Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
تفسير سورة الصافات [ ١ - ٤]
لقد أنزل الله القرآن العظيم، وجعل فيه من العظمة ما يستهوي النفوس لسماعه، ومن أوجه هذه العظمة: أن الله قد يقسم في بدايات بعض السور بمخلوقاته العظيمة كالملائكة وغيرها، وقسم الله بالمخلوق حق له، فيقسم بما يشاء، ولا يقسم العبد إلا بالله، وقسم الله بالملائكة يدل على عظمتها، ومن صفاتها أنها تصف بين يدي الله لإجابة أمره، وتزجر عن القبيح بما ينزل الله معها إلى أنبيائه، وهي أيضاً تتلو كتب الله على أنبيائه وتدارسهم ما أنزل الله تعالى عليهم.
стр. 2382
مقدمة بين يدي سورة الصافات
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١ - ١٠].
هذه هي السورة السابعة والثلاثون من كتاب الله ، وهي سورة الصافات، وهي سورة من السور المكية في كتاب الله ، وفيها خصائص السور المكية كما سيأتي فيها.
وسورة الصافات آياتها مائة وإحدى وثمانون آية على العد البصري وعد أبي جعفر، ومائة واثنان وثمانون آية على عد باقي القراء، وكما ذكرنا في غيرها من السور أن اختلاف القراء في عدد الآيات هو بحسب الوقف، أي: هل هذه رأس آية أم هي جزء من الآية، فبناء على ذلك يختلف العد، وليس المعنى أنه يوجد آية زائدة عن الآيات في العد الآخر، وإنما العد بحسب الوقف نفسه، ولذلك سيختلف القرَّاء هنا في الوقوف كما في الآية: ﴿مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٨]، يقف غير البصري على ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات:٩]، فوقف على كلمة ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات:٩].
كذلك في قوله سبحانه: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٢٢]، يقف عليها على أنها رأس آية غير البصري ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣].
كذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات:١٦٧] غير أبي جعفر يقف عليها، وأما أبو جعفر فيصلها بما بعدها.
إذاً: الخلاف في عد الآي هو بسبب أين يقف، هل على رأس هذه الآية فيعتبر هذه رأس آية أم على جزء من الآية التي تليها ويعتبر ذلك الجزء آية؟
стр. 2383
سبب تسمية السورة بهذا الإسم
سورة الصافات اسمها مأخوذ من بدء هذه السورة، وهو قول الله : ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، أقسم الله بالصافات، فسميت بسورة الصافات؛ لكون هذه الكلمة مذكورة فيها، وإن كانت هذه الكلمة مذكورة في سورة النور وفي سورة الملك، ولكن هناك ذكر الطير صافات، وهنا قصد الملائكة، وهذه السورة نزلت قبل سورة الملك، فسميت بسورة الصافات باعتبار أول آية فيها ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١].
هذا باعتبار نزول السورة في ترتيب النزول، وأما في ترتيب نزولها من بين السور فهي السادسة والخمسون في ترتيب النزول، أما في ترتيب العد المصحفي فترتيبها في المصحف السابعة والثلاثون في العد، ولكنها السادسة والخمسون في النزول على النبي ﷺ ، وقد نزلت هذه السورة بعد سورة الأنعام، وسورة الأنعام سورة مكية وهذه بعدها، وقبل سورة لقمان التي قدمنا ذكرها قبل ذلك.
стр. 2384
أغراض السورة
هذه السورة سورة مكية، ففيها أغراض السور المكية، وفيها الخصائص والميزات التي هي موجودة في السور المكية، والسور المدنية فيها التشريع فيأتي فيها الأحكام والأوامر والنواهي، والسور المكية فيها ترسيخ أمر العقيدة، وتوحيد الله سبحانه ﵎ في قلوب الخلق، ودفع الشرك عن الخلق، وبيان ما يعبدون من دون الله وأنها لا تنفع لا تضر، وبيان أن الإله الحق المستحق للعبادة هو الرب سبحانه ﵎ الذي يقدر على أن يخلق، وعلى أن يرزق ويدبر الكون سبحانه ﵎.
إذاً: هذه السورة الغرض منها إثبات وحدانية الله سبحانه ﵎، وسوق الدلائل على تلك الآيات التي تدل على أنه وحده هو الذي يستحق العبادة، وأنه وحده المنفرد بالخلق وبتدبير الكون في العالم العلوي والعالم السفلي، بل في كل شيء قد انفرد بالخلق سبحانه، فله الخلق وله الأمر، فهو الذي يعبد وحده سبحانه ﵎.
وفيها أيضاً الإشارة إلى البعث والنشور وإثبات الحشر والجزاء يوم القيامة، وفيها وصف حال المشركين يوم الجزاء وكيف يفعلون وكيف يندمون على ما قصروا وما فرطوا في هذه الحياة الدنيا، وكيف يقع بعضهم في بعض، ويدعو بعضهم على بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وفيها وصف أحوال المؤمنين بأن الله سبحانه ينجيهم وأنه يدخلهم جنته سبحانه ﵎.
كذلك يذكر في هذه السورة حال المؤمنين وفرحهم بدخولهم الجنة، وكيف أنهم كما قال تعالى: ﴿أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]، وكيف ذكر أحدهم ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥١ - ٥٢]، وأنهم تكلموا وهم في الجنة، وأخبرنا الله عن فرحهم وسرورهم وكلام بعضهم لبعض فيها، وكيف أن الله ثبتهم في هذه الدنيا وثبتهم يوم القيامة حتى أدخلهم الجنة.
ثم انتقل إلى دعوة رسول الله ﷺ قومه، وأن الذي دعا إليه هو الذي دعت إليه الأنبياء والرسل قبله صلوات الله وسلامه عليه وأن الدعوة واحدة، والله كما جعل لهؤلاء السابقين أعداء ونصرهم عليهم سبحانه ﵎، وحقت كلمة الله سبحانه أن رسله هم المنصورون وأنهم هم الغالبون، كذلك يذكر لنبيه صلوات الله وسلامه عليه أنه سينصره سبحانه كما نصر هؤلاء السابقين.
وكذلك ذكر الله هنا شيئاً من مناقب الأنبياء السابقين عليهم الصلاة والسلام، الذين دعوا إلى الله سبحانه ﵎ وخاصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهو إمام الأنبياء، فذكر الله كيف أن إبراهيم هاجر إلى ربه سبحانه، ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠١]، وذُكر في السورة قصة الذبيح؛ حتى نعلم كيف أن إبراهيم ﵊ استحق أن يكون خليل الرحمن بصبره على ابتلاء الله له، وبتنفيذه جميع أوامر الله سبحانه، وبتقديمه ما يحب الله على ما يحبه هو عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ثم ذكر الله المشركين وكيف أن اعتقاداتهم اعتقادات فاسدة، وأنهم كذبوا ربهم وتعجبوا مما لا يتعجب من مثله، كقولهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فيعجبون من غير أن يستدعي الأمر عجباً! وذكر الله أنهم كانوا يكذبون النبي ﷺ وهذا القرآن العظيم، والله يجيب ويرد عن نبيه ﷺ ويعده بالنصر على هؤلاء الكافرين.
وقد بدأ هذه السورة بقوله سبحانه ﵎: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١]، فذكر ملائكة الله سبحانه ﵎ وختم هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧٩ - ١٨١] ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام:٤٥]، فبدأ بذكر الملائكة، وانتهى بذكر رسل الله سبحانه، ونصر الله سبحانه لأنبيائه على الكفار.
стр. 2385
تفسير قوله تعالى: (والصافات صفاً)
قال الله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ [الصافات:١ - ٣] هذه أقسام يقسم بها الله تناسب الحال، فقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ تناسب عظمة الله سبحانه ﵎.
أي: الملائكة التي تصف أجنحتها وتقف صفوفاً بين يدي ربها سبحانه ﵎، والملائكة خلق عظيم خلقهم الله من نور، وجعل لهم قوة عظيمة جداً، فهم ملائكة الله الذين قال فيهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، ومنهم جبريل ﵇ الذي رآه النبي ﷺ على هيئته التي خلق عليها مرتين فقط، وخلقه يسد ما بين السماء والأرض وله ستمائة جناح، نزل على قرية واحدة فقلب هذه القرية على أهلها كما قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥].
ومن الملائكة خازن النار مالك الذي يناديه أهل النار ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، ومنهم ميكائيل الذي يأتي بالقطر ويسوق السحاب ويأتي بالمطر من السماء، والناس يسمعون صوت الرعد ويرون البرق فيصيبهم الفزع والهلع والخوف وما ذلك إلا من ملائكة الله الذين يجعل الله في أيديهم ما يدبر به أمر خلقه سبحانه ﵎.
وأما إسرافيل فهو الذي ينفخ في الصور، فيميت الله جميع الخلق بهذه النفخة، ثم يأمره أن ينفخ نفخة الإحياء فينفخ فيقوم الناس من قبورهم فزعين.
والملائكة يسمعون ويطيعون ويعبدون الله سبحانه، مع قوتهم الهائلة فهم الصافون بين يدي الله سبحانه ﵎، أي: يقفون صفوفاً بين يديه خائفين وجلين، فإذا سمع الملائكة الأمر من عند الله سبحانه خروا وضربوا بأجنحتهم خضعاناً لأمر الله سبحانه ﵎، والملائكة هم الذين ذكرهم الله سبحانه ﵎ في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١].
فهؤلاء الملائكة الذين خلقهم الله سبحانه ﵎، وصفهم هنا مقسماً بهم، والله يقسم بما يشاء، فهو يقسم بنفسه، وبصفاته سبحانه، ويقسم بالملائكة، ويقسم برسوله ﷺ ، فله أن يقسم بما يشاء، أما العبد فلا يجوز له أن يقسم إلا بالله سبحانه، قال النبي ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)، فلا تحلف بغير الله.
وقد ناسب ذكر الملائكة في أول هذه السورة وذلك لعظمتها، وذكر أنها تصف صفوفاً بين يدي الله خاشعة قائمة بين يدي الله ، فمنهم القائم ومنهم الراكع ومنهم الساجد الذي يكون على هذه الهيئة حتى تقوم القيامة، فإذا قامت القيامة قاموا بين يدي الله ، وقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
стр. 2386
التشبه في الصلاة بوقوف الملائكة عند ربهم
روى الإمام مسلم من حديث جابر بن سمرة ﵁ قال: (خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس؟! اسكنوا في الصلاة)، وذلك أنه رآهم يرفعون أيديهم في الصلاة فقال: مالك تحرك يديك مثل ذيل الخيل الشموس النفرة، فالحصان عندما ينفر يحرك ذيله شمالاً ويميناً، فهنا لا ينبغي للمسلم وهو يصلي أن يهز يديه أو يحركها، وبعضهم قبل السلام يحرك يديه شمالاً ويميناً، وهذا قد نهى عنه النبي ﷺ ، وأمر بالسكون فقال: (مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة، ثم خرج علينا فرآنا حلقاً حلقاً فقال: مالي أراكم عزين؟ -أي: مالي أراكم متفرقين- فأمرهم أن يجتمعوا -أي: أن ينضم بعضهم إلى بعض-)، وذلك أنه أراد أن يكلمهم ﷺ ، فإذا كان كل واحد بعيداً من الآخر فكيف سيكلمهم؟ ولذا أمرهم أن يجتمع وينضم بعضهم لبعض.
(فأمرهم أن يجتمعوا، ثم خرج علينا فقال: ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها) يعني: إذا قمتم في الصلاة فاقتدوا بملائكة الله ، (فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف).
إذاً: ينبغي عند قيام المؤمنين في صلاتهم أن يتشبهوا بالملائكة في قيامهم بين يدي الله ، فلا ينبغي للمسلم إذا وجد فرجة في الصف أن يتركها، فتصبح مجموعة في الصف الأول ومجموعة في الصف الثاني، وهؤلاء في أول الجامع وهؤلاء يمينه وهؤلاء شماله! بل عليهم أن يقتدوا ويتشبهوا بملائكة الله ، فيصفون صفوفاً ويكملون الصف الأول، ثم الثاني، ثم الثالث وهكذا، قال ﷺ عن الملائكة: (يتمون الصفوف الأول، ويتراصون في الصف).
