← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

تفسير قوله تعالى: (قال هل أنتم مطلعون) أهل الجنة في نعيمهم العظيم يجعل الله لهم ما يريدون فيها، وما يشتهون، وإذا أرادوا أن ينظروا إلى أهل النار جعل لهم ما يمكنهم من ذلك، قال تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ [الصافات:٥٤]؟ فاطلعوا من شرفات في الجنة على أهل النار فنظروا إلى أهل النار، فقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ أي: أتريدون أن تنظروا إلى هذا القرين الذي كان يكذب؟ اطلعوا وانظروا ماذا جرى له! قال تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] أي: فاطلع فرآه في قعر الجحيم وفي وسطه، وفي عذاب عظيم أليم، والجحيم: النار المتقدة المضرمة المتأججة، جحمت النار بمعنى: تأججت، واضطرمت، وازداد اشتعالها ولهيبها، ومنه يسمى الجمر، الجحيم، والجاحم، وكذلك الجحمة، والجحمة: عين الأسد؛ لكونه إذا رأى فريسة تحمر عيناه، فهي النار الحمراء المشتعلة المتوقدة الملتهبة، فاطلع فرأى صاحبه ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥]، قال هذا المؤمن: ﴿تَاللَّهِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: بالله، والله ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: كدت لتهلكني، وإن أصلها (إنَّ) المثقلة التي تفيد التحقيق والتأكيد، ولذلك قال هنا: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦]، وجاء باللام الفارقة بين إن التي تفيد التحقيق، وبين إن التي تفيد النفي. فقوله تعالى: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ [الصافات:٥٦] أي: لتهلكني. قال تعالى: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ [الصافات:٥٧] أي: ولولا أن من الله علي وعصمني ونجاني من فتنتك ومن غوايتك ﴿لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧]، كما أحضرت أنت، فكدت أن أكون مثلك أنا أيضاً، والمحضر: الذي جئ به، وغالباً لا تطلق إلا في الشر، يقال: فلان محضر يعني: أتي به لكي يعاقبوه. فهنا قال: ﴿إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٦ - ٥٧] يعني: في هذا العذاب الأليم كما أحضرت أنت وأدخلت في هذه النار.

стр. 2417

تفسير قوله تعالى: (أفما نحن بميتين) قال تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ [الصافات:٥٨] أي: أنت كنت تقول لي في الدنيا: إننا لن نبعث يوم القيامة، وإذا متنا ليس هناك بعث ولا حساب، ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، هذا كان كلام الكافر، فالآن انعكس الأمر، إذ إن الكافر كان يتعجب من المؤمن في الدنيا، أما الآن فالمؤمن هو الذي يتعجب من الكافر؛ كنت تقول لي: لسنا بميتين، قال تعالى: ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الصافات:٥٨ - ٥٩]، ها أنت رأيت ما الذي حصل لك الآن في النار والعياذ بالله، إن هذا الذي نحن منه في الجنة والنعيم المقيم لهو الفوز العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات:٦٠] أي: هذا الفوز الحقيقي، فالإنسان في الدنيا لعله يتكلم عن النجاح، ولعله يتكلم عن الفوز، لكن الفوز الحقيقي والنجاح والفلاح العظيم هو ما يكون يوم القيامة في أن يدخل المؤمن الجنة وينجو من النار، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. (لمثل هذا) الفوز، ولمثل هذا الفلاح، ولمثل هذا الجزاء: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات:٦١]، كأن الله يقول للمؤمنين: اعملوا لذلك حتى تكونوا مع هذا المؤمن ولا تكونوا مع هذا المغرور في نار الجحيم والعياذ بالله.

стр. 2418

تفسير قوله تعالى: (أذلك خير نزلاً أم شجرة الزقوم) قال الله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]، أذلك الذي رأيتموه من النعيم العظيم، ومن الجنات العظيمة خير في النزل، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾، والنزل أصله: الطعام الذي يكون للضيف، أي: قرى الضيف، وكأنه طعام عظيم يستحق أن ينزل الإنسان فيه، فتقول: أعددت لفلان نزلاً، وتقول: تعال انزل عندي؛ لكي تأكل، فمن عظيم الأكل الذي عندك ينزل عندك، فالنزل: القرى والطعام العظيم الذي يكون للضيف، أهذه الجنة العظيمة وما فيها من فواكه ومن طعام خير نزلاً؟ أي: منزلة ينزل فيها الإنسان من أجل ما فيها، ﴿أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات:٦٢]، نسأل الله العفو والعافية! شجرة الزقوم هذه قال الله فيها: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٣ - ٦٥]، هذه شجرة الزقوم مأخوذة من التزقم، أي: التلقم، يلقم اللقمة في فمه ويكره عليها وتدفع في فمه، فهو يتزقمه ويأكله ولا يكاد يسيغه، لا يقدر عليه من مرارته وشوكه، ومن الأذى الذي فيه ومن نتنه، فهو يتزقمه وتدفع في فمه كرهاً، فذلك النعيم الذي فيه أهل الجنة وما يشتهونه من لحوم الطير والفواكه، ومن نعيم مقيم خير نزلاً أم هذه الشجرة من الزقوم؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٦]. فانظر إلى هذه الشجرة التي جعلها الله فتنة لهؤلاء الكافرين، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، فكانوا يسمعون عن شجرة الزقوم أنها في النار، فيقولون: النار تحرق الشجر، فكيف تنبت شجرة في النار والأصل عندنا أن هذه الشجرة تحرقها النار؟! فيتهكم الكفار على النبي ﷺ ، ويسأل بعضهم بعضاً، ويأتيهم رجل من أفريقيا يسألونه: هل تعرف شجرة الزقوم؟ يقول: نعم، عندنا الزقوم الذي هو تمر بالزبد، فيضحكون ويتقهقهون ويقول بعضهم لبعض: تعالوا نتزقمها تزقماً، عرفنا أن الزقوم الزبد بالتمر! فكان أبو جهل يصنع لهم ذلك ويقول: تعالوا نتزقم، ويقول بعضهم لبعض: يخوفنا محمد ﷺ بشجرة الزقوم وعرفنا أخيراً ما الزقوم الذي يخوفنا منه! والله جعلها فتنة لهم لغبائهم وبعدهم عن دين الله ، ولسخريتهم من النبي ﷺ وضح وبين لهم ما هذه الشجرة البشعة التي يسخرون منها، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ﴾ [الصافات:٦٣]، والشجرة الملعونة شجرة ليس فيها رحمة، بل هي شجرة مطرودة من رحمة الله، فهي في أصل الجحيم، تنبت وتتفرع من داخل الجحيم من قعرها، وتخرج أغصانها وأوراقها إلى أعلى الجحيم ليأكل منها كل من في النار والعياذ بالله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤] أي: طعام كل آثم استحق اللعنة، ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ﴾ [الدخان:٤٥] أي: إذا نزلت إلى بطون هؤلاء صارت كالمهل، والمهل هو: الزيت المغلي، والمهل أيضاً: الصديد والعياذ بالله، فهو شيء حار جداً ينزل في بطونهم. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٤] أي: أصل منبتها في قعر الجحيم، وقوله تعالى: ﴿طَلْعُهَا﴾ [الصافات:٦٥] أي: ما يطلع منها من ثمار، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، فهي بشعة في طعمها، ومخيفة رهيبة في منظرها في نار الجحيم، ولم نر نحن الشياطين، ولكن عندما يسأل كل إنسان عن الشيطان ما شكله؟ فإنه يستبشع منظر الشيطان وهو لم يره، فهذا يجعله الله لنا تشبيهاً، والله أخفاه عنا حتى لا نراه بفضله وبكرمه . فيخبرنا الله أن هذه الشجرة منظرها كمنظر الشياطين وأنتم لم تروها، ولكن في قلوبكم قبح منظر الشيطان، إذ إن منظره قبيح جداً، قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]، والعادة عند الإنسان أنه إذا استوحش من شيء يقول: هذا مثل الشيطان، وإذا أحب شيئاً يقول: هذا ملاك؛ ولذلك في قصة امرأة العزيز لما خرج يوسف، ﴿وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف:٣١]. فالإنسان لما يرى الصورة الحسنة يقول: ملك، وإن لم ير منظر الملك، ولكن تخيل أنه أجمل ما يكون وهو حقيقة، والشيطان أبشع ما يكون، والله بفضله وكرمه واراه عنا فلا ننظر إلى قبيح منظره، فالله سبحانه بفضله وكرمه يمن على العباد بأن يخفي عنهم ما يؤذيهم وما يستبشعونه من منظر الشيطان. فطلع هذه الشجرة في الجحيم ثمارها، ﴿كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات:٦٥]. ((فإنهم)) أي: أهل النار المجرمون الآثمون، ﴿لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات:٦٦]، فهو طعام يكرهه الإنسان، ولكن يأكله جبراً وقهراً واضطراراً، إذ يوضع في فمه ويلقمه، فإنهم لآكلون منها مدفوعة إلى حلوقهم، ومدفوعة إلى بطونهم. وقراءة الجمهور: ((فَمَالِئُونَ))، وقراءة أبي جعفر: ((فَمَالُِونَ مِنْهَا الْبُطُونَ)). قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات:٦٧]، ثم إن لهم الشوب وهو الخلط، إذ هذه الشجرة بمرارتها ونتنها وغصتها في حلوقهم يسيغونها بماء الحميم، وهو ماء بلغ نهاية درجة الحرارة والعياذ بالله. فالماء في الدنيا حين يغلي يتبخر، لكن الماء في جهنم لا يتبخر، بل يصل إلى أعلى ما يكون من درجات الحرارة ليشرب هؤلاء منه والعياذ بالله، إذاً: طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٨]، نسأل الله العفو والعافية، فهو عذاب أليم إذا تخيله الإنسان خاف من رب العالمين سبحانه، وخاف من الوقوع في الذنوب، وهؤلاء في النار كالأنعام وكالبهائم يقادون إلى المرعى إلى شجرة الزقوم ليأكلوا كرهاً، ويقادون إلى الماء فهم: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن:٤٤]، فالنار دركات منها: الجحيم، الهاوية، السعير، الحطمة، فهي دركات في أصلها هذه الشجرة، يأكلون من هذا المكان في النار، ويخرجون منه إلى مكان آخر في النار فيه ماء الحميم، ثم يردون إلى المكان الأول مرة ثانية، فانظر إلى التعبير: ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا﴾ [الصافات:٦٦ - ٦٧]، أي: خلطاً، ﴿مِنْ حَمِيمٍ * ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٦٧ - ٦٨] أي: يردون مرة ثانية إلى الجحيم والعياذ بالله إلى قعر النار، فهم داخلون خارجون من النار إلى النار، ومن دركة إلى أخرى فيها الصديد، وفيها الغساق والحميم، مكان فيه الزقوم يأكلون ويشربون كرهاً في ذلك، فهم يكرهون ذلك، ولكن يجبرون عليه.

