← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فاطر: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١٠ - ١١]. يخبرنا ربنا عن العزة التي يطلب الإنسان أن يتعزز بها في الدنيا، يقول تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) والعزيز: هو القوي الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يمانع ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في كتابه مراراً، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم:٤]، وقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، وقال هنا: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر:١٠] فمن أراد أن يتعزز في هذه الحياة الدنيا، ومن أراد أن يكون قوياً في حجته وفي بيانه، قوياً في نفسه قوياً في قلبه، قوياً في عدده وعدده فليتعزز بالله . فمن طلب العزة عند غير الله سبحانه فقد أبى الله إلا أن يذل من عصاه، ومن عصى الله سبحانه وابتعد عنه سبحانه فإن الذل في قلبه وفوق رأسه، يذله الله سبحانه ولا يعزه أبداً، حتى وإن كان قوياً في بدنه غنياً في ماله، ومعه أعوان وأنصار، فالله سبحانه أبى إلا أن يذل من عصاه، فيستشعر في نفسه الذل وفي قلبه، ويستشعر أنه بعيد عن الله ، فلا تتعزز إلا بربك فله العزة جميعاً. فالله هو العزيز، وقد جعل هذه العزة لعباده، وجعل لعباده المؤمنين عزة يتعززون بها، بكتابه وسنة نبيه ﷺ ، وبدفاع الله عنهم، وبنصر الله سبحانه وتأييده لهم. والإنسان إذا تعزز بالله سبحانه وبدين الله كان الله معه، فإذا تعزز بالدنيا أخذته العزة بالإثم فترك الله سبحانه، وسرعان ما يقع هذا الذي يتعزز بغير الله . قال الله سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]، فالعزة هنا: الحمية، والأنفة، والكبر، والغضب لغير الله سبحانه، يأخذه ذلك إلى أن يرفض أن يقال له: اتق الله، فإن قيل له: اتق الله أخذته العزة بالإثم، وقد تقول لإنسان: الله يهديك، فيقول لك: هل تنظر إليَّ أنني مجنون؟! فلا يرضى بأن تدعو له بخير، ولا يرضى إلا أن يستشعر أنه عزيز، وأنه غالب. ومن نازع الله في العزة وفي الكبرياء أكبه على وجهه في النار. فالله هو العزيز وحده سبحانه، وعزة المؤمنين هذه بأن الله أعزهم، وبأن الله معهم، ولو أنهم بعيدون عن الله سبحانه فلا عزة لهم، فالعزة في القرب من الله، وفي الصلة بالله ، وفي أن يدافع الله عن عبده، فالله هو العزيز الغالب القاهر الذي يقهر ولا يُقهر أبداً، والذي يقضي ولا يمنع قضاؤه أبداً، فالعزة لله عزة دائمة أبداً بدوامه وهي العزة الحقيقة. أما من تعزز بغير الله سبحانه فليس له إلا الذل من الله، وأبى الله إلا أن يذل من عصاه.

стр. 2242

صعود الكلم الطيب وارتفاع العمل الصالح إلى الله تعالى وقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ) أي: إلى الله يصعد الكلم الطيب، وأعلاه: لا إله إلا الله، وأعظم كلمة يقولها الإنسان: لا إله إلا الله، وأعظم الذكر: لا إله إلا الله، وأفضل ما قال النبي ﷺ والنبيون قبله في يوم عرفة: لا إله إلا الله، هذه الكلمة العظيمة التي تصعد إلى الله . فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ) أي: يصير ذكرك لله ، ودعاؤك ربك سبحانه يصعد إليه، فالله هو الذي يرفعه . فقوله: (إِلَيْهِ) أي: إلى الله سبحانه، وقوله: ((يَصْعَدُ)) أي: توحيدك له بذكرك له سبحانه، وتوكلك عليه . قال تعالى: ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)) أي: يرفعه الله ، فالكلم الطيب والعمل الصالح يرفعهما الله سبحانه. وفي قوله تعالى: ((يَصْعَدُ)) دليل على علو الله وارتفاعه فوق خلقه سبحانه، فهو العلي بذاته، والعلي بقهره لعباده، والعلي في مكانه وفي منزلته العظيمة، فله وحده علو المنزلة وعلو الشأن وعلو القهر وعلو الذات. قال تعالى: ((إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ))، فالدعاء يصعد إلى الله ، وذكر الله يصعد إلى الله، والتقرب إلى الله بقول لا إله إلا الله وغيرها من ذكر الله كله يصعد إلى الله. ((وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ)) كذلك يرفعه الله ، فإذا عمل إنسان عملاً طيباً يبتغي به وجه الله سبحانه رفع الله إليه هذا العمل، وإذا عمل عملاً طيباً لا يقصد به وجه الله لم يرفع إلى الله سبحانه، وإذا عمل عملاً خبيثاً فمن باب أولى ألا يرفع إلى الله سبحانه؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. إذاً: قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) كله مرفوع إلى الله سبحانه. وقد قال النبي ﷺ في الحديث: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار فيحضرون في صلاة الفجر ويحضرون في صلاة العصر، ويصعدون إلى الله سبحانه). فالذين يبيتون فيكم يحضرون معكم صلاة الفجر، والذين نزلوا من السماء أيضاً يحضرونها، قال ﷺ : (ويصعد الذين باتوا فيكم إلى الله سبحانه فيسألهم: كيف وجدتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون). أي: أتيناهم فكانوا في صلاة العصر وتركناهم وقد صلوا صلاة الفجر، وقوله: (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار) أي: يرتفعون إلى الله ويخبرون الله وهو أعلم بكم منهم ، فيصعد إليه الكلم الطيب، ويصعد إليه أيضاً العمل الصالح. وقال بعض أهل التفسير في قوله: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) قالوا: الكلم لا يرفع إلا بعمل صالح، فالعمل يرفع الكلم، فإذا كان الكلم لا يوافقه عمل فلا يرفع إلى الله سبحانه. وهذا وجه من المعاني، ولكن ليس معنى الآية: أنه لا يرفع كلم طيب إلى الله إلا بعمل، وإلا فإن كلام الناس وذكر الله سبحانه لا يرتفع منه إلا القليل ولا بد أن يكون معه عمل، والله كريم، فالله يرفع إليه الكلم الطيب ويقبله، ويرفع إليه أيضاً العمل الصالح ويقبله، فهذا شيء وهذا شيء. ولكن إذا كان الكلم طيباً والقلب خبيثاً والعمل لغير الله فهذا كله لا يرفع إلى الله ، فالإنسان قد يتكلم بالموعظة الطيبة التي لا يصدقها قلبه ولا يوافقها عمله، ويكون العمل رياءً وعملاً خبيثاً ليس فيه لله شيء، فلا يقبل منه قوله ولا يقبل منه عمله. ولكن إذا ذكر الله فالله يقبل منه ذلك، وقد يكون عصى الله في شيء آخر، فذكره لله يرفعه الله إذا قصد به وجه الله سبحانه، وعمله الذي وقع فيه وهو سيئ يحاسبه الله عليه ، ولا تعلق للقول بالعمل، فلا يرد هذا القول الذي كنت مخلصاً فيه لأنك عملت عملاً سيئاً أو وقعت في معصية الله، فالله أكرم من ذلك، قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وهذا شيء يقبله الله وذاك شيء آخر لا يقبله الله، والعبد واحد إلا أن يكون القول رياء فهو قول لا يرفع إلى الله . أو يكون العمل رياءً وسمعة وعملاً خبيثاً فلا يرفع إلى الله سبحانه. فقوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) أي: الله يرفع العمل الصالح للعباد، وأنت كلما عملت عملاً صالحاً يرفعه الله ويدخره لك عنده يوم القيامة، وتجد نتيجة هذه الأعمال الصالحة أشياء عظيمة من ثواب الله ومن فضله . قال تعالى: (والذين يمكرون السيئات)، المكر: هو الحيل، عمل الشيء على سبيل الاحتيال والخديعة، كإنسان يخدع، أو يخون، أو يغدر، يقول الشيء وهو ينوي ويضمر غير هذا الذي يقوله، ويسعى للإنسان حتى يوقعه في مهلكة بحيلة وبخبث، ولهذا قال الله سبحانه: (وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: يعملون أعمالاً سيئة خبيثة فيها المكر بعباد الله سبحانه، وفيها الخديعة والاحتيال على عباد الله . قال تعالى: (لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ) فلهم أشد العذاب عند الله، (وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ) البوار: الهلاك والضياع، فهؤلاء يمكرون بالمؤمنين، ويمكرون بدين الله وبالله ، فقضى الله على مكرهم بالبوار والخسران والتلف والهلاك، وكل من يمكر بدين الله أبى الله إلا أن يذله، وأن يعز دينه .

стр. 2243

تفسير قوله تعالى: (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة) يخبرنا ربنا سبحانه عن خلق الإنسان فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر:١١] كل هذه الأشياء يسيرة وسهلة على الله ، فبقول: كن يكون هذا كله. وقد تكرر أن الله خلق الإنسان من تراب في ستة مواضع من القرآن، ويخبر الله الإنسان أنه مخلوق من تراب، فهذا أصل خلقته، من سلالة، أي: من خلاصة من طين، هذا هو بدء خلق الإنسان. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ [الفرقان:٥٤] فالله خلقك من تراب ومن ماء، والاثنان يكونان الطين، وهذا الطين له صلصلة، فالله خلق الإنسان وأراه بدء خلقه كيف كان، وكيف صار هذا الإنسان. وقد جاءت أحاديث عن النبي ﷺ يخبر بها عن خلق هذا الإنسان من هذا التراب، ففي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك). فالله خلق آدم من تراب الأرض، من قبضة قبضها من جميع الأرض، والله على كل شيء قدير، فخلق آدم من أنواع من تراب الأرض، هذا أبيض وهذا أحمر وهذا أسود، فجاء آدم من هذا كله، فجاء بنو آدم من هذه الأنواع. وآدم جاء من هذه الأرض وفيها الأرض السهلية، وفيها الأرض الوعرة المرتفعة الصعبة، وخلق آدم من جميع ترابها، فبنو آدم منهم السهل ومنهم الصعب، ومنهم الحزن، ومنهم الخبيث ومنهم الطيب، والله يخلق ما يشاء . وعناصر الإنسان من تراب الأرض كذلك؛ ولذلك يقول العلماء: إنهم وجدوا بالتحليل أن جسم الإنسان يتكون من مركبات وعناصر الأرض، فإذ قمنا بتحليل الإنسان فإن أكثره ماء، وفيه سكريات وبروتينات وفيتامينات وهرمونات وكلور، وأنواع من المعادن: كبريت، فسفور، مغنسيوم، كالسيوم، بوتاسيوم، صوديوم، حديد، نحاس، يود، ومعادن أخرى في خلق هذا الإنسان كلها موجودة في الأرض من عناصرها التي خلق الله منها هذه الأرض. ولذلك يقول العلماء: أن الإنسان يشترك في تركيبه مع الأرض في ثلاثةٍ وعشرين عنصراً من عناصر الأرض، وهو يطأ هذه العناصر بقدمه ويدوس عليها وهو مخلوق من هذه العناصر. والأرض فيها ماء والإنسان أكثر جسده من ماء، وخلق الله الإنسان من ماء؛ ولذلك من خمسة وستين إلى سبعين في المائة من جسم الإنسان مخلوق من الماء، والماء في هذه الأرض. فيخبر الله بذلك، والإنسان يعرف أنه حين يموت يوضع في التراب، وإذا فُتح القبر بعد ذلك فلن يجد إلا تراباً، فقد رجع إلى أصله مرة ثانية، فالله خلقه من تراب وأعاده إلى الأرض مرة ثانية تراباً. فهذا التراب تكون الإنسان منه ومن المعادن التي في هذا التراب، فكونت عظام الإنسان، وعضلاته، وعدسة عينه، وشعره، وضروسه، ودمه، فإذا تحلل الإنسان بعد موته تحلل إلى مكونات هذا التراب العجيب بنسب عجيبة وثابتة في كل إنسان. فالإنسان يغتر في الدنيا، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٦ - ٧] ولو أخذت هذه العناصر المكونة للإنسان لكونت منها علبة طباشير، وعلبة كبريت، ومسماراً صغيراً، هذه تركيبة المعادن التي في جسدك أنت أيها الإنسان، قال تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:٦]، فأنت من تراب، والذي كرمك هو الله . قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٧ - ٨] فلم تتكبر على الله خالقك سبحانه وقد خلقك من هذا التراب الذي تطؤه أنت بقدمك؟! قال هنا: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) إذاً: أصل تركيب الإنسان من هذا التراب، ثم بعد ذلك يتكاثر الإنسان ويتناسل عن طريق هذه النطفة.

стр. 2244

مراحل وأطوار خلق الإنسان في بطن أمه وجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث عامر بن واثلة أنه سمع عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره. أي: أنه قد علم الله وقدر عنده أن هذا سيدخل النار يوماً من الأيام لأنه شقي، والسعيد أيضاً قدر الله وعلم أن هذا الإنسان يكون سعيداً، ونفعته المواعظ في الدنيا، والسعيد من وعظ بغيره. فلما سمع عامر بن واثلة ذلك من ابن مسعود ذهب إلى رجل آخر من الصحابة اسمه حذيفة بن أسيد ﵁، فحدثه بقول ابن مسعود وقال: وكيف يشقى الرجل بغير عمل؟ فقد تعجب كيف أنه وهو في بطن أمه مكتوب أنه شقي، كأنه يقيس علم الله على علم البشر، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالله علمه علم شامل ومحيط سبحانه، علم قبل أن يخلق الخلق ما هم عاملون، ومن أي شيء يكونون، وإلى أي شيء يصيرون، وهل سيعملون بعمل أهل الجنة أو بعمل أهل النار، وكتب عنده ذلك وقدر ما شاء من تقديره . فلما سأل ابن واثلة حذيفة بن أسيد قال: أتعجب من ذلك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب! أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! أجله؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب! رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحيفة في يده فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص). فهذا الحديث العظيم عن النبي ﷺ يبين لنا خلق هذا الإنسان، وهو حديث سبق الطب بألف وأربعمائة سنة، فمن كان يعرف أن هذا الإنسان يصور في بطن أمه على هذه الصورة؟ قال ﷺ : (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة) أي: ستة أسابيع، فالنطفة تخرج من الذكر وتدخل في الأنثى ويمر عليها ستة أسابيع، قال ﷺ : (يبعث الله إليها ملكاً فصورها) فيكون تصوير الإنسان في هذا الوقت. وفي الحديث الآخر: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعة أشهر) فذكر أربعة وأربعة وأربعة، وذكر النبي ﷺ أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، فذكر النبي ﷺ مائة وعشرين يوماً. فهو في هذا الحديث أجمل: أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، لكن الحديث السابق يعطي تفصيلاً أكثر، فهو يخبرنا أنه في يوم الاثنين والأربعين يأتي الملك إلى هذه النطفة ويبدأ بتشكيلها؛ ولذلك يقول أهل الطب: يبدأ تشكيل الإنسان في الأسبوع السادس، أي: بعد اليوم الثامن والثلاثين، وفي الحديث الآخر: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك). فالنطفة هي التي تصير إلى علقة، والعلقة تصير إلى مضغة، ففي ليلة ثنتين وأربعين يشكله الله كما يشاء، كما يذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث. ويأتي الملك ليكتب ما يريده الله ، قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: (فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها)، فيبدأ خلقه في يوم اثنين وأربعين وفيما يلي ذلك، ولا ينفخ فيه الروح في خلال هذه الفترة، حتى إذا أتم أربعة أشهر نفخ فيه الروح بعد ذلك، فيكون قد مكث أربعة أشهر وبعد ذلك أربعة أشهر أو خمسة ويولد هذا الإنسان، فيكون قضاؤه وقدره قد كتب في اليوم الثاني والأربعين، وإن كان عند الله قبل أن يخلق الخلق مكتوب ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. ويحدد جنس الجنين بعد ذلك، ولذلك إذا سقط قبل ذلك فلا يعرف هل هو ذكر أم أنثى؟ حتى يشاء الله فيقضي بذكر أو أنثى، فيكون التحديد من الله في الوقت الذي يريده .

