← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

تفسير قوله تعالى: (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩]، يذكر الله في هذه الآيات لنبيه صلوات الله وسلامه عليه كيف أن هؤلاء الكفار كذبوا على الله سبحانه وافتروا أعظم الكذب بأن ادعوا أن الله اصطفى البنات لنفسه سبحانه، وأنه اتخذ الصاحبة، فكأنهم زعموا وشبهوا أن الله كالبشر، فالبشر لهم أبناء ويتناسلون، فقالوا: إن الله كذلك! واصطفى لنفسه البنات من الجن أو من الملائكة! وكان له نسل حاشا لله وتعالى علواً كبيراً عما يقولون! فقالوا: الملائكة بنات له، فقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ أي: اسألهم. وقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ [الصافات:١٤٩] هذه قراءة الجمهور وقراءة رويس (فاستفتهُم)، على أصل الضمير في الضم. ((أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ)) هذا السؤال ليس سؤال استفهام؛ لأن الجواب حاشا لله أن يتخذ صاحبة وولداً، وهم كذابون فيما يقولون، وإنما الاستفهام للتقريع والتوبيخ فيما يقولون، على سبيل الإنكار عليهم.

стр. 2487

الحكمة من سرد قصص الأنبياء هذا السؤال كان بعد أن قص الله سبحانه على النبي ﷺ قصص مجموعة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، نزلت والنبي ﷺ يؤذى من قومه، وأصحابه يفتنون ويبتلون ويعذبون من الكفار، فالله يثبت نبيه ﷺ ويثبت المؤمنين بذلك، فهذا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، وذكر باختصار قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ثم ذكر: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، وذكر باختصار قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الأصنام، وكيف كسر أصنامهم، وكيف ذهب مهاجراً إلى ربه ، وكيف بشره الله سبحانه بالغلام العليم، وجاءه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رأى في المنام أنه يذبح ولده، وأن الله أمره بذلك، فلما علم الله صدقه فداه بذبح عظيم, وكانت آية من آيات الله سبحانه، ثم بشره بإسحاق، وكل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم هم من ذرية إسحاق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إلا نبينا ﷺ فهو الوحيد من الأنبياء من ذرية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم ذكر الله بعد ذلك ذكر موسى وهارون وكيف ابتلاهم الله ، وآتاهما الكتاب المستبين، ونصرهم الله بعد ما ابتلي موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وساقها باختصار. وذكر بعد ذلك قصة إلياس ﵇ وكان من المرسلين، وكيف كان قومه يعبدون صنماً اسمه بعل عبدوه من دون الله، فأهلكهم الله . ولوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله، وكانوا يأتون الفاحشة ويشركون بالله ويأتون الذكران من العالمين، فلما أبوا إلا الإعراض والتكذيب، وأرادوا قتل نبيهم أهلكهم الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨]. وذكر قصة يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام كيف أنه أبق إلى الفلك المشحون، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤١ - ١٤٢]، ثم نجاه الله سبحانه وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨]. إذاً: قصص الأنبياء التي يسوقها الله المقصد منها: تسلية النبي ﷺ والمؤمنين، وأن يأخذوا منها العظة والعبرة، وأن الله يترك عباده هؤلاء فترة لعلهم يؤمنون، ولا يتركهم إهمالاً لهم ولكن إمهالاً منه ، يمهلهم، ويحلم بهم سبحانه ويصبر عليهم لعلهم يؤمنون، وهو أعلم من الذي يستجيب ومن الذي لا يستجيب، ففي قصص الأنبياء العبرة للنبي ﷺ : اصبر ولا تعجل، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٨ - ٤٩]، فمنها يتعلم النبي ﷺ ويتعلم المؤمنون عدم العجلة، أي: لا تكن كيونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام حين تعجل وغضب من قومه وتركهم؛ لأنهم لم يؤمنوا، وإذا بالله يتوب عليه، وقومه تابوا إلى الله. فهذه القصص فيها إخبار النبي ﷺ والمؤمنين أن الله قد يبادر ويعاجل بالعقوبة، وقد يمهل القوم لحكمة منه سبحانه، فلا تعجل، أي: اصبر لأمر الله ، فإن الفرج يأتي بعد الضيق، وكما قصصنا عليك قصص هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فتوجه الآن إلى هؤلاء الكفار، وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، واسأل هؤلاء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩]. أي: آلله اصطفى لنفسه البنات، وتقولون: هن لله ، ولكم أنتم البنون وتفتخرون بهم؟!

стр. 2488

الحكمة من سرد قصص الأنبياء على نبينا محمد ﷺ والمؤمنين هذا السؤال كان بعد أن قص الله سبحانه على النبي ﷺ قصص مجموعة من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وهذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، نزلت والنبي ﷺ يؤذى من قومه، وأصحابه يفتنون ويبتلون ويعذبون من الكفار، فالله يثبت نبيه ﷺ ويثبت المؤمنين بذلك، فهذا نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام قال الله عنه: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، وذكر باختصار قصة نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام. ثم ذكر: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣]، وذكر باختصار قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع عباد الأصنام، وكيف كسر أصنامهم، وكيف ذهب مهاجراً إلى ربه ، وكيف بشره الله سبحانه بالغلام العليم، وجاءه إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، رأى في المنام أنه يذبح ولده، وأن الله أمره بذلك، فلما علم الله صدقه فداه بذبح عظيم, وكانت آية من آيات الله سبحانه، ثم بشره بإسحاق، وكل من جاء من الأنبياء بعد إبراهيم هم من ذرية إسحاق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، إلا نبينا ﷺ فهو الوحيد من الأنبياء من ذرية إسماعيل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. ثم ذكر الله بعد ذلك ذكر موسى وهارون وكيف ابتلاهم الله ، وآتاهما الكتاب المستبين، ونصرهم الله بعد ما ابتلي موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام، وساقها باختصار. وذكر بعد ذلك قصة إلياس ﵇ وكان من المرسلين، وكيف كان قومه يعبدون صنماً اسمه بعل عبدوه من دون الله، فأهلكهم الله . ولوط على نبينا وعليه الصلاة والسلام دعا قومه إلى عبادة الله، وكانوا يأتون الفاحشة ويشركون بالله ويأتون الذكران من العالمين، فلما أبوا إلا الإعراض والتكذيب، وأرادوا قتل نبيهم أهلكهم الله سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات:١٣٧ - ١٣٨]. وذكر قصة يونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام كيف أنه أبق إلى الفلك المشحون، ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات:١٤١ - ١٤٢]، ثم نجاه الله سبحانه وبعثه إلى مائة ألف أو يزيدون، ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصافات:١٤٨]. إذاً: قصص الأنبياء التي يسوقها الله المقصد منها: تسلية النبي ﷺ والمؤمنين، وأن يأخذوا منها العظة والعبرة، وأن الله يترك عباده هؤلاء فترة لعلهم يؤمنون، ولا يتركهم إهمالاً لهم ولكن إمهالاً منه ، يمهلهم، ويحلم بهم سبحانه ويصبر عليهم لعلهم يؤمنون، وهو أعلم من الذي يستجيب ومن الذي لا يستجيب، ففي قصص الأنبياء العبرة للنبي ﷺ : اصبر ولا تعجل، ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾ [القلم:٤٨ - ٤٩]، فمنها يتعلم النبي ﷺ ويتعلم المؤمنون عدم العجلة، أي: لا تكن كيونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام حين تعجل وغضب من قومه وتركهم؛ لأنهم لم يؤمنوا، وإذا بالله يتوب عليه، وقومه تابوا إلى الله. فهذه القصص فيها إخبار النبي ﷺ والمؤمنين أن الله قد يبادر ويعاجل بالعقوبة، وقد يمهل القوم لحكمة منه سبحانه، فلا تعجل، أي: اصبر لأمر الله ، فإن الفرج يأتي بعد الضيق، وكما قصصنا عليك قصص هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فتوجه الآن إلى هؤلاء الكفار، وأمرهم بالمعروف وانههم عن المنكر، واسأل هؤلاء: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ [الصافات:١٤٩]. أي: آلله اصطفى لنفسه البنات، وتقولون: هن لله ، ولكم أنتم البنون وتفتخرون بهم؟!

стр. 2489

تفسير قوله تعالى: (أم خلقنا الملائكة إناثاً وهم شاهدون) قال الله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ﴾ [الصافات:١٥٠] قوله: ((أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ)) هنا ذكر الملائكة، وسيذكر بعد قليل الجن، وكأن المشركين زعموا أن الله سبحانه اصطفى من الجن من اصطفاه لنفسه صاحبة له، وكان له منها البنات وهم الملائكة، فكأنه يقول: من أخبركم أن الملائكة بنات الله ؟! فقال: ((أَمْ خَلَقْنَا)) أي: أتقولون ذلك وتزعمون أننا خلقنا إناثاً وأنتم شاهدون، ورأيتمونا ونحن نخلق الملائكة، ورأيتم أننا اصطفينا لأنفسنا منهم بنات؟!

стр. 2490

تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم من إفكهم ليقولون) قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢] أي: أنهم من شدة كذبهم يزعمون أن الله سبحانه صار له الولد حاشا لله ! ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء:٤٣] وهم يقيناً كاذبون فيما يقولون. ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٣] من قال لكم: إنه اختار واجتبى البنات له وميزهم على البنين، والبنون لكم، ولذلك كانوا في الجاهلية يقتلون البنات ويقولون: هن لله، ويأخذون البنين، فكان الرجل من العرب إذا بشر بالأنثى كما قال الله: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم ٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ﴾ [النحل:٥٨ - ٥٩]، هذا حالهم عندما يبشر أحدهم ويخبر بالبنت، فإذا كنت تستبشع هذا لنفسك، فكيف تزعمه لله الذي خلقك ؟! وكيف تقولون: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾؟ ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات:١٥٤] أي: قياس هذا الذي تقولونه؟ ترضون لأنفسكم بالشيء الأعلى وتزعمون أن الأدنى لله ، كيف تحكمون بذلك؟ قرأ الجمهور: ((أَصْطَفَى)) بهمزة قطع، وقرأ ورش بخلفه بهمزة وصل فيها إذا وصل، وكذلك قرأها أبو جعفر: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * اَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٢ - ١٥٣]، هذه قراءة ورش بخلفه، فإذا بدأ بها قال: ﴿اصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾، والجمهور ومنهم ورش أيضاً يقرءون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات:١٥٢ - ١٥٣]، فإذا بدءوا قالوا: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾.

стр. 2491

تفسير قوله تعالى: (أفلا تذكرون) قال الله تعالى: ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [الصافات:١٥٥] أي: هلا تذكرتم ولم تنسوا، واعتبرتم ونظرتم فيما تقولون وتفكرتم في ذلك؟ وقوله: ((أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) هذه قراءة حفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((أَفَلا تَذَكَّرُونَ)) وباقي القراء يقرءونها: ((أَفَلا تذكرون)) أي: تتذكرون كيف بدأ الله الخلق وكيف خلقكم من عدم ؟ وأن الفقير هو الذي يحتاج إلى من يخلفه، أما الله تعالى فهو الغني لا يحتاج إلى شيء سبحانه. وقال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ﴾ [الصافات:١٥٦] أي: ألكم حجة من الله سبحانه بينة قاطعة تشهد لكم بما تقولون؟ ﴿فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥٧] أي: إذا كان عندكم مثل هذا القرآن، أو عندكم كتاب من كتب الله يقول لكم فيه الله هذا الذي تزعمون فأتوا به، ﴿إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الصافات:١٥٧]، في دعواكم.

