← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

التجارة مع الله ليس فيها خسارة أبداً قال سبحانه: ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر:٢٩]، لماذا أنفقوا؟ من أجل رجاء الثواب من الله ، فهؤلاء يرجون تجارة مع الله سبحانه، وأي تجارة أعظم من هذه التجارة، وتجارة الإنسان في الدنيا قد يربح في الدرهم نصف درهم أو ربعه وقد يربح في الدرهم درهماً، أما التجارة مع الله فأقل ما يكون فيها عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف مضاعفة لا يعلمها إلا الله سبحانه، فهؤلاء يرجون التجارة التي هي مع الله التي لا تبور، فهم لا يخافون كساد تجارتهم؛ لأنها تجارة مع الرب . هم يرجون هذه التجارة التي حكم الله سبحانه أنها لا تضيع ولا تهلك ولا تكسد ولا تفسد ولا تخسر؛ لأنها تجارة مع الله.

стр. 2277

تفسير قوله تعالى: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) قال الله تعالى: ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠]، يؤكد الله ذلك وأنه سيعطيهم الأجر الوافي: ((لِيُوَفِّيَهُمْ)) وهناك فرق بين أعطى ووفى، أعطى الأجر تماماً ولعله نقص، أما وفى فقد يعطيك أجرك الذي تستحقه ويزيدك عليه أيضاً فوق ذلك، فيقول: أخذت منه مالي وافياً ما نقص منه شيء. فالله يوفي هؤلاء ليس مثل الذي أعطوا، وإنما يوفي أضعافاً مضاعفة من فضله سبحانه، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠]، هذا الجزاء من الله سبحانه، فهؤلاء يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ؛ لِيُوَفِّيَهُمْ وليعطيهم. فقوله: (ليوفيهم) هنا لام السببية يعني أنهم أعطوا لذلك، أي: يرجون من الله الفضل، ويرجون منه أن يوفيهم أجورهم، فهم أنفقوا ليوفوا هذه الأجور، ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر:٣٠]. وهذا وعد من الله سبحانه في كتابه أنه يعطي الحسنة بعشر أمثالها، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام:١٦٠]، فهم صدقوا وعد الله سبحانه فأنفقوا ليعطيهم الله ويوفيهم هذا الوعد الذي ذكره في كتابه سبحانه، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فيعطي الله على الإحسان إحساناً وزيادة النظر إلى وجهه في جنة الخلود، ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠]، غفور سبحانه. ورد في القرآن هذا اللفظ (غفور)، و ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ [غافر:٣] و (غفار) فهو الغفار سبحانه، وهو الغفور، وهو غافر الذنب، والغفر يأتي بمعنى التغطية والستر. والله يغفر أي يمحو الذنب ويستره، ويغطيه ولا يبديه، فلا يفضح صاحبه الذي يتوب إليه ، وهو يغفر الذنوب جميعاً، ﴿شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٠] أي: يشكر لعباده إحسانهم، ﴿إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء:٧]، فإحسان المرء لنفسه، فإذا أحسن فالله يوفيه الجزاء على إحسانه، ويشكر له عمله. وعلمنا كيف أن رجلاً كان في فلاة فوجد بئر ماء فنزل وشرب منها، ثم خرج فوجد كلباً يلهث من شدة العطش، فإذا به يملأ حذاءه من هذا الماء ويسقي الكلب، فيشكر الله له ذلك ويغفر له ويدخله الجنة بذلك. وامرأة بغي تفعل مثل ما فعل هذا الرجل تسقي كلباً أصابه العطش الشديد فشكر الله لها فغفر لها، فالله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، من أحسن فالله يحسن إليه، ويعامله بفعله وبمعاملته، فالله غفور شكور. إذاً: فهؤلاء المؤمنون يتلون كتاب الله، ويقيمون الصلاة، وينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية؛ حتى يوفيهم الله أعمالهم. فالله وعد في كتابه وأكد أنه يعطيهم أجورهم وزيادة منه وفضل منه ؛ لأنه غفور شكور، يغفر الذنب، ويشكر الإحسان من العبد.

стр. 2278

تفسير قوله تعالى: (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقاً لما بين يديه) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر:٣١]. قوله: ((وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)) كأنه عطف هذه الجملة على الجملة السابقة، ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ [فاطر:٣١] أي: هذا القرآن العظيم وحي من الله سبحانه وهو الحق، وليس كلامك أنت، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر:٣١] أي: أنه صدق الكتب السابقة، صدق صحف إبراهيم: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]، وصدق كتاب موسى التوراة، وكتاب عيسى الإنجيل، وصدق المرسلين السابقين عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، ((مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ)) يعني: ما تقدم وسبق وسلف قبل ذلك، ((إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)). وذكرنا قبل ذلك أن الله عليم سبحانه، وخبير بمعنى عليم، فإذا جاءت مفردة فتكون بمعنى العلم، أي يعلم ما خفي من الأمور، فالله عليم وهو علام الغيوب ، كما أنه شهيد خبير. فالعلم أن يحيط بهذا كله، والخبرة: هي العلم بالشيء الدقيق الخفي، أي: الذي يخفيه صاحبه ويسره في نيته وفي قلبه، فهو خبير بما في القلوب سبحانه، وهو شهيد على ما يظهره العباد. فكأن الشهادة علم ما هو ظاهر، والخبرة علم ما هو خفي باطن، والعلم يحيط بهذا كله، فالله عليم خبير شهيد سبحانه، ((إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ)) أي: يبصر كل ما يصنعه العباد، ما أبدوه وما أخفوه فالله يرى هذا كله.

стр. 2279

تفسير قوله تعالى: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢]. أي: الكتب السماوية يورثها سبحانه لمن اصطفى من عباده، فينزل الله على رسول من رسله عليهم الصلاة والسلام كتاباً، ويصطفي من يشاء من خلقه ليكونوا حواريين لهذا النبي أو الرسول ﵊، فاصطفاهم، وأورثهم هذا الكتاب فصاروا أهله المستحقين له. وتوارثوا علمه وأحكامه، حتى جاء أقوام بعدوا عن الله سبحانه فحرفوا دينهم، فإذا بهم يتركون أحكام الله ويعملون بغيرها، ويجعلون كتاب ربهم وراءهم ظهرياً، فلا يستحقون أن ينزل عليهم من السماء شيئاً، فيصطفي الله من خلقه ما يشاء، وينزل كتاباً من السماء، وكان الأمر على ذلك حتى اصطفى من الخلق نبينا صلوات الله وسلامه عليه، واصطفى له أصحابه، واصطفى هذه الأمة أمة الإسلام، وأنزل هذا القرآن على النبي ﷺ ، وجعله إرث هذه الأمة واختصها بأن تدعوا إلى هذا القرآن، فصارت الأمة المهتدية، والأمة الوسط التي تدعوا إلى كتاب الله ، فكان معهم ميراث الأنبياء السابقين، وهو: أحكام كتاب الله سبحانه، وشريعة الله التي يدعون إليها إلى أن تقوم الساعة، ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا))، فجعل هذه الأمة هي الأمة المصطفاة، وقربها إليه، قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فهي الأمة التي اجتباها الله سبحانه، قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠]، لماذا؟ ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠] أي: تقيمون شرع الله سبحانه.

стр. 2280

حقيقة الأصناف الثلاثة الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات قال سبحانه: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا)) فمن هؤلاء؟ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] ذكر المفسرون في هذا التفصيل كلاماً كثيراً جداً فيمن هو الظالم لنفسه؟ ومن هو المقتصد؟ ومن هو السابق بالخيرات؟ فقالوا: الظالم لنفسه هو الكافر أو المنافق أو غير ذلك. ولكن الظاهر من الآية والحديث أن الثلاثة الأصناف كلهم من أهل الإسلام، ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) روى الإمام الترمذي، والإمام أحمد أيضاً من حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ)) [فاطر:٣٢] فقال ﷺ : كلهم بمنزلة واحدة، وكلهم في الجنة)، هذا حديث عظيم صحيح عن النبي ﷺ ، وفيه البشارة بأن الإنسان الظالم لنفسه من هذه الأمة المؤمن بالله سبحانه، ولكن غلبت ذنوبه على حسناته، فاستحق أن يعذب، فهذا إما أن يغفر الله له، وإما أن يعذبه الله بهذه الذنوب التي غلبت حسناته، وإن دخل النار فعذب في النار، فالله يمن عليه ويشفع فيه من شاء من خلقه ويرحمه ويخرجه من النار ويدخله الجنة، وأما المنافق والكافر وغيرهما فهؤلاء مستحيل أن يدخلوا الجنة لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦] فإذا تابوا صاروا مع المؤمنين، ولم يكونوا منافقين، أما المنافقون الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام ففي الدرك الأسفل من النار. وقال تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فإذاً: الكفار في النار، والمنافقون في النار، لكن من ذكر الله هنا بقوله: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا))، فهؤلاء ممن اصطفاهم الله سبحانه، وممن اختارهم الله وقربهم وهم أمة الإسلام، فمن هذه الأمة الظالم لنفسه، وهو من غلبت ذنوبه حسناته، ((فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ)) والمقتصد هو من استوت حسناته وسيئاته، أو هو من أتى بالفرائض ولم يأت بالنوافل، أو من أتى بما افترضه الله عليه ووقع في الذنوب التي حرمها الله على خلقه، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال تعالى عن السابق: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١١]، نسأل الله أن يجعلنا منهم. فالسابق بالخيرات لا يجد باباً من أبواب الخير والإحسان إلا واستبق إليه ينفق في سبيل الله سبحانه، ولذلك كان الخيران من أصحاب النبي ﷺ أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب ﵄ يستبقان إلى الخير، عمر كان يتمنى أن يسبق أبا بكر يوماً من الأيام، وفي يوم من الأيام أمر النبي ﷺ بالصدقة، فإذا بـ عمر يذهب إلى بيته ويأتي بنصف ماله ويقول: اليوم أسبق أبا بكر، فيأتي للنبي ﷺ فيجد أبا بكر قد تصدق بماله كله، فيقول: لا أسبقك أبداً.

стр. 2281

عظيم فضل الله تعالى على عباده بالمسابقة إلى الطاعات والتوبة من السيئات إن المسابقة إلى الله وإلى طريق الله سبحانه أمر مرغوب فيه شرعاً، فمنهم هؤلاء السابقون بالخيرات بِإِذْنِ اللَّهِ، وهذا فضل من الله ، يمن على من يشاء من خلقه، يعطيه الرزق ويمن عليه بالهدى، ويعطيه سماحة النفس ويمنعه شحها، فينفق في سبيل الله، ويخلف الله عليه، ويعطيه الأجر من عنده، وكذلك إذا تاب الله على عبد من عبيده فالتوبة من الله سبحانه، تاب عليه فألهمه أن يتوب، فتاب العبد فقبل منه. فانظر إلى فضل الله وكرمه ، قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، هم عصوا الله سبحانه وعصوا رسول الله ﷺ ، حيث أمرهم أن يخرجوا معه صلوات الله وسلامه عليه في غزوة تبوك، فإذا بهؤلاء الثلاثة يتخلفون عن النبي ﷺ ، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية، هؤلاء الثلاثة لما تخلفوا ظنوا أن الأمر واسع، وأن النبي ﷺ لا يكتب من الذي خرج ومن الذي لم يخرج؛ لأن الجيش عدده كبير فتخلف هؤلاء، فعصوا الله سبحانه، وعصوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فلما جاء النبي ﷺ ورجع من الغزو، جاء المنافقون يعتذرون للنبي ﷺ وكل منهم يبدي عذره، والنبي ﷺ يقبل بالظاهر ويدع السرائر لله . وجاء هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع وكل منهم يقول: (يا رسول الله لم يكن لي عذر، فقال: أما هذا فقد صدق)، إذاً: فهذا الذي صدق، من الذي ألهمه أن يصدق مع النبي ﷺ ؟ أليس هو الله الذي يلهم عباده أن يصدقوا وأن يتوبوا؟ هؤلاء الثلاثة صدقوا مع النبي ﷺ فأخرهم، قال عن كعب: (أما هذا فقد صدق)، فأرجأه لأمر الله سبحانه وحكمه. فهجره النبي ﷺ ، وهجره أصحاب النبي ﷺ بأمر النبي ﷺ خمسين يوماً وليلة حتى جاءت التوبة من عند الله . فهؤلاء الثلاثة ألهمهم الله التوبة فتابوا، فصدقوا في توبتهم، فإذا به يتوب عليهم ، ويعبر في كتابه بهذا التعبير العظيم الجميل يقول: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨]، لم يقل: الذين تخلفوا مع أنهم تخلفوا حقيقة، ولكن الله لا يعير بالذنب كرماً منه ، ولكن قال: (خلفوا) فالنبي ﷺ خلفهم وأرجأهم لحكم الله سبحانه، حتى يقضي فيهم الله ، ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة:١١٨]، الإنسان مع إخوانه يحبهم ويحبونه ويودهم ويودونه، لكن حين يهجره جميع إخوانه يصعب الأمر على نفسه، وتضيق عليه الدنيا، طالما أنه مؤمن فهو يحب صحبة المؤمنين. أما الفاسق والكافر فإنه يستبدل بالمؤمنين الفجار والكفار والفسقة، لكن هؤلاء إيمانهم صادق، لذلك جلس كل منهم في بيته ينتظر أمر الله على ما فرطوا في دينهم، وما فرطوا في أمر الله سبحانه، فتابوا توبة نصوحاً، فإذا بالله يقبل منهم ذلك؛ لأن في قلوبهم حب الله وحب رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وانظر إلى كعب بن مالك وقد ذهب يبحث عن ابن عمه أبي قتادة حتى وجده في حائط له داخل بستان، قال: فتسورت البستان، كأن الرجل من شدة ما هو فيه من غم لم ير باب البستان فتسور البستان من فوق السور، ودخل إليه ثم قال: السلام عليكم فلم يرد عليه؛ لأن النبي ﷺ منعهم من الكلام مع هؤلاء الثلاثة، فقال: ألا تعلم أني أحب الله ورسوله، فلم يرد عليه، فأقسم عليه قال: الله أعلم، ولم يزد على ذلك. فكأن الدنيا قد أظلمت في عينيه فرجع إلى بيته وهو يتوسل إلى ربه ويتوب إليه سبحانه، حتى أنزل الله التوبة على هؤلاء، فتاب عليهم وأخبر نبيه ﷺ ، فأرسل إليهم يبشرهم بتوبة الله عليهم، فقرأ عليهم قول الله سبحانه: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] أي: ليس لهم ملجأ من الله سبحانه يفرون منه إلا إليه ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١١٨]، فالله سبحانه ألهمهم أن يتوبوا إليه، ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة:١١٨] أي: ليظهروا توبتهم إلى الله فيقبل منهم، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨]، . فالله صاحب الفضل على عباده، يلهمهم الإحسان ثم يحسن إليهم، ويجازيهم على ذلك ، قال: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، أي: إن فعلك الخير ليس من عند نفسك، ولكن بتوفيق الله سبحانه، وانظر إلى قول شعيب النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]، فهو يدعو الله أن يوفقه إلى رضوانه سبحانه. وكذلك كل إنسان لا يوفقه إلا الله ، فاعرف الفضل لصاحبه، ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر:٣٢] أي: الفضل من الله أن منَّ على هذه الأمة بأن أورثهم هذا القرآن العظيم وجعلهم من أهله، وجعلهم يعملون به، والفضل من الله أن يتوب عليهم وأن يدخلهم جنته، والفضل عليهم أن جعل منهم السابقين، والسابقون هم أعلى ما يكون عند رب العالمين .