стр. 2245

تكون الجنين من ماء الرجل وماء المرأة وهناك ماء للرجل وماء للمرأة، أي: أن النطفة من الرجل والبويضة من المرأة يتكون منها الإنسان، وحديث النبي ﷺ يوضح لنا شيئاً من ذلك، فيذهل الإنسان حين يعرف ذلك. ولو حدث في الماضي أن امرأة أسقطت وأنزلت مضغة، وأنزلت قطعة من اللحم، فإنهم لا يعرفون ما هي قطعة اللحم هذه، والنبي ﷺ يذكر أن فيها تخليقاً، والملك صورها في هذا الوقت، والعلم يصدق ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه. روى الإمام مسلم من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كنت قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود، فقال: السلام عليك يا محمد! -صلوات الله وسلامه عليه- قال ثوبان: فدفعته دفعة كاد يصرع منها، فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي) ﵊. فاليهودي جاء ليسأل النبي ﷺ عن شيء أو يختبره، فالنبي ﷺ أجاب: إن اسمي محمد، وإن كان ربنا جعل للنبي ﷺ منزلة عظيمة قال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]. فأدب المؤمنين ألا ينادوا النبي ﷺ باسمه: يا محمد، ولكن يقولون: يا رسول الله! أو: يا نبي الله! صلوات الله وسلامه عليه، أما أن تناديه باسمه فهذا لا ينبغي؛ ولذلك ثوبان دفع اليهودي حين فعل ذلك. فقال اليهودي للنبي ﷺ : (جئت أسألك، فقال له النبي ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ -يعني: أنت لست مؤمناً بي أصلاً، فهل ستنتفع بما سأقوله لك؟ - فقال: أسمع بأذني، فنكت رسول الله ﷺ بعود معه، فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟) يعني: الله يقول في القرآن: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم:٤٨] فأين سيذهب الناس حين تبدل هذه الأرض؟ فقال رسول الله ﷺ : (هم في الظلمة دون الجسر)، فالله يجعل العباد في مكان آخر، ويغير هذه الأرض أرضاً أخرى، ويجعلهم عليها بعد ذلك. قال اليهودي: (فمن أول الناس إجازة؟ -يعني: من أول الناس سيمرون على هذا الجسر؟ - قال النبي ﷺ : فقراء المهاجرين، قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد الحوت. قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها. قال: فما شرابهم عليها؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً. قال: صدقت)، أي: أنا جئت أسأل عن هذه الأشياء فكل الذي تقوله هذا صحيح. ثم قال: (وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال: أينفعك إن حدثتك؟ قال: أسمع بأذني، جئت أسألك عن الولد؟ قال النبي ﷺ : ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله، قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، وانصرف اليهودي، ولم يقل: لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : (لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به)، فهنا رد العلم إلى عالمه إلى الله ، وفوق كل ذي علم عليم، فالله هو الذي علمني ذلك سبحانه فأجبته وما كنت أعرف هذا قبل ذلك. والشاهد من هذا الحديث: أن اليهودي يسأل النبي ﷺ : كيف يأتي الولد؟ كيف يكون ذكراً وكيف يكون أنثى؟ فقال: (ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر)، وماء الرجل هو المني، وماء المرأة هي البويضة، والعلماء حتى عصر قريب جداً ما كانوا يعرفون حقيقة ماء المرأة، فكانوا يقولون: الرجل له ماء، والمرأة ليس لها ماء. وصدق رسول الله ﷺ فيما أخبر به وجهله هؤلاء إلى سنين قليلة ماضية، والآن يذكرون: أن المرأة يفرز منها ماء أصفر يكون مع المني، فقالوا: لقد تضمن حديث النبي ﷺ وصفاً لماء الرجل وماء المرأة، فإن ماء المهبل يميل إلى الصفرة، وكذلك الماء الذي في حويصلة (جراف) يخرج منها هذا الماء. وعند خروج البويضة من حويصلة (جراف) يكون الماء أصفر، فتسمى بالجسم الأصفر، وهذا الذي ذكره النبي ﷺ أن ماء المرأة أصفر، وهذا من الإعجاز. ويقول العلماء: إفرازات المبيض في المرأة حمضية، وتقتل الحيوانات المنوية، لكن إفرازات عنق الرحم في المرأة قلوية، فالمني حين يدخل على إفرازات عنق الرحم فمن الممكن لهذا الحيوان المنوي أن يعيش، ولو دخل مباشرة على البويضة لهلك ولم يعش، فيذكر النبي ﷺ أنه إذا علا ماء الرجل ماء المرأة يكون ذكراً بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان أنثى بإذن الله، وصدق النبي صلوات الله وسلامه عليه ولم يعرف هذه الأشياء أكابر علماء الطب حتى اكتشفوا قريباً أن المرأة لها ماء، وقد قال النبي ﷺ ذلك من سنين. وقد ذكر الشيخ الزنداني حفظه الله أنه ناقش بعض علماء الطب من المسلمين أن الحديث يذكر ماء المرأة، فسألهم: هل للمرأة ماء؟ فقالوا: لا، هذا الجواب من قبل علماء الطب المسلمين المتخصصين في النساء والولادة والمختصين في ذلك، فقال: إنه جاء في حديث النبي ﷺ أن المرأة لها ماء، فقال أحدهم: دعني أبحث، ورجع لمراجع حديثة ورجع للشيخ يقول له: وجدنا فعلاً أن المرأة لها ماء، والمراجع الحديثة تقول هذا الشيء، فسبحان الله العظيم! لقد كان يخفى على علماء من علماء الطب هذا حتى عصرنا الحالي، حتى قال الأجانب هذا الشيء واكتشفوه وصدقوا ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه عن ذلك، وعرفوا أن النبي ﷺ لا ينطق عن الهوى.

стр. 2246

علم الله بما تحمل الأرحام وبأعمار البشر يقول الله سبحانه: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا) أي: ذكوراً وإناثاً، يخلق ما يشاء ، قال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٤٩ - ٥٠]. قال تعالى: (وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ) أي أنثى كانت من إنسان أو من حيوان أو من غيره، ما تحمل ولا تضع حملها إلا بإذن الله وبعلم الله ، وكل شيء في كتاب. قال تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ). فهناك إنسان يعيش حتى يصير معمراً، ويصير شيخاً كبيراً، وإنسان آخر يموت وهو صغير، فما يعمر من معمر من البشر، أو ينقص من عمر إنسان من البشر إلا بعلم الله ، وقد يقضي لإنسان بعمر معين عنده، والعمر عند الله لا يزيد ولا ينقص، ويكتب في صحف الملائكة أن عمره ستون عاماً إن وصل رحمه، فإن لم يصل رحمه كتب عمره أربعين عاماً، وهذا في أيدي الملائكة، أما في اللوح المحفوظ فمكتوب عند الله ما لا يغير وما لا يبدل. فقوله تعالى: (وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ) محمولة على واحد من الناس أو محمولة على أصناف، فلا يزيد في عمر الإنسان ولا يموت إنسان ويتوفى في وقت معين إلا بعلم الله ، وكله مكتوب عنده في كتاب. وهذا الأمر لو نظرت فيه جيداً لوجدته كثيراً جداً وكبيراً وصعباً، فكم من إنسان موجود في هذه الدنيا، وكم من حيوان، وكم من حشرة، وكل شيء عند الله مكتوب، والذي يكتب ذلك هو الله بعلمه، وهذا يسير على الله بقوله: كن فيكون، فهذا يسير على الله، إذ يريك قدرته وعظمته سبحانه وآياته في الكون. نسأل الله أن يجعلنا ممن يتفكر في آياته، ويؤمن ويوقن بها، اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2247

تفسير سورة فاطر [١٢ - ١٤] لقد خلق الله هذا الخلق فأبدعه، وجعل هذا الخلق شاهداً لعظمته، وبديع صنعه سبحانه، وجعل في خلقه من العظمة والجمال ما تتحير منه فطن أولي الألباب، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟ وهل تقود إلى عبادة غير القدير؟ فويل للمشركين عبدة الأوثان من شر يوم مستطير.

стр. 2248

تفسير قوله تعالى: (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله في سورة فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٢ - ١٤]. يذكر لنا الله في هذه الآيات بعضاً من عظيم آياته في هذا الكون لنتدبر فيها، وكيف أن الله خلقها وسخرها لنفع عباده، وكيف أفادهم من هذه الأشياء. ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ [فاطر:١٢]، وقال في سورة الرحمن: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢١]، أي: فبأي نعم الله سبحانه تكذبان؟! والبحر نعمة عظيمة للعباد، فمنه ما هو: ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر:١٢]، ومنه الملح الأجاج، أي: شديد الملوحة، ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢]، وسخر البحر كذلك: ﴿لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم:٤٦]. وانظر إلى البحار والمحيطات التي تحيط بهذا الكون، فإنها تغمر أكثر سطح الأرض، ومع ذلك فقد جعل الله للعباد رزقاً فيها، فالبحر مالح والمحيط أشد ملوحة منه، وماء عذب فرات يجري في الأنهار أو في العيون، وهذه نعم من الله على العباد، فهم يشربون من المياه العذبة الفرات التي خلقها الله لهم، ويأكلون طعاماً من البحر ومن النهر ومن المحيط، ويستخرجون حلياً يلبسونه ليشكروا نعمة الله سبحانه. ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ))، أفلا تشكرون نعم الله عليكم؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ﴾ [فاطر:١٢]، أي: لا يستوي ماء البحر المالح وماء البحر العذب، ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [فاطر:١٢] أي: شديد العذوبة تشربونه وتستسيغونه، كماء النهر، ومياه العيون والآبار، فهي مياه عذبة تشربونها وتستسيغونها، والفرات بمعنى: الحلو، سائغ شرابه، أي: أن الإنسان يقدر على ازدراده وابتلاعه، ومنه قولهم: أساغ اللقمة بالماء إذا أراد أن تنزل من حلقه بعد أن علقت به، أما الماء المالح فلا يقوى على استساغته، ولا يستطيع بلعه. وانظر إلى شراب أهل النار، فقد ذكر الله عنهم أن شرابهم الصديد في النار، وأنهم لا يستطيعون استساغته، فقال: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم:١٧]، أي: لا يقدر أن يبتلعه، وكيف يبتلعه وهو من النار والعياذ بالله، ولكن الماء الفرات البارد من نعم الله على عباده، والتي قال عنها النبي ﷺ لأصحابه وقد أكلوا تمراً أو بلحاً وشربوا ماءً عذباً: (هذا من النعيم الذي تسألون عليه). والأجاج: هو الشديد الملوحة، وأيضاً: يطلق على مر المذاق، وكأنه يريد منك أن تقارن بين هذا وذاك، ومع ذلك جعل الله لهذا مخلوقات تعيش فيه وتستسيغه، فهناك أسماك معينة للبحر العذب، وهناك أسماك معينة للبحر المالح.

стр. 2249

معنى البرزخ في قوله سبحانه: (بينهما برزخ لا يبغيان) والإعجاز العلمي فيه لقد أخبرنا سبحانه عن اختلاط البحر بالنهر فقال: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩]، أي: النهر والبحر، والمارج: هو الشيء المختلط، فيحصل اختلاط بين البحر المالح والنهر العذب، ومع ذلك فلا يتأثر الملح بالعذب ولا العذب بالملح، فسبحان الله! ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:٢٠]، فمن قدرة الله أن جعل بين البحرين برزخاً، أي: ماءً وسطاً بن الملح والعذب تعيش فيه أسماك معينة لا تقبل الماء المالح، أو الماء العذب، وفائدته: الفصل بين البحر المالح والنهر العذب، بحيث لا يختلطان، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، والبرزخ: هو المكان الفاصل بين الاثنين، ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان:٥٣]، أي: مانعاً لمخلوقات هذا البحر أن تعيش في هذا النهر والعكس كذلك.

стр. 2250

الإعجاز العلمي في قوله تعالى: (ومن كل تأكلون لحماً طرياً) وقوله: (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ [فاطر:١٢]، أي: من البحر العذب والبحر المالح، ﴿تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر:١٢]، أسماكاً وغيرها، ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢] قال الله سبحانه: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ * يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:١٨ - ٢٢]، أي: يخرج من الاثنين، من الماء العذب ومن الماء المالح، وكان المفسرون يقولون: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن:٢٢]، أي: على سبيل التغليب، وإلا فلا يخرج اللؤلؤ والمرجان إلا من الماء المالح فقط، وهذا هو المعروف عند العرب، وهذا من أدلة إعجاز القرآن العظيم الذي نزل على النبي ﷺ ، والذي كان عربياً مثلهم. لكن العلم الحديث أثبت لنا بأن هناك أنهاراً موجودة يخرج منها اللؤلؤ والمرجان، ويخرج منها الحلي للناس، ولذلك لم تعرفها العرب، وتوجد هذه الأنهار في الهند وفي الصين وفي روسيا وفي أمريكا وفي ألمانيا وغيرها؛ ولذلك تأول المفسرون هذا الآية: أنه يخرج من أحدهما -وهو المالح- اللؤلؤ والمرجان. قال سبحانه: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن:٢٢]، وهناك قال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ﴾ [فاطر:١٢]، أي: الاثنين: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر:١٢]، ومن كل أيضاً: ﴿تَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر:١٢]، وقد يكون هذا الشيء موجوداً عند العرب ولكنهم لم يكتشفوه في وقت نزول القرآن فيهم، والقرآن لم ينزل لزمانهم فقط، بل نزل لكل زمان إلى قيام الساعة. ولذلك تجد الآن في بلاد العرب من يأخذ الرمل الموجود حول هذه الأنهار فيفتته ويحلله ويخرج منه الذهب؛ ولذلك يقولون: إن أنهار العرب فيها من الطين ما هو ممتلئ بالذهب، وهذا شيء لم يكن موجوداً في الماضي ووجد الآن، يقول سبحانه: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:١٢]، أي: ومن آياته: أنه يرسل هذه الرياح لتثير السحاب ولتجري الفلك في البحار والأنهار بأمر الله سبحانه، ليخرج الإنسان الصياد فيركب قاربه مبتغياً الرزق من الله ، ((لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ))، ((وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ)) يعني: تمخر الأمواج، أي: تشقها وتشق أمواجه وتسير فيها بتسيير الله سبحانه لها وبتيسيره، لتبتغوا من فضل الله سبحانه ومن رزقه، فهو الذي سخر لكم ذلك ولن يغرقكم إلا حين يشاء . ثم ترك لكم الخيار في الأكل من البر أو البحر وسخر لكم من فضله سبحانه، قال: ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر:١٢]، أي: فإذا أخذتم وإذا لبستم حمدتم الله سبحانه وشكرتموه على نعمه، وهو القائل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧].