стр. 2492

تفسير قوله تعالى: (وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً) قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، قوله: ((وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ)) أكثر المفسرين على أن الجنة هنا بمعنى الملائكة، والجنة أصلها من جنة الشيء بمعنى خفي واستخفى، فالملائكة سموا جناً لعدم ظهورهم أو أنها مأخوذة من الجنة، والجنة بمعنى الجنان وأنهم خزانها، فكأن المعنى: كيف أن هذه الملائكة الخفية تزعمون أنهم بنات الله ؟! ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات:١٥٨] وكأن النسب هنا بمعنى المصاهرة أو بمعنى الأولاد، فهم جعلوا الملائكة بنات له، تقول: أنا أنسب لأبي، وأنسب لجدي وهكذا، فكأنهم نسبوا الملائكة إلى الله، فقالوا: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً؛ فهؤلاء العرب زعموا ذلك، منهم: جهينة، وخزاعة، وبنو مليح، وبنو سلمة، وبنو عبد الدار، فهؤلاء مجموعة كانوا يزعمون أن الملائكة بنات له، وأن الله اصطفى من الملائكة من ناسبهم وتزوج منهم وكان له منهم البنات، تعالى عما يقولون علواً كبيراً، قال مجاهد: ذكروا ذلك لـ أبي بكر الصديق ﵁، فقال أبو بكر ﵁: فمن أمهاتهم؟ أي: إذا كان الملائكة بنات الله فمن أمهاتهم؟ فقالوا: مخدرات الجن، والمرأة المخدرة هي المختبئة في البيت، فكان عند العرب المرأة المخدرة هي المرأة الشريفة التي تكون في بيتها مصونة، فزعموا أن الجن منهم مخدرات يعني: أن من الجن شريفات عفيفات محبوسات في البيوت فتزوج الله منهم، حاشا له سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]، سواء كان الجنة الملائكة أو الجن فهم محضرون لحساب يوم القيامة، فإذا كان الله يجمع الرسل ويأتي بالمسيح عيسى بن مريم فيسأله الله وهو أعلم أنهم كذبوا عليه ﴿أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة:١١٦]، ومع ذلك سيسأله الله أمام الخلق: هل أنت قلت ذلك؟ فإذا كان هذا المسيح والله يعلم أنه صادق فكيف بغيره؟ فالله يأتي بالجميع الملائكة والجن والإنس وكل خلقه ويسأل: هل أنتم بنات الله كما قيل عنكم؟! إذاً: علمت الجنة أنهم محضرون بين يدي الله سبحانه، وعلمت الشياطين أنهم محضرون للعذاب يوم القيامة.

стр. 2493

تفسير قوله تعالى: (سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٥٩]. أي: تعالى الله سبحانه وتنزه وتقدس عما يصفونه من كذب وضلال ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٠] أي: هؤلاء لم يصفوا الله سبحانه إلا بما قاله عن نفسه سبحانه، ولذلك الإنسان المؤمن لا يصف ربه سبحانه بما عني له في خاطره أو في عقله فيصف ربه بما شاء، لا؛ لأن صفات الله توقيفية، فالإنسان لا يسمي ربه إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به الرسول ﵊، ولا يصفه سبحانه إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (إلا عباد الله المخلِصين) مخلَص ومخلِص في كل القرآن يقرؤها نافع وأبو جعفر والكوفيون كـ عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((الْمُخْلَصِينَ)) وباقي القراء يقرءونها: (المخلِصين)، ولها معنيان: المخلَص وهو الذي اصطفاه الله واختاره، والمخلِص وهو الذي عبد الله سبحانه ولم يشرك به شيئاً، فهؤلاء المخلَصون والمخلِصون يذكر الله أنهم لم يكذبوا على الله سبحانه، ولم يصفوا الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وهؤلاء ذكرهم الله قبل ذلك أن لهم جنات النعيم، وأن لهم الحور العين، ومما يشربون من أنهار الجنة ومن النعيم الشيء العظيم، وهنا ذكر الله سبحانه أنهم لا يصفون الله إلا بالحق الذي جاء في الكتاب والسنة. نسأل الله أن يجعلنا منهم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2494

تفسير سورة الصافات [١٦١ - ١٧٣] يأمر الله عباده بالإيمان بالقضاء والقدر، ومنهج أهل السنة والجماعة في ذلك: أن الله خالق العباد وأفعالهم، وقد جعل الله للعبد اختياراً وإرادة ورغبة فيما يعمل، وعلم الله وأحاط بما يفعله عباده من قبل، والهداية بيده سبحانه وكذلك الإضلال، فمن كتب الله له الهداية اهتدى، ومن كتب عليه الضلال أضله الله، ولله ملائكة يعبدونه ويسبحونه وينزهونه، وكل منهم له مقامه المعلوم لا يتجاوزه، وقد وعد الله المؤمنين بالنصر ولو بعد حين.

стр. 2495

تفسير قوله تعالى: (فإنكم وما تعبدون إلا من هو صال الجحيم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الصافات: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ * وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ * وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات:١٦١ - ١٧٣]. في هذه الآيات من آخر سورة الصافات يخبر الله عن هؤلاء الذين يعبدون غير الله سبحانه، ويضلون الخلق ويدعونهم إلى عبادة غيره سبحانه، أنهم لا يقدرون أن يضلوا أحداً إذا أراد الله له الهداية، والأمر كله بيد الله ، فهو القادر على كل شيء، يهدي من يشاء ويعصم ويعافي من يشاء، ويضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلاً، فبيده كل شيء سبحانه، والمؤمنون مأمورون بأن يؤمنوا بقضاء الله سبحانه وقدره، فقد عجز الخلق أن يتفكروا فيه، والله سبحانه لم يأمرهم أن يتفكروا فيما وراءه، ولكن أمرهم أن يؤمنوا به، وقضاء الله مبني على علم الله وعلى حكمته وقدرته، فلا شيء يجري في الكون إلا بعلمه وحكمته وقدرته ، فما شاء كان، ولابد أن يوجد هذا الذي شاءه الله سبحانه، وما لم يشأ مستحيل أن يوجد هذا الذي لم يشأه الله سبحانه، فخلق العباد فريقاً للجنة وفريقاً للسعير، ولم يخبر العباد من هؤلاء الذين هم في الجنة ومن هؤلاء الذين هم في النار، ولكن أمرهم أن يؤمنوا بقضاء الله وقدره، فهذا أحد أصول الإيمان أن تؤمن بالقضاء والقدر. وظهرت الفرق بين الناس، فهذه فرقة تزعم أن الله خلق العباد وهو الذي يلزمهم ويجبرهم على ما يفعلون، فيعترضون على الله سبحانه إذا كان هو الذي خلقهم فلماذا يحاسبهم؟ وفريق آخر يقولون: الله سبحانه لم يقدر شيئاً، بل العباد يفعلون أفعالهم، ويختارون ما يشاءون، ثم الله يحاسبهم بعد ذلك، وهذه الفرقة تسمى الجبرية، أي: أن الله أجبرهم على ذلك، وكلا الفريقين في ضلال مبين، ولكن أهل السنة والجماعة يقولون: القدر سر من أسرار الله ، كما أن الغيب كله من أسرار الله سبحانه لم يطلعنا على شيء، فنحن نقول: آمنا بالله سبحانه ولم نر الله سبحانه، وآمنا بالجنة والنار ولم نر الجنة ولا النار، وآمنا بملائكة الله سبحانه ولم نر الملائكة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة:٣]، كذلك القضاء والقدر من غيب الله سبحانه ومن سره أمرنا أن نؤمن به، ونؤمن أن كل شيء بيد الله سبحانه، وأن الله إذا شاء شيئاً لابد أن يكون، وإذا لم يشأ فمستحيل أن يكون هذا الشيء الذي لم يشأه . والله خلق عباده فمنهم كافر ومنهم مؤمن، فهو يحاسب عباده على أعمالهم، وهو الذي خلق العباد وما يفعلون، والعبد يكتسب فعله الذي يفعله، فهو مختار مريد، والعبد يختار ما يريده والله من وراء ذلك محيط، له قضاؤه وقدره ، فالله قدر الأقدار، وعلم كل شيء، وجعل فريقاً في الجنة، وفريقاً في النار، وجعل للعبد اختياراً يختار به الشيء، فهو يستشعر حين يعصي أنه مريد لذلك، وأنه يفعل ذلك برغبته، وأنه يعصيه، إذاً: لا يحتج أحد على الله بالقضاء والقدر، ولا يقول: يا ربي أنت خلقتني للنار، وما أدراه أنه خلقه للنار؟ أو يقول: يا ربي أنت قدرت المعصية، وهو يستشعر أنه يفعل المعصية ويستشعر أنه مريد ومختار وراغب في هذا الذي يفعله! فالله يحاسبه على هذا الذي هو فيه. إذاً: نؤمن أن الله قدر كل شيء، وعلم كل شيء ، وشاء ما كان موجوداً في خلقه. قال سبحانه: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ [الصافات:١٦١] يقول للكفرة المشركين أنتم أيها الكفار وما تعبدونه من دون الله. قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات:١٦٢] لستم مظلين أحداً من خلق الله. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات:١٦٣] إلا من قدر الله له ذلك. فالله يثبت في هذه الآية كما أثبت في آيات أخرى كثيرة أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء ، ولا يقدر إنسان غاوٍ أن يغوي أحداً أو يضله أو يخرجه عن طريق الله، إلا والله قد شاء ذلك، وأراده وقدره . قال تعالى: ((إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ)) إلا من خلقه الله ، وعلم أن هذا من أهل الجحيم ومن أهل النار. ذكروا أن عمر بن عبد العزيز ﵁ ذكر عنده أقوام القدر، وأنكروا أن هناك قضاء وقدراً، وقالوا: أفعال العباد خلقها العباد، وبعد ذلك ربنا يحاسبنا على هذه الأفعال، وكأنهم ينكرون أن الله يعلم الأفعال قبل حدوثها، وينكرون أن الله يقدر هذه الأشياء، فقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، فالله قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فالله خلق العباد، وأراد الله أن يوجد في هذا الكون الخير والشر، وأن يكون هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، فخلق الجنة وخلق لها أهلاً لحكمة منه سبحانه، وخلق النار وخلق لها أهلاً لحكمة منه ، وخلق إبليس ليضل به من يشاء من خلقه سبحانه. ولذلك يقول عمر بن عبد العزيز يرد على المكذبين بالقدر: لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس، والمكذبون بالقدر يقولون: إن الله لا يريد المعصية وكأنهم يقرون أنه غُلِبَ في ذلك، وحاشا له ، فإنه لا يكون في كونه إلا ما يريده سبحانه، فله الإرادة الكونية القدرية وله الإرادة الشرعية.

стр. 2496

الإرادة الكونية القدرية والإرادة الشرعية الإرادة الكونية القدرية: أن يوجد في هذا الكون ما أراده الله سبحانه من خير وشر وإيمان، أو طاعة أو معصية، وما أراده الله لا بد أن يكون. والإرادة الشرعية: هي التي ينبني عليها ما يحبه الله ، والعباد لا يتجاوزون أبداً ما أراد الله سبحانه من كون وقدر، ولا يقدر أحد أن يتجاوز ذلك، كأن يأمر الله فيقول: كن فيكون، ويحيي إنساناً، يقول: كن حياً، يكون حياً، كن إنساناً يكون إنساناً، كن جماداً يكون جماداً، كن نباتاً يكون نباتاً، مت فيموت الإنسان، امرض فيمرض الإنسان، فهذه إرادة كونية قدرية. أما الإرادة الشرعية كأن يقول: صل، صُم، مر بالمعروف وانهَ عن المنكر، أطع الله، فهذه إرادة شرعية جعل الله العباد ملزمين بها شرعاً، ويحاسبهم على هذه الأفعال، وجعل لهم اختياراً في ذلك، وهو أعلم ما الذي يختارونه، وهو أعلم بخلقه أنهم يستحقون الجنة أو يستحقون النار، وقد خلقهم الله لما شاء سبحانه. إذاً: الإرادة الكونية القدرية لا يخرج عنها أحد أبداً، أما الإرادة الشرعية فقد يفعل الإنسان ما يريده الله سبحانه وما يحبه وقد لا يفعل ذلك، فإذا فعل ما أحبه الله، أثابه الله، وإذا ترك ذلك عاقبه الله سبحانه ﵎، لكن هؤلاء خلطوا بين الاثنين وقالوا: إن الله أراد أن لا يعصى فعصي سبحانه! فنقول: هذه إرادة شرعية وليست إرادة كونية قدرية، فالإرادة الكونية القدرية أنه خلق العباد، وعلم أن منهم كافراً ومنهم مؤمناً، وأراد ذلك سبحانه، أما الإرادة الشرعية: هي ما يحبه الله فأحب من عباده الطاعة وكره منهم المعصية، وترك لهم الاختيار يختارون ولا يخرجون عما شاءه الله سبحانه. يقول عمر بن عبد العزيز ﵁ لو أراد الله أن لا يعصى ما خلق إبليس وهو رأس الخطيئة، وإن في ذلك لعلماً في كتاب الله عرفه من عرفه وجهله من جهله ثم قرأ هذه الآيات: ((فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ)) * ((مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ)) * ((إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ)) قال: إلا من كتب الله عليه أن يصلى الجحيم أن يدخلها، قال: وفصلت هذه الآية بين الناس، وفيها من المعاني أن الشياطين لا يصلون إلى أحدٍ من خلق الله سبحانه كتب له أن لا يهتدي، فالشيطان لا يصل إلى إضلال من كتب الله له الهدى، ولا يصل أحد إلى هداية إنسان قد قدر الله عليه الشقاوة، فلا يتغير ما في علم الله . قال تعالى: ((فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ)) * ((مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ)) والفتنة الإضلال والإخراج عن دين الله سبحانه وعن أمره، أي: ما أنتم عليه بمضلين أحداً إلا من قدر الله له ذلك، قال تعالى: ((إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ)) (يصلى) معناها: يقاسي حرها، و ((الْجَحِيمِ)): النار المستعرة. فقوله تعالى: ((إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ)) أي: يدخل الجحيم فيعاني من حرها وقسوتها.

