Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
تفسير قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣] أي: أسلما أمرهما لله سبحانه، استسلم الغلام لأمر الله سبحانه وسلم نفسه لأبيه، وأوثقه أبوه، قال تعالى: ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات:١٠٣]، وتل الشيء بمعنى: وضعه، وهنا كأنه ألقاه للجبين، وهذه من رحمة إبراهيم ﵊، وذكر أنها بمشورة إسماعيل، إذ خشي أن أباه لا يقدر أن يذبحه، فطلب من أبيه أن يذبحه من قفاه؛ لأنه لعله ينظر إلى وجهه فيصعب عليه تنفيذ أمر الله، فألقاه على جبينه، وجعل وجهه إلى الأرض حتى لا يرى وجهه.
стр. 2452
تفسير قوله تعالى: (وناديناه أن يا إبراهيم)
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات:١٠٤].
الواو تفيد مطلق العطف، ولم يقل: فناديناه للترتيب والتعقيب؛ لأن الأمر جاء سريعاً من الله سبحانه، فكانت الواو أسرع من الفاء ومن ثم، فقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾.
فالأمر لإبراهيم امتحان، ونجح إبراهيم في الامتحان، قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات:١٠٥].
أي: أنت صدقت واستيقنت بأمر الله سبحانه، وأظهرت أن حبك لله فوق حبك لولدك، وفوق حبك لكل شيء ونجحت في الامتحان، فلا تفعل شيئاً، قال تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥].
стр. 2453
تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين وفديناه بذبح عظيم)
قال الله تعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] أي: كهذا الجزاء العظيم الذي جازينا به إبراهيم ﵊، كذلك نجزي كل إنسان يحسن في عبادته لله سبحانه، وننجيه من الكرب والغم كما نجينا إبراهيم، ونجينا ابنه كذلك.
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ﴾ [الصافات:١٠٦] أي: الاختبار والامتحان الصعب، الشديد المبين، فهو بين تماماً صعوبة هذا الامتحان الذي اجتازه إبراهيم ﵊ ونجح فيه، فهو البلاء البين الواضح الجلي.
وقوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧]، فدى الله إسماعيل بكبش عظيم، وصفه الله بذلك بأنه عظيم، أي: في هيئته وفي منظره، ومن هنا جاء استحباب التضحية بالكبش العظيم.
فآتاه الله مع جبريل كبشاً أقرن، وكانت قرون هذا الكبش معلقة في الكعبة حتى فتح النبي ﷺ مكة، وأمر ﵊؛ حتى لا تشغل من يصلي، وهذا من الأدلة على أن الذبيح كان إسماعيل وليس إسحاق، فإن إسحاق لم يذهب إلى هنالك، إنما الذي ذهب إلى هنالك هو إسماعيل، فقد عاش وتربى هنالك، وفداه الله بالذبح العظيم.
стр. 2454
تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين)
قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٨] أي: تركنا على إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الثناء الحسن في الآخرين، في الأمم التي تخلف وتأتي بعده إلى يوم الدين، فكل من يذكر إبراهيم من أهل كل ملة يصلون ويسلمون عليه، ويقولون: ﵊.
قال الله سبحانه: ﴿كَذَلِكَ﴾ [الصافات:١١٠]، أي: كهذا الجزاء العظيم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١١٠].
وكرر ذلك مرتين: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥].
الأولى نجزي المحسنين بأن ننجيهم من الغم ومن الكرب ومن الهم، فالإنسان الذي يريد من الله أن يستجيب له في الضراء فليكن محسناً، وليكن مؤمناً، وليتقرب إلى الله في وقت الرخاء، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (من سره أن يستجاب له في الضراء فليكثر من الدعاء في الرخاء) فالذي يعود نفسه على كثرة الدعاء في وقت الرخاء والسعة والغنى، فهذا جدير أن يستجاب له إذا نزلت به مصيبة؛ لأنه متعود في وقت النعمة على أن يدعو ربه، والعادة في الإنسان أن طبيعته عجيبة، كما يقول الله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧].
فالإنسان إذا وجد نفسه مستغنياً يترك العبادة ولا يدعو ربه ! فالإنسان يجاوز حده ويترك عبادة ربه إذا رأى نفسه قد استغنى في زعمه، لذلك فإن الذي يستجيب لله في وقت البلاء هو ذلك الإنسان الذي اعتاد على حسن العبادة لربه سبحانه في كل أحواله.
فكأنه في الأولى قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٥] أي: ننجيه من الغم، وفي الثانية قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١١٠] يعني: يثني عليهم ويأتي بعدهم من يذكرهم بخير، فالله يجعل الذكر الجميل والثناء الحسن للإنسان الذي يحسن في عبادة ربه سبحانه.
стр. 2455
تفسير قوله تعالى: (إنه من عبادنا المؤمنين)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١١].
(إنَّ) هنا تعليلية، أي: لأنه من عبادنا المؤمنين، أو توكيد وتحقيق، أي: إن إبراهيم كان حقيقاً بذلك، فهو مؤمن ﵊، وهو الذي لم يشك في ربه أبداً، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) والمعنى: لو كان إبراهيم يشك، لكنا نحن أولى بالشك منه، ومعلوم أننا نحن لا نشك، ومستحيل أن يشك إبراهيم في قدرة ربه سبحانه وقد وصفه الله بأنه من المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١١].
стр. 2456
تفسير قوله تعالى: (وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين)
قال تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢] هذه البشارة الثانية، إذ كانت البشارة الأولى بالغلام الحليم وهو إسماعيل، وجاء الغلام الثاني، وبين الاثنين ثلاث عشرة سنة، فإسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة، فكافأ الله إبراهيم بأن يكون له ولد من سارة، من زوجته العجوز العقيم التي صارت كبيرة في السن ومثلها لا يلد، فكانت هذه معجزة من الله سبحانه، أن يصير لها الولد، فبشر بإسحاق وأنه سيكون نبياً، ومعلوم أن الأنبياء لا يكونون في سن صغير وهم أطفال، ولكن يكون نبياً عندما يدرك ويبلغ ويكون كبيراً، والعادة في الأنبياء أنهم ينبئون بعد سن الأربعين، إلا عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام نبئ وهو صغير، فكون ربنا يبشر إبراهيم بإسحاق، وأن إسحاق سيكون نبياً فهذه بشارة بعد بشارة، وهذا ينافي أن الله يأمره بذبحه، وهنا في هذه الآيات لما أمر الله إبراهيم في الرؤيا أن يذبح ولده، جاء في التوراة وغيرها أنه يذبح بكره، وبكره كان إسماعيل، إذ هو أكبر من إسحاق، فهنا البشارة بأن إسحاق سيكبر وسيصير نبياً وسيكون له العقب بعد ذلك.
قال تعالى: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ [الصافات:١١٣] أي: جعلنا البركة في إبراهيم، وجعلناها أيضاً في إسحاق، يعني: في الذرية الكثيرة؛ لأن ذرية إسحاق منها كل الأنبياء ما عدا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، هو وحده من ذرية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ [الصافات:١١٣] أي: إبراهيم وإسحاق: ﴿مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣].
والمعنى: أن الأب قد يكون صالحاً، والأولاد قد يكون فيهم الصالحون وقد لا يكون فيهم ذلك، فهذا إبراهيم ﵊ وابنه إسحاق من ذريتهما الأنبياء، ولكن لا يمنع إذا كانت الذرية فيها الأنبياء وهم أفضل خلق الله عليهم الصلاة والسلام أن يكون فيهم غير ذلك ممن يعصون الله ، فمن ذرية إسحاق جاء يعقوب بعد ذلك وجاء الأسباط، وجاء منهم بنو إسرائيل، وعرفنا كيف صنع بنو إسرائيل مع ربهم ، في كثرة تكذيبهم وإعراضهم ومناوشاتهم لأنبيائهم عليهم الصلاة السلام، فهنا يخبرنا ربنا أن من هذه الذرية الصالحون المحسنون، ومنهم المسيئون الظالمون ظلماً بيناً واضحاً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، وكل إنسان يحمل إثمه معه يوم القيامة؛ ولذلك قام النبي ﷺ فنادى الناس وعم وخص، دعا القبائل ودعا بني هاشم، وخص من هؤلاء أقرب الناس إليه فاطمة ﵂، وقال للجميع: (لا أغني عنكم من الله شيئاً، لا أغني عنكم من الله شيئا) فهذا النبي ﷺ يقول لابنته فاطمة التي هي بضعة منه ﵊: (لا أغني عنك من الله شيئاً) فكيف بغيرها؟ فعلى ذلك الإنسان لا ينظر إلى صلاح أبيه، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، فلا هو الذي سيحمل اسمك، ولا أنت الذي ستأخذ فضله، ولكن: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨].
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2457
تفسير سورة الصافات [١١٤ - ١٢٧]
يمن الله سبحانه على بعض خلقه بالنبوة والرسالة وبالثناء الجميل بين الناس، وقد ذكر سبحانه في سورة الصافات قصص بعض الأنبياء مع أنبيائهم ذكراً سريعاً، وهذا أيضاً من حسن سياق كتاب الله وقوة بلاغته.
стр. 2458
تفسير قوله قوله تعالى: (ولقد مننا على موسى وهارون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ * وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ * وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١١٤ - ١٣٢].
ذكر الله قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام وكيف دعا قومه إلى عباده الله سبحانه وكسر أصنامهم، ثم هاجر من بين أظهرهم وقال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات:٩٩] فبشره الله سبحانه بغلام حليم وكان من أمره ما كان، وأمر الله بذبحه، فنفذ أمر الله سبحانه ﵎ ففداه الله بذبح عظيم، وهذا الغلام الذي فداه الله هو ولد هاجر، واسمه إسماعيل على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وبينه وبين إسحاق ثلاث عشرة سنة، وإسحاق هو ابن سارة، فبشره الله سبحانه أنه سيولد له ولد من زوجته العجوز الكبيرة، ويكون نبياً من بعده، وسيكون له عقب من ذريته، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود:٧١] أي: إسحاق سيكون نبياً وسيكون له الولد وهو يعقوب.
