Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
عظم خلق السماوات والأرض
خلق الله السماوات والأرض بالحق، خلقها الله حقاً، وخلقها خلقاً متلبساً بالحق، وخلقها ليحق الحق سبحانه ﵎، ولذلك أنزل ووضع الميزان بين العباد حتى يقيموا القسط بينهم، ويقيموا العدل بينهم، فأخبرهم أنه خلق السماوات والأرض بالحق، وكل شيء مخلوق بالحق من الله سبحانه، خلقه حقاً، وخلقه ليحق الحق، ويظهر آيات عظمته وعظيم قدرته سبحانه ﵎.
والسماوات لا يحيط بها الإنسان، ولا يعرف كنه حقيقة كل ما فيها، إنما يعرف الإنسان جزءاً من السماء وهو الذي يواجه الإنسان على هذه الأرض، أما ما خفي عنه من السماوات فهو أعظم بكثير مما يراه الإنسان ويطلع عليه، فالإنسان يرى الشمس ويرى القمر ويرى النجوم، ونحن في هذا الكون نعيش في مجرة من مليارات المجرات التي حولنا، هذه المجرة التي تدخل فيها الشمس ويدخل فيها القمر، وتدخل فيها هذه الأرض، وتدخل فيها كل هذه النجوم التي تعد بمليارات المليارات في المجرة الواحدة، والمجرات عددها مليارات المليارات، وقد اكتشفوا منها مائتين مليون مجرة!! وكم من المجرات لم يكتشفوها إلى الآن؟! قبل عشر سنوات قالوا: اكتشفوا حوالى خمسين مليون مجرة من المجرات، ثم بعد ذلك وصل العدد إلى مائتين مليون مجرة، وكل مجرة فيها العدد الضخم من الكواكب والنجوم، فهذا الكون هائل جداً، وعظيم جداً، وربنا يذكر عن نفسه سبحانه أنه هو الذي خلق ذلك، وهو الكبير المتعال، حين تدخل في الصلاة تكبر ربك فتبدأ الصلاة بقول: الله أكبر، الله أكبر من كل شيء، الله الكبير الأكبر المتعالي سبحانه.
والله يخاطب العرب الذين لا يعرفون شيئاً عن علم الأفلاك وعلم النجوم وعلم الكون الذي حولهم، العربي كان ينظر إلى الشمس تشرق من المشرق وتغرب من المغرب، ولا يدري أن الأرض مكورة مثل الكرة، كان يرى نفسه يمشي على الأرض وهي مسطحة، فكان الاعتقاد السائد أن الأرض سطح مسطح، لأن الناظر إليها يراها كذلك، ولكن الله يشير في القرآن إلى التكوير، فيقول: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥]، وقال عن الأرض: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٣٠ - ٣١] وقال سبحانه: ﴿وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا﴾ [الشمس:٦]، فقد بسطها الله سبحانه ومهدها ووطأها ووسعها ودحاها بمعنى بسطها سبحانه، وجعلها قابلة لأن يسير عليها الإنسان، وجعلها واسعة فسيحة أمام الإنسان، والذي على الأرض لا يراها كرة لعظيم سعتها، فالله سبحانه ﵎ جعلها واسعة، فمساحة هذه الأرض التي يسير عليها الإنسان حوالى خمسمائة وواحد وثمانين مليون كيلو متر مربع! فالأرض واسعة دحاها الله ووسعها سبحانه ﵎، وطحاها بأن جعلها كالكرة، فلوسعها يراها الإنسان منبسطة أمامه، ولكن هذه الآية تشير إلى أنها كرة كغيرها من النجوم والأفلاك التي خلق الله سبحانه ﵎.
стр. 2522
تكوير الليل على النهار
قال الله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٥] هذا إشارة إلى التكوير بمعنى اللف، والعربي يفهم من هذا أن الليل يجيء فوق النهار كما تكور الشيء، قال الله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] فكأنه غشاء هذا فوق هذا، مثل تكوير العمامة، فكأن الليل يأتي فوق النهار ويتكور عليه ويلفه فيخرج النهار، والنهار كذلك يلف عليه فيخرجه ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف:٥٤] ينسلخ هذا من هذا عن طريق هذا الغشاء.
والنهار الذي يجلي الشمس يقولون: هو ذرات من الأتربة ونحوها في الغلاف الجوي تجعل أشعة الشمس التي تسقط عليها تنعكس وتظهر ضوء النهار، وإلا في خارج هذا الغلاف لا يرون شمساً ولا قمراً، بل يرون الكون مظلماً خارج هذه الكرة الأرضية وخارج الغلاف الجوي.
فالله يجعل الأرض تقابل الشمس فيكون السطح المقابل للشمس نهاراً، قالوا: والأرض تدور حول نفسها فيكون السطح الآخر الذي كان مظلماً مواجهاً للشمس، ويكون هو الذي ينير، والأرض تدور حول نفسها خلال اليوم فيأتي الصباح ثم يأتي العشي ولا تزال هكذا، فالأرض تدور، والسطح المواجه للشمس يكون على هيئة نصف كرة منيراً، والسطح الغير مقابل للشمس في الناحية الأخرى يكون على هيئة نصف كرة مظلماً، فكأنه يتكور هذا فوق هذا، وهذا فوق هذا، كأنه غشاء فوقها، فإذا دارت الأرض جاء غشاء الظلمة في الناحية الأخرى وهكذا.
فالأرض الآن تتكور وتدور، والشمس والقمر كل منهما يجري إلى أجل مسمى، وكل شيء في هذا الكون يدور ويلف حول نفسه وحول غيره، ويدور الفلك كله دوران عجيب جداً! دوران عكس عقرب الساعة، كالمسلمين حين يطوفون حول الكعبة من الشمال إلى اليمين، فالكون كله يدور في هذا الاتجاه، وكأن كل شيء يتحرك في مكانه ساجداً لله سبحانه، ومطيعاً لله سبحانه، ومسبحاً بحمده سبحانه.
стр. 2523
تسخير الشمس والقمر
قال الله : ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ [الزمر:٥] الله سخر الشمس والقمر، فكأنه يقول لهؤلاء الذين يعبدون الشمس: الشمس مسخرة قهرها الله سبحانه الذي خلقها وسيرها كما يريد سبحانه ﵎، وكذلك يقول لمن عبدوا القمر من دون الله سبحانه: الله الذي خلقه والله الذي يسيره والله الذي يسخره.
فمن عبد الشمس ومن عبد القمر ومن عبد مخلوقاً مثله استحق أن يعذب يوم القيامة؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (الشمس والقمر ثوران عقيران في النار)، فهذه الشمس بلهبها العظيم وبدرجة حرارتها المستعرة تكون في النار يوم القيامة، وليس دخول الشمس في النار عذاباً لها، ولكن تعذيباً للكفار، فهي كتلة ملتهبة يعذب بها من عبدها في هذه الدنيا، والقمر يكون ملتهباً كما كان قبل أن يطمسه الله سبحانه ﵎، فيكون في النار ملتهباً مشتعلاً يعذب به من عبدوه من دون الله.
وجاء في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: (إن الله يقول: ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه؟ فيقولون: بلى، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس) أو كما قال، فتأخذهم إلى النار يتعذبون بلهيبها في النار فضلاً عن عذابهم في نار جهنم والعياذ بالله، كذلك القمر، وكذلك كل من عبد من دون الله سبحانه.
стр. 2524
معنى قوله تعالى (كل يجري لأجل مسمى)
قال الله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ [الزمر:٥] أي كل من الشمس والقمر ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٥]، وتكرر هذا في القرآن في سورة الزمر هنا وفي سورة الرعد وفي سورة فاطر، وجاء مرة واحدة في القرآن بإلى: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [لقمان:٢٩] في سورة لقمان، فكل يجري لأجل سماه الله سبحانه ﵎، يجري للأجل المحدود الذي حدده الله وقدره، وإلى الأجل أي إلى هذه الغاية التي وضعها الله سبحانه ﵎، فكل يجري للأجل ساعياً نحو هذا الأجل حتى إذا وصل إلى الأجل قامت عليه الساعة، فكل يجري إلى أجل وكل يجري لأجل مسمى.
والأجل قدره الله سبحانه ﵎، فالشمس تجري لأجل مسمى، وتشرق الشمس من مشرقها في الوقت الفلاني على المكان الفلاني، وتشرق على البلد الأخرى في الوقت الفلاني، والآن عرفوا هذا الشيء، فهنا في مصر وقت الشروق في الوقت الفلاني، وفي العراق وقت الشروق في الوقت الفلاني، وفي الحجاز وقت الشروق في الوقت الفلاني، حتى في البلد الواحدة في المحافظة الفلانية تشرق الشمس في الوقت الفلاني، وفي المحافظة الثانية تشرق بعدها بدقيقة أو بدقيقتين أو بست دقائق، كل يجري لأجل مسمى يحدده الله سبحانه ﵎.
والشمس تجري في هذا الفلك تحت عرش الرحمن سبحانه ﵎، فهي ساجدة لله سبحانه ﵎، وفي كل وقت شروق تسجد الشمس لله وتستأذن ربها سبحانه ﵎ في الشروق، حتى يأتي وعد الله سبحانه، فتأتي القيامة وتأتي العلامات الكبرى، ثم يأمر الله سبحانه بتكوير الشمس: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير:١] أي: التفت بعضها على بعض، وانطمس ضوءها، وانطفأ لهيبها، وأسقطها الله سبحانه ﵎، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير:٢ - ٤] إلى آخر ما ذكر الله مما يحدث حين تقوم الساعة، نسأل الله العفو والعافية.
﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٥] فالشمس تجري لأجل مسمى، والقمر يجري ويدور حول هذه الأرض لأجل مسمى، فيكون الليل والنهار ويكون اليوم ويكون الشهر وتكون السنة لأجل مسمى لا يتغير حتى يأتي أمر الله سبحانه، فالسنة الشمسية ثلاثمائة وخمسة وستون يوماً، واليوم مقداره أربعة وعشرون ساعة، لا يوجد جزء من ثانية يزيد أو ينقص فيها، فهو أجل مسمى يحدده الله سبحانه ﵎!
стр. 2525
قدرة الله
قال الله: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥] ختم سبحانه ﵎ الآية ببيان قدرته سبحانه، فهو عزيز قادر قاهر غالب لا يمانع، إذا أمر الشمس تسير الشمس حيث أمر الله سبحانه، والقمر يدور كما أمر الله سبحانه، والأرض كذلك، وعلى الإنسان حين يقول له ربه: افعل كذا ألا يمانع ربه سبحانه، بل عليه أن يطيع ربه حين أراه الله آياته، ولا يخرج عن طاعته.
والله سبحانه قادر على أن يسخر هذا الإنسان كما سخر الشمس والقمر، ولكن الله جعل في هذا الإنسان إرادتين، جعل إرادة منه سبحانه في هذا الإنسان كونية قدرية يستحيل أن يتعداها الإنسان، كن فيكون، فالله سبحانه أراد أن يوجد في الوقت الفلاني فخلق هذا الإنسان في هذا الوقت، أراد الله له أن يموت في الوقت الفلاني فمستحيل أن يتأخر أو يتقدم عن وقت وفاته ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، وإذا أراد الله لهذا الإنسان أن يمرض في الوقت الفلاني فلابد أن يكون.
وجعل الله لهذا الإنسان مشيئة يختار في أشياء، والله أعلم ما الذي يختاره هذا الإنسان، والله أعلم هل هذا الإنسان يستحق الجنة أو يستحق النار.
والمشيئة الشرعية تدخل تحت ما يحبه الله سبحانه، فالله يحب منكم كذا فافعلوه، يحب منكم أن تحسنوا فأحسنوا، يحب منكم أن تطيعوا فأطيعوا، يحب منكم أن تصلوا فصلوا، فهذه مشيئة شرعية من الله سبحانه.
وجعل للعبد الاختيار هنا: اختر أن تصلي أو لا تصلي، والإنسان يجد في نفسه القدرة على أن يصلي، فيقوم بهذا العمل فيعمله أو يتركه فلا يعمله، وعلى هذه المشيئة يحاسب الله العبد، فلو شاء الله لجعلها مشيئة كونية قدرية فيصلي العبد رغماً عنه، ولكن الله جعل لك اختياراً، فأنت حين تقوم تجد أنك ممكن أن تقوم وممكن أن تقعد، فجعل الله لك اختياراً وكسباً، وهو يحاسبك على هذا الاختيار وعلى هذا الكسب، وأنت لن تخرج عما قدره الله وعما علمه الله منك.
وقد أخبرنا الله أنه سخر الشمس والقمر إشارة لنا إلى الأشياء التي هي أعظم منا ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧]، فإذا علمت أن خلقك ضعيف، ولست قدر هذه السماء في خلقها، ولا قدر هذه الأرض في قوتها، ولا قدر هذه الجبال في شموخها وارتفاعها، بل أنت إنسان ضعيف؛ فاعبد ربك كما عبدته هذه المخلوقات.