стр. 2282

تفسير قوله تعالى: (جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب) قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣]. هذا فضل الله ، أدخلهم جناته: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ وقراءة الكل ((جَنَّاتُ)) بضمها، وإن كان في غير القرآن يجوز أن تكون مفعولاً مقدماً على الاشتغال تكون: (جناتِ عدن) لكن في القرآن ليس فيها إلا قراءة واحدة فقط: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) ((يَدْخُلُونَهَا)) أي: يدخلهم الله هذه الجنة. يقول: ادخلوا الجنة جزاءً بما كنتم تعملون، فيدخلون الجنةَ، وقراءة الجمهور: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)) [فاطر:٣٣]، وقراءة أبي عمرو: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يُدْخَلُونَهَا))، أي: يدخلهم الله هذه الجنات. والجنة بمعنى البستان، والجنات عند الله سبحانه بساتين عظيمة جداً لأصحابها أهل الجنة، درجات بعضها فوق بعض، وعدن بمعنى إقامة دائمة، ومنها المعدن، لكونه مقيماً في داخل الأرض باستمرار: الذهب، والفضة، والحديد، وغير ذلك من معادن الأرض. قال: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ)) أي: جنات إقامة دائمة لا يخرجون منها أبداً، ثم قال: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ))، لقد حرم الله على الرجال الذهب في الدنيا فلم يلبسوه فاستحقوا أن يلبسوه في الجنة، وكذلك حرم على رجالهم الحرير في الدنيا فلم يلبسوه فلبسوه في الجنة. فقوله: ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ))، والذهب يسمى في الدنيا ذهباً وفي الجنة ذهباً، ولكن هناك فرق بين ذهب الدنيا وذهب الجنة، هذا ذهب يذهب، وذاك ذهب معدن باق عند الله . هذا المعدن العظيم الذي ذكره لنا تبنى منه القصور في الجنة لأهل الجنة في الجنات، لمن أطعم الطعام، وألان الكلام، وتابع الصيام، وصلى لله بالليل والناس نيام، في هذه القصور غرف يرى ظاهرها من باطنها، ويرى باطنها من ظاهرها، هذه الغرف مبنية من ذهب ومن فضة، ذهبها لم يغط ما بداخلها؛ لأنه غير ذهب الدنيا. ثم قال: ((وَلُؤْلُؤًا))، أي: يلبسهم، ويحليهم الله اللؤلؤ، وهذه تقرأ بالنصب، وتقرأ بالجر، وتقرأ مهموزة وغير مهموزة، ﴿َلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر:٣٣]، فيقرؤها نافع، وأبو جعفر، وعاصم (لؤلؤاً) بالنصب فيها، على الخلاف في الهمزة التي فيها. فيكون المعنى: ويحلون لؤلؤاً على أنها مفعول لهذا الفعل (يحلون) وباقي القراء يقرءونها: ((وَلُؤْلُؤٍ)) بالكسر يعني: يحلون من ذهب وَلُؤْلُؤٍ ونافع، وحفص عن عاصم يقرأان: ((وَلُؤْلُؤًا))، بالهمز وبالنصب فيها، أما شعبة عن عاصم وأبو جعفر أيضاً فيقرأانها: ((وَلُوْْلُؤًا))، بالنصب فيها، وبعدم الهمزة الأولى، يعني: بنقل الهمزة الأولى. أما باقي القراء فيقرءونها بالكسر كما ذكرنا: ((وَلُؤْلُؤٍ)) ولكن أبا عمرو يحذف أيضاً الهمزة الأولى فيقرأ: ((وَلُوْلُؤٍ))، وإذا وقف عليها هشام فإنه يقرؤها: ((وَلُؤْلُو))، وإذا وقف عليها حمزة فإنه يقرؤها: (وَلُوْلُوْ). فقوله: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)) فالإنسان في الجنة يلبس الحرير ويحلى من أساور من ذهب، ويلبس اللؤلؤ، وينادى على أهل الجنة: (يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً). فأهل الجنة في نعيم مقيم، ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٣٨]، كذلك يقول النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر واقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧]). قوله تعالى: ((وَلِبَاسُهُمْ)) أي: ثيابهم، ((فِيهَا حَرِيرٌ)) من يصنع لهم ثياب في الجنة؟ لا توجد مصانع في الجنة تصنع، ولكن هناك شجرة تنبت في الجنة تخرج منها ثياب أهل الجنة. فالله يعطيهم ما لم يتخيلوا أبداً من فضله ، ويعطيهم ما هو فوق ذلك، حيث ينادي على أهل الجنة: (يا أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا ربنا وقد أعطيتنا، فيقول: أفلا أعطيكم خيراً من ذلك؟ يقولون: وما خير من ذلك؟ فيقول: اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعدها أبداً) فأعظم ما أعطاهم الله سبحانه أن رضي عنهم ، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يرضى عنا، وأن يجعلنا من عباده المصطفين الأخيار، أهل الإحسان الأبرار. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2283

تفسير سورة فاطر [٣٢ - ٣٧] يحمد المؤمنون ربهم في الدنيا على ما أنعم عليهم من نعمة الهداية إلى صراطه المستقيم، وكذلك يوم القيامة حين يدخلهم ربهم الجنة فإنهم يحمدونه ويشكرونه على تفضله عليهم بدخول الجنة، وما رأوا من إكرامه لهم وإفضاله عليهم، فقد أحلهم دار المقامة من فضله ومنته ورحمته، بخلاف الكفار فإن مصيرهم إلى نار جهنم لا يحكم عليهم فيها بالموت فيموتوا، ولا يخفف عنهم من عذابها.

стр. 2284

اصطفاء الله لأمة محمد ﷺ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فاطر: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٢ - ٣٧]. ذكرنا في الحديث السابق أن الله يمتن على هذه الأمة الإسلامية بنعمة الاصطفاء والاجتباء والاختيار، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة:١٤٣]، وقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، فهذه الأمة خير الأمم وأفضل الأمم، وهي الأمة الوسط أهل العدالة الذين يشهدون على الأمم السابقة قبلهم، أورثهم الله الكتاب، أي: أعطاهم الأحكام الشرعية في هذا القرآن العظيم، قال تعالى: ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ)) أي: أعطينا الميراث لهذه الأمة، فكأن الكتب السماوية هي الإرث الذي يتركه الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فإن استحق أتباعهم أن يأخذوا هذا الكتاب كان معهم حتى ينتهي أمرهم، وإن تركوا دين ربهم، فإن الله يخلف غيرهم ويرسل رسولاً من عنده ، وينزل عليهم شريعة من الشرائع، ويخلف هؤلاء الأمم من كانوا قبلهم، فالله تعالى جعلهم خلائف في الأرض، حتى جاءت أمتنا الأمة المصطفاة، وأنزل الله عليهم هذا القرآن فأورثهم أحكام كتاب ربنا ، وأعطاهم علم هذه الأحكام من شريعة وعقائد وغير ذلك، مما في كتاب الله وفي هدي النبي صلوات الله وسلامه عليه. الاصطفاء: هو مشتق من الصفوة، وهو الخلوص، فهي الأمة التي استخلصها الله من الأمم، وجعلها الوارثة لعلم النبوة ولهذا الكتاب العظيم ولسنة النبي ﷺ .

стр. 2285

أقسام المسلمين ومراتبهم وأصنافهم لقد قسم الله تعالى المسلمين من هذه الأمة أقساماً ثلاثة فقال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، فالنبي ﷺ أرسل إلى الناس، والذين أرسل إليهم جميعهم أمته ﵊، منهم أمة الدعوة، وهم الذين أرسل إليهم النبي ﷺ فمنهم من أسلم ومنهم من كفر، ممن حضر النبي ﷺ ، ثم من بعدهم إلى قيام الساعة، أما الذين استجابوا له فدخلوا حباً في دين الله بإرادتهم فهؤلاء أمة الإجابة. وأمة الإجابة هم المسلمون، خرج عنهم المنافقون، والكافرون، فأمة الإجابة هم من قالوا: لا إله إلا الله مستيقنين بذلك. وهم من الأقسام الثلاثة الذين ذكر الله في هذه الآية: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢]، فالظالم لنفسه: هو الذي فرط في حق نفسه وفي حق دينه، فارتكب من المعاصي ما شاء الله ، وترك بعض الواجبات التي فرضها الله عليه، فزادت سيئاته على حسناته، فكان ظالماً لنفسه فاستحق العقوبة، ولكن ينفعه قول لا إله إلا الله يوماً من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه. الصنف الثاني: وهم المقتصدون الذين استوت حسناتهم مع سيئاتهم، وهم الذين فعلوا الواجبات وتركوا المحرمات، وقد يحصل منهم التفريط في الأخذ بشيء من المكروهات، وترك شيء من المستحبات، ولكن حالهم على الاستقامة، قصروا في النوافل، ولكن غالب أحوالهم المحافظة على الفرائض، فعلى ذلك كانوا مقتصدين، فاستوى عملهم الحسن مع ما وقعوا فيه من أخطاء، فالله يتجاوز ويعفو عنهم. الصنف الثالث: هم السابقون إلى الخيرات، (ومنهم سابق بالخيرات) فهؤلاء ما وجدوا وسيلة لفعل الخير إلا واستبقوا إليها، إلا وسنوا للناس السنة الحسنة فيها، فكانوا السابقين بالخيرات، قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٤]. فهؤلاء كانوا في قرون الخيرية الأولى التي قال عنها النبي ﷺ : (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) قوله: (خير القرون قرني) وهم من أدركوا النبي ﷺ وهم أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، فهؤلاء خير القرون، وخير الناس. قوله: (ثم الذين يلونهم) أي: الذين لم يروا النبي ﷺ ، وإنما جاءوا من بعده وشاهدوا أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، هؤلاء فيهم الخيرية بعد الصحابة. قوله: (ثم الذين يلونهم)، وهم تابعو التابعين، وهؤلاء فيهم الخير أيضاً. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٣] أي: ثلة ممن كانوا مع النبي ﷺ في عصور الخيرية، والثلة: جماعة كبيرة من الناس نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم. قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٤] أي: من القرون المتأخرة، قال النبي ﷺ في الحديث، (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، فلا يتوقع أن يأتي عهد كعهد الصحابة، إلا أن يشاء الله حين ينزل المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولكن الغالب في الناس أنه لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه وأشد منه في الشر، كما قال النبي ﷺ ، وتأتي الفتن يرقق بعضها بعضاً، فتأتي فتنة في زمن من الأزمان، ثم تأتي فتنة بعد ذلك تليها، فإذا بالناس الذين يشهدون هذا الشيء الجديد يرققون ما تقدم، ويقولون: إن الذي فات ليس بشيء وهذا أصعب وأشد، ثم تأتي على الناس فتنة بعدها فترقق السابقة وهكذا، كلما يبتلى الناس بشيء من الفتن إذا بهم ينظرون فيها فيقولون: إن هذه أشد وأفحش مما تقدم من الفتن، ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالسابقون كانوا في القرون السابقة هم الأكثرية، ولكن في القرون المتأخرة هم الأقلون، كما قال الله سبحانه: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٣ - ١٤] فما جزاؤهم عند ربهم سبحانه؟ قال: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة:١٥] أي: الأرائك التي يجلسون عليها، تقول: هذا سرير الملك، يعني: العرش الذي يجلس عليه الملك، فهؤلاء ملوك في الجنة، فهم على سرر في الجنة منعمين مرفهين، وهذه السرر مصنوعة من ذهب موضونة، وهم يأكلون ويشربون في جنات الخلود، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

стр. 2286

تكرم الله وتفضله على المؤمنين بدخول الجنة والتنعم فيها لقد ذكر الله عن هؤلاء المؤمنين في هذه السور العظيمة أنه سبحانه تكرم عليهم بفضله الكبير، قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ [فاطر:٣٣]، على قراءة (يُدخلونها) وهي قراءة أبي عمرو، أي: أن الله يدخلهم هذه الجنات العظيمة، وقراءة الجمهور ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣] ففي هذه الجنة يلبسون ما كان قد حرمه الله عليهم في الدنيا، من حرير وذهب، فينعمون به في الجنة، قال سبحانه: ((يُحَلَّوْنَ فِيهَا)) أي: فلهم الحلية في الجنة، ((مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ)) لا تنظر إلى ما في الدنيا من أساور فإنها لا تقارن بما في الجنة، فأساورهم في الجنة من ذهب ولؤلؤ. ((وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ)) أي: يلبسون الثياب من الحرير وكما ذكرنا قبل ذلك أن شجرة في الجنة تخرج ثياب أهل الجنة، وهي شجرة طوبى، كما صح الحديث عن النبي ﷺ بذلك.