стр. 2251

تفسير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجلٍ مسمى) والإعجاز العلمي فيها قال : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:١٣]، والإيلاج: هو إدخال شيء في شيء، فالأرض كروية تدور حول نفسها، والشمس تجري لمستقر لها. وقد اكتشف رواد الفضاء عندما خرجوا من العلاف الجوي للأرض: أن الظلام محيط بالأرض من كل جانب، وأن الله قد جعل حول الأرض شيئاً معيناً بحيث تنعكس عليه أشعة الشمس نحو الأرض فيظهر النهار، فالنهار هو الذي يجلي الشمس ويظهرها، فتراها وأنت في داخل الأرض؛ ولذا قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا﴾ [الشمس:١ - ٤]، فأقسم بالشمس، وبضحى هذه الشمس، وبالقمر، وبالنهار الذي يجلي هذه الشمس ويظهرها، وبالليل كذلك. وقد كان المفهوم السائد الغالب في الماضي أن الشمس هي التي تجلي النهار وتظهره، حتى جاءت هذه الآية لتبين الحقيقة العجيبة، قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا﴾ [الشمس:٣]، أي: إذا أظهر الشمس. ولذلك تحير العلماء في ماهية النهار وحقيقته، حتى قالوا: إنه الطبقات الترابية أو الغلاف الذي يحيط بالأرض، فإنه إذا واجه الشمس انعكست أشعتها عليه فظهر النهار وكأنه شيء بين الأرض وبين الشمس، فإذا تحركت الأرض ودارت حول نفسها ذهبت أشعة الشمس إلى المكان الذي كان مظلماً قبل ذلك، وأظلم هذا المكان الذي كانت فيه أشعة الشمس أولاً، وهكذا يتعاقب الليل والنهار. وهذا دليل ظاهر على كروية الأرض، فإن الأرض لو كانت مسطحة لواجهت أشعة الشمس ولدام عليها النهار أبداً، وهو مصداق لقوله : ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥]، فالنهار يكون على جزء منها، كما أن الليل يكون على الجزء الآخر، وهذا دليل ظاهر على كروية الأرض. يقول العلماء: وقد كشف العلم الحديث: أن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد، وهو بسيط جداً بالنظر إلى الليل الدامس الموجود في الكون ككل؛ ولذلك ذكر الله انسلاخ الليل عن النهار فقال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس:٣٧]، فإذا دارت الأرض سلخت هالة النهار الرقيقة التي كانت متكونة بسبب انعكاسات الأشعة القادمة من الشمس على الجزيئات الموجودة في الهواء، فكأن الأرض كرة حولها غلاف من الهواء، فانعكست أشعة الشمس على هذا الغلاف، فأخذت فجوات في هذا الغلاف فظهر الضوء من خلالها في المكان، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]. وهنا يقول : ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ [فاطر:١٣] أي: يدخل هذا في ذاك، ﴿وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ [فاطر:١٣]، فكأن الاثنين معاً، وقال في موضع آخر: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦٢]، أي: يخلف الليل النهار والنهار الليل، وهذا لا يكون إلا إذا كانت الأرض كروية كما سبق، وسيستمر هذا الوضع إلى أن يأتي أمر الله . قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:١٣]، فالشمس تقع على بعد معين من الأرض لا ينقص ولا يزيد.

стр. 2252

تجلي عظمة الله سبحانه في مخلوقاته تبعد الشمس عن الأرض حوالي: (١٥٠) مليون كيلو متر، بينما تقطع أشعة الشمس هذه المسافة من الشمس إلى الأرض في (٨) دقائق و (٠. ٣) جزء من الدقيقة، ولو أن الشمس اقتربت كيلو أو اثنين من الأرض لاحترقت الأرض بمن فيها، أو لتبخرت جبال الثلج الموجودة في الأرض ولمات الناس غرقا. والإنسان في الصيف لا يستطيع أن يقف تحت الشمس لمدة طويلة، بل إن درجة الحرارة في الصيف في بعض البلدان تصل إلى (٦٠) درجة مئوية، حتى إن بعض البلدان تعلن للناس حظراً يقضي بعدم الخروج من المنزل للوظائف وغيرها بسبب حرارة الشمس الشديدة، وتبلغ درجة حرارة الغلاف الخارجي للشمس فقط: ستة آلاف درجة مئوية، أما درجة الحرارة في داخل الشمس فقد تصل إلى ستة ملايين درجة مئوية، وتخيل كيف سيصبح حال الإنسان يوم أن تدنو الشمس من رأسه يوم القيامة مقدار ميل؟ والميل يساوي كيلو وسبعمائة متر تقريباً، أي: اثنين كيلو إلا يسيراً، وبعضهم قال: بل هو ميل المكحلة: وهو العود الذي يوضع داخل المكحلة من أجل التكحل، فمن يطيق هذا الدنو أو ذاك؟! وفي ذلك اليوم يخفف سبحانه عمن يشاء من عباده، ويظل من يشاء في ظله يوم لا ظل إلا ظله -نسأل الله أن يظلنا في ظله يوم لا ظل إلا ظله- تدنو الشمس من الرءوس يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يغطي عرقه قدميه، ومنهم من يغطي ساقيه إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومنهم من يغطي منكبيه، ومنهم من يغطي العرق رأسه، وهذا العرق الذي يصيب الإنسان إنما هو بسبب أنه لم يبذل في الدنيا، ولم يعرف الله ، ولم يؤد حق الله في الدنيا، وهذا العرق تعذيب من الله للإنسان في هذا الوقت على ما قصر في عبادته لربه . وهنا أخبرنا الله سبحانه عن الشمس فقال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:١٣]، أي: جعل هذه الشمس المشرقة المحرقة المشتعلة المتوقدة، كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء:١٢]، فجعل لنا ليلاً ونهاراً، فلو كان القمر مشتعلاً كالشمس لكانت الأرض كلها نهاراً، ولكن الله جعل آية الليل القمر، وآية النهار الشمس، فالشمس تضيء للعباد، والقمر ينير، وقد كان القمر مشتعلاً يوماً من الأيام؛ بدليل قوله : ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:١٢]. أي: أن آية الليل -وهو القمر- كان كهذه الشمس آية مبصرة مشتعلة يخرج منه النور والنار، ولكن الله محاها وطمسها، قال: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الإسراء:١٢] أي: لتنامون في الليل ولتبتغوا فضلاً من الله في النهار. ﴿وَلِتَعْلَمُوا﴾ [الإسراء:١٢]، أي: بتعاقب الليل والنهار: ﴿عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الإسراء:١٢]، فلو جعل الأرض نهاراً بأسرها لما عرفنا الفرق بين يوم وآخر، فالله جعل هذه آية من الآيات العجيبة جداً. وقد اكتشف العلماء أن القمر كان مشتعلاً يوماً من الأيام، وأنه الآن منطفئ، وإن كانوا يقولون: إن باطنه ما يزال مشتعلاً. فالله يقول: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر:١٣]، فإذا ظهرت الشمس للعباد أتى النهار مباشرة، وإذا غابت الشمس أتى الليل بعدها مباشرة، قال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٨ - ٣٩]، وقد تحدث العلماء: أن القمر ينزل في برج من الأبراج كل ثلاثة عشر يوماً إلى أن يدور في العام كله في السنة الهجرية ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوماً، فتنتهي بذلك السنة القمرية، وهذا كله لتعلم عدد السنين والحساب الذي تحسب به الليل والنهار. فالله سبحانه سخر لعباده هذا الكون كله للعبادة، وقد قال أهل العلم: إنه اكتشفت مجرات عديدة جداً غير هذه المجرة التي تضم الأرض، وقد تصل المجرات المكتشفة إلى الآن إلى أكثر من أربعمائة مليار مجرة في هذا الكون، وكل مجرة تساوي المجرة التي نحن فيها بل بعضها أعظم وأضخم، وهذه أرقام عجيبة جداً، في حين أن العلماء كانوا يعتقدون بأن عدد المجرات كلها هو: مائة مليار مجرة، أما المجرة التي تضم كوكب الأرض فيها والمسماة: بدرب التبانة، فإن كتلتها تصل إلى (٢٣٠) مليار مرة قدر كتلة الشمس، فهي تكبر الشمس بـ (٢٣٠) مليار مرة، وهذه مجرة واحدة فما بالك بأربعمائة مليار مجرة؟! أرقام فوق الخيال والعقل. وإذا تفكرت في الكون فلا تتفكر في رب الكون سبحانه، فإذا كنت لا تستطيع تخيل المجرة، فكيف بتخيل خالقها؟ فلا يجوز ذلك، قال تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣]، . قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [فاطر:١٣]، أي: وسخر هذه المجرات التي تجري في هذا الفضاء الواسع بشموسها وأقمارها ونجومها وما إلى ذلك من عظيم خلقه سبحانه، وهي تجري من مكان إلى مكان بحساب جعله الله لها، وكذلك النجوم التي تموت وتولد كالإنسان والحيوان والنبات وغيرهم، قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد:٩]، . قال تعالى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر:١٣]، فالشمس تجري إلى أن يأتي الأجل المسمى، وإلى أن يوقفها الله ويفعل بها ما يشاء سبحانه، وكذلك القمر، قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر:١٣]، فهو الذي سخر هذا كله إلى أجل قد سماه الله وحدده عنده سبحانه، ذلكم العظيم القادر القاهر الذي يستحق العبودية وحده لا إله غيره سبحانه.

стр. 2253

المالك الحقيقي هو الله سبحانه قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [فاطر:١٣]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] !!. وإذا تخيلت شيئاً من ملكوت الله سبحانه كهذه المجرات والشموس والأقمار التي هي في الدنيا، فتخيل السماء والسماوات التي لم يطلع عليها أحد. وقد أخبرنا النبي ﷺ : (أن سمك السماء الواحدة مسيرة خمسمائة عام، وأن ما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام)، ثم فوق السماء السابعة ما يشاء الله من خلق، ثم فوق ذلك سدرة المنتهى، ثم فوق هذا كله عرش الرحمن . وقد قال ﷺ : (ما السموات السبع في الكرسي إلى كحلقة في فلاة)، والكون هذا كله في السماوات كحلقة في فلاة أيضاً، وإذا قورن الكرسي بالعرش فهو لا شيء بالنسبة للعرش. ثم قال سبحانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، أي: لا يملكون شيئاً، فالملك الحقيقي هو لله حتى وإن أعطاك المال، وحتى لو زعمت أنك اكتسبته بعرق جبينك فلن تأخذه معك إلى القبر يوم وفاتك، فالملك هو الله حقيقةً، وقد حاول الفراعنة في الماضي أن يدفنوا الذهب مع الأموات في القبور، فجاء من بعدهم من نبش هذه القبور وأخرج ما فيها من الذهب فلم يستطيعوا عمل شيء بها، والقطمير: هو الغلاف الرقيق الذي يغطي نواة التمرة، والنقير: هي النقرة وراء النواة، وأما الفتيل: فهو الخيط الرقيق الموجود وسط النواة، فخاطب الله العرب بشيء محسوس يعرفونه في طعامهم، ومعنى الآية: أن القطمير والفتيل والنقير لا تملكه أنت، بل يملكه الذي أوجده وهو الواحد القهار، بل ولو دعي الإنسان الضعيف إلى صنع نواة كهذه توضع في الأرض فتنبت شجرة باسقة لما استطاع إلى ذلك سبيلاً، قال تعالى: ﴿مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ [فاطر:١٣]، فالذي يملك هذا كله، هو الله سبحانه الذي خلق وأبدع وأوجد وجعله آية لخلقه. وإذا نظرت إلى هذه الأصنام الآلهة المعبودة من دون الله سبحانه لعلمت أنها لا تملك لأنفسها نفعاً ولا ضراً ولا الشيء اليسير، وحتى الغني في مرض موته لا يستطيع أن يتصرف بماله إلا بالثلث فقط، مع أنه قد يكون هو الذي تعب في جمعه، ولكن الله يأبى أن يكون الملك إلا له ؛ ولذلك فعلى الإنسان أن ينتهز الفرصة فيتصدق لله في صحته وعافيته؛ ولذلك قال النبي ﷺ لأصحابه: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ فكلهم قالوا: كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، قال: فمالك ما ادخرته عند الله ، أي: أنه يكون باقياً عند الله : (ومال وارثك ما أبقيته لهم)، فما جمعته ونميته من ثروة هو مال الوارث في الحقيقة، أما مالك أنت فهو ما أنفقت لله .

стр. 2254

تفسير قوله تعالى: (إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم) قال الله سبحانه: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، هذه الآية تبين حقيقة المدعوين من دون الله، فهم يدعون الأصنام من دون الله سبحانه، فمهما دعوتم فلن يستجيبوا لكم، والعجب أن المشركين يعرفون ذلك، وأن هذه الأصنام لا تنفع ولا تسمع ولا تضر، ومع ذلك يذهبون إليها يدعونها ويستشيرونها ويتكلمون عندها ابتغاء بركتها. فهم يعتقدون أنها تنفعهم وتقربهم إلى الله مع أنهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنها لا تملك لنفسها أو لغيرها شيئاً: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، وهذا فرض جدلي؛ لأنهم لا يسمعون أصلاً، فإذا افترضنا أن الله خلق في هذه الأصنام سمعاً تسمع وعقلاً تعقل به فلن تستجيب لكم.