стр. 2497

تفسير قوله تعالى: (وما منا إلا له مقام معلوم) قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤] وهذا على لسان ملائكة الله سبحانه ﵎ يقولون ذلك، والآية بدأها الله بذكر الملائكة، قال تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات:١] وهنا يتكلم بلسان الملائكة، يقول: كل منهم له مقام معلوم عند الله ، لا يقدر ملك أن يتجاوز هذا المقام المعلوم، قيل: هذه الآية نزلت لما أسري بالنبي ﷺ وعرج به إلى السماء، فوصل إلى سدرة المنتهى فتأخر جبريل ولم يصحب النبي ﷺ ، وتركه جبريل فتعجب النبي ﷺ ! فنزلت هذه الآية بعد ذلك تبين، قال تعالى: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ)) يعني: موضع للعبادة لا يتجاوز هذا المكان إلى أعلى منه، وكل ملك من الملائكة له موضع لا يتجاوزه، فقوله تعالى: ((وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ)) أي: مكان وموضع في عبادة الله سبحانه معلوم. وجاء في حديث رواه الترمذي عن أبي ذر -وهو حديث حسن- قال: قال النبي ﷺ : (ما في السماء موضع قدم إلا عليه ملك ساجد أو قاعد) وذكر حديث بطوله وفيه قال: قال النبي ﷺ : (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط) يئط المبنى أو يئط السقف أو تئط الدابة يعني: يحدث لها صوت من الأثقال التي فوقها، كذلك السماء أثقلها ما فوقها من خلق الله سبحانه، من ملائكته الذين يعبدونه، وقال هنا في حديث أبي ذر: (إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله)، فكل مواضع السماء فيها ملائكة خاشعون لله سبحانه ساجدون له، قال: (والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله)، ويقسم النبي ﷺ قال: (والله لو تعلمون ما أعلم) يعني: مما سيكون من حساب وعقاب وموقف بين يدي الله سبحانه يوم القيامة، (ولخرجتم إلى الصعدات) الصعدات: الأفنية والطرقات لخرجتم إليها تجأرون، أي: تضجون إلى الله بالدعاء والبكاء، قال أبو ذر لما روى هذا الحديث: لوددت أني كنت شجرة تعضد، يعني: يا ليتني كنت نباتاً يأكلني من شاء الله من خلقه، ولا أكون من الخلق فأبعث يوم القيامة وأقف بين يدي الله .

стр. 2498

تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن الصافون) ذكر الله عن الملائكة قولهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات:١٦٥] الصافون صفاً أي: الواقفون صفاً، فكأن الملائكة يذكرون أنهم يصفون بين يدي الله في العبادة قائمين مصلين مسبحين له في صفوف، ولذلك أمرنا أن نقف في صفوفنا في الصلاة كما تقف الملائكة، فالنبي ﷺ قال لأصحابه: (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها قالوا: وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يتمون الصف الأول ويتراصون في الصف)، فالملائكة إذا وقفوا بين يدي الله سبحانه يتمون الصفوف، وهذا شيء ننبه إليه كثيراً، فمن المصلين من يملئون نصف المسجد ويتركون أطراف المسجد وهذا خطأ! وسنة النبي ﷺ أولى، فالأولى أن تتشبه بملائكة الله في إكمال الصف الأول ثم البدء بالصف الثاني حتى يكتمل، ويبدأ بالصف الثالث حتى لا يكون هناك فراغات في الصفوف، فقد قال الله تعالى عن الملائكة: ((وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)) هذا معنى، ومن معاني (الصافون): أي: تصف أجنحتها تأدباً وخشوعاً بين يدي الله وانتظاراً لأمر الله ولتنفيذه يعني: على رغبة واستعداد، فالله يأمرهم وهم يصفون أجنحتهم قائمين بين يدي الله ينتظرون متى يأتي أمر الله فينفذون أمره سبحانه.

стр. 2499

تفسير قوله تعالى: (وإنا لنحن المسبحون) قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ [الصافات:١٦٦] هذا رد على الكفار الذين عبدوا الملائكة من دون الله سبحانه، الملائكة تقول: نحن عباد الله سبحانه، ولسنا نستحق أن نعبد، بل نحن عبيد لله سبحانه نسبحه ونصطف صفوفاً بين يديه خاشعين عابدين له . فقوله تعالى: ((وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ)) بمعنى: المصلون، وبمعنى أيضاً: المنزهون لله أي: نحن المصلون ونحن المنزهون لله سبحانه.

стр. 2500

تفسير قوله تعالى: (وإن كانوا ليقولون) قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ﴾ [الصافات:١٦٧] أي: وإن كان الكفار ليقولون: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ﴾ [الصافات:١٦٨] هذا قبل بعثة النبي صلوات الله وسلامه عليه، إذ كان الكفار صرعى في جهلهم وجهالاتهم، فكان أهل الكتاب يقولون لهم: أنتم مشركون تعبدون الأصنام، وهذا من كفركم، وجهلكم، فكانوا إذا قيل لهم ذلك يردون على هؤلاء بقولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الأَوَّلِينَ * لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات:١٦٨ - ١٦٩] أي: لو أن الله نزل علينا كتاباً لكنا سبقنا غيرنا في عبادة الله، وكنا نحن العباد المخلصين الذين اجتباهم الله . وهذه فيها قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر وقراءة الكوفيين (المخلِصين) بمعنى: المجتبين اجتبانا الله واختارنا، والقراءة الأخرى: (المخِلصين) قراءة باقي القراء بمعنى: لأخلصنا العبادة وما أشركنا بالله سبحانه. قال سبحانه: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الصافات:١٧٠] أي: كفروا بالقرآن وكفروا بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، فيهددهم الله سبحانه، فسوف يعلمون نتيجة تكذيب هؤلاء لربهم سبحانه.

стр. 2501

تفسير قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧١] أي: سبق من الله الوعد لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال: ((إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ)) هذا وعد من الله أنه ينصر رسله سبحانه وتعال. ((وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)) فمن كان من جند الله سبحانه، فله وعد من الله بأن ينصره، وأن يجعله الغالب وليس المغلوب، وهذا الوعد من الله لابد أن يكون وإن تأخر، ولا يشترط أن يكون في أول الأمر. وهذه الآيات نزلت على النبي ﷺ وهو في مكة، في الوقت الذي كان يؤذى فيه هو والمؤمنون، فيطمئنهم الله بأنكم منصورون وغالبون، وتمر السنون فيهاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ثم يجاهد في سبيل الله ويأتي نصر الله وتفتح مكة بعد ذلك، وصدق الله العظيم: ((إِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ)) فأخبر عن عباده المرسلين أنه ينصرهم، وأنهم يغلِبون، فكان ما أخبر الله به. نسأل الله أن ينصر الإسلام والمسلمين في كل مكان. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2502

تفسير سورة الصافات [١٧١ - ١٨٢] من سنن الله الكونية أنه يبتلي رسله وأنبياءه وأولياءه، لكنه سبحانه يجعل العاقبة لهم، فعلى المسلم أن يسلك سبيل الصلاح والخير وإن ابتلي، فإن الله سيجعل له العاقبة إن كان متمسكاً بشرعه سبحانه وبهديه.

стр. 2503

تفسير قوله تعالى: (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة الصافات: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ * فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ * وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ * وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ * سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٧١ - ١٨٢]. ختم الله سبحانه ﵎ سورة الصافات بوعده سبحانه ﵎ لعباده المرسلين بأن ينصرهم سبحانه وأن يجعلهم هم الغالبين. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧١] أي: سبق وعدنا لعبادنا المرسلين، وقضينا بذلك وقدرناه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، وعداً من الله، ووعد الله حق: أنه ينصر عباده ورسله، وأن من اعتصم بالله سبحانه وقاه سبحانه وكان معه، ومن استنصر بالله فتح له، وكان سبحانه معه، حتى وإن تأخر النصر، فإنه سبحانه لم يقل: إن النصر يأتي سريعاً، بل في آخر سورة يوسف قال الله سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. فالله سبحانه ﵎ يقدر ما يشاء، والعادة منه سبحانه أنه ينصر عباده، إذا استنصروا به وإذا اعتصموا به، وإذا لجئوا إليه، وإذا أقاموا دينه، وإذا توكلوا عليه، فالنصر له أسباب، فيأخذ المؤمن بأسباب النصر: من توكل على الله سبحانه، ومن دعوة إلى الله، ومن توحيد لله سبحانه، ومن عقيدة سليمة في قلبه، ومن إعداد القوة لأعداء الله سبحانه، امتثالاً لقوله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]. فمن اعتصم بالله سبحانه فالله يعصمه والله ينصره، ولكن هل معنى ذلك أن عباد الله المؤمنين لا يُقتلون؟ وأنهم لا يفتنون؟ وأنهم لا يهزمون أحياناً؟ الجواب لا، ولكن النتيجة في النهاية أن ينصر الله دينه، ولكن لا بد من البلاء، كما قال سبحانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢]. فلا بد من المحن، ولا بد من البلاء، حتى يميز الله الخبيث من الطيب، ولذلك ذكر الله هذه السورة المكية للنبي ﷺ لتثبيته، وليطمئن المؤمنين فيما هم فيه من بلاء ومحن، فقد نزلت هذه السورة في وقت بلاء على النبي ﷺ ، ووقت محن على المؤمنين، فأنزل الله هذه السورة ليثبتهم ويطمئنهم؛ لأنهم سينصرون يوماً من الأيام، وهذا النصر جاء بعد نزول هذه السورة بسنين، فقد هاجر النبي ﷺ وهو خائف من المشركين، والمشركون يتبعون النبي ﷺ ويبحثون عنه، ويجعلون دية لمن يأتي به صلوات الله وسلامه عليه، ويهاجر النبي ﷺ إلى المدينة وهنالك يدعو إلى ربه سبحانه، حتى نصره الله سبحانه في يوم بدر، ثم هُزم المؤمنون في يوم أحد، ثم بعد ذلك يأتي يوم الخندق، وينصر الله المؤمنين، وفر المشركون، وأتى جند من جند الله من رياح بعثها الله على المشركين من غير أن يقاتل المؤمنون، ولكنهم خندقوا حول المدينة، وانتظروا الفرج من الله، فجاء نصر الله ، فينتصرون أحياناً وقد ينتصر الكفار عليهم حيناً، حتى يأتي وعد الله سبحانه، ويأتي نصر الله، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١] أي: فتح مكة، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٢ - ٣]. فهذا النبي ﷺ نصره الله سبحانه وفتح له مكة التي كانت دار كفر، فصارت معقل الإيمان بعد ذلك، فتحها الله بعد نزول هذه السورة بسنين، فنصر الله لم يقل الله: إنه يأتي سريعاً، ولم يقل: إنه مجرد ما يدعوه إنسان يأتيه النصر حالاً، وإنما قال لنا: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢] وقال لنا: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ﴾ [يوسف:١١٠] أي: أصابهم اليأس من إيمان قومهم، فلم يؤمنوا، وتعبوا من قومهم الكفار ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠] أي: ظنوا أن قومهم لن يدخلوا في دين الله سبحانه ﵎، وأن الله سينصرهم يوماً من الأيام، ولكن تأخر وعد الله سبحانه، وتأخر نصر الله سبحانه، وظن المؤمنون أن وعد الله سبحانه لن يأتي: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠]، فظن الرسل واستيقنوا أو ظنوا ظناً غالباً أن قومهم لن يدخلوا في الإيمان، وأتباع الرسل من المؤمنين ظنوا أن الله لن يفعل هذا برسله ولن ينصرهم، فإذا بنصر الله يأتي في هذا الحين، ولذا قال: ﴿جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠]. فينجي الله سبحانه ﵎ من يشاء، وليس شرطاً لنصر الله أنه لا يكون هناك قتلى، بل لابد وأن يوجد قتلى، بل قد قتل أعداء الله في حين من الأحيان أنبياء الله على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، فقتلوا زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقتلوا يحيى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأرادوا قتل المسيح عيسى بن مريم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فرفعه الله سبحانه، وأرادوا قتل موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فالله يخبرنا عن قصص هؤلاء: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى﴾ [يوسف:١١١] أي: ليس حديثاً كذباً، ولكن الله يخبرنا بالحق، حتى نطمئن بوعد الله سبحانه، وننتظر نصر الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٧١]. وعد من الله لكل الرسل أن الله ينصرهم، حتى وإن قتل أناس من المؤمنين، فمصيرهم إلى الجنة، وهم من أعظم الشهداء. وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات:١٧٢] أي: رسل الله عليهم الصلاة والسلام. وقوله: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا﴾ [الصافات:١٧٣] أي: جند الله، فإذا كان الإنسان يستحق أن يكون من جند الله استحق نصر الله سبحانه، فإن جند الله هم الذين في قلوبهم العقيدة السليمة، وفي قلوبهم الإيمان بالله سبحانه، وتوحيد الله سبحانه، وطاعة الله سبحانه، والتوكل على الله سبحانه، ويعدون العدة لأعداء الله، فهؤلاء يغلبون الكفار.