ولما ذكر الله ما يدل على القوة والبطش والشدة ذكر ما يدل على الرحمة منه سبحانه فقال: ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر:٥]، فالله الغفار والغفور وغافر الذنب سبحانه ﵎، وهذه من أسمائه الحسنى سبحانه، وأصل الغفر التغطية والستر والمحو، فالله يغفر أي يستر ذنبك، والله يكفر السيئات، ويمحو هذه السيئات، فالله ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣] أي يستر على العبد ذنبه، فإن تاب محاه الله سبحانه.
стр. 2526
تفسير قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها)
قال الله سبحانه: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر:٦] أي آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام ﴿ُثمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦]، هذا أصل خلق الإنسان، خلق آدم من تراب، ولما وجد آدم في الجنة آنسه الله بأن خلق من داخله حواء، والله يخلق ما يشاء ويفعل ما يريد سبحانه ﵎.
قال: ﴿ُثمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦]، وقال في الأعراف: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩]، فالله خلق المرأة للرجل ليسكن إليها، فهي مخلوقة من ضلع من أضلاع هذا الرجل حتى يستشعر أنها منه، فيستشعر الألفة والمحبة والمودة والرحمة بين الرجل وبين أهله.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2527
تفسير سورة الزمر [٦ - ٧]
الله هذه الجموع من البشر المتتابعة إلى يوم القيامة من نفس واحدة خلقها من طين، وخلق منها زوجها ليأنس بها ويسكن إليها، وقد خلق الإنسان في ظلمات ثلاث وهو في بطن أمه يوصل إليه ما ينفعه، ويمنع عنه ما يؤذيه، وكل ذلك دليل على أن الله هو الرب المالك المستحق للعبادة وحده، فمن العجب أن يصرف الناس عن هذا الحق الواضح فيعبدوا غيره!
стр. 2528
تفسير قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦].
في الآية السابقة أخبرنا الله ﵎ عن عظيم قدرته في خلقه للسماوات، وخلقه للأرض، وفي تكوير الليل على النهار، وكيف أنه جعل الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى، كما قال سبحانه: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] أي: بحساب من الله ، فقدر مواقيت الأشياء حتى يأتي الأجل المسمى والأجل المعلوم وتقوم الساعة، فيكون ذهاب هذه الأشياء كما يريد الله سبحانه.
وذكر هنا خلق الإنسان فقال: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦].
فمن قدرة الله العظيم سبحانه ﵎ خلق الإنسان من نفس واحدة هي آدم ﵇، خلقه من تراب، خلقه من ماء، خلقه من طين، خلقه من صلصال من حمأ مسنون، خلقه من صلصال كالفخار، هذه مراحل خلق آدم، فبعد أن كان عدماً أوجده الله سبحانه من تراب بأن قبض قبضة من جميع أنواع هذه الأرض وألوانها، إذ منها الأبيض، والأحمر، ومنها الأسود، ومنها الصعب الوعر، فجاء خلق آدم ﵇ وبنيه على ما يكون من هذه الأرض جميعها، فمنهم الأبيض، ومنهم الأحمر، ومنهم الأسود، ومنهم اللين الطيب ومنهم الرديء الخبيث، ومنهم الصعب الوعر، ومنهم السهل، كما صح في ذلك الحديث عن النبي ﷺ .
فخلق آدم ﵇ من تراب هذه الأرض، ونفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، ثم قدر ما يشاء، ونزل آدم ﵇ إلى هذه الأرض، ثم أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل؛ لهداية بني آدم حتى يرجعوا إلى الجنة مرة أخرى.
وفي قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الزمر:٦] قراءتان: قراءة الجمهور: (خَلَقَكم) وقراءة أبي عمرو ويعقوب: بالإدغام فيها.
قوله تعالى: (من نفس واحدة) يعني: من آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي ذرأ الله من ذريته النسل.
وقوله تعالى: (ثم جعل منها زوجها) أي: جعل من هذه النفس الواحدة وهي آدم زوجها، وهي حواء وخلقها من ضلع آدم حتى يأنس إليها وتأنس إليه، فكأن آدم ﵇ كان في الجنة واستشعر أنه وحده من جنس الآدمي واحتاج لأحد يكون معه من جنسه، فالله آنسه بـ حواء في جنته.
стр. 2529
معنى قوله تعالى: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج)
قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] (وأنزل لكم) قراءة الجمهور، وأدغمها أبو عمرو ويعقوب.
وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر:٦] بينها في سورة الأنعام فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:١٤٣] ﴿وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤].
فالأنواع أربعة، ومن كل نوع: ذكر وأنثى، فهم ثمانية أزواج: من الضأن ومن المعز ومن الإبل ومن البقر.
فخلق الله الأنعام وأسكنها في هذه الأرض، وجعلها ثمانية أزواج نزل أصلها من عند الله سبحانه، ثم توالدت هي فنزلت من بطونها أبناؤها، وهذه بهيمة الأنعام لا تطلق إلا على هذه الثلاثة الأنواع: الإبل والبقر والغنم، والغنم يدخل فيه المعز.
فامتن الله على العباد بأن خلق لهم هذه الثمانية الأزواج، وجعلها من أفضل أموال الناس وجعل الزكاة فيها.
فمن كان يملك شيئاً من بهيمة الأنعام بلغ النصاب، وحال عليه الحول يلزمه أن يخرج زكاة بهيمة الأنعام.
стр. 2530
معنى قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق)
قال تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] أي: أن الله يخلق العباد في بطون أمهاتهم أطواراً.
ففي البداية تلتقي النطفة بالبويضة، فتلقح هذه البويضة ثم تصير جنيناً ينقسم عدة انقسامات حتى يصبح إنساناً.
فكان ابتداء الخلق من تراب، ثم من نطفة، ثم من مضغة، وهذه مضغة مخلقة وغير مخلقة ليبين لكم ويقر في الأرحام ما يشاء، ثم يخرجكم طفلاً ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخاً.
فهذه مراحل الخلق، مرحلة وراء مرحلة، ومن الناس من يبلغ ذلك، ومنهم من يموت قبل ذلك في أي مرحلة من هذه المراحل.
وخلق الإنسان عجيب جداً، فإذا تأمل أصل خلقته وهو هذه النطفة فتخيل هذا الشيء الضعيف جداً الذي لا يرى بالعين أبداً، بل لابد من مجهر كبير يرى به هذا الحيوان المنوي الذي يخرج منه في الدفقة الواحدة ملايين، وواحد فقط هو الذي يلقح هذه البويضة ليكون منها هذا الإنسان! فكان نطفة يستقذرها صاحبها، فصار منها هذا الإنسان الذي عاش على هذه الأرض، وعمل صالحاً أو طالحاً ثم رجع إلى ربه؛ ليجازيه ويحاسبه بعد ذلك.
هذا خلق الإنسان الذي ينبغي على كل مؤمن أن يتأمله ولا يستكبر؛ فإنه يعرف من أين أتى.
ولذلك مر رجل على أحد الصالحين وكأن الصالح لم يهتم به وكان من أبناء الملوك فقال: أما تعرفني؟ كأنه يقول: مررت بي من غير أن تقوم لي؟! قال: أعرفك، كنت نطفة مذرة، وتصير إلى جيفة قذرة، وأنت بين ذلك تحمل العذرة.
فالله تعالى حين يسوق لنا بديع قدرته أن خلقنا من نفس واحدة يذكرنا أنه هو الذي كرمنا كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء:٧٠].
ولذلك لما نظر إبليس لأصل خلقة آدم ﵇ تعالى عليه واستكبر وأبى أن يسجد له، وقال: أأسجد له، وخلقتني من نار وخلقته من طين.
فكرم الإنسان ليس بأصل خلقته ولكن بتكريم الله له، فالإنسان لا يتعالى، ولينظر إلى أصله من تراب يداس عليه، وسيتحلل جسده ويصير تراباً مرة أخرى، فلم التعالي؟! ولم البعد عن الله سبحانه ﵎؟! ولم يقول الإنسان مغتراً بنفسه أنا أنا أنا؟! من تكون أنت؟! قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر:٦] الجعل له عدة معان منها: الخلق.
ولها في كتاب الله تعالى عشرة أو أحد عشر معنى، منها هذا المعنى الذي هو الخلق.
стр. 2531
معنى قوله تعالى: (يخلقكم في بطون أمهاتكم)
قال سبحانه: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر:٦] فكلمة (أمهاتكم) في الوصل بما قبلها فيها ثلاث قراءات: قراءة الجمهور (في بطون أمهاتكم).
وقراءة حمزة (في بطون إمِّهاتكم).
وقراءة الكسائي (في بطون إمَّهاتكم)، هذه الثلاث القراءات في الوصل، والكل إذا بدأ من عندها قال: (أمهاتكم).
وكذلك كلمة (يخلقكم) فيها إدغام أبي عمرو ويعقوب يقول: (يخلكُّم).
ثم قال تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦] من المعلوم أن داخل الإنسان مظلم، ولا يكون منيراً إلا ما ينير الله من قلوب وبصائر بفضله وبرحمته .
فالله يخبر بأشياء عجيبة جداً لم يتبينها الإنسان قبل ذلك فقال: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ [الزمر:٦] وهذا الخلق الذي يليه خلق يكون بداخل الجسد في ظلمات ثلاث ولكن ما هي الظلمات الثلاث؟ قالوا: خلق الإنسان يكون من البويضة ومن الحيوان المنوي، وهذه البويضة خرجت من المبيض في ظلمة بداخل المرأة وانتقلت من المبيض إلى قناة فالوب ظلمة أخرى وفي هذه القناة لعلها يأتي إليها الحيوان المنوي فيلقحها، وهي في هذه الظلمة بالداخل، وتنتقل بعد ذلك إلى داخل الرحم وقد لقحت أو لم تلقح، فانتقلت من ظلمة إلى ظلمة فخلق الإنسان في هذه الظلمات الثلاث التي لا يذكر منها الإنسان شيئاً.
كان عدماً فصار هذا الخلق الذي في ظلمات، من الذي رعاه في هذه الظلمات وحفظه أن يضيع؟ هو الله سبحانه ﵎.
فحين نقول: إنه في الدفقة الواحدة التي هي نحو اثنين أو ثلاثة سنتيمتراً من مني الإنسان يكون فيها ملايين الحيوانات المنوية، والذي يلقح البويضة واحد فقط من كل هؤلاء؛ ليكون هذا الإنسان، فمن الذي اختار الواحد من هذه الحيوانات دون الملايين غيره؟! إن الله سبحانه ﵎ هو الذي قدر أن تلقح هذه البويضة فيأتي منها الإنسان، أو لا تلقح فلا يكون شيئاً، أو تنزل وهي على هذه الحال، أو يكون منها الإنسان إلى أن يصل إلى مرحلة معينة وبعد ذلك يموت.
فالله على كل شيء قدير خلقكم في ظلمات ثلاث ليريكم أنه الذي حفظكم في هذه الظلمات.
ويونس على نبينا وعليه الصلاة والسلام لما خرج مغاضباً لقومه، وظن أن الله لن يقدر عليه، وركب في السفينة؛ فإذا بالسفينة تهيج عليها الرياح، وتعلوا عليها الأمواج، وتكاد أن تغرق بمن فوقها.
فقيل فيها: عبد آبق، فيقترعون؛ لينظر من الذي يلقى في البحر حتى تنقذ السفينة، فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات، فألقى بنفسه في البحر، فجاء الحوت فالتقمه.
﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنبياء:٨٧] في ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، فمن الذي حفظه في هذه الظلمات حتى لا يموت ويهلك داخل بطن الحوت؟ إنه الله .
فلما تذكُر ذلك تذكَّر أنك أيضاً كنت في مثل هذه الحال في بطن أمك في ظلمات، والذي كان معك يرعاك ويهيئك ويقدر لك الخلق بعد الخلق هو الله الحنان المنان ، فتتذكر نعمة الله عليك ورحمته بك وبوالديك فتشكر ربك سبحانه وتحمده.
стр. 2532
معنى قوله تعالى: (فأنى تصرفون)
قال سبحانه: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [الزمر:٦] أي: الله الرب الذي له الملك الذي لا إله إلا هو، تأكيد على معاني العقيدة.
يبين الله تعالى الخلق ويبين القدرة ثم يذكر الذي فعل ذلك وهو الرب ، الذي لا معبود حق سواه، فكيف تنصرفون عن توحيده؟ وكيف تشركون به؟ وقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ يقال: يصرف الإنسان بمعنى: ينصرف، و (أنى) بمعنى: كيف.
أي: عجباً لكم أين ذهبت عقولكم حتى ذهبتم وانصرفتم عن عبادته، وعن توحيده إلى أن تشركوا به سبحانه ﵎!! قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [الزمر:٦] (الله) المألوه المعبود الذي يستحق العبادة وحده، أي: ذلكم الخالق العظيم هو الله سبحانه له الملك.