стр. 2255

تبرؤ الآلهة ممن يدعونهم من دون الله يوم القيامة ثم قال : ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر:١٤]، سواءٌ كانت هذه الآلهة أصناماً وأحجاراً، أم أناساً ميتين، أم كانت شمساً وقمراً وأشجاراً وأنهاراً وغيرها مما عبد الخلق، والكفار أغبياء جداً في فهمهم لمعنى الألوهية، فهو يذهب إلى الصنم بأسهمه إذا أراد أن يسافر، فيأخذ الأسهم ويقرع بينهن، فإذا خرج سهم السفر فرح بذلك، وإذا خرج سهم القعود وعدم السفر أقرع بينها مرةً ثانية، فهو يعلم أن هذا الصنم لا يملك لنفسه شيئاً قبل أن يملك لغيره، وهكذا هو عقل الكافر في كل زمان ومكان، وهذا الغباء هو ما يعرفه الكافر إذا دخل في دين الله وأسلم، فكيف يعطيك الله ويرزقك ثم تعبد من لا يملك لنفسه أو غيره شيئاً؟! ويوجد الآن من يعبد البقر مع أنها تذبح أمامه، ومع ذلك يسجد لها من دون الله . وهناك من يصنع تماثيل عالية جداً كبوذا ويعبدها من دون الله تعالى، مع أنه صنعها بنفسه من الحجارة، وقد حدثني أحد الأساتذة في الطب وكان قد سافر إلى اليابان، فقال: إن الناس هناك يذهبون إلى بوذا في المعبد ومع كل واحد منهم جرس ليؤدوا طقوس العبادة له من دون الله سبحانه، فسأل أحدهم مرةً عن هذا الجرس ماذا يصنعون به؟ فأجابه أحدهم: أنهم يوقظون الإله ليعطيهم حاجياتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهكذا هو حال الإنسان الذي لم يعرف الله تعالى، ففي قلبه ظلمة وفي عقله غباء، فهو يستدل بالباطل على الباطل، يجد نور الحق أمامه ومع ذلك لا يذهب إليه ولا يتبعه؛ لأن الله قد طبع على قلوبهم وعلى سمعهم، وجعل الغشاوة على أبصارهم فعبدوا غيره . قال سبحانه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، فهؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله يتبرءون يوم القيامة منكم ويكفرون بما أشركتم، حتى إن الشيطان يقول: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فأنا لا تعجبني عبادتكم، بل أنا كافر بعبادتكم إياي، ولست معترفاً ولا مقراً بأني إله من دون الله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢٢]. ثم قال الله سبحانه: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]، فهل تريد أن ينبئك غير ربك سبحانه؟ ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فلا ينبئك مثله ، فهو الخبير بخبايا النفوس، وبما يكون في الغيب، فسترجع الأمور إلى الله وسيجازي عباده أجمعين: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٤]. نسأل الله أن يهدينا صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2256

تفسير سورة فاطر [١٥ - ١٨] الله هو خالق المخلوقات وهو رازقها وحده، ومن أسمائه سبحانه أنه الغني الوهاب المعطي الرازق اللطيف الكريم، فما من نعمة إلا وهي منه، وما من فضل إلا وجاء من عنده، فهو الغني سبحانه، والغنى وصف ذاتي له، كما أن الفقر وصف ذاتي للإنسان، ومع غناه سبحانه عن خلقه فهو حميد لمن شكره على نعمه، وحميد في أفعاله، ومن أفعاله الدالة على أنه حميد: أنه لا يؤاخذ أحداً بذنب غيره، وإنما يجازي كل إنسان على ما قدم؛ فالإنسان مسئول عن أفعاله مسئولية فردية أمام الله سبحانه.

стр. 2257

تفسير قوله تعالى: (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فاطر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ * وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٥ - ١٨]. هنا ينادي الله سبحانه ﵎ الخلق جميعهم ويخبرهم سبحانه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. أي: يا أيها الناس! كلكم فقراء إلى الله سبحانه ﵎، والله وحده هو الغني وهو الحميد سبحانه ﵎. فالناس فقراء بأصل خلقتهم. والإنسان بأصله فقير، والله هو الغني الحميد سبحانه ﵎. وعقب بعد الغني بأنه الحميد سبحانه ﵎؛ ليبين للناس أن من كان غنياً في الدنيا فليس بأصل خلقته وإنما أغناه الله، واغتنى بإعطاء الله له. ومع ذلك يبخل على الخلق، فلا يستحق أن يحمد في صنيعه لأنه بخيل، مع أن الله سبحانه هو الذي أعطاه المال.

стр. 2258

بيان غنى الله الله سبحانه هو الغني الحميد فهو الغني بذاته سبحانه، وعطاؤه إنما يكون بقوله: كن فيكون، وخزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، أي: يعطي بالليل وبالنهار. فيرفع العباد أيديهم إليه: يا رب يا رب، فيستحي أن يردهم صفراً بغير شيء بل يعطيهم سبحانه ﵎ ما سألوه وفوق ما سألوه، وإن منعهم سبحانه ﵎ في الدنيا فيدخر لهم إلى يوم القيامة، فيعطيهم عطاء لم يكن على بال أحدهم، حتى إن العبد ليأتي يوم القيامة ويجد جبالاً من الحسنات لم يعملها فيسأل ربه سبحانه فيقال له: هذا دعاء لم نستجبه لك في الدنيا. أي: سألتنا في الدنيا فادخرناه لك إلى الآخرة. فيتمنى العبد لو أن كل دعائه لم يستجب له وأنه ادخر له إلى يوم القيامة. والله يستجيب الدعوات ويعطي صاحبها إحدى ثلاث: إما أن يعجل الإجابة له سبحانه، ويعطيه ما سأل، وإما أن يصرف عنه من الشر بقدر هذا الذي سأل؛ لأنه لو نال هذا العبد الخير الذي طلبه لأتته مصيبة من المصائب أو أتاه شر، فالله سبحانه من رحمته لا يعطيه ما سأل، وإنما يصرف عنه ما نزل، سبحانه ﵎، أو أنه يدخر ذلك للعبد إلى يوم القيامة. ولو تأمل العبد هذا لوجد هذا أفضل له. فالعباد فقراء إلى الله سبحانه، والله هو الغني وهو الذي يعطي سبحانه ﵎ من فضله ومن غناه. وهو الحميد المستحق للحمد على صفاته العظيمة، ومنها صفة الكرم، فهو الكريم سبحانه ﵎، فإنه يعطي عباده عطاءً عظيماً، وكل عطائه عظيم سبحانه. والناس فقراء إلى الله وإن كانوا يقولون: نحن أغنياء. فقد يكون الإنسان مليونير، ويقول: أنا غني وحقيقته أنه مفتقر إلى الله؛ لأن المال مال الله وليس مال العبد، فالعبد وإن كان معه المال الكثير فهو فقير إلى الله. والفقير: محتاج. فلا يستغني أحد أبداً عن ربه سبحانه، وإن كان معه مال، فلعل الله يسلبه الصحة أو يبتليه بشيء، فيبقى فقيراً محتاجاً إلى الله مع أنه عنده المال والثروة وعنده كذا كذا. إذاً: كل إنسان يستشعر الحاجة إلى الله والذل إليه سبحانه ﵎ ويدعو ربه بالليل وبالنهار، ويسأله ويطلب منه. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾ [فاطر:١٥].

стр. 2259

شرح الحديث القدسي (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي) روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي ذر عن النبي ﷺ عن رب العزة سبحانه أنه قال: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا. يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم. يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً. يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد أو كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فهذا الحديث العظيم فيه بيان ما ذكرنا من افتقار العباد إلى الله وحاجتهم إليه سبحانه. فقوله: (يا عبادي! كلكم ضال)، أي: أنتم مفتقرون إلى الهداية. (إلا من هديته)، أي: إلا من أنعمت عليه وتكرمت عليه فهديته إلى الصواب وإلى الدين الصحيح وإلى معرفة الرب سبحانه ﵎، فنحن مفتقرون إلى هدى الله، ولذلك في كل صلاة نقرأ الفاتحة ونقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]. وقوله: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته). والذي يطعمنا هو الله سبحانه ﵎. فقد خلق لنا رزقنا من طعام وشراب، وخلق لنا الأعضاء التي ننتفع بواسطتها بهذا الطعام والشراب. فعلى العبد أن يسأل ربه سبحانه: اللهم أطعمني. فيطعمه سبحانه ﵎. فهو الذي خلق له هذا الرزق، وأتاه به، وهيأ له أسبابه، وجعله يأكل ويخرج، والله على كل شيء قدير. وقوله: (كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني)، أي: اطلبوا مني ولا تطلبوا من غيري، (فاستطعموني أطعمكم). وقوله: (يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته)، أي: لو شاء الله سبحانه لأذهب ما عندكم من كسوة، ولكنه بكرمه يعطي العباد ويكسوهم فاسألوه الكساء. وقد قال: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧]، أي: اتقوا الله سبحانه، فإنه يعلمكم ويطعمكم ويسقيكم ويكسوكم ويكفيكم ويؤويكم، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي. يقول سبحانه في الحديث: (يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً فاستغفروني أغفر لكم). والعبد محتاج إلى ربه فهو خطاء بالليل وبالنهار، والله بكرمه يغفر بالليل وبالنهار لعباده. (فاستغفروني أغفر لكم). وقوله: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، أي: أن العبد مهما تقرب إلى الله فإن الله لا ينتفع من عمله بشيء، ومهما عصى ربه فلن يضر ربه شيئاً ولن يضر إلا نفسه. فالله غني عن خلقه وعن عبادتهم وقد ذكر الله في لحوم الأضاحي والهدايا التي يذبحونها لله سبحانه ﵎ أنه: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، أي: لن يأخذ الله اللحوم ولا الدماء لينتفع بها، ولكن الذي يريده الله سبحانه ﵎ ويصل إليه هو التقوى منكم. فاتقوا الله ليفيض عليكم بفضله وغناه، ويعطيكم من رزقه سبحانه وينصركم ويكون معكم. وقبل أن يخلق الله البشر خلق الملائكة، وقد كانوا أقوياء أتقياء لله سبحانه، لا يعصون الله شيئاً، ولكنه سبحانه أراد إظهار أثر أسمائه الحسنى وصفاته العلى، من أنه الغفور الكريم الغني القادر القاهر فوق عباده النافع الضار المعز المذل، فخلق الخلق لتظهر آثار صفاته وأسمائه الحسنى سبحانه ﵎. فقال هنا لعباده: (لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً. ولو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً). فلو أن العباد كلهم كانوا فجاراً لما نقص ذلك من ملك الله شيئاً، ولو أنهم كلهم كانوا أتقياء أبراراً لما زاد ذلك في ملك الله شيئاً. وقوله: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد)، أي: لو أن الخلق جميعهم الذين سيجمعهم الله يوم القيامة من إنس وجن ومخلوقات قاموا بين يدي الله سبحانه فسألوه وطمعوا في كرمه سبحانه وطلب كل منهم كل ما شاء وتمنى من الله فأعطى كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عند الله إلا كما ينقص المخيط -أي: الإبرة- إذا أدخل البحر. وهذه الإبرة لو غمست في البحر ثم أخرجت فإنها لا تنقص من ماء البحر شيئاً. وكذلك لو أن الخلق كلهم سألوا الله فأعطاهم ما سألوا لم ينقص ذلك من ملك الله شيئاً. يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها)، أي: أعد عليكم أعمالكم ثم يوم القيامة أوفيكم إياها. (فمن وجد خيراً) وهو من الله (فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فقد أعذر إليه ربه سبحانه ووعظه ونصحه وأنزل عليه كتابه وأرسل إليه رسوله صلوات الله وسلامه عليه. ولا حجة للناس على الله بعد إنزال الكتب وإرسال الرسل عليهم الصلاة والسلام. إذاً: فالإنسان فقير مهما أوتي من المال، وهو محتاج إلى ربه، فليدعوه ليل نهار، فهو الفقير بذاته إلى ربه، والله هو الغني بذاته سبحانه ﵎.

стр. 2260

بيان كرمه سبحانه ونعمه على عباده روى الإمام أبو داود في سننه من حديث عائشة ﵂ قالت: (شكا الناس إلى رسول الله ﷺ قحوط المطر فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، -يعني: أخرج المنبر أو صنع منبر ووضع في المصلى- ووعد الناس يوماً يخرجون فيه). قالت عائشة: (فخرج رسول الله ﷺ حين بدا حاجب الشمس)، يعني: خرج في أول وقت الضحى ﷺ إلى المصلى ليصلي بالناس صلاة الاستسقاء، ويدعو ربه سبحانه أن يسقيهم، فقعد على المنبر صلوات الله وسلامه عليه، فكبر وحمد الله ، وهذا من أدب الدعاء وأدب الطلب من الله سبحانه ﵎، ثم قال: (إنكم شكوتم جدب دياركم واستئخار المطر عن إبان زمانه)، أي: عن وقت زمانه عنكم. (وقد أمركم الله أن تدعوه ووعدكم أن يستجيب لكم). ثم قال ﷺ : (الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنت إله واحد لا معبود حق سواك، وأنت الغني تعطي من يحتاج إليك، وتعطي عبادك ما يسألونك، وتعطي بغير سؤال، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث واجعل ما أنزلت لنا قوة وبلاغاً إلى حين، أنزل علينا الغيث). ولم يقل أنزل علينا المطر؛ لأن المطر قد ينزل رذاذاً من السماء لا ينتفع به، ولكن الغيث مطر كثير عظيم غزير وفير من الرب سبحانه ﵎، ينقذ به عباده ويغيثهم مما هم فيه. ولما كان الغيث قد يكون ماءً كثيراً يغرق الناس قال ﷺ في دعائه: (واجعل ما أنزلت لنا قوة)، أي: اجعله يقوينا، فلا يضيعنا ولا يهلكنا. وقوله: (وبلاغاً إلى حين). أي: يبلغنا إلى حين أن يريد الله سبحانه ﵎ ويشاء. قال: (ثم رفع يديه فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إبطيه)، يعني: رفع يديه رفعاً شديداً إلى السماء، وقلب كفيه إلى السماء صلوات الله وسلامه عليه، استبشاراً بأن ينزل الله المطر، وأيضاً بتحويل الحال، وقلب رداءه الذي يلبسه فوق منكبيه ظهراً لبطن أيضاً، استبشاراً بتغير الحال. (ثم أقبل على الناس ونزل فصلى ركعتين صلوات الله وسلامه عليه، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت). وقد كانت السماء صافية، فإذا بالله ينشئ سحابة فخرجت أمام الناس، (فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت ثم أمطرت بإذن الله، قال: فلم يأت مسجده حتى سالت السيول) وهذا من فضل الله واستجابته لرسوله صلوات الله وسلامه عليه، فلما رأى النبي ﷺ سرعتهم إلى الكن ضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال: (أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأني عبد الله ورسوله). ونحن نشهد أن الله على كل شيء قدير، وأنه عبد الله ورسوله صلوات الله وسلامه عليه. فهذا فضل الله سبحانه، وهذا دعاء نبيه الكريم يدعوه: أنت الغني ونحن الفقراء إليك.