стр. 2419

تفسير قوله تعالى: (إنهم ألفوا آباءهم ضالين) يبين الله لماذا يعذب أهل النار فقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾ [الصافات:٦٩]، أي: وجدوا آباءهم ضالين، صادفوا ووجدوا آباءهم على ضلالة وعن بعد عن الحق فاقتدوا بآبائهم، قال تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، قالوا ذلك ولم يعملوا عقولهم، ولم يفكروا فيما يقوله رسولهم ﵊؛ فاستحقوا عذاب الله سبحانه، فالله أعذر الخلق، وأنذرهم وبين لهم؛ كي لا يكون للناس على الله الحجة بعد الرسل. فجاءت الرسل ودعوا الخلق إلى الله، فإذا بهؤلاء يرفضون إلا تقليد الآباء، يقولون: الهدى ما وجدنا عليه آباءنا من غير تفكير في ذلك، قال سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠]، فهم يستحثون الخطا ويركضون وراء الآباء في تقليدهم آباءهم. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، أي: ليس هؤلاء فقط الذين ضلوا، بل هم مقلدون لمن سبقهم من الأوائل في الضلال، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١]، فأكثر الخلق كانوا على الضلالة والعياذ بالله، ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧٢]، فأنذر الله سبحانه وخوف العباد وحذرهم، ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:٧٣ - ٧٤]، نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلصين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2420

تفسير سورة الصافات [٦٩ - ٨٠] يذكر الله أن ضلال هؤلاء الكفار كضلال آبائهم من قبل، فقد أرسل الله إليهم رسلاً فكانت عاقبتهم وخيمة، كعاقبة قوم نوح ولوط وغيرهم.

стр. 2421

تفسير قوله تعالى: (ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ * فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ * وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٧١ - ٨٣]. لما ذكر الله سبحانه ﵎ حال أهل الجنة وما متعهم الله به في جنات النعيم، وذكر أهل النار وما حدث لهم في جهنم والعياذ بالله، وكيف أنهم تسببوا في ذلك بكفرهم بالله سبحانه، واستكبارهم عن عبادة ربهم ؛ ختم ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩ - ٧٠]. هذا هو التقليد الذي قلد هؤلاء الجاهليون من سبقهم في كفرهم وفي شركهم بالله سبحانه، واتخاذهم من دون الله أولياء يوالون عليهم، ويعادون في محبتهم، هؤلاء ألفوا آباءهم ضالين، ولم يعملوا عقولهم، ولم يتفكروا فيما جاءت به أنبياؤهم عليهم الصلاة والسلام، فهم على آثار آبائهم يهرعون، فهم وجدوا آباءهم ضالين بعيدين عن الحق تائهين متحيرين متشككين يشركون بالله ويعبدون غيره واتبعوا الأهواء، واتخذوا الأنداد من دون الله، قال تعالى: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٧٠] والإهراع بمعنى: الاندفاع، فهم مسرعون على آثار الآباء من غير تفكير، يقال: أهرع الرجل وهرع أيضاً الرجل بمعنى: اندفع أو قيد إلى شيء وتلفه إلى هذا الشيء الذي يندفع إليه، فأهرع الرجل بمعنى: خف وجرى، وأسرع وتغير على هيئة فيها رعب، فهو قد هرع إلى ذلك الذي ساقه إلى ذلك الهوى والضلال والشيطان، وهم يهرعون ويستحثون على اتباع الآباء فيما هم فيه من ضلالات، وزين لهم الشيطان أن آباءهم أصحاب عصمة، وأن آباءهم يعرفون كل شيء، وأنهم لا يفهمون إلا ما فهمه الآباء، ولذلك كبر عليهم أن يأتيهم رسول من عند الله ﵊، يدعوهم إلى مخالفة ما كان عليه الآباء، فيتعجبون: هل أنت خير أم أبوك؟ يقولون ذلك لرسول الله ﷺ ، وكانت العادة عندهم أن يسأل كل واحد منهم الآخر عن ذلك، وكان النبي ﷺ لا يقول هذا الكلام الباطل الذي يريدونه، فكان ينصرف عما يريدون من هذا القول الذي لا معنى له، ويدعوهم إلى الله وإلى كتاب الله، ويحاجهم بالحجة السليمة، والآراء المستقيمة فلا يفهمون، ولا يزالون يتعجبون مما يقول ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. قال الله : ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:٧١] ليس هم الذين ضلوا فقط، ولكن ضل قبلهم أقوام وصدوا عن الهدى، وابتعدوا عن دين الله ، واتخذوا آلهة من دون الله فضلوا وأضلوا غيرهم بأن دعوهم إلى غير الله سبحانه.

стр. 2422

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا فيهم منذرين) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧٢] وهذه عادة الله وسنته في خلقه أنه يقيم على عباده الحجة بما أرسل فيهم من أنبياء ورسل عليهم الصلاة والسلام، وبما أنزل عليهم من كتب من عنده سبحانه. فقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ﴾ [الصافات:٧٢] يعني: في السابقين، أرسلنا إليهم الرسل لينذروهم ويخوفوهم من يوم القيامة ومن حساب رب العالمين، ومن عذابه ومن عاقبة أعمالهم السيئة، ومن عقوبة الله لهم على ذلك، وقراءة الجمهور: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ﴾ [الصافات:٧٢] وقراءة يعقوب: (فيهُمْ) وهم الرسل ينذرون القوم من شركهم، ويخوفونهم من عبادتهم لغير الله، ويخوفونهم بعذاب الله.

стр. 2423

تفسير قوله تعالى: (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) قال الله تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٧٣] أي: تعجب لأمر هؤلاء، فالمنذر الرسول ينذر قومه ﵊، والمنذر: الواحد من القوم، والعاقبة: النهاية وآخر الأمر، ومنه عقب الإنسان: ما يكون خلفه أو تحته، فانظر إلى نهاية هؤلاء كيف استحقوا عقوبة رب العالمين بالإهلاك في الدنيا والإغراق، ثم بالإحراق في النار يوم القيامة. قوله تعالى: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:٧٣]، وإذا وقف على هذه الكلمة وغيرها من الكلمات التي هي على جمع المذكر السالم وما ألحق به يقف عليها يعقوب بخلفه بهاء السكت فيقول: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَه * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينه﴾ [الصافات:٣٩ - ٤٠]. وهنا استثناء يستثني الله عباده المخلصين، وهؤلاء ليس عاقبتهم عاقبة سيئة، وهذه الكلمة فيها قراءتان في القرآن كله ﴿الْمُخْلَصِين﴾ [الصافات:٤٠] و (الْمُخْلِصِين)، يقرؤها على اسم المفعول المدنيان نافع وأبو جعفر، والكوفيون: عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف، وباقي القراء يقرءونها على اسم الفاعل: ﴿الْمُخْلِصِين﴾ [الصافات:٤٠] والمعنى قريب، مخلصين: اجتباهم الله واختارهم، واصطفاهم هؤلاء المخلَصون، واختارهم الله لكونهم في قلوبهم الإخلاص فهم المخلِصُون: أخلصوا العبادة لله ووحده ولم يشركوا به شيئاً، ولم يوجهوا العبادة والطاعة لغيره سبحانه فهم مخلِصون لله فاستخلصهم الله وانتقاهم من الخلق وجعلهم أحباءه وأهل جنته . وهذه السورة كما ذكرنا من السور المكية التي تؤكد معاني التوحيد، وفيها تفصيل قواعد العقيدة في قلب الإنسان، وذكر الله هنا توحيده والأمر به، وحذر من شرك المشركين وكيف أنهم ضلوا وأضلوا واستحقوا العقوبة والنار، ثم ذكر رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأن دعوتهم هي دعوة التوحيد يدعون إلى عبادة الله سبحانه، فالنبي ﷺ ليس بدعاً من الرسل، وليس شيئاً جديداً حادثاً، ولكن كل الرسل قبله ﵊ دعوا أقوامهم إلى توحيد ربهم سبحانه.

стр. 2424

تفسير قوله تعالى: (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون) قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] فالله نعم المجيب ناداه لوط، وناداه نوح، وناداه غيره فنعم المجيب، ومن يجيب إن لم يجب الله ؟ والنداء هنا يتضمن معنى الاستغاثة والدعاء، ومعنى نادانا: استجار بنا واعتصم بنا، فاستغاث نوح بربه سبحانه، ودعا قومه إلى عبادة الله فترة طويلة جداً لم يدع مثلها إلى الله نبي من الأنبياء، ولا رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فقد دعا قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً حتى مل منهم وظن أنه لن يؤمن من قومه أحد، فأخبره الله أن هذا ظن حقيقي ولن يؤمن من قومه إلا من قد آمن، وما آمن معه إلا قليل، وذكروا أن عدد هؤلاء الذين آمنوا مع نوح ﵊ وركبوا معه السفينة ثمانون مؤمناً بعد دعوة إلى الله ليل نهار، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٩] كل هذا وهو يدعو إلى ربه ليل نهار في زمن طويل بلغ تسعمائة وخمسين عاماً، فلم يستجب له وما آمن معه إلا قليل، فكان عدد من ركب معه هذه السفينة هم من أهله وكان منهم هذه الذرية العظيمة من خلق الله سبحانه من بعد نوح، فكان من شيعته إبراهيم وكل الأنبياء والرسل من بعده عليهم الصلاة والسلام. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ﴾ [الصافات:٧٥] أي: استغاث بنا، وجأر إلينا وطلب نصرنا، قال تعالى: ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥] سبحان الله وتعالى، فيبين لنبيه ﷺ أننا لم نعجل بعقوبة هؤلاء الأقوام ليس لكوننا لا نستجيب لك، ولا لغيرك من المؤمنين، ولكن لحكمة من الله، فنحن نعم المجيبون، ونعم المجيب الله سبحانه، فهو يستحيي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صفراً، ولكن الإجابة من الله بحكمة، ولها وقت فالله عليم حكيم، وهو أعلم بما يستحق العباد، ولعلك تدعو على إنسان والله يعلم أنه سيهتدي بعد ذلك، فلا يستجيب لك في ذلك، ولعلك تدعو لإنسان بالهداية، والله يعلم أنه سيموت ضالاً كافراً، فالله أعلم بخلقه، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].