стр. 2287

تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤] هذه السورة بدأها الله بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:١] وهنا يذكر حال أهل الجنة وأنهم يحمدون الله سبحانه، ويقولون: ((وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ))، والمؤمنون في الدنيا حمدوا ربهم سبحانه، وفي الجنة يحمدون الله على ما صاروا إليه. ((الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ)) أي: الحزن الذي كان في الدنيا؛ لأن الدنيا دار الآفات ودار المحن ودار الفتن والبلاء والمصائب. فالإنسان في الدنيا بين خوف وحزن، خائف من المستقبل، وحزين على الماضي، سواءً كان غنياً أو فقيراً فهو على هذا الحال، فالغني يجمع المال وينظر في أمره ويخاف أن يضيع منه، فهو بين الحزن والخوف، كذلك الإنسان الفقير، حزين على حاله أن الناس معهم مال وليس معه مال، وخائف أن يزداد فقره هذا حال الإنسان في الدنيا بين خوف وحزن، ولكن في الآخرة لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإنهم عند ربهم ، فهم يثنون الثناء الجميل على الله بما هو أهله، ويقولون: الحمد لله الذي أنعم علينا بأن أذهب عنا الحزن، ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر:٣٤]، إن ربنا سبحانه غفور غفر لنا ذنوبنا، شكور يشكر ما قدمناه من عمل ولو كان شيئاً يسيراً، فجازانا على القليل وعلى الكثير بفضله وكرمه . وقد بين لنا سبحانه في سورة الفرقان صفات عباد الرحمن، فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣] وذكر تعالى ما أنعم عليهم فقال: ﴿أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا * خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ [الفرقان:٧٥ - ٧٦]. في هذه الآيات أخبر الله عن عباد الرحمن أنهم يجزون الغرفة أي: أعالي الجنات، وعباد الرحمن هم الذين يتوبون إلى الله سبحانه من الذنوب، ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان:٧١]، فهؤلاء الذين تابوا إلى الله قال فيهم: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، فإذا بأهل الجنة حين يدخلونها ينظرون إلى أن الله قد أكرمهم وأعطاهم ثواباً عظيماً لم يخطر على بالهم، حتى إنه حين يحاسبهم سبحانه يدني منه المؤمن بكرمه، ويضع عليه كنفه وستره يوم القيامة، ثم يقرره: عملت كذا يوم كذا، وعملت كذا يوم كذا، يقرره بذنوبه، قد ستره الله ولم يفضحه ، يقول: (قد سترناها عليك في الدنيا واليوم نغفرها لك، ويأمر الملائكة أن يأتوه بصحيفة سيئاته لينظر فيها، ويقول: واروا عنه كبار سيئاته فيريه أشياء من صغائره التي وقع فيها، والعبد في شدة الخوف أن يرى ما هو أكبر من ذلك) فالله بكرمه يخفي عنه ذلك، فإذا قرره يقول له: (اليوم نبدلها حسنات) أي: هذا الذي رأيته أمامك في هذه الصحيفة سنبدله حسنات ونعطيك مكان كل واحدة تبت منها حسنة عندنا، فإذا بالعبد يفرح بذلك ويتبجح، ويقول لله: (هناك أشياء لا أراها هنا) يعني: من ذنوب قد أخفاها الله عنه حتى لا يحرجه ولا يضيق عليه بكرمه وبفضله يوم القيامة. ويوم القيامة يقتص الله لعباده بعضهم من بعض، حتى يؤتى بإنسان مؤمن وقد أخذ من حسناته حتى لم يبق له إلا حسنة واحدة، فإذا به يخاف أن تضيع هذه الحسنة، والله بكرمه سبحانه ينميها له ويضاعفها له ويدخله بها الجنة .

стр. 2288

تفسير قوله تعالى: (الذي أحلنا دار المقامة من فضلة) قال الله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر:٣٥] أحلنا أي: أنزلنا وأدخلنا، ((دار المقامة)) أي: الدار التي فيها الإقامة الدائمة وهي الجنة. فالله سبحانه بمنه وكرمه أنزلنا فيها وجعلنا أهلها وجعلها دارنا ننزل فيها ولا نظعن عنها، ولا نخرج منها أبداً، ((مِنْ فَضْلِهِ)) أي: تكرماً منه سبحانه وليس باستحقاقنا؛ لأن أعمالنا لا تساوي أن ندخل هذا المكان العظيم، ولكن بفضل الله أنزلنا فيه، ((لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ)) أي: لا يمسنا فيها تعب، ((وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ)) اللغوب هو الإعياء، فالإنسان إذا عمل عملاً يمسه النصب والتعب، وتكل أعضاؤه، فهو مع العمل بلغ به الجهد أقصاه حتى إنه صار كالمريض، فأهل الجنة لا يمسهم فيها تعب يسير ولا تعب شديد؛ لأنه لا تعب ولا إعياء في الجنة، فأهل الجنة يمرحون ويلعبون ويأكلون ويشربون، وهم في نعيم مقيم في جنات إقامة دائمة ((جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)). فإذاً: أهل الجنة كانوا في الدنيا في دار عمل وفي دار عناء وتعب؛ لأن الدنيا دار التكليف، فالله يكلف عباده ويلزمهم بأشياء فيها مشقة عليهم، فهو ألزمهم أن يصلوا وأن يصوموا وأن يجاهدوا في سبيل الله، فهذه تكاليف شرعية فيها شيء من المشقة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فهو سبحانه لم يكلفنا مالا نطيق، لا، ولكن يكلفنا أقل مما نطيق، فقد كلفنا بخمس صلوات في اليوم والليلة، ونحن نطيق أكثر من ذلك، بدليل أننا نصلي نوافل، وكان ربنا سبحانه قد فرض على النبي ﷺ ليلة المعراج خمسين صلاة، ومن فضل الله سبحانه وكرمه أن جعل موسى يراجع النبي صلوات الله وسلامه عليه، حتى خفف الله عن عباده وجعلها خمس صلوات، وقال: (أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، هن خمس صلوات)، فإذا نظرنا في الخمسين صلاة متى نصلي هذه الخمسين، وكيف نقدر عليها، يقول سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، فلم يكلفنا إلا ما نطيق ، فكلفنا أقل مما نطيق فقد كلفنا خمس صلوات في اليوم والليلة. ومن فضله سبحانه أن أمرنا على لسان النبي ﷺ : (صل قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب) رحمة من الله . كذلك الصيام أول ما فرضه الله على النبي ﷺ ، كان يبدأ من العشاء ويظل المرء صائماً الليل كله والنهار كله إلى أن تغرب الشمس، فجعل في هذا الصيام مشقة؛ ليرينا سبحانه أنه لو شاء لأعنتنا، ولكن الله بالمؤمنين رءوف رحيم ، وهو لطيف بعباده، فجعل ذلك فترة وجيزة ثم خفف سبحانه وجعل الصيام على الهيئة التي عليها الآن، نصوم من الفجر حتى غروب الشمس ونطعم الليل كله حتى الفجر، فضلاً وكرماً من الله . لذلك أهل الجنة يذكرون ما كانوا عليه في الدنيا، فيقولون: عبدنا ربنا بفضله؛ فهو الذي دلنا على عبادته، وهو الذي أعاننا على عبادته، وهو الذي يسر لنا ذكره وشكره وحسن عبادته، فالفضل منه أولاً وآخراً، ذلك هو الفضل الكبير. كذلك أهل الجنة يأكلون ويشربون ما شاءوا، أما الإنسان في الدنيا فإنه إذا أكل وزاد عن حده انقلب إلى ضده، ولم يقدر على الطعام، وتعب وذهب إلى المستشفى من التخمة التي يصاب بها. كذلك الإنسان يأكل في الدنيا ويخرج ذلك غائطاً وبولاً، أما في الجنة فلا شيء من ذلك، لا قذارة فيها، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولا بول ولا غائط ولا جشاء ولا حيض ولا نفاس؛ لأن الجنة دار طهرها الله سبحانه وطهر أهلها، فهم يأكلون ما يشاءون، فيخرج هذا منهم عرقاً يسيل من أبدانهم له رائحة المسك، لا يحتاج إلى وضع مسك. وأهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، يرزقهم الله سبحانه التسبيح ويستمتعون بالتسبيح. في الدنيا الإنسان المؤمن الذي يعرف ربه يستمتع بالتسبيح، يقول: سبحان الله، ويستشعر هذه الكلمة العظيمة، سبحانك ما أعظمك يا رب العالمين، فكأنه يتذوق حلاوة هذه الكلمة بلسانه، ويقول: لا إله إلا الله، فيستمتع بلسانه بذكر الله سبحانه، ويطمئن قلبه بذكر الله سبحانه، فإذا دخل المؤمنون الجنة فهم في غاية الاستمتاع بذلك، فهم يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس في الدنيا، وهم في جنة الخلود في نعيم يتذكرون الدنيا، وهم على سرر متقابلين قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ * إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٥ - ٢٨] أي: أهل الجنة يتحدثون وهم على الأسرة ملوكاً في الجنة يحدث بعضهم بعضاً: يقولون: تذكرون يوم أن كنا في الدنيا نعمل كذا وكذا، وكنا خائفين من ربنا ، وعملنا الأعمال الصالحة بفضل ربنا علينا، ويتذكرون كيف كان الكفار يريدون إغواءهم في الدنيا، فأحد أهل الجنة يتذكر أنه عندما كان في هذه الدنيا كان له صاحب يريد أن يغويه، فقال: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، وكان هذا المؤمن شريكاً لرجل من الكفار، فالكافر كان يأخذ ماله ويبني به القصور ويشتري البساتين ويعمل به أشياء كثيرة للدنيا، والمؤمن كان يأخذ ماله فيطعم ويشرب ببعضه، ويتصدق ببعضه، فإذا بشريكه الكافر يسخر منه، ويقول له: لماذا تتصدق بالمال؟ أمن أجل أننا مبعوثون يوم القيامة، يقول: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] أي: سنبعث ونجازى يوم القيامة، فإذا بالله يقول للمؤمنين: ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤] أي: انظروا ماذا حصل له؟ فاطلع هذا المؤمن فرأى هذا الكافر في سواء الجحيم، ﴿قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كنت ستهلكني في الدنيا إن اتبعتك، ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] معك في هذا العذاب، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٥٨ - ٦٠] فيقول الله تعالى: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١] أي: اعملوا من الآن في الدنيا لمثل هذا الجزاء العظيم ولمثل هذا اليوم الكريم الذي يُكرَم فيه المؤمنون، أما الكفرة فيهينهم الله ، ويدخلهم ناره، ويقول ربنا سبحانه: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢] أي: أهذا الذي هم فيه خير وإلا شجرة الزقوم التي هي في جهنم؟!

стр. 2289

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦]، لما ذكر لنا حال أهل الجنة ونعيمهم المقيم -نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته وأن يجيرنا من ناره- ذكر أهل الكفر، وأنهم حين يدخلون النار يخلدون فيها ولا يخرجون منها أبداً، ((وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ)) ونار الآخرة لا يطيقها إنسان أبداً، ونار الدنيا التي لا نطيقها يقول عنها النبي ﷺ : (إنها جزء من سبعين جزءاً من نار الآخرة) فأقصى ما يكون من نار الدنيا وأشد ما يكون من لهيب الدنيا، إنما هو جزء من أجزاء نار الآخرة، فكيف تكون نار الآخرة، نسأل الله العفو والعافية. وجهنم من أسماء النار، وكأنها مشتقة من الشيء البعيد القعر، يقولون: بئر جهنام بمعنى بئر بعيدة القعر، فنار جهنم هي النار البعيد القعر، يلقى بالحجر في النار فيهوي فيها سبعين خريفاً حتى يصل إلى قعر النار والعياذ بالله، فكأن جهنم أس النار وأصل النار وأساس النار، والدركة السفلى من النار التي فوقها الدركات الأخرى. فالجنة درجات عالية، والنار دركات هاوية، فأهوى ما فيها وأسقط ما فيها وأسفل ما فيها جهنم والعياذ بالله. وجهنم في أصلها شجرة الزقوم، ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٩]، هذا يقال للكافر كـ أبي جهل وأتباعه، الذين كانوا يسخرون من النبي صلوات الله وسلامه عليه حين يذكرهم بالنار، وبهذه الشجرة التي في النار، فيقول أبو جهل: شجرة زقوم يخوفنا منها، وهل تنبت شجرة في النار؟ ما الزقوم؟ تعالوا نتزقم، فيأتي لهم بالتمر فيقول: إنما الزقوم تمر يخلط بالزبد تعالوا نتزقم. يسخر من عذاب الله ، وكان يقول لما يقول له النبي ﷺ : إن أمثالك مصيرهم النار، يقول: أنا أدخل النار، أنا عزيز في قومي، تخوفني وأنا عزيز في قومي، وأنا أكرم على قومي من أن يتركوني، هذا الجاهل الذي لقبه النبي ﷺ وكناه بـ أبي جهل لعنة الله عليه، وقال عنه: (هذا فرعون هذه الأمة)، هذا المجرم، قال الله : ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، أي: لـ أبي جهل هذا وأمثاله، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥]، المهل دردي الزيت، والدردي: هو ما يتبقى في الإناء من الزيت المغلي، وطعمه قبيح جداً لا يستساغ، فهذا هو المهل الذي يكون في بطونهم. والمهل أيضاً: هو صديد أهل النار والعياذ بالله. وقال سبحانه: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان:٤٧] وعتل الشيء، أي: أخذه أخذاً عنيفاً فحمله وألقاه في النار. ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٨ - ٤٩] أي: كنت في الدنيا تقول: أنا عزيز، ذق أيها العزيز، وكنت تقول: أنا كريم، فذق أيها الكريم، وهذا هو الهوان وهذا هو الذل الذي كنت تستهزئ به. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] أي: نار الدنيا إذا أحرقت إنساناً قضى الله عليه ومات، أما نار الآخرة فليس فيها موت، وهذا أفظع ما يكون على أهل النار، فالله ييئسهم من الموت: (لما يدخل أهل النار من الكفار النار، ويدخل أهل الجنة الجنة، يؤتى بالموت بين الجنة والنار على هيئة كبش أملح، والله يخلق ما يشاء سبحانه، فينادى: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، وينادى: يا أهل النار، فينظرون ويظنون أنهم سيخرجون من النار، فيقال للجميع: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم. إنه الموت، فيأمر الله بذبحه بين الجنة والنار، فيذبح الموت، ويقال لأهل الجنة: خلود بلا موت، ويقال لأهل النار: خلود بلا موت، فأهل الجنة يزدادون نعيماً وفرحاً بما أعطاهم الله، وأهل النار يزدادون غماً وبؤساً وشقاءً بأنه لا موت) ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء:٥٦] أي: في نار جهنم كلما نضجت واستوت جلودهم وتفحمت من النار يبدلهم جلوداً أخرى غيرها، ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:٥٦]، . قال: ((لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا)) أي: لا يموتون في النار، وإنما يعطي الله لهم القدرة على الحياة فيها، يحيون ويتألمون ويقاسون من حرها ولا يموتون أبداً، ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر:٣٦] أي: لا يخفف عنهم شيء من عذاب النار، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر:٣٦] عبر بنون العظمة للدلالة على عظمة الله ، أي: كذلك نجزي من كفر بنا، وابتعد عن ديننا، وعصى رسولنا صلوات وسلامه عليه. وقراءة أبي عمرو: ((كَذَلِكَ يجْزِي كُلَّ كَفُورٍ)) أي: كذلك الجزاء في نار جهنم خالدين فيها، وكل إنسان كفر بالله وجحد ربه سبحانه، وجحد نعم الله، وأشرك بالله، يجزى هذا الجزاء، فالكفار يدخلون النار ويعذبون عذاباً شديداً فيها، وقد أعذر الله إليهم، وينادون وهم في النار مالكاً خازن النار، قالوا: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ما هو جوابه؟ ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] أي: إنكم مقيمون في النار ولن تخرجوا منها أبداً، قالوا: تعالوا: نصبر مثلما صبر أهل الدنيا في الدنيا على الدنيا فنالوا النعيم، نصبر قليلاًَ في النار، فصبروا فطال صبرهم، ثم جزعوا فقال بعضهم لبعض: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، قالوا: تعالوا: ننادي ربنا، فإنه كان رحيماً بنا في الدنيا، ولعله يرحمنا الآن، فنادوا ربهم، ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ [المؤمنون:١٠٦] أي: ربنا كنا أشقياء في الدنيا، وغلب علينا القدر، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] أي: كنا في الدنيا قوماً ضالين ظالمين، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] وكلمة اخسأ تقال للكلب، يعني: إذا أردت أن تطرد الكلب إلى مكان بعيد فتقول: اخسأ، فيقال لأهل النار من الكفار ذلك: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١١]. أي: فاز أهل الجنة ونجاهم الله ، وضاع أهل النار وخسروا بسبب ما كانوا يصنعون في الدنيا، وهذه الدنيا لا تساوي شيئاً، قال سبحانه: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون:١١٢] أي: يقال ذلك للجميع، فما جوابهم؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] أي: اسأل الذين يعدون. فأهل النار لا عذر لهم مقبول ولا هم يعتبون وهم في النار، وإنما يرون العذاب.