وقوله: (ربكم) الرب: الذي خلق وأوجد وأنعم وربى، الذي أعطى للإنسان ما جعله إنساناً.
وقد كان أهل الجاهلية لا يشركون في الربوبية، ولم يزعموا أن أحداً غير الله يخلق، أو أن أحداً غير الله يرزق، ويعتقدون أن من يفعل كل ذلك هو الرب جل وعلا.
لكن لو قيل لهم: من تعبدون؟ قالوا: نعبد الأصنام؛ لتقربنا إلى هذا الرب.
إذاً: أهل الجاهلية لم يكونوا يشركون في الربوبية، لكن حين يتوجهون بالعبادة يعبدون غير الله زاعمين أن هذه العبادة أفضل.
فالشيطان خدعهم وزين لهم أن يعبدوا غير الله بدعوى أنكم أحقر من أن تعبدوا الله مباشرة، لن اجعلوا واسطة بينكم وبين الله .
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ [الزمر:٦] فالرب هو الذي خلق كل شيء، والذي يملك كل شيء، له الملك وله ملكوت كل شيء، فهو المالك، ويحكم فهو الملك .
قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الزمر:٦] (لا إله): أي: لا معبود حق (إلا هو) إلا الله، فهذه دعوة النبي ﷺ ودعوة الأنبياء من قبله أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩].
وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥].
﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣].
فالأنبياء كلهم يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ولذلك لما أدرك فرعون الغرق ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠].
يقول الله سبحانه: ((فَأَنَّى تُصْرَفُونَ)) [الزمر:٦] أي: كيف تنصرفون عن عبادته وعن طاعته إلى عبادة غير الله.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2533
تفسير سورة الزمر [٧ - ٨]
الله لا تنفعه طاعة الطائع ولا تضره معصية العاصي، ونتيجة العمل تعود على العبد نفسه إن خيراً فخير وإن شراً فشر، لكن المولى سبحانه يحب الطاعة ويكره الكفر والمعصية، وهو عدل لا يجازي نفساً إلا على كسبها لكمال علمه وخبرته.
стр. 2534
تفسير قوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم)
الحمد لله رب العالمين وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر:٧].
في هذه الآية يذكر الله لعباده غناه عنهم، وعن عبادتهم، فالله هو الغني الحميد، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:١٩ - ٢٠].
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعل له الاختيار: إما أن يعمل العمل الصالح، وإما أن يعمل غير ذلك.
فالله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل له في هذه الدنيا سبيلين كما قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فمن اتبع سبيل أهل السعادة كان من أهلها في الآخرة، ومن التزم طريق أهل الشقاوة كان من أهلها في الآخرة، ولا ينفع ربه بطاعته، ولا يضر ربه سبحانه ﵎ بمعصيته.
فقال لعباده: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] فلو كفر العباد فلن يضروا الله شيئاً، وقد قال لهم في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
فلو كان جميع العباد على الطاعة لن ينفعوا ربهم بشيء، ولو كانوا كلهم على المعصية وعلى الكفر لم يضروا ربهم شيئاً، إنما ذلك راجع إلى العبد فهو الذي ينتفع بعمله، ولا يضر إلا نفسه.
ولذلك في تتمة هذا الحديث القدسي يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله) أي: فالله الذي دله على الخير، والله الذي وفقه له.
(ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالإنسان حين يجد يوم القيامة سيئاته قد غلبت حسناته، وأنه صار من أهل النار؛ فلا يلومن إلا نفسه، فقد دله الله على الحق فأبى إلا اتباع الباطل.
قال الله تعالى لنا هنا: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ [الزمر:٧] أي: إن تعرضوا عن عبادة الله ﵎، وتشركوا بالله سبحانه، ولا تشكرون ربكم، والكفر عكس الإيمان، وأصل كلمة الكفر: الستر والتغطية، فكأن الإنسان غطى على نعمة الله ولم ينسبها إليه، وجحد هذه النعمة ولم يشكرها.
يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] فهو غير محتاج لعبادتكم ولا تنفعه طاعتكم.
стр. 2535
معنى قوله تعالى: (ولا يرضى لعباده الكفر)
الحمد لله رب العالمين وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر:٧].
في هذه الآية يذكر الله لعباده غناه عنهم، وعن عبادتهم، فالله هو الغني الحميد، ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم:١٩ - ٢٠].
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعل له الاختيار: إما أن يعمل العمل الصالح، وإما أن يعمل غير ذلك.
فالله خلق الإنسان وعلمه البيان، وجعل له في هذه الدنيا سبيلين كما قال سبحانه: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فمن اتبع سبيل أهل السعادة كان من أهلها في الآخرة، ومن التزم طريق أهل الشقاوة كان من أهلها في الآخرة، ولا ينفع ربه بطاعته، ولا يضر ربه سبحانه ﵎ بمعصيته.
فقال لعباده: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] فلو كفر العباد فلن يضروا الله شيئاً، وقد قال لهم في الحديث القدسي: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً.
يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم؛ كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً).
فلو كان جميع العباد على الطاعة لن ينفعوا ربهم بشيء، ولو كانوا كلهم على المعصية وعلى الكفر لم يضروا ربهم شيئاً، إنما ذلك راجع إلى العبد فهو الذي ينتفع بعمله، ولا يضر إلا نفسه.
ولذلك في تتمة هذا الحديث القدسي يقول: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله) أي: فالله الذي دله على الخير، والله الذي وفقه له.
(ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)، فالإنسان حين يجد يوم القيامة سيئاته قد غلبت حسناته، وأنه صار من أهل النار؛ فلا يلومن إلا نفسه، فقد دله الله على الحق فأبى إلا اتباع الباطل.
قال الله تعالى لنا هنا: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا﴾ [الزمر:٧] أي: إن تعرضوا عن عبادة الله ﵎، وتشركوا بالله سبحانه، ولا تشكرون ربكم، والكفر عكس الإيمان، وأصل كلمة الكفر: الستر والتغطية، فكأن الإنسان غطى على نعمة الله ولم ينسبها إليه، وجحد هذه النعمة ولم يشكرها.
يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ [الزمر:٧] فهو غير محتاج لعبادتكم ولا تنفعه طاعتكم.
قال سبحانه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] أي: لا يحب الكفر، ولا يرضى من عباده أن يكفروا به.
فإذا كان لا يرضى منهم ذلك؛ فإنه يحاسبهم ويعاقبهم عليه.
وإذا كان الله لا يرضى لعباده ذلك فلم أوجد الكفر في هذه الدنيا؟ يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢].
فالله خبير بعباده وبصير بهم، لحكمة يعلمها سبحانه أوجد العباد في هذا الكون؛ ليكون منهم المؤمنون وليكون منهم الكافرون، وليس من حق العبد أن يعترض على ربه ويقول: لم خلقت الكفر؟ فالله أعلم وأحكم.
لكن بالإمكان أن نلتمس الحكم بعد التسليم، فمن ضمن الحكم: إظهار مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه الرحمن العلي الحكيم القادر ، وأنه المقدر لأمور عباده.
فالإنسان يعلم من صفات الله سبحانه أنه على كل شيء قدير، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، وأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وأنه يحب منهم الإيمان، ويكره منهم الكفر والفسوق والعصيان.
فهو سبحانه يحب الإيمان ومع ذلك أوجد الكفر حتى يبتلى أهل الإيمان، ويظهر إيمانهم، هل هو إيمان بالله يدفعهم للعمل الصالح، والأمر المعروف والنهي عن المنكر أم هو إيمان باللسان فقط؟ فابتلى الله المؤمن بالكافر، وابتلى المطيع بالعاصي، وابتلى أهل السعادة بأهل الشقاوة.
стр. 2536
الفرق بين المشيئة الكونية والمشيئة الشرعية
قال سبحانه: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر:٧] أي: لا يحب الكفر، ولا يرضى من عباده أن يكفروا به.
فإذا كان لا يرضى منهم ذلك؛ فإنه يحاسبهم ويعاقبهم عليه.
وإذا كان الله لا يرضى لعباده ذلك فلم أوجد الكفر في هذه الدنيا؟ يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢].
فالله خبير بعباده وبصير بهم، لحكمة يعلمها سبحانه أوجد العباد في هذا الكون؛ ليكون منهم المؤمنون وليكون منهم الكافرون، وليس من حق العبد أن يعترض على ربه ويقول: لم خلقت الكفر؟ فالله أعلم وأحكم.
لكن بالإمكان أن نتلمس الحكم بعد التسليم، فمن ضمن الحكم: إظهار مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه الرحمن العلي الحكيم القادر ، وأنه المقدر لأمور عباده.
فالإنسان يعلم من صفات الله سبحانه أنه على كل شيء قدير، وأنه لو شاء لهدى الناس أجمعين، وأنه يريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وأنه يحب منهم الإيمان، ويكره منهم الكفر والفسوق والعصيان.
فهو سبحانه يحب الإيمان ومع ذلك أوجد الكفر حتى يبتلى أهل الإيمان، ويظهر إيمانهم، هل هو إيمان بالله يدفعهم للعمل الصالح، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أم هو إيمان باللسان فقط؟ فابتلى الله المؤمن بالكافر، وابتلى المطيع بالعاصي، وابتلى أهل السعادة بأهل الشقاوة.
стр. 2537
معنى قوله تعالى: (وإن تشكروا يرضه لكم)
قال الله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] أي: يرضى ويحب من عباده أن يشكروه.
فالعبد إذا شكر الله زاده، قال الله : ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، والشكر يكون باللسان وبالقلب وبالعمل.
فإذا شكر الإنسان ربه بقلبه اطلع على ذلك، وعلم أن هذا القلب قلب شاكر.
والشكر باللسان، كأن يقول: الحمد لله والشكر لله، ويثني على الله الثناء الحسن على ما أنعم به وأعطاه.
والشكر بالفعل كأن يعطيه الله المال فيتصدق، يريد بذلك وجه الله سبحانه، ويعطيه القوة والقدرة فيعين غيره من أهل الحاجات ابتغاء وجه الله سبحانه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:٧] ثلاث قراءات، وأصل (يرضه) يرضاه لكم، ولكن جزمت هنا لوقوعها في جواب الشرط، فتقرأ بالاختلاس، (يرضهُ لكم)، وتقرأ بالإشباع (يَرْضَهُ لكم)، وتقرأ بالتسكين (يرضهْ لكم).
والقراء على ستة أقسام في هذه القراءات الثلاث: فمنهم من يقرؤها بالاختلاس فقط، (وإن تشكروا يرضه لكم) وهذه قراءة حفص عن عاصم، وقراءة نافع، وأيضاً قراءة حمزة وكذلك قراءة يعقوب.
ومعنى الاختلاس أنه لا يجعل الضمة التي على الهاء في قوله (يرضهُ) كأنها واو فلا يقول: (يرضهو لكم).
ومنهم من يقرأ بالإشباع فيها وهم ابن كثير والكسائي وخلف فيقرءون (وإن تشكروا يرضهو لكم).
ومنهم من يقرأ بالإسكان فقط وهذه قراءة السوسي عن أبي عمرو (يرضهْ لكم).
وباقي القراء لكل منهم وجهان: إما أن يقرأ بالإسكان أو الإشباع كما هي قراءة الدوري عن أبي عمرو وقراءة ابن وردان عن أبي جعفر وابن جماز عن أبي جعفر.
ومنهم من يقرأ بالإسكان وبالاختلاس وهم: هشام وشعبة عن عاصم وابن ذكوان وابن وردان عن أبي جعفر.
стр. 2538
معنى قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)
قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:٧] الوازرة بمعنى: الحاملة للوزر، وهذا وصف للنفس.
والمعنى: أن النفس التي تحمل الإثم لا تحمل إثم نفس أخرى، فلا يأتي يوم القيامة إنسان ويقول: أنا داخل النار فهاتوا ذنوبكم وأنا أحملها عنكم.
فالإنسان يحمل وزره فوق ظهره، ويسأل عن عمله: فإن كان وزره على نفسه حمل إثمه، وإن كان سن للناس السنن السيئة ففعلوا مثلما يفعل حمل إثمه وآثامهم من غير أن ينقص من آثامهم شيء.
وهذا ابن آدم الذي سن للناس القتل يوم أن قتل أخاه، فتأتي كل نفس قاتلة يوم القيامة وتسأل عما فعلت وتحاسب وتعاقب على ذلك، وهو يعاقب عن عمله وفوقه مثل آثام هؤلاء الذين سن لهم ذلك.
وكذلك كل من سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء.
والعكس في الحسنات، فمن سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من حسناتهم شيء.