стр. 2425

تفسير قوله تعالى: (ونجيناه وأهله من الكرب العظيم) قال الله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٦] دعا نوح ربه بعدما طال دعاؤه لقومه فترة طويلة حتى أعلمه الله سبحانه بقوله: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود:٣٦] وانتهى الأمر، ليس هناك أحد سيدخل في دينك إلا هؤلاء القلة فقط، فلما وجد نوح أنه لن يدخل في الدين إلا من قد آمن دعا على قومه وقال: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] فقد عهد نوح من هؤلاء القوم ما كانوا يصنعونه من كفر وتكذيب هم وآباؤهم وأجدادهم طوال عمره، فقد مات الأجداد وجاء الأبناء وجاء الأحفاد بعد ذلك، والكل على الكفر والتكذيب، فنوح لا يرى إلا إنساناً يموت كافراً ويولد غيره كافراً ويموت كافراً وهكذا، فقال: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] فدعا ربه سبحانه، فاستجاب الله دعاءه، قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر:١١ - ١٤] هذا الذي فعلناه ﴿جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ [القمر:١٤] قد كفروا بالله سبحانه، وكفروا دعوة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فاستجبنا لنوح بتكذيب هؤلاء له، وباستغاثته بنا. قال سبحانه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٦] مع أن من أهل نوح ابنه وقد أغرقه الله ، ولما سأل نوح ربه سبحانه: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود:٤٥] أي: لقد وعدتني أن تنجيني أنا وأهلي، فوعدك الحق وهذا ابني من أهلي، فقال تعالى: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] أي: هذا لا ينتمي إليك، أهلك المؤمنون، وأولياؤك الصالحون، هذا كافر بالله سبحانه فلا يستحق أن يكون من أهلك، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦] إذاً: قوله سبحانه: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ [الصافات:٧٦] أي: أهل دينه من المؤمنين الذين آمنوا معه، وكان عددهم ثمانين رجلاً وامرأة، أسلموا وعاشوا مع نوح ثم بعد ذلك ركبوا معه السفينة، وأنجى الله من فيها، وجعل من ذرية نوح الخلق كلهم بعده ﵊. إذاً: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنبياء:٧٦] الكرب العظيم هو: ما حدث، وأي كرب أفضع وأعظم من ذلك أن يجد السماء تنفتح بسيول تنزل على الأرض، والأرض تنفجر بعيون تطفو على الأرض، وهو في السفينة ومعه هذا العدد القليل من خلق الله سبحانه، وحمل فيها من كل زوجين اثنين بأمر الله من المخلوقات التي تستحق أن تحيا، وتستحق أن تكون معه دون البشر الذين كفروا بالله وكذبوا بالله ، فقد ركبوا سفينة صنعها نوح بأمر الله سبحانه، واتسعت لهذا العدد العظيم من خلق الله، قال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود:٤٠] إذاً: عدد من فيها من خلق الله من غير البشر أكثر بكثير من هؤلاء البشر، فما آمن معه من البشر إلا قليل، لكن الأكثرية من غيرهم، قال تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود:٤٠] وما آمن مع نوح إلا العدد القليل كما ذكر. قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:٧٦] أي: من الغرق ومن هذا الجو البشع ومن هذه العقوبة الصعبة الأليمة التي نزلت وأخذت هؤلاء الكفار، ونجينا نوحاً على نبينا وعليه الصلاة والسلام وأهله من الكرب العظيم، والكرب: الشيء الذي يغم الإنسان ويحزنه ويجعل الإنسان في ضيق شديد، فقد نجى الله نوحاً ومن منعه من الكرب العظيم.

стр. 2426

تفسير قوله تعالى: (وجعلنا ذريته هم الباقين) قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧] أي: أبقينا ذرية نوح، فكل الذريات الذين كانوا من قبله أهلكوا، ولم تبق إلا ذرية نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وجاء منها كل الخلق من بعده، فهو الأب الثاني بعد آدم ﵉، فكل البشر من ذرية آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام من ذرية نوح من بعده، إذ لم يعش من ذرية آدم إلا ذرية نوح فقط، وكان منهم الخلق، وجاء في الآثار أن نوحاً ﵊ كان له أولاد وهم: سام، وحام، ويافث، فـ سام أبو العرب وفارس والروم واليهود والنصارى، وحام أبو السودان من المشرق إلى المغرب، ويافث أبو الصقايلة والترك وغيرهم، فهؤلاء الثلاثة من ذرية نوح الذي كان منهم الخلق بعد ذلك، قال سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ﴾ [الصافات:٧٧] أي: ذرية نوح: ﴿هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧].

стр. 2427

تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين) قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٨ - ٧٩] أي: تركنا الثناء الحسن والذكر الجميل، وأن يسلم عليه من سمع به ومن علم عنه شيئاً، نقول: نوح ﵇، فيذكر في أهل الملة جميعها، فيدعون له، ويسلمون عليه، ويقولون: ﵇، والآخرون: من يأتون من بعدهم من كل الأمم، تركنا عليه في هؤلاء الآخرين هذا القول، فقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٩] أي: كل من يذكره يسلم عليه ويقول: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾. كذلك من معانيها: تركنا عليه الذكر الحسن والتسليم معه، إذاً: من يذكره يذكره بأحسن ذكر على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كذلك إبراهيم كما سيأتي بعد ذلك، وقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٧٩] قد يكون معناها: سلامة له من أن يذكر بسوء، يعني: سلمنا ذكره من السوء.

стр. 2428

تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين) قال سبحانه: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:٨٠] كهذا الجزاء العظيم الذي جازيناه نوحاً فنجيناه من الكرب العظيم، كذلك ننجي كل محسن من الكرب العظيم، وكذلك كهذا الذكر الحسن الذي تركناه لنوح نترك ذكراً حسناً لكل من آمن بالله واتبع المرسلين، ونترك له ذكراً حسناً فيمن يليه فيدعون له بخير ويذكرونه بثناء حسن جميل. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2429

تفسير سورة الصافات [٧٥ - ٩١] نوح وإبراهيم ﵉ من أولي العزم من الرسل، وقد أخبرنا الله عن بعض قصصهما مع قوميهما، فقد دعواهما إلى الله تعالى، فقوبلا بالعداوة والسخرية والاستهزاء، والإباء والاستكبار عن الدخول في دين الله ، فكان الجزاء من جنس العمل، حيث خلد الله ذكر نوح ﵇ وأثنى عليه في الآخرين، وكافأ إبراهيم فجعله أمة وقدوة للعالمين.

стр. 2430

تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين ثم أغرقنا الآخرين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٨٠ - ٩٦]. ذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وما قبلها قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وذكر أن من أتباعه ومن ذريته إبراهيم الخليل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام. وقال في قصة نوح: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]. ﴿نَادَانَا﴾ أي: استغاث بنا، ودعانا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام بعدما يئس من إيمان قومه، وبعدما كذبوه تسعمائة وخمسين عاماً، فنجاه الله وأهله المؤمنين من الكرب العظيم. قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧]، فهو أب بعد أب، آدم أبو البشر، وبعده نوح أبو البشر الذين من بعده، وجعلنا ذرية نوح فقط هم الباقين. قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:٧٨ - ٨٠]. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ﴾ بالثناء الحسن، ﴿فِي الْعَالَمِينَ﴾ فكل من يذكر نوحاً يسلم عليه ويثني عليه خيراً؛ لما صنعه مع قومه من دعاء إلى الله سبحانه، ولما صبر على أمر الله سبحانه. قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:٨٠] الجزاء الحسن هو الذكر الحسن، والتسليم عليه ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أن يكون لهم عاقبة الدار، وأن يكون لهم الجزاء الحسن عند الله، والذكر والثناء الحسن عند الناس. ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٨١]. إذاً: الله جازاه على إحسانه وإيمانه بأن جعل له الثناء الحسن في هذه الدنيا. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:٨٢] يعني: الكفرة وهم الأكثرون، وما آمن معه إلا قليل، وذكرنا أن الذي بقي معه وركب معه السفينة كانوا ثمانين من المؤمنين. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ﴾ [الصافات:٨٢] وجاء الإغراق عقوبة من الله على كفرهم وتكذيبهم، فكانت الأرض تنبع بالمياه، والسماء تنزل بالمياه، والسفينة عامت، وأغرق الله الكفار، وكان ابن نوح يظن أنه سيأوي إلى جبل عال مرتفع فيعصمه من هذا الماء، وناداه نوح أن يؤمن ويدخل معه ويركب في السفينة، فأبى إلا الكفر الذي هو عليه، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٣]. إذاً: صارت الأرض كلها مياهاً، وأمواجاً، فعامت السفينة ورست فوق الأمواج، وبلغت الأمواج علو الجبال فأغرقت ابن نوح، فقال له ربه: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فأهل نوح هم المؤمنون الذين نجاهم الله معه في السفينة، وكانوا قليلين من أهله ﵊، قالوا: بعض أولاده وحليلات أولاده وأولادهم، يعني: من ذرية نوح المؤمنين الذين ركبوا معه في هذه السفينة، فجعل الله منهم الخلق كله بعد ذلك، وأغرق كل الكفار، وصار الناس معتبرين لما حدث في قوم نوح، وكان بين نوح وإبراهيم فترة طويلة تتجاوز الألفين من السنين، وفي خلال هذه الفترة كان عدد الرسل الذين ذكر الله رسولين اثنين فقط، والله أعلم هل كان يوجد غيرها من الأنبياء؟ لكن الذي ذكر الله في القرآن بين نوح وبين إبراهيم هما هود وصالح عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 2431