стр. 2504

تفسير قوله تعالى: (وتول عنهم حتى حين وأبصر فسوف يبصرون) قال تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ﴾ [الصافات:١٧٤]. أي: أعرض عن هؤلاء، حتى يأتيك أمرنا، وهنا الأمر بالإعراض عنهم نسخ بما جاء من أمر الله بقتال هؤلاء الكفار في قوله : ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥]. يبقى هنا أمر النبي ﷺ بالصبر وبالصفح وبالتولي والإعراض عن هؤلاء إلى حين، فقد أرجأه ربه سبحانه إلى أن ينزل من القرآن ما فيه الأمر بقتال هؤلاء، فجاءت هذه الآية التي في سورة براءة، فأمر النبي ﷺ بقتال هؤلاء. فالله سبحانه قال له هنا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِين ٍ * وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٤ - ١٧٥]، أي: اصبر عليهم، وأبصر ما الذي يحدث لهم وما الذي يحدثونه، فسوف يجدون عاقبة ذلك وعقوبته من ربهم سبحانه. ((وَأَبْصِرْهُم فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ)) سوف يبصرون حين لا ينفعهم الإبصار، يبصرون فيرون ملائكة الله وهم ينزلون عليهم فيقتلونهم، وقد رأوا في يوم بدر كيف نزلت الملائكة تقاتل هؤلاء الكفار، وتقطع رءوسهم، وتدفعهم وتضربهم، ورأى المؤمنون كيف نصرهم الله على هؤلاء الكفار، والمعنى: وأبصر هؤلاء الكفار، فسوف يبصرون عذاب الله سبحانه.

стр. 2505

تفسير قوله تعالى: (أفبعذابنا يستعجلون .) قال تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧٦]، ماذا يستعجل هؤلاء الجهلة المغفلون؟! يستعجلون عذابنا فما الذي يكون في عذاب الله سبحانه؟! وكم يستعجلون ويدعون ويقول قائلهم الجاهل كما حكى الله عنه: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]! ويقول جاهلهم الآخر كما حكى الله عنه: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]. فيدعون ربهم بالعذاب على أنفسهم: وعدت بعذابنا فعجل لنا وهات العذاب الذي ذكرته الآن، فيقول الله لهؤلاء المغفلين: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات:١٧٦]. ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ﴾ [الصافات:١٧٧] هذا العذاب: ﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ [الصافات:١٧٧]، بفنائهم وبدورهم، إذا نزل هذا العذاب عليهم: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧]. وكانت عادة الله سبحانه أن ينزل العذاب وقت الإشراق ووقت الصباح، ولذا قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات:١٧٧] أي: حين يأتي عليهم العذاب من رب العالمين، وأكد الله لهم ذلك وكرر فقال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات:١٧٨]، أي: استمر على ما أمرك الله إلى أن يأتي الأمر من عندنا لتقاتلهم. ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات:١٧٩]، وكل هذا حتى يطمئن النبي ﷺ بنصر الله وبإنجاز الله وعده، فسوف يبصرون ما يأتيهم من عذابه سبحانه.

стр. 2506

تفسير قوله تعالى: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]، نزه الله سبحانه نفسه عما قاله المشركون من أن الله اتخذ صاحبة، ومن أن الله اتخذ الولد، ومن أن الملائكة بنات الله، ومن أن الله تزوج من الجن، فنزه سبحانه ﵎ نفسه فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ﴾ [الصافات:١٨٠]. ووصف نفسه سبحانه بأنه الرب سبحانه، وأنه رب العزة سبحانه، فهو العزيز الغالب الذي لا يقهر، والعزة لله سبحانه، فهو العزيز، ويجعل العزة للمؤمنين، فيعزهم ويجعلهم يعتزون على أعداء الله ، فالله صاحب العزة، فهو رب العزة، والعزة لله، والعزة للمؤمنين، وعزة الله صفة من صفاته ، وعزة المؤمنين فعل من الله بالمؤمنين فيخلق للمؤمنين ما يتعززون به، وجعل في أنفسهم العزة والأنفة من أن يشركوا بالله ، فهو العزيز ولله العزة سبحانه، وهذه العزة تليق به سبحانه، وللنبي ﷺ وللمؤمنين العزة التي تليق بهم كمخلوقين. ثم قال تعالى: ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات:١٨١]. يسلم الله على المرسلين، والسلام: الأمن والطمأنينة والحياة العظيمة الجميلة السالمة عند الله سبحانه، والذكر الحسن لهؤلاء والثناء الحسن عليهم. فيعلمنا الله أن نسلم على رسل الله، فإذا ذكروا قلنا: النبي عليه الصلاة السلام، أو النبي ﵇، أو ﷺ تسليماً كثيراً. فهذه السورة ختمها الله بآية العز فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون َ * وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:١٨٠ - ١٨٢]. فيستحب أن الإنسان إذا ختم الشيء أن يذكر الله سبحانه مسبحاً إياه سبحانه مسلماً على الأنبياء والمرسلين، حامداً رب العالمين سبحانه. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2507

تفسير سورة الزمر من الآية [١ - ٢] سورة الزمر من أعظم السور المكية، وفيها نفي الشرك وإثبات التوحيد، وذكر الدلائل على بطلان الشرك وذكر أدلة التوحيد، فهي سورة كافية شافية في أمر التوحيد والإيمان.

стр. 2508

بين يدي تفسير سورة الزمر الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:١ - ٦]. هذه السورة التاسعة والثلاثون من كتاب ربنا وهي سورة الزمر، وسورة الزمر من السور المكية، قيل: إلا بعض الآيات منها نزلت في المدينة، والراجح: أن جميع آيات هذه السورة آيات مكية. وعدد آياتها: خمس وسبعون آية، واختلف علماء العد في هذه الآيات، فذهب من عد من الحجازيين والبصريين إلى أن عدد الآيات فيها: اثنان وسبعون آية، وفي العد الشامي: ثلاث وسبعون آية، وعد الكوفيين: خمس وسبعون آية، وكما ذكرنا قبل مراراً: أن علماء القرآن في عدهم الآيات ينظرون أين وقف النبي ﷺ ، فيكون وقوف النبي ﷺ على الفاصلة وهي رأس الآية، وقد يقف النبي ﷺ على موضع من المواضع فيكون رأس آية عند بعض علماء القرآن، ولا يكون رأس آية عند البعض الآخر، فهذا سبب الخلاف. ففي قوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]، فقوله تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) غير الكوفيين يعتبرون هذه رأس آية، وعند الكوفيين ليست رأس آية، وإنما ما بعدها ((إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ)). وعد الكوفيين قوله سبحانه: ﴿دِينِي﴾ [الزمر:١٤] هذه رأس آية. وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] رأس آية، وقالوا: قوله تعالى: ((فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) جاءت مرتين: والمرة الثانية عدوها رأس آية. وكذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٣٩]، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] عدها الكوفيون والدمشقيون ولم يعدها غيرهم. وقوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي﴾ [الزمر:١٧] تركها المكي والمدني الأول في هذه السورة، وعد مكانها: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [الزمر:٢٠] إذاً: هنا لا نقول: عدوا اثنين وسبعين آية، أو عدوا ثلاثاً وسبعين آية، أو عدوا خمساً وسبعين آية، بل هي موضع الوقف، أين وقف النبي ﷺ ؟ فالبعض يقول: وقف في هذا الموضع، إذاً: هذا رأس آية، والبعض الآخر يقول: لا، وقف هنا لانقطاع النفس وليس رأس الآية، وإنما رأس الآية التي بعدها، والآيات هي نفسها آيات هذه السورة، ولكن الخلاف أين وقف؟ فالاختلاف في ذلك.