قال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات:١١٢] ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ [الصافات:١١٣] أي: من ذرية إبراهيم وإسحاق المحسن ومنهم الظالم لنفسه ظلماً بيناً، قال تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١١٣]، فالمحسن من ذريتهما هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والرسل، كذلك المؤمنون الأتقياء والأولياء وغير ذلك من عباد الله سبحانه، ومنهم الذين يظلمون أنفسهم ظلماً بيناً، فيعبدون غير الله سبحانه، فمن ذرية هؤلاء جاء من عبد غير الله سبحانه وادعى الشرك لله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] فهؤلاء يقولون: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فيزعمون أنهم لله بمنزلة الولد وأنه يحبهم ويرحمهم، فقال لهم سبحانه موبخاً لهم: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة:١٨] أي: عبيد من عبيد الله سبحانه كغيركم من العبيد يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠] ثم يزعمون أن الله لا يعذبهم، فهؤلاء الذين عبدوا غير الله سبحانه وزعموا الصاحبة والولد لله هم الذين ظلموا أنفسهم ظلم بيناً عظيماً بدعائهم الولد لله والشريك له حاشى له .
ثم قال الله : ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤] هذان من ذرية إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، إبراهيم ابنه إسحاق، وإسحاق ابنه يعقوب وهو إسرائيل، ويعقوب ذريته الأسباط، ومن أبناء يعقوب لاوي، ومن أحفاد هذا الابن كان موسى بن عمران وأخوه هارون بن عمران عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، فموسى وهارون من أحفاد يعقوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ومن نفس هذه الذرية إلياس، فهو من أبناء هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ويرجعون في النهاية إلى يعقوب، ويعقوب هو إسرائيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤] من الله عليهما، وذكر قصة موسى في القرآن في مواضع كثيرة، يذكر موسى ويذكر رسالته، ويذكر دعوته لبني إسرائيل، فهو من أكثر الأنبياء ﵊ ذكراً في القرآن، فهو من أولي العزم من الرسل، وقد أمر النبي ﷺ أن ينظر في قصته وأن يعتبر بذلك، وقد كان إذا أوذي ﷺ يقول: (رحم الله أخي موسى! لقد أوذي أكثر من هذا فصبر) فهو صاحب الشريعة التي كانت قبل شريعة النبي ﷺ ، فالمسيح عمل بشرع موسى ﵊ بتوراته، فموسى صاحب كتاب وصاحب شريعة، إذ حكم بين الناس بالتوراة، فقد نزلت التوراة فيها هدى ونور، وجاء القرآن شريعة بعد التوراة، أما الإنجيل فكان كتاباً فيه موعظة يعظ الله بها بني إسرائيل، وأما الحكم فكان بالتوراة؛ فلذلك الشريعة التي سبقت شرع محمد صلوات الله وسلامه عليه هي التوراة التي نزلت على موسى، ويوضح ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى﴾ [هود:١٧] أي: من قبل هذا القرآن وقبل محمد ﷺ كتاب موسى، إذ كان عيسى يحكم بهذه التوراة، فلم يكن له شريعة مستقلة، وهو أحد أولي العزم من الرسل، وهو ممن ابتلاهم الله سبحانه، فحكم بالتوراة، ثم رفعه الله إليه، فإذا نزل في آخر الزمان حكم بالقرآن العظيم، فصاحب الشريعة قبل النبي ﷺ هو موسى ﵊، وقد من الله وتفضل وأعطى النعم لموسى وهارون وأعظم نعمة الله سبحانه عليهما أن جعل موسى رسولاً وجعل هارون نبياً ووزيراً لموسى ﵊، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١١٤].
стр. 2459
تفسير قوله تعالى: (ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم)
قال تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:١١٥] نجى الله موسى ونجا هارون من الكرب العظيم، والكرب العظيم هو الذي ابتلي به بنو إسرائيل في مصر فكانوا أرقاء لفرعون وقومه وجنوده، فالله نجى موسى وهارون ولم يتعرضا لذلك، فموسى تربى في بيت فرعون، وكان موسى يأمر وينهى، وأعطاه الله ما شاء من فضل وكرم عليه، وكذلك نجاه من الغرق سبحانه، فأغرق فرعون وجنوده، ونجاه هو وبني إسرائيل من الغرق، ونجاهم من ظلم فرعون بفضله .
قال الله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات:١١٦] أي: نصرنا موسى وهارون ومن اتبعهما من المؤمنين فكانوا المغالبين، فأهلك الله فرعون وجنوده، وأظهر موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام فكانوا هم الغالبين ومن اتبعهما من المؤمنين.
إذاً: (نَصَرْنَاهُمْ) أي: نصرنا المؤمنين موسى وهارون ومن معهم من المؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا﴾ [الصافات:١١٧] هذا كان لموسى وهارون على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، آتاهما الكتاب المستبين، والذي نزل عليه الكتاب هو موسى ﵊، وهارون تابع لموسى وهو نبي، فموسى رسول ونبي، والمطلوب منه أن يبلغ رسالة وأن يبلغ شريعة، فهو صاحب كتاب، أما هارون فهو نبي يوحى إليه، ولكن ليس صاحب رسالة، فهو يبلغ ما يأمره به موسى ﵊.
قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ [الصافات:١١٧] المستبين: الذي استبانه الناس وتبينوا صدقه وتبينوا نوره وظهر الحق الذي فيه، يقال: هذا كتاب بين، أي: جلي واضح لا لبس فيه ولا غموض فيه، بل هو نور من الله سبحانه.
قال الله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا﴾ [الصافات:١١٨] أي: موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٨] أي: الطريق القويم، وهو دين الله الإسلام العظيم الذي دعا إليه كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، قال نوح ﵊: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، وقال موسى لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، فهي دعوة الله سبحانه لكل خلقه أن يكونوا على هذا الإسلام العظيم، أن يسلموا أنفسهم وقلوبهم ويوجهوا وجوههم إلى الله الواحد لا شريك له، ويعبدونه لا يشركون به شيئاً.
وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾ تقرأ بثلاث قراءات: الصراط بالصاد، والسراط بالسين، والزراط بالزاي إشماماً، تشم السين حرف الزاي، يقرؤها بالسين: قنبل عن ابن كثير ورويس، وباقي القراء يقرءون هذه الكلمة بالصاد، ويقرؤها خلف عن حمزة: (الزراط المستقيم)، ويقرؤها خلاد بخلفه، والمعنى واحد في الجميع، ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٨] أي: الطريق القويم إلى الله ، هذه الشريعة العظيمة شريعة الإسلام.
стр. 2460
تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليهما في الآخرين)
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:١١٩] أي: تركنا على موسى وهارون، ﴿فِي الآخِرِينَ﴾ أي: أثنينا عليهما، ووضعنا لهما الثناء الحسن على ألسنة الخلق الذين يأتون بعد ذلك، فيذكرون موسى وهارون بالتسليم وبالثناء وبالمدح لما فعلاه وبلغاه من رسالة الله سبحانه، وتركنا عليهما في الآخرين الثناء الجميل، ومن هذا الثناء الجميل: ﴿سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات:١٢٠] أي: كل من يذكر موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام يسلم عليهما كما ذكر الله سبحانه.
стр. 2461
تفسير قوله تعالى: (إنا كذلك نجزي المحسنين)
قال الله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٢١] أي: إنا كهذا الجزاء العظيم نجزي المحسنين، قال: (كَذَلِكَ) ذلك: اسم إشارة للبعيد، واسم إشارة للشيء المعظم، أي: كذلك الذي تركناه عليهما من فضلنا العظيم وأثنينا عليهما وجعلنا الثناء الحسن على ألسنة الخلق، نفعل بكل إنسان محسن، نترك له ذكراً جميلاً وثناءً حسناً على ألسنة من يأتون بعده، فيذكرون الإنسان المحسن، يقولون: ﵀ كان رجلاً محسناً، ويذكرون من فضله فيدعون له، فالله يجعل ذلك على ألسنة من يشاء من خلقه؛ ولذلك جاء في حديث عن النبي ﷺ في الإنسان الذي يتوفى إذا تكلم الناس عنه بخير: (أنتم شهداء الله في الأرض، وقال: وجبت وجبت وجبت) أي: وجبت له الجنة بثناء الناس عليه، وآخر أثنى الناس عليه شراً فقال: (وجبت وجبت وجبت) أي: وجبت له النار؛ لأنهم شهداء الله في الأرض.
فالله يجعل ملائكة تنطق على لسان أحدكم، فالنطق يكون شيئاً عفوياً، فقد يكون إنسان لا يقصد شيئاً فيتذكر فلاناً فيقول: الله يرحمه، لقد كان رجلاً طيباً، وكان رجلاً صالحاً، فالملائكة تجعله ينطق بذلك، فيكون الثناء الحسن من الله على هذا الإنسان.
стр. 2462
تفسير قوله تعالى: (إنهما من عبادنا المؤمنين)
قال تعالى: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٢٢] أي: لأنهما من عبادنا المؤمنين، أو تحقيق ذلك وتوكيد ذلك: إنهما حقاً من عبادنا الذين آمنوا وصدقوا، أي: موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام.
