← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.

стр. 2311

أول رسول إلى العرب من عهد إسماعيل هو محمد ﷺ الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٦ - ١٢]. سورة يس من السور المكية التي تتميز بالخصائص المكية، فهي تركز على أمر العقيدة، وتوحيد الله سبحانه، وضرب الأمثلة للناس، وذكر الأمم السابقة كيف كذبوا، وكيف أهلكهم الله ، وعلى صفات الله سبحانه، وأسمائه الحسنى. كذلك إخبار النبي ﷺ بأنه رسول إلى الخلق، وأن الذين من قبله كذبوا فليس بجديد أن يكذبه الناس، أو أن يعرضوا عنه صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس:٣ - ٤]، أي على نفس الطريق الذي كان عليه الرسل قبل ذلك، وهو صراط الله القويم. وهذا القرآن نزل من عند رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٥ - ٦]، والإنذار: التخويف بالتهديد من عقوبة الله . وقوله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ [يس:٦]، يعني: لم يكن لآبائهم السابقين رسول من قبلك، وهم الآباء الأقدمون من أيام إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، فهم لم يأتهم رسول، لكن عندهم بقية من آثار دين إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. ولكن هؤلاء غافلون عن ما نزل من عند رب العالمين سبحانه، وإن كانوا عرفوا أن المسيح أرسل وكذبه قومه، وأن موسى أرسل وكذبه قومه، ولكن كان كل نبي يرسل إلى قومه خاصة، ونبينا صلوات الله وسلامه عليه من خصائصه: أنه فضل على الأنبياء؛ لأنه أرسل إلى الخلق عامة صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2312

تفسير قوله تعالى: (لقد حق القول على أكثرهم) قال الله سبحانه: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ [يس:٧]، يعني: على أكثر هؤلاء الكفار حقت كلمة العذاب؛ لأنهم لا يؤمنون، ولا يدخلون في دين الله فيستحقون العقوبة. والله سبحانه خلق العباد منهم كافر ومنهم مؤمن، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢]، العباد مخلوقون وقد علم الله أن فريقاً منهم إلى الجنة، وفريقاً منهم إلى السعير. والله كتب عنده مقادير كل شيء، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩]، وأعطى العباد في هذه الدنيا عقولاً يفكرون بها، فعقل الإنسان يميز بين الجيد والرديء، وبين الطيب والخبيث، وبين الكفر والإيمان. والإنسان يكتسب الشيء، ويكتسب الحسنة والسيئة، ولكن في النهاية: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]، فالله يقدر ما يشاء، وبعلمه وبحكمته سبحانه وبقدرته يكون كل شيء على ما يريده . فأخبر سبحانه أن هؤلاء سيكون الأغلبية منهم كفاراً يستحقون عقوبته وهذا قضاء الله وقدره سبحانه، ولا حجة لهذا الإنسان إن دخل النار؛ لأنه حينما يكتسب المعصية يستشعر في نفسه أنه قادر على الفعل، وقادر على الترك، فهو يملك القدرة والاختيار، لكنه لا يشاء شيئاً إلا وقد شاءه الله . ولذلك القضاء والقدر سر الله في خلقه، وقد أمرنا أن نؤمن به، ولم يطلب منا مناقشته وفهم كل شيء فيه؛ لأنها من أمور الإيمان، ومن أمور الغيب التي رتبها الله . فلابد أن تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه لا يحدث شيء في خلقه إلا بعلمه وحكمه وحكمته . إذاً: أمر القضاء والقدر أصل من أصول الإيمان، فالإيمان كما قال النبي ﷺ في حديث جبريل: (أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره). إذاً: القدر غيب، ولا يطلع الله أحداً على قدره، إلا أن يكون ملكاً من الملائكة اختصه الله بشيء، أو يكون نبياً أو رسولاً، كما أعلم الخضر عن أشياء كما في سورة الكهف، لكن أن يعلم الإنسان علم القدر، ويحيط بما أراد الله فليس للإنسان ذلك. وقال الله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩]. إذاً: لك مشيئة، ولن تغلب مشيئتك مشيئة الله ، فمشيئة الله محيطة بكل شيء سبحانه، وهو الذي شاء أن يكون لك مشيئة، وأن يكون لك إرادة، وجعل لك اختياراً، وبين لك أن هذا خير وهذا شر، فابتعد عن الشر، وخذ الخير. إن الله هو الذي أعلمك ذلك، وعلم الله علماً سابقاً أنك ستترك هذا وتأخذ هذا، وكتب عنده أنك تكون من أهل النار أو من أهل الجنة، ولكن لم يطلعك على هذا الشيء، إنما أمرك أن تعمل وتختار ما شئت، وسيحاسبك سبحانه على اختيارك؛ ولذلك يوم القيامة يقول الله سبحانه لأهل النار: ادخلوا النار جزاء بما كنتم تعملون، ولا يقول: أنا قدرت ذلك، أو علمت أنكم ستكونون من أصحاب النار فادخلوها. ولذلك عندما يتحاج الضعفاء مع المستكبرين وهم بين يدي رب العالمين، يقول الضعفاء: ﴿هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، ولا يقولون: يا رب أنت كتبت علينا الضلال. فيقول الله : ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، وما الذي جعلكم تتبعونهم؟ ألم يكن عندكم عقول تفكرون بها؟ ألم يكن بين يديكم كتاب رب العالمين؟ وكان عندكم رسل رب العالمين يدعونكم إلى الله؟ إذاً: أمر القضاء والقدر سر من أسرار الله سبحانه، أمرنا أن نؤمن به، وأمرنا أن نؤمن أنه خالق كل شيء، خلق العباد وأفعالهم، وأنه له مشيئة عامة يحيط بكل شيء، وجعل لعباده مشيئة يختارون بها، وعلم الله من عباده من يستحق النار وهو مخلوق لها، ومن يستحق الجنة فهو من أهلها، وأمرنا بالإيمان بذلك. إذاً: الله كتب عنده أن هؤلاء في النار، فلن يهتدوا أبداً، وما كتبه الله لن يبدل، يدخلون النار بأعمالهم، وباكتسابهم، وقد علم الله وشاء ذلك . قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧]، أي: مكتوبون عند الله من أهل الشقاوة وفي حديث النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها). إذاً: الكتاب الذي عند الله سبحانه لم يطلعنا الله عليه، بل جعل ذلك غيباً عنده، وقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، ولما سألوا النبي ﷺ عن ذلك، لم يناقشهم النبي ﷺ في القضاء والقدر؛ لأنه ليس محل مناقشة، إنما القضاء والقدر محل إيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، فالله غيب، والجنة غيب، والنار غيب، والساعة غيب، والقضاء والقدر غيب. فأمرنا النبي ﷺ أن نؤمن بذلك، فقال: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، فليس المطلوب منكم المناقشة في أمر القضاء والقدر، إنما المطلوب أن تؤمنوا به، فالإنسان يقول: قدر الله وما شاء فعل، ثم يعمل، ويجد نفسه مختاراً للشيء الذي يريده، ولا أحد يجبره على أن يمد يده على شيء فيأخذه أو يجبره أن يتركه؛ لأنه في كامل قدرته يستشعر أنه قادر على هذا الشيء. وهنا يكون التكليف، وهنا يسألك الله لماذا أخذت؟ ولماذا تركت؟ لأنك قادر على العمل.

стр. 2313

تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً)

стр. 2314

سبب نزول قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨] جاء في سبب نزول هذه الآية أن أبا جهل بن هشام ورجلين من بني مخزوم تواصوا فيما بينهم أنهم إذا رأوا النبي ﷺ وهو يصلي ويسجد عند الكعبة أن يأخذ أحدهم حجراً ويرضخ به رأسه ﷺ . فلما قام النبي ﷺ ليصلي إذا بـ أبي جهل لعنة الله عليه يأخذ حجراً ويجري إلى النبي ﷺ ليبر بقسمه، فلما وصل فزع ورجع خاشعاً ذليلاً لعنة الله عليه وعلى أمثاله، إذ غلت يده إلى عنقه بالحجر الذي معه ورجع فزعاً إلى قومه. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أرضخ رأسه، فأتى النبي ﷺ وهو يصلي على حالته ليرميه بالحجر، فأعمى الله بصره، فجعل يسمع صوت النبي ﷺ ولا يراه، فرجع إلى أصحابه فلم ير أصحابه، فلما نادوه رآهم وقال: والله ما رأيته، ولقد سمعت صوته. فإذا بالثالث يقول: والله لأشدخن رأسه، فلما انطلق وأخذ الحجر فإذا به يرجع القهقرى، ونكص على عقبيه حتى خر على قفاه مغشياً عليه، فقيل له: ما شأنك؟ قال: شأني عظيم، رأيت الرجل فلما دنوت منه فإذا بفحل يخطر بذنبه، ما رأيت فحلاً قط أعظم منه حال بيني وبينه، فواللات والعزى لو دنوت منه لأكلني. فنزلت هذه الآية تبين شيئاً مما يصنعه الله بهم في الدنيا، وما يصنعه بهم في الآخرة أشد وأعظم من ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أي: أرادوا رمي النبي ﷺ بالحجر فقيدت أيديهم إلى رقابهم ولم يقدروا على ذلك. وهذه من معجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكم أراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي ﷺ ، ولكن الله يثبته ويزعزعهم فيخافون، فهذا أبو جهل لعنة الله عليه يأخذ شيئاً من رجل ولا يعطيه الثمن، فأراد الكفار أن يستهينوا ويستهزئوا بالنبي ﷺ ، فقال رجل منهم: اذهب إلى محمد فإنه سيأتي لك بحقك من أبي جهل. ومعلوم أن النبي ﷺ في مكة هو ومن معه من المؤمنين كانوا في حالة ضعف، فكيف سيأتي لهذا الرجل بحقه من فرعون هذه الأمة؟ ومع هذا يذهب الرجل إلى بيت النبي ﷺ ويطرق عليه بابه ويطلب من النبي ﷺ أن يأخذ له حقه من أبي جهل. ويخرج النبي ﷺ مع المظلوم لينصره صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو كان مستضعفاً في مكة والكفار ينظرون، فخرجوا وراء النبي ﷺ يتغامزون، ويضحكون، ووصل النبي ﷺ بالرجل إلى بيت أبي جهل وطرق بابه، فخرج أبو جهل، فقال النبي ﷺ : أعط الرجل حقه، فإذا به يرعب من النبي ﷺ ويقول: نعم يا أبا القاسم، ويرجع خاشعاً ذليلاً، ويأتي بالمال ويدفع للرجل حقه. أرادوا أن يسخروا من النبي ﷺ فيرد الله كيدهم في نحورهم! فلما انصرف النبي ﷺ قالوا: يا أبا الحكم ويحك! ما الذي صنعت؟ قال: والله لقد رأيت فحلاً من الإبل أمامي فاغراً فاه، ولو لم أقل له: نعم لأكلني. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فهؤلاء الكفار يرون تأييد الله لنبيه بالمعجزات، ومع ذلك لم يؤمن منهم إلا القليل، قال تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:٧].

стр. 2315

معنى جعل الأغلال في أعناق الكفار قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]. إن من جمال القرآن في تعبيراته وبلاغته، احتماله للمعاني الكثيرة التي تكون كلها صحيحة، فيكون الاختلاف اختلاف تنوع، فالله سبحانه يقول: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا﴾ [يس:٨]، إما أن يكون يوم القيامة وهم يحاسبون، أو وهم في النار، أو وهم في الدنيا جعل في أعناقهم ذلك دليلاً على المنع والحجز عن شيء أرادوه، فكل هذه المعاني صحيحة. والقيد: الرباط الذي يوثق به الإنسان، سواء كان من حديد أو من غيره، توضع في رجله سلسلة يقيد بها في الأرض. والغل: السلسلة التي تجمع يدي الإنسان إلى عنقه، فتكون اليدان مربوطتين إلى العنق في سلسلة، والرأس مرفوع إلى فوق، والذل عليه فنظره أسفل، فهو مقمح ذليل لا يقدر أن يحرك رأسه، قال تعالى: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]؛ بسبب هذا الوضع الذي يكونون عليه يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٢٦ - ٧٢]، هذا حالهم يوم القيامة. ولذلك إذا رأى الإنسان في منامه الغل فإن ذلك يعني شيئاً سيئاً، وإذا رأى القيد في منامه كان شيئاً حسناً، فالقيد ثبات على الدين. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ﴾ [يس:٨]، يعني: أيديهم مغلولة تحت أذقانهم، مربوطة بسلاسل في أعناقهم. وقوله: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أي: أن الوضع ضيق عليه، فلا يقدر أن يوطئ رأسه فيستريح؛ لأن رأسه مرفوعاً، وعينيه ذليلتان تنظران إلى أسفل. فالإقماح: رفع الرأس وغض البصر، ورفع الرأس هنا ليس من عزته؛ لأنه مجبر على ذلك. والمعنى الآخر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، أن هذا تمثيل، لما جعلهم الله في الدنيا كمثل هؤلاء الذين رءوسهم مرفوعة، وأبصارهم خاشعة ذليلة، لا يقدرون على النظر، ولا يقدرون على شيء.