стр. 2509

خصائص سورة الزمر سورة الزمر من السور المكية، وتتميز هذه السورة العظيمة بالخصائص المكية، وهذه السورة نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة غافر، هذا في ترتيب النزول، وحسب ترتيب نزول السور على النبي ﷺ تعد هذه السورة هي التاسعة والخمسون، يعني: في ترتيب عد نزول السورة على النبي ﷺ . إذاً: حين نقول: ترتيب النزول هذا شيء، وترتيب المصحف شيء آخر، فترتيب المصحف ليس على ترتيب نزول السور، ولا على ترتيب نزول الآيات، فقد تنزل السورة قبل السورة، إذْ السورة موضعها في كتاب الله ليست على ترتيب نزولها، إذاً: ترتيب السور في القرآن توقيفي على ما قرأه النبي ﷺ مع جبريل في آخر عرضة عرضها جبريل على النبي ﷺ ، فكان هذا الترتيب الذي عندنا في كتاب الله ، فكانت تنزل سورة، وتنزل آيات، فيقال له: ضعها في موضع كذا من سورة كذا، وتنزل آيات، فيقول: ضعها في موضع كذا من سورة كذا، فلما أتم الله هذا القرآن العظيم عرضه جبريل مع النبي ﷺ مرتين في آخر عرضة عرضها عليه، وكان ذلك في آخر حياته ﷺ ، في آخر رمضان صامه النبي ﷺ وقامه فكان على هذا الترتيب الذي بين أيدينا. سورة الزمر سميت بسورة الزمر؛ لأن (كلمة (زمراً) ذكرت فيها. وذكر الإمام القرطبي وتبعه غيره ممن بعده من المفسرين أنها تسمى بسورة الغرف أيضاً لكون هذه الكلمة ذكرت فيها فسميت بذلك، وهذا من قول وهب بن منبه. والتسمية بالزمر كانت من عهد النبي ﷺ ، وكانت السيدة عائشة تخبر أن النبي ﷺ كان يقرأ هذه السورة قبل نومه، فجاء في سنن الترمذي من حديث أبي لبابة قال: قالت عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ لا ينام على فراشه حتى يقرأ بني إسرائيل والزمر) حتى يقرأ بني إسرائيل، أي: سورة الإسراء، فهي تسمى بسورة بني إسرائيل، وبسورة سبحان؛ لأنها بدأت بذلك، فكان إذا أراد أن ينام ﷺ وهو على فراشه قرأ سورة سبحان، أي: سورة الإسراء، وقرأ أيضاً سورة الزمر صلوات الله وسلامه عليه، وليس دائماً ولكن أحياناً كان يقرأ هذا، وأحياناً كان لا ينام حتى يقرأ سورة: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١]، ويقرأ سورة: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١ - ٢] إذاً: كان أحياناً يقرأ هذه، وأحياناً يقرأ هذه، وجاء عنه أنه كان يقرأ سوراً قبل أن ينام منها: المسبحات يعني: كل السور التي بدأت بسبحان، سبح، ويسبح. إذاً: سبع سور كان يقرؤها النبي ﷺ قبل أن ينام ويخبر أن فيها آية من أعظم الآيات. هذه السورة مكية، وفيها خصائص السور المكية، وهي: أمر ترسيخ العقيدة في القلوب؛ لأن القرآن المكي ليس فيه أحكام كثيرة، فالأحكام كانت في المدينة، ففي المدينة نزلت الأحكام الشرعية والفقهية على النبي ﷺ ، في العبادات والمعاملات وفي الجهاد في سبيل الله ، هذه كلها في المدينة، لكن في مكة كان الاهتمام بالتربية، بأن ينشأ المسلمون على العقيدة، ويمتلئ القلب بنور الدين وبنور الإيمان، فهنا ترسيخ أمر العقيدة، ونفي الشرك عن القلوب. إذاً: هنا كانوا قريب عهد بشرك وهم في مكة، فكان القرآن ينزل عليهم ليعلمهم توحيد الله سبحانه، ويرسخ ذلك في قلوب المؤمنين، فأغراض هذه السورة هي أغراض السور المكية، وترتيب أمر التربية الأهم ثم ما هو مهم بعد ذلك، فأهم الأشياء نفي الشرك من قلوبهم، وإثبات وتقرير التوحيد في القلوب، فبدأت هذه السورة بالإشارة تنويهاً إلى شأن هذا القرآن العظيم، تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم. إذاً: القرآن العظيم نزل من عند الله، وأشار في مواضع من هذه السورة العظيمة إلى هذا القرآن، سواء قال: القرآن، أو قال: الكتاب، أو أشار إليه بالضمير في مواضع، يشير إلى هذا القرآن كيف يتعامل معه المؤمنون حين يسمعون هذا القرآن، قال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] فقد بدأ الله هذه السورة بالإشارة والتنويه إلى عظمة هذا القرآن الذي نزل من عند الله سبحانه، وفي هذه السورة إثبات تفرد الله بالألوهية، وأنه وحده الذي يستحق ذلك، وإبطال ما كان عليه المشركون من شرك بالله سبحانه وعبادة غيره، وإبطال ما يتعللون به من كلام فارغ باطل حين يسألون: لم تعبدون هذه الأصنام من دون الله؟ فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فيكذبهم الله فيما يقولون في هذه السورة وفي غيرها. كذلك فيها نفي ما كانوا عليه من ادعاء أن الله اتخذ الولد، تعالى الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً، ففيها نفي هذا الشرك بالله سبحانه وأن يكون يتخذ ولداً، قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤] حاشا له أن يكون له الولد سبحانه! ولكنه الله الذي خلق كل شيء، ولو أراد أن يكون له ولد لاصطفى من خلقه ما يشاء ووصفه بذلك، أما أنه يتناسل كالبشر حاشا له ، فالبشر بعجزهم يحتاجون لبقاء نوعهم في هذا الكون، فيحتاجون لذلك، فالرجل يحتاج للمرأة، والاثنان يحتاجان للولد، لأن هذا يصير شيخاً، وهذه تصير عجوزاً، فتقل القوة والقدرة، وهذا يموت وتموت هذه، فيبقى النسل امتداداً للوالد وللوالدة، ولكن الله سبحانه هو الحي الذي لا يموت، والباقي أبداً ، من الأزل وإلى الأبد ، لا يفنى ولا يبيد ولا يكون إلا ما يريد ، فلذلك الله هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، ولو كان له ولد لكان فيه صفات الربوبية وصفات الإلهية، ولكان محتاجاً أن يكون له ولد، ويعجز هذا الأب طالما أنه احتاج إلى أن يكون له ولد في يوم من الأيام، فالله لا يحتاج إلى شيء، ولا يعجزه شيء ، والذي يحتاج إلى الولد هو المخلوق، أما الخالق فهو متعال عن ذلك سبحانه. في هذه السورة الاستدلال على وحدانية الله سبحانه، وأنه الواحد الذي لا شريك له، ويذكر لنا الدلائل على ذلك، بأنه خلق السموات والأرض ، وخلق الإنسان من هذه النطفة، وأنزل لنا ثمانية أزواج من هذه الأنعام. كذلك يذكر لنا التطور العجيب في خلق الإنسان من نطفة أمشاج ، وطوره إلى أن كان جنيناً في بطن أمه ونزل طفلاً، ثم صار بالغاً، ثم صار شيخاً، فأطوار خلق هذا الإنسان ينبهنا على أن هذا الإنسان كان ضعيفاً ويصير في النهاية إلى الموت بعدما يكون شيخاً كبيراً. أيضاً: فيها الاستدلال من فعل هؤلاء المشركين على حاجتهم إلى الله ، طالما أنت محتاج إلى الله تقول: يا رب يا رب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، فالإنسان محتاج إلى الله سبحانه، يجأر إليه في وقت الضر فيقول: يا رب يا رب، فطالما أنك محتاج إلى الله فلماذا لا تعبده في كل وقت؟ وما الداعي لأن تشرك به ؟ كذلك فيها الدعوة إلى التدبر في هذا القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] هذه دعوة للتدبر في هذا القرآن، والله نزل أحسن الحديث؛ إذ كانوا يسمعون الأحاديث من العرب، كانوا يسمعون أخبار الفرس وغيرهم والنوادر والحكايات، وكانوا يقولون الأشعار، فيخبرهم الله أن أحسن حديث عندكم هو كتاب الله ، نزله الله يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإتقان والإحكام، ليس فيه أننا نقول: هذه الآية محكمة ومتقنة وهذه الآية ليست كذلك، بل كل القرآن على هذا المستوى الراقي العالي المعجز للخلق جميعهم، فيتحدى الله خلقه بالقرآن كله، أو ببعض هذا القرآن أن يأتوا بسورة من مثله فلا يستطيعون، فهو متشابه في الحسن وفي الجمال وفي الإتقان، وفي الإحكام وفي الإعجاز كله يشبه بعضه بعضاً في ذلك. وهو مثانٍ يكرر الله فيه التثنية، ويكرر فيه الحكم والمواعظ والقصص على نحو عجيب فريد، فتسمع القصة في سورة فتعجب لجمالها، فتسمعها في سورة أخرى فتتعجب كيف يتنوع الأمر والسورة والقصة واحدة مذكورة هنا ومذكورة هنا، ومذكورة هنا! وفي كل موضع توافق السورة ولا تخالفها في هيئتها وتجد فيها من الحكم الشيء العظيم. كذلك في هذه السورة تنبيه الناس إلى كفرهم بالله سبحانه، وعدم شكرهم نعمته، يعطيهم الله النعم فلا يشكرونه ، فينبههم إلى أن يشكروا الله؛ لأن الإنسان الذي يشكر الله يشكر نفسه، والنفع يعود إليه، والضر ليس على الله وإنما ضره عليه. كذلك فيها المقابلة بين حال أهل التوحيد، وبين حال أهل الشرك، كيف أن أهل التوحيد استحقوا دخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [إبراهيم:٢٣]، وأدخل الذين كفروا نار جهنم والعياذ بالله، هذا مآل المؤمنين، وهذا مصير الكافرين. كذلك فيها التحذير مما حل بالأمم السابقة، وهذه من خصائص السور المكية، فالله سبحانه يحذر الناس أن يحل بهم من العقوبات ومن المثلات ما حل بالذين

стр. 2510

أدلة وحدانية الله في سورة الزمر وبعض ما ذكر فيها في هذه السورة الاستدلال على وحدانية الله سبحانه، وأنه الواحد الذي لا شريك له، ويذكر لنا الدلائل على ذلك، بأنه خلق السموات والأرض ، وخلق الإنسان من هذه النطفة، وأنزل لنا ثمانية أزواج من هذه الأنعام. كذلك يذكر لنا التطور العجيب في خلق الإنسان من نطفة أمشاج ، وطوره إلى أن كان جنيناً في بطن أمه ونزل طفلاً، ثم صار بالغاً، ثم صار شيخاً، فأطوار خلق هذا الإنسان ينبهنا على أن هذا الإنسان كان ضعيفاً ويصير في النهاية إلى الموت بعدما يكون شيخاً كبيراً. أيضاً: فيها الاستدلال من فعل هؤلاء المشركين على حاجتهم إلى الله ، طالما أنت محتاج إلى الله تقول: يا رب يا رب، قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، فالإنسان محتاج إلى الله سبحانه، يجأر إليه في وقت الضر فيقول: يا رب يا رب، فطالما أنك محتاج إلى الله فلماذا لا تعبده في كل وقت؟ وما الداعي لأن تشرك به ؟ كذلك فيها الدعوة إلى التدبر في هذا القرآن، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] هذه دعوة للتدبر في هذا القرآن، والله نزل أحسن الحديث؛ إذ كانوا يسمعون الأحاديث من العرب، كانوا يسمعون أخبار الفرس وغيرهم والنوادر والحكايات، وكانوا يقولون الأشعار، فيخبرهم الله أن أحسن حديث عندكم هو كتاب الله ، نزله الله يشبه بعضه بعضاً في الحسن والإتقان والإحكام، ليس فيه أننا نقول: هذه الآية محكمة ومتقنة وهذه الآية ليست كذلك، بل كل القرآن على هذا المستوى الراقي العالي المعجز للخلق جميعهم، فيتحدى الله خلقه بالقرآن كله، أو ببعض هذا القرآن أن يأتوا بسورة من مثله فلا يستطيعون، فهو متشابه في الحسن وفي الجمال وفي الإتقان، وفي الإحكام وفي الإعجاز كله يشبه بعضه بعضاً في ذلك. وهو مثانٍ يكرر الله فيه التثنية، ويكرر فيه الحكم والمواعظ والقصص على نحو عجيب فريد، فتسمع القصة في سورة فتعجب لجمالها، فتسمعها في سورة أخرى فتتعجب كيف يتنوع الأمر والسورة والقصة واحدة مذكورة هنا ومذكورة هنا، ومذكورة هنا! وفي كل موضع توافق السورة ولا تخالفها في هيئتها وتجد فيها من الحكم الشيء العظيم. كذلك في هذه السورة تنبيه الناس إلى كفرهم بالله سبحانه، وعدم شكرهم نعمته، يعطيهم الله النعم فلا يشكرونه ، فينبههم إلى أن يشكروا الله؛ لأن الإنسان الذي يشكر الله يشكر نفسه، والنفع يعود إليه، والضر ليس على الله وإنما ضره عليه. كذلك فيها المقابلة بين حال أهل التوحيد، وبين حال أهل الشرك، كيف أن أهل التوحيد استحقوا دخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [إبراهيم:٢٣]، وأدخل الذين كفروا نار جهنم والعياذ بالله، هذا مآل المؤمنين، وهذا مصير الكافرين. كذلك فيها التحذير مما حل بالأمم السابقة، وهذه من خصائص السور المكية، فالله سبحانه يحذر الناس أن يحل بهم من العقوبات ومن المثلات ما حل بالذين من قبلهم. كذلك يعلم الله المشركين في هذه السورة أنه لا يعبأ بهم ، فليس لهم عند الله منزلة إلا أن يعبدوه وحده لا شريك له؛ فإذا كانوا هم وأصنامهم وشركاؤهم لا قيمة لهم إلا بأن يوحدوا الله وأن يدخلوا في دين الله، ففيها أنه يتحدى هؤلاء فيدخلهم يوم القيامة النار، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]. إذاً: أدخل الذين كفروا إلى النار زمراً وأفواجاً، فإذا دخلوا النار بكتوا بهذا الذي يقوله لهم ربهم، وتقوله لهم ملائكة الله سبحانه، وجوزوا يوم القيامة بما أنكروه في الدنيا، فقد أنكروا البعث، وأنكروا الحساب والجزاء، فجوزوا بذلك يوم القيامة، وهذا كله في سياق هذه السورة وغيره كثير مما نراه في هذه السورة المكية العظيمة.