стр. 2463
تكرار قصة موسى في القرآن بسياق مختلف وبتعبير لا يمل القارئ من إعادة قراءته
ذكر الله قصة موسى في سور متعددة، ففي سورة البقرة ذكر شيئاً منها، وذكر القصة في سورة الأعراف فأطال فيها، وذكر القصة في سورة طه فأطال فيها، وذكرها في سورة القصص، وكذلك في سورة النمل، وفي سورة الشعراء، فالله فصل هذه القصة في مواضع من القرآن، وفيها تفنن عظيم، وفيها إعجاز من هذا القرآن العظيم، وهو أن القصة قصة واحدة وفي مواضع كثيرة لا تمل أن تقرأها في أي موضع كان، وفي كل موضع تجد فوائد، وفي كل موضع تجد سياق القصة متوافقاً مع الفواصل التي في السورة، ففي هذه السورة يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ * وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات:١١٤ - ١١٥] آيات قصيرة ومختومة بشيء معين، هي فواصل السورة، وتجد القصة مسوقة على نفس هذا السياق، فإذا ذكر القصة في سورة طه ذكرها بطريقة معينة، ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه:٩ - ١٢] فترى فواصل الآيات كلها مشابهة بعضها لبعض، وتجد السياق والوزن وتسمع الصوت الموسيقي في الآية موافقة لهذه السورة، وللقصة التي في هذه السورة وهذا تفنن عظيم جداً، فلو قلت لإنسان: اذكر لنا قصة كاتب عظيم بارع واكتب لي قصته ثلاث مرات بسياقات مختلفة، فإذا كتبها مرة ثانية تمل من قراءة ذلك، ولا يقدر هو على أن يأتي بمثل ما جاء به كتاب الله ، وهذا شيء من إعجاز القرآن العظيم وهو: أن القصة تساق في مواضع كثيرة، ويذكر هنا أشياء لا يذكرها هنا، ويذكر هنا أشياء هي موجودة هنا، ولكن يزيد فيها شيئاً يكون حسناً في هذا الموضع، مع الموافقة للتلاوة، إذ السورة نفسها تمشي مع الوزن كله، وأذنك تسمع ولا تمل من السماع، كذلك الحس لهذه الآيات، وموسيقى كل آية وأنت تسمعها هي نغمة واحدة، ولا تنافر بين قصة وقصة في كتاب الله وفي السورة نفسها، ففي سورة الصافات الفواصل كلها قصيرة والآيات قصيرة والختم فيها الغالب بالنون، أو بالوزن على: هارون، الغالبين، المستبين، المستقيم، فالوزن على ذلك، فتسمع السورة وفيها جمال عظيم عند سماعها، وهناك جمال في فهمها وفي معانيها ومبانيها وفصاحتها وبلاغتها وفي سرد القصة نفسها والتشويق الذي فيها، هذا كلام الله لا يمل منه سامع ولا يمل منه جليس.
стр. 2464
تفسير قوله تعالى: (وإن إلياس لمن المرسلين فإنهم لمحضرون)
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣] نبي الله إلياس من أحفاد هارون، فهو إلياس بن ياسين بن فنحاص بن عيزار بن هارون، فهو الابن الرابع لهارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وهارون هو الجد الرابع له، فإلياس من أنبياء الله لبني إسرائيل، ذكره الله وأشار إلى شيء من قصته فقال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣] إلياس: هو إلياسين وألياس، وهي كلمة أعجمية وعربتها العرب، فدخلت في لغتهم، فلذلك تنطق بوجوه، فقراءة الجمهور: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾، وقراءة ابن عامر: (وإن ألياس)، فالكلمة ليست عربية أصلاً وعربتها العرب فنطقت بها بطريقتهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: كان نبياً ورسولاً من رسل الله سبحانه إلى قومه، قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ﴾ [الصافات:١٢٤] أي: اذكر كيف دعا قومه وقال لهم: ألا تتقون؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٥] إذاً: هو نبي لبني إسرائيل ﵊ وكان بعد سليمان، وكان سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ملكاً على بني إسرائيل، وأعطاه الله الملك والحكمة، وجمع له ما شاء من نعم لم تكن لأحد من بعده، فقد سخر له الإنس والجن والرياح في مملكته، يذهب كيفما شاء، والله يسر له ذلك، ولما مات سليمان ﵊ تنازعت بنو إسرائيل فتفكك ملك سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولم يقدر أحد أن يجمع هذا الملك من بعده، وكان في بني إسرائيل ملوك، فكان إلياس يدعو أحد ملوك بني إسرائيل، إذ كانت امرأته تعبد صنماً من الأصنام، ورأى الملك أن غيره من الناس من بني إسرائيل في البلدان الأخرى يعبدون غير الله سبحانه، فأخذ يقلدهم ويترك امرأته تعبد العجل وتدعو إلى عبادة الصنم الذي صنعته، واسم الصنم بعل، وسميت البلده باسمه (بعلبك)، وهي مدينة من المدن الموجودة في لبنان، وأنكر إلياس عليهم عبادة هذا الصنم من دون الله سبحانه، فدعاهم إلى الله فرفضوا أن يأتوا إلى ربهم خاشعين، فأنكر وقال: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٥ - ١٢٧] أي: للعذاب.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2465
تفسير سورة الصافات [١٢٣ - ١٣٢]
لقد توالى إرسال الرسل إلى بني إسرائيل، فكلما مات رسول بعث الله غيره، ولقد قص الله علينا في كتابه أخبار بعض هؤلاء الرسل، وبعضهم لم يقص الله علينا قصصهم، ومن الرسل من ذكر الله قصصهم في القرآن كثيراً كموسى ﵇، ومنهم من لم يذكر قصته إلا مرة واحدة كإلياس ﵇.
стр. 2466
تفسير قوله تعالى: (وإن إلياس لمن المرسلين إنه من عبادنا المؤمنين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ * سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٢٣ - ١٣٢].
أشار الله سبحانه ﵎ في سورة الصافات إلى بعض أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام إشارات، بين فيها كيف أنه سبحانه أرسلهم بالتوحيد إلى قومهم، ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فكذبهم القوم؛ فجاءت عقوبة الله سبحانه ﵎ على هؤلاء.
فالغرض من ذكر هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام توطين النبي ﷺ ، وتثبيته ومن معه من المؤمنين على ما هم عليه من ابتلاء من الله سبحانه ﵎، فقد أعطاهم سبحانه هذا الدين العظيم، وأمر النبي ﷺ أن يدعو قومه، وكان يثبته الله بما يذكر له من قصص المرسلين السابقين عليهم الصلاة والسلام، وكيف ابتلاهم الله ونصرهم وجازاهم خير الجزاء، وعقب وراء ذكر كل قصة بقوله: ((إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ))، فالمقصد بيان نصر الله للمرسلين وللمؤمنين، وكيف نصرهم حتى يطمئن المؤمنون أنه مهما طال بهم العذاب وطال عليهم الأذى فإن نصر الله آت، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٧٣]، فعباد الله المرسلون ينصرهم الله، ويجعلهم الله هم الغالبين، وهذه الآيات تدل على ما ذكر الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.
هذه الآية فيها قراءتان؛ بهمزة القطع وبهمزة الوصل، فقرأ بهمزة الوصل ابن عامر بخلف هشام وقرأ باقي القراء بهمزة القطع ((وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)) أي: إنه كان نبياً من أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام مرسلاً إلى بني إسرائيل، ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٢٣] أي: ممن أرسلناهم وجعلناهم أنبياء لبني إسرائيل، وقد كان بعد موسى بزمن ليس بالطويل، فقد كان جده الرابع هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام فهو (إلياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فإلياس من ذرية هارون، وقد أرسل إلى بني إسرائيل يدعوهم إلى الله سبحانه ﵎.
стр. 2467
حال بني إسرائيل قبل إلياس ﵇
كان إلياس بعد زمن سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد وحد الله بني إسرائيل في عهد سليمان، فلما مات سليمان ﵊ تفرقوا وتقسمت ممالك بني إسرائيل، وأصبحوا في كل ما هم فيه من باطل ومن تفرق فرحون، فإذا بهم يعبدون غير الله، وكان ملوكهم يعبدون غير الله سبحانه ﵎.
وقد كان أحد الذين أرسل إليهم إلياس ليدعوهم إلى الله سبحانه قد اتخذ صنماً يعبده من دون الله، وقد ذكر المفسرون: أن امرأته كانت من عباد الأصنام، وصنعت صنماً اسمه (بعل) وعبدته من دون الله، فتركها على ذلك حتى فتنت الناس بذلك، وجعلت لهذا الصنم سدنة يخدمونه، ودخل الناس في عبادة هذا الصنم من دون الله، وكانت في بلدة من بلدان لبنان في الشام، وسميت هذه البلدة باسم هذا الصنم بعلبك، فعبد من دون الله، وقد كان هذا الملك الذي صنع ذلك من بني إسرائيل، وكان المفترض فيه أن يكون على التوحيد، فأرسل الله إليه إلياس يدعوه إلى الله سبحانه، وينكر عليه ما هو فيه من عبادة غير الله سبحانه.
стр. 2468
بيان دعوة إلياس لقومه
قال الله : ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ [الصافات:١٢٣ - ١٢٤] (ألا تتقون) أي: ألا تخافون الله سبحانه ﵎ فتجعلون وقاية بينكم وبين عذاب الله بتوحيدكم الله سبحانه وبعملكم الصالح، وتعتصمون من عذاب الله بتقواه وبالعمل له.
﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات:١٢٥] أي: أتعبدون هذا الصنم من دون الله سبحانه؟ والبعل يأتي بمعنى: الرب.
فكأنه يقول: أجعلتم هذا الصنم رباً من دون الله سبحانه ﵎ تدعونه وتلجئون إليه من دون الله؟ ﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٥] سبحانه ﵎ أي: أفتتركون الرب العظيم الذي هو خالق كل شيء وهو أحسن الخالقين سبحانه ولا خالق سواه سبحانه.
وقال هنا: ﴿أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٥] وكأنه في المعنى: أن هناك خالقاً آخر مع الله سبحانه ﵎، لكن الخلق يأتي بمعنى: التقدير، وبمعنى: الإنشاء من العدم، ولا يقدر على ذلك إلا الله سبحانه ﵎.
والإنسان قد يقدر فيسمى خالقاً من هذا المعنى، فإن الله هو الخالق الباري المصور، فالخالق هو الذي يقدر الشيء أن يكون كذا وكذا، والباري الذي ينفذ ويوجد هذا الشيء الذي قدره سبحانه ﵎، وهو المصور الذي يعطي لهذا الشيء الذي أوجده الصورة التي يتميز بها عن غيره.