стр. 2290

تفسير قوله تعالى: (وهم يصطرخون فيها) يقول الله سبحانه: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] أي: وهم يصرخون، والإنسان إذا كان في مكان ويريد من أحد أن ينقذه يصرخ ويعلي صوته، فإذا بالغ في الصراخ فهو يصطرخ. فالإنسان الصارخ: هو الذي يرفع صوته مستغيثاً، والصريخ المغيث الذي يغيثه، ﴿فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ [يس:٤٣] أي: لا أحد يغيثهم وهم في النار، ((وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا)) قائلين: ((رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)) أي: من الأعمال الطالحة، أخرجنا نعمل أعمالاً صالحة، فيقول لهم: ((أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ)) ألم تعيشوا في الدنيا، وأعطيناكم أعماراً؟ عشتم في الدنيا ثلاثين سنة، وأربعين سنة، وستين سنة، ومائة سنة، هل انتفعتم بهذه الحياة وبهذا العمر الذي عمرتموه؟ أولم نعمركم عمراً علمتم فيه الحق من الباطل، وخبرتم فيه نبيكم صلوات الله وسلامه عليه وعرفتم صدقه؟ أولم نعمركم عمراً يتذكر فيه وفي مثله من تذكر؟ فقد تذكر هؤلاء المؤمنون فدخلوا الجنة؛ لأنهم تذكروا واستحقوا جنة الخلود، ((وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ)) أي: الإنذار من عند الله سبحانه، والنذير هو كتاب ربنا القرآن العظيم، والرسول صلوات الله وسلامه عليه، والقرآن رأوا فيه عبر وعظات في هذه الدنيا، فيما حل بالأمم السابقة من نكبات، وما أحل الله بهم من نقمات. فجاءكم النذير ينذركم: احذروا أن تكونوا مثل قوم نوح أو قوم عاد أو قوم ثمود أو أصحاب الأيكة، أو قوم تبع أو غير ذلك ممن أهلكهم الله، ألم يأتكم نذير من عند الله سبحانه، ينذركم ويخوفكم من ذلك؟ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فلم تنتفعوا؟ ((فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ)) أي: لا أحد ينصر الظالمين يوم يحكم الله بالعدل بين العباد فيدخل من يشاء جنته برحمته، ويدخل من يشاء النار بعدله وحكمته. نسأل الله سبحانه أن يغفر لنا وأن يتوب علينا، وأن يدخلنا الجنة وأن ينجينا من النار بفضله ورحمته وهو أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2291

تفسير سورة فاطر [٣٨ - ٤٥] يخبر سبحانه أنه يعلم غيب السماوات والأرض، ومن باب الأولى أن يعلم ما يشاهد فيها، وأنه يعلم ذات القلوب المخفية وما يدور داخلها، كما يخبر سبحانه أنه جعل الناس خلائف في الأرض، أي: يخلف بعضهم بعضاً، يموت هذا فيجيء هذا، وأن من كفر به سبحانه فإن كفره سيعود عليه بالوبال يوم القيامة، وأن الكافر إذا ارتكب أعمالاً خبيثة زادته عند الله بغضاً، ومن الله بعداً، وأوردته جهنم، ثم يخاطب الله سبحانه الكفار بأن يروه المخلوقات التي خلقتها آلهتهم التي يعبدونها، وهيهات أن يفعلوا!

стр. 2292

تفسير قوله تعالى: (إن الله عالم غيب السموات والأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: يقول الله في سورة فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا * قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا * وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا * اسْتِكْبَارًا فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا * وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٣٨ - ٤٥]. يخبر الله في هذه الآيات من آخر سورة فاطر بأنه سبحانه علام الغيوب فهو عالم غيب السماوات والأرض وهو عليم بذات الصدور سبحانه. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [فاطر:٣٨]، فإذا علم ما غاب فمن باب أولى أن يعلم ما حضر وما شوهد فهو يعلم كل غائب في السماوات والأرض، وكل شيء اختفى في ظلمات الأرض سواء كانت حبة في رطب أو في يابس فإنه يعلمها ويعلم مصيرها، فهو يعلم ما في السماوات وما فوقهن، وما في الأرض وما تحتها وما بين ذلك. ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الرعد:٩]، أي: ما غاب وما شوهد ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [فاطر:٣٨]، أي: بخفايا النفوس وبما أخفوه في قلوبهم، وذات الصدر الخفية في صدر الإنسان يعلمها، فهو يعلم ما في داخلها مما أخفاه العبد من نية: خير أو غير ذلك.

стр. 2293

تفسير قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) ﴿هو الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر:٣٩]، أي: خلفاً بعد خلف يخلف بعضكم بعضاً، فالله سبحانه جعل العباد خلفاء في الأرض، وخلائف فيها، يخلف بعضهم بعضاً، هذا يذهب وقد سلف ومضى، وذاك يخلفه ويجيء ويكون حاضراً، ثم يمضي عليه زمن فيزول كما زال غيره ويخلفه غيره، فالناس خلفاء في الأرض يخلف بعضهم بعضاً، والناس خلائف في الأرض، أي: خلفاً بعد خلف يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن. وكلمة الخلف تطلق على التالي للمتقدم، إذاً: إذا تقدم إنسان فنقول عنه مضى وسلف، والذي يأتي من بعده نقول له: هذا الخلف لهؤلاء السلف، والناس يخلف بعضهم بعضاً فهم خلفاء في الأرض، وليسوا خلفاء الله في الأرض، فليس الإنسان خليفة لله في الأرض، وإنما الإنسان يخلف غيره من الناس إذا ذهب إنسان جاء إنسان غيره، أما الله فهو حي لا يموت سبحانه، فهو يدبر أمر السماوات والأرض ويحكم فيهن سبحانه بحكمه. وقد جاء عن أبي بكر الصديق أنه لما توفي النبي ﷺ قال له البعض: يا خليفة الله! قال أبو بكر ﵁: لست بخليفة الله ولكني خليفة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فالناس يخلف بعضهم بعضاً ولا يخلفون الله في أرضه سبحانه، فالله يحكم في أرضه وفي سماواته ويشرع ما يشاء سبحانه، ولكن الإنسان خليفة في الأرض أي: يخلف بعد أن يمضي غيره، فيأتي هذا الإنسان خلفاً لسلف. ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [فاطر:٣٩]، أي: من كفر فعليه وزر كفره وإثم كفره، فهو يحمل فوق كاهله هذا الكفر الذي جاء به في الدنيا يوم القيامة، ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر:٣٩]، إن الله قد غضب عليه لكفره، فإذا عمل من أعمال الكفر شيئاً ازداد بها مقتاً عند الله، والمقت: هو أشد البغض فتقول: فلان أبغض فلاناً، وفلان مقت فلاناً، فالبغض هو الكراهية، أما المقت فهو أشد الكراهية، فهؤلاء يزدادون بمكرهم وخداعهم وكيدهم للمؤمنين من الله بعداً، ويزدادون عند الله مقتاً، فيمقتهم سبحانه ويغضب عليهم ويبغضهم ويكرههم هم وأفعالهم. قال الله سبحانه: ﴿وَلا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر:٣٩]، أي: مكروا بالمؤمنين كلما زاد عذابهم عند الله، فازدادوا خسراناً وهواناً عنده سبحانه، ولا يحيق مكرهم السيئ إلا بهم.

стр. 2294

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله) قال سبحانه: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠]، يخاطب الله سبحانه هؤلاء الكافرين المشركين الذين عبدوا غير الله سبحانه وكادوا للمؤمنين وأرادوا خداعهم وعمل الحيل لإهلاكهم وإن كانوا هم الذين يهلكون بكفرهم وبحيلهم وبمكرهم بالمؤمنين فإن الله يهلكهم يوماً من الأيام. يقول لهؤلاء: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٤٠]، وشركاءكم منصوبة على المفعولية للفعل رأى ومعناه: أخبروني عن ﴿شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٤٠]. وفيها قراءات: قراءة الجمهور ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ [فاطر:٤٠]، ويقرؤها نافع وأبو جعفر بالتسهيل، وذكرنا أن الأجود عند العرب كما يقول الخليل: أنهم إذا التقت همزتان يخففون إحداهما، ومن هذا الباب وقع التسهيل هنا، وكما ذكرنا أنه وجد التسهيل في قراءة حفص عند قوله: (أأعجمي وعربي) وهو من هذا الباب أيضاً؛ فإنه إذا التقت همزتان فإن العرب تحذف الثانية منهما أو تقلبها ألفاً كأن يقول: أعجمي أو آعجمي وعربي على قراءات فيها. وكذلك هنا ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ﴾ [فاطر:٤٠]، هذه قراءة نافع وأبو جعفر ويقرؤها الكسائي (قل أريتم) وإذا قرأ الأزرق وورش ﴿قُلْ اَرَأَيْتُمْ﴾ [فاطر:٤٠]، فإنه ينقل الهمزة الأولى على طريقته، وأيضاً هناك قراءة أخرى للأزرق يمد مداً طويلاً (قل ارآيتم شركاءكم) فيمدها وينقل الهمزة. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٤٠]، أي: أخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله وطلبتم منهم ما لا يطلب إلا من الله ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ﴾ [فاطر:٤٠]، إذاً: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ [فاطر:٤٠]، الأولى معناها: أخبروني عن هؤلاء، و ﴿أَرُونِي﴾ [فاطر:٤٠]، أي: اجعلوني أنظر وأبصر إلى هذا الشيء الذي خلقته هذه الآلهة من دون الله؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [فاطر:٤٠]، أي هل لهم شراكة في السماوات مع الله سبحانه أخبروني عن ذلك؟ وقد قال إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في محاجته ومناظرته للنمرود كلمة عظيمة أبهته بها حين قال لقومه: إنه الرب الذي يستحق العبادة من دون الله، قال الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة:٢٥٨] يعني: لكونه قد أوتي الملك ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، قال النمرود: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨]، أي: وأنا أيضاً أحيي وأميت أحكم على اثنين بالإعدام ومن ثم أعفو عن واحد وأقتل الثاني إذاً: أحييت هذا الإنسان، وأمت هذا الإنسان، وهذا كلام لا يقبله إنسان عاقل. لذلك إبراهيم أضرب عن هذا الكلام الفارغ الذي يقوله هذا الإنسان، وقال له شيئاً آخر لا يقدر أن يجادل فيه فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. فالله لا شريك له سبحانه لا في الأرض ولا في السماء ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠]، أم بمعنى: بل (ءآتيناهم) أي: أعطيناهم كتاباً من عندنا ﴿فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠]، أي: فهم على ثقة من هذا الشيء، وعلى بصيرة فيما يقولون ويفعلون ويعبدون الأصنام والأحجار، فهل هم على بينة من هذا الذي يقولونه ويزعمونه؟ وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وحفص عن عاصم وحمزة وخلف ﴿عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ [فاطر:٤٠]، بالإفراد وباقي القراء يقرءون (فهم على بينات منه) بالجمع. وإذا وقف ابن كثير وأبو عمرو عليها فإنهما يقفان بالهاء (فهم على بينه) وباقي من يقرؤها بالإفراد يقف بالتاء (فهم على بينة) ولذلك تجدها مكتوبة في المصحف بالتاء في آخرها. ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠]، أي: اضرب عن هذا الذي يقولون، فإن هؤلاء في غرور فهم يعد بعضهم بعضاً خداعاً وتمويهاً وغروراً زائلاً لا يدوم أبداً، فيقول بعضهم لبعض لا يوجد جنة ولا نار ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فهم في غرور، والغرور: هو الشيء الزائل، فكلامهم كلام فارغ لا قيمة له. وهذا الأحمق الذي يسمع النبي ﷺ يقول: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠] أي: النار: فقال: أنا أدفع عشرة من هؤلاء وعليكم الباقي، فهذا المغرور الأحمق أين قوته التي يستطيع بها دفع ملك واحد حتى يقول: أدفع عشرة، وقد كان يلقب بأبي الأشدين ويقول: سأقف على باب النار أسده بكتفي حتى لا يدخل أحد النار، إنه يظن أن النار زنزانة كزنازين الدنيا سيضع يديه عليها فيمنع الناس من الدخول فيها ولم يدر أنها عذاب رب العالمين . فإنه سيؤتى بهذه النار لها سبعون ألف زمام، والزمام: هو المكان الذي يمسك به، على كل زمام سبعون ألف ملك من ملائكة الله ، فيأتون بها إلى حيث يشاء الله ، (ويخرج عنق من النار)، ويقول: وكلت بالجبارين، وكلت بالمتكبرين، وكلت بالمصورين فيخطف هؤلاء من الموقف إلى نار الجحيم والعياذ بالله، وكذلك أبو جهل ذكرنا أنه كان يقول: إن محمداً -صلوات الله وسلامه عليه- يخوفنا بالزقوم، وهل تخرج شجرة في النار؟ فيسخر من شجرة الزقوم، والله سبحانه ﵎ يقول: ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا﴾ [فاطر:٤٠]. وهكذا هم أهل الظلم في غرور وفي باطل وخيبة وفي خسران يمني بعضهم بعضاً، ويضحك بعضهم على بعض حتى تأتي الطامة الكبرى على الجميع فلا يقدرون على الهرب، ولذلك يقول الله عن المستكبرين هؤلاء وهم في النار: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس:٥٤]، أي: خافوا من الضعفاء الذين خدعوهم في الدنيا أن يسمعوهم وهم يقولون: يا رب ندمنا، فيقولون لهم: لماذا أغريتمونا في الدنيا؟ فأسروا الندامة عن أتباعهم وقالوا بينهم وبين ربهم يا رب ندمنا فلم تنفعهم توبة، ولم ينفعهم ندم، وقد ضيعوا أعمارهم في كفر وغرور. وقد كان رجل من هؤلاء الكفار إذا جلس النبي ﷺ يدعوهم إلى الله، ويقرأ عليهم القرآن، ثم يقوم يأتي هذا الرجل ويجلس في مكان النبي ﷺ ، ويحكي عن الأسكندر، وعن كسرى وقيصر، وعن الروم والفرس ثم يقول: أينا أحسن حديثاً أنا أم هو؟ يظن أنه بهذه الخيبة أفضل من النبي ﷺ ، وكلهم كانوا يعرفون أن النبي ﷺ صادق وإن كانوا لا يتبعونه حسداً للنبي ﷺ ، واغتراراً بالدنيا، ويعرفون أن هذا الرجل كذاب يقول كلاماً فارغاً، ويحكي حكايات وقصصاً لا غير، فهم يعتقدون أن ما عليه النبي ﷺ حق، ولكنهم يجحدون، ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. ﴿إِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣]، إن الله يطمئن النبي ﷺ بهذه الآية ويخبره أنهم لا يعتقدون أنه كذاب، وأن مرادهم من قولهم كذاب شيء فظيع وهو جحد آيات الله سبحانه، وجحد الشيء هو الإقرار به في النفس مع جحده باللسان فيقره في نفسه، وينكره بلسانه، مثاله: أن يأخذ إنسان من آخر متاعاً أو نحوه، ثم يقول ما أخذت منك فالجاحد مستيقن في نفسه أنه كذاب ويعلم أنه أخذ الشيء ثم هو ينكر بلسانه، كذلك ﴿الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، فهم مستيقنون بها في أنفسهم ولكن الذي يظهر على ألسنتهم هو الإنكار. فقد قال بعض الظلمة لبعض سنغلب محمداً ﷺ ونوثقه أو سننفيه خارج البلد أو نقتله، يعد بعضهم بعضاً بأشياء هي غرور في حقيقتها فلم يقدروا على شيء من ذلك، وقد قال له ربه سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧].