تفسير قوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيْم﴾ [الصافات:٨٣]، شيعة الرجل: أتباعه وأولياؤه ومحبوه، وكذلك أهل الرجل، فهؤلاء هم الشيعة، ﴿إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من ذريته وأتباعه في الإيمان إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإبراهيم أبو الأنبياء، فكل الأنبياء من بعده هم من ذريته ﵊، وإبراهيم معناها بالسريانية: الأب الرحيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فواضح من سيرته كيف كان رحيماً بالمؤمنين، وكيف دعا لأبيه وكان كافراً، ودعا لأهله ودعا للمؤمنين، واستجاب الله له في المؤمنين، وجعل من ذريته الأنبياء من بعده، وأبوه كان كافراً فلم يستجب له في استغفاره له ونهاه عن ذلك. إبراهيم له مزايا كثيرة جداً، وصفات وخصائص حميدة وعظيمة ذكر الله بعضها في كتابه سبحانه، وهو الذي كان يلقب بأبي الضيفان، كان إكرامه للضيوف إكراماً عجيباً جداً، حتى إنه ليذبح العجل لثلاثة من الضيوف، ثلاثة ضيوف تكفيهم شاة تذبح لهم وتفيض عنهم، فيذبح لهم عجلاً ويجعله لهم مصلياً حنيذاً مشوياً، وهذا من كرم إبراهيم الخليل ﵊. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] إذ جاء ربه بقلب موحد لله سبحانه، خالص من الشرك، لا شرك فيه، بقلب نقي تقي ﵊، فاستحق أن يكون أمة وحده، جمع من خصال الخير وأعمالها ما لا يجتمع إلا في أمة من الناس، فاجتمع الخير لإبراهيم وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فكان إمام الأنبياء ﵊، وكان قدوتهم، وأمر النبي ﷺ بذلك فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النحل:١٢٣] عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فكان من المحسنين، وجزاه الله على إحسانه أن جعله أباً للأنبياء، وجعل له الذكر الحسن في كل الملل. هذا إبراهيم ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤] أي: بقلب مخلص من الشرك والشك، لا شك في قلبه، ولا شرك فيه، وكل إنسان يعتريه من الشرك ما يعتريه بحسب ما يشاء الله فيه، ويعتريه من الشبهات والشكوك والشهوات حسب ما يقدره الله على دفعها أو يهلكه بأن يشغلها قلبه، وإبراهيم ﵊ لم يكن في قلبه شيء من الشك، حتى إنه لما قال لربه سبحانه ﵎: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة:٢٦٠] فإذا بالله يسأله: أو لم تؤمن يا إبراهيم؟ لم تسأل هذا السؤال؟ قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى﴾ [البقرة:٢٦٠]، الإيمان هذا لازم له ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] ليزداد يقيناً فوق اليقين، فأنا آمنت بالغيب وأريد المشاهدة أيضاً لأزداد يقيناً فوق اليقين، أما الشك فمستحيل أن يدخل قلب إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ولذلك يقول نبينا صلوات الله وسلامه عليه تواضعاً وهضماً لحق نفسه مع أبيه إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، يعني: إبراهيم بلغ المنزلة العظيمة فمستحيل أن يشك في الله، فإياكم أن تظنوا أن إبراهيم يشك، (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، هل نشك نحن؟ الجواب لا، وإبراهيم أولى، إبراهيم لا يشك ﵊، فيحترمه النبي ﷺ ، ويعظم قدره، ويقول ذلك تواضعاً، وحاشا له ﷺ أن يشك. ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٤]، قلب سليم يعلم أن الله حق، فيوحد ربه سبحانه، ويكون خالصاً لربه، ليس فيه شيء من أمور الدنيا، وابتلاه الله في سلامة قلبه، هل قلبه كله لله أم أن فيه شيئاً للدنيا؟ فإذا به يبتليه في كل من يحبهم إبراهيم ﵊، فابتلاه في أبيه فدعا أباه إلى دين الله حتى إن أباه يهدده بالرجم والطرد فيقول: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة:٤] ما لم أنه عن ذلك، ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم:٤٧]، فيستغفر ربه لأبيه، قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا * فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾ [مريم:٤٨ - ٤٩] فابتلي في أبيه، وطرده أبوه فهاجر وترك البلد. أحب امرأته فابتلاه الله في امرأته ليرى هل حبه لله أشد أم أن الدنيا قد تفتنه؟ وإذا به يبتلى فيها ويأخذها جبار من الجبابرة في مصر، يهاجر إبراهيم من بلده ويأتي إلى مصر فإذا بالناس يخبرون الملك: إن رجلاً اسمه إبراهيم قدم ومعه امرأة من أجمل النساء، فيبتلى إبراهيم ويصبر لأمر الله ويدعو ربه سبحانه ﵎. وابتلاه الله في ابنه وأمره أن يذبح ابنه بيده: هل ابنك أحب أم نحن أحب إليك؟ فإذا به يفعل ما أمر الله به، وإذا بالله يرفع عنه هذا البلاء ويقول: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥]، مثل إبراهيم ونوح والأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين أحسنوا وصبروا لأمر الله سبحانه. ابتلاه الله في نفسه ﵊ فيحمل في المنجنيق ويلقى في النار، هل يدعو أحداً غير الله سبحانه أو أنه سيصبر على ذلك؟ وتأتيه الملائكة تسأله: ألك إلينا حاجة؟ يقول: لا، حاجتي إلى الله وحده سبحانه ﵎، وهو يلقى في النار ولا يطلب شيئاً إلا من الله ! ويأتي أمر الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، فكانت أحلى أيامه تلك التي مكثها في النار والنار حوله، وهو كأنه في جنة بداخلها عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. فهذا القلب السليم الذي وصل به إبراهيم لأن يكون أمة وحده، وأن يكون إماماً للأنبياء ﵊.

стр. 2432

تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) قال سبحانه ﵎ عن إبراهيم: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٨٤ - ٨٥]، هنا قال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وفي الشعراء قال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الشعراء:٧٠]، وهذا تفنن في صيغ القرآن، لا تتكرر الصيغة نفسها ولكن يتفنن فيها، ففي كل سورة يذكر ما يليق بها. قال إبراهيم ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٨٥]، منكراً عليهم عبادة الأصنام، وكان أبوه يصنع لهم الأصنام التي يعبدونها من دون الله، قال: ﴿أَئِفْكًا﴾، والإفك أعظم الكذب المفترى المختلق ﴿أَئِفْكًا﴾ تفترون على الله؟ تصنعون الأصنام بأيديكم وتعبدونها من دون الله ؟! ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦] أتريدون آلهة من دون الله تعبدونها وتعلمون أنها لا تنفعكم ولا تضركم؟ ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٧]، كيف ذهب وهلكم وظنكم بالله سبحانه ﵎؟ أتظنون أنه يترككم تعبدون غيره ويترككم في هذه الدنيا بغير حساب ولا عقوبة؟ ما ظنكم برب العالمين؟ أين ذهب رشدكم؟ كيف ذهب خيالكم في ربكم سبحانه فجعلتموه أقل من هذه الأشياء فعبدتموها من دون الله سبحانه؟! أين ذهبت عقولكم؟