стр. 2261

القراءات الواردة في الآية قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. وهنا همزتان همزة مضمومة والأخرى مكسورة. وقد كان بعض العرب يصعب عليهم أن يقرأوا همزتين متتاليتين، ولذلك كانوا يخففونها. وقد قال الخليل وغيره من أئمة اللغة: والتخفيف هو الأيسر أو الأصوب عند العرب. فالقراء منهم نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو ورويس عن يعقوب يقرءونها: (أنتم الفقراء الى الله)، وفي قراءة أخرى: (أنتم الفقراءُ لى الله) بالهمزة في الأولى والتخفيف في الثانية. وباقي القراء يقرءونها بهمزتين: ﴿أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]. فعند التقاء الهمزتين كان العرب يحذفون إحدى الهمزتين تخفيفاً، ويعتبرون ذلك أجود في اللغة. ومن ذلك قراءة حفص في قوله تعالى: (أآعجمي وعربي)، أصلها (أأعجمي وعربي)، ولكنه سهلها؛ لأنها أخف على ألسنة البعض من العرب.

стр. 2262

تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يذهبكم وما ذلك على الله بعزيز) يقول الله سبحانه: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [فاطر:١٦]. أي: إن يشأ سبحانه ﵎ يهلك ويفني هؤلاء الموجودين الذين يعصون الله ويكفرون به، ويأتي بخلق آخرين يعبدون الله ولا يعصونه ولا يكفرون به سبحانه. قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فالطر:١٧] أي: أن الذي بدأ الخلق قادر على أن يعيده، وليس ذلك بممتنع عليه، وعزيز هنا بمعنى: ممتنع. قال تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٧]، أي: وما ذلك على الله بالشيء الصعب والمتعذر، ولكنه من أسهل ما يكون، فإنه إذا أراد شيئاً إنما يقول له: كن فيكون.

стр. 2263

تفسير قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٨]. والوزر بمعنى: الحمل. والمقصود به: الحمل من الإثم، أي: ما يحمله من آثام وذنوب. فقوله: ((وَازِرَةٌ))، يعني: نفس محملة بالذنوب. وقوله: ((وَلا تَزِرُ))، يعني: لا تحمل عنها. إذاً: فقوله: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))،يعني: أن النفس المحملة بالآثام لا تحمل إثماً من آثام نفس ثانية. أي: أن أهل الإثم والمعاصي لا أحد يحمل شيئاً عن الثاني. وقد كان الكفار يقول بعضهم لبعض ذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢]، أي: نحن نحملها عنكم، فقد كانوا عجباً في الغباء. وأحدهم عندما سمع قوله تعالى عن النار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] وكان يكنى بـ أبي الأشدين وكان من العرب الأقوياء جداً، وكان غباؤه على قدر قوته. قال: يا معشر قريش اكفوني منهم اثنين وأنا أكفيكم منهم سبعة عشر. وهذا من الغرور والغباء، وإلا فهو يتكلم عن ملائكة الله ولم يراهم. ومثل هذا الكلام كان يعجب الحمقى والمغفلين من المشركين ويهون عليهم الأمر. فيصدقونه في هذا التخريف الذي يقوله. وكان بعضهم يقول لبعض: اعمل هذا الشيء وعلي ذنبه، أي: أنا سأحمل عنك الذنب، فيصدقه في هذا الأمر، ويعمل هذا العمل. وإلى الآن موجود مثل هؤلاء الحمقى والمغفلين، يقول أحدهم للآخر: اعمل هذا العمل وعلى ذنبه ولا تخف. وقد قال تعالى: ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى))، أي: أنت تحمل ذنبك ومثل ذنبه، وأما ذنبه فهو يحمله، (فمن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً). فكل واحد يحمل ذنبه فقط، ولكن هذا عليه عذاب ذنبه وعذاب مضاعف؛ لأنه سن للباقين، من غير أن يخفف عن الآخرين شيئاً. فالناس الآثمة المحملة بالذنوب عليهم ذنوبهم وأمثال ذنوب من أضلوهم في هذه الحياة الدنيا. ولذلك الضعفاء من أهل النار عندما يقولون لله سبحانه ﵎ عن الأقوياء الذين أضلوهم: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، أي: هؤلاء هم السبب فآتاهم عذاباً ضعفاً. يقول الله : ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]. أي: هؤلاء عذابهم مضاعف، وأيضاً أنتم عذابكم مضاعف، ولكن لا تعلمون ما الذي ادخره لكم الله عنده من عذاب نسأل الله العفو والعافية. قال عكرمة: بلغني أن الرجل ليأتي إلى أبيه يوم القيامة فيقول: ألم أكن بك باراً وعليك مشفقاً وإليك محسناً؟ ألا ترى ما أنا فيه؟ فهب لي حسنة من حسناتك أو احمل عني سيئة. فيقول الأب: إن الذي سألتني يسير، ولكني أخاف مثلما تخاف. فكل إنسان خائف. فالأب يهرب من ابنه، والابن يهرب من أبيه. ويكون حال الزوج مع زوجته، والزوجة مع زوجها نفس حال الابن مع أبيه. فكل منهما يذهب للآخر ويقول: أعطني حسنة، فيقول: والله إن الأمر سهل، ولكن أخاف أنك لو أخذت الحسنة ينقص ميزاني وأدخل بسببها النار. فيهرب كل منهم من الآخر ويقول: إني أخاف مما تخاف ثم تلا عكرمة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر:١٨]. وأما الأم فقال الفضيل بن عياض: إن المرأة تلقى ولدها فتقول: يا ولدي ألم يكن بطني لك وعاء؟ ألم يكن ثديي لك سقاء؟ ألم يكن حجري لك وطاء؟ فيقول: بلى يا أماه. فتقول: يا بني! قد أثقلتني ذنوبي فاحمل عني منها ذنباً واحداً. فيقول: إليك عني يا أماه فإني بذنبي عنك مشغول. وكل إنسان يوم القيامة يقول: نفسي نفسي، حتى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كلهم يقول: نفسي نفسي. إلا نبينا صلوات الله وسلامه عليه فيقول: (يا رب أمتي، يا رب أمتي). فعلى كل إنسان أن يستعد لهذا اليوم الفظيع ويعمل له ويعد له. قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا﴾ [فاطر:١٨]، يعني: مثقلة بالذنوب، أي: أنها تحمل أحمالاً كالجبال يوم القيامة.

стр. 2264

شدة الحساب يوم القيامة إن يوم القيامة يوم عظيم وعجيب. وقد حذر النبي ﷺ الناس منه وقال لهم: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير له ثغاء أو بقرة لها ثغاء أو شاة تيعر). وذكر أصنافاً من المال يحملها الإنسان على رقبته يوم القيامة. وذكر ﷺ الإنسان الذي يغتصب أرضاً وأنه يطوقه يوم القيامة من سبع أراضين. فكل إنسان يحمل جريمته يوم القيامة. قال الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ﴾ [فاطر:١٨]، يعني: نفس مثقلة بالآثام والذنوب. ﴿إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌُ﴾ [فاطر:١٨]، أي: لا أحد يحمل عنها هذا الحمل، ولا أحد يحمل منه شيئاً. وإنما كل إنسان يحمل ما أخذه في الدنيا. فلا يحمل أحد عن أحد شيئاًً ولو كان ذا قربى، ولو كان أباك أو أخاك أو أمك أو أختك أو عمك أو عمتك أو خالك أو خالتك. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ﴾ [فاطر:١٨]، يعني: الذين ينفعهم الإنذار والتخويف هم الذين يخافون من الله سبحانه، ويخافونه بالغيب. وأما غيرهم فلا يخافون إلا إذا جاءتهم القيامة ورأى كل منهم الجنة والنار أمامه فيخافون من أن يحرموا الجنة ويدخلوا النار. قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر:١٨]. فعبر عنهم بأنهم يخشون ربهم ويقيمون الصلاة؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فهم يخشون الله، وصلاتهم تزيدهم خشية من الله سبحانه، فيبتعدون عما حرمه سبحانه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر:١٨]. وتزكى بمعنى: اهتدى. وأصل التزكية: التطهر. فزكى نفسه أي: طهرها.

стр. 2265

الأمر بتطهير النفوس إن الله سبحانه ﵎ أمرنا بتزكية النفوس فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]. ونهانا عن التزكية فقال: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. ولا شك أن هذا غير هذا. فقد أمرنا بالتزكية وأخبر عن الجزاء فيها فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩]. فمن طهر نفسه من الشرك بالله سبحانه، ومن المعاصي والذنوب، وأقبل على الله سبحانه واتبع سبيله سبحانه ﵎ فقد أفلح. وأما قوله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢] فالمقصود به تزكية النفس بالمدح، والتكلم عن النفس، وكأن الإنسان هو الذي هدى نفسه ورزقها، فيتكلم ويمدح نفسه ويقول أنه: أفضل من فلان وأحسن من فلان وعنده أكثر من فلان. قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم:٣٢]. وقد يقول الإنسان: إن إيمانه أكثر من إيمان فلان، وأنه يعمل كذا وهو لا يعمل هذا الشيء. وقد نهي عن هذا. قال تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النجم:٣٢]، أي: لا تمدحوا أنفسكم. ولذلك كان النبي ﷺ يمنع الصحابة من أن يمدح بعضهم بعضاً في وجهه، ويقول لمن فعل ذلك: (قصمت ظهر أخيك)؛ لأنه إذا مدحه في وجهه فقد يعمل بعد ذلك العمل يرائي به، فكأنه بهذا قصم ظهره. وقال ﷺ : (احثوا في وجوه المداحين التراب)؛ لأن المدح يغر الناس في أنفسهم ويغرهم في دينهم. والتزكية التي مدحها الله هي: التطهر من الشرك والمعاصي والذنوب، والتقرب إلى الله. هذه هي التي أمر الله العبد بها وأخبر بأنه ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: من نجسها بالكفر وبالشرك وبأدران المعاصي وما فيها من قذر. قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر:١٨]، أي: أن الإنسان الذي يفعل الصالحات فجزاؤه لنفسه. وعمله عائد إليه، ومنفعته ترجع إليه يوم القيامة. وإلى الله المرجع فيجازي العباد على ما قدموا. وقد جاء في سنن النسائي من حديث ثعلبة بن زهدم اليربوعي قال: (كان رسول الله ﷺ يخطب في أناس من الأنصار فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلاناً في الجاهلية، فقال النبي ﷺ وهتف بصوته: ألا لا تجني نفس على الأخرى)، يعني: ليس هؤلاء الذين قتلوه. أي: لا تزر وازرة وزر أخرى لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يحمل أحد عن أحد شيئاً، ولا يحمل الإنسان ما فعله غيره إلا أن يكون هو الذي سنه له، وهو الذي علمه أن يصنعه ويفعله. فلا تجني نفس على الأخرى، فالقاتل هو الذي يقتل، فإذا لم يعف أهل القتيل فعليه القصاص الذي أخبر به الله سبحانه، أما أن يقتل غير القاتل لكونه من القبيلة نفسها فهذا من أفعال الجاهلية التي لا يقرها الإسلام ومنعها. فالجاني عقوبته وإثمه على نفسه. والسارق تقطع يده ولا تقطع يد غيره، من قريب ونحوه. فلا أحد يحمل عن أحد شيئاً في كل الذنوب، سواء في الدنيا أو في الآخرة. وروى أبو داود من حديث أبي رمثة قال: (أتيت النبي ﷺ مع أبي فقال له النبي ﷺ : من هذا معك؟ قال: ابني أشهد به) كأنه ظن أن النبي ﷺ يتشكك فيه فقال: ابني أشهد به. فقال النبي ﷺ : (أما إنك لا تجني عليه ولا يجني عليك). إذاً: فالمقصد من السؤال هو البيان له ولغيره أنه لا يحمل أحد عن الآخر إثمه، ولا تجني نفس على أخرى ولكن تجني على نفسها، ويحاسب كل الإنسان بذنبه لا بذنب غيره. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2266

تفسير سورة فاطر [١٩ - ٢٨] إذا كان من الظلم والحيف التسوية بين متغايرين، فكيف يظن بالعدل سبحانه أن يسوي بين المؤمن والكافر، والعاصي والمطيع في الجزاء؟! إنه بلا شك لا يسوي من آمن بمن كفر، ولا صاحب القلب الحي والضمير اليقظ الذي يستلهم آيات الله في الكون ليستدل على الله، بصاحب القلب الميت والأذن الصماء عن سماع الهدى، والعين العمياء عن رؤية نور الآيات في الكون.