стр. 2295

تفسير قوله تعالى: (إن الله يمسك السماوات والأرض) قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [فاطر:٤١]، هذه آية من آيات الله ، وما أعظم آيات الله سبحانه فعلى المؤمن أن ينظر في هذه الآيات وأن يتدبر ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، أما الصنم الذي يعبده هؤلاء فهل يمسك السماوات؟ أو يمسك الأرض؟ وهل يصنع شيئاً؟ إذاً: الصنم لا يتصرف في هذا الكون ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]، فهم يزعمون أن الأصنام آلهة وها هي تزول وتتكسر وتذهب ومع ذلك تظل الدنيا باقية على ما هي عليه، لم يتغير مجيء الشمس من مشرقها يوماً لأجل أنه كسر صنم، فكيف تعبدونها من دون الله وهي لا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها شيئاً؟ فالله سبحانه هو الذي يمسك السماوات وعرفنا كيف يدبر الله سبحانه أمر هذا الكون فالشمس تطلع كل يوم من مشرقها، وتغرب من مغربها، والقمر يأتي في موعده ومن مكانه، ينير في أيام ويستتر في أيام، ويمحق في أيام، والله يقضي ما يشاء خلال العام . وحين نتأمل مجرات الكون من الذي يمسكها؟ ومن الذي يأتي بها ويذهبها؟ ومن الذي يخلق هذه الأشياء العظيمة التي ينبهر الإنسان حين يتفكر فيها؟ إنه الله سبحانه فقد ثبت كل شيء في مكانه وفي مداره، فهو يجري ويدور وهو في موضعه الذي قضاه الله له، لا يخرج عنه إلى مكان آخر، فلو تخيلنا أن الشمس خرجت عن مدارها، أو القمر خرج عن مداره ما الذي يحدث؟ ما الذي يحدث لنا ونحن على هذه الأرض العجيبة التي جعلها الله مهيئة بسكنى أهلها بهذه الأبعاد السماوية؟ فلو كانت الشمس قريبة من الأرض لاحترقت هذه الأرض جميعها، ولو أن القمر قرب أكثر مما هو عليه من الأرض لزاد المد والجزر ولغرقت هذه الدنيا. فالإنسان يتخيل هذا النظام الدقيق فالقمر يدور حول الأرض في مدار ثابت، ثم يجعله الله ينزل في منازل حولها، ويجعل ﴿الشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، في مكان وبعد ثابت بينها وبين الأرض، لا يختل نظام دوران الأرض، ولا جري الشمس عن مكانه منذ خلقها الله سبحانه إلى أن يشاء الله ، وشروق الشمس من مغربها من العلامات الكبرى لقيام الساعة، والله يمسك هذا كله ولو كان غير الله سبحانه يفعل شيئاً ومات هذا الغير؛ لانتهى هذا الشيء وزال وزالت السماوات والأرض ولكن الله وحده هو الذي يمسك هذا كله وغيره لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئاً. ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ [فاطر:٤١]، يعني: السماوات والأرض هل أحد يستطيع أن يثبتها؟ وانظر إلى آيات الله سبحانه حين يذكر القيامة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ * وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ * وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:١ - ٩]، وقال سبحانه: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار:١ - ٤]. هذا النظام الكوني حين يبعثره الله ، ويقضي عليه بالاضمحلال والزوال هل يقدر أحد أن يثبته على غير ما أراد الله؟ لا أحد يقدر على ذلك، ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا﴾ [فاطر:٤١]، بأمر الله ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ﴾ [التكوير:١١]، أي: تكشط كما يكشط الذي يكون فوق الإناء ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن:٣٧]، أي: صارت حمراء كالدهان فتكشط وتزول هذه السماء العظيمة وتتناثر الكواكب والنجوم، ويسقطها الله إلى حيث يشاء . ومعنى قوله ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١]، أي: لف بعضها ببعض ثم تجعل في النار زيادة في عذاب أهلها وكل من عبد الشمس فأنه يتبعها إلى النار، وكذلك القمر يخسف به يوم القيامة، والنجوم تتكور وتنكدر ويذهب بعباد هذه الكواكب إلى النار والعياذ بالله. ﴿إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ [فاطر:٤١]، يعني: لا يمسكهما أحد بعد الله ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]، الحليم: هو الذي لا يعاجل بالعقوبة مع القدرة عليها، والله متصف بصفة الحلم، وصفة الحلم قريبة من صفة الصبر والصبر هو الانتظار والإمهال وعدم التعجل تقول فلان حليم يعني: لا يستخفه شيء أي: لا يستفزه ويجعله يندفع ويتهور هذا في الناس، والله رب الناس وهو حليم صبور . إذاً: فصفة الحلم والصبر لله تدلان على رحمة رب العالمين وعلى أنه يتأنى على العبد ولا يتعجل عليه بعقوبته، ولكن هناك فرق بين الحليم والصبور: فالحليم قد تأمر عقوبته أما الصبور فهو الذي لا تأمن عقوبته وهو سبحانه الذي قضى أن رحمتي سبقت غضبي، فرحمة الله تغلب غضبه وتسبقه. فهو يحلم عن عباده إذا وقعوا في المعاصي فلا يبادرهم بالعقوبة ولكن يصبر عليهم لعلهم يتوبون، ولذلك جاء في الحديث، وذكر النبي ﷺ الملكان: ملك عن يمينك، وملك عن شمالك، الذي عن يمينك يكتب عليك حسناتك والذي عن شمالك يكتب عليك سيئاتك، فجعل الله الذي عن يمينك حاكم على الذي عن يسارك، فإذا بدر من الإنسان معصية أمره الذي عن اليمين اصبر عليه لعله يتوب، فيرفع عنه قيل ست ساعات لعله يتوب فإذا لم يتب كتب عليه الذي فعله والله أعلم. فالغرض أن الله سبحانه يحب من عبده أن يتوب، فإذا بادر بالتوبة ورجع إلى الله تاب الله عليه، وقد يبدل سيئاته حسنات، ولكن العبد الذي يصر على معصية الله سبحانه، هو الذي يستحق عقوبة رب العالمين سبحانه، ﴿غَفُورًا﴾ [فاطر:٤٢] أي: يمحو الذنوب ويسترها، ويعطي للعبد الأجر يوم القيامة إن تاب إليه، وإن شاء الله تاب عليه بغير توبة.

стр. 2296

تفسير قوله تعالى: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم) قال الله : ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ [فاطر:٤٢]، أي: وأقسم هؤلاء الكفار قبل مجيء النبي ﷺ ، واجتهدوا في الأيمان المغلظة، وجهد في يمينه إذا بالغ في القسم ﴿لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأُمَمِ﴾ [فاطر:٤٢]، فهؤلاء الكفار قبل مجيء النبي صلوات الله وسلامه عليه لما رأوا حال أهل الكتاب، وكيف كذبوا رسلهم وغيروا وبدلوا في دينهم، ورأوا منهم أشياء إذا بهم يقولون: لو كان فينا نحن العرب نبي من الأنبياء، فنحن أول من نؤمن به، ولن نتركه أبداً، ولن نكذب كما كذب هؤلاء، وأقسموا على ذلك وكان عندهم من أهل الكتاب بعض الأخبار فإن اليهود كانوا في المدينة بعضهم مع الأوس وبعضهم مع الخزرج، وكانوا مستذلين، لا يعيشون إلا تحت حماية الأوس أو تحميهم الخزرج، فكانوا إذا غلبوا وقهروا واستذلوا يقولون: قد أظلكم زمن فيه نبي والله لنؤمنن به ولنقاتلنكم معه، وانتشرت مقالتهم، وعرف الكفار أن في هذا الزمان سيخرج نبي صلوات الله وسلامه عليه. فالبعض من الكفار كان يحلم أن يكون هو هذا النبي، فبدأ بعضهم مثل أبو عامر الفاسق الذي كان يلقب في الجاهلية الراهب بدأ يتعبد فترة طويلة يريد أن تنزل عليه الرسالة، ويكون هو الرسول، فلما لم تنزل عليه إذا به يكفر أشد الكفر! إذاً ما كانت عبادة الله لتهب لأحد النبوة فالله أعلم بخلقه والعابد الحقيقي هو: الذي يرضى بقضاء الله نزلت الرسالة عليه أو نزلت على غيره، لا فرق عنده، وطالما أن الله يرضى عنه إذاً يتابع، لكن الله أعلم الخلق أن فلاناً هذا الذي يصلي ويصوم في باطنه الشر، وأنه شرير، وأنه لن يزداد بهذا الدين إلا خبثاً على خبث، ويأتي أمر الله وتجد هذا الإنسان بمجرد أن يبتلى يخرج عن دينه، ويخرج عن طوره، ويترك هذا الدين، كما فعل هذا الرجل الفاسق الذي لقبه النبي ﷺ بأبي عامر الفاسق بعدما كان يلقب بالراهب من كثرة عبادته في الجاهلية فقد انقلب إلى النقيض في الإسلام حين وجد الرسالة لم تنزل عليه. وبعض أهل الجاهلية سمعوا أن رسولاً سيخرج اسمه محمد، فبدأ البعض يسمي ابنه محمداً لعله يكون هو الرسول والأمر ليس بالكسب وإنما هو هبة من الله ، فالرسالة هبة من الله يهبها من يشاء من خلقه، فهؤلاء الكفار كانوا ينتظرون متى يأتي هذا النبي، فلما جاء النبي صلوات الله وسلامه عليه وقد كانوا يقولون: أنهم سيكونون أهدى من اليهود، ومن النصارى الذين لم يتابعوا رسلهم عليهم الصلاة والسلام. قال الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر:٤٢]، أي: لما جاءهم النبي ﷺ ازدادوا بعداً عن دين الله ، وما زادتهم رسالة النبي ﷺ إلا بعداً عن الله ونفوراً ونفر بمعنى: فر فكأنهم اشمأزوا من ذلك، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الزمر:٤٥]. قال تعالى: ﴿اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:٤٣]، أي: يطعنون في النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويؤذونه ويؤذون المؤمنين ويستكبرون على دين رب العالمين ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر:٤٣]، أي: ويمكرون المكر السيئ إذاً: زادهم نفوراً واستكباراً ومكراً سيئاً فهم يمكرون السوء بعباد الله المؤمنين، والمضاف هنا محذوف، والأصل مكر العمل السيئ فحلت الصفة محل الموصوف فقام النعت مقام المضاف هنا، قال ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، وقراءة الجمهور ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، هذا في الوصل وفي الوقف ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ [فاطر:٤٣]، لكن حمزة إذا وصلها يسكنها ويقول (ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيَّئُ إلا بأهله) تخفيفاً وهذا التخفيف لأجل توالي الكسرات مع الياءات فكأنه خفف بالتسكين. والمكر بمعنى: الخديعة والكيد والحيلة، فهم يمكرون فيعملون أعمالاً رديئة وخبيثة وحيلاً يحتالون بها على المؤمنين حتى يردوهم عن دينهم، فمكروا المكر السيئ ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]. وهذا وعد من الله سبحانه وإخبار منه أن المكر السيئ يحيق بأهله و ﴿يَحِيقُ﴾ [فاطر:٤٣]، بمعنى: يحيط وحاق به بمعنى: أحاط به على وجه الإهلاك، فيكون المعنى: نزل به هذا المكر الذي مكره والجزاء من جنس العمل، فقد مكرتم مكراً سيئاً حتى تخدعوا المؤمنين فتوقعوهم فيما تريدون من حيل ومكر فالله يجعلكم أنتم الذين تقعون في ذلك ويحيق بكم مكركم ونزل بكم ما مكرتموه بالمؤمنين، ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، ويقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح:١٠]، ويقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]، فالإنسان الذي يخدع تحيق به خديعته، والإنسان الذي ينكث في عهده ويغدر يتسبب في إصابة نفسه وهلاكه، كذلك الإنسان الذي يبغي فيظلم عقوبته على نفسه في النهاية وهذا في كتاب الله . ولذلك جاء أن بعض الصالحين قال: لا تمكر ولا تعن ماكراً جاء عن الزهري ورفع للنبي ﷺ ولا يصح مرفوعاً، ولكنها كلمة حكيمة، لا تمكر ولا تعن ماكراً فإن الله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، فلا تخدع أحداً لأن خداعك سيعود عليك، فإن الله يقول: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر:٤٣]، ولا تبغ ولا تعن باغياً ولا تظلم ولا تعن إنساناً ظالماً فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح:١٠]، ويقول: ﴿إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس:٢٣]. فمن ظلم رجعت عليه العقوبة بسبب ظلمه، وجاء في حديث النبي ﷺ قال: (من غشنا فليس منا) (والمكر والخديعة في النار) فالذي يغش المؤمنين ليس من المؤمنين وليس على طريقة النبي ﷺ ، ولا على طريقة أهل الإسلام، بل هو مقتد بالكفار، (والمكر والخديعة في النار) فالذي يمكر ويدبر الحيل والمكايد من أجل أن يوقع الناس فيها خداعه يحيق به، ويستحق بسببه أن يكون في النار، فاحذر أن تمكر بالمؤمنين يقول الله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ﴾ [فاطر:٤٣]، بمعنى: عادة الله في الأولين، والعادة عنهم أنهم يكذبون، والعادة من الله فيهم أنه ينتقم منهم ويهلكهم ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ﴾ [فاطر:٤٣]، أي: هل ينتظرون إلا عقوبات الأولين ﴿إِلَّا سُنَّةَ الأَوَّلِينَ﴾ [فاطر:٤٣]. والجمهور إذا وقفوا على كلمة ﴿سُنَّةَ﴾ [فاطر:٤٣]، يقفون بالتاء وهي مذكورة في المصحف بالتاء المفتوحة، وإذا وقف عليها ابن كثير وأبو عمرو والكسائي ويعقوب. يقفون بالهاء سنة في الثلاثة المواضع ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [فاطر:٤٣]، أي: أفعاله بالسابقين أنهم يكيدون بالمؤمنين والله يكيد لهم فيهلكهم هذه عادة مطردة في كل زمان، لا تبديل لها ولا تحويل. فمن يستطيع إذا أنزل الله عقوبة على أحد أن يبدلها إلى رحمة مثلاً لا أحد يقدر على ذلك، وكذلك إذا أنزل الله العقوبة على فلان فمن يستطيع أن يحولها إلى آخر لا أحد يقدر على تبديل ما فعله الله، ولا على تحويله من مكانه إلى مكان آخر.

