← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

تكوير الشمس في النار ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] أي: لف بعضها ببعض وألقيت في النار، روى الطيالسي وأبو نعيم من حديث أنس قال النبي ﷺ : (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار). وهل معنى كونهما في النار أن الله سبحانه يعذبهما؟ لا، لقد أطاعت الشمس ربها سبحانه، والقمر أطاع ربه، والآيات تذكر ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [الحج:١٨]. يسجد لله كل من في السماوات ومن شاء الله من أهل الأرض وكذلك الشمس والقمر، ولكن كأن الشمس أداة تعذيب لأهل النار في النار، كما أن النار فيها ملائكة: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] موكلون بتعذيب أهل النار، فهؤلاء الملائكة لا يعذبون بالنار ولكن يعذبون أهل النار. والشمس والقمر يجعلهم الله أمام من عبدهما من دون الله سبحانه، فعباد الشمس الذين كانوا يسجدون للشمس ويعبدونها من دون الله، وعباد القمر الذين كانوا يعبدون القمر إذا كان يوم القيامة جمعوا معهما ومن كان يعبد شيئاً من دون الله، ثم يأمرهم الله أن من كان يعبد شيئاً يتبعه، فالشمس تمثل لعبادها فيتبعونها فتجري بهم إلى النار فيدخلون وراءها إلى النار، والقمر كذلك، فكأن الشمس والقمر يأخذان من عبدهما إلى نار جهنم، فيصيران أداة لتعذيب أهل النار والعياذ بالله، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. ولذلك جاء أن الحسن البصري سأل أبا سلمة فقال: وما ذنبهما؟ فقال أبو سلمة منكراً على الحسن: أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول: ما ذنبهما؟ يعني: الأصل أنك تذعن لما جاء به وتطيع لما قاله النبي ﷺ ، ولا تجادل مع كلام النبي ﷺ ، وكأن الحسن فهم أنهما يعذبان في النار، ولم يقل ذلك النبي ﷺ ، ولكن قال: (إن الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، يعني: على هيئة ثورين معقورين في النار، كأنه يعذب أهل النار بالنظر إليهما: هذا الذي كنتم تعبدونه من دون الله صار ثوراً عقيراً في النار، فهما أداة لتعذيب أهل النار، فالشمس بإحراقها تحرقهم، والقمر كان محرقاً مشتعلاً يوماً من الأيام، فكأن الله سبحانه يعيده إلى ما كان عليه لتعذيب أهل النار، والعياذ بالله.

стр. 2347

طلوع الشمس من مغربها في الحديث أن (الشمس والقمر يكوران يوم القيامة)، وفي الآية الكريمة: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، أي: إلى أن يأتي وقت قرارها يوم القيامة حيث تشرق من مشرقها وتغرب من مغربها، فإذا جاءت العلامة الكبرى للقيامة إذا بالله يحبسها عند مغربها ولا يأذن لها في الخروج. ويذكر النبي ﷺ أنها تستأذن ربها كل يوم عند المشرق وعند المغرب، فإذا كان يوم القيامة فإذا بالشمس تستأذن الله سبحانه فلا يأذن لها ويقال لها: اطلعي من حيث غربت، وهذه آية من آيات الله سبحانه، وهو علامة كبرى ليوم القيامة، وذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً. وعن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (أتدرون أين تذهب هذه الشمس؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، فلا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري حتى تنتهي إلى مستقرها تحت العرش فتخر ساجدة، ولا تزال كذلك حتى يقال لها: ارتفعي ارجعي من حيث جئت، فترجع فتصبح طالعة من مطلعها، ثم تجري لا يستنكر الناس منها شيئاً حتى تنتهي إلى مستقرها ذاك تحت العرش، فيقال لها: ارتفعي أصبحي طالعة من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها)، أصبحي، يعني: اطلعي في الصباح من مغربك، فتصبح طالعة من مغربها، فقال رسول الله ﷺ : (أتدرون متى ذلكم؟ ذاك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً). إذاً: الشمس تسجد تحت عرش الرحمن سبحانه في كل مطلع وكل مغرب، وطلوع الشمس في البلد الذي في المشرق يكون قبل طلوعها في البلد التي في المغرب، كأن الشمس في كل مطلع على بلد من البلدان ساجدة لله سبحانه مطيعة لأمر الله، حتى يأتي يوم القيامة، فإذا بالله سبحانه يأمرها أن ترجع وأن تطلع من حيث غربت، فتطلع الشمس من مغربها. ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، أي: طلوع الشمس من مشرقها وغروبها من مغربها آية من الآيات العظيمة، يعرف ذلك من يدرس علوم الفلك، فيرى كيف تجري الشمس، وكيف تدور هذه الأرض، وكيف تجري الكواكب والنجوم كل في فلك في السماء لا يصطدم مع الآخر، ولا شيء يمنعها إلا قدرة الله ، ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. قال سبحانه عن ذلك الكون العظيم وما خلقه الله ﵎ فيه ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨]، قدر للشمس أن تجري بحسب ما يشاء سبحانه في مدارها، ومستحيل أن تخرج عن هذا المدار، كذلك القمر يجري في مداره الذي قدره الله سبحانه، كل شيء له قدر وقضاء عند الله سبحانه حتى يأتي يوم القيامة، ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨].

стр. 2348

منازل الشمس والقمر قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. إذاً: هذا القمر قدر له الله سبحانه ثمانية وعشرين منزلة ينزل في كل ليلة في منزلة معين لا يخطئه، فالشمس تجري في مستقر لها في جريانها ونزولها، والله قدر أشياء لا تخطئ. قال : ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس:٣٩]، كما أن الشمس تجري إلى مستقرها كذلك القمر قدر الله له منازل، أي: جعل له منازل ينزل فيها حتى عاد كالعرجون القديم. وقراءة الجمهور: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩] كأنه منصوب على الاشتغال؛ لأن الفعل نفسه: قدرنا القمر منازل، هذه جملة من فعل وفاعل ومفعولين، والتقدير هنا: أنزلناه، (والقمر)، مفعول منصوب، والفعل الذي بعده شغل بمفعوله، ولذلك يسمى هذا بالمفعول على الاشتغال؛ لأن فعله نصب ضميره. وقرأها نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وروح عن يعقوب: (والقمرُ قدرناه منازل)، كأنه قال: آية لهم الشمس وآية لهم القمر. فالقمر آية من آيات الله سبحانه، والشمس آية من آيات الله سبحانه ﵎، فقدر للشمس ما تجري فيه من مدار في فلك معلوم حتى يأتي وقت استقرارها، وكذلك القمر قدر له الرب ﵎ منازل كل ليلة ينزل في منزلة معينة. ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ﴾ [يس:٣٩]. العرجون: هو عذق النخلة الأحمر الذي فيه البلح، والعرجون لو تتركه فترة حتى ييبس يزداد انحناؤه ويصفر لونه، وكذلك القمر يصير كالعرجون القديم قبل أن يستتر في آخر الشهر، فهو في نصف الشهر يكون مكتملاً، ثم يتناقص شيئاً فشيئاً حتى يصير كالعرجون القديم. ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. في الماضي لم يكونوا يعرفوا مدار أحدهما فهم يرونها في الفضاء فقط، لكن علماء الفلك الآن حددوا المدار الذي تبتدئ منه الشمس، ومستحيل أن يتقابل مدار الشمس مع مدار القمر في يوم من الأيام من أجل أن تدرك هذا القمر أو تلمسه. (ولا الليل سابق النهار) ولكن الليل في مكان والنهار في مكان آخر، يتواليان على الكرة الأرضية، لا الليل سيجري فيدفع النهار ويسبقه، ولا النهار يسبق مع الليل، ولكن كل في فلك يسبحون. وكل هذه الأجرام التي خلقها الله سبحانه في فلك سباحة، وهذا التعبير أعظم وأجمل من أن يقول: يجرون؛ لأن فيها معنى الجري والدروان فقط، والسباحة تدل على أن ما فوقه وتحته فراغ، كالإنسان عندما يدخل في الماء لا يعوقه شيء لا من فوق ولا من تحت، كذلك هذه الشمس وهذا القمر والأجرام كلها تسبح في هذا الفضاء، والإنسان لا يدري كيف تسبح إلا بقدرة الله ﵎.

стр. 2349

تفسير قوله تعالى: (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون) قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]. آية من الآيات العظيمة: أنا حملنا ذريتهم، وكلمة ذرية مأخوذة من الذر، وفي حديث النبي ﷺ أنه كان يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر ما ينزل من السماء، ومن شر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن ما يخرج منها) فهنا ذكر، (ذرأ) أي: بث ونشر وخلق. والذرية هنا بمعنى المخلوقين، فالذرية تطلق على الأبناء والآباء والرجال والنساء، فمن ذلك ما ذكره الله سبحانه ﵎ هنا في كتابه: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:٤١] فالذرية هنا هم الآباء الأولون في عهد نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذين خلقناهم وذرأناهم آية لهم، ولو نظروا لعرفوا أننا حملنا آبائهم الأولين الذين كانوا مع نوح في الفلك الذي ما كانوا يعرفون كيف يصنع حتى صنعه نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فكان قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الله سبحانه يمرون بنوح ويسألونه: ما هذا؟ يقول: فلك، فيقولون: وما تفعل بها؟ قال: تحمل على الماء، قالوا: أي ماء ونحن في صحراء؟ فكانوا يستهزئون به، قال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩] فصنع هذا الفلك، ولم يكن نوح نجاراً متخصصاً في صنع السفن، وإنما ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون:٢٧]، فأوحى الله العظيم إلى نوح أن يصنع هذا الفلك، فعلمه كيف يصنعه، وكان الكفار يمرون ولا يتخيلون كيف يحمل نوح وحده هذا الفلك إلى البحر، وما علموا أن البحر سيأتيهم، فكانوا يسخرون ويستهزئون، فإذا بالله يأمر السماء أن تفتح ماءها على الأرض، وأن تخرج الأرض ماءها، وانطبق ماء السماء على ماء الأرض، وأغرق الله الأرض ومن عليها، ونجى نوحاً ومن معه في فلك يحمل فيها من كل ما خلق الله زوجين اثنين ذكراً وأنثى، ولم يعش فوق الأرض إلا من كان في هذه السفينة. فآية من آيات الله أنه جعلكم ذرية هؤلاء، فتذكروا نعمة الله على آبائكم أن أنجاهم فكنتم أنتم أولادهم وأرسلنا إليكم من يدعوكم إلى الله لتؤمنوا، فاحذروا أن يصنع بكم مثل ما صنع بقوم نوح. ومن إطلاق الذرية على النساء ما جاء في حديث النبي ﷺ : (أنه رأى في غزوة من الغزوات امرأة قتلها جنود خالد ﵁، فأرسل النبي ﷺ إلى خالد قال للرجل: إلحق بـ خالد وقال له: (لا تقتل ذرية ولا عسيفاً)، والذرية هنا بمعنى امرأة، فكلمة الذرية تطلق في اللغة على هذا كله، وإن كانت أكثر ما تطلق على الأولاد. ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١] الفلك: السفينة، والفلك تطلق على المذكر والمؤنث، فتقول: هذه الفلك، وهذا الفلك، والفلك تطلق على المفرد وعلى الجمع، فهي كلمة مفردها فلك وجمعها أيضاً فلك. ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس:٤١] هذه قراءة الجمهور: ذريتهم. وقرأها نافع وأبو جعفر وابن عامر ويعقوب: ذرياتهم. (المشحون) الممتلئ، سفينة نوح كانت ممتلئة من الإنس والطير وممن شاء الله ، قال: ﴿احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠]، تخيل أن كل المخلوقات مثل الأسد والنمر والفهد كل هذه الأصناف التي لا تقدر أن تحصي عددها حمل نوح من كل شيء زوجين وجعلهم معه في السفينة، وأنجى الله هؤلاء، وأغرق من على الأرض. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] آية من آيات الله سبحانه أنه علم نوحاً كيف يصنع هذا الفلك الذي يسع هذا العدد الضخم، والإنسان عندما يتخيل أن رجلاً واحداً يصنع سفينة بهذا الحجم الذي يحمل هذه المخلوقات يقول: هذا شيء بعيد، لكنه توفيق الله والإعانة من الله . ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] أي لهؤلاء الناس، (من مثله): من مثل هذه السفينة يحملون فيها، وكذلك ما يركبون من مثل ذلك. وتخيل مثل ذلك مما خلق الله لهؤلاء ووفقهم أن يصنعوه من سيارة وطيارة وسفينة وعابرات للمحيطات، أي: من مثل الذي علمناه لنوح علمنا هؤلاء وذريتهم أن يصنعوا أشياء فيصنعون من مثله ما يركبون، فالفلك تسبح في البحر، ويصنعون أشياء تسبح في الجو، والله على كل شيء قدير، وهو الذي علمهم ذلك وخلق لهم من مثله ما يركبون، فله الفضل أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، فهو الذي أعطى للإنسان عقلاً يفكر، ففكر في هذا الشيء وأوجد له الأشياء التي صنع منها ما يركبه في البر والبحر والجو. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣] نحن أركبناهم هذه السفينة، وعلمناهم كيف يصنعون الفلك، فلما صنعوا الفلك اغتروا وعبدوا غير الله ﵎، وإن نشأ نغرق هؤلاء فلا يوجد لهم من يغيثهم إذا أغرقناهم. والصريخ: المغيث والمنقذ، فلا يوجد من ينقذ هؤلاء إذا أردنا أن نهلكهم ونغرقهم ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣]، والإنسان إذا تطاول على الرب سبحانه أرسل إليه من يقصمه. فالله وحده على كل شيء قدير، والإنسان عاجز لا يقدر، كم صنع الإنسان من سفينة وأراد الله إغراقها فحطمها، ونذكر سفينة تيتانك التي صنعها أصحابها وسموها بالسفينة التي لا تقهر، وإذا بها أول ما نزلت وركبها أغنياء العالم إذا بالله يقصمها، وتقف السفينة وتنكسر نصفين في المحيط ويغرق الجميع. هذا غرور الإنسان الذي يوحي له ويوهمه أنه يقدر على ما لا يقدر عليه أحد، صعدت مركبة إلى القمر ثم المركبة الثانية، وبعد ذلك قالوا: سنعمل على القمر مستعمرة، ومواصلات بين الأرض والقمر، وسنعمل وسنعمل، ثم تصعد مركبة فضائية فتحترق، ثم يعيدوا الكرة وتحترق وتنزل إلى الأرض. الإنسان عندما يغتر ويظن أن بقدرته أن يصنع ويعمل إذا بالله يريه آياته ويحطمه ويهلكه ويضيع له هذه الأشياء التي يصنعها، فإذا وصلوا إذا بالله يرينا آيات عظيمة من آياته التي يذكرها لنا في كتابه. رواد الفضاء الأمريكان عندما تكلموا عن الصعود للفضاء، وقال لهم الناس: هذه الأموال الضخمة التي تصرفونها على القمر اصرفوها على الفقراء، قالوا: نحن طلعنا القمر واكتشفنا منه معلومات تساوي ما أنفقناه حتى نصل إليه. فقيل لهم: ما أهم حاجة وصلتم إليها؟ قالوا: وصلنا لحاجة عجيبة جداً، اكتشفنا أن هذا القمر انشق يوماً من الأيام. وقد قال الله ذلك في كتابه من ألف وأربعمائة عام، قال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وجاء في حديث النبي ﷺ في الصحيح: أن كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : إن كنت نبياً فأرنا آية. فواعدهم ليلة، وأراهم انشقاق القمر إلى فلقتين، فإذا بهم يرون نصف القمر أمام الجبل والنصف الآخر وراء الجبل، قالوا: سحرتنا، فقال بعضهم لبعض: إن كان سحرنا فلن يسحر غيرنا، فلننتظر إذا جاء ركب ونسألهم، وانتظروا أياماً وجاء ركب وسألوهم: الليلة الفلانية هل أحد منكم رأى القمر؟ قالوا: نعم. وما رأيتم؟ قالوا: رأيناه انشق ثم رجع كما كان. هذا قاله النبي ﷺ فلم يصدق هؤلاء الكفار، والمؤمنون على استحياء قالوا: انشق القمر مثلما قال ربنا، والبعض منهم قال: بل هو سينشق يوم القيامة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] يعني: سينشق القمر يوم القيامة حتى لا يقال لهم: لقد قلتم ما لم نره، ولكن النبي ﷺ ذكر ذلك، وجاء الحديث الصحيح بذلك، وجاء رواد الفضاء ليقولوا: هذا القمر انشق. من أين عرفتم؟ قالوا: رأينا في صور القمر هذا المكان، عرفنا أنه انفلق في يوم من الأيام، ورجع مرة ثانية لمكانه، لكن واضح أثر الشق في القمر كله، هؤلاء يصدقون ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، هذه آية من آيات الرب . ويقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣]. لا صريخ: لا منقذ ولا مغيث لهم. ولا هم ينقذون: لا ينقذهم أحد إلا رحمته، فلا أحد يجيرهم ولا يرد عليهم ولا ينقذهم. ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس:٤٤] من رحمة رب العالمين أن شاء سبحانه أن يترك هؤلاء ولا يستأصلهم، يعني: لأجل رحمة من الله سبحانه تركنا هؤلاء، فلم أستأصلهم بعذاب وأخرناهم إلى يوم القيامة لعله يخرج من أصلابهم من يعبدون الله ولا يشركون به شيئاً، ومتعناهم إلى حين حتى يأتي الأجل، ثم عذاب رب العالمين أو رحمته سبحانه. نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2350