стр. 2387
تواضع الملائكة
هذه الملائكة العظيمة التي تقف بين يدي الله سبحانه ﵎، تتواضع للمؤمنين، وهي خلق عظيم من نور، وهي أفضل من بني آدم إلا من فضَّل الله من بني آدم عليهم من أنبياء ورسل، فالملائكة أفضل في الجنس من بني آدم إلا من فضلهم الله سبحانه ﵎.
وتواضع الملائكة للمؤمنين ذكره النبي ﷺ في الحديث: (من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما صنع) أي: أن طالب العلم الشرعي الذي يذهب ليتعلم القرآن، ويتعلم السنة، ويتعلم الفقه، ويتعلم دين الله وأحكامه، فهذا الإنسان في خروجه من بيته إلى بيت الله الملائكة تتواضع له وتفرح به، وتفرش له أجنحتها وتضع أجنحتها رضاً بما صنع طالب العلم.
قال ﷺ : (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء، وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر).
وأيضاً ملائكة الله سبحانه ﵎ إذا سمعوا أمر الله يحصل أنهم يعملون شيئاً، وهو ما قاله النبي ﷺ : (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان ينفذهم ذلك)، والحديث في صحيح البخاري وفيه: (أن الملائكة إذا سمعت أمر الله تضرب بأجنحتها من الفزع) أي: من الخوف أن تقوم القيامة، أو أن يغضب الله، يخافون ذلك مع أن الله سبحانه جعلهم لا يعصون أبداً، ولكن الخوف من الله ، ومنزلتهم العالية عند ربهم سبحانه جعلتهم يخافون أن تضيع هذه المنزلة، فإذا سمعوا أمر الله ضربوا بأجنحتهم خضعاناً لأمره سبحانه ﵎.
إذاً بدأت هذه السورة بالقسم بملائكة الله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:١ - ٣]، والراجح من أقوال أهل التفسير: أن هذه الأقسام كلها بالملائكة فهي مناسبة بعضها لبعض.
стр. 2388
دور الملائكة في النهي عن القبائح والمعاصي
قال الله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات:٢] أي: أن الملائكة تنزل بآيات الله سبحانه ﵎ التي فيها الزجر عن المعاصي، وزجر العباد عن القبائح، فالملائكة تزجر بني آدم عن الوقوع في المعصية بما ينزلونه من عند الله سبحانه على العباد.
﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:٢ - ٣]، فالملائكة تزجر عن المعاصي، وقد يرسلها الله لتهلك أقواماً بسبب معاصيهم، وهذا زجر عن المعصية وعن قبائح الأمور.
﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:٣] أي: أن الملائكة تتلو ذكر الله سبحانه، فهم يسبحون الله سبحانه، ومنهم من ينزل على الأنبياء بكتب الله يقرءون عليهم ويعلمونهم، كما نزل جبريل على النبي ﷺ يتلو عليه ويعلمه، فيحفظ منه ويتعلم منه ﵊.
﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:١ - ٣]، وقد قرأ أبو عمرو هذه الآيات الثلاث بالإدغام، وأدغم التاء في الصاد في الآية الأولى، والتاء في الذال في الآية الثانية، والتاء في الذال في الآية الثالثة يعقوب بخلفه، وكذلك حمزة فهو يدغم، فإذا أدغم حمزة فيمد فيها، وإذا أدغم غيره جاز له أن يمد حركتين وأربع وست حركات، والقراءة بالإدغام: هي أن يلغي التاء ويقرأ الصاد مكانها، والقسم في الثلاث الآيات جوابه: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٤]، وهذا هو المقصود من إرسال الرسل، ومن إنزال الكتب، وهو بيان توحيد الله سبحانه، وأنه الذي يستحق العبادة وحده.
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2389
تفسير سورة الصافات [١ - ٧]
أقسم الله تعالى في أوائل سورة الصافات على إثبات ربوبيته من دون الأنداد التي اتخذها المشركون من دونه سبحانه، ثم دلل على ربوبيته بما جعل في هذا الكون من دلائل حكمته وأحديته وقيوميته، ولقد ظهرت في الآونة الأخيرة من بينات الإعجاز وبراهين الإيمان ما يزداد المؤمن به إيماناً، مصداقاً لقوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق).
стр. 2390
دلالة قسم الله ﵎ على عظم المقسم عليه
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا * إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ * رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ * إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:١ - ٦].
سورة الصافات: هي السورة السابعة والثلاثون من كتاب الله ، وهي من السور المكية.
يقسم الله فيها بقوله: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات:١ - ٣]، والراجح: أنها الملائكة، فيقسم الله بملائكته المتصفين بهذه الصفات.
قال: (وَالصَّافَّاتِ صَفًّا) أي: تصف الملائكة عند ربها، ويقفون صفوفاً خاشعين بين يدي الله سبحانه ﵎، فهي تصطف في عبادة الله، أو تصف أجنحتها خشوعاً لله سبحانه ﵎.
(فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا) أي: تنزل الملائكة بآيات الله سبحانه ﵎ التي تزجر بها بني آدم عن معاصيهم وعن قبائحهم، فملائكة الله تزجر العباد بما يأمرهم الله به من زواجر وآيات من كتابه، أو بأن يرسل ملكاً من الملائكة ليعاقب الناس على ظلمهم وعلى معصيتهم لربهم.
ومن معاني الزاجرات: سوق السحاب من مكان إلى مكان، فتزجر الملائكة السحاب وتسوقها بأمر الله سبحانه من مكان إلى مكان.
(فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا) أي: التاليات القارئات لكتاب الله سبحانه ﵎، فيقسم الله بملائكته المتصفين بهذه الصفات، فهي تتلو كتاب الله كما كان جبريل ينزل على النبي ﷺ ويقرأ عليه القرآن فيتعلم النبي ﷺ منه، وكذلك كانت الملائكة تنزل على الرسل قبل النبي ﷺ لتتلو ذكر الله وآياته سبحانه ﵎ عليهم.
стр. 2391
إثبات إيمان المشركين بتوحيد الربوبية
ثم يأتي بعد هذا القسم الجواب وهو قول الله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات:٤]، فأقسم الله بملائكته سبحانه على أن الإله الذي يستحق العبادة هو إله واحد لا شريك له سبحانه، فهو الإله المعبود، وهو الرب الصانع الخالق، ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة:٧]، وهو المدبر الرزاق سبحانه ﵎، فهذا هو الرب وهذا الإله، وقد كان المشركون يعتقدون أن الرب واحد، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، فلا يوجد عندهم إشراك في ربوبية الله سبحانه، وأنه الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، وأنه الذي ينفع ويضر، ولكنهم يعبدون آلهة من دون الله سبحانه ﵎ مع اعتقادهم أن الذي ينفع هو الرب الذي في السماء سبحانه ﵎، ولكنهم عبدوا غير الله سبحانه بسبب الهوى؛ لأن كل إنسان لا يريد أن يستمع من غيره عندما يأمره ويقول له: لي إله، وإلهه يأمره بأن يأمره؛ ولأنه ليس أفضل منه في اعتقاده سبحانه، وهم يعتقدون بأنهم سيكونون مأمورين من قبله ﷺ ، فاستكبروا على الحق الذي جاءهم من عند الله سبحانه، وحالهم كما وصف الله سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: ألم يجد ربك غيرك ليبعثه؟ ولماذا لم يبعث أحداً غيرك أعظم أو أغنى أو أقوى منك كـ أبي جهل أو عروة الثقفي أو غيرهم؟ فبين الله سبحانه أن غيرتهم وحسدهم من النبي ﷺ هو الذي دفعهم إلى البعد عن دين الله سبحانه.
فقال الله سبحانه: (إِنَّ إِلَهَكُمْ لَواحِد) يعني: الذي يستحق العبادة إله واحد سبحانه ﵎، وهذا الذي تعجب منه المشركون ولا عجب فيه، فإذا كنتم تقولون: إن الرب الذي يخلق ويرزق وينفع ويضر رب واحد فلم لا تعبدون الرب الواحد سبحانه؟! وكيف تعبدون غيره ممن لا ينفع ولا يضر؟! وكيف يأتي أحدكم إلى الصنم وهو يعتقد أن الصنم لا ينفع ولا يضر ثم يقول له: اعمل لي كذا، وأعطني كذا، ويعبده من دون الله سبحانه ﵎؟! أي عقل يدفعهم إلى ذلك؟! ولذلك قالوا عن النبي ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، وكانت هذه مغالطة منهم لأنفسهم وغيرهم، فالإنسان إذا لم يعرف الرد على خصمه، لجأ إلى التحريف في الكلام كما هو الحال في هذه الآية، فيقولون: نحن نعبد الله مباشرة دون وسائط فلابد من الوسائط بيننا وبين الله سبحانه ﵎، فنحن نعبد هذه الأصنام لكي تقربنا إلى الله ، وهي حجة سخيفة وغبية، بل عليه اللجوء إلى الله سبحانه دون وسائط، وعليه التقرب إليه والدعاء له سبحانه، ثم هذا الصنم الأصم الأبكم هل يصلح أن يكون واسطة بينك وبين الله سبحانه؟!
стр. 2392
إنه فكر وقدر
ثم عندما يطوفون بالبيت كانوا يطوفون عراة ليس عليهم ثياب، إلا إذا كان من أهل مكة ومن الحمس الذين فيها فيحق له أن يعطيهم من ثيابه فيلبسونها، وهم يحتجون على صنيعهم هذا بأنهم عصاة مذنبون فلا يستطيعون عبادة الله بهذه الثياب الملوثة بالأقذار والمعاصي، والحق أن هذا كلام فارغ لا يعقل، ومع ذلك يصدق بعضهم بعضاً؛ لأن الكفر جمعهم، وجمعتهم كذلك عداوتهم للنبي ﷺ ، فهم مضطرون أن يصدق بعضهم بعضاً في الظاهر، كما زعموا أن النبي ﷺ ساحر وكذاب مع أنهم في أنفسهم يعلمون أنه ليس بساحر أو كذاب، وقد كان أكثر من دافع عن النبي ﷺ هو الوليد بن المغيرة، فقد قال لهم: أنا عرفت شعر العرب ونثرها، وعرفت لغة العرب، وعرفت كلام الكهنة والسحرة فلم أجده من هؤلاء، فاحتال عليه أبو جهل وقال له: لقد تركت قومك يجمعون لك المال، فقال: لماذا يجمعون لي المال؟ فقال: لأنهم يزعمون أنك تريد أن تتبع محمداً ليعطيك من المال؟! فإذا بالنعرة تأخذه، وأبو جهل يستغل الفرصة ويقول له: قل فيه شيئاً، وكان قد قال الوليد بن المغيرة عن النبي ﷺ وعن القرآن العظيم: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، لما قال ذلك، فلما أثاره أبو جهل على النبي ﷺ قال ما قاله، فيقول الله سبحانه ذاكراً صفة هذا الرجل: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٤]، وهو الذي يقول: بأنه عرف كلام السحرة والكهنة، وهذا ليس بساحر أو كاهن، ثم في النهاية يقول مجاملة لقومه؛ لكي لا يقولوا عنه: إنه يريد أن يتبع النبي ﷺ لكي يعطيه مالاً: (إن هذا إلا سحر يؤثر)! فالكفار يقولون بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم، وهم كذلك في كل زمان ومكان، وقد حذرنا الله من الكفار بقوله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالله تعالى هو الذي خلقهم، وهو أعلم بما في نفوسهم، ومع ذلك يقع المسلمون ضحايا لتصديق هؤلاء الكفار فيما يكذبون وفيما يقولون عن دين الله سبحانه ﵎.
стр. 2393
تفسير قوله تعالى: (رب السماوات والأرض وما بينهما)
قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات:٥].
الرب: هو الخالق سبحانه، والرب: هو المالك الذي ملك المخلوقات ودبر أمرها.
(وَمَا بَيْنَهُمَا) أي: كل شيء بين السماوات والأرض، فهو خالقه ومدبره.
(وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)، فهو رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق كذلك.