стр. 2297

تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض) قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]. أي: هلا ساروا في الأرض فنظروا كيف فعلنا بالذين من قبلهم، وهم يعرفون ذلك تماماً فهم يمرون بحجر ثمود في ذهابهم إلى الشام ويقولون هنا حجر ثمود، هنا أهلك الله ثمود قوم صالح، ويمرون ذاهبين إلى اليمن بديار عاد فيقولون: هنا كان عاد في هذا المكان ويقولون: هنا الفراعنة أهلكهم الله وأغرقهم هذه آثارهم، فهم يعرفون ما الذي صنع الله بهم ﴿وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فاطر:٤٤]. وأجسام العباد تقل حتى تصير إلى ما نحن عليه، وكانوا قبل ذلك أعظم أجساداً، وأقوى أبداناً، أعطاهم الله من القوة ما شاء، وقال عن هؤلاء ﴿وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ﴾ [سبأ:٤٥]، أي: ما بلغتم عشر الذي أتيناه أولئك من قوة وصحة ومن عدد ومال في جيوشهم وفي أنفسهم. قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر:٤٤]، أي: لا شيء يعجز الله، تقول أمسكت فلاناً، أو أردت أن أمسك فلاناً فأعجزني فلم أقدر عليه، لكن لا شيء يفلت من الله سبحانه، ولا شيء يهرب من عقوبته، ولا شيء يعجزه سبحانه، لا في السماوات ولا في الأرض، فهو العليم بكل شيء، وهو القدير على كل شيء سبحانه، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل:٦١]، وهذه تكررت في القرآن كثيراً.

стр. 2298

تفسير قوله تعالى: (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) يقول الله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ [فاطر:٤٥]، أي: بما اجترحوا من سيئات فلو أن الإنسان إذا أخطأ خطأً صغيراً عاجله الله بالعقوبة وإذا أخطأ خطأ كبيراً عاجله الله بالعقوبة لهلك. كل من فوق الأرض؛ لأن كل بني آدم خطاء، ولكن الله برحمته يصبر ويعفو ويحلم ، قال: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر:٤٥]، والدابة كل ما يدب فوق الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرة، فكأن الإنسان إذا أذنب تأتي العقوبة فتهلك الجميع. فالطوفان في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، لم يغرق الكفرة فقط، بل أغرق كل من فوق الأرض من حيوان وغيره، فكأن العقوبة التي تأتي على الإنسان تعم من فوق الأرض فهو سبحانه يتكرم ولا يؤاخذ العباد بكل ما اكتسبوا وإلا لأهلك جميع من فوق الأرض، ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [النحل:٦١]، أي: يؤخر كل إنسان إلى أجله ووفاته ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:٣٤]، أي: جاء أجل كل إنسان ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر:٤٥]، أي: بصير بالذي يخفيه والذي يبديه وبالذي صنعه فوق هذه الأرض فيجازيه الله عليه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2299

تفسير سورة يس [ ١ - ٦] سورة يس لها خصائص ومميزات السور المكية، وهي إحدى السور التي بدأها الله بالحروف المقطعة، ليبين عظم بلاغة هذا القرآن، ويتحدى به المشركين أن يأتوا بآية مثله، ولسورة يس فضائل وإن كانت الأحاديث التي تدل على فضلها ضعيفة، وهي تركز على أمور العقيدة، والإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار.

стр. 2300

خصائص ومميزات سورة يس

стр. 2301

اختلاف العلماء في الآية المدنية من يس واختلف العلماء في الآية التي قالوا فيها إنها مدنية فقالوا: قول الله : ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] هذه آية مدنية. وجاء فيها حديث عن النبي ﷺ : (أنه خلت البقاع حول مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأرادت بنو سلمة أن تقرب من مسجد النبي ﷺ ، وخشي النبي ﷺ أن تخلو جوانب المدينة) فهم في أطراف المدينة حماية لها، فإن كان الجميع يتركون أطراف المدينة ويأتون إلى جوار النبي ﷺ فإن الأعداء يدخلون بسهولة على المدينة؛ والمنافقين ينشرون أخباراً في أطراف المدينة لا تبلغ النبي ﷺ بسهولة (فذكر النبي ﷺ هذه الآية وقال: يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم)، وحث على لزوم الديار، فيقول: الزموا دياركم تكتب آثاركم، فنهاهم أن يقربوا من المسجد وأمرهم أن يبقوا في أماكنهم، وبين لهم أن أثر مجيء الإنسان من بيته إلى بيت الله يكتب فيه بكل خطوة يخطوها المرء حسنة، فذكروا أن هذه الآية في ذلك. والصواب: أن معناها في ذلك، ولكن لم تنزل في ذلك، وليس نزول هذه الآية في المدينة، وإن كان الحديث الذي رواه الترمذي يوهم ذلك، فالصواب أنها نزلت مع باقي السورة حين أنزلها الله في مكة، ولكن معنى الآية يوافق الحادثة فقالها لهم النبي ﷺ .

стр. 2302

فضل سورة يس ذكر المفسرون أحاديث كثيرة وآثاراً في فضل هذه السورة، ولكن أكثر ما ذكروه كان ضعيفاً، فمنها قولهم: جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (اقرءوا على موتاكم يس) هذا الحديث رواه الإمام أحمد ورواه أبو داود ورواه ابن ماجة وغيرهم من حديث معقل بن يسار بإسناد ضعيف. ولكن الظاهر أن هذه السورة مفيدة فعلاً في قراءتها على الموتى، فقد روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن صفوان قال: حدثني مشيخة: أنهم حضروا غضيف بن الحارث الثمالي وكونه يذكر مشيخة معناها: عدد من التابعين، وهم وإن كانوا مجهولين ولكن بكثرة العدد ترتفع هذه الجهالة، ويغتفر فيها جهالة آحادهم بمجموعهم، فهم مجموعة من مشيخة التابعين رووا هذا عن غضيف بن الحارث الثمالي، وهو صحابي، فحين اشتد سوقه قال لمن حوله: هل منكم أحد يقرأ يس؟ وكان صالح بن شريح السكوني يحفظها فقرأها، فلما بلغ أربعين آية منها قبض غضيف بن الحارث رضي الله ﵎ عنه. فقراءة هذه السورة على الإنسان الذي في سياق الموت يخفف عليه خروج الروح، فكان المشيخة من التابعين يقولون: إذا قرئت عند الميت خفف عنه بها، ففيها أنه يستحب أن تقرأ هذه السورة على الإنسان الذي يموت في سياق الموت، ولم يرد أنه بعدما يموت يقرأ عليه ذلك، وإن كان الراجح فيمن قرأ قرآناً وأهدى ثوابه لميت أنه يصل الثواب إليه. فسورة يس ذكر في فضلها أحاديث ضعيفة، وهي من أفضل ومن أعظم سور القرآن، لكن الغرض هو بيان أن الأحاديث التي في الفضائل لابد من صحتها عن النبي ﷺ ، حتى نذكر هذه الأحاديث وننبه فقط على ضعفها. فومن الأحاديث التي جاءت في فضلها وهي أحاديث موضوعة: (إن لكل شيء قلباً وقلب القرآن يس، ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات). فعلى ذلك هي أفضل من: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١]، ونحن نعلم أن أعظم سورة في القرآن هي سورة الفاتحة، ولم يقل النبي ﷺ في فضلها أن من قرأها فكأنه قرأ القرآن عشر مرات. كذلك سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] قد جاء أنها تعدل ثلث القرآن، وسورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] تعدل ربع القرآن، فإذا كانت سورة يس تعدل القرآن عشر مرات فهذا لا يصح، وهذا موضوع على النبي ﷺ .

стр. 2303

ما اشتملت عليه سورة يس الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١ - ١٠]. سورة يس هي السورة السادسة والثلاثون من كتاب الله ، وهي سورة مكية وقيل: الآية الخامسة والأربعون مدنية. وآيات هذه السورة بحسب العد الكوفي ثلاث وثمانون آية، وبحسب عد غيرهم اثنان وثمانون آية، والاختلاف في عدد آياتها بسبب الخلاف في (يس) هل هي آية منفصلة أم هي جزء من الآية التي تليها؟ فمن عدها منفصلة يعد آيات السورة ثلاثاً وثمانين آية، ومن يعدها متصلة مع ما بعدها يعد آيات السورة اثنتين وثمانين آية. وسورة يس فيها من خصائص السور المكية ما هو معروف في قراءتك لهذه السورة، فتجد خصائص السور المكية واضحة في الرد على المشركين، وفي التأكيد على توحيد الله سبحانه، وعلى أمور العقيدة، والإيمان بالبعث والجزاء والحساب والجنة والنار، كذلك إثبات صفات الأنبياء وما يعتبر فيهم، وإثبات قضاء الله سبحانه وقدره، وإثبات علم الله ، والكلام عن الحشر، وشكر الله والحث على ذلك، ومعجزة هذا القرآن وكيف أن هذا القرآن الحكيم من عند رب العالمين ، وإثبات الجزاء على فعل الخير، والجزاء على فعل الشر مع ذكر الأدلة الكونية من الآفاق ومن أنفس الناس؛ ولذلك سميت هذه السورة بقلب القرآن، وجاء فيها حديث مرفوع إلى النبي ﷺ ولا يصح عن النبي ﷺ . أغراض هذه السورة: فيها التحدي بإعجاز هذا القرآن العظيم، والتحدي بدأ بـ ﴿يس﴾ [يس:١] وهما حرفان من حروف المعجم اللغوي، يتحدى الله بهما الكفار ويقول: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢] وصف الله سبحانه القرآن بأنه حكيم، ومن أسماء الله الحسنى الحكيم، والقرآن كتاب ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] فهو كتاب حكيم محكم. فهو القرآن الذي أنقذ الله به العرب من الكفر بالله ومن الشرك من الضلال إلى الإيمان والدخول في دين النبي صلوات الله وسلامه عليه. وضرب الله في هذه السورة المثل للفريقين: فريق أهل الإيمان وفريق أهل الكفر والطغيان لعلهم يتعظون ولعلهم يتذكرون. ضرب المثل بالأعم وهم القرون السابقة: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣١ - ٣٢]. كذلك تخلص من ذلك إلى الاستدلال على تقرير البعث وإثباته بالاستقلال مدمجاً في آياته سبحانه من خلال ذلك الامتنان بنعمه سبحانه ﵎، ويخرج من إثبات شيء إلى شيء آخر من غير أن تشعر بالخروج ويسمونه بحسن التخلص فتخرج من شيء إلى شيء، وأنت في سياق واحد عظيم جميل، وذهنك لا يذهب عن هذا السياق بل يشدك إليه. وقد بدأ الله في هذه السورة بالقسم بهذا القرآن العظيم، وأنه من جنس الحروف التي تتكلمون بها، فهو قد أعجزكم أن تأتوا بمثله وانتهى بالتذكرة بقضاء الله وقدره، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٨٢ - ٨٣]. هذه السورة ذكرنا أنها سورة مكية نزلت والنبي ﷺ في مكة، وفي ترتيب نزول القرآن تعتبر الحادية والأربعين على ما ذكره جابر بن زيد، نزلت بعد سورة الجن وقبل سورة الفرقان.

