلى زوجه حواء حتى أكلا من الشجرة: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢١ - ١٢٢]. فالشيطان سبب بلاء الإنسان، وسبب خروج آدم من الجنة، فهو عدو لأبيك آدم أفلا يكون عدواً لك؟! وهو الذي قال لربه سبحانه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، وقال: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، فتوعد ابن آدم بأنه سيصنع به ذلك، وقال لربه سبحانه: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الإسراء:٦٢]، ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ﴾ [الإسراء:٦٢]، يعني سأزين للذرية وأحتال لها الحيل، حتى أخرجهم عن الدين وأضلهم وأدخلهم النار والعياذ بالله، فهو يريد أن يأخذ ذرية آدم معه إلى النار، أو من استطاع أن يأخذه منهم معه إلى النار. فلذلك قال لربه سبحانه ﵎: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:١٦]، وكأنه يقول: لن يتجاوزه إنسان إلا وفتنته وأغويته. قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، أي: عادوا الشيطان ولا تصادقوه، ولا تسمعوا لوسوسته، وتزيينه، ﴿إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، فالشيطان يدعو أتباعه وأشياعه ليكونوا معه في أصحاب السعير، يقول الفضيل بن عياض ﵀ ينادى على الإنسان الذي يكذب ويفتري ويترك ربه ويتبع الشيطان: يا كذاب يا مفتري! اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. وكل إنسان من أهل المعاصي يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ويقول: الشيطان الذي عمل لي كذا والشيطان هو الذي وسوس، ولكن أنت الذي اخترت، وأنت الذي اكتسبت، والله يحاسبك على كسبك أنت: لم أطعت الشيطان، وقد حذرك الله سبحانه وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]؟ يقول ابن السماك: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته! فالعجب ممن عرف الله سبحانه الذي أحسن إليه ومن عليه وأعطاه من كل النعم، وإذا به يعصي ربه سبحانه، ويطيع الشيطان الذي قد عرف عداوته، وعرف كيف عادى آدم، وبني آدم، وكيف جعل ابن آدم يقتل أخاه بغير ذنب وجرم، وكيف جعل الناس يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فإذا بالإنسان يستمع للشيطان ويتبعه ويترك ربه سبحانه ﵎. السعير أي: النار، والنار أسماؤها كثيرة، وأوصاف هذه الأسماء عجيبة تدل على منظرها القبيح، وهناك فرق بين نار الدنيا ونار الآخرة، فنار الآخرة نار سوداء مظلمة والعياذ بالله، ونار الدنيا جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة، فالله ﵎ خففها لينتفع بها البشر، وإلا لأحرقت كل شيء، أما نار الآخرة فوقودها الناس والحجارة، ونحن ما رأينا ناراً في الدنيا توقدها الحجارة، وهذا يدل على أن حرها قد بلغ أقصى ما يكون من درجات الحرارة، ومن أسماء النار جهنم، وهي مأخوذة من الجهومة، وفيها معنى الغضب ومعنى العبوس ومعنى الظلمة. ومن أسمائها: السعير، وهي مأخوذة من الاستعارة، فهي نار مستعرة كالمجنونة، تقول: فلان مسعور، وفلان به سعار، أي: به جنون، أصابه داء الكلب فصار كالمجنون، فهي نار مستعرة عظيمة، تفور وتجذب من جاء إليها، أو من وكلت به، وهي مضطرمة أشد اضطرام، مشتعلة أعظم الاشتعال والاستعار.

стр. 2227

تفسير قوله تعالى: (الذين كفروا لهم عذاب شديد) قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر:٧]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر:٧]، أي: الذين كفروا فتابعوا الشيطان وقد حذرهم الله سبحانه، فكفروا بالله، وأنكروا نعم الله سبحانه، وجحدوا ربهم سبحانه، وأشركوا معه غيره فعبدوا غير الله، وجعلوا آلهة مع الله سبحانه، فلهم عذاب شديد. وإذا قال الله عذاباً شديداً، فمهما تخيلت فلن يصل بك خيالك لشدة هذا العذاب، قال سبحانه: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:٨ - ٩]، ومعنى أمه: ما يؤمه ويقصده، فيؤم ويقصد ويدخل إلى الهاوية التي تهوي به في نار جهنم والعياذ بالله، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ [القارعة:١٠]، لم تر أنت هذه الهاوية من قبل، ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ [القارعة:١١]، أي: مشتعلة مستعرة قد بلغت أقصى درجات الحرارة والعياذ بالله. وهؤلاء هم الذين يأتون يوم القيامة ويذكرهم ربهم قائلاً: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]. وحالهم في النار أنهم عابسوا الوجوه: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ * ﴿تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:٤٠ - ٤٢]، وقد كلحت وجوههم: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤]، أي: كلحتهم النار وشوتهم والعياذ بالله، فإذا نظر الإنسان إلى صورة إنسان قد احترقت فتجد أن شفته العلوية تقلصت إلى أعلى، وشفته السفلى إلى أسفل وبدت أسنانه، ولعل هذا يموت في الدنيا فيستريح مما هو فيه، لكن أما أهل النار فلا يستريحون. أما المؤمنون، فبرحمة الله العظيمة الواسعة يدخلهم جنته، وهم فيها ينعمون، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر:٧]. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فاطر:٧]، وليس المقصود بالإيمان الإيمان بالقول فقط، ولكن المؤمن من آمن بالقول وعمل الأعمال الصالحة فأتى بأركان الإسلام، وأتى بما فرضه الله عليه، فلا بد من العمل، ولا يغتر الشخص بقوله: أنا مسلم ويترك العمل. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فاطر:٧]، فآمن بقلبه وظهر أثر إيمان القلب على اللسان بذكر الله ، وعلى الجوارح بأعمال الطاعة لله سبحانه ﵎، والخوف من الله سبحانه، والرغبة والرجاء في الله سبحانه، وحب الله وأولياء الله، وبغض أعداء الله من الكفرة والمشركين والمنافقين. قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [فاطر:٧]، أي: يغفر الذنوب ويمحوها ﵎، ويسترها ويكفرها، ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود:١١]، وأعظم الأجر جنة الخلود، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 2228