تفسير سورة يس [٤٣ - ٥٠] من نعم الله تعالى على خلقه أن جعل لهم فيما سبق ما يعينهم في أسفارهم وحمل رحالهم، ثم وفقهم بأن صنعوا ما يركبون عليه في البحر والجو، وكل هذا متاع زائل في الدنيا ولو شاء الله ما أوجده لهم، أو أوجده وأغرقهم وأماتهم بسببه، ولكنها رحمة الله بعباده، ورغم ما أعطاهم من نعم إلا أنهم يمنعون أموالهم عن الفقراء، وينسون أن الذي يعطي ويمنع هو الله، بل ويطالبون بالساعة، ولا يعلمون أنها صيحة واحدة تأخذ جميع الأحياء فلا ينصرون.

стр. 2351

تفسير قوله تعالى: (وخلقنا لهم من مثله ما يركبون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ * وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ * إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٤١ - ٥٠]. في هذه الآيات من سورة يس يخبرنا الله عن آياته العظيمة التي يراها الناس في الدنيا ولا يؤمن بها إلا المؤمنون المتقون، ومن تلك الآيات: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [يس:٤١]، ذكرنا أن الذرية تطلق على الآباء والأبناء والرجال والنساء، وإن كان الغالب في قوله الذرية أنها تطلق على الأبناء، وفي هذه الآية المقصود بهم ذرية آدم ممن ذرأ الله وبث ونشر من نفس آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. (في الفلك المشحون)، يعني: أيام نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حملنا من ذرية آدم من آباء هؤلاء في سفينة نوح، والفلك هو السفينة. ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] الله سبحانه خلق العباد وما يفعلون، وعلم نوحاً كيف يأخذ الأشجار ويقطعها ويصنع منها سفينة عظيمة تحمل هذا الكم من المخلوقات التي كانت في عهده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢] فيها الإشارة إلى أن الله يوفق الإنسان لصنع أشياء ليست على باله، فكانوا في الماضي يركبون الإبل والسفن، وخلق لهم من مثل هذه السفن ما يركبون من سيارات وطائرات وصواريخ ومركبات فضائية وأشياء يركبونها في البر والبحر والجو، فخلق الله من مثل ذلك ما يركبه الإنسان في كل زمان ومكان. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (سيكون في أمتي رجال يركبون على السرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت ورائكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمكم نساء الأمم قبلكم). هذا الحديث العجيب عن النبي ﷺ -وهو حديث صحيح- فيه إشارة إلى ما ذكرنا من أن الله يوفق الخلق لصنع أشياء ليست على بالهم، فخلق لهم الله سبحانه ما شاء من الإبل والخيل والبغال والحمير ويخلق ما لا تعلمون، لو ذكر لهم في الماضي أنه سيخلق لكم طائرات ما عرفوها، فالله لا يكلمهم عن أشياء لا يقدرون أن يفكروا فيها، ولكن قال يخلق لهم من مثله ما يركبون، كما أنه أعانكم فصنعتم هذه السفن التي تركبونها في البحر، كذلك يخلق ما لا تعلمون سبحانه، ويخلق لكم من مثله ما تركبون. قوله ﷺ : (سيكون في أمتي رجال يركبون على السرج كأشباه الرحال) الرحل: شيء يوضع على الجمل ليوضع عليه كرسي فوق الجمل يركب عليه الإنسان، فيكون ذلك في زمن من الأزمان يظهر فيه العري مثل زماننا هذا وليس أيام النبي ﷺ ، فما كان هناك عري ولا متبرجات ولا كاسيات عاريات، وفي هذا الزمن ظهر ما يركب الناس من سيارات وقطارات، وفي هذا الحديث تحقق ما ذكره النبي ﷺ ، فما يركبونه كأشباه الرحال، يعني: ما يجلس عليه كأشباه هذا الرحل الذي تضعه فوق الجمل، فكأنه يشير للسيارات فهي مسرجة. هؤلاء ينزلون على أبواب المساجد للصلاة ويرى نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، تخيل جنازة جاءت إلى المسجد فينزل البعض للصلاة على الجنازة، والأغلب في السيارات يشاهدون النساء اللاتي في السيارات وهن متبرجات، يقول النبي ﷺ عن هذه المرأة المتبرجة: (نساءهم كاسيات عاريات)، يعني: لابسات وكأنهن غير لابسات، مثل اللبس الذي يصف ما تحته، والثياب اللصيقة بجسدها وتحسر عن شعرها وتعري بدنها، قال ﷺ : (على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف) يعني: شعرها فوق رأسها عالٍ، وكما يصنع عند الكوافير فيجعل رأسها مثل القبة التي تشبه سنام الجمل. (العنوهن فإنهن ملعونات)، لعنهن النبي ﷺ ، وأمر بلعنهن. (لو كانت أمة من الأمم) يعني: لو أن الله سيجعل أمة أخرى، وهذا ما لا يكون فإن آخر أمة من الأمم هي أمة الإسلام وعليها تقوم الساعة، لكن لو وجدت أمة أخرى بعدنا لجعل الله هؤلاء خادمات عند الأمم الآتية كما جعل نساء بني إسرائيل خادمات عند الأمم التي تليها بسبب تبطرهن على نعمة الله سبحانه، وكفرهن بالله ، قال: (لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم كما يخدمكم نساء الأمم قبلكم). هذا الحديث العجيب الصحيح عن النبي ﷺ يبين فيه أشياء من معجزاته ﷺ ، يخبر بالشيء فيكون، أخبر ﷺ أنه سيركب الناس على أشياء كأمثال الرحال ولكن ما هي رحال، فصنعوا السيارات وركبوا القطارات، قال الله سبحانه: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس:٤٢]. ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنقَذُونَ﴾ [يس:٤٣]، لو أردنا ولكن لأجل رحمة الله لم يصنع بهم ذلك. قال: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا﴾ [يس:٤٤] ليس أبدياً، ولكن ((إِلَى حِينٍ)) نمتعهم إلى حين حتى يأتي عليهم أجلهم فينظرون كيف نصنع بهم.

стр. 2352

تفسير قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم) قال الله عن هؤلاء الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:٤٥]. عندما يقول النبي ﷺ لهؤلاء الكفار وكذلك يقول الدعاة للكفار: ((اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ)): من وقائع حدثت في الأمم السابقة قبلنا من المثلات، وما نزل من هلاك على هؤلاء القوم من عذاب من عند الله سبحانه. فقوله: (ما بين أيديكم): ما تقدم وسبقكم في الأمم السابقة كيف أهلكنا قوم نوح وعاد وثمود أصحاب الأيكة وقوم فرعون ولوط، أرأيتم ما الذي تقدم؟ هذا ما بين أيديكم من السابقين قبلكم. (وما خلفكم) أي: ما وراءكم من غيب لا يعلمه إلا الله سبحانه بعد ما تموتون وينكشف أمامكم الحجاب، وترون عذاب الله ، فإذا قيل للكفار: اتقوا النقم التي نزلت في السابقين، واحذروا من غضب الله وما أعده للكافرين، واجعلوا بينكم وبين غضب الله وقاية من الإيمان والعمل الصالح لعل الله يرحمكم ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس:٤٥] كان جواب هؤلاء أنهم لا يؤمنون. ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس:٤٦] فكأن الجواب إذا قيل لهم ذلك: أعرضوا عن النبي ﷺ ، وأعرضوا عمن يدعونهم إلى الله سبحانه، وإذا رأوا الآيات البينات لم يزدهم ذلك إلا استكباراً ونفوراً ((وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ)) قرآنية تتلى عليهم، أو آية حسية من آيات الله سبحانه مرئية ((إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)). ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا﴾ [يس:٤٧] إذا قيل للكافر: أنفق لله سبحانه فقد أعطاك مالاً، فلم لا تعط المساكين والفقراء؟ إذا قيل لهم: أنفقوا مما رزقكم الله، قال هؤلاء الكفار للذين آمنوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧]، أنحن نطعم هؤلاء؟! إذا أراد ربنا أن يؤكلهم أكلهم، ونحن لماذا نرزقهم وأنتم تقولون: ربكم هو الرزاق ، فلو أراد أن يتركهم تركهم، فكأنهم يحتجون بالقدر، الكلام صحيح والمراد به باطل، مثلما قال الكفار: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥] فاحتجوا بالقدر على الله ، ونقول: صحيح لو شاء الله لهداكم أجمعين، ولكن هل أمركم الله أن تحتجوا بقضائه وقدره، أم أمركم بما تقدرون عليه من عمل؟ أنت تنفق مالك في هذا المجال وفي هذا المجال، لم لم تقل: لو شاء الله ما أنفقت، أو لو شاء الله كان فعل كذا؟ أنت تجوع، فتنفق مالك لكي تأكل، فلماذا لا تحتج بالقدر في هذا الشيء وتقول: لو شاء الله لأطعمني؟ هل منهم من يقول هذا الشيء؟ لا. يحتجون بالقدر فيما يريدون ويتركون الاحتجاج فيما لا يريدون، فهم كذابون يتكلمون على الله بما لا يعرفون. القضاء والقدر أمرنا أن نؤمن به، وكلفنا الله بالعمل وبالأخذ بالأسباب، فتعلم أن الله على كل شيء قدير يقدر الأرزاق لعباده، يرزق من يشاء، ويجعل أسباباً للرزق: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، لم لا تجلس في بيتك وتمطر عليك السماء ذهباً وفضة؟ ولكن تخرج لتبحث عن الرزق، فإذا وجدت الرزق فهو قضاء الله وقدره ، فلا تحتج بالقدر على كفر تدعيه وتقول به، فهؤلاء الكفار يقولون لو شاء الله لأطعم هؤلاء الذين نحن نطعمهم، يقولون ذلك لنبيه ﷺ ولمن يأمرهم بذلك. ولماذا يأمرهم ﷺ أن يطعموا هؤلاء؟ هو يأمرهم ابتداء بالإيمان، فيقولون: وإذا آمنا ستقول لنا: أخرجوا من أموالكم نفقات، افعلوا كذا وكذا، أتأمرنا بهذا كله؟ تريد أن تأخذ أموالنا لتطعم الفقراء؟ فكأنهم رفضوا الإيمان حتى لا يتحكم فيهم النبي ﷺ ، فيقول لهم: صلوا، صوموا، زكوا، افعلوا المعروف، وهم لا يريدون أن يأمرهم النبي ﷺ بذلك. قالوا: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧] كما قالوا قبل ذلك: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] كذلك قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]، فالمنافقون قالوا: نشهد أنك رسول الله، والله يشهد بكذبهم في هذا الشيء، فيتكلمون بالكلام الكذب، ويشهدون الله سبحانه على ذلك، ويحتجون بأشياء على ربهم ، ويكذبهم ربهم سبحانه فيما يقولون، يقول: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١]؛ لأنهم قالوا: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]، وقال الله سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [المنافقون:٧]، الله الغني عنكم وعن أموالكم، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر:١٥ - ١٧]. ولكن حين يأمر الأغنياء أن ينفقوا على الفقراء ليس لكون الله سبحانه لا يريد أن يرزقهم، ولكن لتنتفع أنت بما تنفق على الفقير، فتؤجر من الله الغني العظيم سبحانه، ويعطيك الأجر ويزيدك من رزقه، والمال مال الله سبحانه، فإذا كان معك مال وجبت فيه الزكاة، فالمال مالك باستثناء الجزء الذي هو الزكاة، فالنبي ﷺ يأمرنا بأدائها، فإذا ملك الإنسان عشرين ديناراً من الذهب يجب عليه فيها الزكاة ربع عشرها، فيلزمه أن يخرج هذه الزكاة، وإذا كان يملك مائتي درهم من الفضة يلزمه أن يخرج ربع عشرها، إذاً أنت لا تملك هذا الجزء بل هو مال الله سبحانه، وأنت تملك باقي المال، وهذا يلزمك أن تخرجه إلى أصحابه. فالله يرزقك هذا من ماله، أعطاك أنت الألف وأمرك أن تخرج لهذا الإنسان الفقير خمسة وعشرين، فجعل لك أنت سلطة أن تعطي لفلان أو لفلان، أما أن تحتج، وتقول: لو شاء الله لأعطاهم، فقل أيضاً: ولو شاء الله لمنعني ولأعطى هؤلاء، فخف من الله ، وتعامل معه فأعط خلق الله كما أمرك الله . ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يس:٤٧].