стр. 2316

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا من بين أيديهم سداً) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]. في الآخرة أعماهم الله في النار، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢]، أي: سود الوجوه زرق العيون، كأقبح ما يكون الإنسان على هيئة، يحشرون في النار وقد غلت أيديهم إلى أعناقهم، وقد كلحت وجوههم، وتقلصت شفاههم إلى أعينهم وإلى صدورهم من نار الجحيم والعياذ بالله، وجعل الله سداً أمامهم وسداً خلفهم، فهم عمي لا يرون شيئاً. وكذلك صنع بهؤلاء الكفار في الدنيا، لم يروا النبي ﷺ ولم يبصروه، وتكرر ذلك حين خرج مهاجراً إلى المدينة، ومر على الكفار وقد جمعوا له أربعين رجلاً، كل منهم شاب قوي من قبيلة يحمل سيفاً، فأرادوا قتل النبي ﷺ بضربة رجل واحد. وخرج النبي ﷺ بأمر الله ، وأخذ تراباً من الأرض وألقاه على رءوس الجميع فأعماهم الله فلم يروا النبي ﷺ وهو يمر من أمامهم حتى خرج صلوات الله وسلامه عليه. وكذلك في يوم حنين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:٢٥]، وإذا بالمسلمين يفرون من الكفار، ولم يبق سوى النبي ﷺ ومعه سبعون من آل بيته وأصحابه، وينزل النبي ﷺ للكفار ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، يقول ذلك في موطن يفر منه الأبطال. ففي الحديث: (ثم يأخذ من الأرض تراباً ويلقيه عليهم ويقول: شاهت الوجوه)، فأعمى الله الكفار، ولم يرجع المسلمون إلى النبي ﷺ حتى بدأ هؤلاء السبعون في أسر الكفار، فر تسعة آلاف وتسعمائة وثلاثون ممن كان مع النبي ﷺ ، وممن فر ألفان من مسلمة الفتح، ولم يبق إلا سبعون مع النبي ﷺ وهو يواجه هوازن وغطفان وعددهم عشرة آلاف، يواجههم بسبعين وتراب من الأرض يأخذه ويلقيه على وجوههم، وهو يقول: (شاهت الوجوه) فيعميهم الله سبحانه، ويأسرهم النبي ﷺ ومن معه، ولا يرجع المسلمون حتى تكون الدائرة على هؤلاء الكفار. فالله جعل من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً فأغشاهم فلم يبصروا، فنصر نبيه صلوات الله وسلامه عليه في مواطن كما سمعنا. أما يوم القيامة فالله يحشرهم عمياً في النار والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٥ - ١٢٦]. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٩]، في رواية لهذا الأثر: أن أبا جهل ومعه عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف كانوا يرصدون النبي ﷺ ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم النبي ﷺ وهو يقرأ هذه السورة ومعه تراب، وقرأ الآية: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، فأطرقوا جميعاً حتى مر النبي ﷺ ولم يقدروا له على شيء. ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا﴾ [يس:٩]، هذه قراءة حفص عن عاصم. وقراءة حمزة، والكسائي، وخلف، وباقي القراء: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سُدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سُدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، والمعنى واحد يقال: هذا سَد، وهذا سُد، كأنه يسد المكان بين الاثنين. وقوله تعالى: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٩]، أي: ما يغشى الإنسان، وهو شيء يجعل غشاوة على بصره فلا يرى، والغشى قريب من ذلك، مأخوذ من العشاوة على العين، والغشاوة بالغين: لا يبصر أو لا يرى، والأعشى هو الذي لا يبصر في وقت دون وقت آخر.

стр. 2317

قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) وقوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [يس:١٠]. أي: على هؤلاء الكفار. وقوله تعالى: ﴿أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠]. أي: سواء أنك أنذرتهم أم لم تنذرهم قد علم الله ما في قلوبهم، وعلم الله أنه خلقهم للعذاب، فاستحقوا عذاب رب العالمين سبحانه، فلم يؤمنوا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، ومن هؤلاء أبو جهل، وأبو لهب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه. وهؤلاء الكفار علموا ذلك، ومن أعجب ما يكون علم الكافر وكيده للنبي ﷺ ، ومع ذلك لو فكر في شيء وعلمه لكانت النتيجة: (لا يُؤْمِنُونَ). وقد قال الله سبحانه عن أبي لهب: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾ [المسد:١ - ٣]، إذاً: أبو لهب سيموت كافراً؛ لأنه سيصلى ناراً ذات لهب، فهذا أبو لهب كم كاد للنبي ﷺ ، وكلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يقلها. لذلك قال الله سبحانه: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠]، إذاً: رءوس الكفار هؤلاء لن يؤمنوا كما قال الله .

стр. 2318

تفسير قوله تعالى: (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب) قال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]. أي: أن الذي ينتفع بالموعظة هو ذلك الإنسان المتواضع للرب ، والذي يقبل كلام رب العالمين، ويعمر قلبه بما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقوله تعالى: (مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ)، الذكر: ما ذكرته به، وما نزل من عند الله سبحانه. وقوله: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)، أي: المؤمن يخاف من ربه، والتعبير القرآني تعبير قوي، فمن المعتاد أن يقال: ويخشى الله شديد العقاب . لكن الله قال: (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ)؛ لأنهم مؤمنون، فالله لا يقنطهم من رحمته، أي: أنتم تخافون من الرحمن فلكم عند الرحمن الرحمة العظيمة الواسعة. وقوله تعالى: (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أي: فبشر هؤلاء بالمغفرة من الله ، وبشرهم بالأجر الكريم وهو الجنة العالية الغالية، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 2319

ما يستفاد من قول الله سبحانه: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم) في قضية الإيمان بالقدر إذاً: قوله سبحانه: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠]، من مقاصده: أن الله قضى عنده أن هؤلاء: (لا يُؤْمِنُونَ)، ولا يتغير قضاء الله وقدره، فلابد أن نؤمن بقضاء الله وقدره، فهو علم أن هذا الإنسان يستحق العذاب فجعله من أهل عذابه، وأن هذا الإنسان يستحق الرحمة فجعله من أهل رحمته سبحانه. وبعض الناس دخلوا في أمر القدر بعقولهم فإذا بهم ينكرون القدر، والبعض الآخر ألزموا أنفسهم به، فسمي هؤلاء الذين ينكرون القدر بالقدرية، وسمي هؤلاء بالجبرية، يقولون: نحن مجبرون، وإذا كنا مجبرين مسيرين فلماذا يعذبنا الله؟ وقال أحد شعرائهم: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء إن هؤلاء لم يفهموا قضاء الله وقدره على ما أراد الله أن يعلمه عباده. قلنا: إن القضاء والقدر من أمور الغيب، فلابد أن تؤمن بالقضاء والقدر، وتؤمن بأن الله له المشيئة النافذة في كل شيء، وتؤمن أن الله أعطاك مشيئة بها تختار، وأنزل الكتاب، وأرسل الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فتكليفك حين عرفت من القرآن، وعرفت من السنة، وكذلك أعطاك الله العقل الذي تفكر به، وأعطاك الإرادة لتختار وتكتسب. فعليك أن تقول: إن الله سبحانه جعل لي اختياراً، ولا أشاء شيئاً لم يشأه الله سبحانه، وما أشاؤه قد علمه الله قبل ذلك وشاءه، وكل ما يكون في كون الله قد أراده وشاءه سبحانه، ولا شيء في كونه يكون عنوة وقهراً عليه، حاشا له . إذاً: شعورك هذا محل اختيارك، ومحل كسبك، ومحل تكليفك، وجزاؤك عند الله سبحانه، فلا تقول: إن الله سبحانه هو الذي قدر علي هذا الذنب؛ لأنك عندما تفعل الذنب تستشعر أنك تختاره وتفعل هذا الشيء، فيحاسبك الله على ما اخترته. والقدرية ينفون القدر ويقولون: لا مشيئة لله، المشيئة مشيئتنا نحن، ونحن نخلق أفعالنا ونفعل هذه الأشياء، ومن هؤلاء رجل يقال له: غيلان القدري، سمع به عمر بن عبد العزيز ﵁ فأرسل إليه وأتى به، وقال: يا غيلان بلغني أنك تتكلم في القدر! وعمر بن عبد العزيز هو أحد العلماء، ويقول عنه ابن شهاب الزهري: ما استصغرت نفسي عند أحد من العلماء إلا عند عمر بن عبد العزيز ﵁. فلما أتي عمر بهذا الإنسان وقال له: بلغني أنك تتكلم في القدر، يعني: تنفي القدر، فقال: يكذبون علي يا أمير المؤمنين، ثم سكت قليلاً، لكن صاحب البدعة لا يريد إلا أن يظهر بدعته، فقال: يا أمير المؤمنين! أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان:٢ - ٣]، قال: أي: دللناه على الطريق، فالله دلنا فقط، لكن الإنسان يكون إما شاكراً وإما كفوراً، يقول ذلك إشارة منه أن الإنسان هو الذي يفعل الشيء، وأن الله لا دخل له بهذا الشيء. فلما قال ذلك قال له عمر بن عبد العزيز ﵁: اقرأ يا غيلان فيها، فقرأ حتى انتهى إلى قول الله ، ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان:٢٩]. وفي هذا إثبات مشيئة للعبد، ثم قال: اقرأ يا غيلان فقرأ وقال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فلما قرأها قال: والله يا أمير المؤمنين ما شعرت أن هذا في كتاب الله قط. فأهل البدع يطمس الله على عقولهم، وعلى أبصارهم، فيرى صاحب البدعة الشيء الذي يسول له عقله وتفكيره وبدعته فقط، ولا يرى غيره، فهو أعمى عن حجة الغير، لا يرى إلا ما يقول، فهو لما وصل لآخر السورة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، عرف أنه كاذب فيما يدعيه، فقال: ما علمت بذلك إلا الآن، كأنه ما قرأها قبل ذلك. فقال له: يا غيلان، اقرأ أول سورة يس، فقرأ حتى بلغ قول الله : ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس:١٠]، فقال غيلان: والله يا أمير المؤمنين لكأني لم أقرأها قبل اليوم. ثم قال: اشهد يا أمير المؤمنين أني تائب، يعني: تائب عن القول بعدم القدر. فقال عمر: اللهم إن كان صادقاً فتب عليه وثبته، وإن كان كاذباً فسلط عليه ما لا يرحمه، واجعله آية للمؤمنين. وغيلان كذب على عمر بن عبد العزيز في قوله إني تائب، فإنه لم يتب، ولكن لما غلبه عمر في الحجة ولم يستطع أن يتكلم أخبر بأنه تائب. وتمر الأيام ويكون الخليفة هشام بن عبد الملك، وغيلان ما زال على بدعته، فأخذه هشام فقطع يديه ورجليه وصلبه، قال ابن عون: لقد رأيت غيلان مصلوباً على باب دمشق، فقلت: ما شأنك يا غيلان؟ قال: أصابتني دعوة الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه. فهذا الإنسان ابتدع ونفى قضاء الله وقدره ، وقد جاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه الطبراني وهو حديث حسنه الشيخ الألباني وفيه: قال النبي ﷺ : (القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم). فالذين يكذبون بالقدر جعلهم مجوس هذه الأمة؛ لأن المجوس يؤمنون بالنور والظلام، بأن النور خالق وفاعل، والظلام خالق وفاعل، فينسبون كل خير إلى النور، ويقولون: النور هو الذي خلق الخير، وينسبون كل شر إلى الظلمة، ويقولون الظلمة هي التي خلقت هذا الشر. فكذلك القدرية ينسبون الأفعال إلى أنفسهم يقولون: نحن الذين نكسبها، ونحن الذين نعملها، والله ليس له دخل في شيء، ولا يعلم هذا الشيء، وليس له تقدير في ذلك. والله يقول لعباده: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]، فالله خالق كل شيء . وكل شيء في هذا الكون خلقه الله ، خلق المؤمن وهو خير، وخلق الكافر وهو شر، ولكن كل خلق له فيه حكمة، فبحكمته أوجد المؤمن، وأوجد الكافر وأوجد الخير، وأوجد غيره. فالله على كل شيء قدير، وهنا في هذه الآية يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ [يس:١١]، أي: اتبع هذا القرآن الحكيم، واتبع سنة النبي ﷺ . وقال تعالى: ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:١١]، وهذا الذي ينفعه عمله أنه يخاف الله، والله غيب. أما الذي يخاف الله حين يرى الله فهذا لا ينفعه إيمانه؛ لأنه انتهى دار التكليف وهي الدنيا، فالإنسان المؤمن الذي خشي الرحمن بالغيب، وعمل صالحاً، واتبع الذكر، بشره ربه سبحانه بالمغفرة والأجر الكريم. نسأل الله مغفرته وأجره الكريم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2320

تفسير سورة يس [١٢ - ٢٧] يذكر الله في سورة يس بعض مظاهر قدرته العظيمة من إحياء الموتى، وكتابة ما يعمله الإنسان من أعمال في الحياة الدنيا سواء كانت حسنة أم سيئة، ويذكر الله قصة أصحاب القرية الذين أرسل إليهم رسلاً يدعونهم إلى توحيد الله وعبادته، فكذبوهم وتوعدوهم بالعذاب إن لم يكفوا عن ذلك، فجاء رجل منهم ينصر رسل الله ويدعو قومه فغضب منه قومه فقتلوه فمات شهيداً.