تفسير قوله تعالى: (أفمن زين له سوء عمله) قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]، ذكر الله السؤال ولم يذكر الجواب؛ لأن الجواب معروف، وهو أن من زين له سوء عمله، مصيبته عظيمة عند الله سبحانه، قال الله سبحانه: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف:١٠٣]، أي: هل تعرف من أخسر الناس عملاً؟ ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٤]، أي: أنهم يظنون أنهم محسنون، وأقسى ما يكون على الإنسان إذا ظن بنفسه أنه يعمل شيئاً جيداً، وهو لا قيمة له، فإذا جاء يوم القيامة كان أشد ما يكون عليه أن ينظر إلى أعماله التي كان يعملها وهي تطير أمامه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]. ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف:١٠٤]، فقد كان الكفار يطعمون ويسقون الحجيج، ويكرمون من يأتي إلى بيت الله، ولكن اعتقادهم باطل وقلوبهم خربة، فهم يعبدون غير الله سبحانه، وإذا قدموا يوم القيامة وجدوا كل هذا ذهب هباءً منثوراً، ولا يستحقون عليه شيئاً؛ لأنك لكي تستحق الأجر لا بد وأن تأتي بأصل من أصول الإيمان بالله سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٥]، فلا وزن لهم يوم القيامة عند الله سبحانه ولا قيمة لأعمالهم الصالحة التي عملوها، وهم على الكفر. إذاً: فمن زين لهم الأعمال الباطلة فعملوها وظنوها حسنة، لا تحزن عليهم. قال الله سبحانه: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]. أي: الهدى بيد الله، والضلال بيده سبحانه ﵎، يهدي من يشاء، ويخذل من يشاء. وإذا خذل إنساناً فثق أن هذا عدل من الله سبحانه، وأنه لا يستحق إلا ذلك، ومن هداه الله فقد تفضل عليه سبحانه، فهو يتفضل على عبده بأن يهديه، وأن يعينه على طاعته . قال تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٨]. فالكل يرجع إلى مشيئة الله وإلى حكمته وإلى عدله . قال تعالى: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، أي: احذر أن تقتل نفسك على هؤلاء كما قال في الآية الأخرى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، فهل تقتل نفسك من شدة الحزن على هؤلاء لكونهم لا يؤمنون؟ إنهم لا يستحقون ذلك. ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر:٨]، وقراءة أبي جعفر: (فلا تُذهِب نفسك عليهم حسرات)، ولا تضيع نفسك حسرة على هؤلاء. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]، إن الله عليم بصنع هؤلاء وبما يفعلونه، ويجازيهم عليه يوم القيامة . فالنبي صلوات الله وسلامه عليه كان أرحم الناس بخلق الله سبحانه، وكان يحب أن يدخل الجميع في دين الله، وكان يدعو إلى الله سبحانه بثقته بربه سبحانه، فإذا أجابوه بالأجوبة السخيفة السفيهة يحزن صلوات الله وسلامه عليه، ويشتد حزنه. حتى كاد يموت من شدة الحزن فأخبره ربه أن الأمر ليس كذلك؛ فإن الهدى بيد الله، والضلال بيده سبحانه، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وما على الرسول إلا البلاغ، وعليك أن تأخذ بالأسباب ودع النتيجة لله سبحانه، فهي ليست إليك. وكرر الله سبحانه ﵎ ذلك في كتابه مخاطباً نبيه الكريم صلوات الله وسلامه عليه، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٧٢]، أي: لن نحاسبك على عدم هداية هؤلاء وإنما سيحاسبهم الله على أفعالهم، وأنت تحاسب على أنك بلغت رسالة ربك سبحانه ﵎. وقال سبحانه: ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٧٦]، أي: لا تحزن على الذين يسارعون في الكفر فهم لن يضروا ربهم، وإنما يضرون أنفسهم، وقال له سبحانه ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]. وفي كل ذلك يخبر الله سبحانه نبيه ﷺ بما مضمونه: لا تحزن على عدم إيمان الكفار، وادعهم إلى دين الله سبحانه، واغضب لله سبحانه، ولكن لا تصل بك الحسرة إلى أن تقتل نفسك من شدة الحزن على هؤلاء، فهم لا يستحقون ذلك، وفيه التنبيه على أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يدعو بقلبه، ويحرص على أن يدخل الناس في دين الله، لقول النبي ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك مما طلعت عليه الشمس). وإذا فرضنا أن المدعو لم يستجب للذي دعاه، فليس المعنى أن الدعوة ضاعت؛ لأنه لم يستجب، ولكن ادع هذا وادع غيره وهكذا، وثق أن الهدى بيد الله، إن شاء هداه، وإن شاء تركه على ضلاله فأرداه: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر:٨]. نسأل الله من فضله ومن رحمته، إنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2229

تفسير سورة فاطر الآية [٩] الرياح جند من جنود الله تعالى، وقد جعل الله تعالى منها رياح رحمة ورزق وحياة للناس، ورياح عذاب وهدم ودمار، وقد جعل الله الرياح سبباً في نزول الأمطار، حيث إنها ترفع المياه المتبخرة وتسير السحاب إلى أماكن بعيدة؛ ليستفيد منها العباد والبلاد.

стр. 2230

تصرف الله تعالى بالرياح الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبد هـ ورسوله, اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فاطر: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩]. في هذه الآيات من سورة فاطر يخبرنا الله سبحانه ﵎ بعظيم قدرته وبديع فعله في الرياح التي يخلقها ويسيرها كما يشاء، ويرسلها ويقبضها كما يشاء ، فقال هنا عن إرسالها: ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ)) فالله يرسلها، وهو الذي يمسكها ويقبضها كما يقول سبحانه ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:٣٣] فهي بيد الله سبحانه، إن شاء أرسلها نسيماً خفيفاً طيباً، أو ريحاً عاصفة شديدة، أو ريحاً قاصفة مغرقة، والله يفعل ما يشاء ، فهو يخبرنا في هذه الآية عن آية من آياته في هذه الرياح العجيبة التي يسخرها ، والتي هي جند من جنده سبحانه، تأتي العباد برزق الله , وتتحرك كما يشاء الله، فتأتي من المشرق والمغرب والشمال والجنوب كما يشاء الله ، وتأتي بالروح والرحمة من الله، وتأتي برزق الله , فالرياح تثير السحاب، ثم تنزل من السحاب أمطاراً، فينزل منها البرد، وينزل منها ما يشاء الله , وقد يجعلها تأتي على مكان من جميع الأماكن، فتأتي الرياح في منطقة من المناطق فتحرك الأمواج من مكان إلى مكان، وقد تحركها في مكانها فتصير دوامة في المكان نفسه، والله يفعل ما يشاء سبحانه فهذه الرياح جند لله سبحانه يسخرها كما يشاء.