وقد ذكر الله المشارق هنا، وذكر أيضاً في كتابه المشرق والمغرب وكرر ذلك فقال لنا في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩]، وقال لنا في سورة الرحمن: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:١٧ - ١٨]، وقال لنا سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ﴾ [المعارج:٤٠]، وهنا قال لنا: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ) سبحانه ﵎.
والحق أن القرآن كلام عظيم، وهو كلام رب العالمين لا يتناقض أبداً، ومن توهم فيه التناقض فإنما هو لقصر فهمه وتفكيره، لكن العلماء ينظرون في هذا القرآن العظيم فيجدونه بليغاً فصيحاً قوياً متيناً، والدليل على ذلك هذه الآيات العجيبة فمرة يقول: (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، ومرة يقول: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ)، ومرة يقول: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، وكل هذا صحيح، فالمشرق: هو مكان الشروق، والمغرب: هو مكان الغروب، فهناك مشرق ومغرب.
أما قوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧]، فإنك إذا تتبعت فصول السنة ومشرق الشمس في الشتاء في أقصر الأيام، ثم مشرق الشمس في الصيف في أطول الأيام، فستجد أن مشرقها في أطول يوم في السنة غير المشرق الذي تشرق فيه في أقصر يوم في السنة، فكأن المشرق مشرقان مختلفان ينبني عليهما طول اليوم والليل وقصرهما، فحسن إطلاق لفظ المشرق والمغرب بالمثنى في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧].
أما إطلاق لفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج:٤٠]، فباعتبار أن ما بين أقصر الأيام وأطول الأيام تشرق الشمس كل يوم في زاوية معينة تطلع منها، وتغرب من زاوية أخرى ينبني عليها اختلاف الأيام في الطول والقصر في العام كله، فتشرق الشمس على مكان دون الآخر، فالأرض لها مشارق ومغارب، وللمجموعة الشمسية مشارق حولها، على كل كوكب من هذه الكواكب مشرق ومغرب تشرق فيه، فسبحان الله المدبر الحكيم! وقد اكتشف علماء الفلك هذه الحقيقية بعد أن جاءت في القرآن قبل مئات السنين، فتبارك الله رب العالمين، فإن الإنسان إذا تفكر في القرآن عرف الإتقان والإعجاز الذي فيه، وكيف أن الله يذكر المشرق والمغرب تارة بلفظ الإفراد وتارة بلفظ التثنية والجمع وهو يعلم العلة والحكمة في ذلك، فعندما يقول سبحانه في سورة المزمل: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [المزمل:٩]، ناسب إفراد الله سبحانه ﵎ بالعبودية أن يذكر مشرقاً واحداً ومغرباً واحداً، وهو جنس لمكان الشروق والغروب.
وفي سورة الرحمن يقول تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الرحمن:٣٣]، يخاطب الاثنين، وهو يقول في كل السورة مخاطباً الإنس والجن: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن:١٣]، فناسب أن يذكر المشرق والمغرب بلفظ المثنى فقال: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن:١٧].
وهنا يقول سبحانه: (رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا)، فلأنهما جمع قال: (وَرَبُّ الْمَشَارِقِ)، فجمع فناسب ذلك.
وفي سورة المعارج يقول الله سبحانه: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ [المعارج:٤٠ - ٤١] أي: أمثال هذه المجموعات من الكفار والبشر الذين يكيدون للنبي ﷺ ، فناسب ذكر المشارق والمغارب باعتبار سياق الجمع.
والحاصل: أننا نجد إعجاز القرآن في الحقائق العلمية التي لا تتناقض، وهي مع ذلك في سياق عظيم بديع يلائم الآيات السابقة واللاحقة في السورة التي يذكرها الله سبحانه ﵎.
ولذلك نقول: إن الذي يتأمل في هذا القرآن ويتعمق فيه يعرف قدر هذا الكلام العظيم الذي لا يدانيه كلام الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله، فعندما تقرأ هذا القرآن العظيم الفصيح البليغ، وهذا السياق اللغوي الرصين المتين العظيم الجميل، تتعجب من وجوه إعجازه! وهذا من ذلك.
стр. 2394
تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب)
قال سبحانه: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦] فيخبر الله سبحانه ﵎ عن السماء الدنيا، وهي أقرب السماء إلينا، وعدد السماوات سبع طباقاً بعضها فوق بعض، والأرض لا تساوي شيئاً بجوار هذه السماء العظيمة (والسماوات كلها بجوار كرسي الله كحلقة في فلاة)، كما جاء عن النبي ﷺ ، وكذلك الكرسي بجوار عرش الله سبحانه ﵎، وقد زين الله السماء الدنيا بزينة وهي الكواكب.
فخلق الله النجوم زينة للسماء، وجعلها هداية للبشر يعرفون بها الطريق، فيعرف بها الشرق من الغرب، وكذلك دلالة النجم الفلاني على أن الطريق من هذا المكان، فجعل الله سبحانه ﵎ النجم هداية للناس كما قال: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦]، وهذه ثلاث فوائد خلقت من أجلها النجوم، فجعلها الله زينة للسماء، وجعل منها ما يقذف ويرمى به الشياطين، وجعلها هداية للناس يعرفون بها الشرق والغرب والشمال والجنوب، ويعرفون الطريق بالنظر إليها، فمن ادعى فوق ذلك فقد ادعى ما ليس له به علم، ومن زعم أنه بالنجوم يعرف الأقدار فقد كذب على الله سبحانه ﵎، وادعى غيباً لم يخبره به أحد، ووقع في الكفر بزعمه أنه يعلم شيئاً من الغيب.
فقوله: (إِنَّا زَيَّنَّا) ذكر الله هنا نون العظمة؛ لأن السماء بنجومها عظيمة جداً، ففيها الشهاب الثاقب وما يدل على عظمته، فعبر بـ (إِنَّا) سبحانه؛ دلالة على العظمة.
وقوله: (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ) هذه قراءة حفص عن عاصم وقراءة حمزة.
وقرأها شعبة عن عاصم بفتح الباء: (بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ).
وقرأها باقي القراء بكسر الباء دون تنوين: (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ).
ولكل وجه معنى، فمن قرأها: (بِزِينَةٍ) كما هي قراءة حفص وحمزة، (الْكَوَاكِبِ) فقال: بأن الزينة هي الكواكب، فجعلها بدلاً مما قبلها.
ومن قرأها بقراءة شعبة عن عاصم: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبَ)، جعلها منصوبة على المحل الذي قبلها، فكأنه قال: إنا زيناها زينة وبدل هذه الزينة قال: الكواكبَ، فهي معطوفة أو منصوبة على المحل الذي قبلها، أو بتقدير: أعني، (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ) أقصد وأعني: (الْكَوَاكِبَ) فهي مفعول على هذا الفعل المضمر، أو أنها بدل اشتمال من السماء.
وباقي من القراء يقرءونها على الإضافة: (بِزِينَةِ الْكَوَاكِبِ) فيضيف الكواكب إلى الزينة.
والحاصل: أن الله قد زين السماء الدنيا بهذه النجوم العظيمة التي يراها الإنسان على بعد بعيد جداً في السماء وهي صغيرة، فيظنها نقط في السماء وهي أكبر من الأرض بملايين المرات؛ لأن البعد الذي بيننا وبين السماء يصل إلى ملايين الكيلومترات، حتى إن شعاع النجم يستغرق للوصول إلى الأرض أربع سنين ضوئية، بينما تصل أشعة الشمس إلى الأرض خلال ثمان دقائق؛ ولذلك أقسم الله بقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥]، وأنت تستطيع رؤية النجم وقد استغرق أربع سنوات ضوئية! فيقسم الله بالموقع الذي كان فيه هذا النجم قبل أن يصل إليك، فهذا أمر عجيب وأعجب منه دقة التصوير القرآني لهذه الحقائق، ففيه دلالة باهرة على أنه كلام رب العالمين سبحانه ﵎.
стр. 2395
تفسير قوله تعالى: (وحفظاًَ من كل شيطان مارد)
ثم قال تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧] أي جعلنا هذه الكواكب تحفظ السماء من استراق الشياطين للسمع.
قال: (شَيْطَانٍ مَارِدٍ) الشيطان المارد: هو العاتي الشديد الطاغي الذي خرج عن حدود أمثاله، والذي يريد أن يتسمع ويتصنت على أخبار السماء، فأراد أن يتعالى بعلمه لخبر السماء، فالله عندها يقذفه بالشهاب الثاقب كما سيأتي في الآيات بعدها.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2396
تفسير سورة الصافات [٦ - ١٢]
لقد زين الله السماء الدنيا بالنجوم والكواكب ليهتدي بها الإنسان في ظلمات البر والبحر؛ ولتكون رجوماً للشياطين الذين يسترقون السمع، وفي هذا دلالة على أن الأرض خلق السماوات والأرض أكبر من خلق هذا الإنسان الذي يستكبر ويعاند ويكابر ويتحدى الله ، فعجباً لهؤلاء الكافرين المستكبرين!
стр. 2397
تفسير قوله تعالى: (إنا زينا السماء الدنيا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ * فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ * بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات:٦ - ١٨].
في هذه الآيات من سورة الصافات يخبرنا الله كيف أنه زين السماء الدنيا بزينة الكواكب، قال: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦]، فالكواكب والنجوم زينة للسماء الدنيا، كذلك فيها رجوم للشياطين، كذلك بالنجم هم يهتدون، يهتدي العباد فيعرفون طرق سيرهم شمالاً من جنوب، وشرقاً من غرب، فيعرفون الشمال والجنوب، والشرق والغرب، عن طريق النظر إلى الكواكب، والنظر إلى النجوم.
زين الله السماء الدنيا بزينة الكواكب، وجعلها حفظاً من كل شيطان مارد، فيلقي بالكوكب الشاهب المحرق على الشيطان الذي يسترق السمع من السماء، وكانت الشياطين قبل أن يبعث النبي ﷺ تسترق السمع من السماء في طرقها، يسمعون ما يقول الملائكة بعضهم لبعض: إن الله قضى بأمر كذا وكذا، ويكون كذا وكذا في الأرض، فتأخذ الشياطين ما تسمعه من الملائكة وتنزل به إلى الأرض، وتلقيه إلى الكهان كما جاء في حديث النبي ﷺ في ذلك.
ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كالسلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، ((وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ)) [سبأ:٢٣]).
فالملائكة يأتيهم أمر الله فيفزعون حين يسمعون ذلك خوفاً من الله ، وتفزع الملائكة وتضرب بأجنحتها خضعاناً لأمر الله قال: (كالسلسلة على صفوان)، يسمع صوت عظيم جداً من ذلك، كضرب سلسلة على حجر أصم، ومعنى الصفوان: الحجر الأصم، ينفذهم ذلك، قال تعالى: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ:٢٣]، وفزع بمعنى: أزيل الفزع من قلوب الملائكة فيطمئنون ويسأل بعضهم بعضاً، ماذا قال ربكم؟ فيجيب من علم بأمر الله سبحانه، ويقول: الحق، ويقول: قال ربنا كذا وكذا، وأمر بكذا.
فتسترق الشياطين السمع من السماء، واستراق السمع: من السرقة، بمعنى: يخطف السمع، يسمع ما يريد أن يأخذه قبل أن يحرقه الله ، يسترق السمع من السماء، وينزل به إلى الأرض ليخبر غيره من شياطين الإنس والجن.
فيقول النبي ﷺ في الحديث هنا: (ومسترق السمع هكذا واحد فوق آخر)، فوصف راوي الحديث أبو سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى، نصبها، بعضها فوق بعض، (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي به إلى صاحبه فيحرقه).
إذاً: الشياطين تركب بعضها على بعض وأشار بيده هكذا، شيطان فوق شيطان، يركب بعضهم على بعض؛ حتى يتنصتوا إلى خبر السماء، ماذا تقول الملائكة، (ويسترقون) أي: يسرق الشيء الذي يصنعه، يخطفه وينزل به إلى الذي أسفل منه ويخبره أنه سيحصل كذا، وهذا يخبر الذي أسفل، والله يشاء ذلك، ويريد أن ينزل هذا الخبر إلى الأرض فتنة لأهل الأرض، ولكن الذي استرق السمع وسمع هذا الخبر، يرسل الله عليه كوكباً شهاباً حارقاً فيحرقه، وقد يحرق الجميع ، وقد يترك بعضهم يبلغ هذا الخبر إلى الأرض، يقول النبي ﷺ : (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي به إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي به إلى الذي يليه، إلى الذي هو أسفل منه، حتى يلقوها إلى الأرض، فتلقى على فم الساحر والكاهن، فيكذب معها مائة كذبة).