стр. 2304

تفسير قوله تعالى: (يس والقرآن الحكيم)

стр. 2305

اختلاف المفسرين في معنى (يس) جاء حديث ضعيف عن النبي ﷺ وفيه: (أن له عند ربه عشرة أسماء من ضمنها طه ويس) وهذا لا يصح عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولم يصح أنها من أسمائه ﷺ . وذكر البعض أن ((يس)) كلمة عند العرب معناها: يا رجل! مثل كلمة (طه) ولكن الراجح فيها: أن ﴿يس﴾ [يس:١] حرفان مقطعان من حروف اللغة العربية يتحدى الله بهما الكفار، بأن يأتوا بكتاب مثل هذا الكتاب العزيز من جنس هذه الحروف التي يقرءونها ويختمون بها، وما استطاع أحد من فحول بلغاء العرب وفصحائهم أن يأتي بمثل ذلك، ولن يقدروا أبداً أن يأتوا بمثل ذلك. ومن الناس من يحاول أن يأتي بكلام يشبه كلام الله فيأتي بكلام سخيف يضحك منه الناس، ومن هؤلاء الكذابين مسيلمة الكذاب الذي يزعم أنه نزل عليه وحي من السماء وقال كلاماً سخيفاً شهده عمرو بن العاص ﵁، وكان ممن سمعه، وقال له: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، ومن يتبعه كانوا يقولون: ولكن كذاب اليمامة خير عندنا من صادق قريش. والغرض أن ربنا يتحداهم بهذه الحروف التي في أول السور، وغالباً إذا جاءت هذه الحروف يذكر الله القرآن أو إشارة إلى القرآن بعدها إلا في مواضع يسيرة، وقد أشار إلى القرآن بعدها بآية، فإذا قال: ﴿الم﴾ [البقرة:١] قال: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢]. ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:١ - ٣]. فأي سورة فيها هذه الحروف المقطعة يشير بعدها إلى هذا القرآن، بياناً منه سبحانه أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف، ولكن لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولن يستطيع أحد أن يأتي بمثله، إلا أن يكون إنساناً مفترياً كذاباً من كفرة أمريكا وغيرهم، أو رجلاً يهودياً من يهود فلسطين يأخذ من آيات الله ما أراد، فيأخذ من هذه الآيات كلاماً، ويضع بدلاً عنه كلاماً من كلامه السخيف، ويؤلف كلاماً جديداً ويقول: هذه سورة الإنجيل، وهذه سورة التوراة، وهذه سورة كذا، لعنة الله عليه وعلى أمثاله. وقد أنزلوها مترجمة يوزعونها على أتباعهم هناك أو على من يأخذ منهم ذلك، والمسلمون في غفلة عن ذلك؛ لكن من يطلع على هذا الكلام وينظر إلى ركاكته يعرف أن هذا القرآن العظيم محفوظ من الله ؛ لأنه كلام الله الحكيم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١]. هذا هو القرآن الذي أعجز الخلق برصانته ومتانته وبلاغته وفصاحته وشريعته، ومن يسمع كتاب الله يسمع نغماً عظيماً جميلاً، أعجز الأطباء الذين يعالجون الأمراض النفسية في أمريكا بالموسيقى، ويسمونه الطب بالسماع، فلما جربوا سماع القرآن وعالجوا به هؤلاء المرضى، وجوده أعلى ما يكون من تأثير إيجابي في نفسية المريض. فعلى المؤمن أن يتعلم ويعرف ما في القرآن وما في السنة حتى يرد على هؤلاء الكفرة المجرمين الذين ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢]. قال الله : ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢]. أقسم الله بهذا القرآن الحكيم، وكما ذكرنا قبل ذلك أن الحكيم من أسماء الله ، ووصف بها كتابه ، فهو كلامه سبحانه، وهو كلام حكيم رصين، فيه الحكمة وفيه الحكم، وهو كلام محكم، أحكمه الله سبحانه وأتقنه، وأتانا بأحسن القصص فيه وأعظم الكلام وأعظم الموعظة وأعظم الشرائع. و (حكيم) صيغة مبالغة من حاكم، فهو كتاب حاكم مصدق لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن شاهد على الكتب السابقة، فهو حكيم بمعنى حاكم، يعني: يحكم بين العباد. إذاً: هذا الذكر مصدقٌ لما بين يديه من الكتاب، ومهيمن عليه، ليحكم الرسول بين الناس به، فهو كتاب حكم وحاكم يحكم بين الناس ويحكم به. إذاً: القرآن الحكيم: القرآن ذو الحكمة، والقرآن المحكم، والقرآن الحاكم، والقرآن الذي لا خلل فيه ولا زلل ولا خطأ، وما من كتاب إلا ويوجد فيه أخطاء مهما راجعه صاحبه، ولذلك الإمام الشافعي ﵀ لما ألف كتاباً وأرسله إلى ابن مهدي قال: هذا كتابي وأعلم أن فيه أخطاء فصوبها، فإني لا أدري أين هي؟ فإن الله ذكر في كتابه فقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أي: فكل كتاب من عند غير الله لابد وأن يكون فيه الاختلاف، ولا بد وأن يكون فيه الخطأ، إلا كتاب الرب ، فهو الكتاب الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير. قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾ [يس:٢] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير إذا وصل، وحمزة إذا وقف: (والقران). وأيضاً عند بعض القراء أنهم يقفون على الساكن قبل الهمزة بخلفهم منهم حفص ومنهم حمزة ومنهم إدريس ومنهم ابن ذكوان فيقرءون (والقرآن الحكيم).

стр. 2306

تنوع قراءة القراء في (يس والقرآن الحكيم) بدأ لنا ربنا سبحانه هذه السورة بقوله: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢]. وذكرنا أن ﴿يس﴾ [يس:١] آية عند الكوفيين فيقفون عليها، ويجوز أن توصل بما بعدها، وعند غيرهم هي جزء من التي تليها فلا بد من وصلها بما بعدها. وإدغام نون ﴿يس﴾ [يس:١] بالواو التي في قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:٢] هي قراءة هشام عن ابن عامر والكسائي ويعقوب. وقرأ قنبل عن ابن كثير، وأبو عمرو وحمزة وأبو جعفر بإظهارها. وبعض القراء يجوز عندهم الإدغام ويجوز عندهم الإظهار منهم نافع والبزي عن ابن كثير، ومنهم حفص عن عاصم، وكذلك ابن ذكوان عن ابن عامر، والأشهر في قراءة حفص: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ [يس:١ - ٢] بالإظهار. وكذلك الياء في قوله: ﴿يس﴾ [يس:١]، أكثر القراء يميلونها، والبعض منهم لا يميلونها، فالذين يقرءونها بالإمالة: شعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف وروح عن يعقوب، وباقي القراء يقرءونها بالفتح بغير إمالة. ويقرؤها أبو جعفر بالسكت عليها؛ حتى يبين أن الياء حرف والسين حرف. والراجح: أن ﴿يس﴾ [يس:١] حرفان كغيرها من حروف الكتاب العزيز: ﴿الم﴾، ((الر))، ﴿كهيعص﴾ [مريم:١]، فهي حروف مقطعة في أوائل السور، كذلك ﴿يس﴾ [يس:١] حرفان، ويدل على ذلك قراءة أبي جعفر بالسكت على الياء.

стр. 2307

تفسير قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم) قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣]، يقول ذلك للنبي ﷺ ، وقد أقسم له سبحانه بكتابه الحكيم إنه لمن المرسلين. وإذا قال له ربه سبحانه: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣] كفى، ولكن يقسم له سبحانه لإزالة أي شك وريب في قلوب الناس، أما الرسول ﷺ فلا شك في قلبه فإن جبريل يأتيه بهذا القرآن العظيم فلا يحتاج إلى التوكيد، وإنما يحتاج إلى التوكيد أتباع النبي ﷺ والناس. فقوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٣] أي: رسول ونبي صلوات الله وسلامه عليه، نبي نبئ بالغيب ﵊، ورسول نزلت عليه شريعة من عند الله رب العالمين، وكل رسول نبي، ولكن ليس كل نبي رسولاً، فالنبي أعم والرسول أخص. الرسول صاحب شريعة يأتي بكتاب من عند الله يحكم الناس به، والنبي يحكم بشرع من كان قبله، فهو متابع منبأ بغيب من عند الله، ولكن لم يختص برسالة، ورسل الله عليهم الصلاة والسلام أقل عدداً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٣ - ٤] أي: يخبر عن النبي ﷺ بهذا الخبر: ((إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ))، ويخبر بخبر ثان: إنك ((عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ))، والصراط: الطريق الذي يوصل بين شيئين والمعنى: إنك على طريق مستقيم من عند الله سبحانه. والمعنى الآخر لقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٣ - ٤] أي: من المرسلين الذين أرسلوا على صراط مستقيم، فكأن المعنى هنا: إنك يا محمد! على طريق الرسل الذين كانوا من قبلك، فهؤلاء على طريق الله وأنت على طريقهم، والكل يدعو إلى الله . ((عَلَى صِرَاطٍ)) تقرأ بالصاد وتقرأ بالسين وتقرأ بالزاي. أفيقرؤها قنبل عن ابن كثير وكذلك رويس عن يعقوب: (عَلَى سِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بالسين. ويقرؤها خلف عن حمزة: (على زراطٍ). ويقرأ باقي القراء بالصاد المكسورة: ((عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)).

стр. 2308

تفسير قوله تعالى (تنزيل العزيز الرحيم) قوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [يس:٥] يذكر الله أن هذا القرآن العظيم منزل من عنده سبحانه، وفي قوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ﴾ [يس:٥] قراءتان: فقراءة ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((تَنزِيلَ)) بالنصب فيها. وباقي القراء يقرءونها: (تنزيلُ العزيز الرحيم) بالرفع. قوله تعالى: ((تَنزِيلَ)) أي: نزله تنزيلاً، فهو مفعول مطلق لفعل محذوف، أي: هذا القرآن نزله الله تنزيلاً، وقراءة باقي القراء: (تنزيلُ العزيز الرحيم)؛لأنه خبر لما قبله، والتقدير: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٣ - ٤] هذا القرآن تنزيل العزيز الرحيم. وقوله تعالى: ﴿تَنزِيلَ﴾ [يس:٥] مصدر نزل تنزيلاً، فالقرآن منزل جاء من علو، أي: من عند الله . وما أكثر الآيات التي تدل على علو الله سبحانه بذاته، فهو مستو فوق عرشه ، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهو عالٍ على خلقه بقهره وقدرته وجبروته سبحانه، وهو القاهر فوق عباده ، كذلك شأنه عظيم، فله علو الشأن سبحانه، قال تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن:٢٩]. ومن الآيات التي تفيد أن القرآن نزل من عند رب العالمين: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥]. قوله تعالى: ((الْعَزِيزِ))، العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فالعزة صفة من صفاته، والعزيز اسم من أسمائه . والله عزيز، أي: لا يمانع ولا يغالب سبحانه، إذا قضى أمراً فلا يرد قضاءه أحد، فهو العزيز القوي الذي لا يغالب، القاهر الذي لا يمانع، الذي إذا قضى شيئاً فلابد أن يكون على ما أراد أن يكون. قوله تعالى: (الرَّحِيمِ): اسم من أسمائه، والرحمة صفة من صفاته . فالرحيم: ذو الرحمة العظيمة البالغة، وقد ذكر سبحانه أن رحمته سبقت غضبه والرحمن والرحيم صيغتها مبالغة، والرحمن: ذو الرحمة العظيمة التي تعم الخلق جميعهم، والرحيم: ذو الرحمة العظيمة التي خص الله بها المؤمنين في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فالرحيم: يرحم خلقه سبحانه فيهديهم ويدلهم على الصواب، وينزل عليهم الكتاب، ويرسل إليهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو بعباده رحمان رحيم، فإذا كان في الآخرة كان بالمؤمنين رحيماً. والرحيم قد يوصف به خلق الله سبحانه، أما الرحمن فلا يوصف به إلا الله .