إذاً: فمن معاني الخلق: التقدير للشيء، وقد يكون الإنسان مقدراً، مثل الإنسان الذي يبني عمارة فيقدر أن القواعد ستكون كذا، والأساس كذا، والأعمدة كذا.
وأما التنفيذ فإنها مرحلة أخرى بعد ذلك.
فعندما قال: ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] أي: أحسن المقدرين سبحانه ﵎، فلا يقدر شيئاً ولا يدبر أمراً إلا ويكون على ما قاله الله سبحانه، كما قال تعالى: ((إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)) أي: على ما أراده الله سبحانه، ومستحيل أن يتخلف عما قدره الله عليه.
إذاً فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] ليس معناها: أنه يوجد غير الله يوجد الشيء من العدم إلى الوجود، كلا، وإنما جاءت على أحد معاني الخلق وهو التقدير، فجعل الله في خلقه من يفكرون في إنشاء أشياء، ويقدرون هذه الأشياء في تفكيرهم، فإذا قدروا ذلك فقد تأتي على ما قدروه وقد لا تأتي على ما قدروه.
والله إذا قدر شيئاً لابد أن يكون على ما قدره سبحانه، تبارك الله أحسن الخالقين.
قال هنا: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ﴾ [الصافات:١٢٥] فكلمة الخالق فيها معنى: التقدير، وفيها معنى: الإحياء، وفيها معنى: الإيجاد.
فإذا أتت وحدها فإن كل هذه المعاني تدخل تحتها، فإن الله هو الخالق الذي أوجد كل شيء سبحانه وقدره وأخرجه من العدم وجاء به إلى الوجود سبحانه ﵎.
وإذا أتت هذه الكلمة مع غيرها من أسمائه الحسنى سبحانه، فإن كل اسم يأخذ معنى واحداً من المعاني.
فعندما يقول: ﴿الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر:٢٤]، فيكون الخلق بمعنى: التقدير.
والباري بمعنى: أنه أوجد هؤلاء إلى البر، أي: أوجد من عدم.
والمصور بمعنى: أنه أعطاهم الصورة التي يتميزون بها عن غيرهم.
стр. 2469
تفسير قوله تعالى: (أتدعون بعلاً آبائكم الأولين)
قال إلياس لقومه: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:١٢٥ - ١٢٦] أي: أتذرون أحسن الخالقين الذي هو الله سبحانه ﵎.
وهذه فيها قراءتان في لفظ الجلالة (الله) فقرئ بالنصب وهذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف ويعقوب، وباقي القراء يقرءونها بالرفع على الابتداء، فعلى قراءة النصب كأنه تذرون أحسن الخالقين الله بدل مما قبلها، فكأنه قال: تذرون الله سبحانه ﵎.
ومعنى قراءة الرفع اللهُ الذي هو ربكم ورب آبائكم الأولين.
والله هو الرب سبحانه ﵎، ولكن الفرق بين الكلمتين في المعنى: أن الله يدل على ألوهية الله سبحانه، والرب يدل على ربوبية لله سبحانه، ومقتضى الألوهية أن يُعبد الله سبحانه ﵎، فالله هو المعبود، يعني: أن الخلق يتوجهون إليه بالعبادة، فهو المألوه وحده، وهو المستحق وحده أن يعبد لا شريك له.
ويأتي الرب بمعنى الخالق، وبمعنى: المربي، وبمعنى: الواجد، وبمعنى: المعطي سبحانه ﵎.
فالله المعبود هو الرب الخالق سبحانه ﵎.
وقد كان الكفار لا يختلفون في ربوبية الله سبحانه ﵎، وأنه رب؛ لذلك كانوا إذا سئلوا: من خلقكم؟ يقولون: الله.
وإذا سئلوا: من الذي يعطيكم الرزق، ومن الذي يطعمكم ويسقيكم؟ قالوا: الرب سبحانه ﵎.
فهو لكونه رباً فهو يقدر على ذلك سبحانه.
فإذا سئلوا: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد أصناماً وأوثاناً من دون الله سبحانه، فيشركون في ألوهيته، قال الله : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، فهم لا يختلفون في أن الذي يخلق هو الله سبحانه، فمن ادعى أن غير الله يخلق، وأن هذا الوصف لغير الله كان كاذباً، وهو أول من يكذب نفسه.
ولذلك لم يدع ذلك سوى اثنين النمرود الذي كان في عهد إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وفرعون الذي كان في عهد موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
فأما النمرود فقال: أنا أحيي وأميت، فأخزاه الله حالاً بمناظرة إبراهيم له، ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة:٢٥٨] فأبهته الله سبحانه وأخزاه عندما ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: إن كنت تقدر على ذلك، وتقول: إنك رب فهات الشمس من المغرب، ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة:٢٥٨].
فأخزاه الله سبحانه ﵎ حالاً.
وأما فرعون الذي كان في عهد موسى: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] وهم يعلمون أنه لا يصلح لذلك، ولا يقدر على ذلك، وهو كذاب، وهو يعلم أنه كذاب، ولذلك أخزاه الله سبحانه، فإنه لما غرق في اليم قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠] فإذا به يكذب نفسه، فأهلكه الله بعد ما صرخ بهذه الكمة وبين أنه كذاب فيما يقول.
فدعوى الربوبية لم يكن أحد يدعيها، وإنما كانوا يدعون الألوهية، فيطلبون من غيرهم أن يعبدوهم من دون الله، ويفعلون ما لا يجوز إلا لله سبحانه ﵎، فهذا إشراكهم بالله سبحانه، أنهم كانوا يعبدون معه غيره.
إذاً: الذي جمع بين الربوبية والألوهية هو الله الرب سبحانه وحده لا شريك له، وهو الذي يستحق العبادة، فهو الذي يقدر على أن يخلق، وعلى أن يرزق، وعلى أن يحيي، وعلى أن يميت، وعلى أن يعطي، وعلى أن يمنع، وعلى أن يعز، وعلى أن يذل، فهو واحد لا شريك له، وهو الذي يستحق أن يعبد.
قال تعالى: ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:١٢٦] يعني: الذي خلقكم ورزقكم، وقبل ذلك خلق آبائكم الأولين.
стр. 2470
تكذيب قوم إلياس لإلياس ﵇
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٧] يعني: أنه ناقشهم وخاطب عقولهم وقال لهم: هذا البعل أنتم صنعتموه، فمن كان قبل بعل هذا الذي تعبدونه من دون الله؟ الله هو الذي خلق آبائكم وخلق أجدادكم، وهو الحي الذي لا يموت، وأما هذا فإنه صنم صنعتموه بأيديكم، فاعبدوا ﴿اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ﴾ [الصافات:١٢٦ - ١٢٧]، أي: أعرضوا عن هذا الرسول الكريم ﵊، وقد كان هذا الملك الذي عبد هذا الصنم من دون الله يسمع لـ إلياس ويستجيب له قبل ذلك، ولكن فتنته الدنيا، وفتنته امرأته، فعبد البعل الذي صنعته من دون الله سبحانه ﵎، وفتن في ذلك.
قال الله : ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٧] أي: محضرون لعذاب الله سبحانه، فذكروا أن الله سبحانه ﵎ لما بعث إليه إلياس ﵊ ودعاهم إلى الله كذبوه وأعرضوا عنه، فدعا على قومه فابتلاهم الله سبحانه، وخرج وترك هؤلاء القوم، فلم يذكر الله لنا ما حدث بعد ذلك، إلا أنهم محضرون إلى عذاب الله يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٧]، أما في الدنيا فابتلاهم الله بأن ضيق عليهم أرزاقهم، وسلط بعضهم على بعض، وأما في الآخرة ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٢٧]، أي: إلى عذاب الله، وكلمة: (محضر) غالباً لا تأتي إلا في الشر، فمحضرون يعني: يساقون ويدعَّوْن إلى نار جهنم دعاً.
((فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ)) أي: إلى عذاب الله سبحانه ﵎.
стр. 2471
تفسير قوله تعالى: (إلا عباد الله المخلصين)
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٢٨] فاستثنى الله سبحانه ممن يحضرون إلى عذابه المخلصين، فهؤلاء يأتون يوم القيامة ويدخلهم ربنا جنته، وهم المخلصون.
والمخلصون فيها قراءتان في كل المصحف، فتقرأ: المخلَصين والمخِلصين، وهذه الآية التي هنا يقرؤها نافع وأبو جعفر، وعاصم وحمزة والكسائي وخلف.
(المخلَصين) ويقرؤها باقي القراء (المخلِصِين)، وعندما تأتي في الكلمة قراءتان فكأنهما حكمان في هذه الكلمة.
فالقراءة الأولى: المخلَص.
الذي اصطفاه الله سبحانه.
أي: أن هذه هبة من الله لهذا الإنسان، ومنحة من الله لهذا الإنسان، أن الله اصطفاه واستخلصه وهداه سبحانه ﵎، والقراءة الثانية: المخلِص أي أخلص العبد بتوفيق الله سبحانه، فهو قد أخلص قلبه لله سبحانه، وأخلص في العبادة ولم يشرك بالله، فهذا المخلِص فعل منه، والمخلَص اصطفاء من الله له.
فهؤلاء مُخْلِصُون وكذلك مُخْلَصُون.
стр. 2472
تفسير قوله تعالى: (وتركنا عليه في الآخرين سلام على إل ياسين)
قال تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات:١٢٩] أي: تركنا على إلياس في الآخرين.
﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات:١٣٠] أي: تركنا عليه في الأمم التي تأتي من بعده أن يدعون له ويسلمون عليه، ويذكرونه بالثناء الحسن، ويقولون: سلام عليه وعلى آله، وإل ياسين فيها قراءتان: قراءة الجمهور: ﴿سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ [الصافات:١٣٠]، وقراءة نافع وابن عامر ويعقوب (سلام على آل ياسين)، كأنه هو وأبوه (آل ياسين)، فأهله آل ياسين، فعلى القراءة الأولى السلام عليه، وعلى القراءة الأخرى السلام عليه وعلى آله، وكأن آل ياسين أهله، وأهل كل نبي أتباعه من المؤمنين، فيكون المعنى: سلام عليه وعلى من اتبعه من المؤمنين، فدخل فيها هو ومن معه على هذه القراءة الثانية.