стр. 2511

تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) بدأ الله هذه السورة بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١] أي: هذا تنزيل الكتاب، أو تنزيل هذا القرآن من عند الله سبحانه العزيز الحكيم، وكلمة تنزيل مصدر نزل تنزيلاً، فنزل القرآن من عند الله، والنزول: الهبوط من أعلى إلى أسفل، فالقرآن نزل وجاء من فوق، فالله نزل أحسن الحديث، وهذا دليل من الأدلة الكثيرة على علو الله وأنه فوق سمواته. نزل هذا القرآن كله في ليلة القدر كما قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، نزل إلى بيت العزة في السماء الدنيا كما صح ذلك عن ابن عباس رضي الله وتعالى عنهما ثم نزل على النبي ﷺ بعد ذلك من وقت أن نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١] إلى أن نزل آخر هذا القرآن العظيم، فنزل نجوماً على النبي ﷺ ، أي: مقطعاً؛ يعني: سوراً سوراً أو آيات تنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه. فهذا القرآن نزل من السماء من عند الله، (تنزيل الكتاب)، هذه اللام هنا: للعهد، يعني: هذا الكتاب المعهود الذي تعرفونه من الله الإله الذي يستحق أن يعبد، نزل عليكم هذا القرآن، وفيه إشارة إلى أن القرآن نزل لتعبدوا الله العزيز الحكيم. (الله): لفظ الجلالة ومعناه: المعبود سبحانه، العزيز بمعنى: الغالب القاهر الذي لا يمانع ولا يغالب، الذي إذا قضى شيئاً لابد أن يكون كما أراد ، وهو الحكيم في أقواله. والحكيم في أفعاله، والحكيم لها معان كما ذكرنا قبل ذلك، فالحكيم: الذي له الحكمة، والحكيم: الذي له الحكم، والحكيم: الذي يحكم الأشياء ويتقنها في صنعتها ، فهنا الله الحكيم الذي لا يخرج شيء عن علمه وعن حكمته، كل شيء يدور في هذا الكون ويوجد فيه بحكمة من الله علمها من علمها وجهلها من جهلها، وليس بالضرورة أن يعلم كل إنسان الحكمة في كل أمر من أوامر الله ، ولكن يستيقن المؤمن أن كل شيء يجري بحكمته . إذاً: الله الحكيم الذي له الحكمة ، وكل شيء له عند الله حكم معينة يعلمها سبحانه، وخلق هذا الشيء من أجلهم. والحكيم مأخوذ أيضاً: من الحكم يعني: الذي له الحكم والذي له الأمر، يأمر فلا بد أن يطاع ، إذاً: الحكيم بمعنى: الحاكم أيضاً: الذي له الحكم يحكم بما يريد. والحكيم أيضاً: يأتي بمعنى: المحكم، ومحكم بمعنى: متقن، يعني: الذي أتقن كل شيء خلقه سبحانه، وكل خلق من خلق الله ينظر إليه الإنسان فيرى من الله إتقاناً في صنعه لهذا الشيء، في الإنسان في الحيوان في السماء في الجماد في النبات، في كل شيء فيه بديع خلق الله سبحانه، وفيه إتقان هذا الصنع منه سبحانه، فهو المحكم . والمحكم أيضاً: المدبر للأمر فيكون على ما أراده ، ولا يخرج شيء عن إرادته الكونية القدرية . إذاً: يحكم الشيء فلا يدخل في إحكامه فساد ولا خلل ولا زلل في خلقه ، فعبر بهذه اللفظة الواحدة الحكيم عن كل هذه المعاني التي ذكرناها، إذاً: نزل القرآن من عند الله الذي هو إله يستحق وحده العبادة الذي هو العزيز الغالب، وإذا علمت أنه العزيز سبحانه فما الذي يدفعك إذا كان ربك سبحانه أنزل القرآن ألا تهتم لأمره، ولا تستجيب له؟ هو الحكيم سبحانه الذي له الحكمة البالغة، ويكرر: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢] إنا: هنا عبر بنون العظمة، فالقرآن العظيم نزل من عند رب العالمين، والله تكلم بهذا القرآن، والله أنزل هذا القرآن، فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر:٢] إلى النبي ليس على غيره وإنما عليه صلوات الله وسلامه عليه جاء هذا القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢] إذاً: النزول من السماء حقاً، لا يأتي من مكان آخر غير السماء، ونزل متلبساً بالحق، وفي هذا القرآن الحق، فيه الشريعة العظيمة التي يحق الله بها الحق ويبطل بها الباطل، وإذا نزل القرآن بالحق فاتبع هذا القرآن، قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] اعبد ربك ولا تشرك به أحداً، وجه وجهك وأخلص قلبك، وامش على صراط الله سبحانه، وأخلص له دينك. نسأل الله سبحانه أن يرزقنا الإخلاص في السر والعلن. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2512

تفسير سورة الزمر [١ - ٤] أمر الله نبيه بالإخلاص في العمل والعبادة لله سبحانه، وهو أمر لجميع المؤمنين، فالمشركون لم يخلصوا عبادتهم لله، بل أشركوا مع الله آلهة أخرى، وحجتهم أنها تقربهم إلى الله زلفى، وقد بين الله ضلالهم وبعدهم عن الحق والهدى.

стр. 2513

تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:١ - ٤]. هذه السورة الكريمة هي السورة التاسعة والثلاثون من كتاب الله سورة الزمر، وهي من السور المكية، ونعرف من خصائص السور المكية ترسيخ أمر العقيدة في قلوب المؤمنين، أمر التوحيد، وضرب الأمثلة في ذلك، وبيان أن الله الذي تفرد بالخلق هو الوحيد سبحانه، وهو وحده الذي يتفرد بالأمر بالتشريع، وهو الذي يتفرد بالعبادة وحده لا شريك له فيعبد دون من سواه. فبدأ بذكر هذا الكتاب العظيم وقال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر:١]، يعني: أن هذا القرآن العظيم نزل من عند الله، نزله الله سبحانه إنزالاً وتنزيلاً من عنده، نزل من السماء إلى الأرض عن طريق جبريل، جاء به للنبي ﷺ في خلال ثلاث وعشرين سنة، وقد نزل هذا القرآن وفيه أحكام الشريعة والهداية لهذه الأمة، وفيه النور من الله . قوله تعالى: ((مِنَ)) أي: بدأ الإنزال من عند الله والانتهاء إلى هذه الدنيا إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه ليتعلم الناس منه صلوات الله وسلامه عليه أحكام الله. وقال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر:١] أي: هذا الكتاب المعهود، فاللام: للعهد يعني: هذا القرآن العظيم، هو الكتاب الذي تعرفونه وتعهدونه. وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر:١]، الله الذي تفرد بأن يعبد وحده لا شريك له، فهو الله المألوه المعبود سبحانه، العزيز الذي لا يحتاج إلى أحد، الغالب على أمره سبحانه، القاهر فوق عباده، الذي إذا قضى أمراً مستحيل أن يغالب وأن يمانع فيه، الحكيم الذي له الحكمة العظيمة البالغة في إنزال هذا الكتاب على هذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، إذ نزل القرآن على النبي ﷺ منجماً لا ينزل في وقت واحد، ولكن ينزل على النبي ﷺ خلال ثلاث وعشرين سنة.

стр. 2514

تفسير قوله سبحانه: (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصاً له الدين) قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، فعبر بنون العظمة هنا، فالكتاب عظيم، والله عظيم سبحانه، وهو الذي أنزل هذا القرآن وتكلم به ، وأمر عباده أن يحفظوه، وأن يعملوا بمقتضاه، وأن يعملوا بما شرعه الله فيه. قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر:٢] أي: إلى النبي ﷺ وليس إلى غيره. وقوله تعالى: ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢]، هذه قراءة الجمهور، وقرئت بالإدغام: ((الْكِتَاب بِّالْحَقِّ))، قرأها أبو عمرو بخلفه، ويعقوب أيضاً بخلفه. فقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [الزمر:٢] أي: نزل فيه الحق، متلبساً بالحق، نزل حقاً من السماء على النبي صلوات الله وسلامه عليه. وذكرنا قبل ذلك أن الله أنزله في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر:١]، قال ابن عباس: نزل من عند الله من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في بيت العزة، ثم نزل على النبي ﷺ بعد ذلك في خلال دعوته صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢]، فأمر النبي ﷺ بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن يخلص له الدين، وإخلاص الشيء بمعنى: تنقية الشيء، تقول: خلصت الماء من الشوائب، وأخلصت العسل من الشوائب. إذاً: أخلص الدين لله معناه: خلص الدين ونقاه فجعله له وحده، فلا يكون في هذا الدين شائبة شرك، ولا يكون فيه كدرات الكفر والبعد عن الله سبحانه، والله أغنى الأغنياء عن الشرك ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : (قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي غيري تركته وشركه)، والذي يعمل عملاً لله ولغير الله يتوجب العمل للاثنين، يقول: هذا لله ولفلان، فالله أغنى الشركاء عن الشرك، لا يريد هذا العمل ويرده على صاحبه، فيذهب به صاحبه إلى هذا الشريك فيأخذ منه الثواب إن كان يقدر على ذلك! فالعمل لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله غيره سبحانه في الدعاء وفي جميع عباداته. إذاً: العبد يتوجه إلى الله وحده، فلا يصح أن يقول: هذه لله ولسيدي فلان، لا يكون النذر إلا عبادة، ولا تكون العبادة إلا لله وحده لا شريك له. ففي هذه الآية أمر من الله لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه بأن يخلص لله، وهو الذي لا يشرك بالله صلوات الله وسلامه عليه، فكأن الأمر له وللمسلمين جميعاً، فأنت يا محمد ﵊ مأمور أن تعبد الله ومنهي أن تشرك بالله سبحانه، وهو لا يفعل ذلك ولا يقع في الشرك. فكأن الخطاب لغيره ﵊، أن اقتدوا بالنبي ﷺ فيما أمرناه وفيما اجتنبه صلوات الله وسلامه عليه. فقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:٢] أي: بكل أنواع العبادات، تقرب إلى الله وأنت مخلص لله لا تشرك به أحداً .

стр. 2515

تفسير قوله تعالى: (ألا لله الدين الخالص) قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، تأكيد على هذا المعنى العقدي أن الدين لله ، والدين: التشريع من عند الله سبحانه، والتقرب بتطبيق هذه الشريعة يكون لله . إذاً: الدين من عند الله، والتقرب بتنفيذ هذا الدين لله ، وكل عمل من العبادات يحتاج إلى الإخلاص، والإخلاص لا يكون إلا بنية، حتى تفرق بين عمل وبين عمل آخر. ولذلك كانت كل عبادة من العبادات لا بد فيها من النية حتى يثاب عليها العبد، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات)، فالعمل الصالح لا تؤجر عليه إلا بنية خالصة لله سبحانه، وكم من عمل يعمله الإنسان ويكون ظاهره الصلاح ولا يثاب عليه، فيكون هذا العمل في ظاهره أنه يعمل عملاً صحيحاً ولكن في الباطن يريد به السمعة ويريد به الرياء، ولا يستقيم العمل الصالح على طريق الله سبحانه إلا بالنية الخالصة من العبد. لذلك احتاج كل عمل إلى نية، وأي عمل فيه قربى أو ثواب لا بد من نية صحيحة من العبد حين يعمله، ولذلك قال العلماء: هذه الآية فيها دليل على وجوب النية في كل عمل يعمله الإنسان، ومن أعظم الأعمال التي يعملها الإنسان الصلاة والوضوء الذي لا تصح الصلاة إلا به. إذاً: الصلاة لا بد فيها من نية، والوضوء أيضاً لا بد فيه من نية، وبعض أهل العلم خالف في ذلك، فذهب الأحناف إلى أنه لا يشترط للوضوء النية، وكأنهم حكموا على أمر الوضوء بأنه رفع الحدث حكمه حكم إزالة النجس عن الإنسان، ولا يحتاج فيه إلى نية، قالوا: فكذلك رفع الحدث منه، فلو أن على ثوب الإنسان نجاسة أو على بدنه نجاسة لم تصح صلاته بهذه النجاسة، ويلزمه أن يغسلها، فلو أنه غسل ثوبه أو غسل يده أو غسل عضواً من أعضائه وهو لا يستحضر النية إلا أنه غسل هذا الموضع بالماء حتى أزال منه النجاسة؛ صار طاهراً مع أنه لم ينو، ولو أن عليه نجاسة ونزل عليه ماء من السماء فأزال هذه النجاسة صار طاهراً من النجاسة ولكن ليس متوضئاً، فلا يكون الوضوء ولا يكون الاغتسال لرفع الحدث إلا بنية، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، والنبي ﷺ يخبرنا في الحديث: (إنما الأعمال بالنيات)، كذلك جاء عنه ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: (الوضوء شطر الإيمان)، هذا لفظ الترمذي، ولفظ الإمام مسلم: (الطهور شطر الإيمان). إذاً: التطهر جزء من الإيمان، و (الوضوء شطر)، ولا يكون شطراً من الإيمان إلا وهو عبادة، إذاً: الوضوء شرط لصحة الصلاة وهو عبادة، ولذلك قال: (الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان)، إلى آخر الحديث. فبدأ بالطهور أو بالوضوء، فلا يكون هذا الوضوء وضوءاً تؤجر عليه إلا بنية، وقد ذكر لنا النبي ﷺ أن الذي يتوضأ: (تخرج خطاياه وذنوبه مع آخر قطرة من ماء)، إذاً: كل ما مر الماء على عضو من أعضاء الوضوء خرجت معه الذنوب فكيف يكون الوضوء بهذا القدر العظيم يكفر الله به الذنوب ولا يكون عبادة؟! فإذا أردت أن ينقي الله عنك الذنوب وتصح صلاتك فتوضأ، والوضوء لا يكون إلا بنيته، إذاً: لا بد أن تنوي هذا الوضوء عند البداية؛ لتستحضر النية أنك تتوضأ، فتفرق بينه وبين غسل الوجه مثلاً بغرض التنظيف أو بغرض التبرد.