стр. 2433

تفسير قوله تعالى: (فنظر نظرة في النجوم) قال الله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات:٨٨] ﵊، وكان قومه أهل نجوم ينظرون في النجوم ويتكلمون بالطالع أنه يحصل كذا وسيحصل لنا كذا وإبراهيم ﵊ يتعامل مع قومه بشيء من الذكاء العظيم الذي وهبه الله له، فيوهمهم بالشيء الذي يقصد خلافه حتى ينفذ ما يريد ﵊، لما كان مع عباد الكواكب والنجوم دعاهم إلى الله سبحانه ﵎ ليعبدوه، فإذا بهؤلاء يعبدون الكواكب والنجوم من دون الله سبحانه، فقال لهم: ما الذي تعبدونه؟ قالوا: نعبد هذه الآلهة، فنظر إلى هذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله فظهر كوكب فقال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٦] هو هذا الإله الذي تعبدونه من دون الله وتدعونني إلى عبادته؟! ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ﴾ [الأنعام:٧٦] الذي يطلع ويختفي هذا لا ينفع أن يكون إلهاً، فلما بدأ القمر بعد ذلك بارزاً ومنيراً ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧] في زعمكم، فهذا أكبر من الأول، فيكون هذا هو الرب ﴿هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَاَلَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي﴾ [الأنعام:٧٧] الحقيقي ﴿لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٧ - ٧٨] هي أكبر شيء، إذاً هذا ربي، وهذا ليس اعتقاداً من إبراهيم، فالمقام ليس مقام نظر أي: أنه يفكر ويبحث عن إله، لا، وإنما المقام مقام مناظرة، وفي المناظرة يتنزل الخصم مع خصمه، كما تجادل شخصاً فتقول: لو فرضنا أن الذي تقوله صحيح، وأنت معتقد تماماً أن الكلام الذي يقوله غلط، فهذا تنزل في المناظرة، فهذا كان من إبراهيم مناظرة وليس نظراً، يتنزل معهم حتى يقنعهم بأنهم على باطل، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ [الأنعام:٧٨] يعني: بزعمكم الذي تقولونه، ﴿فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨]. إذاً: تدرج معهم بشيء وراء شيء، فلو قال لهم من البداية: هذا كله باطل لا يسمعون منه، ولكن أحب أن يستدرجهم حتى يصلوا في النهاية أنه فعلاً لماذا اختفى الأول والثاني والثالث؟ إذاً: لا تنفع هذه الآلهة، فهذا من إبراهيم مناظرة لقومه، وكم له في ذلك من أشياء. وانظروا إلى مناظرته مع النمرود عندما قال: إنه الرب، وهو الذي يحيي ويميت، إبراهيم يقول: ربي الذي يحيي ويميت، قال: وأنا كذلك أحيي وأميت، قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] أعطى خصمه أدلة أمام الأعين لا أحد يقدر يجادل فيها، فهو لما قال: أنا أحيي وأميت أحكم على اثنين بالإعدام فأقول لأحدهما: عفوت عنك وأقتل الثاني، فأنا أحييت هذا وأمت هذا، فالناس سيصدقونه فيما يقول من كلام فارغ، فإبراهيم أعطاه الشيء الذي لا يعرف كيف يناقش فيه، فقال له: أنت تدعي هذا الشيء فهذه الشمس تطلع من هنا فائت بها من هنا، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]. فإبراهيم ﵊ آتاه الله ما يجادل به قومه، ويقنع بكلامه، وإن كان كفرهم يطمس على قلوبهم فلا يعقلون ولا يهتدون. قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات:٨٨] كهيئة المتفكر، وكأنه ينظر الأمر وهو يريد حيلة ليقعد في دار الأصنام فيكسرها، فهم لن يتركوا إبراهيم وهو على خلاف ما يقولون، إذاً دبر حيلة مع هؤلاء، فنظر في النجوم كهيئة المتفكر ثم عندما قال: (إِنِّي سَقِيمٌ) فظنوا أنه نظر في النجوم فتنبأ أنه سيمرض غداً قال: ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، فأوهمهم أنه سيأتيه مرض معدي فيخافون ويتركونه ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠]، لئلا يعدينا بمرضه، فهم كانوا خارجين إلى عيد لهم وأرادوا أخذ إبراهيم ﵊ معهم في عيدهم لعله يقتنع بما هم فيه، ويترك ما يدعوهم إليه، وأراد هو أن يمكث في يوم العيد وهم يخرجون فيأتون بطعامهم ليجعلوه في دار الأصنام لأجل أن تأتيها البركة من هذه الأصنام، فإبراهيم ﵊ قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٨٩ - ٩١] يستهزئ ويستهين بهذه الآلهة، الأكل متروك أمامكم لماذا لا تأكلون من هذا الطعام؟ وضعوا الطعام أمام الآلهة وهم يعرفون أن الآلهة لا تأكل ولا تشرب، وأنها كذب وزور، يفترون على الله الكذب! وقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] هذه واحدة من ثلاث كذبات كذبها إبراهيم ﵊ في حياته كلها، ومن من الناس لا يكذب في حياته إلا هذا العدد؟! وإبراهيم معصوم ﵊، والله أذن له في ذلك، وكلامه كان تعريضاً، وظاهر الكلام أنه كذب، قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] وليس مريضاً، ولكن الإنسان عندما يقول: إني مريض يحتمل أنه مريض مرضاً عضوياً أو مرضاً نفسياً أو أن بقلبه علة من شؤم هؤلاء وكفرهم، إذاً: ضاقت نفسه وقلبه عن ذلك، أو ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] كقوله الله سبحانه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]، لما كان الموت آتٍ آتٍ وأتى أمر الله قال لنبيه وهو على الحياة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ [الزمر:٣٠] يعني: إنك ستموت، وقال إبراهيم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] يعني: سأمرض، ومن الأمراض التي يبتلى بها الإنسان مرض الموت، فينزل في كل إنسان قبل موته ذلك أو بحسب ما يريد الله سبحانه، فكأنه قال: إني سأمرض موهماً لهم بأنه نظر في النجوم فأخبرته بذلك، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]. وجاء عن النبي ﷺ -كما في الصحيحين وهذا لفظ مسلم - أنه قال: (لم يكذب إبراهيم ﵇ قط إلا ثلاث كذبات ثنتان في ذات الله قوله: (إني سقيم)، وقوله: (بل فعله كبيرهم هذا)، وواحدة في شأن سارة) أي: زوجته. وحقيقة هذا الذي فعله كان تعريضاً أذن الله له في ذلك، فعرض في الكلام فأوهمهم بالشيء الذي هو خلاف الواقع، فلما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩] أي: إني سأمرض، سينزل بي الموت، فظنوا أنه سيمرض بالطاعون ففروا منه مدبرين وتركوه ومرضه ﵊. والمرة ثانية: لما كسر الأصنام وسيأتي ذلك ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣]؛ ليعرض عليهم إن كانوا هؤلاء ينطقون، ويأكلون ويشربون، إذاً الذي فعل هذا الشيء هو كبيرهم، ولكن أنتم تعرفون أنهم لا يأكلون ولا يشربون فلم يفعل الكبير شيئاً، ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣]، وهذا الذي قاله إبراهيم كان في ذات الله . المرة الثالثة: وإن كانت في ذات الله ولكن لنفسه فيها حظ وشأن، وهي في سارة زوجته. قال النبي ﷺ : (قدم إبراهيم أرض جبار ومعه سارة)، قدم إبراهيم أرض في مصر مهاجراً، قال: (وكانت أحسن الناس) يعني: كانت سارة أجمل النساء، (فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك). فإبراهيم ﵊ خاف من الجبار، وهو فر من الجبابرة الذين أرادوا إحراقه وجاء إلى مصر، فإذا بالجبار يعلم أن معه امرأة من أجمل النساء فأراد أن يأخذ امرأته، فلو قال: هي زوجتي لقتله وأخذها، فكأنه دافع عن نفسه بهذا الذي قاله معرضاً: أختي، ويعني: أختي في الإسلام، فهي زوجته وأخته في دين الله سبحانه ﵎، (فلما دخل أرض هذا الجبار رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال له: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك) هؤلاء وزراء السوء! قالوا له: امرأة دخلت الديار ما ينبغي في جمالها إلا أن تكون لك أنت (فأرسل إليها فأتي بها، فقام إبراهيم ﵇ إلى الصلاة فلما دخلت عليه -على هذا الجبار- لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة). إبراهيم قائم يصلي يدعو ربه ويستغيث به، وهي قامت تتوضأ وتصلي وتدعو ربها سبحانه، فإذا بالجبار يبسط يده إليها فيشل الله يده وتقبض قبضة شديدة (فإذا به يستجير بها) هذا الملك يستجير بـ سارة ويقول لها: (ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت) ما صدق (فعاد مرة ثانية وأراد أن يأخذها فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فإذا بالله يرسل عليه ما يصعقه ويغط برجله) ليقع على الأرض صريعاً يخبط برجله، وتقبض يده قبضة شديدة لا يقدر على تحريكها، (فقال لها مثل ذلك مرة ثانية ومرة ثالثة فعلم أنه لن يقدر عليها فقال ونادى من معه: إنك إنما أتيتني بشيطان ولم تأتني بإنسان)، قال للذين نصحوه بها: ما أعطيتم لي إنساناً، أعطيتم لي شيطاناً، وكأنه من خوفه منها أهدى لها هاجر، فأعطاها هاجر فكانت هاجر من مصر، وكانت لهذا الجبار فوهبها لها فكانت أمة لـ سارة وسارة وهبتها بعد ذلك لإبراهيم، فجامعها إبراهيم ﵊ فكان منها إسماعيل، وكان منها أبناء إسماعيل، وكان م

стр. 2434

تفسير سورة الصافات [٨٣ - ١٠١] يصطفي الله من البشر رسلاً، ويؤيدهم سبحانه بمعجزات وآيات يتجلى فيها حفظ الله لأنبيائه ونصرته لهم، ولكن من أعمى الله بصيرته عن الحق فلا يعقل معجزة ولا آية، ولنا في قصة إبراهيم ﵇ مع قومه عظة وعبرة.

стр. 2435

تفسير قوله تعالى: (وإن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ * فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ * فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ * قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٨٣ - ٩٨]. يذكر الله في هذه الآيات في سورة الصافات قصة إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه من شيعة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام أي: ممن تبعه من ذرية نوح ﵊، وممن تبعه على التوحيد وعلى الدعوة إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ * إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات:٨٣ - ٨٤]، أي: اذكر ذلك حين جاء إبراهيم ربه بقلب سليم، إذ أخلص قلبه لله سبحانه، ووجه وجهه لله، وعمل الأعمال العظيمة يتقرب بها إلى الله سبحانه، لا شرك فيها، ولا شبهة فيها، ولا رياء فيها.

стр. 2436

تفسير قوله تعالى: (إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون) قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:٨٥] أي: كانوا يصنعون الأصنام، وكان أبوه ينحت الأصنام لقومه، فقال لقومه: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ * أَئِفْكًا﴾ [الصافات:٨٥ - ٨٦] أي: كذباً، وبهتاناً، وزوراً وآلهة تزعمونها دون الله، تريدون أن تتخذوها وأن تعبدوها. قال تعالى: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٧] أي: أين ذهبت عقولكم؟ فظننتم بالله ظن السوء، وظننتم أن هذه تنفع وتضر مع الله سبحانه، وظننتم أن هذه يوجه إليها عباده، وأنتم الذين صنعتموها، ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أنه صانع بكم؟ وقد كفرتم به وأشركتم، هل يترككم على ذلكم؟ قال تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] أي: نظر كهيئة المتطلع والناظر في النجوم أي: متفكر حتى يظن هؤلاء أنه سيقول شيئاً بناء على نظره في النجوم، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وكأن المقصد أنه مريض، فيفهمون منه أنه سيمرض بسبب نظره في النجوم، فكأنه اطلع على غيب واطلع على شيء، ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وأوهمهم أنه سيصاب بمرض أو أنه سيكون فيه مرض معدٍ. ولذلك تركوه بعد ما كانوا يريدون أن يأخذوه معهم إلى عيدهم في الصباح لعله يغير رأيه في آلهتهم ويكون مثلهم، فقالوا: إنا ذاهبون إلى العيد واخرج معنا يا إبراهيم، قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٩]، وكانت فرصة لإبراهيم أن يخرج جميعهم ويكون هو وحده مع الأصنام فيكسر هذه الأصنام لعلهم يرجعون عن عبادتها.

стр. 2437

تفسير قوله تعالى: (فتولوا عنه مدبرين) قال تعالى: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات:٩٠]، أي: ذهبوا مهرولين تاركين له؛ لئلا يكون فيه مرض معدٍ يعديهم، وتركوه في هذا المكان وحده ﵊، فكسر أصنامهم. قال تعالى: ﴿فَرَاغَ﴾ [الصافات:٩١] راغ يروغ روغاً وروغاناً بمعنى: يميل ويتحرك بخفة، فتحرك إبراهيم سريعاً إلى هذه الأصنام، وراغ ومال عليها. قال تعالى: ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١]، يتهكم ويسخر من هذه الأصنام، وكانوا قد وضعوا طعاماً عند هذه الأصنام؛ لتحصل البركة لهذا الطعام حتى يرجعوا ويأكلوا منه. فقال ساخراً من قومه ومن أصنامهم: ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ [الصافات:٩١] أي: الطعام موضوع، فهل تأكلون من هذا الطعام؟ فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَنطِقُونَ﴾ [الصافات:٩٢]، وقد علم واستيقن أنهم لا ينطقون، ولكن على وجه الاستهزاء من هذه الآلهة الباطلة التي لا تنفع نفسها فضلاً عن غيرها. قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣] أي: سريعاً جرى إليهم بفأس بيده ﵊، وكسر هذه الأصنام جميعها، ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨]. فكان يقصد السخرية من هذه الأصنام وبعقول قومه حين يسألونه: من صنع هذا بآلهتنا؟ ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، فإن كان هؤلاء يأكلون ويشربون ويعقلون، فإن هذا الكبير هو الذي فعل ذلك.