стр. 2267

أمثلة تضرب لبيان الفرق بين الكفر والإيمان الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ * إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ * وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ * ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:١٩ - ٢٨]. يبين الله سبحانه ﵎ لعباده ما الكفار عليه من ظلم لأنفسهم وضلالة وظلمة وبعد عن الهدى، وما يصيرون إليه يوم القيامة من دخول النار، كما يبين ما عليه المؤمن من نور وإيمان وطاعة لله سبحانه ﵎، بضرب هذه الأمثلة للناس فقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ * وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٠ - ٢٢] أمثلة يضربها الله لبيان الشيء ونقيضه، حتى يتبين لمن يعقل أن هناك فرقاً بين هذا وذاك، فكل من يبصر يفهم الفرق بينهما, وجملة الأمثلة التي ضربها لنا الله سبحانه ﵎ مسوقة لبيان أنه لا يستوي الإنسان المؤمن مع الإنسان الكافر؛ لأنه لا يستوي الإيمان مع الكفر، فإذا كان الله سبحانه ﵎ قد أمر العباد بالطاعة فأطاعه قوم وعصاه آخرون، فهل يستوي مآل الجميع بأن يصيروا تراباً ثم لا بعث ولا نشور، ولا قيام من القبور، ولا حساب يوم القيامة، ولا جنة ولا نار؟ هذا بعيد جداً، إن عقل الإنسان يقول: لا. لا يستوي أبداً من عمل بالطاعة ومن عمل بالمعصية، لا يستوي من أسلم وآمن ومن كفر وترك دين الله سبحانه ﵎، لا يستوون كما أنه لا يستوي الأعمى مع المبصر، لا يستوون كما لا تستوي الظلمة مع النور، ولا الظل مع الحرور، ولا الحي مع الميت، فكل عاقل يفهم ذلك فلا يستوي أبداً المؤمن الذي أطاع الله سبحانه مع الكافر الذي كفر بالله وعصى الله سبحانه ﵎, قال سبحانه: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر:١٩] والعمى هنا: عمى القلب كأنه يقول: الكافر كهذا الأعمى فهو أعمى عمى ضلالة لا يعرف الحق، وكأنه غشي على بصره فلا يريد أن يفهم أو يتفهم ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم يردف بمثل آخر وهو قوله سبحانه: ﴿وَلا الظُّلُمَاتُ وَلا النُّورُ﴾ [فاطر:٢٠] إذا وجد الإنسان طريقاً مظلماً فإنه يبتعد عنه وإذا وجد طريقاً منيرا فإنه يسير فيه، فلا يستوي هذا مع ذاك، إذ أن هذا طريق يعرض عنه كل من ينظر ويرى، وهذا طريق يسلكه كل من ينظر ويرى، فالإيمان طريق النور، ومن يعرف الحق فلا تستوي الظلمة مع النور. ثم قال سبحانه مؤكداً: ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ [فاطر:٢١] أي: لا يستوي المكان الظليل مع المكان الشديد الحر تحت وهج الشمس، وكأن في الآية إشارة إلى مصير هؤلاء فالمؤمن مصيره كما قال الله سبحانه: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء:٥٧] والكافر مصيره إلى نار السموم وإلى عذاب أليم، فهل يستوي هذا مع ذاك فكأن الظل إشارة إلى مآل المؤمن وأنه إلى الظل الظليل في الجنة, وكأن الحرور إشارة إلى النار والسعير؛ لأنها مآل الكافر، فلا تستوي الجنة مع النار والمثال مسوق لبيان عدم استواء الإيمان مع الكفر، ومضرب المثل يقول: لو كنت في الفلاة ووجدت مكاناً فيه شمس حارة ومكاناً آخر ظليلاً، فهل تترك هذا المكان الظليل لتكون تحت الشمس؟ لا شك أنه لا عقل لمن يقول بهذا الشيء، الحرور: تطلق على الرياح الساخنة الشديدة، ويطلق على اليوم الحار شديد الحرارة وجاء في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال: (قالت النار: ربي أكل بعضي بعضاً فأذن لي أن أتنفس فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء، ونفس في الصيف، فما وجدتم من برد أو زمهرير؛ فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور؛ فمن نفس جهنم)، وفي الحديث تذكرة للعباد، وبيان أن أشد يوم يكون على الناس برده؛ فإنه من نفس جهنم، وأن أشد يوم يكون على الناس حره؛ فإنه من نفس النار, وكما أن الحر الشديد لا يستوي مع البرد وكذلك المكان الظليل لا يستوي مع المكان الشديد الحر؛ فكذلك مصير المؤمن لا يستوي مع مصير الكافر. ثم يتبعه بمثال آخر فيقول: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلا الأَمْوَاتُ﴾ [فاطر:٢٢] الأحياء المراد بهم المؤمنون فهم أحياء يفهمون ويفقهون، وحياتهم لها قيمة، فيوم القيامة يجزون عليها أفضل الجزاء على الأعمال الصالحة, أما الكفار؛ فإن حياتهم موت لا قيمة لها، وإنما هي حياة تستجلب عليهم عذاب رب العالمين، لأنهم فيها أنكروا ربهم سبحانه وأنكروا عبادته ولم يتوجهوا إليه بل أشركوا معه غيره، فصدق عليهم أنهم أموات ضيعوا هذه الحياة ولم يستغلوها لتكون لهم الحياة الدائمة عند الله في جنة الخلود، ولذلك لا يستوي الأحياء وهم المؤمنون مع الأموات وهم الذين كفروا بالله سبحانه ﵎ ولم يستمعوا إلى موعظة النبي ﷺ .

стр. 2268

تفرد الله سبحانه بهداية البشر أخبر تعالى عن مشيئته في هداية الخلق فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر:٢٢] قوله: يسمع، بمعنى: يهدي، أي: يسمع سمع إجابة، وفي الآية يبين الله سبحانه ﵎ أنه يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فمع أن الجميع سمعوا من النبي ﷺ ، إلا أن هناك فرق بين من سمع فانتفع، ومن استمع لما قاله النبي ﷺ على وجه المعاندة والمشاقة والمحادة فلم ينتفع، فالله سبحانه هو الذي أسمع هذا فانتفع وهو الذي لم يسمع هذا فلم ينتفع، والمعنى: أن الله يهدي من يشاء إلى أن يأخذ بكتاب الله ويعمل به, قال سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] يخاطب الله نبيه ﷺ فيقول له: لست تسمع من في القبور، أي: الأموات؛ فالأموات لا يسمعون إلا أن يشاء الله سبحانه ﵎، إذاً الأصل أن الميت لا يسمع كلام الأحياء! إلا أن يجعل الله لنبيه ﷺ كرامة ومعجزة أن يسمع بعض هؤلاء الأموات، كأن ينادي عليهم فيسمعون ما يقوله صلوات الله وسلامه عليه, لكن الأصل قوله سبحانه ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] وقوله سبحانه ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠]، وفي قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] إشارة إلى أن هؤلاء الكفار صاروا إلى حال أهل القبور؛ لعدم الجدوى في سماعهم، فإنهم يسمعون النبي ﷺ وهم متحيرون شاكون، كما أنهم لا يحاولون أن يفهموا ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكأنهم أموت في قبورهم.

стр. 2269

بيان عدم سماع الأموات كلام الأحياء الأصل أن الميت انقطع عن هذه الدنيا فلا يسمع شيئاً من أمر الدنيا، وأن الأموات في قبورهم إذا جاء عليهم ميت جديد تلتقي أرواحهم عند الله سبحانه ﵎ في البرزخ، فيسألون هذا الذي جاء عليهم: ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؟ ما فعل فلان؛ لأن الأموات لا يعرفون شيئاً عن الدنيا إلا بما يخبرهم من ذهب إليهم من الأموات، فإذا كان الميت من أهل الإيمان؛ التقت روحه مع أرواح أهل الإيمان في وقت يشاء الله سبحانه ﵎، فيسأل أهل القبور هذه الروح التي جاءت إليهم: ما فعل فلان؟ يقول: تزوج، ما فعلت فلانة؟ يقول: تزوجت، ما فعل فلان؟ فيقول أما جاءكم؟ فيقولون: ذهب به إلى أمه الهاوية، فما دام أن فلاناً مات ولم يأت إلينا في هذا المكان الذي فيه أرواح المؤمنين، فقد ذهب به إلى الجحيم والعياذ بالله, فقوله سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] يبين أن النبي ﷺ لا يسمع الموتى ولا غيره يسمعهم، إلا أن يشاء الله سبحانه ﵎، كما أذن الله سبحانه ﵎ لنبي من أنبيائه في إحياء الموتى بإذن الله، وهو المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولم يأذن له بإحياء كل الموتى ولكن بإحياء ميتٍ ليكون آية من آيات الله سبحانه ﵎، فالأصل أن الميت لا يرجع إلى الدنيا أبدا ولكن الله سبحانه يجعل معجزة لأحد من خلقه في ذلك؛ لإثبات نبوته ورسالته ﵊, وكذلك نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد جعل الله له معجزات كثيرة، من ضمن هذه المعجزات أنه أسمع الموتى في بدر، فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس بن مالك ﵁ عن أبي طلحة الأنصاري ﵁: (أن نبي الله ﷺ أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلاً من صناديد قريش فقذفوا في طوي من أطوى بدر خبيث مخبث) أي: أن أربعة وعشرين رجلاً من قتلى الكفار، قتلوا في المعركة فأنتنوا، فأمر النبي ﷺ أن يرموا في بئر من الآبار المفتوحة وطم البئر عليهم فقال: (قذفوا في طوي من أطوى بدر خبيث مخبث) أي: بئر ليس عليها سور ثم قال: (وكان النبي ﷺ إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليالي) والعرصة: هي الأرض المنبسطة يريد أن النبي ﷺ كان إذا انتصر على قوم أقام بأرض المعركة ثلاثة أيام (فلما كان ببدر اليوم الثالث، أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته) يتساءلون أين يريد النبي ﷺ في اليوم الثالث وهو في مكان بدر؟ قال أنس: (فانطلق النبي ﷺ حتى قام على شفة الركي) أي: البئر التي ألقي فيها هؤلاء الكفار، (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء أبائهم يا فلان ابن فلان! أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله) أي: أن النبي ﷺ كان ينادي عليهم وقد دفنوا قبل ثلاثة أيام فيقول: (يا فلان ابن فلان! ويا فلان ابن فلان! هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فقال عمر يسأل النبي ﷺ : ما تكلم من أجساد لا أرواح لها!) أي: أنت تكلم أجساداً ليس فيها أرواح فلن يسمعوا، فقال النبي ﷺ لـ عمر: (والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) فدل على أن الله في هذا الوقت وفي هذه الحالة أسمعهم نداء النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال قتادة الراوي عن أنس: أحياهم الله حتى أسمعهم قول النبي ﷺ توبيخاً وتصغيراً وحسرة وندماً. هذا لفظ الإمام البخاري، وفيه أن النبي ﷺ : (نادى عليهم وعمر كأنه تعجب من ذلك فإذا بالنبي ﷺ يخبر أن الله أسمعهم ما قاله) صلوات الله وسلامه عليه، وجاء في حديث آخر رواه الإمام البخاري ومسلم أيضاً من حديث هشام بن عروة عن أبيه أنه ذكر عند عائشة ﵂ أن ابن عمر رفع إلى النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) فلما قالوا ذلك لـ عائشة ﵂ قالت: وهل أي: لم يأخذ انتباهه، والوهل: أن يسرح الإنسان عن الأمر فيتكلم عن شيء بغير ما هو عليه، فكأن عبد الله بن عمر وهل أخطأ في حدسه وفي ظنه حيث ظن أن الكلام على شيء وهو على شيء آخر، وهذا قول عائشة رضي الله ﵎ عنها، ثم قالت: إنما قال رسول الله ﷺ : (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن قالت: وذاك مثل قوله: إن رسول الله ﷺ قام على القليب وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال: إنهم ليسمعون ما أقول، إنما قال: إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق). ثم قرأت ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] فأنكرت عائشة ﵂ أن يكون النبي ﷺ أسمع أهل القليب، واحتجت بقول الله سبحانه ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] وقوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر:٢٢] وخطأت عبد الله بن عمر رضي الله ﵎ عنه، بمجرد الرأي وهذا فيه نظر؛ لأن ابن عمر رفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فـ ابن عمر قد سمع هذا من أبيه عمر يحكي عن النبي ﷺ ، ولا يقال أن ابن عمر سمع ذلك من النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه كان صغيراً ﵁ حين وقعت معركة بدر فلم يحضر مع النبي ﷺ بدراً، وإنما حضرها عمر، وهو الذي تعجب من نداء النبي ﷺ لهؤلاء فسمع ابن عمر هذا الذي حدث به من أبيه عمر رضي الله وتبارك وتعالى عنه، كما أن القاعدة أنه إذا أثبت الراوي عن النبي ﷺ شيئاً ونفى آخر فالمثبت مقدم على النافي؛ لأن المثبت حجة على النافي, كما أن النافي ليس معه علم بالأمر وغاية ما ظهر من نفيه أنه لا يعلم أما المثبت فمعه علم جديد، وهنا أنكرت عائشة ﵂ وقالت: وهل ابن عمر ﵁ وخطأته في حديثه، والظاهر أن الصواب مع ابن عمر رضي الله ﵎ عنه, وأن عائشة ﵂ غاية مقالها أنها احتجت بالآية, حيث تقول: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] وهو استدلال صحيح، فإن النبي لا يسمع الموتى، ولكن لا مانع من أن يحيي الله له بعضهم حتى يسمعوا منه صلوات الله وسلامه عليه, فيكون الأصل: أنه لا يسمع الموتى صلوات الله وسلامه عليه ولا يسمع من في القبور، ولكن أسمعهم النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذه الواقعة فحسب كما قال ابن عمر وجاء عن عمر رضي الله ﵎ عنهما، أنه قال للنبي ﷺ حين ناداهم: (ما تسمع من أجساد قد جيفت؟ أو ما تسمع من أموات لا أرواح فيهم، فقال النبي ﷺ : ما أنتم بأسمع منهم ولكن لا يجيبون) ففي الحديث أن عمر أنكر على النبي ﷺ حين سمعه يكلم الموتى، وفي هذا دليل على أن عمر وعى وعرف من النبي ﷺ أنهم سمعوا كلامه، أما عائشة ﵂؛ فإنها لم تحضر الحدث، وإنما أنكرت احتجاجاً بالآية، والآية عامة، والعام يجوز تخصيصه فيكون المعنى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل:٨٠] إلا أن يشاء الله ، فالله أسمع له صلوات الله وسلامه عليه هؤلاء الكفار وهم في قبورهم.

стр. 2270

الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا كان من سنته ومثل ذلك ما صح عنه ﷺ أنه قال: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)، وفي رواية: (ببعض بكاء أهله عليه) فإن عائشة ﵂ قد خطأت الراوي أيضاً وهو عبد الله بن عمر ﵁ وقالت له: الحديث ليس هكذا، وإنما قال النبي ﷺ : (إنه ليعذب بخطيئته وذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن) فالحديث يحتمل أن عائشة ﵂ سمعت ذلك من النبي ﷺ كما يحتمل أنها لم تسمع، ولكن ابن عمر سمع من النبي ﷺ : (إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه) وقد احتجت عائشة ﵂ بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] وهو استدلال صحيح، ولكن لو أن الميت أوصى أهله بالبكاء عليه، أو علم من حال أهله أنهم في الجنائز يصوتون ويصرخون، ويندبون حظهم، ويتضجرون من قضاء الله سبحانه ولم ينكر عليهم ذلك؛ فإنه يعذب ببكائهم، وفيه أن الإنسان إذا مات وصرخت عليه النائحة فقالت: وا بعلاه فإن الملائكة يؤنبون هذا الإنسان ويقولون له: أنت كذلك! أنت كذلك! وكذا لو ندبت وقالت: يا من كان يطعمني! أو: يا من كان يسقيني، فإن الملائكة تنهر هذا الميت وتقوله: أنت كنت كذلك؟ أنت كنت كذلك؟ منكرين عليه؛ لأن الذي يطعم ويسقي هو الله سبحانه ﵎ وهو الرزاق ذو القوة المتين، وإنما يأخذ الإنسان حاجته من رزق الله سبحانه ﵎ كما أنه وإن صح الحديث عن النبي ﷺ في أن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه، فإن الصحيح أن الميت لا يعذب بكل بكاء أهله عليه فقد جاء في الحديث: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا: وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون) فإن النبي ﷺ قال ذلك حين توفي ابنه إبراهيم وفيه أن النبي ﷺ بكى على إبراهيم فدل على أن البكاء على الميت جائز وأن الميت لا يعذب به، وإنما يعذب الإنسان بفلتات لسانه وما يقوله تضجراً على الله سبحانه ﵎ وتبرماً بقضاء الله وقدره سبحانه. ولذا فإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه إذا صرخوا وندبوا، أما البكاء الذي يسيل فيه الدمع من العين ويحزن ولا يصرخ فيه الإنسان ولا يندب حظه، ولا يشق ثوبه، ولا ينتف شعره؛ فإن الميت لا يعذب به، كما يجدر التنبيه على أن الحي الذي يفعل ذلك وهو الندب والشق، إن لم يتب إلى الله فإنه يعذب يوم القيامة قال النبي ﷺ : (النائحة إذا لم تتب تأتي يوم القيامة وعليها سربال من جرب ورداء من قطران) أي أنها تعذب في نار جهنم، والعياذ بالله.