وقول الله هنا: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر:٧] كأنه يرد على الكفار الذين قال بعضهم لبعض: اتبعونا وسنحمل آثامكم كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢] وهذا كذب، إذ إنهم يهرفون بما لا يعرفون، ويتكلمون بما لا يفهمون، فمن أمر بالمنكر فعليه إثمه وإثم فعله له.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزمر:٧] فالمرجع إلى الله سبحانه، فينبئكم أي: يخبركم ، والإنباء الإخبار بالغيب.
فكل ما يفعله هذا الإنسان مكتوب عند الله في كتاب، ونحن نفعل الذنوب وننساها والله لا ينسى شيئاً أبداً.
فإذا جاء العبد يوم القيامة أراه الله صحيفة عمله وما فيها من الحسنات والسيئات، فيخبرنا بما غاب عنا وبما فعلناه في الدنيا ونسيناه.
ثم قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر:٧] أي: هو العليم سبحانه بما خفي وما ظهر، والعليم بما دق وما عظم وما جل، والعليم بالقريب والبعيد.
وقد قلنا: خلق الإنسان ويحاسبه؛ ليظهر مقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأنه العليم والقدير وأنه الكبير .
يجمع الخلق جميعهم من لدن آدم إلى قيام الساعة يوم القيامة ويحاسب الجميع ولا يخفى عليه شيء.
فكم من أبناء آدم يحاسبون يوم القيامة! كم من الجن ومن الشياطين من أبناء إبليس يحاسبون يومئذ! بل إنه عليم بما يختلج في صدر الإنسان مما لا يتكلم به، عليم بالنوايا، عليم بأفعال القلوب فكيف بالأفعال الظاهرة التي يفعلها الإنسان؟!
стр. 2539
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه)
قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨] طبيعة عجيبة في الإنسان وهي طبيعة نسيان المنعم ، فالعبد يعطيه الله فيحمد الله، ثم يعطيه ثانية فيحمده، فإذا أعطاه ثالثة نسي أن يقول: الحمد لله، ولعله يكتم ذلك ولا يزال يكتم حتى يقول أمام الناس: لم يعطني ربي شيئاً، وأعطى فلاناً ولم يعطني! فتجده ينظر إلى غيره، وينسى أنه يتكلم بلسان ويمشي برجل، ينسى هذه النعم، وينظر لشيء من حطام الدنيا، فإذا أصابه ألم جأر إلى ربه بالدعاء والشكوى، وتذكر ذنوبه؛ فيرجع إلى ربه منيباً إليه.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر:٨] أي: ملكه وأعطاه ، ﴿نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨] أي: نسي دعاءه السابق بعد كشف الغمة والكرب، ونسي أنه كان يوحد الله سبحانه.
وكان أهل الجاهلية عندهم من ذلك العجب، إذ كانوا في وقت النعمة يشركون، ويعبدون غير الله سبحانه، ويقولون: نعبد الأصنام لتقربنا إلى الله؛ فإذا نزل بهم الضر رجعوا إلى ربهم سبحانه.
ومن أمثلة ذلك: قصة عكرمة ﵁ لما أن فر من النبي ﷺ بعد فتح مكة، وكان أبغض شيء إليه الإسلام، إذ ورث ذلك عن أبيه أبي جهل، واتجه صوب البحر، فلما ركب السفينة هاجت الأمواج، واضطرب البحر، فناداهم ربان السفينة قائلاً: يا أيها الناس! ادعوا ربكم فإنه لا ينقذكم مما أنتم فيه أحد سواه.
فصكت العبارة أذن عكرمة ﵁، وبدأ يفكر فيما يعبده من الأصنام وأنها لا تنفعه في هذه المصيبة، فقال: والله لئن أنجانا الله من هذا لأرجعن إلى النبي ﷺ ، ولأضعن يدي في يده فلأجدنه رءوفاً رحيماً.
وفعلاً نجاهم الله من الكرب، ورجع إلى النبي ﷺ فأسلم وحسن إسلامه بعد ذلك.
كان ذلك سلوك أهل الجاهلية السابقة، أما جاهلية اليوم فقد صارت أشد من الجاهلية في الماضي، ففي الماضي كانوا يدعون ربهم وقت الضر، أما الآن ففي وقت الضر يقولون: يا بدوي! يا أبا العباس! فينسى الله ﵎، لا في وقت الرخاء يدعوه، ولا في وقت البلاء يوحده، ينسى ربه ويصرف العبادة لغير الله.
وتجد كثيراً من الناس بدلاً من أن يناجي ربه يقول: يا بدوي، مدد يا فلان.
ماذا يملك له فلان هذا؟! والله سبحانه الذي بيده النفع والضر يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ولم يقل: ادعوا فلاناً، ولا ادعوا فلانة.
في هذه الآية ربنا ﵎ ينعى على الإنسان ما هو فيه من جحود ونكران لنعم الله سبحانه، وأنه في وقت ضره يذكر، ووقت النعمة ينسى.
وجاء عن النبي ﷺ الأمر للعباد بأن يكثروا من ذكر الله ، وألا ينسوا ربهم سبحانه فقال: (من سره أن يستجاب له في وقت البلاء فليكثر من الدعاء في وقت الرخاء).
فالإنسان إذا كان في وقت رخائه يكثر من الدعاء، ويكون صوته مسموعاً في السماء، فإذا جاءه بلاء فالله يكشفه عنه لكثرة ما كان يدعو قبل ذلك، فهو يدعوه في الضراء وفي السراء.
أما الذي لا يذكر ربه إلا في وقت النقمة ووقت البلاء فهذا لا يستحق كشف بلائه إلا أن يتغمده الله برحمته.
فإذا أردت أن يستجيب الله لك ويكشف ما ينزل بك من الشدة فأكثر من الدعاء في وقت رخائك يستجب لك في وقت بلائك.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2540
تفسير سورة الزمر [٨ - ٩]
أخبر الله جل وعلا أن الإنسان بفطرته البشرية إذا مسه ضر لجأ إلى ربه بالدعاء، وجأر إليه بأصناف شتى من الأدعية، ومجرد ما أن يحصل على مبتغاه إذا به ينسى ما كان يدعو إليه من قبل، وليس هذا حال المؤمنين، فلا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
стр. 2541
تفسير قوله تعالى: (وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٨ - ٩].
يذكر الله ﵎ في هذه الآيات من سورة الزمر طبيعة موجودة في كل إنسان إلا من رحم الله ﵎، وهو أنه إذا كان في وقت البلاء وفي وقت الضر يجأر إلى الله سبحانه، ويرفع يديه، ويعبد ربه سبحانه ﵎، ويطلب منه أن يبعد عنه البلاء ويقول: يا رب يا رب! فإذا كشف الله عنه الضر وأعطاه من نعمه سرعان ما ينسى ربه سبحانه، وينسى شكر هذه النعمة، ويستقل نعمة الله سبحانه ﵎، وينظر إليها أنها قليلة، وينظر إلى غيره ويطمع فيما أعطى الله غيره.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر:٨] أي: شيء من الضر، ﴿دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا﴾ [الزمر:٨] أي: راجعاً إليه ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ﴾ [الزمر:٨] أي: ملكه وأعطاه نعمة منه ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [الزمر:٨] أي: نسي دعاءه لربه من قبل، فنسي التوحيد ونسي دعاءه ربه سبحانه أن يكشف عنه البلاء وأشرك بالله ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨]، والند هو النظير والشريك، فجعل لله شركاء يدعوهم من دون الله سبحانه ﵎.
﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو وقراءة رويس عن يعقوب: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، فهي من الرباعي من (أضل) أي: أنه أضل غيره، ومن الثلاثي من (ضل) أي: ضل هو بنفسه، فهنا معنيان: ضل عن سبيل الله سبحانه ﵎ بأن دعا غير الله فصار في ضلالة، ودعا غيره إلى أن يعبدوا غير الله فأضل غيره عن عبادة الله سبحانه، فهو يضل لا يهتدي، يضل: يزيغ عن طريق الحق، ويتبع الباطل، ويضل غيره: يتسبب في إضلال الغير.
قال سبحانه: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الزمر:٨] أي: لهذا الإنسان الجاحد نعم الله عليه، الكافر بربه سبحانه، الذي ينسى ربه في وقت رخائه، ويدعو إلى ربه في وقت بلائه: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨]، مهما تمتعت بهذا الكفر، وبهذا الذي تصنعه، وبهذا الضلال فهو قليل مهما عشت في هذه الدنيا، فتمتع قليلاً بهذا الذي أنت فيه: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [الزمر:٨]، هذا الجزاء وهذه نهاية هذا الإنسان أن يكون في النار والعياذ بالله، جزاءً وفاقاً.
стр. 2542
تفسير قوله تعالى: (أمّن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً)
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، (أمن هو) هذه الكلمة فيها قراءتان: قراءة نافع وابن كثير وحمزة: ﴿أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾، وقراءة الجمهور: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، وفيها معنيان: الهمزة هنا إما بمعنى الدعاء فتكون بمعنى: يا من هو قانت آناء الليل! ساجداً وقائماً يدعو ربه، ويرجو رحمة الله ، تمتع بعبادتك الله سبحانه ﵎ في الدنيا، واستمتع بالجزاء الحسن يوم القيامة، فكأنه يقول: إن الكافر عبد غير الله وضل وأضل فقيل له: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾ [الزمر:٨]، والذي هو قانت لله سبحانه، وداعٍ ربه، وساجد ومصلٍ، وعابد لله، تمتع بعبادتك فإنك من أصحاب الجنة.
فهذا معنى من المعاني على قراءة (أَمَن هو)، والمعنى الآخر: (أمّن) فهي همزة الاستفهام، وكأنه يقول: هذا الكافر خير أم المؤمن؟ فكأن المعنى في قوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩] هل هذا خير أم الإنسان الذي كفر بالله سبحانه؟ فهذا على قراءة (أمَّن).
قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾ [الزمر:٩]، والقانت هو المطيع الخاشع والمذعن لله سبحانه ﵎، الذي يطيع ربه سبحانه وهو قانت قائم في صلاته.
﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر:٩] أي: ساعات الليل.
﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩] أي: يراوح بين القيام وبين السجود، وقد جاء عن النبي ﷺ في الحديث أنه سئل عن أحب الصلاة وأفضل الصلاة فقال: (طول القنوت)، وهذا الحديث في مسند أحمد أي: طول القيام.
وروى الإمام مسلم في الصحيح من حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أفضل الصلاة طول القنوت).
وهذه الهيئة من أفضل الهيئات في الصلاة، وأفضل منها السجود، فقد قال النبي ﷺ في السجود: (إنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فحري أن يستجاب له)، والسجود أفضل وأخشع هيئة يكون عليها العبد، ولكن القيام فيه فضل بسبب الأذكار، فالسجود لا يجوز فيه قراءة القرآن فقد نهى النبي ﷺ عن القراءة في الركوع وفي السجود، ولكن في القيام يجب عليك أن تقرأ فيه القرآن فصار أشرف ما يكون في القيام هو قراءة القرآن، وأفضل هيئة يكون عليها العبد السجود فذكر الله الهيئتين ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر:٩].
وجاء عن النبي ﷺ أنه كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، فقيل له: لمَ تفعل ذلك؟ فقال: (أفلا أكون عبداً شكوراً)، فكان يقوم من الليل وقتاً طويلاً كما أمره الله سبحانه في قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٤]، فكان فرضاً عليه فقام قياماً طويلاً، ثم نسخت الفرضية فلم يترك القيام صلوات الله وسلامه عليه بل جعلت قرت عينه في الصلاة والتقرب إلى الله سبحانه ﵎.
وكأن من أفضل ما يكون أن تقرأ قراءة طويلة في الصلاة، وهذا إذا كنت وحدك، فكان النبي ﷺ يقوم أحياناً بسورة البقرة، وسورة النساء، وسورة آل عمران، وذات مرة قام ﷺ فقرأ في ركعة واحدة بسبع سور طوال من كتاب الله سبحانه ﵎، قرأ بها صلوات الله وسلامه عليه في ليلة واحدة وهذه الهيئة ليس كل إنسان يطيقها؛ ولذلك فعلها النبي ﷺ في صلاة النافلة في قيام الليل، لكن في صلاته بأصحابه كان يطيل إطالة لا يشق عليهم بها صلوات الله وسلامه عليه، فيقرأ في صلاة الفجر من الستين إلى السبعين آية أو أقل من ذلك أو أكثر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويقرأ بما لا يشق على الناس.
وجاء في الحديث نفسه أن رجلاً بعد أن سأله عن أفضل الصلاة قال: (أي الجهاد أفضل؟ قال: من عقر جواده، وأريق دمه) أي: جاهد في سبيل الله بنفسه، وأفضل شخص من فقد جواده وقتل في سبيل الله فهذا أفضل ما يكون، (قيل: يا رسول الله! أي الهجرة أفضل؟ فقال ﵊: من هجر ما كره الله ، وهي الهجرة الدائمة، أما الهجرة من مكة إلى المدينة ففرضت في وقت معين، وبعد ما فتحت مكة انتهى الفرض؛ لأنه قبل الفتح كانت الهجرة من مكة إلى المدينة واجبة وفريضة على كل مسلم.