стр. 2231

الجمال الفني في القرآن قوله تعالى: (الرياح) هي قراءة الجمهور وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف الريح، وفي القرآن كله غالباً تأتي كلمة الرياح والريح وفيهما نفس القراءات، فقراءة للبعض الرياح، وقراءة للبعض الآخر الريح، ولذلك ما ذكره الثعالبي من أن الرياح لم تأت في القرآن إلا بمعنى الرحمة والرزق والعكس في الريح، فكذا هنا قال الله سبحانه: ((الله الذي أرسل الريح)) على قراءة، وقراءة أخرى الرياح، فالراجح أن الريح والرياح واحد, فالريح مفرد، والرياح جمع، فالله يرسل الرياح بالرحمة منه والرزق، وكذلك يرسل الريح بالرحمة منه والرزق، وقد يعكس ذلك سبحانه ويرسلها بالعذاب على من يشاء من خلقه, كما قال تعالى: ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ)) فنلاحظ هنا أنه أخبر بفعل ماضٍ فقال: ((اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ))، ثم يجعلك تستحضر الحال فيعبر بالمضارع، فلم يقل بعدها فأثارت سحابة، حيث كان الأصل أن يعبر بالماضي إذ بدأ به، ولكن عبر بالمضارع؛ لاستحضار الحال وكأنك الآن مستحضر لهذه الصورة وتراها وهي تثير هذا السحاب، وهذا من التفنن القرآني، وهو أسلوب عربي معروف, فالقرآن عظيم، وفيه أساليب العرب الجميلة في البلاغة، فيأتي القرآن بهذه الأساليب التي يفهما العرب ويعرفون دقتها وجمالها، فيأتي أحياناً بصيغة الخطاب للمتكلم، وبعد ذلك يقلب الخطاب للغائب، فهنا يذكر الله أنه أرسل على صيغة الماضي، ثم بعدها يعبر بصيغة المضارع، فيقول العلماء: وهذا التعبير معروف عند العرب، ومن ذلك قول أحدهم وهو شاعر من الشعراء واسمه تأبط شراً حيث يصف نفسه بالشجاعة فيقول: بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان. فأضربها بلا دهش فخرت صريعاً لليدين وللجران. فيقول: إنه لقي الغول، والغول عفاريت، فهو يحدث عن شجاعته، وأنها وصلت إلى درجة عظيمة بالغة حيث أنه قابل الغول لوحده في الصحراء، وكان العرب يمرون في الصحراء فتتغول الغيلان والجن، وتستهزء وتلعب بهم، فيخافون ويرتعبون ثم يشركون بالله سبحانه فيقول أحدهم: أعوذ برب هذا الوادي، يعني: استعيذ بسيد الجن في هذا الوادي، فتفرح الجن؛ لأن العرب أشركوا بالله سبحانه وعبدوهم وتعوذوا بهم من دون الله سبحانه فتتركهم يمرون، فهذا يقول: أنا قابلت الجن وحدي في الصحراء، فقال: بأني قد لقيت الغول تهوي, أي: آتية تجري نحوي , بسهب في الصحيفة صحصحان، وسهب هو الفلاة، يعني: في صحراء واسعة منبسطة مثل الكتاب الواسع، صحصحان أي: أرض مستوية واسعة، فأضربها بلا دهش فخرت. فانتقل من بأني قد لقيت في الماضي إلى فأضربها بالمضارع، فكأنه يقول: استحضر الحال، وانظر إلي وأنا اضربها الآن ضربة شديدة، فيقول: فأضربها بلا دهش، أي: بلا خوف، فخرت صريعة لليدين وللجراني، يعني: لليدين وللفم أو للرقبة، بمعنى: سقطت على الأرض، فهذا من الأساليب البديعة عندهم أن يعبر بالماضي ثم يعبر بالمضارع, أو يعبر بضمير الغائب وبعد ذلك يعبر بضمير المتكلم أو ضمير المخاطب، وهنا ربنا سبحانه ﵎ يقول: ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ)) أي: أثارت السحاب وحركته، يقال: أثرت أرنباً من مكان، أي: أفزعته وحركته وجعلته يجري، فكذلك الريح تحرك السحاب من مكان إلى مكان.

стр. 2232

أنواع الرياح الريح: من روح الله ورحمته سبحانه، وقد تكون من عذاب الله ، فيرسل الريح بالرحمة على قوم، ويرسلها بالعذاب على قوم، وقد رأى قوم سحاباً في السماء أثارتها الرياح فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤] ومن هذه الآية أخذوا أن كلمة الريح تأتي بالعذاب، ولكن هنا قال الله : ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ)) على قراءة الجمهور، وعلى قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف الريح، فهي هي الريح، إما برحمة من الله، وإما بعذاب من الله ، والرياح والريح واحد. وقوله تعالى: (فسقناه): رجع إلى لفظ الماضي مرة ثانية وهذا من التفنن في الخطاب، فكأنك تنظر إلى عظمة الله سبحانه بالتدبر في آياته ومخلوقاته في هذا الكون، فانظر إلى هذه الريح التي أرسلها الله، فأنت لم تر إرسال الريح ولكن ترى السحاب وهي تجتمع في السماء سحابة مع سحابة، ثم تساق السحاب بواسطة الرياح، فعندما ترى السحاب تخمن نزول المطر، فكأنه يحضر لك الحال أمامك. قوله تعالى: ((فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ)) قرأها ((بَلَدٍ مَيِّتٍ)) المدنيان نافع، وأبو جعفر، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي، وخلف، وباقي القراء يقرأون ﴿إِلَى بَلَدٍ مَيْتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] والمعنى: جاءت الحياة إلى هذه الأرض الميتة من عند الله ، وأراد أن يريكم حاجتكم إليه سبحانه، فكل إنسان محتاج إلى ربه سبحانه، ومحتاج إلى هذه الرياح ومحتاج إلى المطر، ومحتاج إلى الماء، ومحتاج إلى الثمار والحبوب، ومحتاج إلى هذه الأرض، ومحتاج إلى رحمة الله سبحانه.

стр. 2233

كيفية تكوين السحاب ونزول المطر يقول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] فالرياح تسببت في تكوين هذه السحاب، إذ تحرك الأمواج في البحر، لأن الماء لا يتحرك لوحده، ولكن الله يرسل الرياح فتحرك أمواجاً ظاهرة فوق الماء، وأمواجاً باطنة داخل الماء، فيتحرك الماء من مكان إلى مكان برحمة رب العالمين سبحانه, ولو بقي في مكانه لتعفن، ولكن شدة الريح تدفع هذه المياه إلى أن تتحرك وتفيض، ثم تأتي الشمس على هذه الأرض فتسخن ما على الأرض من ماء فيتبخر، ثم ترفعه الرياح إلى السماء، فالله سبحانه جعل لهذا الكون مقادير عجيبة، وآيات دقيقة من فضله سبحانه ﵎، وتخيل حرارة هذه الشمس لو ظلت مسلطة على الماء كلما ارتفع إلى السماء حيث تشتد هذه الحرارة بالقرب من الشمس، لكانت المياه التي على الأرض قد تبخرت ولم ترجع مرة أخرى, فالله من فضله سبحانه ﵎ جعل حول هذه الأرض من خارجها في الغلاف الجوي أماكن باردة جداً، فكلما صعدت المياه قلت الحرارة ولم تزد رغم قربها أكثر من الشمس، وهذا صنع الله سبحانه ﵎, فإذا بالمياه ترتفع مع الرياح إلى ارتفاع حوالي ستة عشر كيلو، أو من ثمانية إلى ستة عشر كيلو متر فوق سطح الأرض وهي المنطقة التي تتكون السحاب فيها أو فوقها بيسير، فالأرض أخرجت ماءها والشمس بخرته إلى هذا المكان، ثم يرسل الله الرياح فتحرك السحاب من مكان إلى مكان، فالرياح حركت الأمواج والمياه من مكان إلى مكان، والشمس سخنت فبخرت، ثم يرتفع الماء فتحركه الرياح إلى أعلى فتتكون السحاب هناك, ولو لم يكن هناك رياح وتبخر هذا الماء لبقى في السحاب، ولنزل في مكانه، فالمياه التي تبخرت من البحر ستنزل فوق البحر مرة ثانية، والتي تبخرت من النهر ستنزل فوق النهر، والتي من الأرض اليابسة مني عيونها وأنهارها ستنزل فوقها مرة ثانية، ولن ينتفع الناس بهذا الماء كثيرا إلا المكان الذي تبخر منه، ولكن الله الذي جعل لكل شيء قدراً شاء سبحانه أن هذه السحاب لا تقف في مكانها، ولكن يرسلها الله سبحانه فتتحرك من مكان إلى مكان.