стр. 2271

مهمة الداعية الإنذار والتبشير يقول الله سبحانه ﵎ لنبيه ﷺ : ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] إن في الآية بمعنى ما النافية والمعنى: ما أنت إلا نذير، وهذا أسلوب قصر أي: إن وظيفتك الوحيدة أنك رسول منذر ومبشر قال تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:١١٩]، والخطاب للنبي ﷺ أي: أرسلناك لتنذر الذين يشركون بالله ويعبدون غيره، وتخوفهم من عذاب الله ونقمته، وتقيم عليهم الحجة من الله سبحانه، كما أن في قوله سبحانه: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣] ليس بيدك يا محمد! أن تحول هؤلاء من كفر إلى إيمان فليس لك أن تهدي من تشاء بل الله يهدي من يشاء قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [البقرة:١١٩] أي: بهذا القرآن العظيم الذي أنزلناه عليك من السماء، كما يحتمل المعنى أن يكون: إنا أرسلناك بالدين الحق ولا منافاة بين المعنيين، ثم قال: ﴿بَشِيرًا﴾ [البقرة:١١٩] أي: لتبشر من آمن وعمل الصالحات بجنات الخلود قوله: ﴿وَنَذِيرًا﴾ [البقرة:١١٩] أي: نذيراً للكفرة والمجرمين بنار لهم فيها عذاب السموم، ثم قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤] أي: ما من أمة إلا وقد أرسل الله فيهم من ينذرهم من عذاب الله ومن يبشرهم برحمة الله، وخلا في الآية بمعنى: سلف ومضى.

стр. 2272

الهلاك عاقبة التكذيب قال : ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر:٢٥] أي: لست أول رسول يكذب فقد كذبت الأمم السابقة لرسلنا إليهم المؤيدين بالبينات والحجج قال تعالى: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر:٢٥]، البينات: هي الحجج الواضحات، سواء بينات عقلية يخاطبهم الله بها، أو أشياء بصرية ينظرون إليها من معجزات حسية تدلهم على قدرة الله سبحانه، وتثبت لهم أن هذا رسول من عند الله، أو بكتب ينزلها على رسله يعرفون منها الحق من الباطل، قوله: ﴿وَالزُّبُرِ﴾ [آل عمران:١٨٤] هي: الكتب المزبورة المنزلة من عند الله على رسله ومعنى: مزبورة: أي: مكتوبة، وزبر الكتاب بمعنى: كتب الكتاب، فقوله: ﴿وَبِالْكِتَابِ﴾ [فاطر:٢٥] أي: بجنس الكتاب وأل هنا هي الجنسية، والمعنى: الرسالة التي جاءت إلى هؤلاء الأنبياء من عند رب العالمين سبحانه واللفظ يشمل: كل كتاب قوله: ﴿الْمُنِيرِ﴾ [فاطر:٢٥] نعت للكتاب والكتاب المنير: أي البين الواضح الذي يبصر ما فيه من الحق من هداه الله سبحانه ﵎، ثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [فاطر:٢٦] يخبرنا سبحانه ﵎ عن أخذه، وهو القائل عن نفسه: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، وإذا أخذ الله الكفار فلن يفلت من عذابه أحد منهم، بل سيأخذهم جميعهم ولن يقدروا على الهرب من الله سبحانه، قوله: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤] , أي: فكيف كان إنكاري عليهم بعقوبتي إياهم، فهم حين فعلوا المنكرات أنكرت عليهم، فأرسلت إليهم الرسل؛ ليبينوا لهم ويوجهوهم ولكنهم أصروا على كفرهم وتكذيبهم، ثم أنكرت عليهم بالقول فأرسلت بالكتاب الرسول، فلم يؤمنوا بل ازدادوا تكذيباً وعتواً، ثم أنكرت عليهم بالفعل فأخذتهم فكيف كان نكيري وفي الآية قراءات منها: إذا وصلت هذه الآية بالتي تليها فقراءة ورش (فيكف كان نكيري ألم تر) وأما يعقوب فيقرأ بالياء وقفاً ووصلاً فيقرأ (نكيري) ونكيري: إنكاري، وباقي القراء يقرءونها وصلاً ووقفاً: (فكيف كان نكير) وإذا وقفوا يقفون بالسكون، وإذا وصلوا فينطقون بالكسرة فيقولون: (كيف كان نكير ألم تر) بالكسر من غير ياء.

стр. 2273

آيات الله في الكون تدل على عظمته قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧] أي: ألم تر بقلبك ما فعله الله سبحانه ﵎ حيث أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفة الألوان والأشكال ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧] إن الله الخالق واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة وحده فانظر إلى آياته سبحانه، فهو واحده الذي خلق: الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، والجنة والنار، والكافر والمؤمن، والسموات والأرض، والجبال والبحار، والأشجار والأنهار، لا شريك له سبحانه يخلق ما يشاء، وينوع ما يشاء في خلقه سبحانه ﵎، ففي قوله تعالى: ((اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً)) أمر بالتأمل كيف أن الماء ماء واحد، ينزل من السماء يجري في هذه الأرض؛ فيخرج الله بهذا الماء الواحد ثمرات مختلفاً ألوانها، فمنها ما هو أحمر، ومنها ما هو أخضر وغير ذلك من الألوان، فمع أن الماء ماء واحد ينزل من السماء إلا أن الله يخلق به ثماراً مختلفة في ألوانها، وفي أصنافها وفي طعومها، وفي أشكالها وأحجامها، على أن كل نبات أخرجه الله بهذا الماء الواحد، يكون الماء هو أكثر محتوياته. ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر:٢٧] فالله أنزل هذا الماء الواحد من السماء فسقاكم به، وسقى به مواشيكم وأنعامكم وزروعكم، وأخرج به ثمراتكم وحبوبكم، وهو الخلاق الواحد لا شريك له، فكيف تنكرون أن يعبد وحده لا شريك له؟ وكيف تنكرون أن يأمركم بعبادته وتتعجبون من ذلك؟ وهل من خالق غير الله يصنع ذلك ويرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو, ثم قال سبحانه: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٧ - ٢٨] أي: الذين يخشون الله هم العلماء الذين يتفكرون في هذه الآيات الباهرات، والعالم ينظر ويتأمل ويصل بعلمه إلى أن هذا الشيء مستحيل أن يوجده غير الله سبحانه ﵎، فعالم النبات يمسك ورقة النبات -عادة إذا أخذها الإنسان العادي لا يأبه بها ويلقيها في النفايات- ثم يقطعها إلى شرائح بسيطة ثم يضعها تحت الميكروسكوب ويتأمل في جوف هذه الشريحة ومحتوياتها، ويدرس تركيبها، وما تشابه فيه غيرها من النبات، وما هي الأمراض التي تبرأ بتناولها! ثم يدركون أن الله خلقه لحكمة عظيمة ولم يخلقه هباءً أو سداً، والعلماء هم من يتأملون في هذا الخلق العظيم فيدركون عظمة الله ، ويكونون أشد خشية له، وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر:٢٧] أي: خلق هذه الجبال العالية الصعبة الوعرة، وجعل بينها طرقاً ومسالك، والجدد: الطرائق، وجدد: جمع جدة، والجدة: الطريق، فالله سبحانه برحمته جعل في الجبال العاليه الراسية الوعرة الصعبة طرقاً لمن يريد أن يسلكها، كما أن الله سبحانه ﵎ يلونها فمنها ما هو أبيض عظيم البياض، ومنها ما هو أكدر، ومنها ما هو أحمر شديد الحمرة، قد لونها ربها سبحانه ﵎, فانظر وتأمل في بديع خلقه سبحانه ﵎, قال : ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ [فاطر:٢٧] غرابيب سود أي: جبال من حجارة سوداء، ويقال: هذا أسود غربيب، أي: أسود شديد السواد، كما تقول: هذا أحمر قاني، أي: أحمر شديد الحمرة، وتقول: هذا أصفر فاقع لونه، أي: أصفر شديد الصفرة، وكذلك تقول: أسود غربيب وقد يعكس فيقال: غربيب أسود، والمعنى: شديد السواد، فالله سبحانه يخبرنا عن هذه الجبال التي نراها ويدعونا لتأمل عظمته فيها، فالمسافر الذي يركب الطائرة وينظر إلى الجبال من الأعلى يجد مناظراً عجيبة غاية في الجمال، تأسرك بألوانها فمنها جبال سوداء وجبال حمراء وجبال بيضاء، تبدي لك الأرض متعرجةً وأخرى مستوية، فلا تملك إلا أن تقول: سبحان الخلاق العظيم، وأكثر من ينظر إلى ذلك ويتأمل ويتعجب هم أهل العلم حيث يتأملون في بديع خلق الله، فلا يملك أحدهم إلا أن يقول: سبحانك ما خلقت هذا باطلا، بل كل من ينظر إليها يدرك أن الله خلق كل ذلك ليرينا من آيات جلاله وجماله سبحانه ﵎ في هذا الكون، قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ [فاطر:٢٨] أي: الناس ألوان مختلفة، فمنها الأحمر ومنها الأبيض ومنها الأسمر، فالناس في أوربا بلون، وفي أمريكا بلون آخر، وفي أستراليا بلون ثالث، وفي الهند بلون وفي الصين بلون والسودان بلون، فمع أن الخالق واحد سبحانه إلا أنه عدد صفات مخلوقاته ليريكم من آياته، مع أنه كان قادراً على أن يجعل الجميع بلون واحد، ولكن الله سبحانه خلق ونوع في خلقه ليرينا قدرته وآياته سبحانه، قوله: ((وَالدَّوَابِّ)) أي: كل ما يدب على وجه الأرض، فإنها أنواع مختلفة ينظر المتأمل فيها ويتعجب من بديع صنع الله سبحانه فهو البديع سبحانه فاطر السموات والأرض، فقد تعددت الأشياء واختلفت ألوانها، مع أن الذي خلقها هو الخالق الواحد لا شريك له ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨] فمن تأمل في هذا الكون، وآتاه الله العلم، فإنه سيصل في النهاية إلى معرفة الخالق سبحانه، وأنه لا أحد يستحق أن يعبد إلا هو سبحانه ﵎, والعلماء في الآية فاعل يخشون، فإن العلماء يخشون الله سبحانه أعظم الخشية، بل كلما ازداد العلم في قلب الإنسان، إما بدين الله سبحانه ﵎، أو بخلق الله سبحانه، فإنه يصل بعلمه إلى أن يعرف الله سبحانه ﵎، ويزداد خشية وخوفاً من الله سبحانه، وقولنا أن العلماء يخشون الله سبحانه لا يعني أن غيرهم لا يخافون من الله، بل هم يخافون الله ويخشونه، ولكن الأشد خشية هم من يجتمع فيهم العلم بالدين مع العلم بأمور خلق الله سبحانه ﵎، ثم أردف الله آياته بنعوت جلاله فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر:٢٨] أي: الله عزيز غالب قاهر لا يمانع سبحانه ﵎، يغفر سبحانه لمن تاب وأناب إليه إن الله عزيز غفور، وقد جاء في سنن الترمذي وهو حديث صحيح عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: (ذكر لرسول الله ﷺ رجلان أحدهما عابد والآخر عالم) عابد أي: متعبد يكثر من الصلاة والصوم، والآخر عالم, قد عرف الشريعة وتعلم العلم. فقال رسول الله ﷺ : (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم) فبين أن العلم رفعة قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١] أي: أن الله يرفع المؤمنين الذين أوتوا العلم درجات فوق خلقه سبحانه ﵎، وفي قول النبي ﷺ : (فضل العالم على العابد) بيان أن العالم أفضل من العابد، والمراد بالعالم: العالم بالله سبحانه ﵎، وبكتابه وبسنة نبيه ﷺ ، التقي الذي يخاف من الله سبحانه ﵎، فيبين النبي أن فضله على العابد، كفضل النبي ﷺ على أدنى أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال رسول الله ﷺ : (إن الله وملائكته وأهل السموات والأراضين حتى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير) وهذه مزية العالم الذي يعلم الناس الخير، وصلاة الله عليه: أي أن الله يثني عليه ويرحمه سبحانه، وصلاة الملائكة عليه: أي أنها تدعو له ربها سبحانه ﵎، وليس ذلك فحسب بل يصلي عليه من في السموات ومن في الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت -السمك في الماء- فإنه يدعوا لمن يعلم الناس الخير، وما ذاك إلا لأن العالم يخشى الله سبحانه ﵎، ويصل بهذه الخشية إلى الإيمان بالله سبحانه وإلى اليقين به سبحانه، ونذكر هنا قصة جميلة ذكرها وحيد الدين خان في كتاب الإسلام يتحدا فقال: [واقعة رواها العالم الهندي الدكتور عناية الله المشرقي -هذا الرجل وصل إلى درجة عظيمة جداً في علم الفيزياء، وكان عالماً من العلماء وله نظريات في الرياضيات والفيزياء أبهرت العالم، كان هذا الرجل العالم المسلم عناية الله المشرقي في بريطانيا في جامعة كمبريدج يتعلم هنالك، وله أساتذته هناك في هذه الجامعة يقول: كان ذلك يوم أحد من أيام سنة ١٩٠٩م وكانت السماء تمطر بغزارة يقول عناية الله المشرقي: خرجت من بيتي لقضاء حاجة ما، فإذا بي أرى الفلكي المشهور جيمس جنز، الأستاذ بجامعة كمبريدج ذاهب إلى الكنيسة، والإنجيل والشمسية تحت إبطه، فدنوت منه وسلمت عليه فلم يرد عليّ وهو غارق في التفكير، فسلمت عليه مرة أخرى فسألني: ماذا تريد؟ فقال: قلت أمرين: الأول هو أن شمسيتك تحت إبطك والسماء تمطر بغزارة، فكيف تأخذ شمسية تحت إبطك والسماء تمطر عليك بغزارة، فانتبه الرجل ووضع الشمسية فوق رأسه، فعرفت أنه كان في تفكير عميق أفقده الإحساس ببرد الشتاء النازل على رأسه، قال والثاني: قال: ما الذي يدفع رجل ذائع الصيت في العالم مثلك أن يتوجه إلى الكنيسة فتوقف الرجل لحظة ثم قال عليك اليوم أن تأخذ شاي المساء عندي! قال: فوافقت فلما وصلت إلى داره في المساء خرجت زوجته في تمام الساعة الرابعة بالضبط وأخبرتني أنه ينتظرني، وعندما دخلت غرفته وجدت أمامه منضدة صغيرة موضوع عليها أدوات الشاي، وكان البروفيسور منهمك في أفكاره، وعندما شعر بوجودي سألني م

стр. 2274

تفسير سورة فاطر [٢٩ - ٣٣] يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه، من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى ليلاً ونهاراً سراً وعلانية، وما ذلك إلا لقوة توكلهم على ربهم، فهم يتاجرون مع ربهم تجارة لن تبور ولن تخسر أبداً، فما أعظم المتاجرة مع رب العالمين الذي يضاعف الربح لمن تاجر معه.