فالشيطان يحدث الساحر ويحدث الكاهن سيحصل كذا في يوم كذا، ويكذب فوقها مائة كذبة، والشيطان يكذب على الإنسان، والإنسان يكذب ويزيد فيها أيضاً ويخبر الناس، قال: (فيصدق فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا، ويكون كذا وكذا، فوجدناه حقاً للكلمة التي سمعت من السماء).
هذا لفظ حديث البخاري، وروى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂، قالت: (سأل أناس النبي ﷺ عن الكهان)، الكاهن: هو الذي يخبر بأخبار غيبية، فيكون بعضها كالذي حدث به، فقال النبي ﷺ : (إنهم ليسوا بشيء -إنهم كذابون- فقالوا: يا رسول الله، فإنهم يحدثون بالشيء يكون حقاً، فقال النبي ﷺ : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون فيه أكثر من مائة كذبة).
ولو أن الكهان كل الأخبار التي يخبرون بها كانت كاذبة لم يصدقهم أحد، ولم يذهب أحد يستشيرهم في شيء، ولما احتجنا أن يقول لنا النبي ﷺ يقول: (لا تصدقوا كاهناً ولا عرافاً) ولكن لابد أن يبتلى العبد بشيء، أن يصدق هذا الكاهن في شيء؛ ليكون فتنة للناس، والإنسان إذا عرف أن فلاناً كذب، كل كلامه كذب، ولكن متى يحتمل أن يصدق هذا الإنسان؟ لما يتكلم بكلام يظهر أنه حق وكلام آخر يكون فيه كذب.
فالله يجعل هؤلاء فتنة للناس، أن ينزل الخبر من السماء مع هذا الجني، مع هذا الشيطان فيقرقره في أذن وليه كقرقرة الدجاجة، يعني: ينزل الشيطان ويقرقر مثلما الدجاجة تقرقر، كذلك هو في أذن وليه، يحصل كذا ويحصل كذا، ويحصل كذا، فيكذب الشيطان على الإنسان، والإنسان يكذب فوق ما سمعه، فيحدث الناس بهذا الشيء، فإذا قال لنا النبي ﷺ : (لا تأتوا الكاهن ولا تصدقوا العراف)، ننفذ ما أمرنا به ﷺ ، وننتهي عما نهانا عنه صلوات الله وسلامه عليه، حتى ولو رأينا منهم خبر صدق في يوم من الأيام، فالمفترض علينا أن لا نصدق أحداً يقول هذا، فإنه لا يعلم الغيب، وقد عرفنا أن الشيطان يلقي إلى الكاهن الخبر الصادق مع مائة من الأخبار الكاذبة.
قال الله : ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧] يعني: حفظ الله السماء من أن يدخلها، أي: يدخل من أبواب السماء، يدخل إلى السماء الدنيا والسماء الثانية والثالثة لا يدخلها، ممنوع الشيطان من ذلك، يسترق السمع تحت السماء فقط ويختلس، أما أنه يخترق السماء هذا لا يكون أبداً، قال: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧]، والمارد: المتمرد العاتي الطاغي، الذي جاوز حده.
وقوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا﴾ [الصافات:٧] أي: حفظنا السماء وحفظنا أخبارها، ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات:٧].
стр. 2398
تفسير قوله تعالى: (لا يسمعون إلى الملأ الأعلى)
قال الله تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات:٨]، هذه فيها قراءتان: قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات:٨]، وقراءة باقي القراء: (لا يَسْمَعون إلى الملإ الأعلى)، ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات:٨] أصلها: (لا يَتَسَمَّعون) وأدغمت، فالمعنى أنهم: منعوا من ذلك، والقراءة الأخرى: (لا يَسْمَعون) كأنهم يحاولون ولا يقدرون، هناك فرق بين معنى القراءتين.
إذاً: قوله تعالى: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات:٨] من كثرة ما أُلقي عليهم من الشهب فقطعوا الأمل من الاستماع إلى السماء.
والقراءة الأخرى: (لا يَسْمَعُون): ما زالوا يحاولون ولكن مُنع عنهم ذلك، فكانت الشياطين قبل النبي ﷺ الكثيرون منهم يصعدون إلى السماء ويسرقون أخبار السماء وينزلون إلى الأرض، ولكن لما بعث النبي ﷺ جُعلت الشهب تلقى عليهم من كل جانب، وقبل أن يبعث النبي ﷺ كان يلقى عليهم الشهاب ويأذن الله أن ينزل الشيء، ويريد ذلك ليبين الفرق قبل مبعث النبي ﷺ وبعد مبعثه ﵊؛ لذلك تعجبت الشياطين لما بعث النبي ﷺ وكانت الشياطين تسترق السمع.
أما وبعد بعثته ﵊ وجدوا الأمر خلاف ذلك، فقالوا: حصل شيء في الأرض، إن الشهب تأتي من كل جانب، وكانوا يسمعون وينزلون بالخبر من قبل، أما الآن ليسوا قادرين على ذلك، فعرفوا أنه حصل شيء في الأرض وهو مبعث النبي صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات:٨] لا يقدرون على الاستماع، أو لا يفعلون ذلك من كثرة ما يصيبهم من الشهب التي تحرقهم.
(ولا يَسْمَعون) فإن حاولوا الاستماع فلا يسمعون شيئاً من أخبار السماء، إلا أن يأذن الله بشيء.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى﴾ [الصافات:٨]، معناه: سكان السماء وأهلها من الملائكة، فالسماء الدنيا والتي تليها يسكن فيها ملائكة الله وهم الملأ.
وأصل الملأ: علية القوم، كما نقول: الملأ من القوم، وفي القرآن يذكر الله الذين كذبوا المرسلين فينزل سبحانه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف:٦٠]، ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف:١٠٩]، إذاً: الملأ: أعلى الناس، أصحاب المناصب في الدنيا، لكن الملأ من أهل السماء بمعنى: أهل العبادة وأهل الطاعة، ملائكة الله الذين قربهم واصطفاهم وأعلى شأنهم وأمرهم ، فهم الملأ حقيقة.
قال: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾ [الصافات:٨].
إذاً: الملأ الأعلى هم ملائكة السماء؛ لأنه هناك ملأ أعلى وهناك من هم دونهم، وملائكة الله في كل مكان، في الأرض ملائكة، وبين السماء والأرض ملائكة، وفي السماء ملائكة، فكأن المقصد هنا: ملائكة السماء الذين يسمعون خبر الله .
стр. 2399
تفسير قوله تعالى: (دحوراً ولهم عذاب واصب)
قال سبحانه: ﴿دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِب﴾ [الصافات:٩] يعني: الشياطين، والمدحور بمعنى: المطرود، ودحوراً بمعنى: طرداً، يطردهم الله طرداً بما يلقيه عليهم من الشهب في السماء.
فقوله: (دحوراً) أي: مطرودين خاسئين، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات:٩] أي: يعذب الله هؤلاء الشياطين بالعذاب الواصب، والواصب: بمعنى اللازم الموجع المؤلم، ولهم عذاب شديد من الله ﵎، ملازماً لهم لا يُرفع عنهم، فهم في النار يوم القيامة، يعذبهم الله سبحانه ولا يخرجون منها أبداً.
وقوله تعالى: ﴿دُحُورًا﴾ [الصافات:٩] مدحورين مطرودين أذلة، ودحرت الإنسان، بمعنى: طردته بإذلالٍ، إذاً: طرد الشيء مع إذلال الذي تطرده، هو الدحر.
قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ [الصافات:١٠]، فاستثنى هؤلاء، من أنهم لا يسمعون، فلا يقدرون على السمع إلا من شاء الله أن يسمع شيئاً، يخطف الخطفة فيسرق شيئاً يقدر عليه مما سمعه، ويهبط بهذا الشيء إلى الأرض على هذه الهيئة، هيئة الخطف، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ [الصافات:١٠] أي: الأخذ السريع للشيء خلساً، ويهوي به إلى الأرض، ولذلك قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات:١٠]، خطف الشيطان خطفة، سمع شيئاً من خبر السماء وأراد أن ينزل به إلى الأرض فيأتيه الشهاب فيحرقه، وهنا تظهر إرادة الله سبحانه، إذ أراد الشيطان أن ينزل هذا الخبر إلى أهل الأرض فتنة لهم، فإذا لم يرد الله أن ينزل ذلك يحرقه الشهاب قبل أن ينزل إلى الأرض بهذا الخبر.
стр. 2400
تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم أهم أشد خلقاً أم من خلقنا)
قال الله سبحانه ﵎: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات:١١] يعني: اسألهم.
وقراءة الجمهور: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات:١١] وقراءة ورش عن يعقوب: (فاستفتهُم).
قوله تعالى: ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ [الصافات:١١] أي: من أقوى، هل هم هؤلاء الإنس، الذين هم ضعفاء في الحقيقة، أم من خلقنا؟ وقال الله : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٢٧ - ٣٣]، من أشد خلقاً أنتم أم هذه السماء وما فيها من نجوم؟ فهل تستطيعون أن تصعدوا إلى السماء؟ وهل تستطيعون أن تغيروا مسار كوكب من الكواكب التي أراد الله أن يسيرها على هذا المسار المحدد؟ كذلك هنا يقول: فاستفتِ هؤلاء المجرمين، أي: اسألهم هؤلاء الكذابين ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١].
وقد خلق الله السماوات وأحكم خلقها ، واعترف الكفار واعترف الخلق بقوة هذه السماء وشدتها، وكذلك الأرض وكذلك الجبال، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾ [الصافات:١١] هؤلاء الضعفاء ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١] اللزوب بمعنى: اللصوق، أي: طين لاصق، تراب عليه ماء، فعندما تضع يدك عليه يلصق الطين فيها، فالإنسان خلق من صلصال، هذا الصلصال له صلصلة من ماء آسن منتن متغير، فالإنسان مخلوق من طين، ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ [الصافات:١١] أي: يلصق بعضه ببعض، والكفار كما في هذه الآية أعجبتهم قوتهم، وقالوا عن أنفسهم أنهم قادرون على أشياء كثيرة، وما كان ذلك إلا غباء من هؤلاء الكفار؛ ولذلك يقول الله تعالى عن هذا الإنسان: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:٥ - ١٠].
أليس الله أعطاه ذلك؟! وبعد ذلك يتكبر على خالقه ! قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٤ - ٥]، هذه الآية نزلت في رجل من الكفار، كان معجباً بقوته وعضلاته، وكان يرى نفسه أنه قادر على أي حال، واسمه أبو الأشدين، رجل من الكفار أعطاه الله قوة، يتكبر بها على غيره، قالوا: كان هذا الرجل شديد البطش، شديد القوة، وهو رجل من بني جمح أبو الأشدين الجمحي، وكانوا يأتونه بالأديم العكاظي، وهي قطعة من جلد شديدة يقف عليها هذا الإنسان، ولفرط قوته وجبروته يقول لهم: شدوها من تحت رجلي، فيشدونها من تحت رجليه فلا يستطيعون، فيتمزق هذا الأديم! فيتعجب من قوته، فصار هذا الإنسان يستكبر على الخلق، ويستكبر على الخالق ، ونزل فيه قوله : ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:٤ - ٥]، يقول كاذباً: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ [البلد:٦]، يقول محدثاً الناس: أنا أنفقت في عداوة محمد صلوات الله وسلامه عليه مالاً عظيماً وهو كذاب في ذلك، فالله أعطاه قوة، وأعطاه مالاً، وهذا الرجل لما أنزل الله : ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:٣٠]، إذا بهذا الرجل ومثله أبو جهل لعنة الله عليهما يقولان: تسعة عشر! فيقولون أبو جهل لقريش: ثكلتكم أمهاتكم، اسمعوا من ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم العدد، لا تقدرون عليهم فيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! أي: طالما هم تسعة عشر ملكاً على النار ألا يستطيع كل عشرة منكم أن يمسكوا ملكاً من الملائكة ويحبسوه ويمنعوه فلا ندخل النار، يقول ذلك وهو يعلم في نفسه أنه كذاب هو وأمثاله، لما كانوا يسيرون في الصحراء ويظهر لهم جني من الجن يزعجهم فيخافون ويرتعبون ويرجعون ويقولون: نعوذ برب هذا الوادي، يخافون من الجن، ويخافون من الشياطين، ومع ذلك يظهرون هذا الاستكبار وأنهم يقدرون على ملائكة الله ! ويقول أبو الأسود بن كلدة الجمحي: لا يهولنكم تسعة عشر، أنا أدفع بمنكبي الأيمن عشرة وبالأيسر تسعة! وهذا إنسان أحمق غبي لا يفكر فيما يقول، لكن الحقيقة أنهم يتسلون بكفرهم الذي هم فيه.