стр. 2309

تفسير قوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم فهم غافلون) لما نزل الله القرآن قال: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦]. أي: لتنذر من هؤلاء العرب قوماً من الأقوام الذين أنت فيهم، وتنذر غيرهم، ولكن ابدأ بهؤلاء. قال تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [القصص:٤٦]، إذاً: لم يأت العرب من أنفسهم نذير، ولم يأتهم رسول من عند الله سبحانه، وإنما كان الأنبياء من ذرية أخرى ليسوا من هؤلاء العرب، فهذا إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ليس من العرب، إنما مولده في العراق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومن أبناء إبراهيم إسحاق وإسماعيل، وقد أخذ إبراهيم وإسماعيل وهو صغير وذهب به إلى مكة ووضعه هناك مع أمه هاجر، وتركه هنالك، وجاءت رفقة من جرهم كانوا عرباً، فتعلم منهم إسماعيل العربية وكان من أفضلهم فيها، فنافسهم فيها وغلبهم فكان إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام أبا هؤلاء العرب الذين جاءوا بعد ذلك، وكان أباً للنبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو ابن الذبيح إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ومن عهد إسماعيل إلى عهد نبينا ﷺ ، لم يكن هناك نبي من العرب، بل كل الأنبياء من ذرية إسحاق؛ لكن النبي الوحيد الذي جاء من العرب هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو من ذرية إسماعيل، فلذلك قال الله سبحانه: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٦] أي: ما جاءهم نبي منهم، وإن كانوا قد سمعوا عن الأنبياء الذين جاءوا إلى أممهم بالتواتر، فهم يسمعون عن قوم ثمود، ويسمعون عن قوم عاد، وعن سيدنا نوح وكيف أغرق الله الأرض في عهده لكن لم يكن لهم رسول من أنفسهم، ولذلك امتن الله عليهم وقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]. قوله تعالى: ((لِتُنذِرَ)) أي: تخوفهم من عذاب الله ، وتهددهم بما عند الله من عذاب ومن نقمة على من يشرك بالله ومن يكذب رسل الله عليهم الصلاة والسلام. قوله تعالى: ((مَا أُنذِرَ)) تحتمل أن تكون (ما) نافية، يعني: ما جاء نذير لآبائهم، أو موصولة فيكون المعنى: الذي أنذر به آباؤهم من قبل، يعني: من القرون الخالية السابقة، من جاءهم من الأنبياء، فقوم عاد جاءهم هود، وقوم ثمود جاءهم صالح، فتنذرهم أنت كما أنذر السابقون قبل ذلك. وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦] أي: غافلون عن عذاب الله سبحانه، لا يستجيبون للأنبياء ولا يهتمون بعذاب ربهم ، فالله أرسل محمداً ﷺ ليبشر المؤمنين، وينذر الكافرين. قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧]. أي: لقد حق القول من الله ، وتحقق ما قضاه وقدره سبحانه أنه فريق في الجنة وفريق في السعير، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فحقت كلمة ربك سبحانه على الذين ظلموا أنهم أصحاب النار، وحق قول رب العالمين: ﴿عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧]. ومن كتب الله له السعادة آمن ودخل في هذا الدين العظيم، ومن كتب عليه الشقاوة لم ينتفع بشيء. نسأل الله أن يجعلنا من السعداء، وألا يجعلنا من الأشقياء. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2310

تفسير سورة يس [٧ - ١١] الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان لا يتم إيمان العبد إلا به، وسورة يس إحدى السور التي تبين أن الله قدر كل شيء، والله غيب، وقضاؤه وقدره غيب لا يطلع أحد عليه إلا من شاء الله من خلقه، وللإنسان مشيئة واختيار، ومشيئة الله محيطة به، فعلم الله محيط وسابق لمشيئة الإنسان وأفعاله واختياره.

стр. 2311

أول رسول إلى العرب من عهد إسماعيل هو محمد ﷺ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٦ - ١٢]. سورة يس من السور المكية التي تتميز بالخصائص المكية، فهي تركز على أمر العقيدة، وتوحيد الله سبحانه، وضرب الأمثلة للناس، وذكر الأمم السابقة كيف كذبوا، وكيف أهلكهم الله ، وعلى صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى. كذلك إخبار النبي ﷺ بأنه رسول إلى الخلق، وأن الذين من قبله كذبوا فليس بجديد أن يكذبه الناس، أو أن يعرضوا عنه صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٣ - ٤]، أي على نفس الطريق الذي كان عليه الرسل قبل ذلك، وهو صراط الله القويم. وهذا القرآن نزل من عند رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٥ - ٦]، والإنذار: التخويف بالتهديد من عقوبة الله . وقوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٦]، يعني: لم يكن لآبائهم السابقين رسول من قبلك، وهم الآباء الأقدمون من أيام إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فهم لم يأتهم رسول، لكن عندهم بقية من آثار دين إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولكن هؤلاء غافلون عن ما نزل من عند رب العالمين سبحانه، وإن كانوا عرفوا أن المسيح أرسل وكذبه قومه، وأن موسى أرسل وكذبه قومه، ولكن كان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه من خصائصه: أنه فضل على الأنبياء؛ لأنه أرسل إلى الخلق عامة صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2312

تفسير قوله تعالى: (لقد حق القول على أكثرهم) قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس:٧]، يعني: على أكثر هؤلاء الكفار حقت كلمة العذاب؛ لأنهم لا يؤمنون، ولا يدخلون في دين الله فيستحقون العقوبة. والله سبحانه خلق العباد منهم كافر ومنهم مؤمن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، العباد مخلوقون وقد علم الله أن فريقاً منهم إلى الجنة، وفريقاً منهم إلى السعير. والله كتب عنده مقادير كل شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وأعطى العباد في هذه الدنيا عقولاً يفكرون بها، فعقل الإنسان يميز بين الجيد والرديء، وبين الطيب والخبيث، وبين الكفر والإيمان. والإنسان يكتسب الشيء، ويكتسب الحسنة والسيئة، ولكن في النهاية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]، فالله يقدر ما يشاء، وبعلمه وبحكمته سبحانه وبقدرته يكون كل شيء على ما يريده . فأخبر سبحانه أن هؤلاء سيكون الأغلبية منهم كفاراً يستحقون عقوبته وهذا قضاء الله وقدره سبحانه، ولا حجة لهذا الإنسان إن دخل النار؛ لأنه حينما يكتسب المعصية يستشعر في نفسه أنه قادر على الفعل، وقادر على الترك، فهو يملك القدرة والاختيار، لكنه لا يشاء شيئاً إلا وقد شاءه الله . ولذلك القضاء والقدر سر الله في خلقه، وقد أمرنا أن نؤمن به، ولم يطلب منا مناقشته وفهم كل شيء فيه؛ لأنها من أمور الإيمان، ومن أمور الغيب التي رتبها الله . فلابد أن تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يحدث شيء في خلقه إلا بعلمه وحكمه وحكمته . إذاً: أمر القضاء والقدر أصل من أصول الإيمان، فالإيمان كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره). إذاً: القدر غيب، ولا يطلع الله أحداً على قدره، إلا أن يكون ملكاً من الملائكة اختصه الله بشيء، أو يكون نبياً أو رسولاً، كما أعلم الخضر عن أشياء كما في سورة الكهف، لكن أن يعلم الإنسان علم القدر، ويحيط بما أراد الله فليس للإنسان ذلك. وقال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]. إذاً: لك مشيئة، ولن تغلب مشيئتك مشيئة الله ، فمشيئة الله محيطة بكل شيء سبحانه، وهو الذي شاء أن يكون لك مشيئة، وأن يكون لك إرادة، وجعل لك اختياراً، وبين لك أن هذا خير وهذا شر، فابتعد عن الشر، وخذ الخير. إن الله هو الذي أعلمك ذلك، وعلم الله علماً سابقاً أنك ستترك هذا وتأخذ هذا، وكتب عنده أنك تكون من أهل النار أو من أهل الجنة، ولكن لم يطلعك على هذا الشيء، إنما أمرك أن تعمل وتختار ما شئت، وسيحاسبك سبحانه على اختيارك؛ ولذلك يوم القيامة يقول الله سبحانه لأهل النار: ادخلوا النار جزاء بما كنتم تعملون، ولا يقول: أنا قدرت ذلك، أو علمت أنكم ستكونون من أصحاب النار فادخلوها. ولذلك عندما يتحاج الضعفاء مع المستكبرين وهم بين يدي رب العالمين، يقول الضعفاء: ﴿هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، ولا يقولون: يا رب أنت كتبت علينا الضلال. فيقول الله : ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، وما الذي جعلكم تتبعونهم؟ ألم يكن عندكم عقول تفكرون بها؟ ألم يكن بين يديكم كتاب رب العالمين؟ وكان عندكم رسل رب العالمين يدعونكم إلى الله؟ إذاً: أمر القضاء والقدر سر من أسرار الله سبحانه، أمرنا أن نؤمن به، وأمرنا أن نؤمن أنه خالق كل شيء، خلق العباد وأفعالهم، وأنه له مشيئة عامة يحيط بكل شيء، وجعل لعباده مشيئة يختارون بها، وعلم الله من عباده من يستحق النار وهو مخلوق لها، ومن يستحق الجنة فهو من أهلها، وأمرنا بالإيمان بذلك. إذاً: الله كتب عنده أن هؤلاء في النار، فلن يهتدوا أبداً، وما كتبه الله لن يبدل، يدخلون النار بأعمالهم، وباكتسابهم، وقد علم الله وشاء ذلك . قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧]، أي: مكتوبون عند الله من أهل الشقاوة وفي حديث النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذاً: الكتاب الذي عند الله سبحانه لم يطلعنا الله عليه، بل جعل ذلك غيباً عنده، وقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، ولما سألوا النبي ﷺ عن ذلك، لم يناقشهم النبي ﷺ في القضاء والقدر؛ لأنه ليس محل مناقشة، إنما القضاء والقدر محل إيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، فالله غيب، والجنة غيب، والنار غيب، والساعة غيب، والقضاء والقدر غيب. فأمرنا النبي ﷺ أن نؤمن بذلك، فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فليس المطلوب منكم المناقشة في أمر القضاء والقدر، إنما المطلوب أن تؤمنوا به، فالإنسان يقول: قدر الله وما شاء فعل، ثم يعمل، ويجد نفسه مختاراً للشيء الذي يريده، ولا أحد يجبره على أن يمد يده على شيء فيأخذه أو يجبره أن يتركه؛ لأنه في كامل قدرته يستشعر أنه قادر على هذا الشيء. وهنا يكون التكليف، وهنا يسألك الله لماذا أخذت؟ ولماذا تركت؟ لأنك قادر على العمل.

стр. 2313

تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً)

стр. 2314

سبب نزول قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨] جاء في سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل بن هشام ورجلين من بني مخزوم تواصوا فيما بينهم أنهم إذا رأوا النبي ﷺ وهو يصلي ويسجد عند الكعبة أن يأخذ أحدهم حجراً ويرضخ به رأسه ﷺ . فلما قام النبي ﷺ ليصلي إذا بـ أبي جهل لعنة الله عليه يأخذ حجراً ويجري إلى النبي ﷺ ليبر بقسمه، فلما وصل فزع ورجع خاشعاً ذليلاً لعنة الله عليه وعلى أمثاله، إذ غلت يده إلى عنقه بالحجر الذي معه ورجع فزعاً إلى قومه. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتى النبي ﷺ وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوت النبي ﷺ ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم ير أصحابه، فلما نادوه رآهم وقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته. فإذا بالثالث يقول: والله لأشدخن رأسه، فلما انطلق وأخذ الحجر فإذا به يرجع القهقرى، ونكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا بفحل يخطر بذنبه، ما رأيت فحلاً قط أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فنزلت هذه الآية تبين شيئاً مما يصنعه الله بهم في الدنيا، وما يصنعه بهم في الآخرة أشد وأعظم من ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أي: أرادوا رمي النبي ﷺ بالحجر فقيدت أيديهم إلى رقابهم ولم يقدروا على ذلك. وهذه من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم أراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي ﷺ ، ولكن الله يثبته ويزعزعهم فيخافون، فهذا أبو جهل لعنة الله عليه يأخذ شيئاً من رجل ولا يعطيه الثمن، فأراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي ﷺ ، فقال رجل منهم: اذهب إلى محمد فإنه سيأتي لك بحقك من أبي جهل. ومعلوم أن النبي ﷺ في مكة هو ومن معه من المؤمنين كانوا في حالة ضعف، فكيف سيأتي لهذا الرجل بحقه من فرعون هذه الأمة؟ ومع هذا يذهب الرجل إلى بيت النبي ﷺ ويطرق عليه بابه ويطلب من النبي ﷺ أن يأخذ له حقه من أبي جهل. ويخرج النبي ﷺ مع المظلوم لينصره صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو كان مستضعفاً في مكة والكفار ينظرون، فخرجوا وراء النبي ﷺ يتغامزون، ويضحكون، ووصل النبي ﷺ بالرجل إلى بيت أبي جهل وطرق بابه، فخرج أبو جهل، فقال النبي ﷺ : أعط الرجل حقه، فإذا به يرعب من النبي ﷺ ويقول: نعم يا أبا القاسم، ويرجع خاشعاً ذليلاً، ويأتي بالمال ويدفع للرجل حقه. أرادوا أن يسخروا من النبي ﷺ فيرد الله كيدهم في نحورهم! فلما انصرف النبي ﷺ قالوا: يا أبا الحكم ويحك! ما الذي صنعت؟ قال: والله لقد رأيت فحلاً من الإبل أمامي فاغراً فاه، ولو لم أقل له: نعم لأكلني. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهؤلاء الكفار يرون تأييد الله لنبيه بالمعجزات، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].

стр. 2315

معنى جعل الأغلال في أعناق الكفار قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]. إن من جمال القرآن في تعبيراته وبلاغته، احتماله للمعاني الكثيرة التي تكون كلها صحيحة، فيكون الاختلاف اختلاف تنوع، فالله سبحانه يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا﴾ [يس:٨]، إما أن يكون يوم القيامة وهم يحاسبون، أو وهم في النار، أو وهم في الدنيا جعل في أعناقهم ذلك دليلاً على المنع والحجز عن شيء أرادوه، فكل هذه المعاني صحيحة. والقيد: الرباط الذي يوثق به الإنسان، سواء كان من حديد أو من غيره، توضع في رجله سلسلة يقيد بها في الأرض. والغل: السلسلة التي تجمع يدي الإنسان إلى عنقه، فتكون اليدان مربوطتين إلى العنق في سلسلة، والرأس مرفوع إلى فوق، والذل عليه فنظره أسفل، فهو مقمح ذليل لا يقدر أن يحرك رأسه، قال تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]؛ بسبب هذا الوضع الذي يكونون عليه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٢٦ - ٧٢]، هذا حالهم يوم القيامة. ولذلك إذا رأى الإنسان في منامه الغل فإن ذلك يعني شيئاً سيئاً، وإذا رأى القيد في منامه كان شيئاً حسناً، فالقيد ثبات على الدين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ﴾ [يس:٨]، يعني: أيديهم مغلولة تحت أذقانهم، مربوطة بسلاسل في أعناقهم. وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أي: أن الوضع ضيق عليه، فلا يقدر أن يوطئ رأسه فيستريح؛ لأن رأسه مرفوعاً، وعينيه ذليلتان تنظران إلى أسفل. فالإقماح: رفع الرأس وغض البصر، ورفع الرأس هنا ليس من عزته؛ لأنه مجبر على ذلك. والمعنى الآخر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أن هذا تمثيل، لما جعلهم الله في الدنيا كمثل هؤلاء الذين رءوسهم مرفوعة، وأبصارهم خاشعة ذليلة، لا يقدرون على النظر، ولا يقدرون على شيء.
следующие страницы →