стр. 2321

تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم)

стр. 2322

الذي بدأ الخلق قادر على إحياء الموتى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ * وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٢ - ١٩]. يخبرنا الله ﵎ في هذه الآيات: أنه سبحانه بقدرته العظيمة يحيي الموتى، ويكتب ما قدم الإنسان وما أخر بعده، وما ترك من آثار، وكل شيء قد أحصاه الله في كتاب عنده، ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]. ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، كان الكفار يعترضون على النبي ﷺ أن دعاهم إلى عبادة الله الذي يحيي ويميت، فقالوا: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥] ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون:٨٢] فقال الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [يس:١٢] ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم:١١] بدأ الخلق من عدم، أليس الذي بدأه من عدم قادراً على أن يعيده مرة ثانية بعد أن يفنى؟ ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. ((إِنَّا نَحْنُ)) عبر هنا سبحانه ﵎ بنون العظمة لبيان عظيم فعله، وأنه الله الخالق العظيم الذي يحيي الموتى بقدرته سبحانه، وبغير حاجة إلى أحد من عباده، ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، يحيي الموتى ويبعثهم يوم القيامة للجزاء والحساب.

стр. 2323

كتابة الآثار الحسنة والسيئة قال الله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]. ما يقدمه الإنسان هو ما يفعله الآن، وأثره هو ما يتركه بعد وفاته، فيظل موجوداً باقياً، كالوقف الذي يحبسه، كمبنى يبنيه ويجعله مسجداً لله ، هذا أثر للإنسان بعد ما يموت، حيث يظل الناس يصلون في هذا المكان، فيكون هذا أثراً من آثار هذا الإنسان يكتبه الله ، فآثار المرء تبقى وتذكر بعده بخير أو بشر، ولو سن للناس سنة شر لكانت بعده في الناس يذكرونه بها. من آثار الخير الحسنة التي يتركها الإنسان بعد وفاته: العلم الذي يعلمه، أو النهر الذي يجريه، أو البئر يحفرها للناس، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو مسجداً بناه، أو مصحفاً ورثه، أو ترك أولاداً صالحين يدعون له، كل هذا مما يكون أثراً لهذا الإنسان ينتفع به بعد وفاته. أما الإنسان الذي يسن للناس سنة شر، فيصنع للناس أشياء فيقلده الناس عليها، كإنسان ظلم نوعاً من الظلم وسنه للناس، فصار عليه الناس بعده يسنون هذا الظلم ويتبعونه ويقلدونه، كفرضه على الناس أشياء لم ينزل الله بها من سلطان، فيأخذ بها الناس، أو يضرب الناس على أشياء لم يؤمر بها لا في كتاب الله، ولا في سنة النبي ﷺ ، فهذا مما يتركه الإنسان ويسنه ويقلده من يليه بعد ذلك، فيأخذ من الناس أموالاً بغير حق، فيقلده الناس في ذلك، فهذا من المظالم. ولذلك يذكر العلماء من ذلك وظيفة وظفها بعض الظلمة على المسلمين، فقلده الناس في ذلك، ثم مات هذا الذي صنع هذه الوظيفة للناس، وجاء من بعده وعملها ومشى عليها، فكانت مظالم من سنها يأخذ أوزار الباقين من غير ما ينقص من أوزارهم شيء. كذلك لو أن إنساناً أحدث للناس بدعة من البدع فاتبعه الناس عليها، كمن أحدث للناس أنواعاً من الكهانة والعرافة وعلم النجوم والسحر والأبراج وغيره، ومات هذا وجاء من بعده يصنع ذلك، فهذا أثر سيئ، ولا يزال عليه اسمه ما وجد العمل بين الناس كما قال الله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]، وهذا نوع من أنواع الآثار.

стр. 2324

كتابة آثار خطوات العباد إلى المساجد كذلك من أثر الإنسان آثار مشيه، كما جاء عن جابر في صحيح مسلم عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أن بني سلمة كانت بيوتهم بعيدة عن مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وخلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد؛ لأن ديارهم بعيدة، وكانوا يحضرون مع النبي ﷺ جميع الصلوات، فأحبوا أن ينتقلوا قرب المسجد ليهون الأمر عليهم، فقال النبي ﷺ : (يا بني سلمة! دياركم تكتب آثاركم)، يعني: الزموا دياركم، وتكتب آثاركم، والآثار هي الخطوات التي تمشونها إلى بيت الله ، فهي تعد لكم وتؤجرون عليها. روى هذا الحديث الإمام أحمد بلفظ آخر من رواية جابر بن عبد الله ﵄ قال: هممنا أن ننتقل من دورنا لقرب المسجد، فزجرنا رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال: (لا تعروا المدينة)، يعني: أطراف المدينة يكون سكانها من أصحاب النبي ﷺ أفضل من أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، وتبقى أطراف المدينة للمنافقين، ويجيء الكفار من هذه الأماكن، قال: (لا تعروا المدينة)، لا تتركوا أطراف المدينة عارية بحيث يقدم علينا أي أحد ولا ندري ما الذي يحدث فيها. قال ﷺ : (لا تعروا المدينة، فإن لكم فضيلة على من عند المسجد بكل خطوة درجة).

стр. 2325

كتابة آثار المكث في المسجد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (صلاة أحدكم في جماعة تزيد على صلاته في سوقه وبيته بضعاً وعشرين درجة). فمن يصلي في مسجده صلاة الجماعة تزيد على صلاته لوحده في بيته ومحله وسوقه بعضاً وعشرين درجة. ويعلل النبي ﷺ هذه الزيادة بقوله: (إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى المسجد لا ينهزه إلا الصلاة، لم يخط خطوة إلا رفع بها درجة أو حطت عنه بها خطيئة، والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه). هذا فضل عظيم من الله ، كل خطوة تخطوها إلى بيت الله سبحانه يمحو بها عنك خطيئة ويرفع لك بها درجة، وقال: (والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه). أيضاً: وأنت آت للمسجد أنت في رحمة من الله سبحانه، ولك حكم المصلي كما جاء في الحديث: (إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ولا تأتوها وأنتم تسعون؛ ولا يزال أحدكم في صلاة ما دام متوجهاً إلى الصلاة)، فحكمك وأنت خارج من بيتك إلى المسجد كأنك في صلاة، وأنت بداخل المسجد جالس تنتظر الصلاة في صلاة، وإن انتهت الصلاة وأنت جالس تذكر الله أنت أيضاً في صلاة، والملائكة تحوطك وتدعو لك. يقول النبي ﷺ : (والملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه، تقول: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه)، تدعو له الملائكة أن يثني الله عليه، أن يصلي الله عليه، أن يرحمه الله سبحانه (ما لم يحدث فيه)، يعني: ما دام على وضوء في بيت الله فحكمه أنه كالذي يصلي، والملائكة تدعو له، قال: (ما لم يحدث فيه، ما لم يؤذ فيه). أي: له هذه الفضيلة وهو في المسجد، ولكن ليست له هذه الفضيلة إذا كان على غير وضوء، أو على وضوء لكن كان شغله الشاغل أذية الناس ومضايقتهم، فهو يشاغل هذا، ويرفع صوته على هذا، ويناوش هذا، فهذا لا يستحق أن تدعو له الملائكة. لذا فإن أدب النبي صلوات الله وسلامه عليه في المسجد: أن نتذكر أن المسجد ممتلئ بملائكة الله سبحانه، والملائكة تدعو للمصلين: اللهم صل عليهم، اللهم اغفر لهم، اللهم ارحمهم، فهي تدعو لكم ما دمتم جالسين لذكر الله سبحانه على وضوء لا تؤذون أحداً في بيت الله ﵎. الغرض: أن النبي ﷺ ذكر في الحديث أن كل خطوة لك أجر فيها، يمحو الله عنك بها سيئة، ويرفع لك درجة.

стр. 2326

كتابة آثار الماشين في الظلم إلى المساجد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه في الحديث الصحيح قال: (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة) أي: الخارجين من البيت لصلاتي الفجر والعشاء في الظلمة. فمن خرج إلى بيت الله سبحانه يبشره النبي ﷺ بالنور التام يوم القيامة، وهو الذي ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢]، فنور المؤمن يترتب على ما عاناه في الدنيا من بذل لله سبحانه، ومن صبر على الطاعة، فيؤجر الأجر العظيم عند الله سبحانه. ذكر العلماء أن هذه الآية مع الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ فيها بيان فضيلة من بيته بعيد عن المسجد، ويأتي إلى بيت الله سبحانه حرصاً على الصلاة ألا تفوته تكبيرة الإحرام، وقد ذكرنا قبل ذلك فضيلة حضور الصلاة، وحضور تكبيرة الإحرام مع الإمام، جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (من صلى لله أربعين صلاة في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق). المؤمن يحرص دائماً على شهود الجماعة، وأن يكون موجوداً عند تكبيرة الإحرام أو قبلها، ولا يضيع النوافل، ويبدي اهتماماً بالصلاة، فالله يعطيه براءتين بشرط أن يكمل أربعين يوماً وهو مواظب على الصلوات الخمس لا يضيع تكبيرة الإحرام: براءة من النفاق؛ لأن المنافق يصلي يوماً ويترك آخر، لكن الذي يواظب أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة، واعتاد أن يحضر مع تكبيرة الإحرام ولا يضيعها، فالله يعطيه براءة من النفاق. وبراءة أخرى من النار: فلا يدخل النار بفضل الله ورحمته .