وفي رواية أخرى يقول: أنا أكفيكم سبعة عشر واكفوني اثنين، أنا عليّ سبعة عشر ملكاً آخذهم وأمنعهم وأنتم عليكم اثنين.
وقال أبو جهل: أفيعجز كل مائة منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم تخرجون من النار؟ فأنزل الله : ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المدثر:٣١]، نفتنهم بذلك حتى يقولوا ما لا يعلمون، يقولون: إنهم يمتنعون من دخول النار، وأحدهم يقول: أنا أضع يديّ على النار وأمنع دخول الناس فيها، ونعمل الذي نريده على هذه الدنيا.
стр. 2401
تفسير قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون)
قال الله سبحانه عن هؤلاء: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] مما تقوله لهم، وتذكرهم به.
فقراءة الجمهور: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (بل عجبتُ ويسخرون) فالله يقول للنبي ﷺ : تعجب من أمر هؤلاء، والله يقول: وأنا أعجب لهؤلاء، والعجب من المخلوق، غير العجب من الله ، العجب من المخلوق أن يندهش لشيء، ويتعجب الإنسان من إنسان آخر كيف يصنع ذلك؟! وكيف يصبر الله على مثل هذا الإنسان؟! أما تعجب الله سبحانه إما أن يكون من كفر إنسان وصبر الله عليه، فهذا الإنسان يستحق أن يعاقب عقوبة شديدة، ولكن الله يعجب وهو أعلم ، أن هذا مصيره إلى النار، فيعجب مما يصنعه هذا الإنسان، وقد يعجب من إنسان يفعل شيئاً طيباً وهو إنسان، والله يعجب ويضحك ويفعل ما يشاء سبحانه، فنؤمن بصفة الله على النحو الذي يليق به ، فنقول: يعجب مع كمال علمه .
إذاً: الفعل من الله له معنى يليق به ، والفعل من العبد على المعنى الذي يكون لهذا العبد، ولا نقول: يشبه الله المخلوقين في ذلك، حاشا له سبحانه، ولكن يضحك كما يشاء سبحانه، وهي صفة جلال وكمال لله، كذلك يعجب كما يشاء سبحانه، وهي صفة جلال وكمال لله، وكما قال هنا: (بل عجبتُ ويسخرون) أي: عجبت من أمر هؤلاء الكفار، كيف يسخرون مع قرب عذابهم الذي يأتيهم من الله سبحانه، كيف أنهم يستكبرون على الله سبحانه مع ضعفهم! عجبتُ لأمرهم، وفي العكس من ذلك في تعجب الله من الإنسان الصالح والإنسان الطيب، جاء عن النبي ﷺ : (يعجب ربك من راعي غنم، في رأس شظية جبل، يؤذن للصلاة ويصلي فيقول الله : انظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة، يخاف مني! قد غفرت لعبدي).
فالله يعجب لهذا الإنسان الذي هو في رأس جبل، ومع ذلك إذا جاء وقت الصلاة قام يؤذن وأقام الصلاة، مع أنه يعلم أنه لا أحد يأتيه في هذا المكان، ولكن خوفه من الله وحبه لله سبحانه جعله يؤذن في مكان لا أحد يأتي إليه فيه، أذن وأقام وصلى، فعجبت ملائكته من ذلك، وعجب الله لأمره، فإذا عجب الله من مثل هذا أثابه ، وإذا عجب من مثل هؤلاء الكفار عاقبهم سبحانه بعقوبته.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2402
تفسير سورة الصافات [١٢ - ٤٠]
ذكر الله في هذه الآيات استكبار الكفار عن الإيمان بالنبي ﷺ واستبعادهم للبعث يوم القيامة، ثم ذكر حالهم يوم القيامة حين يرون ما كانوا ينكرونه، فيتبرأ بعضهم من بعض، ويشترك في العذاب القادة والأتباع، جزاء تكذيبهم وكفرهم وإعراضهم عن قول كلمة التوحيد والإخلاص.
стр. 2403
تفسير قوله تعالى: (بل عجبت ويسخرون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ * وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ * وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ * فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ * وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ * هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ * احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:١٢ - ٢٦].
يخبرنا الله في هذه الآيات من سورة الصافات عن حال الكفار في الدنيا ويوم القيامة كيف أنهم في الدنيا استكبروا فكان نتيجة هذا الاستكبار الذل والصغار يوم القيامة بين يدي الله الواحد القهار ، لقد كانوا مستكبرين، متعززين، يظنون أنهم جميع منتصر، فلما جاءوا يوم القيامة جاءوا فرادى ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦].
أي: لقد كانوا في الدنيا ينصر بعضهم بعضاً، وفي الآخرة يتبرأ بعضهم من بعض، ويتهم بعضهم بعضاً، وانظر إلى الآيات كيف قال الله سبحانه؟ وكيف عجب نبيه صلوات الله وسلامه عليه! ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] أي: يا محمد عجبت لكفرهم وتكذيبهم مع معرفتهم بالحق الذي جئت به، ومع عدم قدرتهم على الإتيان بشيء من مثل هذا القرآن العظيم الذي جئت به، وهذه قراءة الجمهور كما ذكرنا قبل ذلك وقراءة حمزة والكسائي وخلف ﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ أي: أن الله يعجب حيث يقع فعلهم هذا عنده موقعاً شنيعاً منكراً فيعجب سبحانه من كفر هؤلاء الكفار وفعلهم مع النبي ﷺ فيجازيهم بما نسمع بعد ذلك.
﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ [الصافات:١٣] أي: لا يذكرون الله، ولا يذكرون هذه الآيات، فهم غافلون عما جاءهم من آيات من كتاب الله، وعما يرون أمامهم من معجزات على يد النبي صلوات الله وسلامه عليه، ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ [الصافات:١٤] أي: هم يسخرون، ويدعون بعضهم بعضاً للسخرية بالنبي ﷺ ، والسين هنا من الاستفعال وهو الاستدعاء يعني: يناجي بعضهم بعضاً تعالوا استهزءوا وتعالوا اسخروا مما يقول هذا الرسول.
стр. 2404
تفسير قوله تعالى: (وقالوا إن هذا إلا سحر مبين)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١٥] أي: مهما رأوا من آية ومعجزة من معجزاته ﵊ قالوا: هذا سحر تخييل، وخداع، واضح بين.
﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الصافات:١٦] أي: هو يريد أن يخدعنا ويقول لنا: إذا متنا وكنا تراباً وعظاماً إننا سنعود إلى الحياة من جديد، وكما ذكرنا في الحديث السابق ﴿مِتْنَا﴾ [الصافات:١٦]، قراءة نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف وباقي القراء يقرءونها.
(مُِتْنَا) فهل نبعث مرة ثانية ونخرج من قبورنا ((أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ﴾ [الصافات:١٧]، وأين آباؤنا الأولون لقد ذهبوا فلم نراهم خرجوا أمامنا ولا أجدادنا ولا من قبلهم؟ فهل نبعث نحن وهؤلاء؟ فكذبوا بالشيء الذي لم يروه أمامهم وكأنهم يريدون أن يروا إنساناً يحيا أمامهم حتى يصدقوا ببعث يوم القيامة! ويوم القيامة غيب، وإحياء الموتى إخبار بغيب يكون بعد ذلك، والمؤمنون الذين يؤمنون بالغيب يؤمنون بالله ولم يروه ويؤمنون بالجنة والنار ولم يروهما، يؤمنون بالموقف بين يدي الله يوم القيامة ولم يروا ذلك فإذا جاء هذا الغيب، وصار واقعاً مشاهداً لا ينفع نفساً إيمانها حينئذ.
قال الله آمراً نبيه ﷺ أن يجيبهم ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات:١٨] أي: تبعثون يوم القيامة، وهذه قراءة الجمهور وقراءة الكسائي (نِعم) كما قدمنا، ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ﴾ [الصافات:١٨] أي: صاغرون أذلة.
﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ﴾ [الصافات:١٩]، الزجرة: الصيحة وهي النفخة الثانية، لأن النفخة الأولى: ينفخ إسرافيل في الصور فإذا بالخلق كلهم هامدين يميتهم الله ، فينفخ النفخة الثانية فيبعثون من القبور ويقفون بين يدي الله سبحانه ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] أي: ما الذي يكون، وينظر بعضهم إلى بعض، وينتظرون ما الذي يحدث لهم في هذا الموقف، ويقولون كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] أي: يا هلاكنا، هذا اليوم يوم الجزاء الذي كذبنا به قبل ذلك، يا ليتنا نموت الآن، يدعون على أنفسهم بالهلاك في هذا اليوم يوم الجزاء والحساب.
﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [الصافات:٢١] أي: الحكم الذي يفصل فيه بين الحق والباطل بين المحقين والمبطلين بين أهل الكفر وأهل الإيمان، فريق في الجنة وفريق في السعير ﴿الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢١].
﴿احْشُرُوا﴾ [الصافات:٢٢] أي: اجمعوا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الصافات:٢٢] أي: المشركين بالله سبحانه بعضهم إلى بعض ﴿وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات:٢٢]، ومن كان مشابهاً لهم فاجمعوا كل مجموعة من هؤلاء على صفة واحدة: المشركون القتلة السراق الفجار، كل مجموعة يشبه بعضهم بعضاً فادفعوهم إلى النار والعياذ بالله.
والأزواج تطلق على المشاكلين أي المشابهين وتطلق: على الأصناف والأنواع التي بعضها مثل بعض، وكذلك على القرناء، فالإنسان وقرينه من الشياطين يحشران معاً إلى النار، وكذلك الزوج والزوجة إذا كانا يتعاونان على الشر والعياذ بالله.
قال: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣]، دلوهم على طريق الجحيم والعياذ بالله، والصراط: الطريق ﴿وَقِفُوهُمْ﴾ [الصافات:٢٤] أي: بين يدي الله ﴿إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، سؤال المناقشة، والتبكيت، والتوبيخ، وفي حديث النبي ﷺ : (من نوقش الحساب عذب) أي: الذي يناقشه الله سبحانه الحساب هالك لا محالة، وأما من يعرض عليه حسابه وصحيفة أعماله فالله يتغمده برحمته سبحانه، وفرق بين من يناقش ومن يعرض عليه صحيفة العمل.
﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات:٢٥] أي: عجباً لأمركم كنتم تتعجبون في الدنيا، وينصر بعضكم بعضاً، وتقولون نحن جميع منتصر، أين هذا الجمع؟ ولم لا ينصر بعضكم بعضاً؟ أين هذا الذي سيدفع باب النار بمنكبيه حتى يخرج أهل النار منها ويمنع دخول الكفار؟! ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٦] أي: اضرب عن هذا فيوم القيامة لا يوجد فيه أن ينصر بعضهم بعضاً، أو يدفع بعضهم عن بعض ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، كل خليل عدو لخليله يوم القيامة إلا من اتقى الله .
فهم اليوم قد استسلموا لهذا الواقع الذي هم فيه واستسلموا لربهم سبحانه واستسلموا لملائكة الله يعذبونهم.
стр. 2405
تفسير قوله تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)
قال الله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] أي: في النار والعياذ بالله، ﴿يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] أي: يتلاومون، ويتصايحون ويسب بعضهم بعضاً، ويدعو بعضهم على بعض، وكل إنسان ينسب إلى غيره الذي صنع.