стр. 2438

تفسير قوله تعالى: (فأقبلوا إليه يزفون) قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات:٩٤]، ذكر الله سبحانه أنه كسر هذه الأصنام بيمينه وبقوته وقدرته التي أعطاه الله سبحانه إياها، قال تعالى: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات:٩٣]، فأقبل القوم، ﴿إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، وفي سورة الأنبياء ذكر الله : ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء:٥٨]، ولما رجعوا ونظروا إلى ذلك: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، وكأن إبراهيم قد تكلم قبل ذلك حين أقسم بالله سبحانه فأسمع بعضاً من القوم فقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ [الأنبياء:٥٧]. فسمع البعض ذلك، وكأنهم في ذلك الوقت لم ينتبهوا ما الذي يقصده إبراهيم بذلك، فلما رجعوا وجدوا الأصنام قد كسرت، ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٥٩]، قال هؤلاء الذين سمعوه: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ [الأنبياء:٦٠ - ٦١] أي: أمام الناس حتى يشهدوا عليه بما صنع. وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾، هذه قراءة الجمهور، والقراءة الأخرى (إِلَيْهِ يُزِفُّونَ) قراءة حمزة، يزفه أي: يجري متعجلاً إلى المكان في شيء من الإسراع والتوجه إلى هذا المكان، فقالوا: ﴿يَزِفُّونَ﴾، أي: يمشون مشياً سريعاً، ويتحركون حركة بخفة في الجري فيها تقارب الخطا، فهم يندفعون ويسرعون ويدفع بعضهم بعضاً حتى يقبلوا على إبراهيم وينظروا ما الذي صنع!

стр. 2439

تفسير قوله تعالى: (قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون) فقال يجادلهم: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات:٩٥] أي: أتعبدون هذه الأصنام التي نجرتموها وصنعتموها من الخشب، ومن الحديد، ومن الحجارة؟! فقوله تعالى: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾، أي: ألا تعجبون من أنفسكم قد صنعتم الأصنام ثم عبدتموها من دون الله! قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] أي: هل نسيتم الله سبحانه الذي خلقكم وما تعملون؟ فالله خالق كل شيء ، خلق العباد، وخلق أفعال العباد ، (وما) هنا فيها معنيان: إما أن تكون موصولة، وإما أن تكون مصدرية، وكلاهما صحيح (ما) موصولة بمعنى: والله خلقكم والذي تعملون. إذاً: أنتم صنعتم هذه الأصنام من حجارة ومن نحاس وحديد ومن خشب، والله هو الذي خلق الحجارة والنحاس والحديد والخشب، فكيف تتركون الله الذي خلقكم، وخلق هذه الأشياء وتعبدون هذه المخلوقات؟! أين ذهبت عقولكم؟! وإذا كانت (ما) على المعنى الثاني، أي: مصدرية يعني: خلقكم وأعمالكم. إذاً: الله خالق العباد وأفعالهم، وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة، وكل شيء خلقه الله، والعبد يكتسب فعله ولا يخلقه، ولكن الخالق الله، والعبد اكتسب هذه الأفعال، ويجازى العباد على ما اكتسبوا من خير أو شر، فهم اختاروا، واكتسبوا، وفعلوا، والله يجازيهم على كسبهم وعلى اختيارهم. ولما وجد إبراهيم أنهم يريدون أن يعقلوا ذكر الله سبحانه أن إبراهيم: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] أي: اسألوا هذا الكبير، فهو الذي كسرها، وهذه واحدة من الكذبات الثلاث التي كذبها إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكانت في ذات الله، وكان حقيقتها التعريض في الكلام. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣] فيه تعليق الشيء على المستحيل مثل قولك: إن كنت أطير أصعد إلى السماء، وأنت تعلم أنك لا تطير فمستحيل أن تصعد إلى السماء. فكذلك هؤلاء يقول لهم إبراهيم: إن كان هؤلاء ينطقون فهذا الكبير هو الذي صنع بهم ذلك، وهم يعلمون يقيناً أنهم لا ينطقون، إذاً: لم يصنع الكبير شيئاً. قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤ - ٦٥]، إذاً: أين عقول هؤلاء القوم وهم يجادلون؟ ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ﴾، لم يرجعوا إلى عقولهم، بل رجع يلوم بعضهم بعضاً، ويقولون: نحن مخطئون، لماذا لم نجعل أحداً منا يحرس الأصنام؟! وإذا كانت تحتاج لمن يحرسها لا تصلح أن تكون آلهة، فقالوا ذلك، ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء:٦٤]، حيث لم تحرسوا أصنامكم، ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء:٦٥]، دون أن يفكروا في هذا الذي يقولونه، فهذه أصنام تحتاج لمن يحرسها فلا تصلح أن تكون آلهة، ورجعوا على أعقابهم، وانقلبوا على رءوسهم بغباء وقالوا لإبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: سنكيد لك مثل ما كدت لأصنامنا، قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧]، ورجعوا إلى أنفسهم وقالوا لإبراهيم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٥]، ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٥ - ٩٦].

стр. 2440

تفسير قوله تعالى: (ابنوا له بنياناً فألقوه فجعلناهم الأسفلين) إن إبراهيم ﵊ يناقش هؤلاء فلا يستطيعون أن يردوا عليه بالحجة، فيهزمهم في الرأي فيريدون أن يغلبوه بشيء ثانٍ غير الرأي، طالما ليس هناك فائدة في الرأي، فيقولون: ﴿ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧] يعني: يبنون له قرناً كبيراً جداً من ورائه سور عظيم ويضعون فيه الحطب والخشب حتى يوقدوا ناراً عظيمة فيحرقوا بها إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقوله تعالى: ﴿فِي الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٩٧] في ظنهم أنها جحيم، والجحيم: النار المستعرة، المتوقدة، فقالوا: ألقوه في الجحيم. فكانوا جميعهم يجمعون الحطب والحجارة ويلقونها في هذا المكان الذي سيرمون فيه إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ [الصافات:٩٨] أي: كادوا لإبراهيم، واحتالوا له الحيل بحيث إنه يكون في بناء محكم، ويرمونه من بعيد بالمنجنيق داخل هذه النار. وهزمهم الله ، وجعلهم الأخسرين، وجعلهم الأسفلين، ولم ينصرهم لا في حجة ولا بغلبة من قوتهم، فهزمهم الله ، إذ قال الله سبحانه: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]. روى البخاري عن ابن عباس ﵄ قال: في قول الله سبحانه: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]، قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. وروى البخاري أيضاً عن ابن عباس ﵄ قال: (كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: حسبي الله ونعم الوكيل)، أي: يكفيني الله. وكان كل من يعرض على إبراهيم المساعدة يقول: الله الذي يكفيني لا أحتاج إلى أحد إلا إلى الله، وكان آخر ما قاله إبراهيم ﵊ وهو يلقى في النار: حسبي الله ونعم الوكيل. جاء عن ابن عباس ﵁ قال: (بنوا حائطاً طوله في السماء: ثلاثون ذراعاً) يعني: حوالى خمسة عشر متراً، لكي يملئوه بالحطب، ويرموا فيه إبراهيم من بعيد على نبينا وعليه الصلاة والسلام، (فلما ألقوه في النار قال: حسبي الله ونعم الوكيل). وروى ابن ماجة، وأحمد من حديث نافع عن سائبة مولاة الفاكه بن المغيرة (أنها دخلت على عائشة فرأت في بيتها رمحاً موضوعاً، فتعجبت فقالت: يا أم المؤمنين! ما تصنعين بهذا؟ فقالت: نقتل به هذه الأوزاغ)، والوزغ: عبارة عن نوع من الأبراص وهو سام فالسيدة عائشة مجهزة الرمح في بيتها ﵂ لتقتل به الأوزاغ، وعللت فقالت: (فإن نبي الله ﷺ أخبرنا أن إبراهيم لما ألقي في النار لم تكن في الأرض دابة إلا أطفأت النار غير الوزغ). فالبشر كفروا بالله سبحانه، وجمعوا الحطب ليحرقوا إبراهيم ﵊، وما من دابة إلا وتذهب لتطفئ عن إبراهيم هذه النار التي أوقدها هؤلاء، إلا هذا الوزغ السام، كان ينفخ النار على إبراهيم ﵊، فأمر النبي ﷺ بقتله وسماه فويسقاً أو فاسقاً، ولكن أمر الله أسرع من هذا كله، فقد أتى أمر الله وتغيرت طبيعة النار نفسها، قال تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:٦٩]، ولو قال: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾، لكانت باردة فآذته ببردها، ولكن قال: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾، فكانت النار فيها السلامة لإبراهيم ﵊ باردة عليه، وهنيئاً له هذا الوقت الذي كان فيه. ونجاه الله من أعدائه، إذ هم لا يقدرون أن يقربوا من النار، ولو كانت النار: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا﴾ على الجميع لدخلوا إليه وأرادوا قتله بداخلها. ولكن النار التي أججوها خافوا أن يقربوا منها وكانت: ﴿بَرْدًا وَسَلامًا﴾، عليه، وهم يرونه وينظرون إليه من بعيد وهو في هذه النار في عيشة هنية ﵊، ويتعجبون لأمره حتى خرج إليهم يمشي من هذه النار ولم تحرق منه إلا ما كان أغلالاً وقيوداً عليه، وخرج سليماً معافى، فكان من الله المعجزة العظيمة في ذلك. فقوله تعالى: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ﴾ [الصافات:٩٨] أي: المغلوبين، المقهورين بالحجة وبأمر الله .

стр. 2441

تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) خرج إبراهيم من النار ولم يجد فيهم أملاً في الإيمان، فقال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ [الصافات:٩٩] أي: مهاجر من هذا المكان الذي تعبدون فيه الأوثان، وأذهب إلى ربي لأعبده سبحانه، وأدعو إليه سبحانه. وقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب: (سَيَهْدِيني). قال الله تعالى: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠]، فدعا ربه سبحانه أن يرزقه من يؤنس وحدته، وكان حتى هذا الحين ليس معه أحد إلا زوجته المؤمنة فدعا ربه أن يؤنسه بولد حليم، وولد صالح قال تعالى عنه: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٠ - ١٠١]، الغلام: من الغلمة والاغتلام، أي: الاشتداد ومعناه: أنه بلغ الحلم، وكأنها بشارة من الله له أنه سيولد لك ولد ويعيش في هذه الفترة، وقال: حليم، والصبي الصغير لا يوصف بأنه حليم، إنما الحليم يوصف به الكبير، فكأنها بشارة من الله أنه سيكون له الولد الذي يحلم ويكبر معه ويكون كبيراً ويسعى معه، فكان له إسماعيل بعد ذلك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2442

تفسير سورة الصافات [٩٩ - ١٠٢] لقد ابتلى الله سبحانه نبيه إبراهيم ﵇ ليكون أهلاً لحمل رسالة التوحيد، ففي هجرة إبراهيم من بلاد إلى بلاد بلاء له ﵇، فقد حصل له من المحن والمشاق ما جعله أهلاً لأن يكون خليل الله، وتتجلى في سورة الصافات طاعة إبراهيم ﵇ لربه، وطاعة ولده إسماعيل لربه ولأبيه وصبره وحلمه.