стр. 2234

مصارف الأمطار هناك إحصائية يقول فيها العلماء: إن ماء الأرض يتبخر منه سنوياً ثلاثمائة وثمانون ألف كيلو متر مكعب من المياه، وأغلب هذه المياه تخرج من المحيطات والأنهار والبحار وهي حوالي ثلاثمائة وعشرون ألف كيلو، أما ستون ألف كيلو متر فيخرج من سطح اليابسة من العيون والأنهار التي فوقها, ثم يتحرك السحاب إلى مكان آخر بحسب ما يشاء الله سبحانه, فيأمر المطر أن ينزل في مكان ويمنعه أن ينزل في مكان آخر، وهذا بقضاء الله وقدره. وقد اكتشف العلماء بأنه يصعد من البحار والمحيطات ثلاثمائة وثمانون ألف كيلو، والذي ينزل على البحار والمحيطات مائتان وأربعة وثمانون ألف كيلو، والباقي يتوجه إلى اليابسة وينزل فيها، فتنبت الحقول والبساتين كما يشاء الله ، فنلاحظ أن الذي صعد من سطح اليابسة ستون ألف كيلو، والذي ينزل على اليابسة ستة وتسعون ألف كيلو، فالذي ينزل على الأرض من الماء أكثر مما يتبخر منها، فالقدر الذي يرتفع يحركه الله كما يشاء لينبت للعباد الحبوب والثمار وما يشاء سبحانه، وينزل عليهم الأمطار يستقون منها ويسقون دوابهم منها والله يفعل ما يشاء.

стр. 2235

بعض آيات الله في الأمطار من آيات الله سبحانه في هذه المياه أنه يبخر مياه المحيط الذي هو شديد الملوحة، ومياه البحر الذي هو أقل منه ملوحة، ومياه النهر الذي ليس فيه ملوحة، فإذا نزل الكل على هذه الأرض نزل ماءً عذباً فراتاً مباركاً من السماء, وهذه هي عملية تبخير الماء وإرجاعه بالتكثيف، والآن يحاول البشر أن يعملوا هذه العملية؛ لكي يحلو مياه البحر، فيأخذون في تكثيف المياه بأن يبخروها، ثم يستقبلوها على شيء. ويكثفوها فتنزل مرة أخرى وطعمها حلو، ولكن عندما تشرب مياه محلاة من محطات تحلية وماء المطر تجد الفرق بين صنع الله سبحانه ﵎ وصنع البشر, فالمياه المحلاة ليس لها طعم، أما مياه المطر فهي طاهرة طيبة مباركة نزلت من السماء، وكان إذا نزل المطر يخرج النبي ﷺ إليه حتى يأتي على وجهه ورأسه وذراعية صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (إنه قريب عهد بربه) , وهذا لماء الذي خرج من الأرض واحتاج العباد إليه يصرفه الله كما يشاء، فقد جاء في صحيح مسلم عن النبي ﷺ : (أن رجلاً كان يمشي في فلاة فسمع صوتاً في سحابة يقول: اسق حديقة فلان فتعجب الرجل ونظر إلى السحابة فلم ير أحداً ولكن سمع الاسم فتتبع السحابة، فتجمعت السحابة في مكان في السماء، وسارت السحابة ثم أمطرت مطراً على حديقة لإنسان، فيعجب الرجل لذلك وينادي على صاحب الحديقة يقول: ما اسمك يا عبد الله! فقال: أنا فلان بالاسم الذي سمعه في السحاب، فقال: لم تسألني عن اسمي؟) أي: لماذا تسألني هذا السؤال؟ فيقول: (أخبرني ما الذي تصنعه في حديقتك؟ فقال: لم السؤال؟ فقال له: إني سمعت صوتاً في السحابة الذي هذا ماءها يقول: اسق حديقة فلان باسمك، فقال: أما إذ أخبرتني بذلك فإني إذا زرعت) أي: إذا حصدت هذا الذي زرعته (فإني آكل ثلثه وأتصدق بثلثه وأرد فيها ثلثها، قال: فهذا الذي بلغ بك ما سمعت في السحاب) هذا الرجل كان إذا أثمرت مزرعته تصدق بثلثها، ويأكل من تعبه وحصاده الثلث، ويرد فيها الثلث الآخر، فلما جعل هذا الشيء لله لم يحرمه الله سبحانه، وجعل الله السحابة تأتي إليه وحده لتنزل بالماء على أرضه وحديقته ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ [الروم:٤٨] فهذه الآية العظيمة التي تخبرنا عن رحمة الله سبحانه، وأنه يرسل السحاب وينزل المطر ويفعل ما يشاء في خلقه سبحانه ﵎.

стр. 2236

التدليل على البعث والنشور بإحياء الأرض بعد موتها قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] فيرى الناس كيف يحي الله الأرض بعد موتها، وكيف يحي الله الشيء الميت أمامهم، فالمزارع يزرع الشعير ويرمي ببذور القمح ثم ينتظر المطر؛ إذ ليس عنده نهر موجود، ولا مياه تأتي إليه، بل ينتظر المطر ينزل من السماء، فإذا بالله ينزل المطر، وإذا بالأرض الصحراء تهتز وتربي ويخرج فيها الزرع العظيم بفضل الله سبحانه، فترى أمامك الشيء الميت صار حياً بعد ذلك بفضل الله وبرحمته، وكذلك في كل مكان يرى الناس هذه الآية التي يقول لهم الله سبحانه فيها: ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر:٩] ويقول الله : ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر:٩] أي: هذا الشيء العظيم الذي رأيتموه من أحياء الله الأرض بعد موتها كذلك سيحييكم وينشركم يوم القيامة، والأرواح والأجساد التي قد بليت وفنيت، فإن الله ينشرها ويجعلها تحيا مرة ثانية، والنشر بمعنى: الرفع والإقامة، فالله يرفع هذه الجثث البالية الميتة ويرد فيها أرواحها فيحييها مرة ثانية؛ ليجازي العباد ويحاسبهم يوم القيامة سبحانه ﵎.