стр. 2516

معنى قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الزمر:٣] يعني: الذين عبدوا أصناماً من دون الله سبحانه، والأولياء جمع ولي، والولي: القريب فتقول: هذا وليي، أي: هذا قريبي، فيتخذ ولياً قريباً له أو شيئاً قريباً منه، يتخذه مدافعاً له وحامياً ومناصراً وناصراً له، فالأولياء اتخذوا هذه الأشياء من دون الله يتقربون إليها ويطلبون أو يرجون نفعها، وأن تمنع عنهم ضراً من الأضرار، أو أنها تقربهم إلى الله . فهؤلاء اتخذوا أولياء من دون الله يوالونهم ويعادون فيهم، فهذه الولاية يقول الله سبحانه فيها: ((وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾ [الزمر:٣]؛ لأنهم يقولون ذلك، يدافعون عن أنفسهم حين يقال لهم: هذه الأصنام التي تعبدونها هل تنفعكم وتضركم؟ هل تملك لنفسها ذلك فضلاً عن أن تملك لغيرها؟ فيقولون: لا، هم يعرفون أنهم صنعوا الصنم بأيديهم، وهذا الوثن الذي يعبدونه هم الذي نقوه من الحجارة ومن غيرها، فالشيطان يلقي في قلوبهم هذه الحجة الباطلة، وهو قولهم: ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله . يعني: كأنهم يريدون أن يقولوا: إن عبادتنا أصلاً لله، ولكن هذه الأصنام واسطة بيننا وبين الله سبحانه، من الذي جعل هذه الأصنام واسطة بينكم وبين الله سبحانه، فتعبدونها من دون الله وهي لا تملك لنفسها ولا لكم نفعاً ولا ضراً؟! فيقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] أي: ازدلافاً إلى الله وتقرباً إليه بذلك. والإنسان حين يتقرب إلى الله لا يتقرب إليه إلا بما شرعه ، ولا يصح للإنسان أن ينقي لنفسه عبادة من العبادات، ويقول: سأتقرب إلى الله بالشيء الفلاني، وإذا كان الإنسان يأنف أن يعطي له آخر شيئاً على وجه الهدية إلا أن يكون يحب هذا الشيء الذي يهدى إليه، ويأنف أن يأخذ شيئاً هو يبغضه من إنسان يريد أن يهديه هذا الشيء الذي يبغضه، فكيف يتقرب إلى الله بما يكره الله ولا يرضاه هو لنفسه؟ فالله سبحانه يخبر عنهم أنهم يجادلون بالباطل ويقولون: إنها تقربنا إلى الله زلفى. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٣] أي: يوم الفصل يوم القيامة، ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٣]، فيحكم بين أهل الأديان فيما اختلفوا فيه، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ﴾ [التوبة:٣٠]، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، عبد هؤلاء المسيح، وعبد هؤلاء عزيراً، وعبد هؤلاء الملائكة، وعبد هؤلاء الأوثان والأصنام، فالله يحكم بين هؤلاء الجميع فيما اختلفوا وزعم كل منهم أنه على الحق، فيجازي كل إنسان بما يستحق. وجاء في الحديث أن الله يقول لعباده يوم القيامة: (ألا يحب من كان يعبد شيئاً في الدنيا أن يتبعه؟ فيقولون: بلى) أي: نريد، فمن كان يعبد الشمس يرى الشمس أمامه ويتبع هذه الشمس، فيجري وراءها حتى تهوي به في النار، ومن كان يعبد القمر يتبع القمر، ومن كان يعبد الجان يتبع الجان إلى النار والعياذ بالله، ومن كان يعبد المسيح يمثل له شيطان في هيئته فيتبعه إلى النار، ومن كان يعبد العزير يمثل له شيطان في هيئته فيتبعه إلى النار وهكذا، كل من عبد من دون الله آلهة اتبع هذه الآلهة إلى النار والعياذ بالله.

стр. 2517

معنى قوله تعالى: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣] الذي كذب على الله وافترى على الله سبحانه وقال: الله يحب كذا والله يريد كذا، فأمر العباد بمعصية الله سبحانه وزعم أن الله يريد ذلك، وأمر العباد بالكفر وبالشرك بالله؛ استحق من الله أن يضله، والله يهدي من يشاء فضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه ، ولا يسأل عما يفعل، والإنسان لا يقول: لماذا فلان هذا ضال؟ ولماذا فلان هذا كان مهتدياً؟ الله يفعل ما يشاء سبحانه. وليس الأمر بيد الإنسان ولا بيد المخلوق وإنما الهدى هدى الله، وكان النبي ﷺ يدعو ربه سبحانه لعمه أبي طالب أن يهديه الله، وأن يدخل في هذا الدين، وكان يدعو عمه لذلك حتى آخر حياته ومع ذلك قضى الله أن يموت أبو طالب على الكفر، وآخر كلمة قالها وهو يموت: هو على ملة عبد المطلب، والله يحكم ما يشاء سبحانه، وحزن النبي ﷺ وكان في غاية التألم والتوجع لعمه، فأنزل الله : ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] أي: كلهم كانوا في ضلالة فهدينا من أردنا، ومن استحق ذلك هديناه، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، . هذا عم النبي ﷺ الذي رباه والذي دافع عن النبي ﷺ ومع ذلك لم يدخل في دينه، وقد تمنى أن يدخل في الدين، ولكن خشي أن يقولوا: خاف من الموت فدخل في دين النبي ﷺ ! وهذا عجيب جداً، أن يموت على ملة عبد المطلب، أي: على الشرك بالله . فالله يقول: ﴿لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]، من علم الله في قلبه الكفر، وفي لسانه التكذيب بهذا الدين، فالله أعلم به أنه لا يستحق ذلك، فقد كان النبي ﷺ يتمنى أن يعز الله هذا الإسلام بأحد العمرين إما أبي جهل أو بـ عمر بن الخطاب، وكان الاثنان من أشد الناس عداوة للنبي صلوات الله وسلامه عليه، كلاً منهما يريد الفتك بالنبي ﷺ وبالمؤمنين، فمن الله سبحانه على عمر ﵁ فدخل في هذا الدين، وخذل أبا جهل، وأصر على ما هو فيه حتى قتل وألقي في قليب بدر في يوم بدر، فالله يهدي من يشاء، وهو أعلم من يستحق الهدى فيهديه سبحانه، خلقه وعلم أن هذا للجنة ، وخلق هذا للنار، والله يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال لنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣]. والهدى من الله على أمرين: يهدي بمعنى: يدل، وهذا للجميع، يدل المؤمن ويدل الكافر، ينزل الكتاب ويرسل الرسول ﵊، ويهدي بمعنى: يعين على التحويل، أي: يحول القلب من قلب منكوس إلى قلب معتدل مستقيم، فهذا لا يكون إلا للمؤمنين. إذاً: يهدي الله جميع خلقه بأن يدلهم على الصواب، قال تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام:١٥٣]، والمؤمن له العون من الله يعينه الله ، والذي يعلم الله من قلبه أنه كاذب وأنه كفار، لا يعينه على أن يسلك الطريق السوي؛ لأنه لا يستحق ذلك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر:٣].

стр. 2518

تفسير قوله تعالى: (لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى مما يخلق ما يشاء) قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر:٤]، هؤلاء الذين يزعمون أن الله اتخذ الملائكة بناتاً، واتخذ المسيح ولداً، ينزل الله آيات رداً عليهم، فقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ﴾ [الزمر:٤] أي: أن يجعل لنفسه ولداً، ومستحيل أن يتناسل كما يتناسل البشر، فالبشر لعجزهم ولضعفهم يحتاجون لبقاء نوعهم فكان البقاء بهذا التناسل. أما الله سبحانه القوي العزيز لا يحتاج إلى أحد، فالإنسان يكون صغيراً ويصير شاباً قوياً مغروراً، ثم يصير شيخاً فانياً كبيراً، فيحتاج إلى من يكون بعده ويعينه، فإذا مات خلفه الذي بعده، ولكن الله الحي الذي لا يموت لا يحتاج إلى أحد، فهو الأزلي الأبدي . فالإنسان لا يقيس الخالق على نفسه؛ لأن الإنسان مخلوق ضعيف، والله الخالق القوي لا يحتاج إلى شيء، ولو أراد الله أن يتخذ ولداً فمستحيل أن يكون هذا عن طريق التناسل أو عن طريق اتخاذ صاحبة، فإنه سبحانه ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤]، لم يخلف ولداً ، ولم يكن له أب أتى به، حاشا له ، ولم يتخذ: ﴿صَاحِبَةً وَلا وَلَدًا﴾ [الجن:٣]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، أي: لا يكافئه أحد لا مخلوق إنسي ولا جني ولا ملكي ولا شيء يكافئه . فلو أراد الله أن يصطفي ويقول: هذا ولد، ولا يكون ولداً على الحقيقة: (لاصْطَفَى) من خلقه ما يشاء ، فقوله تعالى: (لاصْطَفَى)، أي: فلاناً منه بمنزلة الولاء، ولكن حاشا له سبحانه، لا يتخذ ولداً وليس له صاحبة سبحانه. فالإنسان حين يسمع ذلك يقول: سبحان الله، لا يحتاج ربنا إلى شيء سبحانه، لا صاحبة ولا والد ولا ولد. قال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:٤]، الذي لا شريك له، المستحق للعبادة وحده لا شريك له، القهار الذي قهر كل شيء وغلب كل شيء، وعلا على كل شيء، فله القهر وله العلو على كل شيء سبحانه. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2519

تفسير سورة الزمر [٥ - ٦] آيات الله الكونية كثيرة، ومن أعظمها خلق السماوات والأرض، وتكوير الليل على النهار، وتسخير الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، فهذه آيات كبرى تدل على وجود الله وعلى إثبات صفاته العلى، وتدعو الإنسان إلى توحيده وإفراده بالعبادة دون ما سواه.

стр. 2520

تفسير قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار) الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: ﴿خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٥ - ٦]. يذكر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات قوته وقدرته على الخلق سبحانه ﵎، وينبهنا أن ننظر في هذا الكون في خلق السماوات وخلق الأرض، وجاء في القرآن تكرار ذكر خلق السماوات وخلق الأرض، وفي ذلك آيات لأولي الألباب، وفي ذلك آيات لقوم يتفكرون، فقال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. فهؤلاء هم أولو الألباب الذين يتفكرون في هذا الخلق العظيم فيتعظون ويعتبرون، ويعرفون قدرة الخالق سبحانه، فيعبدونه وحده لا شريك له، ولذلك لما نزلت هذه الآيات من آخر سورة آل عمران قال النبي ﷺ لأصحابه: (لقد أنزلت علي هذه الليلة آيات ويل لمن قرأها ثم لم يتفكر فيها!)، فكأن المؤمن مأمور بالتفكر، إذا قام من نومه تفكر في خلق السماوات والأرض، وفي الليل والنهار، وفي العبرة في الإماتة والإحياء، فالنوم أخو الموت، فهو الموتة الصغرى، فإذا استيقظ يقول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور، فإليه البعث وإليه المصير، والعود والمرجع إليه سبحانه ﵎، وقد كان النبي ﷺ إذا استيقظ من الليل قرأ العشر الآيات الأخيرة من سورة آل عمران وهذه أولها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠].