стр. 2443

تفسير قوله تعالى: (وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١٠٢]. يذكر الله قصة الذبيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآيات من سورة الصافات، قال عن إبراهيم الخليل ﵊: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، قال إبراهيم ﵊ ذلك بعد أنْ كسر أصنام القوم، وبعد ما أرادوا إحراقه ﵊، فنجاه الله من النار، وكان مولد إبراهيم في العراق في بلدة اسمها (أور) في جنوب العراق، وكان قومه يعبدون الأصنام وكان أبوه يصنع هذه الأصنام لقومه، فإبراهيم هداه الله إلى الحق، ودعا أباه فرفض أبوه أن يتابعه، ودعا قومه إلى عبادة الله سبحانه فأبوا، فلما خرجوا إلى عيد لهم قال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ [الأنبياء:٥٧] يعني: هذه الأصنام، فسار لها وكسرها وترك كبيرها وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء:٦٣].

стр. 2444

هجرة إبراهيم ﵇ من العراق إلى بلاد الشام أرادوا بإبراهيم كيداً فجعلهم الله الأخسرين، ونجاه من هؤلاء، ولما نجاه الله من النار ووجد أن هؤلاء القوم لا فائدة فيهم، فكر أن يهاجر من أرض قومه ويخرج إلى شمال العراق، وكان مولده في جنوب العراق فخرج إلى شمالها حتى وصل إلى حران، وهي الآن جزء من تركيا، فهاجر إبراهيم ﵊ وكان مقصده أن يذهب إلى بلاد الشام، فسافر عبر البحر الأبيض المتوسط حتى نزل بعد ذلك إلى بلاد الشام، فمن بلده من الجنوب إلى الشمال في حران، ثمَّ ينزل في بلاد الشام، ثمَّ يصل إلى مصر ويرجع ثانية إلى بلدة الخليل فيذهب إلى مكة، فكانت رحلته رحلة طويلة جداً وشاقة، وكلها بلاء واختبار ومحن ومنح من الله لإبراهيم الخليل صلوات الله وسلامه عليه. خرج إبراهيم من بلدته، وخرج معه في هذه الرحلة لوط ابن أخيه، وهو المؤمن الوحيد الذي آمن به، وكان معه امرأته سارة وهي المؤمنة الوحيدة من النساء، وذكروا أن ممن خرج معه أيضاً فاران أخو أبي لوط، وزوجة فاران هي أم لوط، وكانا كافرين ولم يكونا مسلمين، وذكروا أيضاً ممن خرج مع إبراهيم أبوه آزر وكان كافراً، وكأنه خاف على إبراهيم فخرج معه ليس مهاجراً إلى الله، ولكن خوفاً على ابنه، فخرج معه وتوجه إلى حران، وهنالك مات أبوه آزر في حران، ووجد إبراهيم أهل هذه البلدة كفاراً يعبدون الكواكب من دون الله . خرج من عند قوم يعبدون الأصنام إلى قوم يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، فناظرهم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله في سورة الأنعام: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٦ - ٧٨] أي: مما تعبدون من دون الله، وهنا وجه إبراهيم وجهه لله سبحانه، كما وجه وجهه لله من قبل مع قومه عباد الأصنام حين ناظرهم، وناظر الملك النمرود، وكان يدعي الربوبية والألوهية وغلبه إبراهيم ﵊، وهاجر إلى أقصى الشام وناظر عباد الكواكب من دون الله فأبهتهم وغلبهم، ثم بعد ذلك تركهم وانصرف إلى بلاد الشام، في رحلة طويلة جداً من تركيا حتى وصل إلى فلسطين ثمَّ الأردن، وهناك في الأردن ذهب لوط ﵊ إلى عمور وسدوم يدعو إلى الله بأمر الله، فكان نبياً من أنبياء الله، وهو ابن أخي إبراهيم، وتوجه إلى هذه البلدة بأمر الله سبحانه.

стр. 2445

هجرة إبراهيم إلى فلسطين ثم مصر وذكر ما حصل له مع فرعون وصل إبراهيم إلى فلسطين إلى بلدة الخليل وسميت باسمه بعد ذلك، يعبد الله ويدعو إلى الله ، وهنالك حدثت مجاعة فتوجه إبراهيم إلى مصر ليتزود منها، ولما وصل إلى مصر وجدهم كفاراً يعبدون غير الله سبحانه، وإذا بفرعون مصر يعلم أن إبراهيم معه امرأة من أجمل نساء العالمين، فأراد أن يأخذها، وخاف إبراهيم من هذا الفرعون، فقال لامرأته: إني سأخبره أنك أختي، ولو قال له إنها زوجته لقتل إبراهيم ﵊، ففي كل بلدة يبتلى فيها إبراهيم ﵊، وهذه من المحن العظيمة التي يريه الله بها فضله عليه سبحانه، بأن ينجيه من كل محنة من المحن، وإذا بهذا الرجل يريد أن يأخذ سارة، فدعت ربها سبحانه على ما فصلنا قبل ذلك، وأصاب الله هذا الفرعون بالصرع، وكان يأخذ عنها أخذاً شديداً حتى يلقى على الأرض ويضرب برجله على الأرض، ويطلب منها أن تدعو له وأن يتركها، مرة واثنتين وثلاثة يحدث به ذلك، وفي النهاية يخدمها هاجر وتأخذ سارة هاجر وتنطلق إلى إبراهيم ﵊، وحتى هذا الحين لم يكن لإبراهيم ولد من امرأته سارة، وقد مضى على زواجه منها عشرون سنة، فأحبت سارة أن يكون لإبراهيم الولد، فوهبت له هاجر ووطأ إبراهيم هاجر وكان له منها إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هذا الغلام الحليم الذي ذكر الله : ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]، قال ذلك وهو في جنوب العراق لما ترك قومه عباد الأصنام، بعد محنة النار، وتوجه إلى الشمال.

стр. 2446

تفسير قوله تعالى: (رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم) دعا إبراهيم ربه فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١٠٠] أي: يدعو ربه أن يعطيه غلاماً صالحاً، قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، والغلام الحليم: الذي عنده حلم، والذي ابتلي فصبر فكان حليماً، وهو إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالآية دليل على أن الذبيح هو إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وإن كان اختلف المفسرون في ذلك، فذهب بعض كبار المفسرين كالإمام الطبري وأيضاً القرطبي والبعض من التابعين إلى أن الذبيح إسحاق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام! ولكن الآية تأبى هذا المعنى، قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠١]، فالذي كان به هذا الحلم هو الذي أُمِرَ إبراهيم ﵊ بذبحه وهو إسماعيل، وكان إبراهيم ﵊ قد وطأ هاجر، فكان له منها هذا الغلام الحليم الذي أمر بذبحه، وقد بشر الله إبراهيم بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، أي: بشره بأن يكون له إسحاق من سارة، ومن وراء إسحاق سيأتي له ولد اسمه يعقوب، فإذا كان ربنا سبحانه يبشر إبراهيم ﵊ بأن إسحاق سيكبر ويبلغ ويخلف، ويجيء منه يعقوب، فكيف تكون هذه البشارة يقطعها الله بأن يأمر بذبحه؟! والله يقول: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [يونس:٥٥]، ويقول أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]، فقد بشر الله إبراهيم ﵊ بأن إسحاق سيعيش وسيكون له الولد وإنما الذي أمر بذبحه إسماعيل ﵊.

стр. 2447

تفسير قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي قال يا بني) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]. هذه فتنة أخرى ومحنة أخرى لإبراهيم ﵊ بعد هذا العمر المجيد الطويل في الدعوة إلى الله سبحانه، يولد له هذا الولد، وبعدما جاوز إبراهيم الثمانين من عمره ﵊، وفوق ذلك يأتيه هذا الغلام الحليم، والذي لم يكن معه في بلده، فإنَّ إبراهيم ﵊ مجرد أن ولد له إسماعيل إذا بـ هاجر تعلو بنفسها على سيدتها سارة، فتغيضت منها سارة ولم تطق بوجودها، فأمرت إبراهيم أن يغيبها، وتحلف بالله أن تقطع منها أعضاء، فإذا بالله سبحانه ﵎ يجعل لها ما تبر به عن يمينها، بأن تثقب أذنها، وتختنها فكانت سنة، ثم أمر إبراهيم أن يأخذها ويذهب بها إلى مكة.

стр. 2448

هجرة إبراهيم إلى مكة بإسماعيل وأمه هاجر الله سبحانه بحلمه ورحمته نظر إلى سارة أنها صبرت مع إبراهيم عمراً طويلاً، فيأمر إبراهيم بأن يأخذ ابنه وأم ابنه إلى مكة ويتركها هنالك، وهذا بلاء آخر لإبراهيم ﵊، حيث إنه سيحرم من رؤية ابنه وليس هو الذي سيربيه، فأمره الله أن يذهب به إلى مكة ويتركه؛ حتى لا يكون في قلب إبراهيم مكان إلا لله وحده لا شريك له، فيذهب به إلى هنالك ويتركه مع أم ولده وهي هاجر في مكة في أرض لا أحد فيها، ولا ماء فيها ولا زرع، ويعطيها سقاء في إناء، وجراباً فيه تمر ويتركها، وهي تقول: إلى من تتركني في هذا المكان الذي لا إنس فيه ولا ماء ولا طعام؟! ويتركها وينصرف حتى لا يظهر التأثر أمامها، ثمَّ تسأله مرات، فإذا بها تقول: آلله أمرك بذلك؟ قال: نعم، قالت: إذاً فلا يضيعنا. فكان عندها الثقة بالله ، وأن الله طالما أمر إبراهيم بذلك فإن الله لن يضيعها هي وابنها، وتركها، فلما توارى عنها وراء ثنية، أي: أكمة مرتفعة دعا ربه سبحانه، وأظهر حزنه، وأظهر الشفقة التي كان يخفيها عن هاجر وعن ابنها، قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم:٣٧]، فيدعو ربه سبحانه ويستجيب الله له، فيأتي إلى هذا المكان وفد من جرهم ويقيمون في هذا المكان. والغرض أن الله إذا قطع عن إبراهيم شيئاً، فالله يصله دائماً، ويتعرض إسماعيل للبلاء في هذا المكان وأمه كذلك، فالأم ترى ابنها يكاد يموت أمامها، ولا لبن في ثديها ولا طعام، وتذهب من جبل الصفا إلى جبل المروة ذاهبة آتية، وتدعو ربها سبحانه حتى يظهر لها جبريل ﵇ ويبحث بعقبه في الأرض، فتخرج زمزم العين المعين، التي تكون للخلق جميعهم إلى يوم الدين، نعمة من الله وشفاء سقيم، وطعام جائع، فمن شرب من زمزم وسأل الله فالله يعطيه بفضله وبكرمه سبحانه. ويشب إسماعيل ويأتي أبوه إليه، ويأخذه ويتوجه به إلى مكان ويقول: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وهو ما زال غلاماً، والغلام: الشاب الصغير، في هذا الوقت يأتيه أبوه ويقول: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات:١٠٢] أي: رؤيا منامية، ﴿أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، وكأنه يشاوره، وإن كان في الحقيقة أنَّ إبراهيم سينفذ أمر الله سبحانه، ولكن يريد أن يطيب خاطر ابنه ويطيب قلبه لهذا الشيء، وكأنه يقول: ما رأيك؟ ربي يأمرني أنني أذبحك! ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، فإذا بولده إسماعيل يقول: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وقراءة حفص عن عاصم: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ [الصافات:١٠٢]، وقراءة الجمهور: (يا بنيِّ إني أرى في المنام أني أذبحك). وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر: (إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى). وقوله تعالى: (ماذا ترى) قرأها الجمهور: ﴿تَرَى﴾، وقرأها حمزة والكسائي وخلف: (تُرِى) بالبناء للمجهول، وأيضاً بالإمالة؛ لأن قراءتهم لهذه الكلمة بالإمالة. قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢]، فقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ﴾ [الصافات:١٠٢]، هذه قراءة الجمهور، وقرأها ابن عامر وأبو جعفر: (قَالَ يَا أَبَتَ). قال تعالى: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، فظهر حلم إسماعيل ﵊ حين قال لأبيه ذلك، ويقول: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وهذه إشارة من الله لإبراهيم أنه بشره بغلام حليم، فالحلم من الصبر، والصبر كذلك من الحلم، فكان ما قصه الله . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2449