стр. 2327

صلاة الرجل في مسجد الحي من كان بيته بعيداً عن المسجد لا يحزن ولكن يفرح؛ لأن خطواته مكتوبة، ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢]. أما إذا كان بيته قريباً من المسجد فهل يبحث عن مسجد بعيد يذهب إليه حتى تكتب الآثار؟ الجواب ليس الأمر كذلك، طالما أنك قريب من المسجد فالله رحمك بذلك، والذي تفعله هو أن تحضر مبكراً إلى بيت الله سبحانه، وتعوض آثار غيرك بالمكث في بيت الله ، فعندما تسمع الأذان تأتي إلى بيت الله، أو تأتي قبل الأذان بفترة، فهذا يعوض لك وتنال من صلاة الملائكة عليك: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم صل عليه. وهذا أجر عظيم. لكن أن يترك الإنسان المسجد الذي بقربه خاصة إذا كان مسجداً على السنة، ويهتدون بهدي النبي ﷺ ، ويقيمون فيه سنة النبي ﷺ فلا معنى أن يترك ذلك وأن يتوجه إلى مسجد بعيد مثلاً وقد لا يكون على هدي النبي ﷺ ، وقد يكون فيه بدعة من البدع، بدعوى تكثير الخطى، فقد جاء عن النبي ﷺ النهي عن مثل ذلك، فقد روى الطبراني عن ابن عمر وصححه الشيخ الألباني ﵀، قال النبي ﷺ : (ليصل الرجل في المسجد الذي يليه ولا يتتبع المساجد)، يعني: لا يقول: أنا أبحث عن أبعد مسجد وأصلي فيه، بل يصلي في المسجد الذي يليه. وهذه لها حكمة في هذا الدين العظيم، فأهل الحي عندما يصلون في مسجد الحي سيعرف من الذي يواظب على الصلاة؟ أهل التقوى والخير والطاعة الذين ذكرهم الله في كتابه وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨]، فإذا كان هؤلاء المهتدون كل واحد ذاهب إلى مسجد، وهم في حي واحد، فلن يتعرف بعضهم على بعض، ولن يستطيع أحد أن يطلب من الآخر شيئاً، ولكن المسجد يجمع الناس، ويؤلف بين قلوب المسلمين، ويعرف المسلم أخاه المسلم، يعرف جاره وقريبه، يعرف من هو مثله مواظب على الصلاة، وتجد محبة عجيبة جداً تجمع قلوب الناس، وخاصة الذين يجتمعون في الصلاة يمشي بعضهم مع بعض، يذكر بعضهم بعضاً، إذا مرض أحدهم عاده الآخر، فيدعو لأخيه، ويسلم عليه، وإذا مات الإنسان فيؤتى به للمسجد، فيقال: فلان الذي كان يصلي معنا صلاة الفجر كل يوم توفي اليوم، فحينها يعرفه الجميع ويصلون عليه، ويمشون في جنازته، ويقفون عند قبره يدعون له. إذاً: الصلاة قربت ما بين الناس، هذه هي الصلاة التي قال الله فيها: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]، والتي قال النبي ﷺ فيها للمصلين: (لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم)، فهنا إما أن تسوي الصفوف، وإما أن يفارق الله بين القلوب والوجوه. فالصلاة يقف المؤمن فيها بجوار أخيه، لا أحد أفضل من أحد، بل من جاء مبكراً صلى في الصف الأول، ومن جاء متأخراً يصلي حيث وصل به الصف مهما كانت وظيفة هذا الإنسان، فأكرمهم عند الله أتقاهم له ، ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. لذلك أهل العلم أن الإنسان لا ينبغي له أن يتتبع المساجد بدعوى أنه تكتب له الآثار، فمن وجد مسجداً قريباً من بيته فإنه يصلي فيه، وإن قام على سنة النبي ﷺ فليحرص على حضور الصلاة، وأن يحضر مبكراً. والبعض من الناس بيته قريب لكنه يتعمد التأخر حتى يدخل الإمام في الصلاة، وهذا فوت على نفسه خيراً كثيراًَ بتفويته لتكبيرة الإحرام، مع أن ربنا رحمه وجعله قريباً من بيته حتى يحرص على الصلاة، لكنه يضيع على نفسه ذلك، ولعل البعض في الشارع يتكلم ويسمع الإمام يصلي وهو يكمل كلامه في الشارع، ويضيع على نفسه صلاة الجماعة، أو تكبيرة الإحرام، فاحرصوا على حضور تكبيرة الإحرام، ولا تضيعوا على نفسكم هذا الفضل العظيم من الله، ليكون لأحدكم براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق.

стр. 2328

إحصاء أعمال العباد في اللوح المحفوط قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]. الإمام المبين هو اللوح المحفوظ، وهو عند الله ، مكتوب فيه كل شيء. كذلك صحائف الأعمال للعباد، كل عبد صحيفته يراها يوم القيامة: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، ففي يوم القيامة يجد كل إنسان كتاباً كتبت فيه أعماله من حسنات وسيئات، ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء:١٣]. يجد هذا الكتاب منشوراً أمامه، وتتطاير الصحف، فالناس منهم آخذ باليمين ومنهم آخذ بالشمال: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ [الإسراء:١٣]، أي: عمله: ﴿فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ [الإسراء:١٣]، يتلقى هذا الكتاب إما بيمينه وإما بيساره مفتوحاً أمامه. ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، هذه صحيفتك، ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية:٢٩]، هذا كتاب رب العالمين الذي كتب لكل إنسان ما فعل، وعد عليه كل شيء فعله، ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم:٨٤]، يعد ويحصي عليهم كل شيء يقولونه ويفعلونه فهل مكتوب عند الله ﵎، ((فِي إِمَامٍ))، صحيفة أعمال، أو اللوح المحفوظ، وهذا الإمام للإنسان يوم القيامة، أي: الكتاب الذي عند الله ، فهو الكتاب المقتدى به، وهو حجة على العباد. قالوا أيضاً: معناه: صحائف أعمال العباد. إذاً: ﴿إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢]، هو اللوح المحفوظ، الذي ينسخ منه ما في أيدي الملائكة، والكتب التي يجد فيها العباد ما عملوا في الدنيا.

стр. 2329

قصة أصحاب القرية يذكر القرآن قصة لأناس سبقوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، كانوا في عهد المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٣]. وهم رسل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كانوا يدعون أقواماً إلى الله ، وهذه القرية قالوا هي قرية أنطاكيا، وهي في شمال سوريا قريبة من البحر المتوسط وليست عليه، فهذه القرية أرسل الله إليها ثلاثة من رسل المسيح ﵊، أمرهم أن يذهبوا فيدعوا أهل هذه القرية. ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾ [يس:١٣]، يعني: هذا من الأمثلة التي يتعجب لمثلها، فاحذروا أن تكونوا مثل أهل هذه القرية، كأنه يقول: قص عليهم هذه القصة لتكون لهم كالمثل وكالعظة وكالعبرة حتى لا يقعوا في ذلك، ولا يستحقوا عذابنا بكفرهم. ((إِذْ أَرْسَلْنَا))، الأمر من الله سبحانه، والذي ينفذ هذا الأمر المسيح ﵊، فأمر هؤلاء أن يتوجهوا إلى هذه القرية، وقيل: إنهم ذهبوا بعد رفع المسيح ﵊ وقيل: بل في وجوده، والله أعلم بذلك؛ ولكن القصة هنا لم تذكر وجود أو عدم وجوده. فتوجه اثنان منهما إلى هذه القرية يدعوان ملكها إلى دين الله سبحانه ﵎، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس:١٤]، فكذبوا هذين الاثنين: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٤]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة شعبة عن عاصم: ((فَعَززْنَا بِثَالِثٍ))، والتعزيز بمعنى الشد والتقوية، يعني: شددنا الاثنين بثالث، يقويهما ويتكلم معهما، ويدعو إلى الله سبحانه ﵎. ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤]، قالوا لملك هذه القرية ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤]، أرسلنا المسيح ﵊ بدعوة الله سبحانه ﵎ يدعوكم إلى عبادة الرب سبحانه. وعادة أهل الكفر التكذيب والإعراض، فقالوا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:١٥]، من غير أن ينظروا لآية في أيديهم، ولبينة معهم، الكبراء من القوم يصدون خوفاً على الكراسي، فعندما يجيء هؤلاء يدعونهم إلى دين الله فيسلم الضعفاء يشعر الكبراء أن الرئاسة ضاعت منهم؛ لأن هؤلاء الرسل سيحكمون فيهم، فلذلك أول من يصد عن سبيل الله هم الكبراء من القوم الذين يرفضون ويعرضون، ويقولون: أنتم مجانين، أنتم كاذبون. وقالوا هنا: ﴿مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:١٥]، وكأنهم دعوهم إلى الرحمن سبحانه، فقالوا: ﴿وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:١٥]. قالت الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٦]، يعني: نحن صادقون فيما نقول، والله يشهد علينا بأنا صادقون فيما نقول: ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٧]، كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، وقال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، لا تملك أن تحول هؤلاء من كفر إلى إيمان، إنما تملك أن تدعوهم، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [الشورى:٤٨]، فيدعوهم النبي ﷺ والله يقص عليه مثل هذه القصة حتى يطمئن. كذب الذين من قبله وأوذوا أذى شديداً وصبروا كما سننظر في هذه القصة، قال هؤلاء القوم للرسل: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٥ - ١٧]، ما علينا إلا أن نبلغ رسالة الله سبحانه بلاغاً بيناً واضحاً، ونريكم آيات الله . ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا﴾ [يس:١٨]، أي: نحن تشاءمنا منكم. وقيل: إنهم عندما لم يستجيبوا منع عنهم المطر ثلاث سنوات أو فترة طويلة، فقالوا للرسل بدلاً من الاستجابة: أنتم شؤم علينا. ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس:١٨]، إما أن تنتهوا عن هذا الذي تدعوننا إليه، وتذهبوا بشؤمكم، أو نرجمكم. والرجم هو القذف بالحجارة حتى القتل، كأنهم يهددونهم بأن يقتلوهم رمياً بالحجارة، سنعذبكم، سنفعل بكم ونفعل من ألوان العذاب، وإما أن تنتهوا عما أنتم فيه. فقالت الرسل: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ [يس:١٩]، شؤمكم معكم، شؤمكم منكم، أنتم سبب الكوارث والمصائب التي تحدث لنا. ((طَائِرُكُمْ)): صحف أعمالكم التي تعملونها معكم، كفركم بالله سبحانه ﵎ هو الذي يجلب عليكم العذاب، والشؤم الحقيقي يوم القيامة حين دخول النار، أما في الدنيا فمهما حدث فهذه أشياء ليست بالأشياء الكبيرة إنما كفركم هو سبب بلائكم. ﴿أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس:١٩]، أئن ذكرناكم بالله سبحانه ﵎ أعرضتم وقلتم مثل ذلك: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩]. أي: أسرفتم على أنفسكم بالكفر، أسرفتم على أنفسكم حين لم تنظروا فيما دعوناكم وتركتمونا وديننا، وفي كفركم الإسراف وتجاوز الحد، ولا تريدون أن تنظروا إلى الآيات التي معنا. وقد جعل الله لهم آيات يعلم بها الناس أن هؤلاء رسل الله، ومعهم معجزات من الله سبحانه وبينات، فلم ينظروا فيما معهم، وقالوا: أنتم قوم كاذبون، ولم يؤمنوا، ولم يصدقوا، قال الرسل: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩]، أي: مفسدون في الأرض، أسرفتم على أنفسكم بالكفر، ولم تنظروا في آيات الله .