стр. 2353

تفسير قوله تعالى: (ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨] يعني: أنت تأمرنا بتقوى الله، لماذا؟ ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، هم يدعون ربهم أن عجل يوم القيامة، ويسألون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس:٤٨]. فيجيبهم ربهم : ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٤٩] هم يظنون أن يوم القيامة شيء صعب، ولا يعلمون أنه صيحة واحدة بنفخ في الصور يهلك بها جميع هؤلاء، فلا يقدرون على الرجوع إلى أهلهم، ولا يقدرون على حياتهم بعد ذلك إلا أن يحييهم الله للبعث والنشور. ((مَا يَنظُرُونَ إِلَّا)) بمعنى: ما ينتظرون إلا صيحة واحدة وهي النفخ في الصور حين يأمر الله إسرافيل أن ينفخ في الصور، فينفخ نفختين، نفخة الإماتة ثم نفخة البعث من القبور. ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ﴾ [يس:٤٩] تأخذهم هذه الصحية وتهلك كل من فوق هذه الدنيا. ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩] هذه الكلمة (يخصمون) أصلها يختصمون، يعني: يختصمون في أمر الدين والدنيا ويكذب بعضهم بعضاً، ويخاصم بعضهم بعضاً، وهم في وسط هذا الشغل جاءت الصيحة فأخمدت الجميع ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٥٠] لا يقدر أن يوصي بعضهم بعضاً بالمال والأولاد. ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ [يس:٤٩] فيها ست قراءات، وكل القراءات راجعة إلى معنى الاختصام: أسهل قراءة فيها قراءة حمزة (وهم يخصمون) أي: يجادل بعضهم بعضاً ويختصم بعضهم مع بعض. والقراءة التي عندنا في المصحف ((يَخِصِّمُونَ)) هذه قرأها ابن عامر بخلف هشام ويقرؤها عاصم بخلف شعبة. ويقرؤها غيرهم كـ الكسائي ويعقوب وخلف ((وَهُمْ يَخِصِّمُونَ)). ويقرأ قالون وأبو جعفر (وهم يَخْصِّمُونْ) الخاء ساكنة والصاد مشددة، وأصلها يختصمون، وهذه قراءة لـ قالون، وله فيها ثلاثة قراءات. وقراءة قالون الثانية وقراءة ورش وابن كثير وأبو عمرو بخلف فيه: (وهم يَخَصِّمُون) وهذه قريبة من يَخْتَصِمُون. ويقرأ قالون قراءة ثالثة وأبو عمرو أيضاً بخلفه بالاختلاس. وقراءة شعبة عن عاصم فيها إتباع الكسرة للكسرة فالقراءة: (يِخِصِّمُون) وهذه لغة فيها. وقراءة حمزة (يَخْصِمُون) وهي أسهل هذه القراءات. كل القراءات مرجعها إلى الاختصام، هذا الاختصام والانشغال بالدنيا يوضحه لنا ما رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (لا تقوم الساعة حتى تقتل فئتان عظيمتان يكون بينهما مقتلة عظيمة دعوتهما واحدة)، وهذا حدث بعد عهد النبي ﷺ بين علي بن أبي طالب ﵁ ومعاوية رضي الله تعالى عنه، بين أهل العراق وبين أهل الشام، حيث حصلت مقتلة عظيمة واقتتال كبير، ولعله يحدث بعد ذلك قرب قيام الساعة. قال: (وحتى يبعث دجالون ثلاثون كلهم يزعم أنه رسول الله)، ثلاثون كذاباً يظهرون للناس قبل قيام الساعة كل واحد منهم يزعم أنه رسول من عند رب العالمين . (وحتى يقبض العلم) يضيع العلم بقبض العلماء، فإذا بالناس جهلاء يستفتي بعضهم بعضاً فيفتون بجهل. (وتكثر الزلازل) كانوا فيما قبل يقولون: إن البلاد العربية بعيدة عن حزام الزلازل، أما الآن فقد دخلنا في حزام الزلازل. قال: (ويتقارب الزمان) يعني: لا تبقى بركة في الزمان، الوقت كله يجري، وصدق رسول الله ﷺ ، اقرأ في كتب التواريخ كيف كان الوقت عند السابقين، ستجد فعلاً أن وقتنا قصير، مثلاً: الإمام النووي ﵀ ما بين الصبح إلى الظهر يحضر اثني عشر درساً، ويموت الإمام النووي عن ست وأربعين سنة ويترك كتباً كثيرة منها المجموع هذا الكتاب الضخم في فقه الشافعي، وكتاب روضة الطالبين، وهو كتاب ضخم من كتب الفقه، وكتاب تهذيب الأسماء واللغات، ورياض الصالحين، وكان ينصح ألا يؤلف أحداً قبل سن الأربعين، يا ترى هل ألف هذه الكتب رحمة الله عليه هكذا؟ عندما ننظر في حفظ هؤلاء للأحاديث مثل الإمام أحمد فقد كان يحفظ الحديث من عشر طرق ومن عشرين طريقاً ويعتبر كل واحد منهم حديثاً، ويقول: أحفظ ألف ألف حديث. أي: مليون حديث. كان الوقت بالنسبة لهم طويلاً، وهو هو نفس الزمان، ولكن اليوم كان يصنع فيه أشياء لا نقدر أن نصنعها نحن الآن لتقارب الزمان ولقلة البركة، اليوم يجري والشهر والعمر كله ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: (وتظهر الفتن) وما أكثر الفتن الموجودة في عصرنا، وما يأتي بعد ذلك أكثر، نسأل الله العفو والعافية. (ويكثر الهرج) والهرج القتل كما جاء في حديث آخر، يقتل الناس بعضهم بعضاً، ولا يدري القاتل فيما قتل، ولا القتيل فيما قتل، وتكثر شراسة الأخلاق، وزماننا كثر فيه ذلك بسبب ما فيه من فتن عظيمة وبعد عن الله ، وتقليد للغرب الكافر، يخترعون للناس الألعاب على الكمبيوتر والأفلام الجنسية، أو أفلام سب وقتل ونصب وفضائح ويقلد الناس ما يرونه فيها ويقتل بعضهم بعضاً، ثم يندم بعد ذلك ولا ينفعه ندم. (ويكثر فيكم المال) سيجيء زمان يكثر فيه المال، فيفيض المال حتى يبحث رب المال عمن يقبل صدقته فلا يجد، كأنه يقول: أدرك نفسك وتصدق قبل أن يأتي زمان تبحث فيه عمن تعطيه الصدقة فلا تجد، لعل الرجل يتصدق ولعله يتصدق الرجل بالمائة دينار فلا يجد من يأخذ منه. (وحتى يتطاول الناس في البنيان) العمائر الشاهقة العالية وقد حدث ما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه وتطاول الناس في البنيان. (وحتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيقول: يا ليتني مكانه) يمر الرجل بقبر الرجل يقول: ياليتني مكانه، من كثرة مصائب الدنيا والابتلاءات يتمنى الموت، ونجد نحن من ينتحر من الفتن ومما صنع في الناس ومما يصنع ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال: (وحتى تطلع الشمس من مغربها) فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، هذه العلامة الكبرى للساعة، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. الشاهد: قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه) ذهب ليشتري قماشاً فيخرج إلى السوق ويتبايع هو والتاجر، وتقوم الساعة على هذه الصورة، فلا يطوي هذا الثوب ولا يستلم هذا المال. قال ﷺ : (ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه) حلب الرجل ناقته وأخذ اللبن لكي يشربه، وقبل أن يشرب هذا اللبن تقوم. (ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقي فيه) الحوض الذي يسقي فيه الغنم والإبل أحضر له الطوب وملأه ماء وأتى بالإبل لتشرب، فتقوم الساعة قبل ذلك. (ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها) تقوم الساعة والناس في انشغال، وتأتي الساعة عليهم وهم في انشغال عن الآخرة والعمل الصالح. ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الحديث الانشغال بالدنيا والفتن والتكذيب بآيات الله سبحانه، ثم تأتي الساعة عليه فلا يقدر على أن يوصي أحداً بخير ولا بماله ولا بتقوى الله، بل يأتي عليه الموت قبل ذلك، وهذا أشد ما يكون على الإنسان أن يؤخذ بغتة، وجاء في حديث النبي ﷺ الصحيح قال: (موت الفجأة أخذة أسف) يعني: الإنسان الذي يمرض قبل وفاته هذه من علامات حسن الخاتمة؛ لأن الله يكفر عنه السيئات بهذا المرض، بينما من يكون فيه غرور وبعد عن الله يخاصم فلاناً ويشتم فلاناً ويؤذي فلاناً ثم يأتيه الموت فجأة، كمن يشرب الحشيش والمخدرات، يموت فجأة فهذه أخذة أسف، أخذة غضبان، وإذا غضب الله على إنسان جعل وفاته وهو في لهوه ولعبه، وجاءه الموت فجأة فلا يقدر على التوبة، أو يقول لا إله إلا الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى وآله وصحبه أجمعين.

стр. 2354

تفسير سورة يس [٥١ - ٥٨] خلق الله ملكاً ووكل إليه مهمة واحدة هي النفخ في الصور مرة لصعق الأحياء وأخرى لبعث الأموات، وحينها يخرج المكذبون ويقولون: من بعثنا من مرقدنا؟ فيجابون بأن هذا مصداق وعد الله على لسان المرسلين، وحينها تنصب الموازين، ويحاسب الخلق، فيدخل أهل الجنة الجنة، فينشغلون بلذة ونعيم مقيم، وسلام من رب العالمين.

стр. 2355

تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ * قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ * فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥١ - ٥٨]. يخبر الله في هذه الآيات عن النفخ في الصور، وقيام الساعة، والبعث من القبور، والحساب بين يدي الله سبحانه، وكيف يصير الناس فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير.

стр. 2356

النفخ في الصور لصعق الأحياء قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [يس:٥١]. الصور: البوق الذي يحمله إسرافيل الملك الموكل بالنفخ، فينفخ فيه بإذن الله ؛ فيصعق من في السموات ومن في الأرض، ثم يؤمر فينفخ فيه نفخة أخرى فإذا هم قيام ينظرون. نفختان ذكرهما الله في كتابه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، ينفخ نفخة الإماتة فيموت من في هذا الكون، ثم ينفخ نفخة أخرى لإحياء الموتى، ونفخ إسرافيل في الصور سبب، ولكن الذي يحيي ويبعث الناس ليجازيهم هو الله ﵎. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨] ومنذ خلق الله ﵎ إسرافيل وهو معه هذا الصور - وهو البوق الذي ينفخ فيه- ينظر إلى عرش الرحمن ينتظر متى يؤمر بالنفخ في الصور، يخاف أن ينشغل عن ذلك، فهو في نظر دائم متعلق بعرش الرحمن سبحانه حتى يأمره الله سبحانه في وقت حدده يعلمه الله ولا يعلمه غير الله . ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ﴾ [يس:٥١] والأجداث جمع جدث، والجدث: القبر، فإذا هم من قبورهم يخرجون وإلى ربهم ينسلون، أي: يمشون مشياً مسرعاً، ويخرجون من القبور ويقومون مسرعين متوجهين إلى مكان اجتماعهم وحشرهم وحسابهم.

стр. 2357

النفخ في الصور لإحياء الخلق قال تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] هذا كلام الكفار حين يبعثون ويعلمون أن مصيرهم إلى النار، فيقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ ويجابون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس:٥٢]، أو يقول بعضهم لبعض: هذا الذي كنا نكذب به من قبل، هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، لم يتبين لهم صدق المرسلين إلا حين جاءتهم الوفاة، حين دخلوا قبورهم، ثم بعثوا بعد ذلك من قبورهم تبين لهم في كل هذه المواطن أن الرسل كانوا على حق في حين لا ينفع ما تبينوه الآن، فقد صاروا إلى الآخرة وليسوا في الدنيا. ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ [يس:٥٢] يدعون بالويل، يعني: يا ويلنا احضر، والويل الهلاك، كأنهم يدعو أحدهم على نفسه بالهلاك، يقول: يا ويل احضر، يا هلاك احضر، تعالى الآن خذني. وهذه الكلمة فيها ما فيها من الرعب الذي يخرجون به من قبورهم. ﴿مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] والقبر مرقد لصاحبه، وهو إما روضة من رياض الجنة وإما حفرة من حفر النيران، فهم كانوا يعذبون في قبورهم ولكن الله سبحانه حين يأمر بالنفخ في الصور النفخة الأولى فيقضي على جميع الخلق بالموت، ويقضي على أهل القبور بالرقاد، وعندما يرقدون يرفع عنهم العذاب في هذه الفترة ما بين النفخة الأولى والنفخة الثانية. في الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (ما بين النفختين أربعون. قيل: أربعون يوماً؟ قال: أبيت. قيل: أربعون شهراً؟ قيل: أبيت. قال: أربعون سنة؟ قال: أبيت) راوي الحديث أبو هريرة ﵁ لا يدري أربعون يوماً أو شهراً أو سنة، قال: (أبيت) يعني: أن أتكلم فيما ليس لي به علم، والذي أخبر هو النبي ﷺ . قال: (ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل، ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب، ومنه يركب الخلق يوم القيامة)، الإنسان يبلى تماماً في قبره إلا آخر عظمة في العمود الفقري، وهي التي يكون منها الحيوان، وهي كالبذرة للإنسان ينبت منها يوم القيامة. فقال النبي ﷺ : (ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل) البقل: النبات الذي ينبت ساقه في الأرض وأوراقه عليها مثل الجرجير وغيره مما يخرج على الأرض، ينزل من السماء ماء وتنبت البقول وينبت الإنسان كما ينبت هذا النبات، ينزل من السماء ماء فيجمع الله الإنسان من كل مكان وينبت ويخرج مرة أخرى ويركب الخلق يوم القيامة من عجب الذنب. وهنا يسكت حفص بخلف: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس:٥٢]، وعندما نقول: سكت فهو بغير تنفس، فهي سكتة لطيفة خفيفة، ثم يقرأ ما بعد ذلك فهو إما أن تقف أصلاً عليها ثم تبتدئ من بعدها ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]، أو أنك تصل الآية، فإذا وصلت فعند حفص عن عاصم أنك تسكت سكتة حتى تفصل جملة عن جملة بهذا السكت، فيكون سؤالهم: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] أي: من بعثنا من هذا المرقد الذي نحن فيه؟ فيكون الجواب عليه من ملائكة الله : ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس:٥٢] يعني: هذا وعد الرحمن، ما وعدكم الرحمن سبحانه ﴿وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]، فكأن هذا مبتدأ وما بعده خبر له على هذا السكت. ولو وصل على قراءة جمهور بدون سكت ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢]، وهو وجه آخر لـ حفص عن عاصم في ذلك، يكون المعنى أنهم ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢]. ثم يجيبون على أنفسهم: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢] يعني: وعد الله ﵎ قد تحقق الآن وصدق المرسلون الذين كنا نكذبهم.