فالهجرة المقصودة في الحديث هي هجرة الذنوب والمعاصي، فتهجر ما يكره الله سبحانه ﵎.
(قال الرجل: يا رسول الله! فأي المسلمين أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وهذا أفضل المسلمين، الإنسان الذي يأتمنه الناس على دمائهم وعلى أعراضهم، والذي لا يخاف منه الناس، ولا يخافون بطشه وبأسه، ولا يخافون غدره وخيانته، الذي يأتمنونه فهم يسلمون من لسانه فلا يتكلم فيهم بما يسوءه ويسلمون من يده فلا يؤذيهم.
(قال: يا رسول الله! ما الموجبتان؟ فقال النبي ﷺ : من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئاً دخل النار)، فالذي يموت على التوحيد وجب له أن يدخل الجنة، هذه موجبة، والموجبة الأخرى من أشرك بالله وهذه التي تلزمه أن يكون من أهل النار والعياذ بالله.
стр. 2543
معنى قوله تعالى: (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)
يقول الله سبحانه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، هذه فيها زيادة على الصلاة، فالإنسان يصلي الصلوات التي كتبها الله عليه ويزيد على ذلك النافلة وخاصة قيام الليل، فهل يستوي هذا الذي يقوم بالليل مع الذي يترك قيام الليل؟ لا يستويان أبداً.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، هل يستوي أهل العلم مع أهل الجهل؟ هل يستوي من هو عالم بالله بمن هو جاهل بربه سبحانه ﵎؟
الجواب
لا، لا يستوي من علم الله سبحانه ﵎ بأسمائه الحسنى وصفاته العلى علماً يحدث في قلبه خشية من الله ، والعلم المقصود هو الذي يجعل في قلب الإنسان الخوف من الله والذي يورث الخشية، لا العلم الذي يدفع الإنسان للغرور فكلما ازداد الإنسان علماً ازداد علماً بجهله، وكلما ازداد علماً ازداد تواضعاً وخوفاً وخشية من الله كما قال الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨].
أما بعض الناس فقد يتعلم يباهي بعلمه ويجادل به السفهاء، فيضيع هذا الدين مع أهل الباطل، فهذا ليس العلم الذي يريد الله ، ولا هؤلاء الذين شرفهم وفضلهم، وإنما يفضل الله ويشرف من استفاد بهذا العلم خشية وتقوى لله سبحانه، فقيد هنا بقوله: ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ [الزمر:٩] أي: يخاف من الآخرة، ويخاف من حساب الله سبحانه، ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر:٩]، وهنا يؤكد لنا الله في كتابه ما يربي عليه أهل الإيمان من الخوف من الله، والرجاء فيما عند الله سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: كانوا لنا عابدين بالخشوع لله سبحانه ﵎، فالمؤمن يعبد ربه راجياً جنته ومع رجائه يخاف من الله سبحانه، فيكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمة الله، ويخاف من ذنوبه، ولو أنه عبد الله بالرجاء فإنه سيقول: إن ربنا غفور رحيم، فلا يصلي ولا يصوم ولا يفعل شيئاً من طاعة الله، بحجة إن ربنا غفور رحيم، والكثير من الناس عندما يقال له: لماذا لا تصلي؟ يقول: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، وأنا لا أعمل فحشاء ولا منكراً.
وأي منكر أشد من تركه للصلاة! قال ﵊: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر)، فالذي يقول مثل هذا الكلام إنسان جهل عبادة الله سبحانه، ومنّى نفسه بالأماني، وهو مرتكب للكبائر ومع ذلك يحسن الظن بنفسه ويقول: أنا أرجو رحمة الله سبحانه ﵎، فإن أجل الله لآت، ربنا يخبرنا بذلك، والذي أخبرنا بالأجل أخبرنا بالجنة والنار، والذي يطيع يدخل الجنة، والذي يعصي يدخل النار، وأخبرنا عن عباده الصالحين أنهم يتقربون إلى الله: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
فالعبادة تكون بالرغبة فيما عند الله فيطمع الإنسان في رحمة الله، مع الرهبة مما عند الله، فالله جعل للعبادة ركنين: ركن الخوف وركن الرجاء، تعبد ربك بهما، فمهما وقعت في الذنوب فارج رحمة الله، وعليك أن تتوب إلى الله ، أما أن يصر العبد على الذنب ويقول: أنا أرجو الرحمة، فأين الخوف من عذاب الله سبحانه ﵎؟! قال الله : ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦]، ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:١٦٥].
دخل النبي ﷺ على رجل وهو يجود بنفسه في مرض الوفاة فسأله النبي ﷺ : (كيف تجدك؟) قال: أجدني أرجو رحمة الله، وأخاف ذنوبي، فقال النبي ﷺ : (ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أمنه الله مما يخاف، وأعطاه ما يرجو)، فإذا اجتمعت الرهبة والخوف في قلب العبد فإن الله يؤمنه مما يخاف، ويعطيه ما يرجو.
قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩] أي: هل يستوي من يعلم عن ربه سبحانه ﵎ أنه القوي العزيز سبحانه، وأنه الغفور الرحيم مع من لا يعلم ذلك؟ وهل يستوي الذي يعلم شرع الله سبحانه وهذا الدين المحكم العظيم مع من يجهل دين الله سبحانه؟ فالإنسان الذي يتكلم في الدين لا يجوز له أن يتكلم إلا بعلم من كتاب ومن سنة النبي ﷺ ، وقد قال النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية، ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فبلغ عن النبي ﷺ ولو آية، ولو حديثاً، ولو حكماً شرعياً، واحذر أن تكذب على النبي ﷺ فتقول عنه ما لم يقل صلوات الله وسلامه عليه، فقد قال: (ومن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩] أي: يتذكر أصحاب القلوب السليمة، وأصحاب الفطر المستقيمة، والبصائر النيرة من أهل الإيمان الذين تنفعهم الموعظة من الله .
نسأل الله أن يجعلنا منهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2544
تفسير سورة الزمر الآية [١٠]
يأمر الله عباده المؤمنين بالتقوى، فلا يخافون لومة لائم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الدين، والالتزام بشريعة الله، وإن وجد العبد نفسه غريباً بين المجتمع فإن له أجراً مضاعفاً عند الله سبحانه، وله مبشرات من الحبيب المصطفى ﷺ ، وهكذا عاقبة من صبر على الأذى والاستهزاء من قبل العصاة والخارجين عن دين الله .
стр. 2545
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠].
في هذه الآية من سورة الزمر يأمر الله عباده المؤمنين بتقوى الله سبحانه ﵎ فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر:١٠] فالمؤمنون هنا يخاطبهم الله بذلك، وهم أهل لذلك، والخلق كذلك كلهم مأمورون بأن يتقوا الله سبحانه، وأن يدخلوا في دينه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [النساء:١]، وهنا يخص المؤمنين ليبين فضلهم وفضيلتهم، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ﴾ [الزمر:١٠] ونسبهم لنفسه سبحانه ﵎ وأضافهم إليه تشريفاً لهم، أي: يا عبادي أنا، فهم عباد الله سبحانه، وكأن غيرهم ليسوا عباده سبحانه ﵎، والمعنى عباده الذين وحدوه، في حين أن غيرهم عبدوا الهوى والشيطان، وعبدوا الطواغيت من دون الله سبحانه.
فعباد الله هم الذين آمنوا وصدقوا بما جاء من عند الله سبحانه، عرفوا ربهم فعبدوه وأخلصوا له الدين، فأمرهم أن يستقيموا على ذلك، وأن يحذروا أن يغضبوه سبحانه ﵎.
وقوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ أي: اتقوا غضب الله وعقوبته، واتقوا معاصي الله، واتقوا أن تقعوا في الفحشاء وكبائر الذنوب أو صغائرها، كل ذلك يدخل تحت قوله: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾.
ثم وعدهم بفضله وبكرمه سبحانه فقال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠] يجازيهم الله في الدنيا قبل الآخرة، فيعطي المحسنين في هذه الدنيا حسنة منه سبحانه، والحسنى عظيمة من الله، فيعطيهم الله صحة وعافية، ويعطيهم أموالاً، ويعطيهم من نعمه سبحانه ما شاء.
أعطاهم الإيمان وأعطاهم من فضله حسنة في الدنيا، فإذا أعطاهم في الدنيا فهي بشارة في الآخرة من أن لهم فوق ذلك بشرط الإيمان، أما الكافر فيعطيه الله في الدنيا حتى لا يكون له عند الله شيء، ويوم القيامة يوفيه جزاءه وعقابه وحسابه بما قدمت يداه، فكأن العطاء في الدنيا يكون حسنة لهذا المؤمن.
أما الإنسان الكافر فيعطيه الله سبحانه ﵎ في الدنيا استدراجاً له، ويعطيه حتى لا يكون له عند الله شيء، قد يفعل الكافر الشيء الذي فيه إحسان كأن يحسن إلى إنسان فيتصدق عليه، وينفع إنساناً آخر، فيفعل شيئاً من الخير، فإذا فعل جازاه الله في الدنيا، وأعطاه صحة وعافية ومالاً وولداً، وأعطاه من الدنيا حتى لا يكون له عند الله شيء.
فإذا جاء يوم القيامة وجد هذا الذي قدمه في الدنيا هباءً منثوراً، فقد جوزي عليه في الدنيا فليس له عند الله شيء، فيوم القيامة يعذبه الله سبحانه على كفره وجحوده وإشراكه بالله سبحانه ﵎، فالمؤمن يأخذ الحسنة في الدنيا من فضل الله، وله يوم القيامة الجزاء الحسن.
стр. 2546
الأمر بالهجرة عند اشتداد الأذى
قال سبحانه: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠] هذه إشارة إلى الهجرة؛ لأن السورة كما ذكرنا سورة مكية، وجاءت والمؤمنون في شدة وصعوبة من العيش، وفي أذى شديد من الكفار، فالله يشير للمؤمن إشارة إلى أن يهاجر، فأرض الله واسعة، اخرجوا من هذه الأرض إلى أرض أخرى تعبدون الله فيها، فخرجوا وهاجروا إلى الحبشة بعد خمس سنوات من دعوة النبي ﷺ لهم، فهاجروا إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم هاجروا مرة ثانية إلى الحبشة، ثم بعد ذلك كانت الهجرة إلى المدينة، وهاجر النبي ﷺ .
فهذه إشارة لكل المؤمنين في كل زمان، فأرض الله واسعة، فما الذي يجعلكم تمكثون في أرض تفتنون فيها؟! فإذا كان المؤمن في أرض يجبر فيها على أن يكفر بالله سبحانه، وعلى أن يواقع الفواحش وما يغضب الله، فإن الله يأمره أن يهاجر ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [النساء:٩٧]، فليس للإنسان عذر أن يقول: كنت مستضعفاً طالما أنه لا يتمكن من إقامة دينه، ولا يتمكن من عبادة الله وتوحيده في المكان الذي هو فيه، فيجبر على الكفر بالله وعلى ارتكاب الفواحش، فليس له عذر أن يقول: أنا مستضعف فيها، هاجر من هذا المكان واذهب إلى مكان آخر، خذ بالأسباب حتى ينجيك الله سبحانه ﵎ في الدنيا والآخرة.
الذي يمكث في أرض فيها الفتنة فيترك الصلاة والصوم وعبادة الله، ويقول: أنا مستضعف، ليس له عذر عند الله ، ليس لك عذر في ترك الصلاة ولا ممارسة الفواحش، قال ﷺ : (من وجد منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)، إذا وجد منكراً هل ينكر بأن يفعل هو هذا المنكر ويقع فيه ثم يدعي أنه مستضعف في الأرض؟ لا، ليس له عذر في أن يترك صلاته وعبادته ويقول: أنا مثلي مثل الناس، وهذا مثل بعض الناس الذين يذهبون إلى بلاد الكفر فيؤذيهم أهل الكفر، وتجد المرأة في هذه البلاد كانت محجبة ومنقبة فتخلع حجابها ونقابها وتمشي بين الناس كاشفة الرأس وتقول: أنا مستضعفة! من الذي ألزمك أن تكوني بين الكفار وفي ديارهم ثم تقولين: إنني مستضعفة؟! وكذلك الرجل يقول: لو رأوني أصلي طردوني من العمل، لا ما أصلي في هذا المكان، هل عذرك أنك تترك صلاة لله سبحانه ﵎ بدعوى أنك تعمل في بلاد الكفار؟! ويقول: أنا مضطر في طبخ الخنزير وتجهيز الخمر! فما هو عذره في هذه الأشياء؟! ليس له عذر فيها، ولا يجوز له أن يمكث في ديار يفتن فيها في دينه، لم يعذره الله سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [النساء:٩٧] يعني: ما الذي جعلكم ترتكبون المعاصي وتمكثون في هذه الأماكن التي فيها الفواحش؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:٩٧].