стр. 2330

قصة حبيب النجار قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]. والقصص القرآني قصص عجيب جداً، فيه التشويق، والاختصار، وبيان الفائدة، فالقرآن يشير بإشارات لطيفة إلى مجمل الأحداث: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠]، يا ترى من هذا الرجل؟ وما حكايته، ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١]. هذا الرجل كان يسمى حبيب النجار، هذا الرجل آمن وكان قبل ذلك كافراً، وجاء عن ابن عباس أنه كان ينحت الأصنام قل ذلك، وأنه كان مريضاً مرضاً شديداً، قيل بالجذام وقيل بغير ذلك، وكان يصنع الأصنام ويدعوها من دون الله سبحانه سنين طويلة فما نفع دعاؤه، فمر به الرسل وهم آتون إلى هذه القرية فدعوه إلى الله سبحانه ﵎، فتعجب من كلامهم، ومن هو الله؟ فدعوه إلى الله سبحانه الذي خلقه، ورزقه، والذي يحيي ويميت، والذي يشفي المرضى، فقال: لو أنا دخلت في دينكم هل سيشفيني الله؟ قالوا: ندعو لك، والله إن شاء يشفيك. فإذا به يتابعهم فيدعون له، فلما دعوا له شفاه الله، فعرف أن الحق هو ما عليه الرسل، فلما عرف ذلك آمن، وكان أهل القرية أهل ظلم وعدوان، فلذلك لم يشتهر عنه أنه آمن بهؤلاء الرسل، وتوجه الرسل إلى غيره يدعونهم إلى الله سبحانه من ضعفاء الناس، فمنهم من استجاب، ولكن الأغلب لم يستجيبوا لهم، وتوجهوا إلى ملك هذه القرية يدعونه إلى الله سبحانه، فلم يستجب لهم، وقيل: استجاب، فالله أعلم بذلك، لكن الأغلب من الكبراء وأهل هذه القرية أنهم لم يؤمنوا، وأصروا على قتل هؤلاء الرسل ﵈. فلما أصروا على القتل، واستفاض الخبر في المدينة أنهم سيقتلون جاء هذا الرجل العابد مسرعاً لينقذ هؤلاء، أو يحاول أن يدافع عنهم ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. قص الله علينا قصته فقال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠]، جاء يجري من أقصى المدينة خائفاً على الرسل الذين أرسلهم ربنا سبحانه، وكانوا السبب في أن يرد الله عليه صحته وعافيته، فقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، هؤلاء أهل خير وليسوا أهل شر كما تزعمون، وليسوا كاذبين وإنما هم رسل من عند رب العالمين سبحانه. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١]؛ لأنه جرب قبل ذلك، فقد مر عليه الرسل فدعوا له ولم يطلبوا منه أجراً، فهو يعلم أن هؤلاء يدعون إلى الله ولا يطلبون من الناس شيئاً. ويلاحظ أن هذا الرجل جاء مسرعاً وأطال الكلام معهم كأنه يكسب وقتاً للرسل لكي يفلتوا، أو لعل الناس يتركونهم، أو يأتي من ينقذ هؤلاء الرسل، لذلك جادل كثيراً مع هؤلاء القوم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس:٢٠]، حتى الآن ما قال لهم: أنا آمنت، ولكن قال: (يا قومي!) أي: أنا منكم، اتركوهم واسمعوا لهم، فهو يحاول أن ينقذ هؤلاء الرسل بأي شيء يقوله لهؤلاء القوم. ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢١]، فأنا خبرتهم من قبل، وسمعت كلامهم، وهم على هدى، ولم يقل: أنا آمنت معهم حتى الآن. وحين لم يجد فائدة منهم قال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]، يتكلم عن نفسه: لماذا أنا لا أدخل في دين هؤلاء؟ لم لا أعبد الذي فطرني وهم يدعونني إليه: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]، سوف نرجع إلى الله مرة ثانية. ﴿وَمَا لِيَ﴾ [يس:٢٢]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها هشام بخلفه: ((وَمَا لِيْ)) وقوله: (وَإِلَيْهِ تُرْجِعُونَ)، هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: ﴿وَإِلَيْهِ تَرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]، وكذا في كل كلمة ترجع بمعنى الرجوع إلى الله سبحانه يقرؤها يعقوب: (تَرجع)، ويقرؤها الجمهور: (تُرجع). قال: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [يس:٢٣]، وهم يعلمون أنه كان يصنع لهم الأصنام قبل ذلك. وقوله: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ﴾ [يس:٢٢]، يعجب من نفسه: كيف يتبين لي الحق ثم لا أعبد الله الذي فطرني؟ أي الذي خلقني ﵎، وإليه المصير يوم القيامة. ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]. هل أعبد آلهة من دون الله سبحانه، وماذا تنفع هذه الآلهة؟ لقد صنعنا أصناماً قبل ذلك ولم تفدنا، كنت مجذوماً سنيناً من الدهر ولم تنفع هذه الأصنام، وإنما الذي نفعني الله سبحانه، وحسن عبادته ﵎. ((أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً))، والتقاء همزتين هنا فيها قراءات، فيقرؤها البعض منهم بتسهيل الهمزة الثانية، ويقرأها البعض بتحقيق الاثنتين: فيقرأ ورش وابن كثير ورويس: ﴿أَأَتَّخِذُ﴾ [يس:٢٣]، وقرأ الأزرق عن ورش: (آتخذ من دونه آلهة) بإبدال الهمزة مداً، وقرأها قالون وأبو عمرو ورواية عن هشام: (آاتخذ) بالمد همزة ممدودة وبعدها تسهيل الهمز الثانية، لصعوبة نطق الهمزتين مع بعض، والبعض يفصل بينهما بألف أو يسهل الهمزة الثانية سواء فصل بألف أو لم يفصل، فكأن هنا قالون يقرأها: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ [يس:٢٣]، ويقرؤها هشام: (آأتخذ من دونه آلهة) وله فيها ثلاث قراءات. (يردن) هذه بالكسر، ويقرؤها أبو جعفر وصلاً ووقفاً بالياء، فإذا وقف يقرؤها: (إن يردنيْ) فإذا وصل يقرؤها: (إن يردنيَ الرحمن) ويقرؤها يعقوب وقفاً بالياء: (إن يردني) فإذا وصل قرأها كغيره: ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]. أيضاً قوله: (وَلا يُنقِذُونِ) يقرؤها يعقوب بالياء سواء وصل أو وقف، وورش يقرؤها بالياء وصلاً، ويقرؤها وقفاً كغيره: ((وَلا يُنقِذُونِ)). ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ﴾ [يس:٢٣]. هذه الأصنام لا تشفع عند الله سبحانه ﵎، ولا تغني شيئاً، ولا تنقذني من عذاب الله سبحانه ﵎. ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٤]، لو أني عبدت هذه الأصنام من دون الله سبحانه: ﴿إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٤]، والضلال بمعنى: التيه والبعد، ضل الإنسان الطريق بمعنى: تاه، دخل في صحراء وما عرف يرجع. قراءة الجمهور: ﴿إِنِّي إِذًا﴾ [يس:٢٤]، ويقرؤها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو: (إنيَ إذاً لفي ضلال مبين). وقوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥] هذه أيضاً سيقرؤها نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: (إنيَ آمنت بربكم فاسمعون). قوله: ﴿إِنِّي آمَنْتُ﴾ [يس:٢٥]، هو كان مؤمناً قبل ذلك، وكأنه يريد وقتاً يجادل فيه القوم، ولو بدأ بقوله: أنا مؤمن فسوف يقتلونه معهم، ولكن بدا بأنه يحاور ويجادل لعلهم يتركون هؤلاء وينظرون في المعجزات التي أيدهم الله بها، ولكن لم ينفع ذلك مع هؤلاء، فلما وصل لذلك: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٥ - ٢٦]، وكأن هنا شيئاً محذوفاً في السياق، وكأنه أول ما قال إنه مؤمن قاموا إليه فقتلوه. وجاء عن ابن مسعود أنهم وطئوه بأرجلهم حتى خرجت قصبة دبره أي: معائه خرجت منه. وقيل: بل رموه في بئر وسدوا عليه البئر ودفنوه حياً رضي الله ﵎ عنه، فإذا به شهيد عند الله سبحانه، فأدخله الله الجنة. ثم قال معبراً عن ذلك، وكأن الدنيا لا تستحق أن تذكر بما فيها من قتل وعذاب مقابل الجنة العظيمة التي عمل لها هذا، وعمل لها الرسل، ويعمل لها المؤمنون، قال الله سبحانه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦]، قال له ربه أو قالت له الملائكة: ادخل الجنة، فهو شهيد، قال الله سبحانه: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، وجاء عن النبي ﷺ : (الشهداء أرواحهم في أجواف طير خضر تروح في الجنة وتسرح كيف تشاء)، هنا أرواح هؤلاء تدخل الجنة، أما اجتماع الروح في البدن فإنه يوم القيامة حين يوفى الإنسان حسابه يوم القيامة. قال الله : ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦]، هذه قراءة الجمهور، ويقرؤها هشام والكسائي ورويس أيضاً: (قُيل) لبيان أنه مبني للمجهول. ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]. هنا انتهت قصة هذا الرجل الفاضل الذي جعله الله قدوة، وكيف أنه بدأ حياته بعبادة غير الله سبحانه، وفي النهاية عبد الله

стр. 2331

تفسير سورة يس [١٣ - ٣٦] لما كان النبي الكريم ﷺ وأصحابه في مكة مستضعفين أنزل الله تعالى عليه قصة أصحاب قرية أنطاكية وما جرى لرسلهم على أيديهم من تعذيب، ثم كانت العاقبة لرسل الله، ليثبت نبيه وليطمئن قلبه، وقد رد الله شبهة المنكرين للبعث، ولفت أنظارهم إلى ما يستدل به عليه من التأمل في الأرض القاحلة الجرداء حين ينزل الله عليها الغيث فتحيا وتنبت الجنات من النخيل والأعناب، فكذلك نحيا بعد موتنا.

стр. 2332

تفسير قوله تعالى: (واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية البلاغ المبين) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين: قال الله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ * يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ * وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:١٣ - ٣٦]. هذه القصة في سورة يس يذكر الله فيها كيف كذب السابقون أنبياءهم ورسلهم عليهم الصلاة والسلام، وأن النبي ﷺ ليس أول من كذب من الرسل، ولا قومه أول من كذبوا من الأقوام، بل كُذب الرسل السابقون، وصبروا على ما كذبوا وأوذوا، حتى جاء أمر الله . وفي هذه القصة يخبرنا الله أنه أمر النبي ﷺ بقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس:١٣]، أي: اضرب لهم مثالاً من أمثلة صنيعنا بالأمم المكذبة. فهذه قرية من القرى، أرسلنا إليها رسلنا، قال: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٤]، فالله أرسل رسولين من حواري المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى قرية أنطاكية في شمال سوريا، يدعوان القوم إلى الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس:١٤] أي: لما كُذب الرسولان كما قدمنا قبل ذلك. والتعزيز بمعنى: الشد، أي: شد وقوى الاثنين بالثالث، وجرى الحوار بينهم: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ﴾ [يس:١٤ - ١٥]، وعادة الأمم التكذيب وعدم النظر في الآيات والمعجزات التي جاء بها الرسل؛ فكذبوا الثلاثة. قالت الرسل: ﴿إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس:١٤]، ﴿وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس:١٧]، أي: فنحن رسل الله إليكم، ولا نملك لكم إلا أن ندعوكم إلى الله والهداية بيد الله. فتشاءم القوم بالرسل كعادة أهل الكبر والغرور، فنسبوا إليهم كل مصيبة تنزل عليهم، فهؤلاء لما منع عنهم المطر قالوا: أنتم السبب. قال الرسل: هذا الشؤم الذي تزعمونه معلق بكم، وشؤمكم الحقيقي أعمالكم الخبيثة، وبعدكم عن الله .

стр. 2333

تفسير قوله تعالى: (قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم) قال تعالى: ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ [يس:١٩]. أي: عندما نذكركم بالله تقولون هذا الشيء. وقوله: ((أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ)) يقرؤها أبو جعفر (ءائن ذكرتم) بالمد فيها وتسهيل الهمزة الثانية، وكأن المعنى: لأننا ذكرناكم بالله فعلتم ذلك، وأعرضتم عن التذكير ولم تؤمنوا ولم تستجيبوا. قالوا: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [يس:١٩].

стр. 2334

تفسير قوله تعالى: (وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى وجعلني من المكرمين) فلما قال لهم الرسل ذلك، أرادوا إيذاء الرسل، وبلغ الخبر لرجل ممن آمن بهؤلاء الرسل، يسمى ب حبيب النجار وكان نجاراً، وقيل: كان إسكافياً صانع أحذية، وكان يصنع الأصنام للناس، وعبدها سنين طويلة من دون الله سبحانه، ثم جاءه رسل المسيح ﵊ فدعوه إلى الله سبحانه، وكان مجذوماً، فدعوا له الله سبحانه فشفي. فما سمع خبر إيذاء المرسلين، جرى إليهم مسرعاً، وقال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [يس:٢٠ - ٢١] فهؤلاء الرسل لم يطلبوا منكم مالاً، ولا مناصب، إنما جاءوا ليدعوكم إلى الرب سبحانه. قال: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس:٢٢]، قد ذكرنا أنه أطال معهم في الكلام لعلهم يستجيبون، ولعلهم يخففون عن الرسل فلا يقتلونهم. فقالوا له: وأنت كاذب، ثم قتلوه. قال الله ﵎ عن هذا الإنسان المؤمن: ﴿وَمَا لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٢٢ - ٢٤]. وبعد هذا الحوار الطويل الذي لم يسفر عن فائدة قال: ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس:٢٥] فكشف عن حقيقة أمره، وأنه مؤمن مع هؤلاء الرسل. ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦]، كأنه مجرد أن كشف عن حقيقة أمره أنه مؤمن قتلوه حالاً. وقد جاء ابن مسعود ﵁ أنهم داسوه بالأقدام حتى قتلوه. فلما قتل إذا بالله يدخل روحه الجنة ويكون شهيداً عند الله سبحانه، فلما رأى الجنة والنعيم الذي عند الله سبحانه تحسر على قومه، وقال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٦ - ٢٧]. أي: يا ليت قومي يعلمون بمغفرة ربي لي، وكيف صنع بي في هذا النعيم المقيم، وهذه الجنات العالية العظيمة.