قال بعضهم لبعض ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: قال الأتباع لكبرائهم الذين اتبعوهم في هذه الدنيا: ﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، واليمين فيه اليمن والبركة، والشمال كانوا يتشاءمون منه فقالوا: ﴿كُنتُمْ تَأْتُونَنَا﴾ [الصافات:٢٨] أي: من الجهة التي نحبها ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨]، من طريق الدين فزينتم لنا الدنيا ودفعتمونا عن الدين العظيم، فلم ندر ما هو الدين ولم نتبع النبي ﷺ .
واليمين أيضاً تطلق على القوة ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] أي: كنتم أقوى منا، وكنا ضعفاء فأتيتمونا من جهة الدين فصرفتمونا عن الدين، وأتيتمونا من جهة القوة فغلبتمونا وقهرتمونا، وأتيتمونا باليمين فأقسمتم لنا وحلفتم أنكم تنصروننا، وأنكم على الحق، وأنه ساحر كاذب، فخدعتمونا في الدنيا، ونهيتمونا عن شريعة ربنا ، وصرفتمونا عن الخير إلى الشر.
فيرد الكبراء على هؤلاء: ﴿قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٢٩] أي: أنتم لم تكونوا مؤمنين أصلاً حتى تزعموا أننا صرفناكم عن الهدى والدين، وأسر الكبراء الندامة في أنفسهم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾ [يونس:٥٤].
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [الصافات:٣٠] أي: لم تكن معنا حجة ندعوكم إليها وإنما مجرد أن دعوناكم اتبعتمونا، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات:٣٠]، والطاغي: هو الذي جاوز حده، ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ [الحاقة:١١] أي: جاوز حده فلم يقدروا على منعه، وكذلك الإنسان الطاغي هو الذي جاوز حده ولم يقدر أحد أن يمنعه عما يقوله، أو يقع فيه من الكفر بالله .
﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات:٣١]، (قول ربنا) أي: كلمته.
(إنا لذائقون) أي: كنا داخلون في العذاب والعياذ بالله.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، فالله سبحانه سبقت كلمته، وحقت كلمته أن على المؤمنين ينصرهم و ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١].
فالله قضى أن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، وقضى سبحانه أن يعذب أهل الكفر وأهل الفجور وأهل المعاصي فقال: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فاحتج هؤلاء يوم القيامة وقالوا قدرنا أن ﴿حَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ﴾ [الصافات:٣١ - ٣٢] أي: صرفناكم عن الرشد إلى الغي، وأضللناكم، وخدعناكم عن الإيمان، ﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات:٣٢] أي: إنا كنا ضالين فأضللناكم وصرفناكم عن طريق الله سبحانه.
يقول الله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ [الصافات:٣٣] أي: الأتباع والمتبوعون، ﴿يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الصافات:٣٣] أي: العذاب مقسم عليهم فكل إنسان يأخذ نصيبه مما استحق من غضب الله جزاء وفاقاً.
قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] أي: إن كل من أجرم وعصى ربه سبحانه وخرج عن طريق الله سبحانه وأشرك به وكفر يستحق هذه العقوبة.
стр. 2406
تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، ﴿إِنَّهُمْ﴾ [الصافات:٣٥]، تعليلية أي: إنما استحقوا هذا العذاب العظيم لكونهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥]، أي: كانوا إذا دعوا إلى الله سبحانه وقيل لهم: قولوا لا إله إلا الله فقد قالها النبي ﷺ للكفار: (قولوا كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم، ويكن لكم في ذلك خير الدنيا والآخرة)، وقالها لعمه أبي طالب: (يا عمي! قل كلمة واحدة، قل لا إله إلا الله)، فاستكبروا وقالوا عنه ﷺ : ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، فتعجبوا من كون النبي ﷺ يدعوهم إلى عبادة الله وحده، واستكبروا وقالوا كما قال الله سبحانه عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦] أي: نحن نصدق هذا الشاعر؟! وهم يعرفون أنه ما نطق بالشعر قط، لكن لما جاء التكذيب قالوا بما يعلمون أنهم يكذبون فيه، فرموه بأنه شاعر، وبأنه مجنون، ورموه بالسحر والكهانة، قال الله سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] أي: بل جاءكم بالقرآن العظيم والشريعة العظيمة من عند رب العالمين، ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] أي: جاء بما جاء به المرسلون قبله فقد جاءوا بالتوحيد: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، فكل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام قد جاءوا بلا إله إلا الله، ودعوا إليها جميع الخلق، فالنبي ﷺ لم يأت بشيء جديد وإنما جاء بتصديق هؤلاء المرسلين بتوحيد الله .
قال سبحانه لهؤلاء الكفار: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ﴾ [الصافات:٣٨] أي: إننا سنذيقكم العذاب الأليم الموجع.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٣٩]، أي: وإنما جازيناكم على أعمالكم، وتفريطكم، وتقصيركم، وإجرامكم ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٤٠]، واستثنى الله عباده المخلصين: المؤمنين الذين أخلصوا لله سبحانه، فجعلهم أهل السعادة، وجعلهم في جنته يوم القيامة.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين المقربين.
стр. 2407
تفسير سورة الصافات [١٩ - ٥٠]
من رحمة الله بعباده أن وصف لهم في كتابه اليوم الآخر وما فيه من الأهوال والسؤال، ليستعدوا له بالأعمال الصالحة، ووصف لهم الجنة ليتنافسوا فيها، فلمثلها فليعمل العاملون.
стр. 2408
تفسير قوله تعالى: (احشروا الذين ظلموا)
قال الله في سورة الصافات: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ * وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ * فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٣٤].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن أحوال يوم القيامة، وما يكون فيها من ذهاب الكفار إلى الجحيم، وذهاب المؤمنين إلى جنات النعيم، فقال الله هنا: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الصافات:١٩] نفخة واحدة ينفخ بها في الصور ﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الصافات:١٩] أي: يقومون يوم القيامة من قبورهم ينظرون وينتظرون ما الذي يفعل بهم.
وقال هؤلاء المجرمون والكفار والفجار: ﴿يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الصافات:٢٠] أي: يوم الحساب والجزاء.
فيقال لهم: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [الصافات:٢١] أي هذا يوم الحكم الذي يحكم الله فيه ويفصل بالجزاء بين العباد.
﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣] يأمر الله بجمع هؤلاء الكفار الذين ظلموا وأزواجهم، والأزواج من كان على شاكلتهم وأمثالهم وأشباههم من رجال ونساء وآلهتهم التي كانوا يعبدونها، قال: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٣] أي: دلوهم إلى صراط الجحيم وهو إلى طريق الهاوية والعياذ بالله.
قال الله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] قفوهم قبل إدخالهم النار ليسألهم الله ويبكتهم ويوبخهم ثم يأمر بهم إلى الجحيم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٥ - ٢٦] لا ينصر بعضهم بعضاً بل استسلموا بين يدي الله سبحانه.
﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧] صمتوا فترة طويلة وأدخلوا النار فأقبلوا يوبخ بعضهم بعضاً، فيقول أهل النار بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] أي: كنتم تأتوننا عن طريق الله فتبعدوننا عنها، أو تأتوننا عن طريق قوتكم، فقد كنتم أقوى منا فأطعناكم فيما ضللتمونا به في هذه الحياة الدنيا.
﴿إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ﴾ [الصافات:٢٨] بقوتكم فأغريتمونا وأغويتمونا وذهبتم بنا إلى النار.
قال لهم الكبراء: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بَلْ كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ﴾ [الصافات:٢٩ - ٣٠] أي: نحن ما فعلنا بكم شيئاً، بل أنتم كنتم قوماً طاغين، فقد طغيتم وغويتم وابتعدتم عن الله، ونحن دللناكم على طريق الشر ففعلتم الشر، وما كان لنا عليكم من حجة ولا سلطان ولكن أنتم اتبعتمونا في ذلك فتستحقون ما أنتم فيه من العذاب.
قالوا: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ * فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ [الصافات:٣١ - ٣٢] الإغواء هنا بالدلالة أي: دللناكم على طريق الغواية وطريق الشر فذهبتم إليه.
﴿إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي: كنا ضالين حين دللناكم على الشر ففعلتموه.
﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٣ - ٣٤] الجميع يعذبون يوم القيامة، فيعذب الذين أغووا وهم الظلمة الكبراء والذين غووا واتبعوا وهم الضعفاء، والكل كان لهم عقول وكانت في قلوبهم فطر ومع ذلك لم يستجيبوا إلى تحذير ربهم سبحانه، ولم يستجيبوا إلى دعوة رسل الله عليهم الصلاة والسلام فاستحقوا ذلك.
стр. 2409
الكبر واحتقار الرسل هو سبب عدم سلوك طريق الهداية
قال الله : ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] لأنهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] فقد كانوا يستكبرون على رسل الله عليهم الصلاة والسلام حين دعوهم إلى عبادة الله وحده، وهم إنما استكبروا واغتروا بما هم فيه من باطل.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦] فوصفوا النبي صلوات الله وسلامه عليه بأنه شاعر، وكذبوا وقد علموا أنه ليس بشاعر ووصفوه بالجنون ﵊ وكذبوا وقد استيقنوا أنه أعقل العقلاء وأحكم الحكماء من البشر صلوات الله وسلامه عليه.
قال سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] فقد جاء بما جاء به من قبله من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فصدق السابقين حين دعوا إلى التوحيد فكان مصدقاً لما بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، قال الله عن هؤلاء المجرمين: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٣٨ - ٣٩] ((إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ)) أي: عذاب يوم القيامة وعذاب النار الذي كنتم به تكذبون، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
هؤلاء أهل النار هذا موقفهم بين يدي الله ، وهذا مصيرهم إلى النار، أما المخلصون الذين أخلصوا لله سبحانه فقد استثناهم سبحانه، وبين أن لهم جنات النعيم، وأن لهم الرزق المعلوم والدرجات العالية.
стр. 2410
تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نفعل بالمجرمين)
قال الله : ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات:٣٤] لأنهم ﴿كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات:٣٥] فقد كانوا يستكبرون على رسل الله عليهم الصلاة والسلام حين دعوهم إلى عبادة الله وحده، وهم إنما استكبروا واغتروا بما هم فيه من باطل.
﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات:٣٦] فوصفوا النبي صلوات الله وسلامه عليه بأنه شاعر، وكذبوا وقد علموا أنه ليس بشاعر ووصفوه بالجنون ﵊ وكذبوا وقد استيقنوا أنه أعقل العقلاء وأحكم الحكماء من البشر صلوات الله وسلامه عليه.
قال سبحانه: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٧] فقد جاء بما جاء به من قبله من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فصدق السابقين حين دعوا إلى التوحيد فكان مصدقاً لما بين يديه صلوات الله وسلامه عليه، قال الله عن هؤلاء المجرمين: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ * وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٣٨ - ٣٩] ((إِنَّكُمْ لَذَائِقُوا الْعَذَابِ الأَلِيمِ)) أي: عذاب يوم القيامة وعذاب النار الذي كنتم به تكذبون، ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦].
هؤلاء أهل النار هذا موقفهم بين يدي الله ، وهذا مصيرهم إلى النار، أما المخلصون الذين أخلصوا لله سبحانه فقد استثناهم سبحانه، وبين أن لهم جنات النعيم، وأن لهم الرزق المعلوم والدرجات العالية.
стр. 2411
تفسير قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم)
قال : ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٤٠] أي: استثنينا هؤلاء من جملة المعذبين الذين يعذبون في النار، والمعنى: لكن هؤلاء ليس لهم النار وهذا استثناء منقطع، فإلا هنا بمعنى: ولكن، لكن عباد الله الصالحون أدخلناهم جنات نعيم.
((إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)) المخلصَين والمخلصِين، هم مخلصَون استخلصَهم الله أي: اجتباهم وانتقاهم من خلقه واصطفاهم فكانوا لله سبحانه عُبّاداً وعِبَاداً، وأخلصَوا له سبحانه ﵎، فهذا فضل الله يجتبي ويختار ويصطفي من يشاء .
والمخلصَين اسم مفعول، أي: أستخلصَهم الله وأخلصَهم ونقاهم، وهذه قراءة المدنيين نافع وأبي جعفر وقراءة الكوفيين كلهم عاصم وحمزة والكسائي وخلف يقرءون: ((إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ)).