стр. 2237

لجوء الكافرين إلى الله في الضراء وتكبرهم وعنادهم في السراء يقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٢ - ٢٣] وانظر إلى الأسلوب القرآني العظيم الجميل بقوله: (حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ) فأسلوب الخطاب (إذا كنتم) يدل على المخاطب، ثم يقول: (وَجَرَيْنَ بِهِمْ) فيدل على الغائب، فهذا من التفنن، حيث انتقل من الكلام للمخاطب إلى الكلام عن الغائب قال: (وَفَرِحُوا بِهَا) أي: اغتروا بذلك، ونسوا الله حتى جاءتهم ريح عاصف، فالريح يرسلها الله ريحاً طيبة، أو يرسلها ريحاً عاصفة، فلما أمنوا واغتروا جاءتهم الريح العاصف، وجاءهم الموج من كل مكان، وهذا تعبير عجيب جداً، وتعبير حقيقي؛ لم يكن أحد يعرفه، ومن رأى هذا الشيء لم يرجع لكي يخبر به بل هلك ومات، فأخبر الله أنهم جاءتهم ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان، فتأتي ريح من هنا وريح من هنا حتى تصير دوامة من وصل إليها غرق لزاماً ولا يرجع من هذا المكان أحد، يقول تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس:٢٢]، والصحابة لم يذهب أحد منهم إلى مثل هذا المكان، بل كانوا يخافون من البحر، ولذلك عمر ﵁ لما كان يبعث البعوث والجيوش كان يقول لقائد الجيش: لا تجعل بيني وبينكم بحراً، بمعنى: اجعل بيني وبينكم يابسة حتى أستطيع على مدكم بالجيوش، فما كانوا يعرفون الخوض في البحار والوصول إلى هذه الأماكن في عهد النبي صلوات الله وسلامه عليه إلا الشيء اليسير القليل، والذي يصل إلى مثل هذه اللجة ويغرق فيها لن يرجع ليخبر النبي ﷺ أن هذا المكان كان الموج فيه يأتي من كل مكان، لكن العلم الحديث هو الذي اكتشف أن منطقة الدوامات هي منطقة وجود رياح عاصفة تأتي من كل مكان، وهذا هو الذي أخبر به ربنا سبحانه ﵎ منذ ألف وأربعمائة سنة على لسان النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لم يشاهد النبي ﷺ الدوامات، ولم يركب البحر ﷺ حتى يخبر عن منطقة كهذه، لكن الذي صنعها هو الله سبحانه، وهو الذي أخبر عنها في كتابه ، فالإنسان حين يجد نفسه موشكاً على الغرق يدعو ربه لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين، فينجي الله من يشاء من خلقه ، ويهلك من يشاء من خلقه سبحانه، فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق، وبغي الإنسان إنما هو على نفسه، قال تعالى: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ﴾ [يونس:٢٣] أي: تمتعوا متاع الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس:٢٣] فربنا سبحانه أخبرنا عن إرسال الريح التي يسوق بها السحاب فينزل المطر من السماء لننتفع به، فالله الكريم سبحانه جعل لعباده الرزق كما قال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ [الذاريات:٢٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:٩٦] بركات من السماء بنزول المطر، ويأتي البرق وتأتي الرحمة من الله سبحانه، فالبرق الذي يراه الإنسان ويخاف منه فيه خير عظيم جداً، إذ تحصل شرارة كهربائية في السماء باتحاد النيتروجين مع الأكسجين وتتكون أسمده نيتروجينية تنزل في الأرض مع المطر فتخصب الأرض فينبت الزرع من الأرض بسماد جيد من عند رب العالمين سبحانه ﵎ ﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٩٦] فلو اتقى الناس ربهم لجاء الخير من كل مكان عليهم، ولفتح عليهم الرزق العظيم الواسع، وانظر لحديث النبي ﷺ في حدود الله حيث يقول: (حد واحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً) فإقامة الحدود التي نص عليها كتاب ربنا سبحانه كقطع يد السارق مثلاً تفيد الناس، إذ كل من رأى ذلك خاف أن تقطع يده وخاف من السرقة، فإذا طبقوا ذلك فسينتشر بين الناس الأمن والأمان، ولو طبق حد الله في الإنسان الزاني المحصن فرجم، وفي الزاني الغير المحصن بزواج فجلد، وفي القاذف فجلد، لصان الناس أعراض بعضهم البعض، ولما وقع أحد في عرض أخيه؛ لأنه يخاف من الجلد، فقد لا يخاف من التحذيرات التي في القرآن، لكن يخاف من أن يرجم؛ إذا وقع في الزنا والعياذ بالله, فالله جعل الحدود رادعة للناس أن يقعوا في ظلم أو أن يقعوا في فاحشة من الفواحش التي حرمها الله ، فإذا أقيم حد من حدود الله سبحانه في الأرض فهو خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً, ولو أقيم حد الحراب كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] لوجدت الذين يفزعون الناس ويقطعون الطرق عليهم يرتدعون من جرمهم خوفاً من الحد. فالله يخيف هؤلاء بحده سبحانه، فمثل هذا الإنسان الذي يقطع الطريق على الناس بالسيف، ويقطع الطريق على الناس بالتخويف والتهديد، ويأخذ أموالهم ويقتلهم، فالله جعل الحكم عليه أن يقتل أو يصلب أو تقطع يداه ورجلاه من خلاف أو ينفى من الأرض، فهذا جزاؤه في هذه الحياة الدنيا، فإذا رأى الناس قاطع الطريق الذي كان يقطع على الناس الطريق، ويخيف الناس ويفزعهم، ويأخذ أموالهم ويقتلهم، قد قتل وصلب أمامهم فإنهم سيخافون من ذلك، وإذا رأوا فلاناً الذي أخذ أموال الناس كرهاً قطعت يده ورجله فإن الشخص سيخاف أن يفعل به مثل هذا الشيء، فيأمن الناس في بلادهم، وينزل الله البركات من السماء، ويخرج البركات من الأرض، ففعلاً حد واحد يقام في الأرض خير لأهل الأرض من أن يمطروا أربعين صباحاً.

стр. 2238

تكييف الجو عن طريق الماء والأشجار المياه نعمة من الله يشربها الإنسان ويتطهر بها، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨] أي: لنطهركم به، وليثبت الله به أقدام المؤمنين، وليحيي به الأرض بعد موتها. فالله جعل من هذا الماء كل شيء حي، وجعل لك الماء لتغتسل به وأنزله من السماء لتشعر بالبرد، إذ لولم ينزل هذا الماء من السماء لوجدت الحر الشديد، ووجدت العطش الشديد، ولكن الله سبحانه تبارك برحمته يخزن لك هذا الماء في المياه الجوفية في باطن الأرض، وتخرج على الناس العيون والأنهار فيشربون منها، وانظر إلى رحمته سبحانه في تلطيف الجو الذي أنت فيه عن طريق الأشجار، حيث أن هذه الأشجار تأخذ المياه من الأرض، ثم يأتي حر الشمس فيجعل الماء يتبخر من الأشجار، وهو ما يسمى بعملية النتح، ويقول أهل العلم: إن شجرة واحدة قد تنتح في اليوم العادي ما يقارب من خمسمائة لتر من الماء، فربنا قد جعل لك تكييفاً في الأرض من الأشجار التي حولك عن طريق عملية النتح، حيث يخرج الماء من مسام في أوراق الشجر والنبات، ويجعل الله هذا الماء بقدر، ولذلك لما نقارن بين النباتات الموجودة في البلدان والنباتات الموجودة في الصحراء نجد أن عدد المسام في الأوراق والنباتات الموجودة في البلد غير الموجودة في الصحراء، فالتي داخل البلد يكون عدد المسام فيها كبير ويخرج منها مياه أكثر من التي في الصحراء، إذ تخرج التي في الصحراء كمية أقل؛ لكي تعيش فترة أطول في مكانها التي هي فيه، فهذا الماء يصرفه الله كيف يشاء في خلقه، ويجعل منه الروح والرحمة.