стр. 2335

تفسير قوله تعالى: (وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء) قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُندٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ﴾ [يس:٢٨]. يعني: هؤلاء أحقر من أن ننزل عليهم جنداً من السماء لإهلاكهم وما كنا لنفعل ذلك بهم. فما كان الأمر إلا أن قال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، من جبريل ﵇ فهلكوا. قوله تعالى: ﴿صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٢٩]، منصوبة على أنها خبر كان عند أكثر القراء. وقرأها أبو جعفر: (إن كانت إلا صيحةٌ واحدةٌ فإذا هم خامدون)، فجعل (كان) تامة، و (صيحة) فاعل، والمعنى: ووقعت صيحة واحدة على هؤلاء فإذا هم خامدون. والإنسان عندما تكون فيه النفس يكون حياً، فإذا خرج روحه من جسده همد وخمد، وذهبت منه الحياة. فإذا بصيحة من جبريل على هؤلاء أخمدتهم جميعهم. انظر كيف أخمدهم الله بصيحة واحدة، ولم ينزل عليهم ملائكة، كما قال تعالى: ﴿إِنْمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وقد ذكر الله تعالى هذه القصة في سورة مكية حتى يطمئن نبيه ﷺ أن الله ينصر رسله، وينصر دينه . هؤلاء لا قيمة لهم عند الله، فلم ينزل عليهم جنداً من السماء، وفي يوم بدر أنزل الله ملائكة من السماء على النبي صلوات الله وسلامه عليه، وطمأن المؤمنين بأنه ينزل عليهم من السماء ثلاثة آلاف مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وينزل ِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، فهل يستحق هؤلاء الكفرة الذين مع النبي ﷺ أن ينزل عليهم الملائكة؟ ف الجواب لا، فليس إنزال الملائكة تقديراً لهؤلاء الكفرة، وإنما ذلك لعظيم منزلة النبي صلوات الله وسلامه عليه وعلو قدره، فأراد الله بذلك أن يري المؤمنين والأمم من بعدهم كيف جعل الله سبحانه للنبي ﷺ منزلة عظيمة أن يقاتل معه المؤمنون من الإنس والملائكة، ويشاهد الناس الكرامات والبركات ومعجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك عندما يسمع المؤمنون من يقول: أقدم حيزوم، ويخبرون النبي ﷺ بذلك فيقول (هذا جبريل) فيخبر عن جبريل ﵇ أنه أتى ليقاتل مع المؤمنين، وكذلك أتى جبريل ﵇ في يوم الخندق، ففرق الله الأحزاب عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأرسل عليهم جنداً من عنده وريحاً، وأتاهم الرعب والخوف فرحلوا عن النبي صلوات الله وسلامه عليه. وجعلها الله آية للنبي صلوات الله وسلامه عليه قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:١٠ - ١١]. فلما ابتلي المؤمنون وزلزلوا جاء النصر من عند الله ، قال سبحانه: ﴿إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب:٩]، فنصر الله نبيه، وأنزل الملائكة فإذا به يرى جبريل، قال: (أتاني جبريل وعلى ثناياه النقع)، والثنية: السن الأمامية، و (النقع) الغبار والتراب. ويقول للنبي ﷺ : (وضعت لأمتك، والله ما وضعت الملائكة أسلحتهم)، ثم أمره أن يتوجه إلى بني قريظة، فتوجه النبي ﷺ إلى بني قريظة، والملائكة معه. والله قادر على أن يفني اليهود جميعهم ويهلكهم، ولكن هذه سنة الله في الكون كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ﴾ [التغابن:٢]، فأراد أن يبتلي أحد الفريقين بالآخر: فالمؤمن يزداد إيماناً ويزداد ثباتاً، ويكون قوياً صلباً في دينه. ولم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر مع النبي ﷺ ، ونزلت في غيره ولم تقاتل، ولكن لتكثر عدد المسلمين. وفي يوم بدر كانت هناك معجزات عجيبة، من ذلك أن يقول رجل للنبي ﷺ : إنه رفع سيفه على الكافر، فطارت رقبته ولم يضربه. فيقول النبي ﷺ : (أيدك الله بملك كريم). ومن ذلك أن العباس عم النبي صلوات الله وسلامه عليه أسره رجل من المسلمين ضعيف وليس في قوة العباس ﵁، فيقول العباس للنبي ﷺ : ليس هذا أسرني. فيقول النبي ﷺ : (أعانك عليه ملك كريم). قال العباس ﵁: أنا لست مع الكفار. قال النبي ﷺ : (كان ظاهرك علينا) وأمره النبي ﷺ أن يفدي نفسه، ففدى نفسه ﵁، وفدى عقيلاً أيضاً ابن أخيه، والله ﵎ أخلف عليه بعد ذلك كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمْ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] الآية. فهنا لما أخبر الله سبحانه أنه ما أنزل من بعده على قومه من جند من السماء، إنما أرسل جبريل ﵇ فصاح في القوم صيحة، فأهلكهم الله ، فتحسروا على أنفسهم: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، وجاء التحسر على وجه النداء كأنه قال: يا حسرة أقبلي، والحسرة الندامة والتلهف على الشيء الذي يفوت، ففاتهم الإيمان. و (حسرة) نكرة ولذلك نصب المنادى مع كونه مفرداً، وهذا كقول من وقع في بئر: يا إنساناً أنقذني، وهو لا يعرف المنادى. قال تعالى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ﴾ [يس:٣٠]، أي: تعجبوا لأمر هؤلاء العباد الذين يستحقون أن يتحسروا على أنفسهم وينادوا على الحسرة وعلى الندامة حين لا تنفعهم، فيكون جعلهم محل من يتحسر عليه. أو أن الله سبحانه جعل الويل عليهم، فتكون الحسرة تعني: يا ويل أقبل لهؤلاء، أو يا عذاب أقبل على هؤلاء القوم؛ فإنهم يستحقون ذلك. وفي قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ [يس:٣٠]، قراءتان: قراءة الجمهور (ما يأتِيهِم). وقراءة يعقوب، (ما يأتيهُم من رسول). فأي رسول يبعث إلى قوم لا بد أن سفهاء القوم يسخرون منه ويستهزئون به.

стр. 2336

تفسير قوله تعالى: (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون) قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٣١]. الجواب بلى، قد رأوا هذا الشيء كله، فقد ذهب آباؤهم وأجدادهم، والقرون السابقة الذين ما زالوا يفتخرون بهم، وكل إنسان منهم يقول: كان أبي، وكان جدي ويحفظ نسبه إلى الجد العاشر. فكل هؤلاء ذهبوا، ولم يرجع أحد. وهذا دليل من القرآن العظيم على أنه لا أحد يموت فيرجع إلى الدنيا مرة ثانية إلا أن تكون معجزة لنبي من الأنبياء، فيحيي ميتاً ثم يموت مرة ثانية، كما كانت للمسيح ﵊. وما يذكره البعض من الناس من رجوع روح فلان وما أشبه ذلك كله من الكذب والخرافات، فمن مات قد ذهب إما إلى روضة من رياض الجنة، وإما إلى حفرة من حفر النيران في قبره، فهو منشغل بذلك عن أمر الدنيا.

стр. 2337

تفسير قوله تعالى: (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣٢]. في قوله: (لما) قراءتان: قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، (إن كل لمّا) بالتشديد. وباقي القراء: (إن كل لَمَاَ) بالتخفيف. و (إن كل لما) مثل: (ما كل إلا كذا) فهذا أسلوب قصر، ويكون المعنى: أن الجميع راجع إلى الله، ولا يفلت أحد من الله سبحانه تعالى. قال تعالى: (﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٣٢]، أي: أن الله يجمعهم ويحضرون بدون اختيارهم يوم الحشر، أما على قراءة الجمهور فالمعنى: إن كل راجع ومجموع إلينا، و (إن) هنا مخففة من الثقيلة، فلما خففت رفع ما بعدها؛ لأنها صارت لا تعمل. وجاءت اللام في (لَمَا) من أجل أن تفرق بين (إن) التي بمعنى (ما) وبين (إن) التي تأتي لتأكيد الجملة بعدها. وسواء كان الأسلوب أسلوب قصر، أو أسلوب تأكيد، فالمقصود أن الجميع محضرون إلى ربهم سبحانه، ليجازيهم على أعمالهم. كان الكفار يكذبون بالعبث والنشور، ويقولون: ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]، أي: سنرجع مرة أخرى! فيقول الله : انظروا فيما أمامكم من الآيات.

стр. 2338

تفسير قوله تعالى: (وآية لهم الأرض الميتة) ومن تلك الآيات قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]. في قوله تعالى: (الأرض الميتة) قراءتان: قراءة الجمهور: (الأرض الميتة). وقراءة المدنيين نافع وأبي جعفر: (وآية لهم الأرض الميّتة أحييناها)، بالتشديد. والمعنى: أن الله أحياها، وكل إنسان له عينان يرى الأرض جرداء، ثم ينزل عليها المطر، فإذا بها كما قال الله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج:٥]، فأنبتت ما يأكل الناس والأنعام. قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا﴾ [يس:٣٣]، أي: جنس الحب، أي: حبوباً كثيرة أخرجناها فأطعمناكم إياها.

стр. 2339

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا لهم فيها جنات) قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس:٣٤]، أتيناكم بأقواتكم من الحبوب، وبفاكهتكم من النخيل والأعناب، فإذا عندكم ما تقتاتون عليه وما تتفكهون به. قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ [يس:٣٤]، أي: في هذه الأرض التي كانت ميتة. ﴿جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [يس:٣٤] فيها النخل الباسقة، وفيها الأعناب العظيمة الجميلة. ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾ [يس:٣٤]، فجر الله في هذه الأرض من العيون أما الإنسان فيحفر البئر لعله يجد الماء، فقد يجد وقد لا يجد. وفي قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ﴾، قراءتان: قراءة الجمهور: (من العُيون) بضم العين. وقراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي: (من العِيون)، بكسر العين. وكذلك في الكلمات التي على هذا الوزن كجيوب وبيوت، فتقرأ جُيوب وبُيوت، وجِيوب بِيوت، بالفتح والكسر في القراءات التي ذكرنا.

стр. 2340

تفسير قوله تعالى: (ليأكلوا من ثمره) قال سبحانه: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ [يس:٣٥]. أي: ليأكلوا من ثمر ما أخرجناه من الأرض، أو من ثمر العيون. وفي قوله تعالى: (من ثمره) قراءتان: قراءة الجمهور: (من ثَمرَه) , بفتح الثاء. وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (ليأكلوا من ثُمره)، بضمها، وكأن الثَّمر تجمع على ثمار، ويجمع الجمع على ثُمر. واللام في قوله: (ليأكلوا) إما أن تكون تعليلية أو للعاقبة أي: تكون العاقبة أن يأكلوا من الثمار. قال تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٣٥] قرأ الجمهور: (وما عملته أيديهم). وقرأ شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (وما عملت أيديهم). قد تكون (ما) نافية، فيكون المعنى: أن الله سبحانه هو الذي أخرج ذلك والتقدير: لتأكلوا هذه الثمار ولم تعمل أيديكم هذه الثمار، إنما الذي خلقها وأوجدها الرب ، الذي أنزل الماء من السماء، وأحيا هذه الأرض. أو تكون (ما) بمعنى (الذي) فيكون قوله تعالى: ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٣٥]، أو (وما علمت أيديهم). والمعنى: أن الله خلق لك هذا القمح، ثم أخذته وطحنته ثم عجنته وأدخلته الفرن، فأخرجته خبزاً، فهذا الذي عملت يداك مما أخرجه الله سبحانه، وكلا المعنيين صحيح. قال تعالى: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٥] أي: هلا شكروا الله سبحانه على ما أخرج لهم، وعلى ما رزقهم من عقول فيصنعون ذلك. وانظر إلى البهائم والحشرات والطيور كيف تأكل الثمرة كما هي، وتلتقط الحبة كما هي؛ لكن أنت أيها الإنسان أعطاك الثمار، وأعطاك الحبوب، وأعطاك العقل لتفكر، وألهمك كيف توقد النار وكيف تصنع الطبيخ، وكيف تصنع الحلوى، أفلا تشكر الله ، وكان قادراً على أن يحجب عنك ذلك، فتأكل الطعام كما يخرج من الأرض بدون طبخ وإصلاح.