стр. 2358

بعث الخلق بنفخة واحدة قال الله : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٥٣]، (إن) بمعنى: (ما) ما كانت إلا صيحة واحدة. وقراءة الجمهور: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [يس:٥٣]، على أن صيحة خبر لكان فهي منصوبة. وقراءة أبي جعفر: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] على أن كان تامة، يعني: ما حدثت إلا صيحة واحدة، وليس أكثر من ذلك؛ لبيان قدرة الرب ، فهي صيحة واحدة ينفخ في الصور فيهلك الجميع، وصيحة واحدة فيبعث الجميع، ليس كل إنسان يحتاج لأن ينفخ له في الصور بمفرده، إن كان الرب سبحانه أماتهم فرادى، وكل إنسان جاءته الوفاة في وقته، ولكن لما قضى بالنفخ في الصور ليهلك جميع من فوق الأرض كانت نفخة واحدة، ولما أمر بإحياء الجميع ممن ماتوا قبل ذلك ومن ماتوا بهذه النفخة كانت صيحة واحدة، لبيان أن الله لا يعجزه شيء. ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣]، يحضرون أمام ربهم سبحانه، يقفون للجزاء، ليأخذ كل منهم صحيفة عمله، منهم من يأخذها باليمين، ومنهم من يأخذها باليسار من وراء ظهره، ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ﴾ [يس:٥٣] لا أحد يفلت، لا أحد يهرب، لا أحد يذهب بعيداً ويشرد عن هؤلاء، الجميع محصورون مجموعون لله رب العالمين. ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣] فلن يحضر بمزاجه، ولكن محضرون يساقون إلى محشرهم، أمر بهم ربهم فجيء بهؤلاء بين يديه قد حشروا وأحضروا ﴿فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٥٣].

стр. 2359

تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً) ((فَالْيَوْمَ)) يوم القيامة ﴿لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [يس:٥٤]، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] سبحانه ﵎، لا يظلم أدنى الظلم، ولو ظلم واحداً ظلماً يسيراً، وظلم الآخر ظلماً يسيراً لتجمعت المظالم. ويقول سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت:٤٦] بصيغة المبالغة، أي: ليس ظلاماً، فربنا لا يظلم أحداً. يقول الله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]. ((لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا)) الشيء هنا نكرة في سياق نفي، وهو يفيد العموم ((لا تُظْلَمُ)) أي شيء من الأشياء قل أو كثر، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]، الشر اليسير سيراه يوم القيامة وسيرى جزاءه، والخير القليل سيراه يوم القيامة ويرى ثوابه، ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، لن يقول العبد: يا رب! أنت قدرت علي هذا الشيء. ﴿وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]، هل ظلمناك؟ هل ظلمك كتبتي؟ والعبد يقول: لا يا رب لم يظلمني أحد، أنا الذي عملت هذه الأشياء جميعها، فيعترف العبد ويقر على نفسه في وقت لا ينفعه إقراره بين يدي الله ، هذا الكافر يقر على نفسه، وذاك المنافق ينفي ويقول: يا رب! لا أقبل اليوم شاهداً علي إلا من نفسي، فإذا بالله يختم على فمه، وتتكلم أعضاؤه فتشهد عليه، فيدعو على نفسه: ألا سحقاً لكن وبعداً فعنكن كنت أجادل؟ كان يجادل ويناضل ويدافع عن نفسه، فإذا بأعضائه تشهد عليه يوم القيامة، ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [يس:٥٤]. نفخ في الصور نفخة الموت، فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله. وفي الحديث عن النبي ﷺ : (لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق حين لا يقال على الأرض: الله الله) يرجع كل الناس إلى الكفر فلا أحد يقول: الله الله، ولا يعرف أحد ربه فتقوم الساعة على هؤلاء. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين يوماً أو أربعين شهراً أو أربعين عاماً)، هذا قول الراوي وهو عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله ﵎ عنه، وذكر النبي ﷺ : (أنه يمكث فيكم أربعين يوماً، يوم من أيامه كشهر، ويوم كسنة، وباقي أيامه كهذه الأيام، ثم يبعث الله سبحانه عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه). يخرج الدجال في الأرض ويزعم أنه إله، والله يفتن خلقه به، فإذا به يمر على قوم فيدعوهم إليه أن يعبدوه فيرفضون، فإذا بأرضهم تصير مجدبة لا مطر ينزل، ولا نبات يخرج، وهم المؤمنون بالله، ابتلاهم الله سبحانه ليرى هل يثبتون أم أنهم يكفرون ويتبعون هذا الدجال؟ هذا الدجال أكثر الذين يتبعونه من اليهود لعنة الله عليهم والمنافقين وغيرهم، فهؤلاء يمر عليهم فيقول: ألا تؤمنون؟ فيؤمنون به، ويستجيبون له، فإذا بالله يفتح لهم من الخيرات ليبتليهم ويظلوا على ما هم فيه من الكفر، فيأخذهم الله سبحانه على ذلك. ويقول النبي ﷺ : (فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه) فينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام في دمشق عند باب لد وينزل ويطلب المسيح الدجال ويقتله في قصة طويلة في حديث آخر عن النبي ﷺ . (ثم يمكث) يعني: المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام (في الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة). صار الناس في خير بعد نزول المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، (يكسر الصليب، ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام)، يقول: (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام)، إذا نزل المسيح عيسى فقتل المسيح الدجال، ومكث في الناس سبع سنين على تقوى وطاعة وليس فيهم معصية. (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته)، سبع سنوات والناس على خير، وفي عبادة الله سبحانه، ولما مضت هذه السنوات السبع بدأ يخرج الشر في الناس، فيرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام فتأخذ جميع الأبرار الأتقياء، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه)، فيقضي الله بأن يموت كل من هو مؤمن على الأرض. قال: (فيبقى شرار الناس) يعني: لا يبقى على الأرض إلا شرار الناس، (في خفة الطير وأحلام السباع) تقول: هذا إنسان خفيف يعني: متعجل متهور شرير مندفع، هذا الإنسان الذي هو في خفة الطير أول ما يجد شيئاً يندفع إليه. (وأحلام السباع) السبع الذي يبحث عن فريسة يغتصبها ويأكلها، كذلك هؤلاء همهم القتل والقطع والغصب، فهم في أحلام السباع وفي خفة الطير. (لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، فيتمثل لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم حسن)، هذا من الفتنة، ليس معنى أن الإنسان أعطاه الله المال لأن الله يحبه، فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولكن لا يعطي الآخرة إلا من يحب، فهؤلاء في أحلام السباع وفي خفة الطير في طيش، ومع ذلك يعطيهم الله سبحانه أرزاقهم، يأتي الشيطان إليهم فيأمرهم أن يعبدوا الأوثان من دون الله فيعبدونها من دون الله سبحانه، وهم مع ذلك دار عليهم رزقهم حسن عيشهم. (ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً) نفخ في الصور، جاءت القيامة، وأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة الموت حتى يموت من على الأرض، هؤلاء الأشرار الذين على الأرض لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، وهم فيما سمعنا من حديث النبي ﷺ : قد عبدوا الأوثان من دون الله سبحانه، فيأتي عليهم النفخ في الصور فإذا بهم حالاً يخمدون. يقول ﷺ : (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً)، الليت: صفحة العنق، وأصغى بمعنى: أمال، يعني: سمع صوتاً وهو يميل رأسه وعنقه يتسمع إلى الصوت ويجيء عليه الموت فيموت وهو على هذه الحال. قال ﷺ : (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله)، ذكرنا من قبل الإنسان الذي يلوط أو َيليط أو يُليط حوض الإبل، بمعنى: يصلح حوض الإبل بالحجارة، لكي تشرب منه الإبل. قال: (فيصعق ويصعق الناس) يعني: يجهز الحوض لكي تشرب الإبل فلا تدرك الإبل أن تشرب منه. قال: (ثم يرسل الله -أو قال- ينزل الله مطراً كأنه الطل -أو الظل- فتنبت منه أجساد الناس) مطر شديد ينزل من السماء فينبت الله هذه الأجساد الميتة. (ثم ينفخ فيه أخرى) هذه النفخة الثانية، وهما نفختان كما قال الله : ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]، قاموا من قبورهم ينظرون حولهم ما الذي يراد بهم؟ إلى أين يذهبون؟ هل أتى ربنا أم لم يأت سبحانه؟ (ثم يقال: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]). (هلموا) احضروا إلى ربكم، ((وَقِفُوهُمْ)) أيها الملائكة! قفوا هؤلاء بين يدي الله ((إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ)). (ثم يقال: أخرجوا بعث النار) وهذا يقوله الله لآدم، يناديه يوم القيامة: (يا آدم! أخرج بعث النار، يقول: وما بعث النار؟ يقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) يعني: أخرج من كل ألف من الموجودين في المحشر تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار، وواحد فقط الذي يكون إلى الجنة، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. قال النبي ﷺ : (فذاك يوم يجعل الولدان شيباً، وذلك يوم يكشف عن ساق). هذا اليوم يوم يجعل الله الولدان فيه شيباً، تشيب فيه رءوس الولدان من شدة ما يرون في هذا الموقف بين يدي الله ، عندما نذهب لنرى نتيجة الامتحان، ويقال: نصف المدرسة راسبون يفزع الناس من الذي سينجح إذا كان النصف راسباً؟ ما بالك بتسعمائة وتسعة وتسعين في النار، الناجح واحد وتسعمائة وتسعة وتسعون يدخلون النار والعياذ بالله، هؤلاء بعث النار.

стр. 2360

تفسير قوله تعالى: (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) يقول ربنا ﵎: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥]. عندما يدخل أهل الجنة الجنة بعد الحساب والموقف بين يدي الله يدخل أناساً الجنة بغير حساب، وأناساً خفف عنهم الحساب، وأخر آخرين فإذا بأهل الجنة السابقين السابقين يسبقون إليها، وصاروا في الجنة في شغل فكهون. وانظر إلى تعبير القرآن العظيم: ((أَصْحَابَ الْجَنَّةِ)) كأنهم ملكوها، هذه الجنة جنتكم، هذه التي أعددناها لكم. ((فِي شُغُلٍ)) هذه فيها قراءتان: قراءة ابن عامر والكوفيين وأبي جعفر ويعقوب: ((فِي شُغُلٍ)) بضمتين. وباقي القراء نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: ﴿فِي شُغْلٍ﴾ [يس:٥٥]. ((فَاكِهُونَ)) أي: منعمون، تقرأ ((فَاكِهُونَ)) وتقرأ ((فَكهُونَ))، مثلما يقال: تامر ولابن، يعني: عنده تمر وعنده لبن، كذلك هذا فاكه يعني: عنده فاكهة عظيمة، ففاكهون يسرون ويضحكون في سعادة هؤلاء أهل الجنة، وكذلك ((فكهون))، يعني: نفوسهم طيبة منعمة بالجنة. ((فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ))، قد شغلوا بما في الجنة من نعيم، شغل الدنيا يتعب فيه الإنسان ويرجع يريد أن ينام ويستريح، فالجنة ليس فيها نوم ولا تعب ولا انشغال بمعاص، بل في شغل مما يسر أهل الجنة، ويجعلهم مشغولين عن غيرهم، ينشغلون عن أهل النار، فلا ينظرون إليهم، حتى وإن كان من أهلهم من دخل النار واستحقها والعياذ بالله، إلا أن يأذن الله في الشفاعة فتكون لمن دخل النار من عصاة الموحدين، فيخرجونهم من النار بفضل ربنا يشفع فيهم من يشاء. لكن أهل الجنة فيما هم فيه من نعيم مقيم مشغولون بفاكهة الجنة، بطعام الجنة، بالحور العين، بالسماع، قد منعوا في الدنيا من سماع الموسيقى والألحان، قال النبي ﷺ في الحديث: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)، أقوام يستحلونها، فقد حرمها عليهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا في صحيح البخاري من حديث أبي مالك الأشعري. قال: (فإذا جاءوا يوم القيامة دخلوا الجنة فاستمتعوا بأحلى الأصوات وأحلى النغمات)، فهم في شغل بما ينعمون فيه في الجنة من نعيم مقيم، انشغلوا عن غيرهم ممن دخلوا النار، فيشغلهم الله ﵎ بالحور العين، يشغلهم بفاكهة الجنة، وبما أحبوا واشتهوا من أشياء، قد صانوا أنفسهم في الدنيا عن معاصي الله فصارت لهم الجنة بما فيها من نعيم من عند الله سبحانه.