стр. 2239

جواز تشبيه الأمر المحسوس المشاهد بالأمر الغيبي لأجل التفهيم والتقريب قال تعالى: ((وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ)) وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني من حديث أبي رزين العقيلي قال: (قلت يا رسول الله! كيف يحيي الله الموتى) فأتاه الجواب من النبي ﷺ حيث قال: (قال: أما مررت بوادي أهلك ممحل ثم مررت به يهتز خضرا) أي: ألم تنظر وأنت تمر بالوادي إلى أن الأرض ممحلة ليس فيها نبات، وبعد فترة أنزل الله عليها المطر فرأيتها تهتز خضراً أي: أخرج النبات، فقال الرجل: (نعم يا رسول الله!) قال ﷺ (فكذلك يحيي الله الموتى) فهذه آية من آيات الله سبحانه حيث يحيي الله الموتى أمامك، فهذه البذور التي تراها ميتة ترميها على الأرض فينزل عليها المطر من السماء، ويأتي أمر الله فينبت منها نخل عظيم جداً صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد، فعجيب أمر الله في خلقه، فأنت ترى هذه النواه وهذه النواه وهذه النواه تسقى كلها بماءٍ واحد، ثم يخرج من هذه النواه شجرة صنوان وغير صنوان، أصلها واحد ثم تتفرع جزءين فترى هنا رأس نخلة، وهنا رأس نخلة أخرى، والماء الذي سقى هذه وهذه ماء واحد. فالله هو الذي خلق من الماء كل شيء حي، ويريكم آياته في خلقه لعلكم تشكرون. نسأل الله أن يعيننا على شكره وذكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم, وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2240

تفسير سورة فاطر [١٠ - ١١] من أسماء الله الحسنى العزيز، ومن أراد العزة من الله أعزه الله، ويأبى الله إلا أن يذل من عصاه، وأن يذل من يبتغي العزة بغيره، والأقوال الطيبة والأعمال الصالحة ترفع إلى الله فيثيب عليها صاحبها، وقد كتب الله سبحانه الخسارة والبوار على كل من يمكر بعباد الله ودينه، وقد خلق الله الإنسان أطواراً، وهو أعلم به، فالأجدر بهذا الإنسان أن يتفكر في نفسه، وفيما خلقه الله تعالى منه، ففي ذلك آيات عظيمة لأولي الألباب والأفهام.

стр. 2241

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فاطر: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١٠ - ١١]. يخبرنا ربنا عن العزة التي يطلب الإنسان أن يتعزز بها في الدنيا، يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) والعزيز: هو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يمانع ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه مراراً، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال هنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠] فمن أراد أن يتعزز في هذه الحياة الدنيا، ومن أراد أن يكون قوياً في حجته وفي بيانه، قوياً في نفسه قوياً في قلبه، قوياً في عدده وعدده فليتعزز بالله . فمن طلب العزة عند غير الله سبحانه فقد أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ومن عصى الله سبحانه وابتعد عنه سبحانه فإن الذل في قلبه وفوق رأسه، يذله الله سبحانه ولا يعزه أبداً، حتى وإن كان قوياً في بدنه غنياً في ماله، ومعه أعوان وأنصار، فالله سبحانه أبى إلا أن يذل من عصاه، فيستشعر في نفسه الذل وفي قلبه، ويستشعر أنه بعيد عن الله ، فلا تتعزز إلا بربك فله العزة جميعاً. فالله هو العزيز، وقد جعل هذه العزة لعباده، وجعل لعباده المؤمنين عزة يتعززون بها، بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وبدفاع الله عنهم، وبنصر الله سبحانه وتأييده لهم. والإنسان إذا تعزز بالله سبحانه وبدين الله كان الله معه، فإذا تعزز بالدنيا أخذته العزة بالإثم فترك الله سبحانه، وسرعان ما يقع هذا الذي يتعزز بغير الله . قال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]، فالعزة هنا: الحمية، والأنفة، والكبر، والغضب لغير الله سبحانه، يأخذه ذلك إلى أن يرفض أن يقال له: اتق الله، فإن قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، وقد تقول لإنسان: الله يهديك، فيقول لك: هل تنظر إليَّ أنني مجنون؟! فلا يرضى بأن تدعو له بخير، ولا يرضى إلا أن يستشعر أنه عزيز، وأنه غالب. ومن نازع الله في العزة وفي الكبرياء أكبه على وجهه في النار. فالله هو العزيز وحده سبحانه، وعزة المؤمنين هذه بأن الله أعزهم، وبأن الله معهم، ولو أنهم بعيدون عن الله سبحانه فلا عزة لهم، فالعزة في القرب من الله، وفي الصلة بالله ، وفي أن يدافع الله عن عبده، فالله هو العزيز الغالب القاهر الذي يقهر ولا يُقهر أبداً، والذي يقضي ولا يمنع قضاؤه أبداً، فالعزة لله عزة دائمة أبداً بدوامه وهي العزة الحقيقة. أما من تعزز بغير الله سبحانه فليس له إلا الذل من الله، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه.

стр. 2242

صعود الكلم الطيب وارتفاع العمل الصالح إلى الله تعالى وقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أي: إلى الله يصعد الكلم الطيب، وأعلاه: لا إله إلا الله، وأعظم كلمة يقولها الإنسان: لا إله إلا الله، وأعظم الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل ما قال النبي ﷺ والنبيون قبله في يوم عرفة: لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة التي تصعد إلى الله . فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ) أي: يصير ذكرك لله ، ودعاؤك ربك سبحانه يصعد إليه، فالله هو الذي يرفعه . فقوله: (إِلَيْهِ) أي: إلى الله سبحانه، وقوله: ((يَصْعَدُ)) أي: توحيدك له بذكرك له سبحانه، وتوكلك عليه . قال تعالى: ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) أي: يرفعه الله ، فالكلم الطيب والعمل الصالح يرفعهما الله سبحانه. وفي قوله تعالى: ((يَصْعَدُ)) دليل على علو الله وارتفاعه فوق خلقه سبحانه، فهو العلي بذاته، والعلي بقهره لعباده، والعلي في مكانه وفي منزلته العظيمة، فله وحده علو المنزلة وعلو الشأن وعلو القهر وعلو الذات. قال تعالى: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ))، فالدعاء يصعد إلى الله ، وذكر الله يصعد إلى الله، والتقرب إلى الله بقول لا إله إلا الله وغيرها من ذكر الله كله يصعد إلى الله. ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)) كذلك يرفعه الله ، فإذا عمل إنسان عملاً طيباً يبتغي به وجه الله سبحانه رفع الله إليه هذا العمل، وإذا عمل عملاً طيباً لا يقصد به وجه الله لم يرفع إلى الله سبحانه، وإذا عمل عملاً خبيثاً فمن باب أولى ألا يرفع إلى الله سبحانه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. إذاً: قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) كله مرفوع إلى الله سبحانه. وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار فيحضرون في صلاة الفجر ويحضرون في صلاة العصر، ويصعدون إلى الله سبحانه). فالذين يبيتون فيكم يحضرون معكم صلاة الفجر، والذين نزلوا من السماء أيضاً يحضرونها، قال ﷺ : (ويصعد الذين باتوا فيكم إلى الله سبحانه فيسألهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون). أي: أتيناهم فكانوا في صلاة العصر وتركناهم وقد صلوا صلاة الفجر، وقوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار) أي: يرتفعون إلى الله ويخبرون الله وهو أعلم بكم منهم ، فيصعد إليه الكلم الطيب، ويصعد إليه أيضاً العمل الصالح. وقال بعض أهل التفسير في قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قالوا: الكلم لا يرفع إلا بعمل صالح، فالعمل يرفع الكلم، فإذا كان الكلم لا يوافقه عمل فلا يرفع إلى الله سبحانه. وهذا وجه من المعاني، ولكن ليس معنى الآية: أنه لا يرفع كلم طيب إلى الله إلا بعمل، وإلا فإن كلام الناس وذكر الله سبحانه لا يرتفع منه إلا القليل ولا بد أن يكون معه عمل، والله كريم، فالله يرفع إليه الكلم الطيب ويقبله، ويرفع إليه أيضاً العمل الصالح ويقبله، فهذا شيء وهذا شيء. ولكن إذا كان الكلم طيباً والقلب خبيثاً والعمل لغير الله فهذا كله لا يرفع إلى الله ، فالإنسان قد يتكلم بالموعظة الطيبة التي لا يصدقها قلبه ولا يوافقها عمله، ويكون العمل رياءً وعملاً خبيثاً ليس فيه لله شيء، فلا يقبل منه قوله ولا يقبل منه عمله. ولكن إذا ذكر الله فالله يقبل منه ذلك، وقد يكون عصى الله في شيء آخر، فذكره لله يرفعه الله إذا قصد به وجه الله سبحانه، وعمله الذي وقع فيه وهو سيئ يحاسبه الله عليه ، ولا تعلق للقول بالعمل، فلا يرد هذا القول الذي كنت مخلصاً فيه لأنك عملت عملاً سيئاً أو وقعت في معصية الله، فالله أكرم من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وهذا شيء يقبله الله وذاك شيء آخر لا يقبله الله، والعبد واحد إلا أن يكون القول رياء فهو قول لا يرفع إلى الله . أو يكون العمل رياءً وسمعة وعملاً خبيثاً فلا يرفع إلى الله سبحانه. فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: الله يرفع العمل الصالح للعباد، وأنت كلما عملت عملاً صالحاً يرفعه الله ويدخره لك عنده يوم القيامة، وتجد نتيجة هذه الأعمال الصالحة أشياء عظيمة من ثواب الله ومن فضله . قال تعالى: (والذين يمكرون السيئات)، المكر: هو الحيل، عمل الشيء على سبيل الاحتيال والخديعة، كإنسان يخدع، أو يخون، أو يغدر، يقول الشيء وهو ينوي ويضمر غير هذا الذي يقوله، ويسعى للإنسان حتى يوقعه في مهلكة بحيلة وبخبث، ولهذا قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: يعملون أعمالاً سيئة خبيثة فيها المكر بعباد الله سبحانه، وفيها الخديعة والاحتيال على عباد الله . قال تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) فلهم أشد العذاب عند الله، (وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) البوار: الهلاك والضياع، فهؤلاء يمكرون بالمؤمنين، ويمكرون بدين الله وبالله ، فقضى الله على مكرهم بالبوار والخسران والتلف والهلاك، وكل من يمكر بدين الله أبى الله إلا أن يذله، وأن يعز دينه .