وباقي القراء يقرءونها: (إلا عباد الله المخلصِين) باسم الفاعل، فهم مخلصَون وهم مخلصِون، مخلصِون: أخلصوا لله سبحانه، فلم يعبدوا إلا الله، وإنما أخلصَوا في دينهم وأخلصَوا في عبادتهم وفي توحيدهم فلم يشركوا بالله شيئاً، فاجتباهم الله فصاروا كذلك.
فهم مخلصَون لأن الله أحبهم واختارهم، وهم مخلصِون في عبادتهم لله سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:٤١] أي: هؤلاء الذين شرفهم الله وأكرمهم ((لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ)) لهم رزقهم فيها بكرة وعشياً، والرزق في الجنة عظيم كثير، فكل في أي وقت، واشرب ما تشاء، وافعل ما تشاء، وهذا من فضل الله على عباده المؤمنين.
﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ أي: هؤلاء المخلصَون والمخلصِون لهم عطية معلومة لا تنقطع أبداً، ورزق لا ينفد، فهو عطاء من الله غير مجذوذ أي: غير منقطع، وهذا الرزق منه الفواكه ومنه اللحم كما قال الله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة:٢١]، ومنه الخير العظيم، فكل ما يشتهيه المؤمن في جنة الخلود يجده.
قال الله تعالى: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات:٤٢] فمن ضمن رزقهم عند الله الفواكه وهي ما يتفكهون بها، والإنسان في الدنيا يحب أن يأكل الفاكهة إذا أكل القوت، ومعنى القوت ما يقيته ويقيم بدنه، وفي الجنة هم قد أحياهم الله الحياة الدائمة التي لا تنغيص فيها، فأعطاهم الحياة وأعطاهم أقواتهم وأرزاقهم وفكههم بأعظم الفاكهة، قال: ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾.
والحال أنه ما يكرمهم به من فضله وكرمه، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات:٤٣] أي: التي ينعمون فيها، فهم عباد الله المنعمون في الآخرة، ((فِي جَنَّاتِ)) أي: في بساتين عظيمة عند الله سبحانه فيها النعيم المقيم.
﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:٤٤] أجلسهم الله على الأسرة، فلكل منهم عرش في جنة الخلود، والعرش سرير عظيم مثل عرش الملك، فجعلهم ملوكاً في الجنة وجعلهم ((عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ)) كل على كرسيه الذي يجلس فيه ينظر إلى صديقه وإلى رفيقه وإلى حبيبه، ينظر بعضهم إلى بعض، فلا يوجد تدابر في الجنة، فلا يوجد من يعطي الثاني ظهره، ولكن يخاطب بعضهم بعضاً، ويقبل بعضهم على بعض في جنة الخلود، ويتحركون بهذه الأسرة كيفما يشاءون.
стр. 2412
تفسير قوله تعالى: (يطاف عليهم بكأس من معين)
قال الله سبحانه: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٥] يطوف الخدام عليهم في جنة الخلود، ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٥] هذه قراءة الجمهور: (بكأس)، وقراءة أبي جعفر: (بكاس من معين) والكأس: الإناء الممتلئ من الشراب، فإذا كان فيه الشراب فهو الكأس، وإذا كان فارغاً فهو الإناء أو الوعاء أو القدح، وإنما ملئ من خمر الجنة، ففي الدنيا من شرب الخمر فإنها تؤذيه؛ لأنها رجس من عمل الشيطان؛ فهي تصرفهم عن الصلاة، وتنهاهم عن المعروف، وتدفعهم إلى المنكر؛ وتقطع أرحامهم، وتذهب أموالهم، وتجعلهم إخوان الشياطين.
قوله: ((مِنْ مَعِينٍ)) المعين: العين الجارية، فخمور أهل الجنة ليست محتاجة لأن توضع في زجاجات أو أوعية، بل هي عيون في الجنة تخرج وتجري بذلك ولا تكدر أبداً، فقال: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٥] أي: هذا الذي في الكأس من عيون جارية.
قال: ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات:٤٦] أي: الشراب الذي في الكأس، فالكئوس بيضاء جميلة، وما فيها من خمور لونها أبيض وجميل.
﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات:٤٦] بخلاف خمور الدنيا فهي سوداء وكدرة، أما خمور الجنة فهي بيضاء وهي لذة للشاربين يستمتعون بها، قال النبي ﷺ : (في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) وقال الله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥].
كل هذه أنهار تجري في الجنة، ولا شيء يكدرها، لا تراب أو زبد، ولكنها تجري فيشرب منها أهل الجنة بكئوسهم، ولا يحرمون في الجنة من شيء أبداً.
قال الله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] الغول: ما يغتال الإنسان فيوجعه ويؤلمه، فالجنة ليس في خمرها غول.
﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] أي: لا يوجد من ورائها أمراض ولا أوجاع ولا أشياء يكرهها شاربها، وهذا تعريض بخمر الدنيا ففيها هذا كله، فالذين يشربون الخمور في الدنيا يعلمون مرارة مذاقها، كما أنه بعد أن يشرب الخمرة يذهب عقله، فيفرط في ماله ويفرط في عرضه ويفرط في دينه ودنياه، ثم يأتي الصداع بعد أن تذهب الخمر ويكثر بوله، أما خمر الجنة فلا وجع فيها ولا ألم ولا قيء ولا بول ولا شيء يزعج من يشربها.
وقوله: ﴿وَلا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ [الصافات:٤٧] قراءة الجمهور على البناء للمفعول أما حمزة والكسائي وخلف فقرءوا: (ولا هم عنها ينزِفون) والمعنى نزف عقل الإنسان بمعنى ذهب، يقال: نزف وأنزف بمعنى ذهب، وأيضاً نزف الشيء بمعنى: فني ونفد، والمعنى: الخمر لا تنفد ولا تنزف منها العقول ولا تنزف عنها العقول، فتظل ثابتة فلا تتغير الأفهام، ولكن العقل ثابت واللذة من شرب الخمر موجودة، والنعيم نعيم مقيم.
وخلاصة المعنى: لا فيها غول وأوجاع ولا شيء يكرهه الذي يشربها.
стр. 2413
تفسير قوله تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف عين)
قال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات:٤٨] فعند كل من دخل الجنة زوجات خيرهن زوجته التي كانت في الدنيا، وله الحور العين في الجنة.
وقوله: ((وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ)) هي التي قصرت طرفها، والطرف: العين، فهي قاصرة الطرف أي: لا تنظر إلى غير زوجها، ولا تطلب غير زوجها، ولا تتمنى أكثر مما هي فيه من هذا النعيم مع زوجها هذا، بل إنها قصرت طرفها على زوجها لا تريد غيره ولا تنظر إلى سواه.
وقوله: ﴿عِينٌ﴾ يقال: امرأة عيناء أي: واسعة العين، فعينها كبيرة جميلة حسناء، فهن قاصرات الطرف في غاية الجمال، قد قصرن طرفهن على أزواجهن: ((عِينٌ)) أي: ضخام العيون، جميلات حسناوات العيون.
﴿كَأَنَّهُنَّ﴾ [الصافات:٤٩] أي: نساء الجنة الحور العين: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩] قيل: شبه بيض النعامة، إذ إن النعامة تبيض البيضة وتكنها في الرمال وتغطيها حتى لا يسوء منظرها ولا يؤذيها شيء، فنساء الجنة مثل هذا البيض، يقال: كبيض النعام في الهيئة، وبيض النعام أبيض وفيه صفرة، وهذا أجمل ما يكون من ألوان النساء، وهو البياض الذي فيه شيء من الصفرة.
وقيل: بل البيض المكنون أي: البياض الداخل، فعندما تسلق البيضة وتزال القشرة الخارجية يتجلى البياض الداخلي فتراه شيئاً جميلاً جداً ناعماً رقيقاً، وكذا نساء الجنة كهذا الذي تراه في الداخل.
قوله: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠] أي: أقبل أهل الجنة بعضهم على بعض، والإقبال هنا للملاطفة في الجنة والحديث الجميل، وعادة أهل الدنيا التسامح وخاصة عند الشراب، فأنت بعد أن تأكل وتتبع الأكل بشرب الشاي تحب أن تتكلم مع من حولك، وكذلك أهل الجنة فبعد أن أكلوا وشربوا يتسامرون ويتكلمون ويتحدثون.
стр. 2414
تفسير سورة الصافات [٥٠ - ٧٣]
يذكر الله سبحانه الموقف العظيم بين يديه سبحانه، وما أعد للمؤمنين من نعيم في الآخرة، وما أعد للكافرين من جحيم وحميم، وذكر أنه يحصل التساؤل والتحدث بين أهل الجنة وأنهم يتذكرون من كانوا يضلونهم من القرناء، ففازوا بالجنة لمخالفتهم هؤلاء القرناء بفضله سبحانه وكرمه.
стр. 2415
تفسير قوله تعالى: (فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٥٠ - ٦١].
ذكر الله في هذه الآيات وما قبلها حال الموقف العظيم بين يديه يوم القيامة، وذكر لنا كيف أنه فعل بالمجرمين ما يستحقونه من عقوبة ومن عذاب جزاء تكذيبهم وإنكارهم توحيد الله واستكبارهم، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ * بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:٣٥ - ٣٧].
فهؤلاء يذوقون العذاب الأليم ولا يجزون إلا ما كانوا يعملون، لكن عباد الله المخلصين الذين اصطفاهم الله، واجتباهم واختارهم، وهداهم إلى دينه سبحانه، ووفقهم للعمل الصالح، هؤلاء لهم رزق معلوم.
ولهم الفواكه عند رب العالمين، وهم مكرمون في جنات النعيم، ينعمون فيها فهم في عيشة هنيئة، قال تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات:٤٤ - ٤٥] أي: بكأس من خمر من عين جارية تجري في أرض الجنة لا تكدر، ولا يتغير لونها، بكأس بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غول، ولا فيها أوجاع، ولا هم عنها ينزفون، ولا تذهب عقولهم، ولا تنفد خمرهم، ولا ينفد نعيمهم.
وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ [الصافات:٤٨] أي: الحور العين في جنات الخلود، ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات:٤٩]، جعلهن الله لأهل الجنة، وجعلهن مما تسر به أعين أهل الجنة وينعمون، ولهم فيها ما يشتهون، فهم في جنات الخلود على هذا الذي ذكر الله سبحانه ﵎.
﴿وََأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الطور:٢٥]، وهم في الجنة يتسامرون، ويتذكرون أحوال أهل الدنيا في شرابهم ويكلم بعضهم بعضاً، كذلك أهل الجنة في نعيمهم، وفي شرابهم يكلم بعضهم بعضاً، ويتساءلون بعضهم مع بعض، قال هؤلاء بعضهم لبعض: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ﴾ [الطور:٢٦]، وكنا نخاف من عذاب رب العالمين، وكنا مشفقين من يوم القيامة، فربنا من علينا ووقانا عذاب الجحيم، ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور:٢٨]، ويكلم بعضهم بعضاً بما كانوا يصنعون في الدنيا، قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٥٠]، فقال قائل من هؤلاء يحكي قصته مع صاحبه الذي كان في الدنيا: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ [الصافات:٥١] أي: كان لي صاحب مقارن لي، يذهب ويأتي معي هذا القرين، يكذبني في تصديقي بالله سبحانه، ولرسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ [الصافات:٥٢]، يتعجب لأمره ويقول: هل تصدق؟! وصل بك الأمر إلى أن تصدق أن هناك بعثاً وحساباً، وأن هناك يوم قيامة؟ أين ذهب عقلك؟! ﴿أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٢ - ٥٣]، فيتعجب هذا القرين من صاحبه، ويقول: إذا متنا وصرنا تراباً، وصرنا جثثاً، وصرنا عظاماً هل نبعث مرة أخرى بعد ذلك؟ هذا شيء بعيد! وقوله تعالى: ﴿أَئِنَّكَ، يقرؤها قالون، وأبو جعفر، وأبو عمرو بالتسهيل مع المد فيقول: ((آئنك لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ))، ويقرؤها ورش، وابن كثير، ورويس أيضاً بالتسهيل فيها: ((آئنَكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ))، ويقرؤها هشام بخلفه: ((آئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ)).