стр. 2275

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فاطر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ * وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنْ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٢٩ - ٣٣]. يخبر الله عن عباده الذين اصطفاهم وهداهم ووفقهم لطاعته، كيف يدخلهم جنته، ويعطيهم الأجر العظيم يوم القيامة، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [فاطر:٢٩]، إيمان هؤلاء في قلوبهم يدفعهم إلى هذا العمل العظيم، العمل الصالح، فهم يتلون كتاب الله فينتفعون بتلاوته، ويؤجرون على ذلك، ويعملون به، فيقرءون القرآن، ويعملون بأحكامه، ويتعظون بمواعظه، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله. ثم قال: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [فاطر:٢٩]، وقد أخبرنا سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، قال: (وأقاموا الصلاة)، ولم يقل: وصلوا، ولكن أقاموا الصلاة، وإقامة الصلاة أن تقيمها مستوفاة الأركان والشروط، وتأتي بها خالصة لله ، هذه إقامة الصلاة. قال سبحانه: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [فاطر:٢٩] جاء التأكيد على أن الرزق بيد الله ، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٨]، فهؤلاء أنفقوا؛ لأنهم علموا أن المال مال الله، وأن الرزق من عند الله يرزق من يشاء . فهم يأخذون بالأسباب والله يرزقهم، وهم ينفقون من فضل الله ومن رزق الله سبحانه، ((وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ))، هذه النفقة التي ينفقونها سراً وعلانية، كأنهم ينفقون في كل أحوالهم، حين يحتاج المحتاج ويمد يده إليهم فلا يمنعونه، بل يعطونه مما رزقهم الله، ويخفون الإنفاق قدر المستطاع، ويظهرون إن لم يقدروا على الإخفاء، فينفقون مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً، وأحياناً يكون الإظهار خيراً كإظهار زكاة المال حين يعطيها الإنسان خاصة في الزروع والثمار والمواشي ظاهرة أمام الفقراء، فإذا جاء الفقراء لا يخبئ عنهم هذه، ويقول: أنا أعطي في السر، ولكن يعطي من حضره من الفقراء من هذا المال، فيقتدي به غيره، فيعلم الفقراء أن فلاناً قد جدد حصاده في هذه الأيام، فيذهبون إليه فيأخذون من ماله الظاهر، ويعطي حتى لا يتهم بأنه مانع للزكاة، فيعطي ما أمر الله سبحانه، وأصحاب بهيمة الأنعام كذلك أموالهم أموال ظاهرة، فينفقون الزكاة التي أمر الله ظاهراً، حتى يعرف الفقراء وقت دفعه لهذه الزكاة فيحضرون ليأخذوا منه، وإذا أراد أن يذبح أضحيته ويوزعها على الناس فليظهر ذلك؛ حتى يعرف الفقراء فيأتون ليأخذوا نصيبهم ورزق الله لهم، فهذه أشياء ظاهرة في الشريعة، فيظهر ما أظهرته هذه الشريعة في الأمر بالإنفاق من ذلك، فإذا كانت صدقة التطوع أخفى ذلك؛ لأنه يريد أن يعطي وأن يؤجر أعظم الأجر عند الله سبحانه. فالأصل أنه يخفي النفقة، وقد علمنا من الحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله -وذكر من هؤلاء السبعة-: ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه)، أخفى وأسر هذا الإعطاء، فهو أعطى للفقير بحيث لا يدري أحد ما الذي أعطاه، فأخفى صدقته احتساب ورجاء أجر الله ، تعلم ذلك من كتاب الله سبحانه الذين ينفقون أموالهم ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]. فأنفق في السر وأنفق في العلانية، ومهما قدر على أن يسر نفقته أسرها وأعطى للفقير محافظة على شعوره، وأيضاً محافظة على ثوابه؛ لئلا يضيعه بالسمعة والرياء. النفقة في السر حسنة، والنفقة في العلانية حسنة، ولكن صدقة السر أعظم من صدقة العلانية، إلا أن تكون زكاة ظاهرة كما ذكرنا، فقد استحب أهل العلم أن يظهر المرء زكاة الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام؛ لأنها أموال ظاهرة، فلو أخفى ذلك فالفقراء قد لا يعرفون أن فلاناً هذا يخرج زكاة ماله في هذا العام، ولا يذهب إليه أحد، ولعله هو لا يعرف كل أصحاب الحاجات، فيكون من أهل الحاجات من لم يعرف ميقات زكاة هذا فلم يأت إليه، وأعطى لغيره وهذا أولى. فلذلك استحبوا أن يحدد اليوم الذي يخرج فيه زكاة حبوبه وثماره؛ حتى يأتي الفقراء فيأخذوا نصيبهم ورزقهم من ذلك، أما المال المخفي المستتر الذي لا يتطلع عليه الناس فإنه يسر نفقته ويسر صدقته، يبتغي أن يظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله. إذاً: النفقة في العلانية حسنة، والنفقة في السر أحسن منها، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة:٢٧١]، أي: نعم الشيء أن تبدي الصدقات، ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، أي: خير لكم، يعني: أفضل وأخير لكم أن تخرجوا هذه الصدقة في السر. والصدقة في السر تطفئ غضب الرب ، فأنت حين تعطي الصدقة للفقير في السر من غير أن تفضح هذا الفقير، فالله إن كان به غضب عليك فهذه النفقة تطفئ غضب الرب .

стр. 2276

التجارة مع الله ليس فيها خسارة أبداً قال سبحانه: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، لماذا أنفقوا؟ من أجل رجاء الثواب من الله ، فهؤلاء يرجون تجارة مع الله سبحانه، وأي تجارة أعظم من هذه التجارة، وتجارة الإنسان في الدنيا قد يربح في الدرهم نصف درهم أو ربعه وقد يربح في الدرهم درهماً، أما التجارة مع الله فأقل ما يكون فيها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه، فهؤلاء يرجون التجارة التي هي مع الله التي لا تبور، فهم لا يخافون كساد تجارتهم؛ لأنها تجارة مع الرب . هم يرجون هذه التجارة التي حكم الله سبحانه أنها لا تضيع ولا تهلك ولا تكسد ولا تفسد ولا تخسر؛ لأنها تجارة مع الله.

стр. 2277

تفسير قوله تعالى: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) قال الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠]، يؤكد الله ذلك وأنه سيعطيهم الأجر الوافي: ((لِيُوَفِّيَهُمْ)) وهناك فرق بين أعطى ووفى، أعطى الأجر تماماً ولعله نقص، أما وفى فقد يعطيك أجرك الذي تستحقه ويزيدك عليه أيضاً فوق ذلك، فيقول: أخذت منه مالي وافياً ما نقص منه شيء. فالله يوفي هؤلاء ليس مثل الذي أعطوا، وإنما يوفي أضعافاً مضاعفة من فضله سبحانه، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠]، هذا الجزاء من الله سبحانه، فهؤلاء يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ؛ لِيُوَفِّيَهُمْ وليعطيهم. فقوله: (ليوفيهم) هنا لام السببية يعني أنهم أعطوا لذلك، أي: يرجون من الله الفضل، ويرجون منه أن يوفيهم أجورهم، فهم أنفقوا ليوفوا هذه الأجور، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠]. وهذا وعد من الله سبحانه في كتابه أنه يعطي الحسنة بعشر أمثالها، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]، فهم صدقوا وعد الله سبحانه فأنفقوا ليعطيهم الله ويوفيهم هذا الوعد الذي ذكره في كتابه سبحانه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فيعطي الله على الإحسان إحساناً وزيادة النظر إلى وجهه في جنة الخلود، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠]، غفور سبحانه. ورد في القرآن هذا اللفظ (غفور)، و ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر:٣] و (غفار) فهو الغفار سبحانه، وهو الغفور، وهو غافر الذنب، والغفر يأتي بمعنى التغطية والستر. والله يغفر أي يمحو الذنب ويستره، ويغطيه ولا يبديه، فلا يفضح صاحبه الذي يتوب إليه ، وهو يغفر الذنوب جميعاً، ﴿شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] أي: يشكر لعباده إحسانهم، ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، فإحسان المرء لنفسه، فإذا أحسن فالله يوفيه الجزاء على إحسانه، ويشكر له عمله. وعلمنا كيف أن رجلاً كان في فلاة فوجد بئر ماء فنزل وشرب منها، ثم خرج فوجد كلباً يلهث من شدة العطش، فإذا به يملأ حذاءه من هذا الماء ويسقي الكلب، فيشكر الله له ذلك ويغفر له ويدخله الجنة بذلك. وامرأة بغي تفعل مثل ما فعل هذا الرجل تسقي كلباً أصابه العطش الشديد فشكر الله لها فغفر لها، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، من أحسن فالله يحسن إليه، ويعامله بفعله وبمعاملته، فالله غفور شكور. إذاً: فهؤلاء المؤمنون يتلون كتاب الله، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ حتى يوفيهم الله أعمالهم. فالله وعد في كتابه وأكد أنه يعطيهم أجورهم وزيادة منه وفضل منه ؛ لأنه غفور شكور، يغفر الذنب، ويشكر الإحسان من العبد.

стр. 2278

تفسير قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١]. قوله: ((وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)) كأنه عطف هذه الجملة على الجملة السابقة، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر:٣١] أي: هذا القرآن العظيم وحي من الله سبحانه وهو الحق، وليس كلامك أنت، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر:٣١] أي: أنه صدق الكتب السابقة، صدق صحف إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، وصدق كتاب موسى التوراة، وكتاب عيسى الإنجيل، وصدق المرسلين السابقين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ((مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)) يعني: ما تقدم وسبق وسلف قبل ذلك، ((إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)). وذكرنا قبل ذلك أن الله عليم سبحانه، وخبير بمعنى عليم، فإذا جاءت مفردة فتكون بمعنى العلم، أي يعلم ما خفي من الأمور، فالله عليم وهو علام الغيوب ، كما أنه شهيد خبير. فالعلم أن يحيط بهذا كله، والخبرة: هي العلم بالشيء الدقيق الخفي، أي: الذي يخفيه صاحبه ويسره في نيته وفي قلبه، فهو خبير بما في القلوب سبحانه، وهو شهيد على ما يظهره العباد. فكأن الشهادة علم ما هو ظاهر، والخبرة علم ما هو خفي باطن، والعلم يحيط بهذا كله، فالله عليم خبير شهيد سبحانه، ((إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)) أي: يبصر كل ما يصنعه العباد، ما أبدوه وما أخفوه فالله يرى هذا كله.

стр. 2279

تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]. أي: الكتب السماوية يورثها سبحانه لمن اصطفى من عباده، فينزل الله على رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام كتاباً، ويصطفي من يشاء من خلقه ليكونوا حواريين لهذا النبي أو الرسول ﵊، فاصطفاهم، وأورثهم هذا الكتاب فصاروا أهله المستحقين له. وتوارثوا علمه وأحكامه، حتى جاء أقوام بعدوا عن الله سبحانه فحرفوا دينهم، فإذا بهم يتركون أحكام الله ويعملون بغيرها، ويجعلون كتاب ربهم وراءهم ظهرياً، فلا يستحقون أن ينزل عليهم من السماء شيئاً، فيصطفي الله من خلقه ما يشاء، وينزل كتاباً من السماء، وكان الأمر على ذلك حتى اصطفى من الخلق نبينا صلوات الله وسلامه عليه، واصطفى له أصحابه، واصطفى هذه الأمة أمة الإسلام، وأنزل هذا القرآن على النبي ﷺ ، وجعله إرث هذه الأمة واختصها بأن تدعوا إلى هذا القرآن، فصارت الأمة المهتدية، والأمة الوسط التي تدعوا إلى كتاب الله ، فكان معهم ميراث الأنبياء السابقين، وهو: أحكام كتاب الله سبحانه، وشريعة الله التي يدعون إليها إلى أن تقوم الساعة، ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا))، فجعل هذه الأمة هي الأمة المصطفاة، وقربها إليه، قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فهي الأمة التي اجتباها الله سبحانه، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: تقيمون شرع الله سبحانه.

стр. 2280

حقيقة الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات قال سبحانه: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) فمن هؤلاء؟ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ذكر المفسرون في هذا التفصيل كلاماً كثيراً جداً فيمن هو الظالم لنفسه؟ ومن هو المقتصد؟ ومن هو السابق بالخيرات؟ فقالوا: الظالم لنفسه هو الكافر أو المنافق أو غير ذلك. ولكن الظاهر من الآية والحديث أن الثلاثة الأصناف كلهم من أهل الإسلام، ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) روى الإمام الترمذي، والإمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر:٣٢] فقال ﷺ : كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة)، هذا حديث عظيم صحيح عن النبي ﷺ ، وفيه البشارة بأن الإنسان الظالم لنفسه من هذه الأمة المؤمن بالله سبحانه، ولكن غلبت ذنوبه على حسناته، فاستحق أن يعذب، فهذا إما أن يغفر الله له، وإما أن يعذبه الله بهذه الذنوب التي غلبت حسناته، وإن دخل النار فعذب في النار، فالله يمن عليه ويشفع فيه من شاء من خلقه ويرحمه ويخرجه من النار ويدخله الجنة، وأما المنافق والكافر وغيرهما فهؤلاء مستحيل أن يدخلوا الجنة لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦] فإذا تابوا صاروا مع المؤمنين، ولم يكونوا منافقين، أما المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ففي الدرك الأسفل من النار. وقال تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذاً: الكفار في النار، والمنافقون في النار، لكن من ذكر الله هنا بقوله: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا))، فهؤلاء ممن اصطفاهم الله سبحانه، وممن اختارهم الله وقربهم وهم أمة الإسلام، فمن هذه الأمة الظالم لنفسه، وهو من غلبت ذنوبه حسناته، ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)) والمقتصد هو من استوت حسناته وسيئاته، أو هو من أتى بالفرائض ولم يأت بالنوافل، أو من أتى بما افترضه الله عليه ووقع في الذنوب التي حرمها الله على خلقه، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال تعالى عن السابق: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، نسأل الله أن يجعلنا منهم. فالسابق بالخيرات لا يجد باباً من أبواب الخير والإحسان إلا واستبق إليه ينفق في سبيل الله سبحانه، ولذلك كان الخيران من أصحاب النبي ﷺ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ يستبقان إلى الخير، عمر كان يتمنى أن يسبق أبا بكر يوماً من الأيام، وفي يوم من الأيام أمر النبي ﷺ بالصدقة، فإذا بـ عمر يذهب إلى بيته ويأتي بنصف ماله ويقول: اليوم أسبق أبا بكر، فيأتي للنبي ﷺ فيجد أبا بكر قد تصدق بماله كله، فيقول: لا أسبقك أبداً.
следующие страницы →