стр. 2243

تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة) يخبرنا ربنا سبحانه عن خلق الإنسان فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١] كل هذه الأشياء يسيرة وسهلة على الله ، فبقول: كن يكون هذا كله. وقد تكرر أن الله خلق الإنسان من تراب في ستة مواضع من القرآن، ويخبر الله الإنسان أنه مخلوق من تراب، فهذا أصل خلقته، من سلالة، أي: من خلاصة من طين، هذا هو بدء خلق الإنسان. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] فالله خلقك من تراب ومن ماء، والاثنان يكونان الطين، وهذا الطين له صلصلة، فالله خلق الإنسان وأراه بدء خلقه كيف كان، وكيف صار هذا الإنسان. وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ يخبر بها عن خلق هذا الإنسان من هذا التراب، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك). فالله خلق آدم من تراب الأرض، من قبضة قبضها من جميع الأرض، والله على كل شيء قدير، فخلق آدم من أنواع من تراب الأرض، هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود، فجاء آدم من هذا كله، فجاء بنو آدم من هذه الأنواع. وآدم جاء من هذه الأرض وفيها الأرض السهلية، وفيها الأرض الوعرة المرتفعة الصعبة، وخلق آدم من جميع ترابها، فبنو آدم منهم السهل ومنهم الصعب، ومنهم الحزن، ومنهم الخبيث ومنهم الطيب، والله يخلق ما يشاء . وعناصر الإنسان من تراب الأرض كذلك؛ ولذلك يقول العلماء: إنهم وجدوا بالتحليل أن جسم الإنسان يتكون من مركبات وعناصر الأرض، فإذ قمنا بتحليل الإنسان فإن أكثره ماء، وفيه سكريات وبروتينات وفيتامينات وهرمونات وكلور، وأنواع من المعادن: كبريت، فسفور، مغنسيوم، كالسيوم، بوتاسيوم، صوديوم، حديد، نحاس، يود، ومعادن أخرى في خلق هذا الإنسان كلها موجودة في الأرض من عناصرها التي خلق الله منها هذه الأرض. ولذلك يقول العلماء: أن الإنسان يشترك في تركيبه مع الأرض في ثلاثةٍ وعشرين عنصراً من عناصر الأرض، وهو يطأ هذه العناصر بقدمه ويدوس عليها وهو مخلوق من هذه العناصر. والأرض فيها ماء والإنسان أكثر جسده من ماء، وخلق الله الإنسان من ماء؛ ولذلك من خمسة وستين إلى سبعين في المائة من جسم الإنسان مخلوق من الماء، والماء في هذه الأرض. فيخبر الله بذلك، والإنسان يعرف أنه حين يموت يوضع في التراب، وإذا فُتح القبر بعد ذلك فلن يجد إلا تراباً، فقد رجع إلى أصله مرة ثانية، فالله خلقه من تراب وأعاده إلى الأرض مرة ثانية تراباً. فهذا التراب تكون الإنسان منه ومن المعادن التي في هذا التراب، فكونت عظام الإنسان، وعضلاته، وعدسة عينه، وشعره، وضروسه، ودمه، فإذا تحلل الإنسان بعد موته تحلل إلى مكونات هذا التراب العجيب بنسب عجيبة وثابتة في كل إنسان. فالإنسان يغتر في الدنيا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] ولو أخذت هذه العناصر المكونة للإنسان لكونت منها علبة طباشير، وعلبة كبريت، ومسماراً صغيراً، هذه تركيبة المعادن التي في جسدك أنت أيها الإنسان، قال تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، فأنت من تراب، والذي كرمك هو الله . قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧ - ٨] فلم تتكبر على الله خالقك سبحانه وقد خلقك من هذا التراب الذي تطؤه أنت بقدمك؟! قال هنا: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) إذاً: أصل تركيب الإنسان من هذا التراب، ثم بعد ذلك يتكاثر الإنسان ويتناسل عن طريق هذه النطفة.