﴿إِنَّا كَذَلِكَ﴾ [الصافات:١٣١] أي: كهذا الجزاء الجميل وكهذا الثناء الحسن وكهذا النصر الذي نصرناه ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٣١]، أي: بمثل ذلك.
﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات:١٣٢] أي: نصرناه ونجيناه من قومه وتركنا عليه الثناء الحسن لأنه من عبادنا المؤمنين، وكذلك كل إنسان محسن ومؤمن نترك له الذكر الجميل والثناء الحسن.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المخلِصين المخلَصين المحسنين المؤمنين.
أقول قولي هذا، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2473
تفسير سورة الصافات [١٣٣ - ١٣٨]
يخبر الله سبحانه أن لوطاً ﵇ من الرسل الذين أرسلهم إلى الناس فدعا قومه إلى توحيد الله وترك الفاحشة التي كانوا يرتكبونها، فأبوا وهموا بقتله، فأنجاه الله والمؤمنين معه إلا امرأته فإنها كانت كافرة فأبقاها الله مع قومها في العذاب، ودمرهم ودمر معهم قريتهم وجعل مكانها بحيرة ليعتبر الناس، وقد كان كفار قريش يمرون على تلك القرية في الصباح وفي الليل حين يذهبون إلى الشام للتجارة فحذرهم الله أن يصيبهم ما أصاب قوم لوط.
стр. 2474
تفسير قوله تعالى: (وإن لوطاً لمن المرسلين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٣٣ - ١٤٤].
ذكر الله في هذه السورة قصصاً للأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام مختصرة، والمقصد من هذه القصص التي ساقها أن يثبت الله قلوب المؤمنين، ويعلموا أنه ناصرهم وأنه معهم، وأنهم إذا ابتلاهم الله في هذه الدنيا فليس المعنى أنه يدوم عليهم البلاء حتى يلقوا الله ، ولكن يبتليهم ويرفع عنهم البلاء ، ثم يبتليهم ثم يرفع عنهم البلاء، وهكذا حتى يميز الخبيث من الطيب: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢].
والإنسان حين يسمع قصص الصالحين، وأحوالهم ونصر الله للمؤمنين، ولأنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ يصبر ويتصبر، فقد ذكر الله قصة إبراهيم وما صنعه سبحانه بإبراهيم الخليل، إذ ابتلاه الله سبحانه ابتلاءات كثيرة فصبر عليها، فمدحه في كتابه وقال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:١٢٠] ﵊، فقد كان وحده أمة من الأمم.
وذكر الله في هذه السورة، قصة أخرى لإسماعيل أشار فيها أنه وهب لإبراهيم ﵊ غلاماً حليماً ثم ابتلاه فأمره أن يذبحه برؤيا منامية رآها، فلما كاد يفعل ذلك رفع الله عنه ذلك البلاء، وفداه بذبح عظيم.
ثم ذكر الله قصة موسى وهارون باختصار، وكيف أنه آتاهما الكتاب المستبين: ﴿وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الصافات:١١٨]، ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الصافات:١١٦].
فكان من فضل الله عليهما أن ابتلاهما ثم رفع عنهما البلاء ونصرهم بفضله .
وذكر قصة إلياس على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وكيف أن الله سبحانه أرسله إلى قومه، فكذبوه، فذكر الله أنهم من المحضرين إلى عذابه، والمقصد هو بيان أنه ما من نبي يبعثه الله، إلا ويبتليه الله ويبتلي قومه، ثم ينصر المؤمنين، ويهلك الظالمين، وهذه قصة لوط ساقها الله هنا باختصار، وإن كان قد فصلها في غير هذا الموضع من كتابه.
стр. 2475
تفسير قوله تعالى: (إذ نجيناه وأهله أجمعين)
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٣٣].
هذا النبي الكريم ﵊ هو لوط بن فاران، وهو ابن أخي إبراهيم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وإبراهيم هو عم لوط عليه الصلاة السلام، وإبراهيم نبي من أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، ولوط نبي من أنبياء الله ، هاجر مع إبراهيم وكان موطنه بالعراق، فهاجر معه إلى بلاد الشام، وهنالك ذهب لوط بأمر الله إلى قرى سدوم وعمورية يدعوهم إلى الله سبحانه، فوجد القوم يعبدون غير الله ويأتون الفاحشة، يأتي الرجال الرجال، ويتركون النساء! قال الله : ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٣ - ١٣٨].
آيات يذكرها الله هنا، وهي آيات قصيرة فيها بيان كيف أرسل الله لوطاً إلى قومه، فالله أثبت له الرسالة في كتابه سبحانه، فلوط نبي أرسله الله إلى قومه، يدعوهم إلى توحيد الله، فهو من أنبياء الله ﵊، ومن جملة رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ﴿وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ [الصافات:١٣٣ - ١٣٤].
فقد كان في كرب قبل ذلك وهذا من تفنن القرآن العظيم، فإنه في كل موضع من المواضع يذكر ما يليق به، فهذه السورة آياتها قصيرة، فيناسب ذكر القصص باختصار، فهو يذكر أموراً من كل قصة، والغرض هو بيان أن الله أوحى إلى المرسلين: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٧٢ - ١٧٣].
فيبين الله كيف نصرهم، وجعلهم الغالبين.
فقد نجاه الله وأهلك غيره، فإن القرى التي كان فيها، كانت تعبد غير الله، فدعاهم إلى عبادة الله فلم يستجيبوا له، وكانوا يأتون الفاحشة فيأتي الرجال الرجال، فمنعهم وحذرهم من عقوبة الله سبحانه فأبوا إلا أن يقتلوه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فأتى إليه قومه، وقد ابتلاهم الله ببلاء عظيم، حيث أرسل إلى هذه القرية ثلاثة من الملائكة على هيئة الشباب الحسان الملوك، فإذا بامرأة لوط تخبر قومها، وكانت كافرة، وقد ضرب الله بها المثل في القرآن للكفر الذي يضر أصحابه، وإن كانوا مع الصالحين، ولكن الله فرق بينها وبين هذا الرجل الصالح ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ﴾ [التحريم:١٠].
فامرأة نوح كانت كافرة، والعدل أن تكون مع قومها في العقوبة، ولا تكون مع نوح النبي على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فأهلكها الله وأغرقها مع من أغرق، وامرأة لوط كانت كافرة، فقد دلت قومها على ضيوف لوط ﵊، فابتلاهم الله وجعل في قلوبهم القسوة، وأعمى أعينهم فلا يبصرون، وأخذهم إلى دار لوط، ويصرون على إخراج الضيوف وأخذ هؤلاء الضيوف، فإذا بلوط النبي عليه الصلاة السلام يقول: ﴿هَؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ * قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [الحجر:٦٨ - ٧٠].
أي: ألم نأمرك أن لا تدخل أحداً بيتك؟! يقول الله : ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢].
يقسم الله للنبي ﷺ بحياته وعمره ﵊ إنهم لفي سكرة وغفلة وغباوة حيث إنهم يريدون أضياف لوط ﵊، فقالت الملائكة للوط: لا تخف ولا تحزن، وبشره الله بعد ما ضاقت به نفسه، وضاق به بيته، وضاق به الأمر حتى قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]، أي: لو أني أقدر عليكم، فهو ينظر إلى القوة التي حوله من الناس وما معه إلا ابنتان في البيت، فقد كان لا يجد من الناس أحداً يدافعهم معه فكأنه يقول: لو كان معي جيش لحاربتكم به.
يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (رحم الله أخي لوطاً حيث قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠]).
كأنه نسي في هذه اللحظات الصعبة الشديدة -حيث كان قومه يدفعون عليه الباب، يريدون الدخول، وهو يدفع الباب من الداخل يمنعهم من الدخول، وهم يهددونه بالقتل- أن الله ناصره ، فقال: هذه الكلمة ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود:٨٠].
فإذا بالضيوف يظهرون حقيقة الأمر: ﴿قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ [هود:٨١].
أي: لا تخف نحن معك والله هو الذي أرسلنا ويبشره الله : ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
ويخرج الضيوف فيلقون على وجوههم التراب فتعمى أبصارهم، فيرجعون عن لوط وهم يتوعدونه ويقولون: في الصباح سترى ما نفعل بك، ويأمر الله سبحانه لوطاً ان أخرج أنت وأهلك ولا تلتفت ولا تنظر إلى خلفك أنت ومن معك، قال: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١].
ويخرج لوط ومعه ابنتاه وتخرج معه امرأته، والله لا ينجي إلا المؤمنين، وهذه امرأة كافرة، تتبع لوطاً النبي ﵊، وتريد أن تنجو، فكان لوط يحذر من معه ألا أحد يلتفت وراءه، فإن الله سيهلك هذه القرية، ولا ينظر أحد إلى خلفه، ويتبعون لوطاً ﵊ ويأتي عذاب الله على القرية قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥].
أي: بأي نعم ربك تجادل أو تشك؟! فهؤلاء جاءهم العذاب، فقد نزل عليهم ملك من ملائكة الله قلب عليهم قريتهم، وأمطر الله عليهم حجارة من سجيل، فإذا بلوط وابنتاه يخرجون كما أمر الله ، وامرأته تنظر خلفها، وتندب حظها، وتبكي قومها، فيأتيها حجر من السماء فيهلكها مع قومها.
стр. 2476
تفسير قوله تعالى: (إلا عجوزاً في الغابرين)
قال الله سبحانه: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ [الصافات:١٣٥].
هذه المرأة العجوز المشئومة، أهلكها الله سبحانه مع من أهلك، وغبر الشيء بمعنى بقي، فقد أبقاها الله مع قومها للعذاب.
﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء:١٧٢] أي: سحقناهم حيث جاء العذاب المفزع من رب العالمين سبحانه، فأهلك جميع من في هذه القرية.
وانظروا إلى صيغة التدمير فقد دمرهم ودمر ديارهم وما هم فيه تدميراً عظيماً.
стр. 2477
تفسير قوله تعالى: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين)
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات:١٣٧].
أي: أنتم تسافرون إلى بلاد الشام ذاهبين آيبين، فترون البحيرات وتقولون عن البحر الميت: هذا المكان كان فيه قوم لوط، وجعل الله ماء هذه البحيرة شديد الملوحة والمرارة، حتى يعتبر الناس.
وقوله: ((مُصْبِحِينَ)) يعني: في أسفاركم، وبالليل أيضاً تمرون فتقولون: هنا أهلك الله قوم لوط: ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٨] أفلا تعقلون كيف نزل العذاب بهؤلاء؟! ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
فهم لم يتفكروا فتفكروا أنتم في مصيرهم، واحذروا أن تقلدوهم فيأتيكم عذاب الله كما أتى هؤلاء الأقوام.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدين والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.
стр. 2478
تفسير سورة الصافات [١٣٩ - ١٤٨]
الصبر وسيلة من وسائل الدعوة إلى الله، والنبي إذا كلفه الله بأمرٍ فإنه لا ينبغي له أن يفعل شيئاً إلا بإذن الله أولاً؛ ولذلك كانت الدعوة على النبي تكليفاً حتى يأذن الله له في ترك قومه، ولكن لو أن الداعي ترك من كان يدعوهم وغاضبهم فلا شيء عليه في ذلك، وقصة يونس مثال على ذلك، وفيها فوائد عظيمة يستفيد منها المؤمن في حياته.
стр. 2479
تفسير قوله تعالى: (وإن يونس لمن المرسلين إذ أبق إلى الفلك المشحون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٤].
هذه قصة أخرى من قصص القرآن العظيم يذكرها الله في هذه السورة باختصار، وي قصة يونس النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤٠]، القصة وذكرت في هذه السورة مختصرة، وذكرت أيضاً في سورة الأنبياء، وذكرت في سورة يونس، وذكرت في سورة القلم.
وفي كل موضع يذكر الله شيئاً وفائدة من الفوائد في هذه القصة العجيبة العظيمة.
يونس بن متى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كان نبياً أرسله الله إلى قومه، وكانوا في بلدة تسمى نينوى، بلدة بالموصل في العراق بحذاء بلدة كربلاء.
أرسل الله يونس إلى هؤلاء القوم، وكانوا كفاراً يعصون الله ، فدعاهم إلى ربه سبحانه فترة طويلة، فلم يستجيبوا لدعوته، فلما لم يستجيبوا وأبوا إلا العناد والتكذيب، حذرهم من غضب الله ، وأنه ستأتيهم عقوبة الله وعذابه، وخرج مغاضباً لقومه وتركهم، وأخبرهم أن الله سبحانه سينزل عليهم العذاب خلال ثلاثة أيام، فلما سمعوا ذلك، ووجدوا نبيهم قد تركهم إذا بهم يرجعون إلى الله سبحانه، ويخافون من عقوبته سبحانه.
وهذه الأمة الوحيدة التي حدث لها ذلك، قال الله في سورة يونس ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس:٩٨]، لولا بمعنى: هلا ﴿كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس:٩٨]، هل آمنت قرية من القرى حين يأتيها عذاب الله وينفعها هذا الإيمان؟ ما حدث هذا أبداً إلا ﴿قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
إذاً: هذه القرية الوحيدة التي آمنت بالله ونفعها الإيمان، والعادة أن العذاب إذا نزل لا يرفع، فإذا جاء عذاب الله ورآه الناس استحقوا هذا العذاب، ولكن هؤلاء رأوا أن نبيهم غادرهم وتركهم، فاستيقنوا بمجيء العذاب، فلجئوا إلى ربهم سبحانه، فتابوا فتاب الله عليهم قبل أن ينزل العذاب عليهم.
стр. 2480
تفسير قوله تعالى: (إذا ابق إلى الفلك المشحون)
قال الله سبحانه: ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات:١٤٠] وأبق بمعنى: ترك المكان، وذهب بإرادته وهو مستطيع لذلك، يقال: عبد آبق يعني: هارب من مولاه، ترك مولاه على قدرة في ذلك، فترك سيده وانصرف عنه، فهذا ترك قومه وخرج بغير إذن ربه ، هذا نبي من الأنبياء، وكل نبي يكلفه الله بشيء لا بد أن يفعل هذا الشيء الذي كلفه الله به.
ويونس فعل ما أمره الله به، ولكن لم يستأذن ربه سبحانه أن يترك هذه القرية، وكأنه لما أنذرهم بعقوبة الله وانتظر هذه العقوبة أن تنزل خلال ثلاثة أيام، مرت ثلاثة أيام ولم ينزل شيء، فهو أمام قومه سيظهر أنه كاذب، ولذلك غادرهم ولم يرجع إلى هؤلاء القوم لما وجد أن العذاب لم ينزل، فغادر القوم وركب السفينة وخرج من عند هؤلاء.
وهنا في خروجه مغاضباً لقومه وخروجه بغير إذن ربه استحق أن يلومه الله ، ولكن يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام نبي من المسبحين لله ، وممن لم يزل يصعد إلى السماء منه دعوة صالحة لربه ، فقد كان يكثر من الدعاء في كل وقت فنفعه ذلك، قال الله : ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤] أي: في بطن الحوت إلى يوم يبعثون، فكان من المسبحين، والمسبح بمعنى: المصلي، والمسبح: المنزه والمقدس لله سبحانه، والمكثر من التسبيح.
قال الله تعالى عنه هنا: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ﴾ [الصافات:١٣٩]، وفي سورة الأنبياء: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وفي سورة نون ﴿كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، فالنون: الحوت، وصاحبه هو يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
قال هنا: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٣٩ - ١٤١]، وفي سورة الأنبياء قال: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨].
وفي سورة القلم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [القلم:٤٨ - ٥٠]، لولا نعمة الله عليه لذمه الله سبحانه، لأنه لم يستأذن ربه سبحانه، فغاضب قومه وخرج وتركهم، وهذا لو فعله إنسان داعٍ يدعو إلى الله في مكان، وغضب من القوم ولم يستجيبوا وتركهم، لم يكن عليه شيء، ولكن هذا نبي من أنبياء الله لا يتحرك ولا ينطق إلا بأمر الله سبحانه، ولذلك لم يجعل الله له هذه كالخطيئة التي تكون لغيره، إذاً: حسنات الأبرار كما يقولون سيئات المقربين.
والإنسان يزداد قربه من الله ، ولا يكون حسناً لغيره قد يكون سيئة لهذا، وقد رأينا كيف عاتب الله نبيه ﷺ حين عبس من إنسان أعمى في شيء لو فعله غيره ما عوتب على ذلك، ولكن مقام النبي ﷺ مقام عالٍ جداً عند الله ، إذ جاءه ابن أم مكتوم والنبي ﷺ مشغول يدعو الكفار إلى دين الله، ويرجو أن يستجيبوا لدعوته ﵊، فلم يزل يقول: علمني مما علمك الله، علمني مما علمك الله، فإذا بالنبي ﷺ يعبس وما زاد على ذلك، وعبس يعني: قطب جبينه ﷺ ، فقد كره أن يقطع عليه حديثه ﷺ مع الناس، فعاتب الله نبيه ﷺ ؛ لأن مقامه مقام عالٍ جداً عند ربه سبحانه، ولذلك يعاتبه على الشيء الذي لو فعله غيره لا يلام على هذا الشيء، فقال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤].
والله سبحانه عاتب يونس النبي، بل عاقبه ، وقال: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، ذو النون يونس بن متى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا قومه إلى الله سبحانه، فلما لم يستجيبوا حذرهم من عقوبة الله، وأعلن بأنهم يستحقون العقوبة، وأنها تنزل عليهم بعد ثلاثة أيام، فإذا بهم يتوبون إلى الله، ويقبل الله منهم ذلك، فيرفع عنهم هذا العذاب، فلما وجد يونس أن القوم مكذبون وأن العذاب لم ينزل، فإنهم سيقولون عنه: إنه كاذب، فتركهم وركب السفينة وخرج من عندهم، قال تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] يعني: فظن أن الله لن يضيق عليه، وفي القراءة الأخرى: (فظَنَّ أَنْ لَنْ يُقدر عَلَيْهِ) يعني: لن يضيق عليه.
والأمر واسع ويذهب أينما يريد يدعو إلى الله، ولكن ليس بغير إذن من الله، فلذلك لما ركب السفينة مع قومه وهم يعلمون أنه من أنبياء الله فإذا بالسفينة تهبُّ عليها ريح شديدة وتثقل السفينة وتكاد تغرق بأصحابها، فإذا بهم يتعجبون ما حالها؟ السفن حولهم كثير إلا سفينتهم تكاد تغرق! فيقول لهم يونس ﵊: إن فيها عبداً آبقاً، يقصد نفسه ﵊.
فيقول بعضهم لبعض: لا بد أن نلقي واحداً منا في الماء من أجل أن تخف هذه السفينة، فقال: ألقوني أنا، إن فيها عبداً آبقاً لمولاه، فيقترعون ثلاث مرات، وتطلع القرعة على يونس ﵊، وإذا به يتهيأ ليلقي نفسه في البحر، وإذا بحوت يأتي إليه بجوار السفينة بجوار المكان الذي يلقي نفسه منه، ويذهب إلى المكان الآخر فيأتي الحوت فيه، فعاد إلى المكان الأول فيلقي نفسه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فيلتقمه الحوت، وأوحى الله إلى الحوت أن لا يلتقمه وأنه لم يجعله له رزقاً، فكان في بطن الحوت، في ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر، وفي ظلمة بطن الحوت، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
стр. 2481
تفسير قوله تعالى: (فساهم فكان من المدحضين)
يقول الله سبحانه: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١] أي: فقارع يعني: أجريت القرعة، ودخل من ضمن من يقترعون، قال تعالى: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات:١٤١]، أي: من المشئومين، أو من المقروعين، أو من المغلوبين، يعني: هو الذي أصبحت عليه القرعة أنه يلقي بنفسه في البحر.
قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] الحوت: السمكة العظيمة وكان يطلق على كل سمكة حوت، قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] أي: آت بما يلام عليه، وفرق بين ملوم ومليم، تقول: فلان ملوم هناك من يلومه، ومن الممكن أنه يستحق، ومن الممكن أنه لا يستحق اللوم، إذاً: هذا نعاتبه، ويمكن أن يستحق ذلك أو لا يستحق، لكن ﴿مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٢] قد استحق ذلك، وقد أتى بما يستحق عليه أن يلومه وأن يعاتبه الله سبحانه.
стр. 2482
تفسير قوله تعالى: (فلولا أنه كان من المسبحين)
قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:١٤٣]، كانت له فضيلة أنه كان كثير التسبيح، وكثير الصلاة ﵊.
قال تعالى: ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ [الصافات:١٤٤] أي: في بطن الحوت، قال تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٤]، والله على كل شيء قدير .
стр. 2483
تفسير قوله تعالى: (فنبذناه بالعراء وهو سقيم)
قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٥] أي: ألقيناه وأمرنا الحوت بعدما طاف به في البحار أن يلقيه على جزيرة من الجزر، على أرض من الأراضي، قال تعالى: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:١٤٥] يعني: خرج من داخل بطن الحوت وهو مريض من الفترة التي مكثها بداخل بطن الحوت.
في هذه الفترة الذي كان فيها مريضاً داخل بطن الحوت كان يصلي لله ، فسمع تسبيح الحصى، وتسبيح الأسماك، وتسبيح الكائنات في البحر، فسبح ربه سبحانه وألهمه الله سبحانه أن يقول هذه الكلمة العظيمة: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].
جاء في حديث رواه الترمذي عن سعد قال رسول الله ﷺ : (دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدعُ بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له)، فالله رحمته عظيمة وواسعة، كما استجاب ليونس ﵊ يستجيب لغيره، قال الله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧ - ٨٨]، إذاً: ليس هو وحده، بل كل مؤمن ننجيه إذا دعانا واستجار بنا، وكان من المسبحين لربه سبحانه ﵎.
قوله تعالى: ﴿فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ﴾ [الصافات:١٤٥] أي: في مكان لا شجر فيه ولا شيء يستفيد منه ليريه نعمته عليه، فالله أنعم عليه فلا يفعل شيئاً بغير إذنه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦] الله خلق له وأنبت له شجرة من يقطين، واليقطين: القرع، ولليقطين فوائد كثيرة، ففي هذا المكان الذي ليس فيه شجر يستظل بورق اليقطين؛ لأن ورقه كبير له ظل، ونباته يؤكل سواء كان رطباً أو مطبوخاً، ومن ميزاته أن الذباب لا يقرب شجر اليقطين، فكان من الله فضلٌ ونعمة على يونس في هذا المكان، قال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ [الصافات:١٤٦]، فكان يشرب من الماء ويأكل من هذا الشجر حتى صح بدنه ورجع إلى عافيته.
стр. 2484
تفسير قوله تعالى: (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)
قال الله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات:١٤٧]، أرسله الله إلى قومه أو إلى غيرهم، رجع إلى قومه يدعوهم وكانوا مائة ألف، أو أرسله إلى غيرهم .
وقال سبحانه: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ﴾ [الصافات:١٤٨] يعني: في هذه الدنيا، متعناهم بإيمانهم فيها إلى حين، فقد استجابوا لدعوته، والله لم يحرمه من خير، وهذا فضل الله ، ولو شاء لقبضه على ذلك فكان مليماً وآتياً بما يلام عليه عند الله، ولكن الله تكرم عليه سبحانه وأرسله مرة أخرى؛ ليدعو إلى الله .
وذكر الله ذلك في سورة الأنبياء، إذ ذكر أنه ينجي المؤمنين، فالإنسان المؤمن يتعلم من هذه القصة أنه لا يترك أمر الله ؛ لأنه لا يدري ما يكون وراء ذلك، ولا يترك دين الله والدعوة إليه سبحانه، بل يقتدي بأنبياء الله الذين دعوا وصبروا في دعوتهم إلى الله سبحانه، والله قادر على التغيير، والإنسان الذي تراه يستحق العذاب قد يرى الله أنه لا يستحق ذلك، فيرفع عنه العذاب الذي تتوهم أنه من أهله، ويقول النبي ﷺ : (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، فلعل هذا الإنسان الذي أدعوه خير مني، ولعلي أراه الآن عاصياً ويكون مؤمناً تقياً بعد ذلك، ولعل الإنسان ينظر إليه أنه يستحق النار، وهو عند الله يستحق أن يكون من أهل الجنة بما قدر الله أن يفعله بعد ذلك.
وفي سورة القلم يقول الله للنبي ﷺ : ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨] بمعنى: كظم الغيظ، وكظم الغضب ونادى ربه سبحانه: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، قال تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٩]، ولكن الله لم يذمه ، إذ قال: ﴿فَاجْتَبَاهُ﴾ [القلم:٥٠]، أي: اصطفاه الله ، فجعله من الصالحين.
فقال الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم:٤٨]، تحذيراً للنبي ﷺ ، ويقول في سورة الحاقة: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]، هذا عن النبي ﷺ ، فلو أنه افترى علينا وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٥ - ٤٦]، فالله سبحانه يقول هذا على نبيه وحبيبه وخليله صلوات الله وسلامه عليه فكيف بغيره؟! لذلك لا يجوز لأحد أن يأمن عذاب الله سبحانه، أو يأمن عقوبة الله سبحانه، أو يحسن الظن بنفسه، أو يسيء الظن بغيره، بل يجب على الإنسان أن يحسن الظن في الله .
وفي قصة يونس يقول النبي ﷺ محذراً: (لا يقولن أحدكم إني خير من يونس بن متى)، لا يقولن أحدكم ذلك، لعل إنساناً يسمع هذه القصة فيقول: سيدنا يونس هرب، والنبي ﷺ صبر، إذاً: النبي ﷺ أحسن، فإن هذه المقارنة تكون على وجه النقيصة للنبي يونس ﵊، فيحذرنا النبي ﷺ من ذلك، ونحن نعلم ونستيقن أن النبي ﷺ سيد ولد آدم، قال ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) يعني: لا أقول هذا من جهة الافتخار، ولكن أقول بالتحدث بنعمة الله عليَّ، فكذلك إذا ذكرنا أنه خير الأنبياء لا يكون ذلك على وجه تفضيل النبي ﷺ والانتقاص للغير، أما أن يذكر على وجه المقارنة، كأن تقول: يونس عمل كذا، والنبي ﷺ عمل كذا، إذاً: النبي أحسن من يونس فإن هذا لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك، وقال: (لا ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى).
وقد أنبت الله على يونس ﵊ شجرة اليقطين، فأحبها النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهي شجرة قرع يجعلها الله في هذا الموضع نعمة على هذا العبد، ففيها فضل وفيها خير، فأحب النبي ﷺ هذا الطعام، وجاءت أحاديث عنه صحيحة في سنن ابن ماجة وفي مسند الإمام أحمد منها: حديث لـ أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يحب القرع)، وهو الدباء، وفي حديث آخر قال: (بعثت معي أم سليم بمكتل فيه رطب إلى رسول الله ﷺ فلم أجده، وخرج قريباً إلى مولىًً له دعاه، فصنع له طعاماً، فأتيته وهو يأكل، قال: فدعاني لآكل معه، قال: وصنع ثريدة بلحم وقرع)، فالرجل صنع ثريدة الطعام كأنه الفتيت وفيه اللحم ومعه قرع، فكان النبي ﷺ يعجبه القرع، قال أنس: (فإذا هو يعجبه القرع، فجعلت أجمعه فأدنيه منه ﷺ ، وهذا من أدب أنس ﵁، حيث وجد النبي ﷺ يحب أن يأكل الدباء، فكان يجمعه قريباً من النبي ﷺ ؛ ليأكل منه ﵊، قال: (فلما طعمنا منه رجع إلى منزله ﵊، ووضعت المكتل بين يديه -هدية أرسلتها أم سليم له برطب- فجعل يأكل) يعني: فاكهة أكلها ﷺ وقسَّم منه حتى فرغ من آخره، يعني: لم يأكل وحده، وإنما أعطى لمن معه من هذه الهدية التي جاءته.
وفي حديث آخر رواه ابن ماجة أيضاً وهو حديث صحيح عن جابر بن طارق بن عوف قال: (دخلت على النبي ﷺ في بيته وعنده هذا الدباء، فقلت: أي شيء هذا؟ قال: هذا القرع -وهو الدباء- نكثر به طعامنا).
فالإنسان المؤمن يحب ما أحبه النبي ﷺ ، وهنا ننبه على شيء، وهو أن بعض أعداء هذا الدين لما عرفوا هذه الأحاديث أخذوا يستهزئون من ذلك، والمسلمون بجهلهم لا يعرفون هذا الشيء، فمنهم من يقول لك: أتحب القرع؟! فيجعل الشيء الذي كان يحبه النبي ﷺ شيئاً للتهكم فيتهكمون به، وهو يعلم أن النبي ﷺ كان يحب الدباء، فلا يحل لمسلم أن يستهين أو يتهكم أو يسخر مما كان يحبه النبي ﷺ أو يقول شيئاً على وجه التعريض، فيقصد معنى آخر، كأن يقصد السخرية من النبي ﷺ ، والله أعلم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2485
تفسير سورة الصافات [١٤٩ - ١٦٠]
ينكر الله سبحانه على المشركين في جعلهم لله تعالى البنات سبحانه ولهم ما يشتهون من الذكور، فينسبون إلى الله القسم الذي لا يختارونه لأنفسهم، وقد جعل المشركون بين الله سبحانه وبين الجنة نسباً، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
стр. 2486
تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩]، يذكر الله في هذه الآيات لنبيه صلوات الله وسلامه عليه كيف أن هؤلاء الكفار كذبوا على الله سبحانه وافتروا أعظم الكذب بأن ادعوا أن الله اصطفى البنات لنفسه سبحانه، وأنه اتخذ الصاحبة، فكأنهم زعموا وشبهوا أن الله كالبشر، فالبشر لهم أبناء ويتناسلون، فقالوا: إن الله كذلك! واصطفى لنفسه البنات من الجن أو من الملائكة! وكان له نسل حاشا لله وتعالى علواً كبيراً عما يقولون! فقالوا: الملائكة بنات له، فقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: اسألهم.
وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات:١٤٩] هذه قراءة الجمهور وقراءة رويس (فاستفتهُم)، على أصل الضمير في الضم.
((أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ)) هذا السؤال ليس سؤال استفهام؛ لأن
الجواب
حاشا لله أن يتخذ صاحبة وولداً، وهم كذابون فيما يقولون، وإنما الاستفهام للتقريع والتوبيخ فيما يقولون، على سبيل الإنكار عليهم.
стр. 2487
الحكمة من سرد قصص الأنبياء
هذا السؤال كان بعد أن قص الله سبحانه على النبي ﷺ قصص مجموعة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، نزلت والنبي ﷺ يؤذى من قومه، وأصحابه يفتنون ويبتلون ويعذبون من الكفار، فالله يثبت نبيه ﷺ ويثبت المؤمنين بذلك، فهذا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، وذكر باختصار قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
ثم ذكر: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، وذكر باختصار قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الأصنام، وكيف كسر أصنامهم، وكيف ذهب مهاجراً إلى ربه ، وكيف بشره الله سبحانه بالغلام العليم، وجاءه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رأى في المنام أنه يذبح ولده، وأن الله أمره بذلك، فلما علم الله صدقه فداه بذبح عظيم, وكانت آية من آيات الله سبحانه، ثم بشره بإسحاق، وكل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم هم من ذرية إسحاق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إلا نبينا ﷺ فهو الوحيد من الأنبياء من ذرية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ثم ذكر الله بعد ذلك ذكر موسى وهارون وكيف ابتلاهم الله ، وآتاهما الكتاب المستبين، ونصرهم الله بعد ما ابتلي موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وساقها باختصار.
وذكر بعد ذلك قصة إلياس ﵇ وكان من المرسلين، وكيف كان قومه يعبدون صنماً اسمه بعل عبدوه من دون الله، فأهلكهم الله .
ولوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله، وكانوا يأتون الفاحشة ويشركون بالله ويأتون الذكران من العالمين، فلما أبوا إلا الإعراض والتكذيب، وأرادوا قتل نبيهم أهلكهم الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨].
وذكر قصة يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام كيف أنه أبق إلى الفلك المشحون، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤١ - ١٤٢]، ثم نجاه الله سبحانه وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨].
إذاً: قصص الأنبياء التي يسوقها الله المقصد منها: تسلية النبي ﷺ والمؤمنين، وأن يأخذوا منها العظة والعبرة، وأن الله يترك عباده هؤلاء فترة لعلهم يؤمنون، ولا يتركهم إهمالاً لهم ولكن إمهالاً منه ، يمهلهم، ويحلم بهم سبحانه ويصبر عليهم لعلهم يؤمنون، وهو أعلم من الذي يستجيب ومن الذي لا يستجيب، ففي قصص الأنبياء العبرة للنبي ﷺ : اصبر ولا تعجل، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٨ - ٤٩]، فمنها يتعلم النبي ﷺ ويتعلم المؤمنون عدم العجلة، أي: لا تكن كيونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام حين تعجل وغضب من قومه وتركهم؛ لأنهم لم يؤمنوا، وإذا بالله يتوب عليه، وقومه تابوا إلى الله.
فهذه القصص فيها إخبار النبي ﷺ والمؤمنين أن الله قد يبادر ويعاجل بالعقوبة، وقد يمهل القوم لحكمة منه سبحانه، فلا تعجل، أي: اصبر لأمر الله ، فإن الفرج يأتي بعد الضيق، وكما قصصنا عليك قصص هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فتوجه الآن إلى هؤلاء الكفار، وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، واسأل هؤلاء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩].
أي: آلله اصطفى لنفسه البنات، وتقولون: هن لله ، ولكم أنتم البنون وتفتخرون بهم؟!
стр. 2488
الحكمة من سرد قصص الأنبياء على نبينا محمد ﷺ والمؤمنين
هذا السؤال كان بعد أن قص الله سبحانه على النبي ﷺ قصص مجموعة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، نزلت والنبي ﷺ يؤذى من قومه، وأصحابه يفتنون ويبتلون ويعذبون من الكفار، فالله يثبت نبيه ﷺ ويثبت المؤمنين بذلك، فهذا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، وذكر باختصار قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
ثم ذكر: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، وذكر باختصار قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الأصنام، وكيف كسر أصنامهم، وكيف ذهب مهاجراً إلى ربه ، وكيف بشره الله سبحانه بالغلام العليم، وجاءه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رأى في المنام أنه يذبح ولده، وأن الله أمره بذلك، فلما علم الله صدقه فداه بذبح عظيم, وكانت آية من آيات الله سبحانه، ثم بشره بإسحاق، وكل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم هم من ذرية إسحاق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إلا نبينا ﷺ فهو الوحيد من الأنبياء من ذرية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ثم ذكر الله بعد ذلك ذكر موسى وهارون وكيف ابتلاهم الله ، وآتاهما الكتاب المستبين، ونصرهم الله بعد ما ابتلي موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وساقها باختصار.
وذكر بعد ذلك قصة إلياس ﵇ وكان من المرسلين، وكيف كان قومه يعبدون صنماً اسمه بعل عبدوه من دون الله، فأهلكهم الله .
ولوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله، وكانوا يأتون الفاحشة ويشركون بالله ويأتون الذكران من العالمين، فلما أبوا إلا الإعراض والتكذيب، وأرادوا قتل نبيهم أهلكهم الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨].
وذكر قصة يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام كيف أنه أبق إلى الفلك المشحون، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤١ - ١٤٢]، ثم نجاه الله سبحانه وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨].
إذاً: قصص الأنبياء التي يسوقها الله المقصد منها: تسلية النبي ﷺ والمؤمنين، وأن يأخذوا منها العظة والعبرة، وأن الله يترك عباده هؤلاء فترة لعلهم يؤمنون، ولا يتركهم إهمالاً لهم ولكن إمهالاً منه ، يمهلهم، ويحلم بهم سبحانه ويصبر عليهم لعلهم يؤمنون، وهو أعلم من الذي يستجيب ومن الذي لا يستجيب، ففي قصص الأنبياء العبرة للنبي ﷺ : اصبر ولا تعجل، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٨ - ٤٩]، فمنها يتعلم النبي ﷺ ويتعلم المؤمنون عدم العجلة، أي: لا تكن كيونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام حين تعجل وغضب من قومه وتركهم؛ لأنهم لم يؤمنوا، وإذا بالله يتوب عليه، وقومه تابوا إلى الله.
فهذه القصص فيها إخبار النبي ﷺ والمؤمنين أن الله قد يبادر ويعاجل بالعقوبة، وقد يمهل القوم لحكمة منه سبحانه، فلا تعجل، أي: اصبر لأمر الله ، فإن الفرج يأتي بعد الضيق، وكما قصصنا عليك قصص هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فتوجه الآن إلى هؤلاء الكفار، وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، واسأل هؤلاء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩].
أي: آلله اصطفى لنفسه البنات، وتقولون: هن لله ، ولكم أنتم البنون وتفتخرون بهم؟!
стр. 2489
تفسير قوله تعالى: (أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون)
قال الله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٥٠] قوله: ((أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ)) هنا ذكر الملائكة، وسيذكر بعد قليل الجن، وكأن المشركين زعموا أن الله سبحانه اصطفى من الجن من اصطفاه لنفسه صاحبة له، وكان له منها البنات وهم الملائكة، فكأنه يقول: من أخبركم أن الملائكة بنات الله ؟! فقال: ((أَمْ خَلَقْنَا)) أي: أتقولون ذلك وتزعمون أننا خلقنا إناثاً وأنتم شاهدون، ورأيتمونا ونحن نخلق الملائكة، ورأيتم أننا اصطفينا لأنفسنا منهم بنات؟!
стр. 2490
تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون)
قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢] أي: أنهم من شدة كذبهم يزعمون أن الله سبحانه صار له الولد حاشا لله ! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣] وهم يقيناً كاذبون فيما يقولون.
﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣] من قال لكم: إنه اختار واجتبى البنات له وميزهم على البنين، والبنون لكم، ولذلك كانوا في الجاهلية يقتلون البنات ويقولون: هن لله، ويأخذون البنين، فكان الرجل من العرب إذا بشر بالأنثى كما قال الله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم ٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]، هذا حالهم عندما يبشر أحدهم ويخبر بالبنت، فإذا كنت تستبشع هذا لنفسك، فكيف تزعمه لله الذي خلقك ؟! وكيف تقولون: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤] أي: قياس هذا الذي تقولونه؟ ترضون لأنفسكم بالشيء الأعلى وتزعمون أن الأدنى لله ، كيف تحكمون بذلك؟ قرأ الجمهور: ((أَصْطَفَى)) بهمزة قطع، وقرأ ورش بخلفه بهمزة وصل فيها إذا وصل، وكذلك قرأها أبو جعفر: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * اَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٢ - ١٥٣]، هذه قراءة ورش بخلفه، فإذا بدأ بها قال: ﴿اصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، والجمهور ومنهم ورش أيضاً يقرءون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٢ - ١٥٣]، فإذا بدءوا قالوا: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.
следующие страницы →