وكل يدل على التعجب من إيمان هذا، وقوله تعالى: ﴿أَئِذَا مِتْنَا﴾، فيها قراءتان كما قدمنا قبل ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ [الصافات:٥٣] أي: هل نحن مجزيون؟ ما رأينا أحداً قبلنا مات ثم بعث، فكذب هذا القرين صديقه المؤمن.
стр. 2416
تفسير قوله تعالى: (قال هل أنتم مطلعون)
أهل الجنة في نعيمهم العظيم يجعل الله لهم ما يريدون فيها، وما يشتهون، وإذا أرادوا أن ينظروا إلى أهل النار جعل لهم ما يمكنهم من ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]؟ فاطلعوا من شرفات في الجنة على أهل النار فنظروا إلى أهل النار، فقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: أتريدون أن تنظروا إلى هذا القرين الذي كان يكذب؟ اطلعوا وانظروا ماذا جرى له! قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] أي: فاطلع فرآه في قعر الجحيم وفي وسطه، وفي عذاب عظيم أليم، والجحيم: النار المتقدة المضرمة المتأججة، جحمت النار بمعنى: تأججت، واضطرمت، وازداد اشتعالها ولهيبها، ومنه يسمى الجمر، الجحيم، والجاحم، وكذلك الجحمة، والجحمة: عين الأسد؛ لكونه إذا رأى فريسة تحمر عيناه، فهي النار الحمراء المشتعلة المتوقدة الملتهبة، فاطلع فرأى صاحبه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]، قال هذا المؤمن: ﴿تَاللَّهِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: بالله، والله ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كدت لتهلكني، وإن أصلها (إنَّ) المثقلة التي تفيد التحقيق والتأكيد، ولذلك قال هنا: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦]، وجاء باللام الفارقة بين إن التي تفيد التحقيق، وبين إن التي تفيد النفي.
فقوله تعالى: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: لتهلكني.
قال تعالى: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أي: ولولا أن من الله علي وعصمني ونجاني من فتنتك ومن غوايتك ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، كما أحضرت أنت، فكدت أن أكون مثلك أنا أيضاً، والمحضر: الذي جئ به، وغالباً لا تطلق إلا في الشر، يقال: فلان محضر يعني: أتي به لكي يعاقبوه.
فهنا قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧] يعني: في هذا العذاب الأليم كما أحضرت أنت وأدخلت في هذه النار.
стр. 2417
تفسير قوله تعالى: (أفما نحن بميتين)
قال تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] أي: أنت كنت تقول لي في الدنيا: إننا لن نبعث يوم القيامة، وإذا متنا ليس هناك بعث ولا حساب، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، هذا كان كلام الكافر، فالآن انعكس الأمر، إذ إن الكافر كان يتعجب من المؤمن في الدنيا، أما الآن فالمؤمن هو الذي يتعجب من الكافر؛ كنت تقول لي: لسنا بميتين، قال تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ها أنت رأيت ما الذي حصل لك الآن في النار والعياذ بالله، إن هذا الذي نحن منه في الجنة والنعيم المقيم لهو الفوز العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٦٠] أي: هذا الفوز الحقيقي، فالإنسان في الدنيا لعله يتكلم عن النجاح، ولعله يتكلم عن الفوز، لكن الفوز الحقيقي والنجاح والفلاح العظيم هو ما يكون يوم القيامة في أن يدخل المؤمن الجنة وينجو من النار، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.
(لمثل هذا) الفوز، ولمثل هذا الفلاح، ولمثل هذا الجزاء: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، كأن الله يقول للمؤمنين: اعملوا لذلك حتى تكونوا مع هذا المؤمن ولا تكونوا مع هذا المغرور في نار الجحيم والعياذ بالله.
стр. 2418
تفسير قوله تعالى: (أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم)
قال الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]، أذلك الذي رأيتموه من النعيم العظيم، ومن الجنات العظيمة خير في النزل، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، والنزل أصله: الطعام الذي يكون للضيف، أي: قرى الضيف، وكأنه طعام عظيم يستحق أن ينزل الإنسان فيه، فتقول: أعددت لفلان نزلاً، وتقول: تعال انزل عندي؛ لكي تأكل، فمن عظيم الأكل الذي عندك ينزل عندك، فالنزل: القرى والطعام العظيم الذي يكون للضيف، أهذه الجنة العظيمة وما فيها من فواكه ومن طعام خير نزلاً؟ أي: منزلة ينزل فيها الإنسان من أجل ما فيها، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]، نسأل الله العفو والعافية! شجرة الزقوم هذه قال الله فيها: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٣ - ٦٥]، هذه شجرة الزقوم مأخوذة من التزقم، أي: التلقم، يلقم اللقمة في فمه ويكره عليها وتدفع في فمه، فهو يتزقمه ويأكله ولا يكاد يسيغه، لا يقدر عليه من مرارته وشوكه، ومن الأذى الذي فيه ومن نتنه، فهو يتزقمه وتدفع في فمه كرهاً، فذلك النعيم الذي فيه أهل الجنة وما يشتهونه من لحوم الطير والفواكه، ومن نعيم مقيم خير نزلاً أم هذه الشجرة من الزقوم؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦].
فانظر إلى هذه الشجرة التي جعلها الله فتنة لهؤلاء الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، فكانوا يسمعون عن شجرة الزقوم أنها في النار، فيقولون: النار تحرق الشجر، فكيف تنبت شجرة في النار والأصل عندنا أن هذه الشجرة تحرقها النار؟! فيتهكم الكفار على النبي ﷺ ، ويسأل بعضهم بعضاً، ويأتيهم رجل من أفريقيا يسألونه: هل تعرف شجرة الزقوم؟ يقول: نعم، عندنا الزقوم الذي هو تمر بالزبد، فيضحكون ويتقهقهون ويقول بعضهم لبعض: تعالوا نتزقمها تزقماً، عرفنا أن الزقوم الزبد بالتمر! فكان أبو جهل يصنع لهم ذلك ويقول: تعالوا نتزقم، ويقول بعضهم لبعض: يخوفنا محمد ﷺ بشجرة الزقوم وعرفنا أخيراً ما الزقوم الذي يخوفنا منه! والله جعلها فتنة لهم لغبائهم وبعدهم عن دين الله ، ولسخريتهم من النبي ﷺ وضح وبين لهم ما هذه الشجرة البشعة التي يسخرون منها، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، والشجرة الملعونة شجرة ليس فيها رحمة، بل هي شجرة مطرودة من رحمة الله، فهي في أصل الجحيم، تنبت وتتفرع من داخل الجحيم من قعرها، وتخرج أغصانها وأوراقها إلى أعلى الجحيم ليأكل منها كل من في النار والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] أي: طعام كل آثم استحق اللعنة، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] أي: إذا نزلت إلى بطون هؤلاء صارت كالمهل، والمهل هو: الزيت المغلي، والمهل أيضاً: الصديد والعياذ بالله، فهو شيء حار جداً ينزل في بطونهم.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] أي: أصل منبتها في قعر الجحيم، وقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٥] أي: ما يطلع منها من ثمار، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، فهي بشعة في طعمها، ومخيفة رهيبة في منظرها في نار الجحيم، ولم نر نحن الشياطين، ولكن عندما يسأل كل إنسان عن الشيطان ما شكله؟ فإنه يستبشع منظر الشيطان وهو لم يره، فهذا يجعله الله لنا تشبيهاً، والله أخفاه عنا حتى لا نراه بفضله وبكرمه .
فيخبرنا الله أن هذه الشجرة منظرها كمنظر الشياطين وأنتم لم تروها، ولكن في قلوبكم قبح منظر الشيطان، إذ إن منظره قبيح جداً، قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، والعادة عند الإنسان أنه إذا استوحش من شيء يقول: هذا مثل الشيطان، وإذا أحب شيئاً يقول: هذا ملاك؛ ولذلك في قصة امرأة العزيز لما خرج يوسف، ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١].
فالإنسان لما يرى الصورة الحسنة يقول: ملك، وإن لم ير منظر الملك، ولكن تخيل أنه أجمل ما يكون وهو حقيقة، والشيطان أبشع ما يكون، والله بفضله وكرمه واراه عنا فلا ننظر إلى قبيح منظره، فالله سبحانه بفضله وكرمه يمن على العباد بأن يخفي عنهم ما يؤذيهم وما يستبشعونه من منظر الشيطان.
فطلع هذه الشجرة في الجحيم ثمارها، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥].
((فإنهم)) أي: أهل النار المجرمون الآثمون، ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦]، فهو طعام يكرهه الإنسان، ولكن يأكله جبراً وقهراً واضطراراً، إذ يوضع في فمه ويلقمه، فإنهم لآكلون منها مدفوعة إلى حلوقهم، ومدفوعة إلى بطونهم.
وقراءة الجمهور: ((فَمَالِئُونَ))، وقراءة أبي جعفر: ((فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)).
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٧]، ثم إن لهم الشوب وهو الخلط، إذ هذه الشجرة بمرارتها ونتنها وغصتها في حلوقهم يسيغونها بماء الحميم، وهو ماء بلغ نهاية درجة الحرارة والعياذ بالله.
فالماء في الدنيا حين يغلي يتبخر، لكن الماء في جهنم لا يتبخر، بل يصل إلى أعلى ما يكون من درجات الحرارة ليشرب هؤلاء منه والعياذ بالله، إذاً: طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم.
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨]، نسأل الله العفو والعافية، فهو عذاب أليم إذا تخيله الإنسان خاف من رب العالمين سبحانه، وخاف من الوقوع في الذنوب، وهؤلاء في النار كالأنعام وكالبهائم يقادون إلى المرعى إلى شجرة الزقوم ليأكلوا كرهاً، ويقادون إلى الماء فهم: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤]، فالنار دركات منها: الجحيم، الهاوية، السعير، الحطمة، فهي دركات في أصلها هذه الشجرة، يأكلون من هذا المكان في النار، ويخرجون منه إلى مكان آخر في النار فيه ماء الحميم، ثم يردون إلى المكان الأول مرة ثانية، فانظر إلى التعبير: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧]، أي: خلطاً، ﴿مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٧ - ٦٨] أي: يردون مرة ثانية إلى الجحيم والعياذ بالله إلى قعر النار، فهم داخلون خارجون من النار إلى النار، ومن دركة إلى أخرى فيها الصديد، وفيها الغساق والحميم، مكان فيه الزقوم يأكلون ويشربون كرهاً في ذلك، فهم يكرهون ذلك، ولكن يجبرون عليه.
стр. 2419
تفسير قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين)
يبين الله لماذا يعذب أهل النار فقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات:٦٩]، أي: وجدوا آباءهم ضالين، صادفوا ووجدوا آباءهم على ضلالة وعن بعد عن الحق فاقتدوا بآبائهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، قالوا ذلك ولم يعملوا عقولهم، ولم يفكروا فيما يقوله رسولهم ﵊؛ فاستحقوا عذاب الله سبحانه، فالله أعذر الخلق، وأنذرهم وبين لهم؛ كي لا يكون للناس على الله الحجة بعد الرسل.
فجاءت الرسل ودعوا الخلق إلى الله، فإذا بهؤلاء يرفضون إلا تقليد الآباء، يقولون: الهدى ما وجدنا عليه آباءنا من غير تفكير في ذلك، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠]، فهم يستحثون الخطا ويركضون وراء الآباء في تقليدهم آباءهم.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، أي: ليس هؤلاء فقط الذين ضلوا، بل هم مقلدون لمن سبقهم من الأوائل في الضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، فأكثر الخلق كانوا على الضلالة والعياذ بالله، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦].
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧٢]، فأنذر الله سبحانه وخوف العباد وحذرهم، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٧٣ - ٧٤]، نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2420
تفسير سورة الصافات [٦٩ - ٨٠]
يذكر الله أن ضلال هؤلاء الكفار كضلال آبائهم من قبل، فقد أرسل الله إليهم رسلاً فكانت عاقبتهم وخيمة، كعاقبة قوم نوح ولوط وغيرهم.
следующие страницы →