стр. 2521

عظم خلق السماوات والأرض خلق الله السماوات والأرض بالحق، خلقها الله حقاً، وخلقها خلقاً متلبساً بالحق، وخلقها ليحق الحق سبحانه ﵎، ولذلك أنزل ووضع الميزان بين العباد حتى يقيموا القسط بينهم، ويقيموا العدل بينهم، فأخبرهم أنه خلق السماوات والأرض بالحق، وكل شيء مخلوق بالحق من الله سبحانه، خلقه حقاً، وخلقه ليحق الحق، ويظهر آيات عظمته وعظيم قدرته سبحانه ﵎. والسماوات لا يحيط بها الإنسان، ولا يعرف كنه حقيقة كل ما فيها، إنما يعرف الإنسان جزءاً من السماء وهو الذي يواجه الإنسان على هذه الأرض، أما ما خفي عنه من السماوات فهو أعظم بكثير مما يراه الإنسان ويطلع عليه، فالإنسان يرى الشمس ويرى القمر ويرى النجوم، ونحن في هذا الكون نعيش في مجرة من مليارات المجرات التي حولنا، هذه المجرة التي تدخل فيها الشمس ويدخل فيها القمر، وتدخل فيها هذه الأرض، وتدخل فيها كل هذه النجوم التي تعد بمليارات المليارات في المجرة الواحدة، والمجرات عددها مليارات المليارات، وقد اكتشفوا منها مائتين مليون مجرة!! وكم من المجرات لم يكتشفوها إلى الآن؟! قبل عشر سنوات قالوا: اكتشفوا حوالى خمسين مليون مجرة من المجرات، ثم بعد ذلك وصل العدد إلى مائتين مليون مجرة، وكل مجرة فيها العدد الضخم من الكواكب والنجوم، فهذا الكون هائل جداً، وعظيم جداً، وربنا يذكر عن نفسه سبحانه أنه هو الذي خلق ذلك، وهو الكبير المتعال، حين تدخل في الصلاة تكبر ربك فتبدأ الصلاة بقول: الله أكبر، الله أكبر من كل شيء، الله الكبير الأكبر المتعالي سبحانه. والله يخاطب العرب الذين لا يعرفون شيئاً عن علم الأفلاك وعلم النجوم وعلم الكون الذي حولهم، العربي كان ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، ولا يدري أن الأرض مكورة مثل الكرة، كان يرى نفسه يمشي على الأرض وهي مسطحة، فكان الاعتقاد السائد أن الأرض سطح مسطح، لأن الناظر إليها يراها كذلك، ولكن الله يشير في القرآن إلى التكوير، فيقول: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥]، وقال عن الأرض: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٣٠ - ٣١] وقال سبحانه: ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦]، فقد بسطها الله سبحانه ومهدها ووطأها ووسعها ودحاها بمعنى بسطها سبحانه، وجعلها قابلة لأن يسير عليها الإنسان، وجعلها واسعة فسيحة أمام الإنسان، والذي على الأرض لا يراها كرة لعظيم سعتها، فالله سبحانه ﵎ جعلها واسعة، فمساحة هذه الأرض التي يسير عليها الإنسان حوالى خمسمائة وواحد وثمانين مليون كيلو متر مربع! فالأرض واسعة دحاها الله ووسعها سبحانه ﵎، وطحاها بأن جعلها كالكرة، فلوسعها يراها الإنسان منبسطة أمامه، ولكن هذه الآية تشير إلى أنها كرة كغيرها من النجوم والأفلاك التي خلق الله سبحانه ﵎.

стр. 2522

تكوير الليل على النهار قال الله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] هذا إشارة إلى التكوير بمعنى اللف، والعربي يفهم من هذا أن الليل يجيء فوق النهار كما تكور الشيء، قال الله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] فكأنه غشاء هذا فوق هذا، مثل تكوير العمامة، فكأن الليل يأتي فوق النهار ويتكور عليه ويلفه فيخرج النهار، والنهار كذلك يلف عليه فيخرجه ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] ينسلخ هذا من هذا عن طريق هذا الغشاء. والنهار الذي يجلي الشمس يقولون: هو ذرات من الأتربة ونحوها في الغلاف الجوي تجعل أشعة الشمس التي تسقط عليها تنعكس وتظهر ضوء النهار، وإلا في خارج هذا الغلاف لا يرون شمساً ولا قمراً، بل يرون الكون مظلماً خارج هذه الكرة الأرضية وخارج الغلاف الجوي. فالله يجعل الأرض تقابل الشمس فيكون السطح المقابل للشمس نهاراً، قالوا: والأرض تدور حول نفسها فيكون السطح الآخر الذي كان مظلماً مواجهاً للشمس، ويكون هو الذي ينير، والأرض تدور حول نفسها خلال اليوم فيأتي الصباح ثم يأتي العشي ولا تزال هكذا، فالأرض تدور، والسطح المواجه للشمس يكون على هيئة نصف كرة منيراً، والسطح الغير مقابل للشمس في الناحية الأخرى يكون على هيئة نصف كرة مظلماً، فكأنه يتكور هذا فوق هذا، وهذا فوق هذا، كأنه غشاء فوقها، فإذا دارت الأرض جاء غشاء الظلمة في الناحية الأخرى وهكذا. فالأرض الآن تتكور وتدور، والشمس والقمر كل منهما يجري إلى أجل مسمى، وكل شيء في هذا الكون يدور ويلف حول نفسه وحول غيره، ويدور الفلك كله دوران عجيب جداً! دوران عكس عقرب الساعة، كالمسلمين حين يطوفون حول الكعبة من الشمال إلى اليمين، فالكون كله يدور في هذا الاتجاه، وكأن كل شيء يتحرك في مكانه ساجداً لله سبحانه، ومطيعاً لله سبحانه، ومسبحاً بحمده سبحانه.

стр. 2523

تسخير الشمس والقمر قال الله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الزمر:٥] الله سخر الشمس والقمر، فكأنه يقول لهؤلاء الذين يعبدون الشمس: الشمس مسخرة قهرها الله سبحانه الذي خلقها وسيرها كما يريد سبحانه ﵎، وكذلك يقول لمن عبدوا القمر من دون الله سبحانه: الله الذي خلقه والله الذي يسيره والله الذي يسخره. فمن عبد الشمس ومن عبد القمر ومن عبد مخلوقاً مثله استحق أن يعذب يوم القيامة؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، فهذه الشمس بلهبها العظيم وبدرجة حرارتها المستعرة تكون في النار يوم القيامة، وليس دخول الشمس في النار عذاباً لها، ولكن تعذيباً للكفار، فهي كتلة ملتهبة يعذب بها من عبدها في هذه الدنيا، والقمر يكون ملتهباً كما كان قبل أن يطمسه الله سبحانه ﵎، فيكون في النار ملتهباً مشتعلاً يعذب به من عبدوه من دون الله. وجاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول: ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه؟ فيقولون: بلى، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس) أو كما قال، فتأخذهم إلى النار يتعذبون بلهيبها في النار فضلاً عن عذابهم في نار جهنم والعياذ بالله، كذلك القمر، وكذلك كل من عبد من دون الله سبحانه.

стр. 2524

معنى قوله تعالى (كل يجري لأجل مسمى) قال الله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ [الزمر:٥] أي كل من الشمس والقمر ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٥]، وتكرر هذا في القرآن في سورة الزمر هنا وفي سورة الرعد وفي سورة فاطر، وجاء مرة واحدة في القرآن بإلى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان:٢٩] في سورة لقمان، فكل يجري لأجل سماه الله سبحانه ﵎، يجري للأجل المحدود الذي حدده الله وقدره، وإلى الأجل أي إلى هذه الغاية التي وضعها الله سبحانه ﵎، فكل يجري للأجل ساعياً نحو هذا الأجل حتى إذا وصل إلى الأجل قامت عليه الساعة، فكل يجري إلى أجل وكل يجري لأجل مسمى. والأجل قدره الله سبحانه ﵎، فالشمس تجري لأجل مسمى، وتشرق الشمس من مشرقها في الوقت الفلاني على المكان الفلاني، وتشرق على البلد الأخرى في الوقت الفلاني، والآن عرفوا هذا الشيء، فهنا في مصر وقت الشروق في الوقت الفلاني، وفي العراق وقت الشروق في الوقت الفلاني، وفي الحجاز وقت الشروق في الوقت الفلاني، حتى في البلد الواحدة في المحافظة الفلانية تشرق الشمس في الوقت الفلاني، وفي المحافظة الثانية تشرق بعدها بدقيقة أو بدقيقتين أو بست دقائق، كل يجري لأجل مسمى يحدده الله سبحانه ﵎. والشمس تجري في هذا الفلك تحت عرش الرحمن سبحانه ﵎، فهي ساجدة لله سبحانه ﵎، وفي كل وقت شروق تسجد الشمس لله وتستأذن ربها سبحانه ﵎ في الشروق، حتى يأتي وعد الله سبحانه، فتأتي القيامة وتأتي العلامات الكبرى، ثم يأمر الله سبحانه بتكوير الشمس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] أي: التفت بعضها على بعض، وانطمس ضوءها، وانطفأ لهيبها، وأسقطها الله سبحانه ﵎، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٢ - ٤] إلى آخر ما ذكر الله مما يحدث حين تقوم الساعة، نسأل الله العفو والعافية. ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٥] فالشمس تجري لأجل مسمى، والقمر يجري ويدور حول هذه الأرض لأجل مسمى، فيكون الليل والنهار ويكون اليوم ويكون الشهر وتكون السنة لأجل مسمى لا يتغير حتى يأتي أمر الله سبحانه، فالسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً، واليوم مقداره أربعة وعشرون ساعة، لا يوجد جزء من ثانية يزيد أو ينقص فيها، فهو أجل مسمى يحدده الله سبحانه ﵎!

стр. 2525

قدرة الله قال الله: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥] ختم سبحانه ﵎ الآية ببيان قدرته سبحانه، فهو عزيز قادر قاهر غالب لا يمانع، إذا أمر الشمس تسير الشمس حيث أمر الله سبحانه، والقمر يدور كما أمر الله سبحانه، والأرض كذلك، وعلى الإنسان حين يقول له ربه: افعل كذا ألا يمانع ربه سبحانه، بل عليه أن يطيع ربه حين أراه الله آياته، ولا يخرج عن طاعته. والله سبحانه قادر على أن يسخر هذا الإنسان كما سخر الشمس والقمر، ولكن الله جعل في هذا الإنسان إرادتين، جعل إرادة منه سبحانه في هذا الإنسان كونية قدرية يستحيل أن يتعداها الإنسان، كن فيكون، فالله سبحانه أراد أن يوجد في الوقت الفلاني فخلق هذا الإنسان في هذا الوقت، أراد الله له أن يموت في الوقت الفلاني فمستحيل أن يتأخر أو يتقدم عن وقت وفاته ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وإذا أراد الله لهذا الإنسان أن يمرض في الوقت الفلاني فلابد أن يكون. وجعل الله لهذا الإنسان مشيئة يختار في أشياء، والله أعلم ما الذي يختاره هذا الإنسان، والله أعلم هل هذا الإنسان يستحق الجنة أو يستحق النار. والمشيئة الشرعية تدخل تحت ما يحبه الله سبحانه، فالله يحب منكم كذا فافعلوه، يحب منكم أن تحسنوا فأحسنوا، يحب منكم أن تطيعوا فأطيعوا، يحب منكم أن تصلوا فصلوا، فهذه مشيئة شرعية من الله سبحانه. وجعل للعبد الاختيار هنا: اختر أن تصلي أو لا تصلي، والإنسان يجد في نفسه القدرة على أن يصلي، فيقوم بهذا العمل فيعمله أو يتركه فلا يعمله، وعلى هذه المشيئة يحاسب الله العبد، فلو شاء الله لجعلها مشيئة كونية قدرية فيصلي العبد رغماً عنه، ولكن الله جعل لك اختياراً، فأنت حين تقوم تجد أنك ممكن أن تقوم وممكن أن تقعد، فجعل الله لك اختياراً وكسباً، وهو يحاسبك على هذا الاختيار وعلى هذا الكسب، وأنت لن تخرج عما قدره الله وعما علمه الله منك. وقد أخبرنا الله أنه سخر الشمس والقمر إشارة لنا إلى الأشياء التي هي أعظم منا ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧]، فإذا علمت أن خلقك ضعيف، ولست قدر هذه السماء في خلقها، ولا قدر هذه الأرض في قوتها، ولا قدر هذه الجبال في شموخها وارتفاعها، بل أنت إنسان ضعيف؛ فاعبد ربك كما عبدته هذه المخلوقات. ولما ذكر الله ما يدل على القوة والبطش والشدة ذكر ما يدل على الرحمة منه سبحانه فقال: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥]، فالله الغفار والغفور وغافر الذنب سبحانه ﵎، وهذه من أسمائه الحسنى سبحانه، وأصل الغفر التغطية والستر والمحو، فالله يغفر أي يستر ذنبك، والله يكفر السيئات، ويمحو هذه السيئات، فالله ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣] أي يستر على العبد ذنبه، فإن تاب محاه الله سبحانه.
следующие страницы →