стр. 2361

تفسير قوله تعالى: (هم وأزواجهم في ظلال) قال تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ [يس:٥٦]: كل إنسان مع زوجاته في الجنة، له من الحور العين ما شاء الله ﵎، كذلك زوجته التي كانت معه في الدنيا تكون من أجمل ما يكون في الجنة، فها هو وزوجه إذا دخلت معه الجنة كانوا منعمين. ﴿فِي ظِلالٍ﴾ [يس:٥٦]، جمع ظل، هذه قراءة الجمهور. وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ﴿فِي ظلل﴾ [يس:٥٦] جمع ظلة، والظلة: الشيء الذي يجعل فوق رأس الإنسان، والجنة ليس فيها شمس تحرق أهلها، ولكن فيها نعيم الزينة فيزين لأهل الجنة مثلما تجد في الأفراح يعمل للعروسة شيء فوق رأسها، ليس لأنه يوجد مطر، وإنما زينة للعرس، وزينة أهل الجنة أعظم من ذلك بكثير، شبهوا بالعروس في الدنيا؛ لأن العروس في الدنيا تتزين لزوجها، فهؤلاء في الجنة زينت لهم الجنة على ما نسمع هنا. يقول سبحانه: ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [يس:٥٦]، الأرائك: جمع أريكة، وهو: الكرسي الكبير المتسع، أو العرش الذي يجلس عليه الملك، أو السرر في الحجال، يقول المفسرون: الأرائك: السرر في الحجال، والحجال: جمع حجلة، والحجلة: البيت الذي يصنع من قماش للعروس لتجلس فيه، مثلما يقولون الآن بألفاظهم: الكوشة، وهي قبة معمول لها زينة من فوقها ومن تحتها وفيها كرسي تجلس عليه العروس، فأهل الجنة في هذه الحجال. ﴿عَلَى الأَرَائِكِ﴾ [يس:٥٦] بيوت عظيمة جميلة مزينة لأهلها. ((مُتَّكِئُونَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: ((متكون)). يتكئ الإنسان أي: يجلس مسنداً ظهره ويده. في الدنيا لا يجلس المؤمن متكئاً وهو يأكل؛ لأن النبي ﷺ قال: (إني لا أجلس متكئاً) الإنسان المرفه يجلس متكئاً على اليمين أو الشمال يأكل، أما الجائع فهو مقبل على الطعام حامد لله سبحانه، شاكر له، جالس جلسة المتخشع، لكن الإنسان البطر الذي عنده الأكل كثير يجلس هذه الجلسة، وهو في الدنيا ممنوع منها، ولكن في الجنة اجلس كما شئت، اتكئ كما شئت، فالآن وقت الجزاء ووقت الثواب ووقت السرور والفرح فاجلس كما شئت. ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ [يس:٥٧] وهم في هذه الجلسة في هذه الخميلة الجميلة متكئون ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ [يس:٥٧] فاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، ليس محتاجاً إلى قطع الثمار من الأشجار ولكن يطلب ما يشاء وهو يأتيه، وإذا قطع الثمار من أشجار الجنة نبت مكانه غيره، فثمار الشجرة لا تنتهي، نعيم مقيم لا مقطوع ولا ممنوع، كل مما شئت في الجنة، شيء عظيم وفضل كريم من الله ﵎، نسأل الله أن يجعلنا من أهل فضله ورحمته. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس:٥٧]، ما يدعي الإنسان، بمعنى: ما يطلب، ما يسأل، ما يتمنى وما يشتهي، لهم كل ما يدعون، فيطلبون الشيء مهما عظم، فيعطيهم الله ما شاء من فضله ومن رحمته . ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]. أعظم ما يكون لهم في الجنة أن يسلم عليهم الرب ، الرب الرحيم، أليس قال لنا: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]؟ وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]؟ النبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، والله كان بالمؤمنين رحيماً يرحمهم سبحانه في الجنة ويعطيهم من فضله ومن رحمته ما يشاءون، وانظر هذا الحديث الذي رواه مسلم عن صهيب ﵁، عن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله ﵎: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم هذا أعظم ما يؤتاه أهل الجنة، لذة النظر إلى وجه الرب ﵎، قال: (وتلا النبي ﷺ : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]) يعطيهم ربهم الحسنى، ويزيد على ذلك أن ينظروا إلى وجهه . نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم، وأن يرينا وجهه الكريم سبحانه في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، ونسأله أن يزيننا بزينة الإيمان، ويجعلنا هداة مهتدين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2362

تفسير سورة يس [٥٥ - ٦٨] وصف الله الذين أدخلهم الجنة بأنهم أصحابها؛ ليدل على تمام نعيمهم وخالص ملاذهم فيها، وأخبرنا بأنه سيميز بين المؤمنين والمجرمين الذين نسوا عهد الله إليهم بألا يتبعوا الشيطان، أو لم يأخذوه على محمل الجد، فضل منهم خلق كثير سيصلون النار يوم القيامة بسبب كفرهم، وتشهد على أفعالهم جوارحهم، ويوبقون في نار جهنم التي كانوا بها يكذبون.

стр. 2363

أصحاب الجنة فيها الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة يس: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ * وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ * الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّى يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ * وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٥٥ - ٦٨]. هذا موقف من مواقف القيامة يذكره لنا ربنا ﵎ في حسابه لخلقه يوم القيامة، فريق في الجنة وفريق في السعير. أهل الجنة أدخلهم الله الجنة منهم السابقون الذين سبقوا الجميع ودخلوا الجنة بغير حساب أو بحساب يسير، فسبقوا غيرهم ودخلوا الجنة فانشغلوا بما فيها من نعيم عظيم من فاكهة جميلة من حور عين وغير ذلك مما ينعمون به في الجنة، انشغلوا عن حال غيرهم من أهل الموقف الذين ما زالوا في الحساب، وغيرهم الذين دخلوا في النار، فانشغلوا بالنعيم الذي هم فيه عن هذا كله. ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ [يس:٥٦ - ٥٦]. نساؤهم إذا استحققن الجنة كن مع أزواجهن، وإن كن من نساء الجنة فهن أزواج مطهرات من الحور العين: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس:٥٦ - ٥٧]. ينعمون فيها، يجلسون متكئين، في سرر كسرير العروس الذي تجلس فيه في الدنيا وهو مزين بالقباب مزين بالستور مزين بالثياب فيه أرائك فيه عرش تجلس عليه العروس ويجلس عليه معها زوجها، هنا في الجنة ينعمون بذلك، بل بأفضل من ذلك بكثير. ﴿لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ﴾ [يس:٥٧]، ما يطلبون، ما يسألون الله من شيء إلا وأعطاهم بزيادة سبحانه ﵎. ﴿وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ * سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٧ - ٥٨]. ((وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ سَلامٌ)) على معنيين فيها: أي ما يدعونه خالصاً لهم، ((سَلامٌ)) أي: سالم لهم، كما ذكر الله : ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:٢٩] يعني: خالصاً له، وهنا (سلام)، ما يدعونه خالص لهم في هذا اليوم لا يشركهم فيه أحد لا يوجد أحد. المعنى الآخر: ((سَلامٌ))، كأنه ابتداء واستئناف، أو: هذا سلام، أو: لكم من الرب الرحيم سلام، أي: تحية مباركة من الله سبحانه ﵎، يسلم على أهل الجنة: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]، التسيلم من الله سبحانه، والتسيلم من الملائكة، والمؤمنون يسلم بعضهم على بعض وهم في الجنة، تحيتهم يوم القيامة في الجنة سلام، ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [إبراهيم:٢٣]. كذلك يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣]، فيكون المعنى هنا، سلام أي: يعطيهم الله سبحانه ﵎ السلام والأمن، ويحييهم ربهم الحياة الطيبة والتحية العظيمة، سلام قولاً من ربكم سبحانه ﵎، فيميز هذا التسليم بأنه قولاً من الله سبحانه ﵎، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ﴾ [يس:٥٨] خالق مالك يملك كل شيء، رحيم بعباده سبحانه ﵎، ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨].

стр. 2364

تفسير قوله تعالى: (وامتازوا اليوم أيها المجرمون وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم) يقول الله تعالى: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]. قيل للمجرمين: تميزوا، تعالوا من هذه الناحية، يقال: ميزت الناس بعضهم عن بعض إذا فرقت بينهم، فيقال لهم: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]، ابتعدوا عن المؤمنين، لستم معهم في الجنة، ولا لكم نور من نورهم، انحازوا إلى ذات الشمال، فيؤخذون إلى النار والعياذ بالله. ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس:٥٩]، أجرموا في حق دينهم أجرموا في حق ربهم سبحانه أجرموا في حق المؤمنين أجرموا في حق نبيهم ﵊، فقيل لهم: انحازوا إلى هاهنا، اجتمعوا إلى النار والعياذ بالله. ويقول لهم ربهم سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، ألم أحذركم قبل ذلك من الشيطان: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر:٦]، ها هي السعير التي حذرناكم منها، وحذرناكم من اتباع الشيطان، فأبيتم إلا متابعة الشيطان حتى أرداكم في الجحيم. ((أَلَمْ أَعْهَدْ)) ألم أوص؟! وصيناكم وحذرناكم من الشيطان، ﴿يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يس:٦٠]، ألم نقل لكم قبل هذا: لا تعبدوا الشيطان من دون الله، ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٠]، عداوته ظاهرة بينة واضحة، قد أخبرناكم عن عداوة الشيطان، كيف فعل بآدم وأخرجه من الجنة، وكيف فعل بكم وتوعدكم بأن يجعلكم في النار، قد قلنا لكم ذلك، وقد أعذرنا إليكم فلا عذر يقبل منكم اليوم. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي﴾ [يس:٦١] اعبدوا ربكم وحده لا شريك له، ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦١]. (وأن اعْبُدُونِي) بالكسر في النون، هذه قراءة أبي عمرو ويعقوب وحمزة وعاصم. وباقي القراء يقرءونها بالضم، كأنهم استثقلوا أن يكون كسر بعده فتح: (وأن اعُبُدُونَي) كأنها أسهل في النطق، (وأن اعُبُدُونَي هذا صراط مستقيم). كذلك: (صراط) تقدمت قبل ذلك أن قنبلاً وورشاً يقرأانها بالسين: (هذا سراط مستقيم)، ويقرؤها خلف عن حمزة بإشمام الصاد زاياً فيقرأها: (هذا زراط مستقيم) والمعنى واحد، وباقي القراء بالصاد المكسورة: (هذا صراط مستقيم)، ولا يبدو على الصاد تفخيم؛ لأنها ليست مضمومة ولا مفتوحة، ولكنها مكسورة بأقل الدرجات فيها. فتقرأ: (هذا سراط) (هذا صراط) (هذا زراط)، والمعنى: هذا طريق، يعني: طريق الله سبحانه طريق لا اعوجاج فيه ولا انحراف، ومن تابع دين الله سار إلى جنة الله سبحانه. ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦١]، ما بيناه لكم ودللناكم عليه كان هو الصراط المستقيم الذي سوف يقودكم إلى الجنة.

стр. 2365

تفسير قوله تعالى: (ولقد أضل منكم جبلاً كثيراً) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢]. (جبلاً) فيها أربع قراءات: قراءة نافع وأبي جعفر وعاصم: (جِبِلًّا كثيراً) بالكسر للجيم والباء وباللام المشددة المنصوبة. قراءة روح عن يعقوب: (جُبُلًّا كثيراً) بضم الجيم والباء وبتشديد اللام أيضاً. قراءة أبي عمرو وابن عامر: (جُبْلاً كثيراً)، بالتخفيف فيها وبتسكين الباء. قراءة باقي القراء: ابن كثير وورش وحمزة والكسائي وخلف: (جُبُلاً كثيراً) بضم الجيم والباء وبعدم تشديد اللام. فتكون القراءات: (جِبِلًّا)، (جُبُلًّا)، (جُبْلاً)، (جُبُلاً). ومعانيها كلها راجعة إلى الجبلة الخلقة، فالجُبُل هنا أو الجِبِل معناه: الخلق الكثير. فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ [يس:٦٢]، ((جِبِلًّا))، أمة، قالوا: الجبل يطلق على مائة ألف، ويطلق على أكثر من ذلك، والخلق ليسوا مائة ألف، فاحتاج أن يقول فيها كثيراً، أمماً كثيرة، ملايين من الخلق أضلهم الشيطان وأغواهم عن طريق الرحمن. ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٢]، كل الذي أريناكم من آياتنا في هذا الكون، ومن آيات كتاب ربكم، وما رأيتم من نبيكم ﷺ ، وما حذرناكم من الشيطان، لا يوجد عندكم عقل تعقلون وتعرفون أن هذا هو الحق من عند الله، تركتم هذا واتبعتم الشيطان من دون الله ﵎.

стр. 2366

تفسير قوله تعالى: (هذه جهنم التي كنتم توعدون) قال تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٣]. (هذه جهنم) الهاوية والعياذ بالله، جهنم النار المسعرة، وذكرنا قبل ذلك أن جهنم اسم من أسماء النار، وكأنها الدركة السفلى فيها، وهي مأخوذة من قول العرب: هذه ركية جهنام، أي: بئر بعيدة القرار، فاسمها جهنم يعني: بعدية القعر، التي يلقى الحجر من شفيرها فيصل إلى قعرها في سبعين سنة، كم عمق هذه النار، كم طولها وكم عرضها، نسأل الله العفو والعافية. ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٣]، التي أخفناكم منها، وقلنا: وعداً علينا حقاً أن نملأ الجنة من المؤمنين، وأن نملأ النار من الغاوين. ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ [يس:٦٤]، (اصلوها) يصلى الشيء بمعنى: يحترق فيه، يصلى الفرن معناه: يدخل فيه فيحترق، فيقول: عانوا حرارتها، قاسوا من لهيبها. ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ﴾ [يس:٦٤] لماذا؟ هل قال: لأننا قدرنا عليكم ذلك؟ لا، ﴿بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس:٦٤]، كفرتم؟ يقولون: نعم كفرنا، فإذاً ادخلوا النار جزاء بما كنتم تكفرون: ﴿اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [يس:٦٤]. هذه جهنم البشعة الفظيعة التي جاء في حديث النبي ﷺ في صحيح مسلم أنه قال عنها: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها). تخيل هذا العدد الضخم! هذه جهنم خلقها الله سبحانه ﵎، وجعلها عذاباً لمن عصاه سبحانه، هي عظيمة، وقد وعدها الله أن يملأها ممن كفر وممن عصاه ، ولا تشبع أبداً، كلما ألقي فيها فوج تقول: هل من مزيد، حتى يسكتها الله سبحانه، كما قال النبي ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط)، حينها تسكت ولا تطلب المزيد. يلقى فيها الأفواج وتسألهم خزنتها: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ * وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا﴾ [الملك:٨ - ١١] بعداً وهلاكاً وتدميراً، ﴿لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١]. جهنم يأتي بها الملائكة يوم القيامة على هذه الهيئة، ضخمة جداً، ملائكة الله خلقهم الله سبحانه من نور، فهم قوة عظيمة جداً، ويكفي أن ملكاً من ملائكة الله سبحانه أهلك قرى المؤتفكة وحده، نزل جبريل فرفعهم بجناحه فقلبهم، قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥]. ملائكة الله أقوياء، ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، يأتون يوم القيامة بأمر الله يحملون جهنم إلى الموقف، إلى حيث يريد الله ﵎، ولها سبعون ألف زمام، والزمام هو المكان الذي يمسك منه الشيء، تقول: الحل أن أمسكها بيدها. أما جهنم والعياذ بالله فلها سبعون ألف يد تمسك منها، كل يد من هذه الأيدي وكل زمام من أزمتها عليه سبعون ألف ملك. (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك)، كم يكون هذا العدد؟! لو ضربنا سبعين ألفاً في سبعين ألف تساوي أربعمائة وتسعين مليوناً من ملائكة الله يحملون جهنم، يؤتى بها ليخيف الله بها من يشاء من خلقه. وذكر في الحديث: (أنه يخرج عنق من النار له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، فيقول: وكلت بالجبارين، وكلت بالمتكبرين، وكلت بالمصورين)، وكل هذا العنق بأن يخطفهم من الموقف إلى نار جهنم، فيخطف، الإنسان الجبار العاصي لله سبحانه، المتجبر على خلق الله، القاسي القلب، العنيف الشرس في طباعه، يأخذ الناس بالقوة والقهر، يأخذ ما في أيديهم. وبكل متكبر، إنسان فيه كبر، يختال بنفسه، ويرى نفسه أفضل من غيره من الخلق، فيوكل به عنق النار، فيأخذ هذا المتكبر من الموقف، ويلقيه في النار والعياذ بالله. والثالث المصور، الإنسان الذي يصنع الصور، ويرسمها أو ينحت التماثيل وغير ذلك، وكل هذا العنق بهذا الذي يشبه نفسه بالخالق في النحت والتصوير.