تفسير سورة الصافات [٩٩ - ١١٣] امتحن الله نبيه إبراهيم بأمره بذبح ابنه إسماعيل، فكان التسليم منهما جميعاً، ففدى الله إسماعيل بكبش من السماء جزاء إحسانهما، وصارت الأضاحي سنة من بعده، والإنسان قد يكون صالحاً ولكن لا يمنع ذلك أن يكون من ذريته الصالحون المحسنون والظالمون المسيئون.

стр. 2450

تفسير قوله تعالى: (فلما بلغ معه السعي) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:٩٩ - ١١١]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لما دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وكسر أصنامهم وسفه معبوداتهم، واجتمعوا أن يكيدوا له كيداً عظيماً وأن يلقوه في النار ليحرقوه، فأنجاه الله من النار فأرادوا به كيدا فجعلهم الله الأسفلين والأخسرين. قال إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩]. فخرج مهاجراً إلى الله، وإبراهيم كان مولده في جنوب العراق في بلدة اسمها أور، وهاجر من هذا المكان إلى شمال العراق إلى حران وهي في تركيا الآن، ووجد قومها يعبدون الكواكب من دون الله سبحانه، وناظرهم وأبهتهم وغلبهم بالحجة، وتركهم وهاجر إلى الله سبحانه إلى بلاد الشام، ودعا ربه سبحانه ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٠ - ١٠١]. فبشره الله بغلام حليم، يولد له، ووصفه بهذه الصفة أنه حليم، وكأنه يستعد هذا الغلام لأمر من الأمور التي يبتلى بها كما ابتلي أبوه ﵊، هذا الغلام هو إسماعيل الذي ولد لإبراهيم بعد هجرته من حران في شمال العراق أو في تركيا، ونزل اتجاه البحر المتوسط إلى بلاد الشام، وهنالك أقام إبراهيم فترة وبشره الله بالغلام الذي ولد له، وحدثت مجاعة في بلاد الشام، فجاء إبراهيم إلى مصر، وأخذ فرعون مصر منه زوجته في قصة ذكرناها قبل ذلك، وأهدى لها هاجر، فهي أمة لـ سارة وسارة أهدتها لإبراهيم، وسارة كانت عقيمة، فوهبت هذه الجارية لإبراهيم ﵊ لعله يكون له منها الولد، فكان الولد الذي بشر الله به الغلام الحليم، جاء على كبر سن إبراهيم ﵊، وأمره الله أن يأخذ هذا الولد ويذهب به إلى مكة ويتركه هناك كما ذكرنا في الحديث السابق، ولما بلغ معه السعي، أي: أنه أدرك السعي مع والده في شئونه، وبلغ الحلم ثلاث عشرة سنة أو فوقها، إذا بأبيه يأتي إليه ويقول: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]. قال: (يَا بُنَيَّ) هذه قراءة حفص عن عاصم وباقي القراء يقرءونها: ((يَا بُنَيِّ إِنِّي أَرَى)). أيضاً قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾، يقرؤها نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر: ((إِنِّيَ أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)). وهذا من إبراهيم نوع من تطييب الخاطر وتطييب القلب لابنه، وإلا فهو سينفذ أمر الله . وقوله: ﴿فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: (تُرى) بالبناء للمجهول والإمالة. ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وكان الجواب من هذا الغلام الذي وصفه الله بالحلم أنه عاقل ويتروى في أمره ويصبر، فهو غلام حليم، كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. ستجدني إن شاء الله من الصابرين، والبلاء بلاء عظيم، إذ إنه سيذبح؛ ولذلك استثنى وقدم مشيئة الله ، وكان من المتوقع أنه سيفزع، ولكن قال: إن شاء الله، قال الله تعالى: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. وقراءة الجمهور: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٠٢]، وقراءة نافع وأبي جعفر: ((سَتَجِدُنِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ)).

стр. 2451

تفسير قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين) قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: أسلما أمرهما لله سبحانه، استسلم الغلام لأمر الله سبحانه وسلم نفسه لأبيه، وأوثقه أبوه، قال تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، وتل الشيء بمعنى: وضعه، وهنا كأنه ألقاه للجبين، وهذه من رحمة إبراهيم ﵊، وذكر أنها بمشورة إسماعيل، إذ خشي أن أباه لا يقدر أن يذبحه، فطلب من أبيه أن يذبحه من قفاه؛ لأنه لعله ينظر إلى وجهه فيصعب عليه تنفيذ أمر الله، فألقاه على جبينه، وجعل وجهه إلى الأرض حتى لا يرى وجهه.

стр. 2452

تفسير قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم) قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات:١٠٤]. الواو تفيد مطلق العطف، ولم يقل: فناديناه للترتيب والتعقيب؛ لأن الأمر جاء سريعاً من الله سبحانه، فكانت الواو أسرع من الفاء ومن ثم، فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾. فالأمر لإبراهيم امتحان، ونجح إبراهيم في الامتحان، قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥]. أي: أنت صدقت واستيقنت بأمر الله سبحانه، وأظهرت أن حبك لله فوق حبك لولدك، وفوق حبك لكل شيء ونجحت في الامتحان، فلا تفعل شيئاً، قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥].

стр. 2453

تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين وفديناه بذبح عظيم) قال الله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] أي: كهذا الجزاء العظيم الذي جازينا به إبراهيم ﵊، كذلك نجزي كل إنسان يحسن في عبادته لله سبحانه، وننجيه من الكرب والغم كما نجينا إبراهيم، ونجينا ابنه كذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ﴾ [الصافات:١٠٦] أي: الاختبار والامتحان الصعب، الشديد المبين، فهو بين تماماً صعوبة هذا الامتحان الذي اجتازه إبراهيم ﵊ ونجح فيه، فهو البلاء البين الواضح الجلي. وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، فدى الله إسماعيل بكبش عظيم، وصفه الله بذلك بأنه عظيم، أي: في هيئته وفي منظره، ومن هنا جاء استحباب التضحية بالكبش العظيم. فآتاه الله مع جبريل كبشاً أقرن، وكانت قرون هذا الكبش معلقة في الكعبة حتى فتح النبي ﷺ مكة، وأمر ﵊؛ حتى لا تشغل من يصلي، وهذا من الأدلة على أن الذبيح كان إسماعيل وليس إسحاق، فإن إسحاق لم يذهب إلى هنالك، إنما الذي ذهب إلى هنالك هو إسماعيل، فقد عاش وتربى هنالك، وفداه الله بالذبح العظيم.

стр. 2454

تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين) قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٨] أي: تركنا على إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الثناء الحسن في الآخرين، في الأمم التي تخلف وتأتي بعده إلى يوم الدين، فكل من يذكر إبراهيم من أهل كل ملة يصلون ويسلمون عليه، ويقولون: ﵊. قال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الصافات:١١٠]، أي: كهذا الجزاء العظيم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١١٠]. وكرر ذلك مرتين: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥]. الأولى نجزي المحسنين بأن ننجيهم من الغم ومن الكرب ومن الهم، فالإنسان الذي يريد من الله أن يستجيب له في الضراء فليكن محسناً، وليكن مؤمناً، وليتقرب إلى الله في وقت الرخاء، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (من سره أن يستجاب له في الضراء فليكثر من الدعاء في الرخاء) فالذي يعود نفسه على كثرة الدعاء في وقت الرخاء والسعة والغنى، فهذا جدير أن يستجاب له إذا نزلت به مصيبة؛ لأنه متعود في وقت النعمة على أن يدعو ربه، والعادة في الإنسان أن طبيعته عجيبة، كما يقول الله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]. فالإنسان إذا وجد نفسه مستغنياً يترك العبادة ولا يدعو ربه ! فالإنسان يجاوز حده ويترك عبادة ربه إذا رأى نفسه قد استغنى في زعمه، لذلك فإن الذي يستجيب لله في وقت البلاء هو ذلك الإنسان الذي اعتاد على حسن العبادة لربه سبحانه في كل أحواله. فكأنه في الأولى قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] أي: ننجيه من الغم، وفي الثانية قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١١٠] يعني: يثني عليهم ويأتي بعدهم من يذكرهم بخير، فالله يجعل الذكر الجميل والثناء الحسن للإنسان الذي يحسن في عبادة ربه سبحانه.

стр. 2455

تفسير قوله تعالى: (إنه من عبادنا المؤمنين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١١]. (إنَّ) هنا تعليلية، أي: لأنه من عبادنا المؤمنين، أو توكيد وتحقيق، أي: إن إبراهيم كان حقيقاً بذلك، فهو مؤمن ﵊، وهو الذي لم يشك في ربه أبداً، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) والمعنى: لو كان إبراهيم يشك، لكنا نحن أولى بالشك منه، ومعلوم أننا نحن لا نشك، ومستحيل أن يشك إبراهيم في قدرة ربه سبحانه وقد وصفه الله بأنه من المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١١].
следующие страницы →