стр. 2341

تفسير قوله تعالى: (سبحان الذي خلق الأزواج كلها) قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس:٣٦]. أي: يقدس الله تعالى عن ألا يشكر، وينزه عن النقص والعيب، وعن أن يذكر معه غيره، وعن أن يكون له الصاحبة أو الولد، أو الشريك في ملكه، فهو الخلاق العظيم العليم وحده لا شريك له. وقوله (سبحان) مصدر، والفعل سبح، أي: أسبح الله تسبيحاً وسبحاناً، فعبر بالمصدر نيابة عن جملة فيكون المعنى: سبحوا الله تسبيحاً عظيماً. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس:٣٦]، (الأزواج) هنا بمعنى: الأصناف والأنواع، فكلها خلقها الله ، من أين؟ قال: ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ﴾ [يس:٣٦]، فأخرج لكم من الأرض أزواجاً: ﴿وَمِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [يس:٣٦] خلق الذكر والأنثى، وخلق لهم الأولاد والأحفاد والذريات ﴿وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦]. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2342

تفسير سورة يس [٣٦ - ٤٤] يذكر الله أن من آياته العظيمة الباهرة في هذا الكون اختلاف الليل والنهار، وحركة الشمس والقمر، والشمس آية النهار والقمر آية الليل، ومن آياته أيضاً أنه هدى الإنسان أن يصنع السفن الضخمة العملاقة التي تسير على سطح البحار والمحيطات، والطائرات والمركبات الفضائية التي تخترق الجو، والسيارات والقطارات التي تقطع المسافات البعيدة الشاسعة، وهذا كله بفضل الله ورحمته، ولو شاء لحطم ذلك كله.

стр. 2343

عظم آيتي الليل والنهار الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ * وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس:٤٥ - ٤٤]. يعدد الله لنا نعمه على عباده في هذه الآيات وما قبلها، ومما ذكره قبل ذلك أن قال: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣]، آية وعبرة وعظة للخلق ومعجزة تدل على قدرة الخالق ﵎، أرض ميتة ينزل الله عليها المطر فيحيي هذه الأرض بعد موتها، ويخلق فيها ما يشاء من بساتين وحقول، وأصناف الزروع وثمار الحبوب، يخلق ما يشاء وهو على كل شيء قدير، فيذكر ذلك ثم يقول: ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٣٥] أي: هلا شكروا الله سبحانه على نعمه التي خلقها وسخرها لهم وصنعوا منها بعقولهم وبقوتهم التي أعطاهم الله سبحانه ما يشاءون. قال سبحانه: ((لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ))، ليأكلوا من الثمار التي خلقها الله سبحانه ومما يصنعونه هم بأيديهم، ((وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ)) هذا المعنى الآخر: أنها لم تعمل أيديهم هذه الأشياء، فلا أنزلت أيديهم المطر من السماء، ولا خلقت العيون في الأرض، ولا أخرجت الحبوب منها والثمار، ولكن الله الذي خلق ذلك، أفلا يشكرون الله ويعبدونه وحده لا شريك له. قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس:٣٦]، كما قال: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات:٤٩] خلق من الأنعام زوجين الذكر والأنثى، ومن الحشرات كذلك، ومن الدواب كذلك، ومن الإنس كذلك، وقال لنا هنا: ((سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ))، فأخرج لنا الأنواع والأصناف كلها مما تنبت الأرض، ((وَمِنْ أَنفُسِهِمْ)) ومن أنفس الخلق خلق الزوجين الذكر والأنثى، ((وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ)) يخلق ما يشاء، هذه من آياته العظيمة. ومن آياته أيضاً: الليل والنهار، قال سبحانه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]. وهذا التعبير الدقيق في كتاب الله يرينا هذه الآية العظيمة، ((وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ)) كأن هذا ينسلخ من ذاك، فيبدو للناس الليل ويظهر للناس النهار على ما يريهم الله سبحانه ﵎. يقول أهل العلم: إن الليل يحيط بالأرض من كل مكان، والنهار جزء بسيط إذا قورن بالليل الذي يحيط بالكرة الأرضية من كل مكان، والجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض، فحينما تنعكس أشعة الشمس على هذا الهواء المحيط بالأرض في الجزء المواجه للشمس إذا بهذا الجزء مضيء، والأرض تدور، فإذا دارت فكأنه ينسلخ عنها هذا الجزء من النهار ويصير ليلاً في المكان الذي دارت إليه، وهكذا لا تزال تدور ويتعاقب فيكم الليل والنهار بمثل ذلك، وهذا لا يكون إلا والأرض على هيئة الدوران، ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥]، فالكرة الأرضية كالكرة تدور، وفي أثناء دورانها يتعاقب عليها الليل والنهار، وينسلخ النهار من الليل على ما يريد الله . ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧]، الكون كله ليل، وجزء من الكون وهو الهواء الذي فوق الأرض يظهر فيه النهار، ثم ينسلخ بدوران الأرض كما ينسلخ الجلد من فوق الضحية التي تذبحها، قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس:٣٧] فالجزء الذي كان مضيئاً من الأرض دار فانسلخ منه نهاره فهم مظلمون الآن.

стр. 2344

تفسير قوله تعالى: (والشمس تجري لمستقر لها وكل في فلك يسبحون)

стр. 2345

مستقر الشمس في مدارها قال الله سبحانه: ((وَالشَّمْسُ)) هذه آية من آيات الله سبحانه، ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]. الأرض تدور، والقمر يدور حول الأرض في مدار، وهذه بعض الأشياء في كون الله العظيم الواسع الفسيح، كل شيء يجري في مداره، ويجري لمستقر له، الشموس والأقمار والنجوم والكواكب والمجرات كل شيء يجري ويدور حتى يأتي الأجل المحتوم وينتهي حينما يشاء الله سبحانه، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧]. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨] وكأن لها نهاية، تجري وهي تحت عرش الرحمن ﵎، تطلع على الناس بإذن الله سبحانه، وتغرب على الناس بإذن الله سبحانه، ففي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: (سألت رسول الله ﷺ عن قوله : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، قال: مستقرها تحت العرش). كرسي الله فوق سماواته، وعرشه فوق ذلك، وإذا قورن كل ما في السماء وكل ما في الأرض بالعرش فهي كسبعة دراهم في ترس، فعرش الله هو المحيط بهذا كله، فالشمس مهما جرت فهي تحت عرش الله . والعرش إذا قورن بالكرسي فهو كالحلقة في فلاة، والله فوق عرشه سبحانه أحاط بكل شيء، فالشمس مهما جرت والكواكب والنجوم مهما دارت فهي تحت عرش الرحمن سبحانه مسخرة بأمر الله ﵎ ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨]، كل هؤلاء قد سخرهم الله سبحانه فأطاعوا ربهم، وسجدوا لله طوعاً، وسجد كثير من الناس طوعاً، وكثير حق عليهم العذاب لما أبو أن يعبدوا الله . فهنا الشمس تطيع الله، وقد سخرها في الفلك، تشرق من مكان وتغرب من مكان، تخرج على الناس ولها مدار تجري فيه. ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس:٣٨]، إذاً: سيأتي عليها يوم وتستقر، وذلك هو يوم القيامة، ويذكر النبي ﷺ أن الشمس والقمر سوف يكوران، كما روى البخاري من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة، وهذا قول الله سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٣])، الآيات.

стр. 2346

تكوير الشمس في النار ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] أي: لف بعضها ببعض وألقيت في النار، روى الطيالسي وأبو نعيم من حديث أنس قال النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار). وهل معنى كونهما في النار أن الله سبحانه يعذبهما؟ لا، لقد أطاعت الشمس ربها سبحانه، والقمر أطاع ربه، والآيات تذكر ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج:١٨]. يسجد لله كل من في السماوات ومن شاء الله من أهل الأرض وكذلك الشمس والقمر، ولكن كأن الشمس أداة تعذيب لأهل النار في النار، كما أن النار فيها ملائكة: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] موكلون بتعذيب أهل النار، فهؤلاء الملائكة لا يعذبون بالنار ولكن يعذبون أهل النار. والشمس والقمر يجعلهم الله أمام من عبدهما من دون الله سبحانه، فعباد الشمس الذين كانوا يسجدون للشمس ويعبدونها من دون الله، وعباد القمر الذين كانوا يعبدون القمر إذا كان يوم القيامة جمعوا معهما ومن كان يعبد شيئاً من دون الله، ثم يأمرهم الله أن من كان يعبد شيئاً يتبعه، فالشمس تمثل لعبادها فيتبعونها فتجري بهم إلى النار فيدخلون وراءها إلى النار، والقمر كذلك، فكأن الشمس والقمر يأخذان من عبدهما إلى نار جهنم، فيصيران أداة لتعذيب أهل النار والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. ولذلك جاء أن الحسن البصري سأل أبا سلمة فقال: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمة منكراً على الحسن: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: ما ذنبهما؟ يعني: الأصل أنك تذعن لما جاء به وتطيع لما قاله النبي ﷺ ، ولا تجادل مع كلام النبي ﷺ ، وكأن الحسن فهم أنهما يعذبان في النار، ولم يقل ذلك النبي ﷺ ، ولكن قال: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، يعني: على هيئة ثورين معقورين في النار، كأنه يعذب أهل النار بالنظر إليهما: هذا الذي كنتم تعبدونه من دون الله صار ثوراً عقيراً في النار، فهما أداة لتعذيب أهل النار، فالشمس بإحراقها تحرقهم، والقمر كان محرقاً مشتعلاً يوماً من الأيام، فكأن الله سبحانه يعيده إلى ما كان عليه لتعذيب أهل النار، والعياذ بالله.

стр. 2347

طلوع الشمس من مغربها في الحديث أن (الشمس والقمر يكوران يوم القيامة)، وفي الآية الكريمة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، أي: إلى أن يأتي وقت قرارها يوم القيامة حيث تشرق من مشرقها وتغرب من مغربها، فإذا جاءت العلامة الكبرى للقيامة إذا بالله يحبسها عند مغربها ولا يأذن لها في الخروج. ويذكر النبي ﷺ أنها تستأذن ربها كل يوم عند المشرق وعند المغرب، فإذا كان يوم القيامة فإذا بالشمس تستأذن الله سبحانه فلا يأذن لها ويقال لها: اطلعي من حيث غربت، وهذه آية من آيات الله سبحانه، وهو علامة كبرى ليوم القيامة، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)، أصبحي، يعني: اطلعي في الصباح من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ : (أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً). إذاً: الشمس تسجد تحت عرش الرحمن سبحانه في كل مطلع وكل مغرب، وطلوع الشمس في البلد الذي في المشرق يكون قبل طلوعها في البلد التي في المغرب، كأن الشمس في كل مطلع على بلد من البلدان ساجدة لله سبحانه مطيعة لأمر الله، حتى يأتي يوم القيامة، فإذا بالله سبحانه يأمرها أن ترجع وأن تطلع من حيث غربت، فتطلع الشمس من مغربها. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، أي: طلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها آية من الآيات العظيمة، يعرف ذلك من يدرس علوم الفلك، فيرى كيف تجري الشمس، وكيف تدور هذه الأرض، وكيف تجري الكواكب والنجوم كل في فلك في السماء لا يصطدم مع الآخر، ولا شيء يمنعها إلا قدرة الله ، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. قال سبحانه عن ذلك الكون العظيم وما خلقه الله ﵎ فيه ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، قدر للشمس أن تجري بحسب ما يشاء سبحانه في مدارها، ومستحيل أن تخرج عن هذا المدار، كذلك القمر يجري في مداره الذي قدره الله سبحانه، كل شيء له قدر وقضاء عند الله سبحانه حتى يأتي يوم القيامة، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨].