стр. 2367

تفسير قوله تعالى: (اليوم نختم على أفواههم) قال تعالى: ﴿نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]. حضروا الموقف أمام رب العالمين، فلما سألهم أجابوا ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢]، ومن حاول أن يكتم الله حديثاً أنطق عليه أعضاءه فاعترفت عليه يوم القيامة. ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾ [يس:٦٥]، وجاء في صحيح مسلم من حديث أنس: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه يوم القيامة، يقول: يا رب! ألم تجرني من الظلم؟)، انظروا العبد يوم القيامة، ما زال يجادل ربه: يا رب! ألست حرمت الظلم على نفسك، وأنت أجرت من الظلم عبادك؟ فيقول الله سبحانه: (بلى، فيقول هذا العبد الحقير: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)، يقول: لا أريد ملائكة تشهد علي، أنا أشهد على نفسي، يظن أن ذلك ينفعه. قال: (فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فِيه، فيقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام)، شهدت عليك أعضاؤك بما عملت في الدنيا، فيقول يدعو على نفسه: (بعداً لكن وسحقاً، فعنكن كنت أناضل) يعني: كان يدافع عن نفسه، عن أعضائه التي أوبقته وشهدت عليه، ضحك النبي ﷺ على هذا العبد المغرور الأحمق الذي يظن أنه يخدع رب العالمين يوم القيامة. وفي رواية أخرى لهذا الحديث: (ثم يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك)، وهو يتفكر في نفسه: من ذا الذي يشهد علي؟! العبد يوم القيامة يقول لله: لا أريد أحداً يشهد علي إلا نفسي، قال: (فيختم على فِيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله، وذلك ليعذر من نفسه)، أنت الذي قلت على نفسك، وأنت الذي اعترفت على نفسك، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط الله عليه، يقول هذا الشيء من أجل أن يأخذ عذاباً فوق العذاب؛ لكفره في الدنيا وكذبه في الآخرة. وروى الترمذي عن معاوية بن حيدة (أن النبي ﷺ أشار تجاه الشام، فقال: من هاهنا تحشرون، ومن هاهنا إلى هاهنا تحشرون، ركباناً ومشاة، وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام). يحشرون يوم القيامة، إنسان يقوم من قبره فيحشر ماشياً، إنسان يحشر راكباً يوم القيامة، إنسان يحشر على وجهه، ويجرجر على وجهه، قال النبي ﷺ -والحديث حسن-: (وتجرون على وجوهكم يوم القيامة على أفواهكم الفدام)، الفدام: مصفاة من قماش توضع فوق الكوز بحيث يصفي الشراب الذي فيه، المعنى: توضع كمامة على أفواهكم فلا ينطق أحدكم. (توفون سبعين أمة، أنتم خيرهم وأكرمهم على الله، وإن أول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه)، أول ما ينطق من الإنسان ويشهد عليه فخذه وكفه. هنا ذكر النبي ﷺ أن أول ما ينطق من الإنسان فخذه فيتحدث ماذا عمل، وينطق عليه جلده وعظامه، ويده، وفي النهاية فمه يتكلم فيدعو على نفسه بالهلاك كما ذكرنا. يقول الله : ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٦٥] تنطق الأيدي، ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس:٦٥]، وهذا من التفنن في القرآن العظيم، لم يقل: تكلمنا أيديهم وتكلمنا أرجلهم، ولكن ذكر أن كل عضو ينطق ويتكلم، ففصل فذكر أن الأيدي تتكلم، والأرجل تشهد، كأنه أقامها مقام الشاهد؛ لأن الإنسان غالباً ما يصنع أفعاله بيده، فكأن اليد بعيدة عن الرجل، والرجل شاهدة على اليد بما فعلته، وعلى الفم بما قاله، فذكر الفخذ وذكر الرجل؛ لأنها شاهدة عليه. ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ [يس:٦٥] ضربت فلاناً، أخذت مال فلان، سفكت دم فلان، والرجل تشهد على هذا الإنسان وعلى هذه اليد بما صنعت: ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:٦٥]، بما اجترحوا في هذه الدنيا، بما أصابت جوارحهم فيها، تشهد هذه الأيدي وتتكلم، وتشهد الأرجل بما كانوا يكسبون. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ﴾ [يس:٦٦]، لو يشاء الله ، لطمس على أعينهم في الدنيا، وإن فسرت بأنه في الآخرة، ولكن الأوجه أنها في الدنيا، فهذا تهديد ووعيد من الله . ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا﴾ [يس:٦٦]، والطمس: إزالة الأثر، تقول: طمست الريح الأثر، بمعنى: أزالت الأثر، ﴿عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ [يس:٦٦]، الصراط الطريق، وفيه من القراءات ما ذكرنا قبل ذلك، ﴿فَأَنَّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٦٦]. والمعنى: لو شئنا لطمسنا على أعينهم وقتما كفروا ووقتما عصوا الله ﵎، وفي المكان الذي مارسوا فيه الرذيلة، لو أردنا كنا عميناهم في هذا المكان، ثم يرجعون يتحسسون بيوتهم فلا يرون شيئاً في الطريق، ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ [يس:٦٦] أي: طريق رجوعهم إلى بيوتهم، فلا يعرفون كيف يهتدون إلى بيوتهم، لو نشاء لعجلنا لهم العقوبة في الدنيا، ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ [يس:٦٦]. الجمهور يقرأها: (الصراط) بالصاد، وسيقرؤها قنبل وورش بخلف: (السراط) بالسين، وسيقرؤها حمزة بخلف خلاد لأن قبلها ألف ولام، وهنا سيدخل خلاد مع خلف فيها، ولكن بخلف يقرؤها بإشمام الصاد زاياً: (الزراط). ﴿فَأَنَّى﴾ [يس:٦٦] كيف، ﴿يُبْصِرُونَ﴾ [يس:٦٦]. وهذه (أنى) يفتحها الجمهور: (أنَّى). وبخلفه الأزرق عن ورش وكذلك الدوري عن أبي عمرو ويقرأ: (فأنى) بالتقليل فيها. ويقرؤها الكوفيون غير عاصم بالإمالة فيها: (فأنِّى يبصرون). وأنى بمعنى: كيف يبصرون ويهتدون الطريق ليرجعوا إلى بيوتهم وقد أعميناهم؟! ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس:٦٧]، المكانة: المكان الذي يزاولون فيه معصيتهم ويمكثون فيه، لو أردنا كنا مسخناهم قردة وخنازير، وقد فعل بالبعض من عباده، ولو شاء لفعل بهؤلاء أيضاً من كفار قريش. ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ﴾ [يس:٦٧] هذه قراءة الجمهور. وقراءة شعبة عن عاصم: (على مكاناتهم) بالجمع فيها. ﴿فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ [يس:٦٧]، كنا مسخناهم قردة وخنازير، أو جعلناهم جمادات صوراً وتماثيل، فما قدروا لا مضياً للأمام ولا رجوعاً إلى الخلف، ولكننا أخرنا عنهم العذاب؛ لعل بعضهم يتوب، ويوم القيامة يجدون من عذاب الله سبحانه أهوالاً وأهوالاً.

стр. 2368

تفسير قوله تعالى: (ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون) قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ [يس:٦٨]، من نعطيه عمراً يعيش حتى يجاوز الستين السبعين الثمانين المائة، إذا عمرناه نكسناه، والإنسان في حياته يمشي في منحنى سنه وهو صغير من الصفر، ثم يستمر في الزيادة إلى أن يعلو إلى أقصى قوته وشبابه وصحته، ومن ثم يأتي منحنى النزول بعد ذلك حتى يصل إلى الصفر، ويدخل إلى قبره. فالإنسان كلما ازداد عمره في طاعة الله كلما كان خيراً له، فيستغل الإنسان حياته وصحته وشبابه في أن يعبد الله سبحانه، وإذا اكتمل الشباب واكتمل للإنسان القوة فما بعد الكمال إلا النقصان، فبعدما كان يقدر على أن يصلي قائماً يصلي قاعداً، بعدما كان يصلي قاعداً يصلي وهو مضطجع، بعدما كان يعقل الصلاة يتوه فيها ولا يستطيع أن يقرأ شيئاً، وينسى الصلاة، ويقول له أولاده: صل، كبر، قل باسم الله، قل كذا. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ﴾ [يس:٦٨] يعمر عمراً طويلاً في النهاية ﴿نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ [يس:٦٨]، يرد إلى أرذل العمر. وانظر إلى الفرق بين الصبي الصغير والشيخ الكبير، الصبي الصغير يحبه أهله ويعذرونه فيما يخطئ به، ولكن الشيخ الكبير يتململ منه الكل، لا أحد يطيقه، إذا أخطأ فهو غير مقبول عندهم، إذا مرض لا أحد ينظر إليه، فانظر إلى الفرق بين الصغير والكبير، فالشيخ الكبير وصل إلى مرحلة في العقل كالصبي الصغير لا يفهم. ولكن هذا مستحسن في الصبي ومستقبح في الكبير، وقد سماه الله أرذل العمر. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ﴾ [يس:٦٨]، والتنكيس القلب، والكوز المنكس بمعنى: المقلوب المجخى. (نُنَكِّسْهُ) هذه قراءة عاصم وحمزة. وباقي القراء يقرءونها: (نَنْكُسُهُ)، أي: نرده ونقلبه مرة ثانية إلى مرحلة عدم العقل وعدم الفهم، والنسيان والضعف، فيصبح ضعيفاً شيخاً كبيراً ينسى كثيراً. ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ [يس:٦٨]، يريدون أن يعيشوا عمراً طويلاً، ماذا يريدون من الحياة، ومن نعمره هذا حاله. لذلك كان النبي ﷺ يتعوذ بالله أن يرد إلى أرذل العمر، ويقول: (أعوذ بك أن أرد إلى أرذل العمر)، فيتعوذ بالله سبحانه ﵎ من ذلك. وأيضاً كان يخبر أصحابه ويقول: (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، طالما الإنسان في خير وعبادة لله وطال عمره كان خيراً له، والإنسان الذي هو في المعاصي يرده الله إلى أرذل العمر فينكسه الله سبحانه ويصير عبرة للخلق. (أفلا يعقلون) وهذه قراءة الجمهور. ويقرؤها نافع وأبو جعفر وابن عامر بخلفه ويعقوب: (أفلا تعقلون)، فهما قراءتان، (أفلا يعقلون) على الغيب لهؤلاء، (أفلا تعقلون) على الخطاب للجميع، أي: (أفلا تعقلون) ما بصرناكم فتعملون لهذا اليوم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2369

تفسير سورة يس [٦٩ - ٨٣] يدلل الله على قدرته وملكوته وجبروته بما نشاهده مما بسط علينا من النعم والخيرات والبركات، فرزقنا وسخر لنا كل شيء من بحار وأرض وسماء وحيوانات وأنعام، وما نستفيد منها في الأكل والشرب والكساء، ومع هذا كله تجد من يعبد غير الله تعالى، وينكر البعث والجزاء، وقد رد الله عليهم وأفحمهم في الجواب.