واستثنى الله سبحانه فقال: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٩٨]، فهنا عذر الله سبحانه ﵎ الإنسان الضعيف الذي حاول وأراد أن يخرج من بلاد الكفر، فأسروه وحبسوه وأجبروه، فهذا الذي استضعف لا يستطيع حيلة ولا يجد وسيلة للهرب، فهذا هو المضطر اضطراراً حقيقياً، أما الإنسان الذي يزعم أنه ليس قادراً على السفر، فنقول: جرب واعزم على السفر، فإذا لم تستطع كان لك العذر عند الله سبحانه.
стр. 2547
عظم الصبر على البلاء
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] الصابرون يوفون الأجر من الله سبحانه ﵎، وأتى بأداة الحصر هنا كأن هؤلاء اختصهم الله سبحانه ﵎ بأن قربهم منه وأعطاهم الفضل العظيم، وابتلاهم في الدنيا فكان البلاء عليهم شديداً جداً، وعندما نقرأ في سير الصحابة والتابعين وغيرهم من الصالحين نرى كيف ابتلى الله هؤلاء الصحابة الابتلاء العظيم، أوذوا وعذبوا في سبيل الله سبحانه ﵎، فتمسكوا بدينهم وصبروا عليه حتى تكون لهم الآخرة، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
فصبر أصحاب النبي ﷺ ، وكان عيشهم في مكة عيشاً شديداً، فصبروا على الجوع حتى إنهم ليأكلون الأشياء الشديدة، وكانوا لا يجدون ما يأكلونه فيربطون الحجارة على بطونهم، وكذلك كان النبي ﷺ يفعل في مكة، وفي المدينة فعل صلوات الله وسلامه عليه.
حوصروا في شعب أبي طالب ثلاث سنوات لا يأتيهم أحد من خارجهم بطعام، ولا يمكن أن يتزوج منهم إنسان من مكة من غير المؤمنين، فضيقوا عليهم أشد التضييق، وصبر المؤمنون مع النبي صلوات الله وسلامه عليه على دين الله رب العالمين عندما ابتلاهم الله سبحانه بالأذى من هؤلاء الكفار.
فكانوا يأخذون بلالاً فيسحلونه على الأرض ويجرجرونه على ظهره على الأرض في حر الظهيرة، في درجة حرارة تجاوزت ستين درجة مئوية في صيف مكة المتقد الصعب الشديد، يجرجرونه على الأرض ويضعون فوق صدره الصخرة العظيمة وهو يقول: أحد أحد، لا يفتن عن دينه رضي الله ﵎ عنه، ويصبر على ذلك أعظم الصبر.
وآل ياسر يمر بهم النبي ﷺ ويقول لهم: (صبراً آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة)، يعذبون ويعلقون، وتقتل سمية أم عمار، يطعنها أبو جهل بحربة في قبلها فيقتلها لعنة الله عليه، فتكون شهيدة رضي الله ﵎ عنها، ولا يقدر النبي ﷺ أن يخلصهم من هؤلاء فيمر بهم ويصبرهم ويقول: (صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة).
وهذا رجل من أصحاب النبي ﷺ اسمه خباب رضي الله ﵎ عنه، كانوا يلقونه على جمر على ظهره، فلا يطفأ هذا الجمر إلا ودك ظهره رضي الله ﵎ عنه، يفعلون به هذا الفعل البشع حتى إنه يكاد أن تزهق روحه في ذلك ويصبر على أمر الله سبحانه ﵎.
صبروا لأمر الله فنجاهم الله سبحانه ﵎ مما كانوا فيه من الأذى حتى فتح الله للمؤمنين الفتح العظيم، وجاء نصر الله، وبشر الله سبحانه ﵎ هؤلاء المهاجرين المجاهدين في سبيل الله بالأجر العظيم، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠]، الصابرون لا يوفون إلا هذا الأجر من الله سبحانه ﵎، ولا يعطون إلا ما يليق بالله أن يعطيه لهم، فيوفون أجرهم بغير حساب، فيعطى الإنسان الحسنة بعشر أمثالها، والآخر الحسنة بسبعمائة، وهذا يدخل الجنة بدون حساب، خذ ما شئت، فيعطي الله لهذا الصابر الأجر بغير حساب.
والصابرون ذكرهم الله في كتابه سبحانه، ومدحهم جل وعلا، ومن أعظم ما يعطيهم أن يعطيهم الأجر بغير حساب ولا نهاية، وكذلك يكون موقفهم بين يدي الله يسيراً، فصبروا على الجوع والأذى، وصبروا على هذه الدنيا، فإذا أتوا يوم القيامة وقيل لهم: نحاسبكم، قالوا: علام نحاسب؟ لم تعطنا مالاً فتحاسبنا عليه، وقد ابتلينا في كذا وكذا فيقال لهم: ادخلوا الجنة، فلا يقفون مع الناس موقفاً طويلاً، ولكن حساباً يسيراً، ويدخلون إلى جنة الله سبحانه ﵎، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
روى الحاكم وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر)، إن الله سبحانه ﵎ يعطي العبد العطاء منه سبحانه، فمن أعظم ما يعطاه العبد الصبر، فيصبر، والصبر أنواع، يصبر على طاعة الله فلا يزال مستقيماً على صلاته وصيامه، وعلى كل عبادة الله سبحانه ﵎.
كذلك يصبر على ترك المعاصي، لا تفعل كذا لا تفعل كذا فيبتلى، وتأتيه الأشياء من الدنيا أمام عينيه لينظر إليها فيغض طرفه ولا ينظر إليها، ولا ينظر إلى ما حرم الله سبحانه ﵎، ولا يمد يده ولا لسانه ولا شيئاً إلى ما حرم الله سبحانه ﵎، فهذا من فضل الله عليه.
كذلك يصبر على قضاء الله وقدره إذا نزل به البلاء، فيصبر ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
هؤلاء هم الذين مدحهم الله بقوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] وقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]، فهؤلاء الصابرون لهم هذا الأجر والفضل من الله أولاً وآخراً، فهو الذي مدحهم سبحانه ﵎ بإيمانهم، وهو الذي وفقهم لهذا الإيمان.
فيكون الإيمان فضلاً من الله وهبة منه سبحانه، أن هدى الشخص إلى الهدى والإيمان، ثم رزقه الصبر سبحانه، ثم ابتلاه فصبر بما رزقه الله، ثم أعطاه الجنة فضلاً من الله ونعمة منه، (ما رزق عبد خيراً له ولا أوسع من الصبر).
كذلك جاء في الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إن من ورائكم أيام الصبر للمتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه أجر خمسين منكم، قالوا: يا نبي الله! أو منهم؟ قال: بل منكم)، انظر! يقول لأصحابه: سيأتي بعدكم أيام الصبر، وكأنه قال هذا الشيء بعدما فتح الله لأصحابه شيئاً من الدنيا، فأخبرهم أنه ستأتي أيام أخر أشد فتناً مما أنتم فيه، وهذه الأيام يخبر فيها النبي ﷺ أن المتمسك فيها بدينه له أجر كبير، فقال: (المتمسك فيهن يومئذ بما أنتم عليه) الصحابة متمسكون بالكتاب والسنة، متمسكون بأمر الله وبعبادة الله سبحانه، كذلك من يتابعهم في ذلك ويتمسك بأمر الله له أجر خمسين من أصحاب النبي ﷺ كما في هذا الحديث.
وفي حديث آخر عند الطبراني من حديث ابن مسعود ﵁ قال: (له أجر خمسين شهيداً)، بشارة من الله على لسان النبي ﷺ لكل مؤمن يتمسك بدين الله سبحانه ﵎ في وقت غربة هذا الدين، وفي وقت كل الناس على غير دين الله سبحانه ﵎.
حتى من يقول: أنا مسلم ينكر على الإنسان المتمسك بدينه، ويستهزئ به، يقول: أنا مسلم وأنا أصلي وأنا كذا، ويسخر منك لأنك لك لحية، ويسخر منك لأنك تلبس ما كان يلبسه النبي ﷺ من قميص وثياب، فيسخر من المؤمن، فلا يجد من يعينه على طاعة الله، بل يجد من يصده ويمنعه عن طاعة الله.
فهذا المؤمن كالقابض على الجمر، كما قال النبي ﷺ : (فله أجر خمسين شهيداً)، وهذا مما يطمئن المؤمن أن يجد نفسه غريباً، وقال النبي ﷺ : (طوبى للغرباء) تجد المرأة المؤمنة من حولها يسخرون منها ويقولون: ما هذا النقاب الذي تلبسينه؟ تلبسين خيمة؟ تسوي مثل العفريت؟! فيسخرون منها، فتجد نفسها في غربة بين الناس، فتطمئن بذلك، وتطمئن بذكر الله، وتطمئن بوعد الله، وتثق فيما قال الله سبحانه، وقال رسول الله ﷺ .
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] فيفرح الإنسان المؤمن أن يكون له من الأجور كأجر خمسين من أصحاب النبي ﷺ ، وكأجر خمسين شهيداً، وتكون له الجنة بغير حساب، فاصبروا على أمر دينكم وتمسكوا به، وإياكم والفتن والبدع! واحذروا من الأهواء، والمؤمن يلزم طريق الهدى ولا يضره قلة السالكين، ويحذر من طرق الضلالة ولا يغتر بكثرة الهالكين.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2548
تفسير سورة الزمر [١٠ - ١٣]
أعظم ما أمر الله به التوحيد، وأعظم ما نهى عنه الشرك، والإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد، والخلوص من الشرك وأهله، والانقياد لله بالطاعة، وقد أمر الله بهذه الأمور في سورة الزمر.
стр. 2549
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم)
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٠ - ١٣].
أمر الله سبحانه ﵎ نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يقول للمؤمنين الذين آمنوا وصدقوا بما جاء من عند ربهم أن يتمسكوا بتقوى الله سبحانه ﵎، فقال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر:١٠]، فالله ينادي عباده المؤمنين، وهو في القرآن قد يخاطب المؤمنين وقد يخاطب المؤمنين والكفار، وإذا خاطب الجميع قال: يا أيها الناس! وإذا خاطب المؤمنين قال: يا أيها الذين آمنوا! والسور المكية غالباً ما ينادي فيها الجميع ليدخلوا في دين الله سبحانه ﵎، ولكنه يخص المؤمنين الذين صدقوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآمنوا بما جاء من عند الله سبحانه، فيقول: يا عبادي! فيشرفهم بإضافتهم إليه سبحانه كقوله في سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
فيناديهم: أن اتقوا ربكم، فقد آمنوا وصدقوا الرسول ﷺ ، وفعلوا ما أمر الله به، فيقول لهم: تمسكوا بذلك، ولا يزالون على ذلك حتى يلقوا ربهم سبحانه.
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ [الزمر:١٠] وهذه بشارة من الله سبحانه للمحسنين، والمحسن هو الذي يعبد الله كأنه يراه، وهو الذي يعلم أن الله يجازيه ويحاسبه، فللذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة، فالله يعطيهم الحسنة في هذه الدنيا فضلاً عما يعطيهم يوم القيامة من الحسنى وزيادة قال : ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦]، فيكون لهم في الدنيا حسنة وهي ما ينعم الله عليهم ويتفضل بأن يرزقهم وأن يعافيهم وأن ينصرهم وأن يكون معهم سبحانه ﵎، فيعطيهم المال ويعطيهم الأولاد ويوفقهم للعمل الصالح، وهذه حسنة الدنيا، وأما حسنة الآخرة فهي الإحسان العظيم من الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾ [الزمر:١٠]، وهذه إشارة إلى الهجرة، فإن هذه السورة مكية، فقد نزلت والمؤمنون يؤذون وينالون من الشدة والضنك والعذاب من الكفار ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، فيخبرهم أن أرض الله واسعة ويقول لهم: هاجروا من هذا المكان.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:١٠] فالذين صبروا على الأذى والذين صبروا على الطاعة، والذين صبروا عن معاصي الله سبحانه يوفون أجورهم من الله، ويعطيهم أجوراً عظيمة لا نهاية لها، فالإنسان يعطى على الحسنة بعشر أمثالها، والصابرون يوفون بغير حساب وبغير نهاية فيعطيهم عطاءً غير مجذوذ وغير منقطع فضلاً منه سبحانه.
وذكرنا أن النبي ﷺ ذكر أن الصابرين الذين يتمسكون بدينهم وما يكون لهم من الأجر، وأنه قد يبلغ أجر أحدهم أجر خمسين من أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه، وليس معنى ذلك أنه أفضل من أصحاب النبي ﷺ ، فأفضل القرون هم قرن النبي ﷺ ، قال ﵊: (خير القرون قرني) فلا أحد خير من هؤلاء الأفاضل ﵃، ولكن هؤلاء الذين جاءوا بعد ذلك ولم يجدوا على الخير معيناً فالله سيعطيهم أجوراً عظيمة حتى يدركوا السابقين برحمة الله سبحانه ﵎، قال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ [الواقعة:١٠ - ١٤] أي: جماعات كثيرة من الأولين من أصحاب النبي ﷺ ومن تبعهم بإحسان، وقلة من الآخرين الذين صبروا على طاعة الله سبحانه فضاعف لهم الأجور ليلحقوا بالسابقين، وأعطى للواحد منهم على صبره أجر خمسين من أصحاب النبي ﷺ ليبلغ الدرجات ولا يحرمه الله من رفقة هؤلاء عند الله سبحانه.