стр. 2244

مراحل وأطوار خلق الإنسان في بطن أمه وجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. أي: أنه قد علم الله وقدر عنده أن هذا سيدخل النار يوماً من الأيام لأنه شقي، والسعيد أيضاً قدر الله وعلم أن هذا الإنسان يكون سعيداً، ونفعته المواعظ في الدنيا، والسعيد من وعظ بغيره. فلما سمع عامر بن واثلة ذلك من ابن مسعود ذهب إلى رجل آخر من الصحابة اسمه حذيفة بن أسيد ﵁، فحدثه بقول ابن مسعود وقال: وكيف يشقى الرجل بغير عمل؟ فقد تعجب كيف أنه وهو في بطن أمه مكتوب أنه شقي، كأنه يقيس علم الله على علم البشر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالله علمه علم شامل ومحيط سبحانه، علم قبل أن يخلق الخلق ما هم عاملون، ومن أي شيء يكونون، وإلى أي شيء يصيرون، وهل سيعملون بعمل أهل الجنة أو بعمل أهل النار، وكتب عنده ذلك وقدر ما شاء من تقديره . فلما سأل ابن واثلة حذيفة بن أسيد قال: أتعجب من ذلك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص). فهذا الحديث العظيم عن النبي ﷺ يبين لنا خلق هذا الإنسان، وهو حديث سبق الطب بألف وأربعمائة سنة، فمن كان يعرف أن هذا الإنسان يصور في بطن أمه على هذه الصورة؟ قال ﷺ : (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة) أي: ستة أسابيع، فالنطفة تخرج من الذكر وتدخل في الأنثى ويمر عليها ستة أسابيع، قال ﷺ : (يبعث الله إليها ملكاً فصورها) فيكون تصوير الإنسان في هذا الوقت. وفي الحديث الآخر: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعة أشهر) فذكر أربعة وأربعة وأربعة، وذكر النبي ﷺ أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فذكر النبي ﷺ مائة وعشرين يوماً. فهو في هذا الحديث أجمل: أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، لكن الحديث السابق يعطي تفصيلاً أكثر، فهو يخبرنا أنه في يوم الاثنين والأربعين يأتي الملك إلى هذه النطفة ويبدأ بتشكيلها؛ ولذلك يقول أهل الطب: يبدأ تشكيل الإنسان في الأسبوع السادس، أي: بعد اليوم الثامن والثلاثين، وفي الحديث الآخر: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك). فالنطفة هي التي تصير إلى علقة، والعلقة تصير إلى مضغة، ففي ليلة ثنتين وأربعين يشكله الله كما يشاء، كما يذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث. ويأتي الملك ليكتب ما يريده الله ، قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها)، فيبدأ خلقه في يوم اثنين وأربعين وفيما يلي ذلك، ولا ينفخ فيه الروح في خلال هذه الفترة، حتى إذا أتم أربعة أشهر نفخ فيه الروح بعد ذلك، فيكون قد مكث أربعة أشهر وبعد ذلك أربعة أشهر أو خمسة ويولد هذا الإنسان، فيكون قضاؤه وقدره قد كتب في اليوم الثاني والأربعين، وإن كان عند الله قبل أن يخلق الخلق مكتوب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. ويحدد جنس الجنين بعد ذلك، ولذلك إذا سقط قبل ذلك فلا يعرف هل هو ذكر أم أنثى؟ حتى يشاء الله فيقضي بذكر أو أنثى، فيكون التحديد من الله في الوقت الذي يريده .

стр. 2245

تكون الجنين من ماء الرجل وماء المرأة وهناك ماء للرجل وماء للمرأة، أي: أن النطفة من الرجل والبويضة من المرأة يتكون منها الإنسان، وحديث النبي ﷺ يوضح لنا شيئاً من ذلك، فيذهل الإنسان حين يعرف ذلك. ولو حدث في الماضي أن امرأة أسقطت وأنزلت مضغة، وأنزلت قطعة من اللحم، فإنهم لا يعرفون ما هي قطعة اللحم هذه، والنبي ﷺ يذكر أن فيها تخليقاً، والملك صورها في هذا الوقت، والعلم يصدق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. روى الإمام مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كنت قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه- قال ثوبان: فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي) ﵊. فاليهودي جاء ليسأل النبي ﷺ عن شيء أو يختبره، فالنبي ﷺ أجاب: إن اسمي محمد، وإن كان ربنا جعل للنبي ﷺ منزلة عظيمة قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]. فأدب المؤمنين ألا ينادوا النبي ﷺ باسمه: يا محمد، ولكن يقولون: يا رسول الله! أو: يا نبي الله! صلوات الله وسلامه عليه، أما أن تناديه باسمه فهذا لا ينبغي؛ ولذلك ثوبان دفع اليهودي حين فعل ذلك. فقال اليهودي للنبي ﷺ : (جئت أسألك، فقال له النبي ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ -يعني: أنت لست مؤمناً بي أصلاً، فهل ستنتفع بما سأقوله لك؟ - فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟) يعني: الله يقول في القرآن: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] فأين سيذهب الناس حين تبدل هذه الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : (هم في الظلمة دون الجسر)، فالله يجعل العباد في مكان آخر، ويغير هذه الأرض أرضاً أخرى، ويجعلهم عليها بعد ذلك. قال اليهودي: (فمن أول الناس إجازة؟ -يعني: من أول الناس سيمرون على هذا الجسر؟ - قال النبي ﷺ : فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليها؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً. قال: صدقت)، أي: أنا جئت أسأل عن هذه الأشياء فكل الذي تقوله هذا صحيح. ثم قال: (وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال: أينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، جئت أسألك عن الولد؟ قال النبي ﷺ : ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله، قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، وانصرف اليهودي، ولم يقل: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : (لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به)، فهنا رد العلم إلى عالمه إلى الله ، وفوق كل ذي علم عليم، فالله هو الذي علمني ذلك سبحانه فأجبته وما كنت أعرف هذا قبل ذلك. والشاهد من هذا الحديث: أن اليهودي يسأل النبي ﷺ : كيف يأتي الولد؟ كيف يكون ذكراً وكيف يكون أنثى؟ فقال: (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر)، وماء الرجل هو المني، وماء المرأة هي البويضة، والعلماء حتى عصر قريب جداً ما كانوا يعرفون حقيقة ماء المرأة، فكانوا يقولون: الرجل له ماء، والمرأة ليس لها ماء. وصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به وجهله هؤلاء إلى سنين قليلة ماضية، والآن يذكرون: أن المرأة يفرز منها ماء أصفر يكون مع المني، فقالوا: لقد تضمن حديث النبي ﷺ وصفاً لماء الرجل وماء المرأة، فإن ماء المهبل يميل إلى الصفرة، وكذلك الماء الذي في حويصلة (جراف) يخرج منها هذا الماء. وعند خروج البويضة من حويصلة (جراف) يكون الماء أصفر، فتسمى بالجسم الأصفر، وهذا الذي ذكره النبي ﷺ أن ماء المرأة أصفر، وهذا من الإعجاز. ويقول العلماء: إفرازات المبيض في المرأة حمضية، وتقتل الحيوانات المنوية، لكن إفرازات عنق الرحم في المرأة قلوية، فالمني حين يدخل على إفرازات عنق الرحم فمن الممكن لهذا الحيوان المنوي أن يعيش، ولو دخل مباشرة على البويضة لهلك ولم يعش، فيذكر النبي ﷺ أنه إذا علا ماء الرجل ماء المرأة يكون ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله، وصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه ولم يعرف هذه الأشياء أكابر علماء الطب حتى اكتشفوا قريباً أن المرأة لها ماء، وقد قال النبي ﷺ ذلك من سنين. وقد ذكر الشيخ الزنداني حفظه الله أنه ناقش بعض علماء الطب من المسلمين أن الحديث يذكر ماء المرأة، فسألهم: هل للمرأة ماء؟ فقالوا: لا، هذا الجواب من قبل علماء الطب المسلمين المتخصصين في النساء والولادة والمختصين في ذلك، فقال: إنه جاء في حديث النبي ﷺ أن المرأة لها ماء، فقال أحدهم: دعني أبحث، ورجع لمراجع حديثة ورجع للشيخ يقول له: وجدنا فعلاً أن المرأة لها ماء، والمراجع الحديثة تقول هذا الشيء، فسبحان الله العظيم! لقد كان يخفى على علماء من علماء الطب هذا حتى عصرنا الحالي، حتى قال الأجانب هذا الشيء واكتشفوه وصدقوا ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك، وعرفوا أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى.
следующие страницы →