стр. 2370

تفسير قوله تعالى: (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة (يس): ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ * لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ * أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ * وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ * وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ * وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ * لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ * فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:٦٩ - ٧٦]. في هذه الآيات -من آخر هذه السورة الكريمة سورة (يس) - يخبر الله عن نبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه سبحانه ما علمه الشعر، وما من شيء تعلمه النبي ﷺ إلا وربه الذي يعلمه إياه سبحانه. فعلمه من الغيب ما شاء ، وأخفى عنه من الغيوب ما شاء، أنزل عليه الكتاب وحفظ هذا الكتاب، قال لنبيه ﷺ وهو يتعجل في حفظ كتاب الله سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٩]. فنهاه عن التعجل، وكان يحاول أنه أول ما ينزل عليه جبريل بالقرآن أن يقرأ مع جبريل، فعلمه الله أن من أدب التعلم أن تستمع، فإذا استمعت ووعيت ذلك حفظناك وبينا لك معانيه. قال له سبحانه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾ [القيامة:١٦ - ١٧] لك في صدرك ﴿وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧] وقراءته لك، فتقرأ هذا القرآن بعدما يقرأ جبريل وليس مع قراءة جبريل: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة:١٧ - ١٨]، تتبع جبريل وهو يقرأ، وتعلم منه ذلك وأنت تنصت له وتستمع لما يقرؤه عليك، ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:١٨ - ١٩] نبينه لك بعد ذلك، الله هو الذي يحفظ النبي ﷺ ، فلا تتعب سنحفظك وسنعلمك. فما من شيء تعلمه إلا من فضله سبحانه، ومنعه عن أشياء لا يتعلمها ﷺ ، ومنها: الكتابة والقراءة، ولكن (يقرأ) بمعنى يحفظ، أما الكتابة فلم يكن يكتب، وهذه للنبي ﷺ معجزة، أنه نبي أمي صلوات الله وسلامه عليه، هكذا وصفه ربه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلَ﴾ [الأعراف:١٥٧]. فهو أمي صلوات الله وسلامه عليه، أي: لا يقرأ ولا يكتب، ولكن الله يحفظه ويعلمه ما يشاء، فصفة الأمية في النبي ﷺ تعتبر من معجزاته، من أنه تعلم هذا العلم كله وهو لا يقرأ ولا يكتب صلوات الله وسلامه عليه. فهنا ربنا ﵎ يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] الشعر من علوم البشر يتعلمه الناس ويجيدونه فيتكلمون به، ويكون للبعض من الناس مدحة أنه يفهم الشعر ويجيده ويتكلم به، لكن النبي ﷺ ليس له ذلك؛ لأنه لو كان يقول الشعر كما يقول الناس لصدق عليه قول المشركين حيث قالوا: هذا شاعر، وبدأ يلفق أشياء من الشعر ويغير أوزانها ويقول: هذا قرآن فلم يكن يقول الشعر صلوات الله وسلامه عليه، بل لعله إذا تكلم بأبيات من الشعر لا يهمه أن تأتي موزونة أو غير موزونة صلوات الله وسلامه عليه. فربنا يقول: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] ليس النبي ﷺ بمكانة من يتعلم الشعر، وقد ينبغي لغيره أن يتعلمه، فيتعلم العلماء من الشعر ويدرسونه ويقولونه ويتكلمون به، أما النبي ﷺ فهو ممنوع من ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩]. وكان هذا آية من آياته ﷺ ، فعندما يأتي الكفار الذين يجيدون الشعر ويكلمون النبي ﷺ فيقول لبعضهم: أنت الذي تقول كذا؟ فيقول البيت من الشعر ولا يحسنه النبي ﷺ ، فيقوم الرجل يسمع إليه يقول: صدق الله ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس:٦٩]. فغيره ﷺ يقوله ويجيده، أما هو فلا يقوله، وإن قال فيأتي بشيء من المصادفة، وانظر مثلاً في قول طرفة بن العبد قاله النبي: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك من لم تزود بالأخبار بيت مكسور، لكن انظر إلى صاحب البيت كيف قاله! ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزود لما قاله النبي ﷺ ما اهتم أن يأتي به موزوناً. وكذلك لما قيل في رجل: إنه من أشعر الناس، فقال النبي ﷺ : ذاك الذي يقول: ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها وإن لم تطيب طيباً لكن الشاعر ما قاله هكذا، وإنما قال: ألم ترياني كلما جئت طارقاً وجدت بها طيباً وإن لم تطيب كذلك رجل آخر جاء إلى النبي ﷺ يطلب منه أن يمنحه ويعطيه مالاً، وجاء مع مجموعة من المؤلفة قلوبهم، منهم الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، فـ الأقرع لما وجد أن النبي ﷺ أعطاه هو وفرسه كالذي أعطاه لرجل آخر قال له: أتعطيني أنا والفرس مقدار الذي أعطيته لفلان؟! فقال للنبي ﷺ : أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع الرجل يقول ذلك، فلما بلغ النبي ﷺ مقاله ناداه وقال: أنت الذي تقول: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ انعكس البيت وانقلب سجعه الذي فيه، فالرجل تعجب من النبي ﷺ أنه فعلاً لم يتعلم الشعر صلوات الله وسلامه عليه، ولا ينبغي له. والنبي ﷺ مكث أربعين سنة قبل الرسالة في مكة وما تعلم، قال: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] أي: غير ممكن، مع أن أعمامه وأجداده وأخواله يقولون الشعر وهو يسمع منهم ويشكرهم على ما يقولون كما قال العباس في النبي صلوات الله وسلامه عليه فشكره النبي ﷺ . أما هو ﷺ فلا يقول الشعر، ولا ينبغي له، يعني: هو ممنوع من أن يتعلمه صلوات الله وسلامه عليه، لا من قومه ولا بوحي من الله ﵎. جاء أن أبا بكر ﵁ سمع النبي ﷺ وهو يقول: كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً، فقال للنبي ﷺ : يا رسول الله! إنما قال الشاعر: هريرة ودع إن تجهزت غازياً كفى الشيب والإسلام بالمرء ناهياً فلما قاله النبي ﷺ لم يجد أن يقوله، فما ينبغي له أن يتكلم بالشعر، سمع أبو بكر وعمر النبي ﷺ وهو يقول ذلك، فقالا للنبي ﷺ : نشهد أنك رسول الله. يقول الله : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] أي: ليس له أن يتكلم بالشعر، فإذا جاء في كلامه شيء من الشعر فمن قبيل المصادفة أن يأتي ذلك، أما أنه يجيد قصيدة أو أبياتاً من الشعر وتكون موزونة كما قالها صاحبها فهذا نادر أن يقوله ﷺ . وإن كان بسليقته كرجل عربي ﷺ يحب أن يسمع الشعر فكان يقول لـ كعب بن زهير هيه: هات من أبياتك، فيقول له بيتاً وبيتاً وبيتاً، والنبي ﷺ يسمع ما يقول من العرب، ولكن هو لا يتكلم بالشعر صلوات الله وسلامه عليه. ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ﴾ [يس:٦٩] هذا القرآن ﴿إِلَّا ذِكْرٌ﴾ [يس:٦٩] كتاب فيه التذكرة، وفيه ذكر للعرب وشرف لهم بأن ينزل هذا القرآن على نبيهم ﷺ ، ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٦٩] مفصح عما تحتاجون إليه من أحكام لدينكم ودنياكم وأخراكم. وكما ذكرنا أن هذه آية من آياته ﵊، أما غيره فلا، لو أن أحداً قال: أنا لا أجيد الشعر، فهذه ليست مدحة له، فالإنسان يمدح بكثرة العلوم، ومن ضمن العلوم الشعر أن يتعلمه ويجيده ويقوله، وهو هبة من الله يعطي من يشاء ما يشاء سبحانه. ولكن أغلب الشعراء كما قال الله : ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ [الشعراء:٢٢٥ - ٢٢٧] فهؤلاء هم الشعراء الممدوحون. ولذلك جاء عن الخليفة المأمون أنه قال لـ أبي علي المنقري: بلغني أنك أمي، وأنك لا تقيم الشعر، وأنك تلحن، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين! أما اللحن فربما س

стр. 2371

تفسير قوله تعالى: (لينذر من كان حياً) قال تعالى ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس:٧٠]. أي: ينتفع بإنذار القرآن له من كان قلبه حياً وليس ميتاً ولا قاسياً، وليس قلبه في ظلمات الكفر، ولكن الإنسان الذي يستجيب هو الذي ينتفع بالبشارة والنذارة. (لتنذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) هذه قراءة بعض القراء منهم نافع وأبو جعفر وقراءة ابن عامر ويعقوب، وباقي القراء: (لينذر من كان حياً ويحق القول على الكافرين) أي: لينذر هذا القرآن وهذا الكلام العظيم من رب العالمين من كان حياً. (وَيَحِقَّ) أي: لتكون النتيجة والعاقبة إحقاق ما قاله الله سبحانه على الكافرين أنه أقسم: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] فاستحق هؤلاء أن يحق عليهم قول رب العالمين سبحانه، وهناك معنى آخر في قوله: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس:٧٠] أي: لتجب حجة الله على هؤلاء الكافرين. فنزل القرآن وربنا أعلم أنهم لم يستجيبوا، ولكن ليحق القول عليهم، ليروا أن هذا جاءهم بموعظة من عند الله وأنهم كذبوا، فإذا أدخلهم النار لم تكن لهم حجة على الله سبحانه.

стр. 2372

تفسر قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١]. (أولم يروا) هذه الرؤية القلبية، أي: أولم يعتقدوا فيما يرونه من آيات الله سبحانه التي ينظرون إليها، ويعتبروا بذلك ويتفكروا؟ هلا اعتبروا بذلك؟! قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس:٧١] أي: أبدعنا وأوجدنا، وخلقنا وصنعنا هذه الأشياء التي يرونها أمامهم: ﴿أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] والله سبحانه خالق كل شيء بـ (كن) فيكون ما شاءه الله سبحانه ﵎. والأنعام جمع نعم، والنعم تذكر وتؤنث، تقول: هذه بهيمة الأنعام، وهذا النعم، وهذه النعم، والأنعام تطلق على ثلاثة أشياء: على الإبل والبقر والغنم، فمما خلق الله للعباد -وأكثر من يعايشون ذلك هم العرب- الإبل والبقر والغنم، فيرون خلق الله العظيم. ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس:٧١] يملكون هذه الأشياء، وإن كان الملك الحقيقي هو لله ، ولكن جعلهم يملكونها ويتوارثونها، يشتريها بعضهم من بعض فيملك في هذه الدنيا.

стр. 2373

تفسير قوله تعالى: (وذللناها لهم فمنها ركوبهم) ﴿وَذَلَّلْنَاهَا﴾ [يس:٧٢] أي: سخرناها لهم. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] الرَكوب غير الرُكوب، الرُكوب الفعل نفسه، والرَكوب: الدابة التي تركبها وهي فَعول بمعنى مفعول، أي: مركوبهم، فمنها ما يرَكبونه. ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢]، فيعدد عليهم النعم، هذه الأنعام لكم فيها منافع كثيرة، وذكر الله سبحانه: ﴿مِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل:٨٠] لكم فيها متاع، فتلبسون من جلودها وتصنعون منها الخيام والمتاع والريش. قال سبحانه: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ﴾ [يس:٧٣] فينتفعون بما شاء الله منها، ويشربون من ألبانها وأوداكها وشحومها. ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣] هلا شكروا الله ﵎ على هذه النعم العظيمة التي سخرها لهم وذللها لهم؟ هذه الأنعام أقوى من الإنسان بكثير، فالجمل العظيم، والبقرة والثور الكبير أقوى من الإنسان، ومع ذلك جعل الله قياده بيد هذا الإنسان، يأتي الصبي الصغير فيمسك بالجمل ويمشي به، ولعله يضرب الجمل حتى يجري، فسخر هذا الشيء الضخم الكبير لهذا الطفل الصغير، والله على كل شيء قدير سبحانه، آية من آيات الله ﵎.

стр. 2374

تفسير قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ [يس:٧٣] هلا شكروا الله سبحانه على نعمه العظيمة وتدبروا في ذلك؟! لا، لم يفعلوا، بل قد ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾ [يس:٧٤] فعبدوا غير الله سبحانه. ولماذا عبدوا غير الله؟ ﴿لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس:٧٤] يظنون أنهم ينتصرون بهؤلاء، فهذا جهل مطبق، وغباء عجيب في هؤلاء. عبدوا غير الله وهم يعلمون أن الذي خلق هذه البقرة هو الله، والذي خلق لنا هذا الطعام هو الله، من تعبدون؟ قالوا: نعبد هذه الأصنام ولا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا يعبدونهم؟ قال: ﴿لَعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾ [يس:٧٤] فإذا حصلت بينهم حروب أتوا على شجرة يعبدونها من دون الله ويتبركون بها ويعلقون عليها أسيافهم؛ من أجل أن تأتي البركة في السيوف فيعرفوا كيف يقاتلون. ولذلك فإن بعض الصحابة ممن كان قريب عهد بالإسلام خرج مع النبي ﷺ في غزوة، فإذا بهم يجدون الكفار يعلقون أسيافهم بشجرة، فقالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، أي: اتخذ لنا شجرة نعلق عليها سيوفنا ونأخذ منها البركة مثل هؤلاء. قال: (الله أكبر، قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ)، وهل تؤخذ البركة إلا من الله ﵎! فالمقصود: أن الإنسان الذي يكفر يتوجه إلى أشياء حقيرة مثله يطلب منها البركة والنصرة، فهؤلاء إذا خرجوا لقتال ذهبوا إلى أصنامهم يطلبون منها أن تنصرهم، وهم يعرفون أنهم هم الذين صنعوا هذه الأصنام.

стр. 2375

تفسير قوله تعالى: (لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) قال سبحانه: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس:٧٥] أين هذه الأشياء التي تنصرهم. ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥] (وهم) أي: المشركون، (لهم) لأصنامهم (جند محضرون) في الدنيا وفي الآخرة. الكفار يعتقدون أنهم هم المدافعون عن هذه الأصنام، والحراس لها، لا أحد يقدر أن يأتي إلى جنب الصنم، فسيقتلونه دفاعاً عن أصنامهم، فكأنهم يتشرفون بعبادة هذه الأشياء الحقيرة، فجندوا أنفسهم لها يعبدونها من دون الله، ويدافعون عنها، وعجيب هذا الأمر، وهل الإله يحتاج إلى من يدافع عنه؟! شيء مغلوط معكوس من هؤلاء الأغبياء، فيعبدونها لعلها تنصرهم، قال سبحانه: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥] في الدنيا هؤلاء المشركون يعتقدون أنهم جنود هذه الآلهة ينصرونها ويدافعون عنها، ويحضرون عندها للدفاع عنها. فإذا جاءوا يوم القيامة كانوا أيضاً محضرين لهذه الآلهة، ففي صحيح البخاري ومسلم أن النبي ﷺ ذكر يوم القيامة في حديث طويل جداً، وفيه أن الله يقول للخلق: (ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه الآن؟ فيقولون: بلى فيمثل لمن كان يعبد الشمس الشمس، ومن كان يعبد القمر القمر، ومن كان يعبد الطواغيت الطواغيت)، فعباد الشمس تمثل لهم يجرون وراءها إلى النار، وعباد القمر تمثل لهم القمر فيجرون وراءها إلى النار، وكذلك عباد الصليب من دون الله وعباد المسيح يمثل لهم شيطان على هيئته فيتبعونه إلى النار، وعباد عزيز يمثل لهم شيطان على هيئته فيتبعونه إلى النار! قال النبي ﷺ : (فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت)، يعني: الأصنام التي عبدوها من دون الله تمثل لهم يوم القيامة، فيقال: هذه التي كنتم تعبدونها؟ يقولون: نعم هذه التي كنا نعبد، فيقال: اتبعوها، فيكونون كالجنود وراء قائدهم تهوي بهم في النار والعياذ بالله. فقول الله سبحانه: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُحْضَرُونَ﴾ [يس:٧٥] أي: في الموقف يوم القيامة، ومحضرون في نار جهنم والعياذ بالله.

стр. 2376

تفسير قوله تعالى: (فلا يحزنك قولهم) قال تعالى: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:٧٦] يطمئن نبيه ﷺ ، أن لا تحزن على هؤلاء: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ﴾ [يس:٧٦] هذا من الفعل الثلاثي (حزن)، ويأتي من الفعل الرباعي (أحزن)، وقراءة نافع فيها (فلا يُحزِنك قولهم) بكسر الزاي. وهنا وقف لازم: ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس:٧٦] أي: قولهم إنك ساحر وكاذب وكاهن، فلا تحزن من أقوالهم فقد قيل هذا القول عن الأنبياء من قبلك. ﴿إِنَّا نَعْلَمُ﴾ [يس:٧٦] هذا استئناف كلام جديد، ﴿مَا يُسِرُّونَ﴾ [يس:٧٦] ما يكتمون، ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:٧٦] يعني: هم وإن أعلنوا لك أنك كاذب فنحن نعلم أنهم في سرهم يعتقدون أنك صادق، ولكن الغيرة والحسد دفعهم إلى هذا الشيء: ﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [يس:٧٦].