стр. 2348

منازل الشمس والقمر قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. إذاً: هذا القمر قدر له الله سبحانه ثمانية وعشرين منزلة ينزل في كل ليلة في منزلة معين لا يخطئه، فالشمس تجري في مستقر لها في جريانها ونزولها، والله قدر أشياء لا تخطئ. قال : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، كما أن الشمس تجري إلى مستقرها كذلك القمر قدر الله له منازل، أي: جعل له منازل ينزل فيها حتى عاد كالعرجون القديم. وقراءة الجمهور: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩] كأنه منصوب على الاشتغال؛ لأن الفعل نفسه: قدرنا القمر منازل، هذه جملة من فعل وفاعل ومفعولين، والتقدير هنا: أنزلناه، (والقمر)، مفعول منصوب، والفعل الذي بعده شغل بمفعوله، ولذلك يسمى هذا بالمفعول على الاشتغال؛ لأن فعله نصب ضميره. وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وروح عن يعقوب: (والقمرُ قدرناه منازل)، كأنه قال: آية لهم الشمس وآية لهم القمر. فالقمر آية من آيات الله سبحانه، والشمس آية من آيات الله سبحانه ﵎، فقدر للشمس ما تجري فيه من مدار في فلك معلوم حتى يأتي وقت استقرارها، وكذلك القمر قدر له الرب ﵎ منازل كل ليلة ينزل في منزلة معينة. ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ﴾ [يس:٣٩]. العرجون: هو عذق النخلة الأحمر الذي فيه البلح، والعرجون لو تتركه فترة حتى ييبس يزداد انحناؤه ويصفر لونه، وكذلك القمر يصير كالعرجون القديم قبل أن يستتر في آخر الشهر، فهو في نصف الشهر يكون مكتملاً، ثم يتناقص شيئاً فشيئاً حتى يصير كالعرجون القديم. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. في الماضي لم يكونوا يعرفوا مدار أحدهما فهم يرونها في الفضاء فقط، لكن علماء الفلك الآن حددوا المدار الذي تبتدئ منه الشمس، ومستحيل أن يتقابل مدار الشمس مع مدار القمر في يوم من الأيام من أجل أن تدرك هذا القمر أو تلمسه. (ولا الليل سابق النهار) ولكن الليل في مكان والنهار في مكان آخر، يتواليان على الكرة الأرضية، لا الليل سيجري فيدفع النهار ويسبقه، ولا النهار يسبق مع الليل، ولكن كل في فلك يسبحون. وكل هذه الأجرام التي خلقها الله سبحانه في فلك سباحة، وهذا التعبير أعظم وأجمل من أن يقول: يجرون؛ لأن فيها معنى الجري والدروان فقط، والسباحة تدل على أن ما فوقه وتحته فراغ، كالإنسان عندما يدخل في الماء لا يعوقه شيء لا من فوق ولا من تحت، كذلك هذه الشمس وهذا القمر والأجرام كلها تسبح في هذا الفضاء، والإنسان لا يدري كيف تسبح إلا بقدرة الله ﵎.

стр. 2349

تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]. آية من الآيات العظيمة: أنا حملنا ذريتهم، وكلمة ذرية مأخوذة من الذر، وفي حديث النبي ﷺ أنه كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن ما يخرج منها) فهنا ذكر، (ذرأ) أي: بث ونشر وخلق. والذرية هنا بمعنى المخلوقين، فالذرية تطلق على الأبناء والآباء والرجال والنساء، فمن ذلك ما ذكره الله سبحانه ﵎ هنا في كتابه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:٤١] فالذرية هنا هم الآباء الأولون في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذين خلقناهم وذرأناهم آية لهم، ولو نظروا لعرفوا أننا حملنا آبائهم الأولين الذين كانوا مع نوح في الفلك الذي ما كانوا يعرفون كيف يصنع حتى صنعه نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فكان قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله سبحانه يمرون بنوح ويسألونه: ما هذا؟ يقول: فلك، فيقولون: وما تفعل بها؟ قال: تحمل على الماء، قالوا: أي ماء ونحن في صحراء؟ فكانوا يستهزئون به، قال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩] فصنع هذا الفلك، ولم يكن نوح نجاراً متخصصاً في صنع السفن، وإنما ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧]، فأوحى الله العظيم إلى نوح أن يصنع هذا الفلك، فعلمه كيف يصنعه، وكان الكفار يمرون ولا يتخيلون كيف يحمل نوح وحده هذا الفلك إلى البحر، وما علموا أن البحر سيأتيهم، فكانوا يسخرون ويستهزئون، فإذا بالله يأمر السماء أن تفتح ماءها على الأرض، وأن تخرج الأرض ماءها، وانطبق ماء السماء على ماء الأرض، وأغرق الله الأرض ومن عليها، ونجى نوحاً ومن معه في فلك يحمل فيها من كل ما خلق الله زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولم يعش فوق الأرض إلا من كان في هذه السفينة. فآية من آيات الله أنه جعلكم ذرية هؤلاء، فتذكروا نعمة الله على آبائكم أن أنجاهم فكنتم أنتم أولادهم وأرسلنا إليكم من يدعوكم إلى الله لتؤمنوا، فاحذروا أن يصنع بكم مثل ما صنع بقوم نوح. ومن إطلاق الذرية على النساء ما جاء في حديث النبي ﷺ : (أنه رأى في غزوة من الغزوات امرأة قتلها جنود خالد ﵁، فأرسل النبي ﷺ إلى خالد قال للرجل: إلحق بـ خالد وقال له: (لا تقتل ذرية ولا عسيفاً)، والذرية هنا بمعنى امرأة، فكلمة الذرية تطلق في اللغة على هذا كله، وإن كانت أكثر ما تطلق على الأولاد. ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١] الفلك: السفينة، والفلك تطلق على المذكر والمؤنث، فتقول: هذه الفلك، وهذا الفلك، والفلك تطلق على المفرد وعلى الجمع، فهي كلمة مفردها فلك وجمعها أيضاً فلك. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:٤١] هذه قراءة الجمهور: ذريتهم. وقرأها نافع وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب: ذرياتهم. (المشحون) الممتلئ، سفينة نوح كانت ممتلئة من الإنس والطير وممن شاء الله ، قال: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠]، تخيل أن كل المخلوقات مثل الأسد والنمر والفهد كل هذه الأصناف التي لا تقدر أن تحصي عددها حمل نوح من كل شيء زوجين وجعلهم معه في السفينة، وأنجى الله هؤلاء، وأغرق من على الأرض. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] آية من آيات الله سبحانه أنه علم نوحاً كيف يصنع هذا الفلك الذي يسع هذا العدد الضخم، والإنسان عندما يتخيل أن رجلاً واحداً يصنع سفينة بهذا الحجم الذي يحمل هذه المخلوقات يقول: هذا شيء بعيد، لكنه توفيق الله والإعانة من الله . ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] أي لهؤلاء الناس، (من مثله): من مثل هذه السفينة يحملون فيها، وكذلك ما يركبون من مثل ذلك. وتخيل مثل ذلك مما خلق الله لهؤلاء ووفقهم أن يصنعوه من سيارة وطيارة وسفينة وعابرات للمحيطات، أي: من مثل الذي علمناه لنوح علمنا هؤلاء وذريتهم أن يصنعوا أشياء فيصنعون من مثله ما يركبون، فالفلك تسبح في البحر، ويصنعون أشياء تسبح في الجو، والله على كل شيء قدير، وهو الذي علمهم ذلك وخلق لهم من مثله ما يركبون، فله الفضل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فهو الذي أعطى للإنسان عقلاً يفكر، ففكر في هذا الشيء وأوجد له الأشياء التي صنع منها ما يركبه في البر والبحر والجو. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣] نحن أركبناهم هذه السفينة، وعلمناهم كيف يصنعون الفلك، فلما صنعوا الفلك اغتروا وعبدوا غير الله ﵎، وإن نشأ نغرق هؤلاء فلا يوجد لهم من يغيثهم إذا أغرقناهم. والصريخ: المغيث والمنقذ، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء إذا أردنا أن نهلكهم ونغرقهم ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣]، والإنسان إذا تطاول على الرب سبحانه أرسل إليه من يقصمه. فالله وحده على كل شيء قدير، والإنسان عاجز لا يقدر، كم صنع الإنسان من سفينة وأراد الله إغراقها فحطمها، ونذكر سفينة تيتانك التي صنعها أصحابها وسموها بالسفينة التي لا تقهر، وإذا بها أول ما نزلت وركبها أغنياء العالم إذا بالله يقصمها، وتقف السفينة وتنكسر نصفين في المحيط ويغرق الجميع. هذا غرور الإنسان الذي يوحي له ويوهمه أنه يقدر على ما لا يقدر عليه أحد، صعدت مركبة إلى القمر ثم المركبة الثانية، وبعد ذلك قالوا: سنعمل على القمر مستعمرة، ومواصلات بين الأرض والقمر، وسنعمل وسنعمل، ثم تصعد مركبة فضائية فتحترق، ثم يعيدوا الكرة وتحترق وتنزل إلى الأرض. الإنسان عندما يغتر ويظن أن بقدرته أن يصنع ويعمل إذا بالله يريه آياته ويحطمه ويهلكه ويضيع له هذه الأشياء التي يصنعها، فإذا وصلوا إذا بالله يرينا آيات عظيمة من آياته التي يذكرها لنا في كتابه. رواد الفضاء الأمريكان عندما تكلموا عن الصعود للفضاء، وقال لهم الناس: هذه الأموال الضخمة التي تصرفونها على القمر اصرفوها على الفقراء، قالوا: نحن طلعنا القمر واكتشفنا منه معلومات تساوي ما أنفقناه حتى نصل إليه. فقيل لهم: ما أهم حاجة وصلتم إليها؟ قالوا: وصلنا لحاجة عجيبة جداً، اكتشفنا أن هذا القمر انشق يوماً من الأيام. وقد قال الله ذلك في كتابه من ألف وأربعمائة عام، قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وجاء في حديث النبي ﷺ في الصحيح: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : إن كنت نبياً فأرنا آية. فواعدهم ليلة، وأراهم انشقاق القمر إلى فلقتين، فإذا بهم يرون نصف القمر أمام الجبل والنصف الآخر وراء الجبل، قالوا: سحرتنا، فقال بعضهم لبعض: إن كان سحرنا فلن يسحر غيرنا، فلننتظر إذا جاء ركب ونسألهم، وانتظروا أياماً وجاء ركب وسألوهم: الليلة الفلانية هل أحد منكم رأى القمر؟ قالوا: نعم. وما رأيتم؟ قالوا: رأيناه انشق ثم رجع كما كان. هذا قاله النبي ﷺ فلم يصدق هؤلاء الكفار، والمؤمنون على استحياء قالوا: انشق القمر مثلما قال ربنا، والبعض منهم قال: بل هو سينشق يوم القيامة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] يعني: سينشق القمر يوم القيامة حتى لا يقال لهم: لقد قلتم ما لم نره، ولكن النبي ﷺ ذكر ذلك، وجاء الحديث الصحيح بذلك، وجاء رواد الفضاء ليقولوا: هذا القمر انشق. من أين عرفتم؟ قالوا: رأينا في صور القمر هذا المكان، عرفنا أنه انفلق في يوم من الأيام، ورجع مرة ثانية لمكانه، لكن واضح أثر الشق في القمر كله، هؤلاء يصدقون ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، هذه آية من آيات الرب . ويقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣]. لا صريخ: لا منقذ ولا مغيث لهم. ولا هم ينقذون: لا ينقذهم أحد إلا رحمته، فلا أحد يجيرهم ولا يرد عليهم ولا ينقذهم. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس:٤٤] من رحمة رب العالمين أن شاء سبحانه أن يترك هؤلاء ولا يستأصلهم، يعني: لأجل رحمة من الله سبحانه تركنا هؤلاء، فلم أستأصلهم بعذاب وأخرناهم إلى يوم القيامة لعله يخرج من أصلابهم من يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ومتعناهم إلى حين حتى يأتي الأجل، ثم عذاب رب العالمين أو رحمته سبحانه. نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2350

تفسير سورة يس [٤٣ - ٥٠] من نعم الله تعالى على خلقه أن جعل لهم فيما سبق ما يعينهم في أسفارهم وحمل رحالهم، ثم وفقهم بأن صنعوا ما يركبون عليه في البحر والجو، وكل هذا متاع زائل في الدنيا ولو شاء الله ما أوجده لهم، أو أوجده وأغرقهم وأماتهم بسببه، ولكنها رحمة الله بعباده، ورغم ما أعطاهم من نعم إلا أنهم يمنعون أموالهم عن الفقراء، وينسون أن الذي يعطي ويمنع هو الله، بل ويطالبون بالساعة، ولا يعلمون أنها صيحة واحدة تأخذ جميع الأحياء فلا ينصرون.
следующие страницы →