وجاء عن النبي ﷺ في الحديث: (لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) فلو أن إنساناً منا أنفق كقدر جبل أحد ذهباً وأنفق صحابي من أصحاب النبي ﷺ مداً أي ملء الكفين أو نصيفه أي ملء كف واحدة فقط كان ما ينفقه الصحابي أعظم مما ينفقه من بعده، فقد وصلوا لدرجات عالية عند الله، ولولا ما لهم من فضيلة لما اختصهم الله بنبيه ﷺ أن يكونوا في قرنه ويكونوا معه، فالذين من بعدهم يرحمهم الله سبحانه ﵎ ويضاعف لهم الأجور؛ لأنه بعمل أحدهم مستحيل أن يصل إلى ما كان عليه الصحابة رضوان الله عليهم، فيضاعف الله له فيعطي أجر الخمسين منهم وأجر الخمسين شهيداً حتى يبلغ منازل هؤلاء فيكرمه الله بأن يلحقه بهم.
ومن الأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ أنه قال: (الإيمان: الصبر والسماحة) وهذا الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث أبي أمامة ﵁، جاء عند ابن أبي شيبة من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أن أعظم خصال الإيمان الصبر والسماحة، فالإنسان المؤمن الذي صدق بكتاب الله وبسنة رسول الله ﷺ وتابع دين الله سبحانه، من خصائصه أنه صابرٌ لأمر الله سبحانه، فهو مطيع يفعل ما يؤمر ولو ناله من المشقة ما ناله، فإنه يفعل ما أمر الله سبحانه وما أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو وقاف عند كتاب الله وعند حدود الله، تنزل به البلايا والمصائب فيصبر على ذلك، فمن أهم خصال المؤمن المصدق بما جاء من عند الله سبحانه أنه صابر على أمر الله سبحانه، والأمر الثاني: السماحة والبذل، فيبذل ويعطي من إحسانه ومن خلقه ومن طيبة نفسه فيعين غيره بما يقدر عليه ولو ببشاشة الوجه وبتبسمه في وجه أخيه المؤمن، فمن خصال الإيمان بل من أعظم خصاله الصبر والسماحة.
كذلك جاء عن النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام أحمد من حديث محمود بن لبيد قال: (إن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع) وهنا علامة إيمان الإنسان أنه يصبر على أمر الله سبحانه، ومن علامة حب الله للعبد أن يبتليه الله سبحانه ﵎، فيبتلى الرجل على قدر دينه، وأشد الناس ابتلاءً الأنبياء ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه فإن كان في دينه صلابة وقوة زيد له من البلاء، وإن كان في دينه قلة ورقة خفف الله له من البلاء.
فابتلى أنبياءه وابتلى الرسل عليهم الصلاة والسلام وابتلى المؤمنين لينظر أيهم أحسن عملاً، (فمن صبر فله الصبر) يعني له جزاء صبره، (ومن جزع) أي: من البلاء بالنفور والاعتراض على أمر الله سبحانه ﵎ فله الجزع، ولم يحصل في دنياه سوى الخوف من البلاء والمصائب فكان أن يبتلى يوم القيامة بالعذاب والعياذ بالله.
فالإنسان المؤمن إذا نزلت به البلية تصبر لأمر الله كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فيصبر لأمر الله سبحانه، ولعله لا يقدر فيصابر نفسه ويجاهدها على أن تصبر ويرضى بأمر الله سبحانه ﵎: (وإنما الصبر عند الصدمة الأولى)، كما قال النبي ﷺ ، والذي يصبر تنزل عليه المعونة من الله سبحانه ﵎، فربنا كريم يبتلي عباده فإن صبروا جاء العون منه سبحانه ﵎، وما على العبد إلا الأخذ بالأسباب، والعون من الله.
وصح الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال: (إن الله تعالى ينزل المعونة على قدر المئونة، وينزل الصبر على قدر البلاء) ولعل الإنسان حين يتخيل أنه لو حصلت مصيبة كذا ما أحد سيصبر على ذلك، فتحدث ويصبّر الله من يشاء، فيتعجب الإنسان بصبر إنسان ما على ذلك، فالله بفضله وبكرمه هو الذي يعين على هذا الأمر فيتجلد المؤمن ويصبر لأمر الله، فإن الصبر ينزل من عند الله على قلب المؤمن فيتسلى بأمر الله سبحانه ﵎، ويتصبر على أمره، والله ينزل الصبر على قدر البلاء.
فالمطلوب من الإنسان أنه إذا نزل به أمر الله سبحانه: أن يتجلد وأن يتصبر وأن يقول كما علمه الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٦ - ١٥٧]، فإذا صبر المؤمن على قضاء الله إذا بالمعونة تأتيه من عند الله والتجلد والصبر ينزل عليه ويعطيه الله المغفرة والرحمة ويعطيه الهداية فيهديه في الدنيا وفي الآخرة.
وجاء عن النبي ﷺ في الحديث: (إن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكر
стр. 2550
تفسير قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين)
يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١].
هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر: ((قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ))، والنبي ﷺ مأمور أن يعبد الله سبحانه، وأتباع النبي ﷺ ، ومأمورون أيضاً بما أمر به النبي ﷺ ومأمورين كذلك بالإخلاص لله، وتوجيه العبادة لله وحده، وألا يشركوا بالله شيئاً، وألا يراءوا وألا يسمعوا، وألا يظهروا للناس شيئاً يبتغون من الناس مدحاً على هذا الذي يظهرونه من عبادة الله.
فالنبي ﷺ وجه إلى الله العبادة وحده لا شريك له، وأخلص لله فتوجه بقلبه ووجهه وبدنه ونفسه لله سبحانه ﵎.
قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١٢] هو أول المؤمنين وأول المسلمين في هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه، وهنا النبي ﷺ تابع من قبله من أنبياء الله ورسله ﵊، فهو أول من أسلم نفسه ووجهه لله سبحانه وأخلص قلبه وآمن بربه سبحانه في هذه الأمة.
стр. 2551
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣] أيضاً هذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع وأبو جعفر وابن كثير وأبو عمرو: ((قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) وحاشا له أن يقع في معصية الله صلوات الله وسلامه عليه.
وهذه سورة من السور المكية التي يهتم ربنا سبحانه ﵎ في الآيات التي فيها بتربية المؤمنين على طاعة الله سبحانه وعلى العمل الصالح وعلى الإخلاص لله سبحانه ﵎، فهنا ينبهنا إلى أن هذا النبي ﷺ يقول: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأنعام:١٥] أي: يخاف من عذاب يوم القيامة، وظل هذا الأمر إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن أنزل الله عليه في سورة الفتح: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، وهذه كانت في الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة من هجرة النبي ﷺ .
وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة وهو لا يدري ما الذي يكون معه ومع غيره إلى أن أنزل الله عليه في يوم الحديبية: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:١ - ٣]، فجاء الفتح من عند الله سبحانه، مع أن المؤمنين كانوا خارجين من الحديبية على أنهم مهزومون وعلى أنهم مأخوذ عليهم الشروط الثقيلة، وعمر وغيره يسألون النبي ﷺ : أو فتح هو؟ فيقول ﵊: نعم إنه فتح.
وكان من أعظم الفتح على النبي ﷺ ، فما فتح على الإسلام من خير إلا بفضل الله ثم بما حدث في هذا اليوم فرجع المؤمنون وحدث التواصل بين أهل المدينة وبين أهل مكة، فدخل في دين الله في خلال سنتين أكثر مما دخل فيه قبل ذلك بكثير، فتعرف المشركون على دين الله سبحانه، ولم يزل يهاجر إلى النبي ﷺ ويأتي إليه حتى إنه في يوم الحديبية كان عدد المؤمنين مع النبي ﷺ ألفاً وخمسمائة، وفي فتح مكة كانوا عشرة آلاف فكان الفتح بعد ذلك، وبشره الله بأن يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأن يتم عليه النعمة، فأتم عليه النعمة وأكمل له هذا الدين العظيم، فلما كمل الدين توفي النبي صلوات الله وسلامه عليه.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده المؤمنين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2552
تفسير سورة الزمر [١١ - ١٦]
يأمر الله نبيه ﷺ وأمته أن يخلصوا العبادة لله تعالى، والمؤمن لابد أن يحب الله ويخافه، ويحب الجنة ويسأل الله إياها، ويخاف من النار ويتعوذ بالله منها، فالخاسر من دخل النار فخسر ما كان معه في الدنيا وخسر الآخرة، وقد ذكّر الله الناس بالنار وحال أهلها تخويفاً لعباده لعلهم يتقونه سبحانه ويتقون النار.
стр. 2553
تفسير قوله تعالى: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ * قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي * فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١١ - ١٦].
يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه في هذه الآية أن يخبر الخلق بأنه مأمور صلوات الله وسلامه عليه بعبادة الله وحده لا شريك، وبذلك بعث صلوات الله وسلامه عليه، بعث ليعبد الله وليأمر الخلق بعبادة الله سبحانه، وهي دعوة كل رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، يدعون إلى عبادة الله، وإلى الإخلاص في العبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال تعالى في سورة الزمر: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١].
وأمر الله الأنبياء والرسل أن يقولوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فالله الإله الواحد الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، ولا إله حق سواه .
فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر:١١] أي: أعبد الله موجهاً له عبادتي وحده لا شريك له، والإخلاص: التنقية، أي: تنقية الشيء من الشوائب وتصفيته، والأخلص: هو العسل الذي نقيته وصفيته مما به من شوائب وكدرات، فكذلك العبادة توجهها لله سبحانه وحده لا شريك له، ولا يكون فيها شوائب شرك بالله سبحانه، وليس فيها رياء ولا سمعة، وليس فيها عمل يبتغى به الأجر من غير الله، أو عمل يقصد به الله وغير الله، ولكن العمل لا يقصد به إلا الله وحده لا شريك له، هذا هو الإخلاص الذي لا تقبل عبادة بدونه.
стр. 2554
أركان العبادة
العبادة لها ركنان ترتكز عليهما: الركن الأول: الإخلاص في عبادتك، فالعبادة تخرج من قلبك، وتوجهها إلى ربك ، والركن الثاني في العبادة: المتابعة للنبي صلوات الله وسلامه عليه.
والإخلاص بغير متابعة لا يصح، والمتابعة بغير إخلاص لا تصح، فالعمل يحتاج إلى ركنين: إخلاص ومتابعة، فتخلص لله سبحانه، ولا تعبد إلا الله سبحانه، ولا تعمل العمل إلا له سبحانه، ولا تبتغي الأجر إلا منه ، وهذا العمل لا بد أن يكون موافقاً لهذه الشريعة حتى تؤجر عليه، فالإخلاص بغير متابعة يوقع العبد في الاختراع في الدين والابتداع، والنبي ﷺ يقول: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، ويقول: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) أي: مردود عليه.
فلو أن الإنسان قال: أنا مخلص، وأنا أحب الله، وأعبده، لكن سأعبد الله بما أريده أنا، وأصلي بالطريقة التي تعجبني، وأصوم بالطريقة التي تعجبني، وكأنه يشرع لنفسه، فإن الله يأبى إلا أن يكون له سبحانه الأمر كما أن له الخلق سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فهو الذي يخلق ، وهو الذي يأمر سبحانه، وهو الذي يشرع، ولا يجوز لعبد أن يشرع لنفسه ولا لغيره، ولكن الشريعة لله سبحانه، هو الذي يشرع لعباده وهو أعلم بخلقه، وأعلم بما تستقيم به أمور الخلق، فيشرع لهم ما ينفعهم .
إذاً: العبادة لا بد فيها من أن تتابع هذا الدين، وأن تخلص لله فيه، حتى تقبل هذه العبادة، فبدأ بنبيه ﷺ وقال: قل لهؤلاء جميعهم: ﴿إِنِّي أُمِرْتُ﴾ [الزمر:١١]، وهذه قراءة الجمهور، أما قراءة نافع وأبي جعفر: (قل إنيَ أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين).
والدين لها معان، الدين بمعنى: الشريعة، وبمعنى: العبادة، وبمعنى: الجزاء والحساب، فالدين هنا بمعنى: شريعة الله سبحانه فيما شرع من عبادة، فأعبد ربي مخلصاً له عبادتي، وقال الله تعالى: (وَأُمِرْتُ)، فهو ليس من عند نفسه، بل أمره الله بذلك، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، صلوات الله وسلامه عليه، فالله الذي هداه، والله الذي اصطفاه واجتباه، والله الذي علمه ورباه .