стр. 2377

تفسير قوله تعالى: (أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] الإنسان جنس يشمل أي إنسان، ولكن الآية نزلت في مكة على أسباب مخصوصة، فيقال في هذا: إنه من العموم الذي يراد به الخصوص، وقد يراد به عموم الناس. قالوا: هو عبد الله بن أبي بن سلول وقيل: بل هو العاص بن وائل السهمي وقيل: هو أبي بن خلف الجمحي، قالوا: أتى النبي ﷺ بعظم فقال: يا محمد! أترى أن الله يحيي هذا بعد ما رم؟! أي: هذه العظام البالية أتزعم أن ربك يبعثها مرة ثانية؟! فقال ﷺ : (نعم. ويبعثك ثم يدخلك النار)، فالله أنزل هذه الآية في هذا السبب، وكونها نزلت في عبد الله بن أبي قول بعيد قليلاً وإن كان هذا قول ابن عباس ﵄؛ لأن عبد الله بن أبي كان في المدينة، وهذه الآية مكية وليست مدنية. الغرض أن الله قال لمن قال ذلك ولغيره: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ﴾ [يس:٧٧] إذا أراد جنس الإنسان يكون عاماً ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧] النطفة: الماء الذي ينطِف أو ينطُف، نطف الماء بمعنى: سال وخرج صافياً قل أو كثر، وقد تطلق النطفة أيضاً على الماء القليل، والمقصود به هنا المني. ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [يس:٧٧] من مني: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:٧٧]. (خصيم): مخاصم مجادل يجادل بالباطل. (مبين): مفصح عما يريد أن يقوله، فهو بين الخصومة والجدل، كما قال الله عنهم: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف:٥٨] قوم كثيرو الجدل، كم أتعبوا النبي ﷺ بجدالهم وبباطلهم!

стр. 2378

تفسير قوله تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه) قال الله سبحانه: ﴿وَضَرَبَ لَنَا﴾ [يس:٧٨] يعني: هذا الإنسان، ﴿مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] جاء بعظمة رأس إنسان يفتها في يده ويقول: هذا شيء قد أرم فكيف يعاد؟! ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ [يس:٧٨] نسي كيف خلقناه. ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:٧٨]. والرميم: البالي القديم العتيق. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٩] قل لهذا الإنسان: الذي خلقها أول مرة أليس قادراً على إعادتها؟! ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩]. ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. كل خلقه الله ، فهو أعلم بهم، هو بدأهم ويميتهم ويعيدهم مرة ثانية، وهو على كل شيء قدير: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا﴾ [يس:٧٩] من العدم أول مرة ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:٧٩].

стр. 2379

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً) قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٨٠] فجعل لهم آية، فقال: ألا تتعجبون عندما ترون الشيء ونقيضه؟! ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا﴾ [يس:٨٠] فهذه الأشجار التي بداخلها الماء، فإنه يطلع من الجذوع إلى الساق فيروي أوراق النبات وثماره. فالشجرة أكثر تكوينها الماء، فهذا الشجر المكون من الماء إذا أحرق يحترق، وأعجب منه أنه هو يأتي بالنار، ولذلك عند كان العرب مثل معروف يقول: (في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعفار). ف هناك شجرتان من أشجار البوادي عند العرب، يأخذ الغصن الطري من الشجرة، ثم يأخذ غصناً من الأخرى فيضع واحداً فوق الآخر، ثم يضرب هذا على هذا فتخرج له ناراً، فقالت العرب: (واستمجد المرخ والعفار) أي: أنه احتوى من النار الكثير. فيقول: ألا تعجبون من هذه الأشياء التي خلقها الله ؟! هذا غصن طري في يدك بداخله ماء تضرب به على الغصن الآخر فتخرج لك منه نار؟! ألا تعجب من قدرة الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:٨٠].

стр. 2380

تفسير قوله تعالى: (أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم) قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ [يس:٨١]. فهذا سؤال والجواب عنه معروف: بلى إنه على كل شيء قدير! ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ﴾ [يس:٨١] الله الخالق العظيم، ﴿بِقَادِرٍ﴾ [يس:٨١] هذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب (يقدر). الله خالق كل شيء ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ﴾ [يس:٨٢] في غاية السهولة، ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا﴾ [يس:٨٢] إذا قضى أمراً أو أراد تكوين شيء، ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ﴾ [يس:٨٢] بقول: (كن) فيكون الشيء الذي يريده الله ﵎. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] هذه قراءة الجمهور بضم آخرها (فيكونُ) فيترتب على ذلك التكوين، ويقرؤها ابن عامر والكسائي (فيكونَ) كأن فيها (أن) محذوفة، فالتقدير (فأن يكون) يعني: هذا الشيء؛ ولذلك استحسنوا لمن يقرأ بقراءة الجمهور على الضم أنه يروم آخرها أو يشم آخرها يعني: يبين أن القراءة بالضم، خلاف القراءة الأخرى التي بالفتح. قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يس:٨٣] الملكوت: الملك العظيم. فسبحان الله: تنزيهاً لله ﵎ وتعظيماً وتقديساً لله الذي بيده الملكوت. والملكوت فعلوت صيغة مبالغة من الملك يعني: ملك عظيم، وملك الله سبحانه عظيم. (وإليه تُرجعون) هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (وإليه تَرجعون) المرجع إلى الله سبحانه للجزاء والحساب، للجنة أو للنار، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2381

تفسير سورة الصافات [ ١ - ٤] لقد أنزل الله القرآن العظيم، وجعل فيه من العظمة ما يستهوي النفوس لسماعه، ومن أوجه هذه العظمة: أن الله قد يقسم في بدايات بعض السور بمخلوقاته العظيمة كالملائكة وغيرها، وقسم الله بالمخلوق حق له، فيقسم بما يشاء، ولا يقسم العبد إلا بالله، وقسم الله بالملائكة يدل على عظمتها، ومن صفاتها أنها تصف بين يدي الله لإجابة أمره، وتزجر عن القبيح بما ينزل الله معها إلى أنبيائه، وهي أيضاً تتلو كتب الله على أنبيائه وتدارسهم ما أنزل الله تعالى عليهم.

стр. 2382

مقدمة بين يدي سورة الصافات الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١ - ١٠]. هذه هي السورة السابعة والثلاثون من كتاب الله ، وهي سورة الصافات، وهي سورة من السور المكية في كتاب الله ، وفيها خصائص السور المكية كما سيأتي فيها. وسورة الصافات آياتها مائة وإحدى وثمانون آية على العد البصري وعد أبي جعفر، ومائة واثنان وثمانون آية على عد باقي القراء، وكما ذكرنا في غيرها من السور أن اختلاف القراء في عدد الآيات هو بحسب الوقف، أي: هل هذه رأس آية أم هي جزء من الآية، فبناء على ذلك يختلف العد، وليس المعنى أنه يوجد آية زائدة عن الآيات في العد الآخر، وإنما العد بحسب الوقف نفسه، ولذلك سيختلف القرَّاء هنا في الوقوف كما في الآية: ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٨]، يقف غير البصري على ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات:٩]، فوقف على كلمة ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات:٩]. كذلك في قوله سبحانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢]، يقف عليها على أنها رأس آية غير البصري ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]. كذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات:١٦٧] غير أبي جعفر يقف عليها، وأما أبو جعفر فيصلها بما بعدها. إذاً: الخلاف في عد الآي هو بسبب أين يقف، هل على رأس هذه الآية فيعتبر هذه رأس آية أم على جزء من الآية التي تليها ويعتبر ذلك الجزء آية؟

стр. 2383

سبب تسمية السورة بهذا الإسم سورة الصافات اسمها مأخوذ من بدء هذه السورة، وهو قول الله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، أقسم الله بالصافات، فسميت بسورة الصافات؛ لكون هذه الكلمة مذكورة فيها، وإن كانت هذه الكلمة مذكورة في سورة النور وفي سورة الملك، ولكن هناك ذكر الطير صافات، وهنا قصد الملائكة، وهذه السورة نزلت قبل سورة الملك، فسميت بسورة الصافات باعتبار أول آية فيها ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]. هذا باعتبار نزول السورة في ترتيب النزول، وأما في ترتيب نزولها من بين السور فهي السادسة والخمسون في ترتيب النزول، أما في ترتيب العد المصحفي فترتيبها في المصحف السابعة والثلاثون في العد، ولكنها السادسة والخمسون في النزول على النبي ﷺ ، وقد نزلت هذه السورة بعد سورة الأنعام، وسورة الأنعام سورة مكية وهذه بعدها، وقبل سورة لقمان التي قدمنا ذكرها قبل ذلك.

стр. 2384

أغراض السورة هذه السورة سورة مكية، ففيها أغراض السور المكية، وفيها الخصائص والميزات التي هي موجودة في السور المكية، والسور المدنية فيها التشريع فيأتي فيها الأحكام والأوامر والنواهي، والسور المكية فيها ترسيخ أمر العقيدة، وتوحيد الله سبحانه ﵎ في قلوب الخلق، ودفع الشرك عن الخلق، وبيان ما يعبدون من دون الله وأنها لا تنفع لا تضر، وبيان أن الإله الحق المستحق للعبادة هو الرب سبحانه ﵎ الذي يقدر على أن يخلق، وعلى أن يرزق ويدبر الكون سبحانه ﵎. إذاً: هذه السورة الغرض منها إثبات وحدانية الله سبحانه ﵎، وسوق الدلائل على تلك الآيات التي تدل على أنه وحده هو الذي يستحق العبادة، وأنه وحده المنفرد بالخلق وبتدبير الكون في العالم العلوي والعالم السفلي، بل في كل شيء قد انفرد بالخلق سبحانه، فله الخلق وله الأمر، فهو الذي يعبد وحده سبحانه ﵎. وفيها أيضاً الإشارة إلى البعث والنشور وإثبات الحشر والجزاء يوم القيامة، وفيها وصف حال المشركين يوم الجزاء وكيف يفعلون وكيف يندمون على ما قصروا وما فرطوا في هذه الحياة الدنيا، وكيف يقع بعضهم في بعض، ويدعو بعضهم على بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وفيها وصف أحوال المؤمنين بأن الله سبحانه ينجيهم وأنه يدخلهم جنته سبحانه ﵎. كذلك يذكر في هذه السورة حال المؤمنين وفرحهم بدخولهم الجنة، وكيف أنهم كما قال تعالى: ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، وكيف ذكر أحدهم ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، وأنهم تكلموا وهم في الجنة، وأخبرنا الله عن فرحهم وسرورهم وكلام بعضهم لبعض فيها، وكيف أن الله ثبتهم في هذه الدنيا وثبتهم يوم القيامة حتى أدخلهم الجنة. ثم انتقل إلى دعوة رسول الله ﷺ قومه، وأن الذي دعا إليه هو الذي دعت إليه الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وأن الدعوة واحدة، والله كما جعل لهؤلاء السابقين أعداء ونصرهم عليهم سبحانه ﵎، وحقت كلمة الله سبحانه أن رسله هم المنصورون وأنهم هم الغالبون، كذلك يذكر لنبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه سينصره سبحانه كما نصر هؤلاء السابقين. وكذلك ذكر الله هنا شيئاً من مناقب الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، الذين دعوا إلى الله سبحانه ﵎ وخاصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو إمام الأنبياء، فذكر الله كيف أن إبراهيم هاجر إلى ربه سبحانه، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠١]، وذُكر في السورة قصة الذبيح؛ حتى نعلم كيف أن إبراهيم ﵊ استحق أن يكون خليل الرحمن بصبره على ابتلاء الله له، وبتنفيذه جميع أوامر الله سبحانه، وبتقديمه ما يحب الله على ما يحبه هو عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم ذكر الله المشركين وكيف أن اعتقاداتهم اعتقادات فاسدة، وأنهم كذبوا ربهم وتعجبوا مما لا يتعجب من مثله، كقولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فيعجبون من غير أن يستدعي الأمر عجباً! وذكر الله أنهم كانوا يكذبون النبي ﷺ وهذا القرآن العظيم، والله يجيب ويرد عن نبيه ﷺ ويعده بالنصر على هؤلاء الكافرين. وقد بدأ هذه السورة بقوله سبحانه ﵎: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، فذكر ملائكة الله سبحانه ﵎ وختم هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧٩ - ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، فبدأ بذكر الملائكة، وانتهى بذكر رسل الله سبحانه، ونصر الله سبحانه لأنبيائه على الكفار.

стр. 2385

تفسير قوله تعالى: (والصافات صفاً) قال الله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [الصافات:١ - ٣] هذه أقسام يقسم بها الله تناسب الحال، فقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ تناسب عظمة الله سبحانه ﵎. أي: الملائكة التي تصف أجنحتها وتقف صفوفاً بين يدي ربها سبحانه ﵎، والملائكة خلق عظيم خلقهم الله من نور، وجعل لهم قوة عظيمة جداً، فهم ملائكة الله الذين قال فيهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ومنهم جبريل ﵇ الذي رآه النبي ﷺ على هيئته التي خلق عليها مرتين فقط، وخلقه يسد ما بين السماء والأرض وله ستمائة جناح، نزل على قرية واحدة فقلب هذه القرية على أهلها كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥]. ومن الملائكة خازن النار مالك الذي يناديه أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ومنهم ميكائيل الذي يأتي بالقطر ويسوق السحاب ويأتي بالمطر من السماء، والناس يسمعون صوت الرعد ويرون البرق فيصيبهم الفزع والهلع والخوف وما ذلك إلا من ملائكة الله الذين يجعل الله في أيديهم ما يدبر به أمر خلقه سبحانه ﵎. وأما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور، فيميت الله جميع الخلق بهذه النفخة، ثم يأمره أن ينفخ نفخة الإحياء فينفخ فيقوم الناس من قبورهم فزعين. والملائكة يسمعون ويطيعون ويعبدون الله سبحانه، مع قوتهم الهائلة فهم الصافون بين يدي الله سبحانه ﵎، أي: يقفون صفوفاً بين يديه خائفين وجلين، فإذا سمع الملائكة الأمر من عند الله سبحانه خروا وضربوا بأجنحتهم خضعاناً لأمر الله سبحانه ﵎، والملائكة هم الذين ذكرهم الله سبحانه ﵎ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١]. فهؤلاء الملائكة الذين خلقهم الله سبحانه ﵎، وصفهم هنا مقسماً بهم، والله يقسم بما يشاء، فهو يقسم بنفسه، وبصفاته سبحانه، ويقسم بالملائكة، ويقسم برسوله ﷺ ، فله أن يقسم بما يشاء، أما العبد فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله سبحانه، قال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فلا تحلف بغير الله. وقد ناسب ذكر الملائكة في أول هذه السورة وذلك لعظمتها، وذكر أنها تصف صفوفاً بين يدي الله خاشعة قائمة بين يدي الله ، فمنهم القائم ومنهم الراكع ومنهم الساجد الذي يكون على هذه الهيئة حتى تقوم القيامة، فإذا قامت القيامة قاموا بين يدي الله ، وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
следующие страницы →