стр. 2555
تفسير قوله تعالى: (وأمرت لأن أكون أول المسلمين)
قال الله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١٢] أي: من هذه الأمة صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن الأنبياء والرسل من قبله قد أمروا أن يكونوا من المسلمين فكانوا، وكان آدم على دين رب العالمين، وأسلم نفسه لرب العالمين سبحانه.
وكان نوح مسلماً كما قال تعالى عنه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٧٢]، كذلك موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٨٤]، وكذلك المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام والحواريون، قال تعالى: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٥٢].
فدين الله هو دين الإسلام، ودين الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، والشريعة التي جاءت من عند الله سبحانه أن اعبدوا الله حتى وإن كان الاختلاف بينهم عليهم الصلاة والسلام في أمور تشريع الله لهم، وفي الفقه وفي الدين، فالله يفعل ما يشاء.
ولكن الدين الذي يتعبدون به لله الإخلاص والتوحيد، فهما شرع كل الرسل، فالخضوع لله والقنوت لله، والإذعان لله، والمتابعة لما يأمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، كل أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام مأمورون بذلك، وهو الإسلام: أن يسلم العبد نفسه لله، فيحكم الله فيه بما يشاء ، وأن يوجه العبد عبادته لله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر:١٢] صلوات الله وسلامه عليه، فأول المسلمين في هذا العصر هو محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهو أول من أسلم لرب العالمين ، وقبله أنبياء ومرسلون في العصور السابقة مسلمون، ولكن هو أول هذه الأمة إسلاماً صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 2556
تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: (قل إنيَ أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)، فهو ﷺ مأمور بأن يقول ذلك، وأن يعبر عما أحدث الله في قلبه من خوف من الله سبحانه، ومن رهبة منه سبحانه، والعبادة على هذين الأمرين: أمر الرغبة والرهبة.
إذاً: للعبادة ركنان: الإخلاص والمتابعة، وللعبادة وصفان: أن يكون الإنسان يرغب فيما عند الله، ويرهب مما عند الله ، ولذلك وصف أنبياءه ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠].
فمن يزعم أن أفضل الدين أن يعبد الله بالرهبة فقط، أي: بالخوف من الله فقد كذب، ومن زعم أن أفضل الذين أن يعبد ربه بالرغبة فقط فقد كذب، إنما دين الله يكون بين الأمرين، وهذا خير العبادة، لا كما يزعم فلان أو فلانة وتقول القائلة من هؤلاء: يا رب! إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها.
فلماذا تعبد الله وهي لا تريد جنة ولا هي خائفة من النار؟! هذا لا يكون، وكأن هذه تزعم أنها أرقى وأعلى من مراتب الأنبياء والرسل الذين قال الله فيهم عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عن نبيه سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣]، فهو يخاف من عذاب يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه.
فيدعو النبي ﷺ ربه سبحانه خائفاً من الله، وكم تعوذ بالله من النار، وكم سأل ربه الجنة، فجاء الرجل الذي كان يقول للنبي ﷺ : (إني أدعو في الصلاة أسأل الله الجنة، وأتعوذ بالله من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ) يعني: أنت تقول كلاماً كثيراً في الدعاء لا أعرف أن أقوله، ومعاذ كذلك يقول كلاماً كثيراً وأنا لا أعرف هذا الكلام، ولكن أقول: يا رب! أسألك الجنة وأخاف من النار، فقال له النبي ﷺ : (حولها ندندن)، فلابد أن نخاف من النار فنتعوذ بالله من النار، ونحب الجنة، فنسأل الله جنته.
فالإنسان لا يبالغ في دعوى المحبة لله حتى يكون في النهاية زنديقاً والعياذ بالله، خارجاً عن دين الله، فلا يصح أن يقول الإنسان لربه: أنا لا أخاف من نارك، أنا لا أريد جنتك، أنا أحبك فقط، هذا لا يكون أبداً؛ لأن العبادة التي تكون لله لا بد أن يكون فيها كمال الحب لله، مع كمال الذل لله ، وهذا لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد يكون في الدنيا الإنسان يحب إنساناً فيبالغ في محبته، يحب زوجته ويحب إنساناً أو إنسانة فيبالغ في ذلك، ولكن هو لا يخاف منها، فهذه ليست عبادة، هذه محبة.
وقد يخاف إنسان من حاكم ظالم، يرعب من ذكر اسمه، ولكنه لا يحبه، أما مع الرب لا بد من الاثنين: كمال الحب لله ، مع كمال الذل بين يديه، والخوف منه .
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣] أي: يوم القيامة نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2557
تفسير قوله تعالى: (قل الله أعبد مخلصاً له ديني)
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، انظر التوجيه ليبث العقيدة ويثبتها في القلوب، بدأ بنبيه ﷺ ، هذا حاله ﷺ ، وهو من هو؟! فكيف بغيره؟! فكل إنسان يحتاج إلى أن ينقي قلبه من الشرك بالله سبحانه، وأن يوجه عبادته لله سبحانه، وأن يحب الله سبحانه، وأن يخاف منه ، وأن يتابع دينه سبحانه كتاباً وسنة، وأن يخلص له .
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤] الأصل: قل: أعبد الله، ويتقدم الفعل على الفاعل والمفعول، أي: أعبد أنا الله، ولكن حين يقدم المفعول على الفعل، فهذا لمزيد التأكيد والاختصاص، والمعنى: الله وحده لا شريك له، فلو قال: أعبد الله، فقد يحتمل الكلام أنه يعبده ويعبد غيره، فلمزيد من التأكيد يقول: إياك نعبد وحدك يا رب، لا أعبد أحداً غيرك، فقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدم لفظ الجلالة وموقعه هنا المفعول، فقدمه على الفعل وعلى الفاعل للاختصاص والتأكيد على أمر التوكيد، أي: أنا أعبد الله وحده لا شريك له، وكلامه لا يحتمل غير ذلك، فلا يحتمل شركاً بالله سبحانه، أو أن يعبد الله ويعبد غيره .
فقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا﴾ [الزمر:١٤] أي: موجهاً عبادتي له وحده سبحانه، وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أي: عبادتي، وطاعتي، وتقربي، أتقرب إليه وحده لا شريك له.
стр. 2558
تفسير قوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه)
قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٥]، وليس الأمر هنا أمر إباحة ولا طلب، ولكن أمر تهديد ووعيد، كقوله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] أي: إنه بما تعملون عليم وخبير، فالله بصير بالعباد، وعليم وبصير بهم، فهو يقول لهم: اعملوا ما شئتم، سنجازيكم أشد الجزاء، وأشد العقوبة، فكذلك قوله هنا: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [الزمر:١٥]، ليس معناه: إباحة، والذي يريد أن يعبد شيئاً يعبده، ليس معناه كذلك، وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، ليس معناه: كونوا مثلما أنتم على هذا الدين الباطل، فدينكم لكم وأنتم تجازون عليه، ولكم أجر من الله عليه، ليس معناه ذلك، ولكن المعنى: ديني يختص بي، فلي الجزاء عند الله سبحانه، والتوحيد أنتفع أنا به، وأنتم في شرككم، لا تنتفعون بما أنتم عليه طالما أصررتم على ذلكم، فجزاؤكم عليكم بسبب كفركم، وبسبب اتخاذكم غير الله أنداداً وشركاء، فدينكم وشؤم ما أنتم عليه من عبادة غير الله يختص بكم، فالجزاء عليكم يوم القيامة.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أي: الدين القيم الذي أُثاب عليه، وعليكم وبال شؤمكم فيما اتبعتم من باطل وشرك بالله .
فقال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فالأمر هنا للتهديد والتوبيخ لهؤلاء فيما يعبدون من دون الله.
قوله تعالى: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقرأها: (ما شيتم) الأصبهاني عن ورش، وأبو جعفر وأبو عمرو أيضاً بخلفه ويقف عليها حمزة هكذا: (فاعبدوا ما شيتم).
стр. 2559
معنى قوله تعالى: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]، فقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ) أي: الهالكين، وقوله تعالى: (الَّذِينَ خَسِرُوا) أي: الخسران الحقيقي، فالتاجر في الدنيا يقول: أنا خسرت في تجارتي ألف جنيه، هذا خسران، والثاني يقول: أنا خسرت ألفين، أنا أشد منك، والثالث كذا، والرابع يقول: أنا خسرت كل شيء، فإذا كان هذا في الدنيا، فكيف بالذي خسر الآخرة كلها، وليس له أي ثواب على ما فعل في الدنيا؟! هؤلاء هم الخاسرون الخسران العظيم، هلكوا يوم القيامة فكانوا من أهل النار، هذا هو الخسران الحقيقي؛ إذ خسر نفسه، وخسر ماله، وخسر أهله، فقد كان هذا الرجل الكافر في الدنيا له أهل وبنون وزوجة ومال، له في الدنيا ما له من أعمال ومن أنصار، فلما جاء يوم القيامة لم يضع منه هؤلاء فقط، بل ضاعت منه نفسه وخسرها، والإنسان في الدنيا يحتاج للمال ويحتاج للأولاد ويحتاج للأفراد الذين معه من أجل أن يتقوى بهم ويتعزز بهم، فيفتخر ويقول: عندي مال، وعندي أهل، وعندي كذا، فيخسر ويفقد ذلك من لحظة موته، فيضيع الذي يموت وينتهي أمره، إذ إن الأهل والأولاد تركوه فصار في القبر وحده، فإذا به يوم القيامة يؤمر أن يدخل النار، قال تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤]، فخسر نفسه التي كان يفديها بأي شيء، فكان من أهل النار.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:١٥] أي: خسراناً حقيقاً، خسراناً لا نجاح بعده.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] أي: في الدنيا كان له الأهل والولد، فيستمتع بذلك، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فلما دخلوا النار خسروا هؤلاء، فليس له زوجة يستمتع بها في النار، وإذا كانت زوجته كافرة مثله فهي في النار وهو في النار، لا ينتفع أحدهما بالآخر.
كذلك ما من مخلوق يخلقه الله من هؤلاء البشر إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، مؤمناً كان أو كافراً، فيخلق الله هذا المنزل هذا وهذا المنزل، فإذا حرم هذا الإنسان من الجنة يزاد له في عذابه فيقال له: انظر أين كنت ستكون! هذا منزلك في الجنة لو أنك عبدت الله ، فهذا أشد ما يكون على نفسه، إذ ينظر إلى القصر وإلى الحور العين، كل ذلك خسره، وهذا الخسران المبين، قال تعالى: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]، فخسر ما كان سيكون له من أهل لو أنه عبد الله ، خسر نفسه وخسر هذه الجنة وخسر الأهل فيها، فكان في النار وحيداً لا أهل له يستمتع بهم فيها، ولا شيء يرفع عنه العذاب ولا يخفف عنه.
وقوله تعالى: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ [الزمر:١٥] هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (وأهليهُمْ).
﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] أي: الخسران المبين المفصح عن نفسه، المبين لحال صاحبه، تقول: بان الأمر، يبين الأمر، بين الأمر، فهو بين هذا الأمر، بين يعني: واضح جلي.
إذاً: هو الخسران الجلي الذي لا يستطيع أحد أن يقول: هذه ليست خسارة، ففي الدنيا خسران في مكان، ونجاح في مكان آخر، لكن هذا خسران لا نجاح فيه ولا ربح بعده، قال تعالى: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]، خسرانهم يبينه ربهم سبحانه أنهم دخلوا النار.
стр. 2560
تفسير قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظل)
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦]، لهم من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش، فالمهاد نار والعياذ بالله، ولحافه الذي يغشى به ويتغطى به نار والعياذ بالله.
والنار دركات بعضها أسفل من بعض، فهذه نار لهم من فوقهم كالظلل، أي: طبقات من نار، ومن تحتهم النار كذلك طبقات، بعضها فوق بعض، فهم في دركاتها، هذا أسفل، وهذا أسفل منه، وهذا أسفل منه.
قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦] أي: أغشية وطبقات من النار، ومن تحتهم ظلل، وذلك العذاب الرهيب الأليم يخوف الله به عباده، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦]، فالله يريد من عباده أن يخافوا منه سبحانه، وحتى يخافوا من الله ويحدث لهم الرهبة في قلوبهم قال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، ينادي الله على عباده: اتقون، خافوني، ارهبوني، اخشوا يوم القيامة، احذروا الوقوع في الشرك، ومعاصي الله .
وقوله: (يَا عِبَادِ) قرأها رويس في حالة الوقف والوصل: (يا عبادي فاتقون).
وقوله: (فَاتَّقُونِ) يقرؤها يعقوب: (فاتقوني) إذا وقف عليها، وإذا وصلها.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →