Полный текст (3 717 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
تفسير قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم على محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٦ - ٣٨].
في هذه الآيات من سورة الحج يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن نعمة من نعمه سبحانه ﵎ على عباده، وهي البدن، فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦]، والبدن هي الإبل، وتطلق أيضاً على البقر، فجعل الله بهيمة الأنعام نعماً لعباده يأكلون منها، ويركبون منها، ويستخدمون أشعارها وأوبارها وأصوافها أثاثاً ومتاعاً إلى حين, وجعلها لهم من شعائر الحج فقال: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، شعار جمع شعيرة، والشعيرة المعلم والمنسك، فهي من بعض شعائر الله، ومن المناسك العظيمة في أيام الحج.
قال: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج:٣٦] أي: لكم فيها منافع دنيوية، في بيعها وشرائها، والاستفادة من ألبانها ومن وبرها ومن نسلها، وكذلك ركوبها حتى تنحر في محلها.
﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦]، هذا فيه بيان كيفية نحر الإبل، فإنها تنحر بأن تطعن في لبتها بسكين ونحوه وهي قائمة معقولة اليد اليسرى، يعني: يدها اليسرى مربوطة مثنية إلى ركبتها التي في يدها، بحيث تكون واقفة على ثلاث قوائم فقط، على اليد اليمنى والرجلين، أما اليد اليسرى فتكون مربوطة مرفوعة، فإذا طعنها في لبتها تسقط على الأرض، فهذه من شعائر الله سبحانه ﵎، ونحرها يكون على هذه الصفة.
والسنة في الإبل أن تنحر، والسنة في البقر والغنم أنها تذبح، ويجوز في البقر النحر.
((فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)) يعني: سقطت على الأرض بعدما طعنت.
قال الله : ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج:٣٦] وفي الآية الأخرى قال: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج:٢٨] فالبائس: الإنسان الذي في ضيق وفي شدة ونزلت به مصيبة من مصيبات الدهر، فأطعموا هذا الإنسان المحتاج، وأطمعوا الفقير، والقانع هو الذي قنع بالسؤال، والمعتر الذي لم يسأل، فكأنك تهدي لهذا المعتر، وتعطي الفقير السائل، وتأكل منها، فتقسم الأضحية أثلاثاً، ولا يشترط أن تكون الأثلاث متساوية، وإذا كان أكثرها في الصدقة هذا الأفضل.
стр. 282
تفسير قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)
قال الله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧] كان أهل الجاهلية يطلون الكعبة بدماء البدن، ويظنون أنهم يتقربون إلى الله بذلك، والدم نجس، ولا يجوز للإنسان أن يلطخ الكعبة بمثل هذه النجاسات، فقال سبحانه ﵎: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، قال ابن عباس: كان أهل الجاهلية يطلون البيت بدماء البدن، فأراد المسلمين أن يفعلوا ذلك فنزلت هذه الآية.
وقوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ﴾ أي: لن يصل إلى الله سبحانه، ولن يستفيد الله سبحانه ﵎ من ذلك شيئاً، والله الغني عن خلقه وعن عبادتهم، وهو مستغن عن العباد وعبادتهم، قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨].
قال الله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧]، قال ابن عباس: أي: لن يصعد إليه، فلا اللحوم ستصعد إلى السماء، ولا الدماء ستصعد إليه، والذي يصل ويصعد إليه التقوى والعمل الصالح، فالله يتقبل عملك الصالح، ويكتب الله في كتاب ما عملت من ثواب، أما اللحم أو الدم فلا يرتفع إلى الله، وإنما يرفع ثوابك إلى الله، ويثيبك عليه الله بجنته وفضله.
والذي يصل ويرتفع إلى الله التقوى من العباد أي: ما أريد به وجه الله سبحانه ﵎، فذلك الذي يقبله، وذلك الذي يثيب عليه سبحانه ﵎، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات) يعني: إذا عملت العمل بغير نية فلن يقبله الله سبحانه، وإذا عملت العمل بنية صالحة خالصاً لرب العالمين قبله ورفعه إليه سبحانه، ونماه وزاده لك.
قوله: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا﴾ [الحج:٣٧] هذه قراءة الجمهور: ((لَنْ يَنَالَ اللَّهَ)) [الحج:٣٧]، وقراءة يعقوب: (لن تنال الله لحومها ولا دماؤها ولكن تناله التقوى منكم) فأنث الفعل باعتبار اللحوم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: من الله عليكم بأن سخر لكم بهيمة الأنعام، والله عظيم سبحانه ﵎، والإنسان أضعف بكثير من البقرة التي يذبحها، ومن الجمل الذي ينحره، ومع ذلك سخر الله هذا الجمل ينقاد لناحره، يأخذ بلجامه، ويسوقه ثم يطعنه، فالله الذي سخر ذلك، ولو شاء ما استطعت أن تغلبه، وقد يهجم الذئب على الإنسان وهو أضعف من الجمل ولا يقدر عليه الإنسان، ويخاف منه، ويفر منه، وكذلك يخاف من النمر والفهد والأسد، ولا يقدر على مواجهتها، فلو شاء الله لسلط الجمل عليه كما سلط عليه هؤلاء، ولكن الله سخر وذلل الجمل، فاعلم أن الله من فضله ومن رحمته سخر لك بهيمة الأنعام، ولو شاء لصعبها عليك ولما جعلها منقادة ميسرة مذللة لك.
قال الله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٧] أي: هذا التسخير العظيم لتتأملوا في تدبير الله للكون، وأن التدبير إلى الله وليس إليكم، وتدبيره بحسب ما يريده الله العزيز القدير سبحانه.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فمن السنة عند أن تذبح أو تنحر أن تكبر الله سبحانه ﵎، فسخر لكم هذه الأنعام لتذبحوها وتنحروها مكبرين الله، مسمين اسم الله عليها، قال: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:٣٦] يعني التسمية، وقال هنا: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، فتجمع بين التسمية والتكبير، تقول: باسم الله، والله أكبر.
стр. 283
معنى قوله تعالى: (لتكبروا الله على ما هداكم)
قال الله سبحانه ﵎: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، تكبر الله سبحانه ﵎ شاكراً إياه سبحانه على نعمه العظيمة، وأعظم النعم أن هداكم للإسلام، وأن هداكم ووفقكم لهذه الشعائر، وأن هداكم لذبح بهيمة الأنعام على اسم الله ولم تشركوا به غيره.
قال: ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [الحج:٣٧] الهدى فضل منه.
ثم قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] فأنتم أحسنتم في ذلك، فالبشارة من الله سبحانه ﵎ لعباده الذين أحسنوا، فلهم الحسنى وزيادة، لهم جنة رب العالمين، ولهم زيادة النظر إلى وجهه سبحانه ﵎، فبشر المحسنين بالفضل العظيم منه سبحانه ﵎.
стр. 284
من أحكام التسمية عند الذبح
في الصحيح عن أنس قال: (ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين أقرنين) والكبش الأملح الذي لونه أبيض وفيه سواد.
وقوله: أقرنين، أي: فيهما قرون، قال: (ورأيته يذبحهما بيده صلوات الله وسلامه عليه، ورأيته وضعه قدمه على صفاحهما) يعني: وضع قدمه على صفحة العنق حتى يثبته على الأرض بحيث يتمكن من ذبحه، قال: (وسمى وكبر)، ففيه أن السنة في الذبح أن تسمي الله وتكبر.
قال بعض العلماء: التسمية واجبة، وأكثر العلماء أنها مستحبة، وقال بعضهم: لابد أن يسمي الله بهذا الاسم: باسم الله، وجمهور العلماء أنه لا تتعين التسمية بذلك، ويكفي أي اسم من أسماء الله الحسنى، مثل باسم الرحمن، أو يقول: الله أكبر فقط، لكن السنة أن يجمع بين اللفظين فيقول: باسم الله، والله أكبر.
ومن ترك التسمية عند الذبح متعمداً اختلف العلماء هل تؤكل ذبيحته أو لا تؤكل؟ فإن كان مسلماً ونسي التسمية فالراجح أن ذبحه صحيح، وتؤكل ذبيحته، لكن إذا تعمد ذلك فذهب البعض من العلماء إلى أنها لا تؤكل، وذهب البعض الآخر إلى أنه إذا تعمد ذلك متأولاً فتؤكل ذبيحته، وهذا قول الشافعي، وقال الإمام أحمد: لابد أن يسمي الله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١٢١]، فنهى من الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه.
فالأحوط أنه لابد أن يسمي أو يذكر الله سبحانه ﵎، ولو بالتكبير فقط.
وهل يسمي ويصلي على النبي ﷺ ؟ كره العلماء الصلاة على النبي ﷺ عند الذبح، ولكن يذكر الله وحده فقط، فهذا محل طاعة لله ، فيسمي الله الذي أمره بذلك: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ﴾ [الحج:٣٦]، وما قال: اذكروا اسم أحد مع الله سبحانه ﵎، فالمستحب ذكر اسم الله وحده لا شريك له، فيقول: باسم الله والله أكبر، إظهاراً لشعيرة التكبير، وأيضاً لعلك ترى في نفسك قدرة وقوة عندما تذبح هذه الذبيحة، والإنسان قد يتعاظم في نفسه عندما قدر على هذه الذبيحة، فيذكر نفسه بأن الله أكبر سبحانه ﵎، فمهما استطعت على ذلك فالله أكبر منك، والله هو الذي مكنك من ذلك، ففي التسمية توحيد الله ، وفي التكبير تواضع من العبد لربه الذي سخر له ذلك.
وهل يقول الذابح: اللهم تقبل مني؟ بعض العلماء أجاز ذلك، والبعض كرهه، فكره ذلك الإمام أبو حنيفة، والجمهور على الجواز وهو الراجح؛ لأنه جاء في الصحيح من حديث السيدة عائشة ﵂ أن النبي ﷺ لما ذبح الكبشين قال: (باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد)، ثم ضحى به صلوات الله وسلامه عليه، ففيه أنه دعا ربه أن يتقبل منه، وأيضاً إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رفعا قواعد البيت كانا يقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة:١٢٧].
стр. 285
تفسير قوله تعالى: (إن الله يدافع عن الذين آمنوا)
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨] بعد أن بشر المحسنين بالجنة، بشرهم في الدنيا بأنه معهم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، فالله معهم في الدنيا وفي الآخرة، والله يدفع عنهم، والله يدافع عنهم، وهنا قراءتان: ((إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير وأبي عمر ويعقوب: (إن الله يدفع عن الذين آمنوا)، فإذا جاء الكفار دافع الله عن المؤمنين، وإذا نزلت البلية وجاءت المصيبة دفع الله عن المؤمنين.
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] إذا علمنا سبب النزول عرفنا ما هي العلاقة بين أول الآية وآخرها، قالوا: نزلت بسبب المؤمنين لما كثروا بمكة وآذاهم الكفار، وهاجر من هاجر إلى أرض الحبشة، فأراد بعض المؤمنين في مكة أن يقتل من أمكنه من الكفار ويهرب بعد ذلك، وأراد بعضهم أن يغتال بعضهم أو يغدر بهم في أموالهم، ويحتال عليهم، فنزلت هذه الآية تحذر المؤمنين، وقد ذكرنا أن هذه السورة العظيمة سورة الحج مكية ومدنية، فيها آيات مكية، وفيها آيات مدنية، وهي من السور التي جمعت بين القرآن المكي والقرآن المدني، وهذه الآية يطمئن الله المؤمنين بأنه يدافع عنهم، فلا تفعلوا ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ﴾ [الحج:٣٨] كثير الخيانة، ﴿كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨] يكفر بالله سبحانه ﵎، ويجحد نعم الله سبحانه ﵎، وقال النبي ﷺ : (ينصب للغادر لواء عند استه بقدر غدرته يقال: هذه غدرة فلان) يعني: يوم القيامة يفضح الإنسان الغدار، فإذا كان المؤمنون في أمان مع الكفار فلا يجوز أن يغدروا بهم فيأخذوا أموالهم، أو يقتلوهم غيلة وغدراً وخيانة، وإنما القتال يكون في الجهاد في سبيل الله سبحانه ﵎، ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] حتى يعلموا أنه سيقاتلهم ثم يحدث القتال بين المؤمنين وبين الكفار، أما الغدر والخيانة فالله نهى عنها، والنبي ﷺ الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه كان في مكة يؤذى ﵊، ويفعل المشركون أفضع أنواع الأذى فيه وفي أصحابه ﷺ ، ومع ذلك كانوا يأتمنونه على أموالهم، فكان عنده ودائع لهؤلاء الكفار في بيته صلوات الله وسلامه عليه، فلما أراد أن يهاجر صلوات الله وسلامه عليه لم يأخذ هذه الودائع والأمانات ويذهب بها ويقول: أخذنا منهم بما فعلوه، مع أنهم جهزوا لقتله ﷺ أربعين رجلاً، وجلعوا من كل قبيلة رجلاً معه سيف ليقتلوا النبي ﷺ بضربة رجل واحد، فالنبي ﷺ أوصى بالأمانات لـ أم أيمن ولـ علي بن أبي طالب؛ حتى تعاد الأمانات إلى أهلها، وخرج مهاجراً إلى المدينة صلوات الله وسلامه عليه ولم يأخذ شيئاً من أموالهم وهم عازمون على قتله ﷺ ! قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:٣٨]، وقال النبي ﷺ : (أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك).
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 286
(تفسير سورة الحج [٣٩ - ٤٠]) للشيخ: (أحمد حطيبة)
(عدد القراء ١٩)
عناصر الموضوع
١
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين ي
стр. 287
تفسير سورة الحج [٤٠ - ٤٥]
بدأ تاريخ الدعوة الإسلامية بالصبر والكف عن القتال، حماية للدعوة، وصوناً عن الأذى، ولما تمادى الباطل في غيه، وصلب عود الحق، أذن الله لعباده وشرع لهم جهاد أعدائه؛ لردعهم، وكفهم عن تماديهم وغرورهم، ووعد الله عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن نصروا دين الله وتمسكوا بكتابه.
стр. 288
تفسير قوله تعالى: (أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: فقد قال الله في سورة الحج: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٣٩ - ٤١].
لما أخبرنا الله سبحانه ﵎ عن المؤمنين أنهم أخرجوا من ديارهم وأموالهم وهاجروا في سبيل الله سبحانه بعدما أوذوا وفتنوا وظلموا، فأذن لهم الله بأنهم مظلومون، وأن الله ناصرهم.
فقال تعالى: ((أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)) أي: هؤلاء المؤمنون المهاجرون الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، ولكنهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ويقولون: ربنا الله.
ثم قال سبحانه: ((الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ)) وكأن هذا كالإعلام بفرض الجهاد على المؤمنين، ولأمرهم بدفع الكفار، فإنهم لو تركوا هؤلاء الكفار وما يصنعون بالمؤمنين من أذى ولا يردعهم شيء لزاد طغيانهم في الأرض، فلا يقدر عليهم أحد، ولكن الله سبحانه يدفع أمثال هؤلاء الكفار بالمؤمنين المجاهدين في سبيله، فالجهاد والدفع شريعة ربنا في الأديان السابقة، وفي دين الإسلام.
فالأنبياء يدعون أقوامهم إلى طاعة الله رب العالمين، فيكذب الأقوام، فيشرع الله للمؤمنين على ألسنة أنبيائه أن جاهدوا في سبيل الله، فيجاهدون، فينصرهم الله ، فلولا ذلك الجهاد لتمكن الكفار من المؤمنين، ولكان الكفار هم الذين يسودون الأرض، ويفعلون ما يحلو لهم، ولكن الله فرض الجهاد؛ تأديباً لهؤلاء الكفار، وإعزازاً لدينه، وإظهاراً للمؤمنين ولشعائر دينه ، ولولا ذلك لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، فكأن الله شرع الجهاد في الأديان السابقة، فجاهد المؤمنون مع أنبيائهم الكفارَ، فجاهدوا مع موسى ﵊، وجاهدوا مع إبراهيم ﵊، ومع غيره من الأنبياء.
يدفع الله بالجهاد الناس بعضهم ببعض، فيكف به شر الأشرار وكيد الكائدين لدين رب العالمين، وينصر الله دينه، فيتمكن العباد المؤمنون مع أنبيائهم من عبادة الله سبحانه ﵎.
قوله: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ﴾ [الحج:٤٠]، الصوامع: أماكن العبادة التي كان يتعبد فيها الرهبان، وهي جمع صومعة، وكانت مختصة برهبان النصارى.
والمعنى: أنه لولا جهاد الكفار لما تمكن المؤمنون من النصارى في عهد المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام من أن يعبدوا ربهم ، ولما تمكن المؤمنون الذي كانوا مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام من عبادة ربهم وهكذا.
فلولا فرض الجهاد ودفع الله الكفار بالمؤمنين ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ [الحج:٤٠].
ثم يأتي وعد الله سبحانه بقوله تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، وهذا النصر مقيد بأسبابه التي منها: قوله تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠]، وغير ذلك من أسباب كالتوكل على الله سبحانه.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] أي: أن الله قوي لا يغلبه شيء، وهو العزيز الغالب الذي لا يقهر، فلا يقدر أحد على أن يعترض على أمره؛ لأنه مهما اعترض الإنسان ومهما جحد فإنه يأتي عليه قضاء الله وقدره، فيذله الله سبحانه ﵎ ويؤدبه، ويرجعه إلى التراب حقيراً ويعذبه ربه سبحانه، وهو لا يملك أن يدفع عن نفسه شيئاً؛ لأن الله قادر على كل شيء، فهو القوي العزيز سبحانه.
стр. 289
تفسير قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة)
قال الله سبحانه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، أي: من صفات المؤمن أنه إن مكنه الله أظهر دين الله ، وعامل الخلق كلهم بالعدل الذي شرعه الله سبحانه، فلا يظلم أحداً؛ لأنه يخاف من الظلم، بعد أن عرف أن الله قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرماً، قال ﷺ : (قال الله تعالى: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا)، فلا يحل للمؤمن أن يظلم أحداً، وإنما يحكم بشرع الله سبحانه ﵎، فيدعو إلى دين الله سبحانه، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
وهذه هي صفات مجتمع الإسلام العظيم.
стр. 290
شروط التمكين في الأرض
المؤمنون يمكنهم الله في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ﴾ [الحج:٤١]، فهم لا يستعلون على غيرهم ولا يتجبرون ولا يطغون ولا يبطرون، ولكنهم يقيمون الصلاة.
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، فهذه علاقة مع الله سبحانه ﵎، وعلاقة مع الخلق ذكرها لنا ربنا سبحانه ﵎ هنا، فعلاقتك مع الله أن على بدنك واجباً، وعلى مالك واجباً، ومن علاقتك مع الله إقامة الصلاة، وتأدية الحج وجميع العبادات التي فرضها الله سبحانه من صيام، وجهاد في سبيله، وغير ذلك.
فمن صفات المؤمنين أنهم يقيمون الصلاة التي هي أعظم أركان الدين، فيقيمونها، ليس بأنهم يصلون فقط، وإنما هم يصلون ويأمرون غيرهم بهذه الصلاة كما أمر الله سبحانه ﵎.
ولا يوجد في المجتمع المسلم أحد لا يصلي، إلا أن يكون غير مكلف، كأن يكون مجنوناً أو صغيراً، أو تكون امرأة حائضاً أو نفساء، أما كون المجتمع المسلم يوجد فيه من لا يصلي فلا؛ لأن الذين تمكنوا في الأرض لهم السلطان ولهم الحكم في الأرض، بشرط أن يقيموا الصلاة، وأن يكون شغلهم الشاغل أن يكون الناس مطيعين لرب العالمين سبحانه ﵎؛ وذلك بأن يقيموا الصلاة ويأمروا الناس بالصلاة والمحافظة عليها، ويراعوا حدود الله في ذلك.
فقوله تعالى: ﴿وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج:٤١] أي: بذلوا أموالهم، وأمروا الناس بذلك، فهم في أنفسهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ومع الخلق يأمرونهم بالمعروف أي: جنس المعروف، وينهونهم عن المنكر، أي: جنس المنكر، فيأمرونهم بالصلاة، وبالزكاة، وينهونهم عن معصية الله سبحانه ﵎.
فإن المؤمن إذا مكنه الله سبحانه من أن يكون حاكماً أو يكون سلطاناً فإنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويقول بالحق أينما كان، وينتظر الأجر من الله سبحانه، ولا ينتظر النتيجة من الناس، مهما بلغ الناس، استجابوا أو لم يستجيبوا؛ لأنه فعل ما يجب عليه من أمر الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١] أي: مرجع الأمور إلى الله، والرجوع إلى الله؛ ليحاسب العباد على ما صنعوا وما فعلوا.
стр. 291
حرية الإنسان مقيدة بضوابط الشرع
إن مجتمع الإسلام فيه الحرية المقيدة بطاعة الله سبحانه، ولا يوجد في الإسلام حرية مطلقة بحيث إن الإنسان يفعل ما يشاء بدون ضوابط، وإنما حريتك محدودة فيما أباحه لك ربك سبحانه، والإنسان العاقل يتأمل في ذلك، فيعرف قدر هذا الإسلام العظيم، وقدر هذا الدين العظيم.
إذاً: ليس للإنسان أن يفعل ما يريد، فليس من حقه أن يطلع على ما يريد، أو يتجسس على الجيران وينظر إلى العورات، وإذا اعترض عليه أحد قال: أنا حر، أعمل ما أشاء، وإنما يقول لك الدين: لا، أنت لست حراً، وليست لك حرية إلا أن تنظر إلى ما أحل الله لك، فإذا نظرت إلى ما حرم الله عليك، عاقبك الله في الدنيا والآخرة.
أما في الدنيا فبالتعزير، فيعزر الإنسان الذي يصنع ذلك.
وأما في الآخرة فبالنار والعياذ بالله، ولذلك يجعل الله في قلب الإنسان ما يخيفه ويمنعه من الوقوع في الحرام، فلا يتأذى غيره به.
فلو قال شخص: أنا حر، ومشى في الشارع رافعاً صوته ويسب ويعمل ما يريد لقال له الإسلام: لا، لست حراً في ذلك، لا ترفع صوتك فتؤذي غيرك، فإذا فعلت ذلك عزرك الحاكم، وعزرك القاضي؛ لأنك تؤذي غيرك، وحريتك لا تعني أن تؤذي غيرك، ولكن كونك تأكل أنت حر، ومع ذلك بدون إسراف قال : ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف:٣١]، فأنت مقيد بعدم الإسراف في الأكل والشرب أيضاً، كذلك تأكل وتشرب مما أحل الله لك، وليس مما حرمه الله سبحانه، فتجد أن الإسلام يعطيك حرية، ولكنها مقيدة بشرع الله سبحانه ﵎، فأما الحرية المطلقة بحيث تعمل الذي تريده، فلا.
وانظر إلى الإنسان عندما يصل إلى الحرية المطلقة التي يريدها فإنه في النهاية يلغي شريعة ربنا سبحانه، ويشرع لنفسه ما يريد، ولا يحكمه في ذلك إلا شهواته وشبهاته، وما يريده من أسباب القوة، حتى لو ضيع غيره.
فالإنسان عدو لنفسه ولزوجه ولولده.
فإذا نظر إلى شهواته فإنه ينظر إلى مصلحته، ولا يهتم بغيره، ولكن الإسلام جاء ليقيدك بحدود الله سبحانه، فتلك حدود الله فلا تعتدوها.
فلا تتعدى الحلال فتقع في الحرام، ولا تقرب من الحرام وإلا أوشكت أن تواقعه وتقع فيه.
فحدود الله عظيمة، تجعل الإنسان المسلم يستشعر أنه عبد لله ، ويستشعر أنه يحب غيره ويحترم غيره، وأن له حقوقاً وعليه واجبات، كما أن لغيره حقوقاً وعليه واجبات.
ولذلك المجتمع المسلم يعيش في تكافل وفي احترام ومحبة، وفي حرية مقيدة بشرع الله سبحانه ﵎.
وأما الإنسان الكافر فلا شيء يحده، فإذا به يخرج عن دين الله سبحانه، ويريد أن يأخذ ملاذ الدنيا جميعها، فتستعبده شهواته شيئاً فشيئاً، فيحصل على المال ولا يشبع، ويحصل على شهوات الجنس ولا يشبع، ويحصل على شهوات الدنيا إلى غاية النهاية ولكنه يجد نفسه مهموماً ولا يجد في الدنيا راحة، فيريد الموت، فيبدأ الأطباء يخترعون له الموت المريح، ويقولون: إن من حق الإنسان أن يموت موتاً مريحاً، ويصنعون له أدوات للموت؛ ليختار لنفسه كيف يموت، ومتى يموت.
فلو ترك الإنسان ونفسه فإنه في النهاية ينتحر ويضيع نفسه ويفني نفسه بنفسه، هذا لو ترك الإنسان وحده، ولكن تأتي شريعة رب العالمين سبحانه لتحافظ له على حياته وعلى بقائه، وعلى دوام الإنسانية، حتى يأتي أمر الله سبحانه ﵎.
стр. 292
تفسير قوله تعالى: (وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح)
يقول تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ﴾ [الحج:٤٢] يعني: أنت لست أول رسول يكذبه قومه ﵊، فإن يكذبك هؤلاء القوم فقد كذبت قبلهم أقوام: قوم نوح، وقوم عاد، وقوم ثمود، وكل قوم أرسل الله إليهم نبيهم ورسولهم ﵊ يدعوهم إلى الله.
فقد رأينا كيف دعا نوح قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولم يستجب له إلا عدد قليل جداً من هؤلاء الأجداد والآباء والأبناء والأحفاد، قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فالذين ركبوا معه السفينة عدد قليل.
وقد نصره الله ، ونصر من معه من المؤمنين، وأغرق الأرض بمن عليها، فالله سبحانه كأنه يقول لنبيه ﷺ : نحن نصرنا نوحاً ولم يكن معه إلا عدد قليل، ولكنه صبر وثابر فنصرناه في النهاية.
وكذلك عاد، قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥] أي: أرسلنا هوداً إلى قومه يدعوهم إلى الله سبحانه، فكذبوه، وقد أنعم الله عليهم بالنعم العظيمة، فقال لهم نبيهم ﵊: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠] يعني: أنهم في غاية القوة والجبروت، وبدلاً من أن يعبدوا ربهم الذي مكنهم استكبروا على خلق الله سبحانه، عصوا وأبوا إلا العناد والاستكبار، فجاءهم عذاب الواحد القهار سبحانه ﵎، فإذا به يرسل عليهم حاصباً، أي: ريحاً تقتلع هؤلاء القوم، فجعلهم كأعجاز نخل خاوية.
وكذلك ثمود، فقد أرسل إليهم صالحاً يدعوهم إلى الله سبحانه، فطلبوا منه آية يرونها بأعينهم، وانتقوا هذه الآية، بأن تكون ناقة تخرج ومعها فصيلها، والقصة معروفة، فالله أعطاهم هذه الآية، فلم يصبروا لأمر الله، ولم يصدقوا رسولهم ﵊ التصديق الذي يفترض عليهم؛ لأنهم رأوا هذه الآية، وعرفوا أنها آية من عند الله، ولكن مع ذلك لم يدخلوا في دين هذا الرسول الكريم ﵊.
قال تعالى حاكياً ذلك: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ * فَعَقَرُوهَا﴾ [الشعراء:١٥٥ - ١٥٧]، فلما عقروا هذه الناقة أخبر الله أنهم أصبحوا نادمين، ولم ينفعهم ندمهم، وقال لهم رسولهم ﵊: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥] فهددوا رسولهم إذا لم يأت العذاب بعد ثلاثة أيام، وانتظروا ثلاثة أيام وإذا بالعذاب يأتيهم، فما نفعتهم توبة، وما نفعهم ندم، وأخذهم الله .
إذاً: قوم نوح ﵇ أغرق الله الأرض جميعها بسببهم، وقوم عاد كانوا في جنوب الحجاز، وقوم ثمود في شمال الحجاز.
وكان الله يقول لأهل مكة: تدبروا شمالكم وجنوبكم وجميع الأرض قد أهلك الله الكفار، أفلا تعتبرون؟!
стр. 293
تفسير قوله تعالى: (وقوم إبراهيم وقوم لوط)
قال الله تعالى: ﴿وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ [الحج:٤٣]، فقد ناظر إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام النمرود ودعاه إلى الله، بعد أن قال عن نفسه: إنه الرب، وقال: أنا أحيي وأميت.
فقال إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨]، أي: إن كنت صادقاً فافعل هذا الشيء، فلم يقدر على ذلك، وحرم إبراهيم من الطعام ولم يعطه، وقد جاء ليشتري منه طعاماً فرفض أن يعطيه؛ لأن إبراهيم أفحمه أمام الناس، ورجع إبراهيم، وأهلك الله هذا الجبار بجنوده ، فقد أرسل عليه الدبابير، أو البعوض، فأخذته وأهلكته، فجعله آية للخلق.
وكذلك قوم لوط، فقد كان لوط يدعو قومه إلى دين الله سبحانه، وهم في أرض الشام، فدعاهم إلى الله، وكانوا يأتون الفاحشة، قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:١٦٥ - ١٦٦]، فاستكبروا عليه، ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ﴾ [الشعراء:١٦٧] أي: قالوا كما قال قوم نوح لنوح قبل ذلك: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦] فقوم نوح قالوا: نرجمك، وقوم لوط قالوا: نخرجك، فإذا بالله يهلك قوم لوط الذين كانوا يأتون الذكران من العالمين، فقال: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾ [النجم:٥٣ - ٥٥].
فكانت العقوبة أن أرسل عليهم سبحانه حجارة من سجيل من نار جهنم، فأهلك الجميع وأبادهم، بعدما رفعهم واقتلع أرضهم وقلبها على رءوسهم.
стр. 294
تفسير قوله تعالى: (وأصحاب مدين وكذب موسى)
قال الله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ﴾ [الحج:٤٤]، أي: قوم شعيب، وكانوا في نعم عظيمة، ومع ذلك كانوا ينقصون الكيل والميزان وهم كفار، فدعاهم شعيب ﵇ إلى التوحيد فرفضوا، ودعاهم إلى أن يوفوا الكيل والميزان، فقال: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الشعراء:١٨١ - ١٨٣]، فأبو ذلك، ثم قال لهم نبيهم: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ * قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ [الشعراء:١٨٤ - ١٨٥] أي: أنت جئت تدعونا، وأنت رجل مثلنا، لك صدر ولك جسد ولك بدن أو (أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: ممن سُحر فلم يعرف الحق من الباطل.
يقولون ذلك لشعيب، وكان من أفصح الناس في الدعوة إلى الله سبحانه، وكانوا يقولون له ﵊: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود:٨٧] يعني: أنت تزعم أنك حليم وأنك رشيد وأنت سفيه! كانوا يقولون عنه ذلك، فهم يعرضون بالكلام، فإذا بالله يهلك هؤلاء الأقوام، بما أرسل عليهم من الرجفة، وبما أرسل عليهم من عذاب.
قال الله تعالى: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾ [الحج:٤٤] أي: كذبه فرعون، وقد رأى تسع آيات بينات.
قال سبحانه: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ﴾ [الحج:٤٤] أي: أمهلتهم وأنظرتهم.
فلما أصروا على طغيانهم ﴿أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤] ((فكيف كان نكيري)) هذه قراءة يعقوب فقد كان يقرؤها هكذا ويقف عليها بالياء، يعني: كيف كان إنكاري عليهم، أي: كان إنكاراً عظيماً، وكان إنكاراً فظيعاً شديداً، والله أنكر عليهم وقال لهم: لا تفعلوا، فنهاهم في البداية ثم أخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، وقال: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج:٤٤].
стр. 295
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
قال الله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الحج:٤٥] أي: كم من قرية، وهذه فيها قراءتان: قراءة ابن كثير: (فكائن من قرية)، ومثله أبو جعفر ولكن سهل مع المد والقصر، يقول: (فكائن من قرية)، أي: كم قرى كثيرة! ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الحج:٤٥]، بنون العظمة وهي قراءة الجمهور، وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب: ((أهلكتُها)) أي: أن الذي تولى إهلاكها الله سبحانه، فإذا به يرسل عليهم ملائكته، ويرسل عليهم العذاب.
قال سبحانه: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:٤٥] أي: فبسبب أنهم ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم أهلكهم الله سبحانه.
قال: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج:٤٥]، الخواء بمعنى الخلاء، أي: أنها خالية، والخواء يأتي بمعنى السقوط أيضاً، فهي خاوية ليس فيها أحد، وهي ساقطة جدرانها على سقفها، أي: أن عروشها ساقطة على سقوفها.
وكلمة العروش والعُرش والعَريش بمعنى البناء الذي يكون من خشب أو من غيره، وقد يطلق على الخيمة، أو على الأعمدة التي فوقها سقف، وأحياناً يطلق على العروش البيوت، فقوله هنا: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج:٤٥] أي: تكون بمعنى السقوف وبمعنى البيوت، يعني قد تهدمت أو صارت كما هي، وأهلكنا أهلها، فصارت خالية.
قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥]، فكأنه يقول: إن الهلاك يأتي على المستكبرين أينما كانوا، سواء كانوا في الحضر أصحاب بيوت فسيأتي إليهم العذاب، أو كانوا في البراري أصحاب آبار فسيأتيهم العذاب.
فالله انتقم منهم؛ بسبب كفرهم وظلمهم، فماتوا وبقيت الآبار على ما هي معطلة لا أحد ينتفع بها، والآبار في الصحراء كنز عظيم جداً، فإن الذي يكون له بئر في الصحراء فإنه ملك في الصحراء، فعندما يوجد البئر يوجد حوله أهله، ويجتمع الناس إليهم.
وإذا بهم يكفرون بنعم الله سبحانه، ويكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، فيأتيهم العذاب، فيهلكهم الله، وتظل البئر وحدها، عليها بكرتها وحبالها، ولا يوجد أحد يسقي منها، أهلكهم الله، فقال سبحانه: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ [الحج:٤٥] أي: لا تستخدم.
قال تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] القصر المشيد: هو مبنى عظيم، أو: مشيد من الشيد، بمعنى الدهان، يعني: مدهون، فجملة أصحاب القصر أهلكهم الله، وبقي القصر على ما هو عبرة للخلق! ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢].
نسأل الله أن يجعلنا من المعتبرين.
стр. 296
تفسير سورة الحج [٤٥ - ٤٨]
كم من قرية أهلك الله أهلها لما طغوا وكفروا، ولا تزال آثار كثير من تلك القرى باقية؛ ولذا رغب الله عباده في السير في الأرض والنظر والاعتبار فيما حل بأولئك الكافرين، وليعلم الناس أن الله لا يخلف وعده، وأنه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته.
стр. 297
تفسير قوله تعالى: (فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٥ - ٤٧].
يقول الله : ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥]، يخبرنا الله عن أخذه وإتلافه للقرى الظالمة السابقة تخويفاً لهؤلاء الكفار الذين كذبوا النبي صلوات الله وسلامه عليه واستعجلوا عذاب الآخرة: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص:١٦]، وقالوا للنبي ﷺ : عجل لنا بالعذاب ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧].
((فَكَأَيِّنْ)) أي: فكم من قرية ﴿أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:٤٥] قرى كثيرة كذبت المرسلين منها من ذكر الله قصتهم في القرآن، ومنهم من لم يخبرنا عنهم ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨].
قال سبحانه: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:٤٥] يعني: الإهلاك كان بسبب ظلم أهلها.
﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الحج:٤٥] خاوية لا أحد فيها أو ساقطة على عروشها، والعروش: السقوف، فسقطت السقوف وهوت فوقها جدرانها.
والقرى وصفت بالظلم لظلم أهلها، والمعنى: أن أهلها ظالمون.
﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥] ذكر الله قرية وبئراً وقصراً، فالقرية: بلد من البلدان، والقصر المشيد هو الذي يكون لملك من الملوك أو كبير من الكبراء، والبئر هي التي تكون لصاحبها أو لمجموعة من الناس لهم اجتماع في مكان، ولهم عدد، وهذا غناهم، وكم يقتتل أناس على بئر في صحراء! هذا يزعم أنه صاحبها، وذلك يزعم أنها من حقه، فالبئر كنز لصاحبها في الصحراء، فهؤلاء الذين استولوا على هذه الآبار، والذين شيدوا هذه الحصون وهذه الديار، والذين كثروا في القرى والأمصار؛ لما عصوا رسل الله سبحانه جاءهم بأس ربهم سبحانه ﵎، فجعل القرى خالية خاوية مهدمة على عروشها، والآبار معطلة، وأخذ أهلها وتركوا الآبار لا ينتفع بها أحد.
والقصر الذي شيده أهله فبنوه ورفعوه في السماء وجصصوه، ودهنوه وزينوه، إذا بهم يؤخذون منه، ويورثه الله لغيرهم أو يتركه خالياً لا أحد فيه، والذي يسير في الأرض ينظر كثيراً من آيات الله في ذلك، وما أكثر ما يقال: اكتشفنا آثاراً، اكتشفنا قرية للقدماء المصريين موجودة تحت الرمال، اكتشفنا قرى، وهذه القرى بناها أهلها ليخلدوا، وزعموا أنهم يخلدون، وزعموا أنهم يرجعون إليها، وبعضهم كان يعمل له القبر ويحبس بجانبه جمله، بحيث إن الجمل يموت بجوار القبر، فعندما يرجع مرة أخرى يلقى الجمل ليركب عليه، فلا رجعوا ولا رجعت جمالهم، وإنما يرجعون إلى الله سبحانه ﵎ ليحاسبهم بأعمالهم.
وكم من الناس ينظرون هذه الآيات ولا يعتبرون، بل ينبهرون بهذه الآثار، وينسون أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر؛ لأنهم كانوا كفاراً ولم يكونوا مؤمنين، وبعض الناس يفتخر بأجداده الفراعنة، ويزعم أنهم أهل حضارة، من الحضر، فالحضر: المدن، وعكسها البوادي، ولا يعتبر أن حضارتهم ذهبت، وذهبت حصونهم، وتهدمت الديار ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج:٤٥].
стр. 298
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها)
قال الله تعالى مخاطباً الكفار الذين يجحدون نعم الله سبحانه، والذين يكذبون رسل الله عليهم الصلاة والسلام: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] العمى نوعان: عمى البصر وعمى القلب، فإن ذهبت العينان فهذا العمى، وإن ذهبت عين واحدة فهذا أعور وليس أعمى، فهنا ربنا يقول لنا: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، وفي سورة الإسراء يقول لنا: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٧٢]، يعني من كان أعمى في هذه الدنيا، والمراد عمى القلب، قيل: ذهب عبد الله بن أم مكتوم إلى النبي ﷺ وقال: أنا أعمى، فهل يوم القيامة أكون أعمى؟ فنزلت هذه الآية: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فالمقصود عمى الصدور، ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء:٧٢] أي: أشد عمى، فأعمى أفعل تفضيل، ولا يأتي ذلك في العين، لا يقال: فلان أعمى من فلان؛ لأن هذا أعمى وهذا أعمى، هذا ذاهب البصر وهذا ذاهب البصر، وإنما عمى القلوب يأتي فيه أعمى الذي هو أفعل تفضيل، فهذا أشد عمى من ذلك، هذا في ضلال وذاك في ضلال أشد من ضلال الأول، وذاك أشد ضلالاً من هذا وذاك، فلذلك من كان أعمى في الدنيا فهو في الآخرة أعمى أي: أشد عمى، فالعمى الذي فيه التفاضل ليس هو عمى الأبصار، فعمى الأبصار يستوي، وإنما هو عمى القلوب.
وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] هل الإنسان يعقل بالقلب أو يعقل بالمخ الذي في رأسه؟ أكثر الناس يقولون: إن المخ هو الذي يعقل، والمخ هو الذي يفكر، والمخ هو الذي يشعر، والمخ هو الذي فيه الأحاسيس وفيه الحب وفيه العاطفة، لكن الله يقول: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦] ولا يمكن أن تكون مجازاً أبداً، لأنه قال: (القلوب التي في الصدور)، وهذه حقيقة عجيبة جداً، قال علماء التفسير وعلماء الحديث: القلب هو الذي يعقل؛ لأن الله قال ذلك، وعلماء الطب يقولون: لا، القلب لا يعقل، والعقل في المخ.
والشيخ الزنداني يذكر في هذه المسألة كلاماً عجيباً فيقول: إنه بقي مدة يتتبع مسألة العمى الذي في القلب، ويحاول ينظر في مراكز زراعة القلوب الموجودة في العالم، ويريد أن يسأل الناس الذين زرعت لهم قلوب: ما هو شعورهم؟ وما هي أحاسيسهم؟ وكيف عيشهم؟ وكان الأمر أنه كلما يذهب إلى مستشفى من هذه المستشفيات يرفض الأطباء أن يجعلوه يتصل بالمرضى، ويمنعون أي إنسان يدخل على المرضى، وذكر أنه قابل أستاذاً في الطب في جامعة الملك عبد العزيز، وذكر له أنه نشر خبراً في جريدة منذ ثلاث سنوات ونصف أنهم اكتشفوا بأن القلب ليس مضخة للدماء فقط بل هو مركز عقل وتعقل.
ومرت الأيام وإذا بمركز لتبديل القلوب يفتح بالأردن، فذهب إلى هنالك وعقد مؤتمر صحفي مع أهالي المريض الذي زرعوا له القلب، فقالوا: لو أنكم معنا في البيوت تشاهدون سلوك هذا الذي زرع له القلب ما غبطتمونا على هذا، وذكر بعض الأطباء المتخصصين في هذا الأمر أن صاحب القلب الجديد لا تكون فيه أي عواطف ولا انفعالات، ولا ينفعل بالظروف التي حوله، لا يخاف ولا يحب! وإذا قرب إليه خطراً بدا وكأنه لا شيء يتهدده، ولا يحس بهذا الخطر، ولا يخاف منه ولا يفزعه، بينما القلب الحقيقي يتأثر، وفيه وجدان، وفيه شعور, وفيه خوف، وفيه حب، قال: وإذا قربت منه شيئاً يحبه بدا وكأنك لم تقدم إليه شيئاً، فلا يوجد عنده أي شعور بالمحبة التي كانت موجودة فيه، فيكون كأنه صنم، قلبه بارد غير متفاعل مع سائر الجسد! واكتشفوا أن قلب الإنسان فيه هرمونات عاقلة، ترسل رسائل عاقلة إلى الجسم كله، وأن القلب مركز عقل وتعقل وليس مجرد مضخة، وهذا اكتشفوه قبل ثلاث سنين فقط، وهو في القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة! فهذا من الإعجاز العلمي في هذا القرآن العظيم، فهذه حقيقة علمية مذكورة منذ ألف وأربعمائة سنة، ولا يعرفها الناس إلا قبل ثلاث سنين ونصف! يقول سبحانه ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦]، قلب يعقل ما حوله، ويعرف أن هذا الكون لابد أن له خالقاً سبحانه ﵎، وأنه قادر مدبر حكيم، يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد سبحانه.
﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦] يسمعون بها كلام رب العالمين، ويطبقونه في هذا الواقع الذي يعيشون فيه، فيعرفون الحق.
﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ﴾ [الحج:٤٦] لا تعمى الأبصار، فإذا ذهب بصر الإنسان فقلبه يكفيه في الاستدلال على الخير والهدى والرشاد، ولكن الذي يعمى هي القلوب، ((ولكن تعمى القلوب التي في الصدور))، يعميها الله سبحانه ﵎، فإذا بالإنسان لا يتدبر ولا يعي ولا يفهم شيئاً مما حوله ولا يعتبر.
стр. 299
تفسير قوله تعالى: (ويستعجلونك بالعذاب)
قال سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج:٤٧]، يرينا الله صورة من صور عمى القلب، فقال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ [الحج:٤٧] قيل: نزلت في النضر بن الحارث لما قال: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، وقيل: نزلت في أبي جهل لعنة الله عليهما لما قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، فمن صور العمى أن الإنسان يستعجل العذاب، فهل يعقل أن إنساناً عاقلاً يقول: يا ربّ إذا كان هذا حقاً فخذني، يا رب إذا كان هذا حقاً فأدخلني النار؟ الإنسان العاقل يقول: إذا كان هذا حقاً فأرشدني إليه، فدلني عليه، فادفعني إليه، ولكن هؤلاء لا عقل عندهم، وصدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦].
والله يستدرج هؤلاء، فهم يكذبون النبي ﷺ ويدعون على أنفسهم، وأحياناً يقولون عن القرآن: إن القرآن عظيم، ليس بكلام البشر، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وهذا القائل هو الوليد بن المغيرة ومع هذا لم يؤمن بالقرآن! وأبو لهب عم النبي ﷺ كان يدفع الناس عن القرآن، وكلما ذهب النبي ﷺ إلى أناس يدعوهم إلى الله سبحانه، يتبعه ويقول: أنا عمه، وأنا أدرى به، هذا مجنون فلا تصدقوه، هذا كذاب، وقد أنزل الله فيه: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ [المسد:١ - ٥] أي سيهلكه الله، وسيموت على الكفر ويدخل النار، فهذا الرجل لو كان عنده عقل كان سيقول: تتوعدني أنني أدخل النار لأني كافر، فهأنذا أقول: لا إله إلا الله، يقولها ولو نفاقاً حتى يدعي كذب القرآن، ولكنه ما قال هذه الكلمة، وأعماه الله عن التفكير في ذلك، ومات على كفره الذي هو فيه، وصدق الله العظيم فيما أخبر عنه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج:٤٧] الله لا يخلف الميعاد، فسيأتيهم العذاب، فتحقق ما توعدهم به في يوم بدر، وأهلك رؤساءهم وأساطين كفرهم، وتوعدهم بما يكون في قبورهم، وكل ما ذكره الله سبحانه ﵎ من أمر الدنيا والآخرة فهو حق ووعده آت.
قال سبحانه: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، هذه الأعمار الطويلة التي يعيشها الإنسان في هذه الدنيا هي في نظره عمر طويل، حتى إن أحدهم عاش ثمانين سنة فقال: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم أما يوم القيامة فاليوم بألف سنة مما تعدون، فمن سئم من ثمانين سنة فستكون ثمانين ألف سنة في النار والعياذ بالله، يقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] يعني: يوماً من أيام الآخرة بألف سنة مما تعدون.
وقراءة الجمهور: ((مما تعدون)) وقراءة ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف: ((مما يعدون)) يعني: مما يعد هؤلاء المشركون من أيام وليال.
стр. 300
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة)
قال الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٨] قرى كثيرة أملى لها الله ثم أهلكها، إن بطش ربك لشديد، يملي لها ويتركها حيناً، فالإملاء هو الترك، حتى يظن الإنسان أن الله تركه ولن يعذبه، ولن يفعل به شيئاً ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ [يونس:٢٤]، وانظر إلى التنكير هنا: (ليلاً أو نهاراً) نكرها للتقليل، يعني لحظة من الليل أو من النهار فهدمنا هذه القرى، وضيعنا هذه الحصون.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج:٤٨] أي: أنظرتها وأمهلتها مع عتوها استدراجاً لها وإملاء وهي ظالمة، ((ثم أخذتها)) يعني: بسبب ظلمها ﴿وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٨] فأين سيذهبون من الله ؟ فمهما ذهبوا وصعدوا ونزلوا ففي النهاية المرجع إلى الله سبحانه ﵎؛ لذلك على الإنسان أن يعد نفسه لهذا اليوم، فلا ينفعه إلا القلب السليم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 301
تفسير سورة الحج [٤٩ - ٥٦]
وعد الله المؤمنين بمغفرة منه ورزق كريم، وتوعد الذين يسعون في إبطال آيات الله بالعذاب الأليم، وما من نبي يقرأ كتاب الله إلا ويلقي الشيطان شبهاً تتعلق بما قرأ، فيضل بها الكافرون ويمتحن بها المؤمنون، فيثبتهم الله، ويحكم آياته، ويبطل ما ألقاه الشيطان من وساوسه.
стр. 302
تفسير قوله تعالى: (وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٤٨ - ٥٢].
لما أخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وما قبلها كيف أنه يهلك القرى، وكم من قرية أهلكها الله سبحانه ﵎ بسبب ظلم أهلها، أهلكها فلا يرى لهذه القرية أثراً من حياة إلا آثار موت وآثار خراب وآثار تعطيل فقال: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [الحج:٤٥]، وهنا قال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا﴾ [الحج:٤٨] يعني كم من القرى أملينا لها وتركناها، وأمهلناها، واستدرجناها حتى أخذناها أخذاً عظيماً شديداً، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج:٤٨] إلى الله ترجع الأمور، فيصير كل الخلق إليه ليجازيهم على أعمالهم.
стр. 303
تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين)
أمر الله نبيه ﷺ أن يخبر الناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج:٤٩] صفته النذارة والبشارة صلوات الله وسلامه عليه، فهو نذير يخوف الخلق من عذاب رب العالمين سبحانه، وهو بشير يبشرهم بما أعد الله للمؤمنين من جنات ومن نعيم مقيم.
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الحج:٤٩] مبين: يعني: واضح بين الحجة والبرهان.
﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الحج:٥٠] هذا وعد من الله سبحانه وبشارة للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، وقيده هنا بالإيمان والعمل الصالح، فالمؤمن فرض عليه أن يطيع الله سبحانه، وأن يطيع النبي صلوات الله وسلامه عليه فيعمل صالحاً، فإذا آمن وصدق وعمل الصالحات فله المغفرة، فيستر الله عليه ذنوبه، ويمحوها سبحانه، وقد يبدلها حسنات بفضله وكرمه سبحانه، وله رزق كريم، فمدح رزق الآخرة بأنه رزق كريم، رزق لا شائبة فيه، ولا كدر فيه، ولا تعب فيه ولا نصب، ولا شيء فيه يزعج الإنسان، بل هو رزق كريم من رب العالمين سبحانه ﵎ في الجنة.
стр. 304
تفسير قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين)
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج:٥١] أي: الكفار الذين أعرضوا وسعوا جاهدين في أن يطفئوا نور الله سبحانه ﵎، وأن يبطلوا ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه، سعوا في آيات الله معاجزين مغالبين مشاقين للنبي ﷺ ، ومعاندين لهذا الدين العظيم، ويظنون أنهم يعجزون رب العالمين سبحانه، ويظنون أنه لا يقدر عليهم، قال: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ [الحج:٥١] أي: أسرعوا في ذلك معاجزين، وهذه قراءة الجمهور، و (معجِّزين) قراءة ابن كثير وأبي عمرو.
﴿أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [الحج:٥١] ظنوا أنهم يفوتوننا مسرعون ليطفئوا نور الله، فالله متم نوره ولو كره الكافرون، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، فمهما ظنوا أنهم أقوياء، فالله أقوى منهم، والله يعجزهم سبحانه ﵎، ولا يقدرون على شيء، وهو يقدر عليهم سبحانه، فهم أصحاب النار.
стр. 305
تفسير قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)
قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢] أرسل الله الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذا مرسل وهذا مرسل، لكن الرسول معه شريعة من عند رب العالمين، والنبي مأمور أن يدعو القوم إلى توحيد رب العالمين سبحانه، فالرسول معه رسالة من الله سبحانه، وكلاهما مرسل.
قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج:٥٢] أي: رسول وأي نبي عليهم الصلاة والسلام يتمنون، والتمني يأتي بعدة معان: فمن معانيه: التلاوة، فيتلو ما أنزل الله عليه، ومن معانيه: التحدث والإخبار بما أوحى الله إليه من وحي، والتمني حديث النفس ورجاء الخير، فالنبي يرجو الخير فيحدث نفسه فيقول: لو أن قومي أسلموا لدخلوا الجنة، لو أن قومي أسلموا لكانوا قوة وجاهدنا الكفار، فيحدث نفسه ويتمنى الخير من عند رب العالمين سبحانه ﵎.
فإذا الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام تمنوا بمعنى: تلوا أو بمعنى حدثوا، ألقى الشيطان في تلاوتهم وألقى في أحاديثهم، والمعنى: أن القوم يستمعون لآيات الله سبحانه ﵎، وإذا بالشيطان يلقي في قلوبهم ما يمنعهم من الإيمان بهذا الكلام العظيم من عند رب العالمين سبحانه.
فالله يقول لنبينا ﷺ : لست أنت أول من يعرض عنه الناس مع ظهور الحجة والبينة، ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج:٤٦]، فهؤلاء الكفار يسمعون كما يسمع المؤمنون، ويفهمون ما يفهمه المؤمنون، لكن قلوبهم تصدهم عن سبيل الله سبحانه ﵎، يعرف الكافر الحق ويحيد عنه، يعرف أن النبي ﷺ مرسل من عند رب العالمين فإذا به يعاند ويجحد ما جاء به، وهو مستيقن في نفسه أن هذا الحق من عند رب العالمين! فيلقي الشيطان في أمنية الأنبياء وأمنية المرسلين عليهم الصلاة والسلام بمعنى: في تلاوتهم وفي حديثهم فيما تمنوه من إيمان قومهم، فالشيطان يصد عن سبيل الله سبحانه ﵎، ويلقي في قلوب الكفار أن هذا سحر، وأن هذا كاهن، وأن هذا شاعر، وأن هذا أساطير الأولين، فالنبي يحدث ويعتقد أن هؤلاء سيفهمونه ويستوعبونه، ويعون ما يقوله؛ وإذا بهم يصدون عنه، ويقولون: كذاب، النبي ﷺ جاء لقومه وهو يقول: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، اسمعوا وأعينوني أبلغ كلام رب العالمين، فظن أنهم يعينونه ﷺ ؛ فإذا بالشيطان يحول بينه وبين قومه ﵊؛ فإذا بالشيطان يلقي في قلوبهم حتى قالوا عنه: كذاب، وكانوا قبل ذلك يقولون عنه: الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وقالوا عنه: ساحر، وهم يعلمون أنه ليس ساحراً صلوات الله وسلامه عليه.
فهذا ما يلقيه الشيطان في قلوب هؤلاء، يتلو النبي فإذا بهذا الشيطان لعنة الله عليه يحول بين هؤلاء وبين فهمهم لما جاء به الرسول ﵊، وكذلك غيره من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
(إلا إذا تمنى) أي: إذا قرأ أو حدث بالوحي، إذا بالشيطان يلقي في هذه التلاوة ما يحول بين القوم وبين فهم ما يقوله النبي ﵊، بل يكذبونه ويعاندونه.
معنى آخر وهو أنه إذا تمنى النبي والأنبياء من قبله إيمان أقوامهم إذا بهم يوم القيامة يأتي النبي ومعه الأمة، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الاثنان، والنبي ومعه الواحد، والنبي وليس معه أحد عليهم الصلاة والسلام، فالنبي الذي يأتي وليس معه أحد عندما أرسله الله إلى قومه كان يتمنى إيمان جميع قومه، فلم يؤمن به ولا رجل.
فالشيطان ألقى في أمنيته فأبعد الناس عن دين رب العالمين، ويزين لهم الدنيا والابتعاد عن كتاب الله وعن سنة النبي ﵊، ويحول بينهم وبين الإيمان، قال سبحانه ﵎: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج:٥٢].
وإذا كان كل الأنبياء والمرسلين سيلقي الشيطان في أمانيهم، فهل سيظل ما يلقي الشيطان ولا يؤمن أحد أبداً؟ لا، فربنا يخبر أنه يبطل ما يلقي الشيطان، قال سبحانه: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [الحج:٥٢] النسخ: الإزالة والمحو والإبطال، فيبطل الله ما ألقاه الشيطان في قلوب هؤلاء؛ فإذا بالمشركين يجتمعون على النبي ﷺ ويقولون: نقول عنه: ساحر؛ فإذا بعضهم يرد على بعض ويقول: لا ما هو ساحر، ولا أحد سيصدقنا فيما نقول.
فقالوا: نقول عنه: كاهن، الشيطان يلقي عليهم هذا الشيء وإذا بعضهم يرد على بعض فيقول: نحن عرفنا الكهانة، وهذا ليس بكاهن من الكهان.
فقالوا: نقول عنه: شاعر، فيقولون: ليس شاعراً.
فينسخ الله ما يلقي الشيطان في قلوب هؤلاء، ويظهر الحق سبحانه ﵎ سواء صدقوا أو لم يصدقوا، قال الله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج:٥٢].
كذلك قد يلقي الشيطان في قلوب هؤلاء القوم أن النبي ﵊ لعله يداهن كما قال الله: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم:٩]، فتمنوا أن النبي ﷺ يداهنهم ويذكر آلهتهم بخير، والله سبحانه ﵎ يحذر النبي ﷺ ويقول: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء:٧٣ - ٧٥] صلوات الله وسلامه عليه.
فانظر كيف يحكم الله آياته ويهدد نبيه صلوات الله وسلامه عليه -وحاشا له أن يبتعد عن أمر ربه سبحانه- تخويفاً له، والأمة تبع له فيقول سبحانه: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ﴾ [الإسراء:٧٤] وهذا يدل على صموده، وأنه مستحيل أن يداهنهم صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه معصوم، ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٧٤]، ولم يحدث أن ركن إليهم ﷺ ؛ لأن الله ثبته على الحق بالعصمة منه سبحانه ﵎، ولو أنه ركن إليهم شيئاً قليلاً -وحاشا له ﷺ أن يقع في ذلك- يقول الله : ﴿إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ﴾ [الإسراء:٧٥] أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات.
فهنا ينسخ الله ما يلقي الشيطان من الكلام الكذب الذي يقوله الكفار، ويحكم الله آياته، ويثبت دينه، ويثبت ما يقوله الرسول ﵊ وغيره من الأنبياء والرسل، فيسمع الناس الحق، ويعرفون أنه الحق والله عليم حكيم، يعلم كل شيء، ويعلم ما يدبره هؤلاء الأقوام، وما يقولونه، والله حكيم في أن يؤخر الحكم في ذلك، وأن يملي لهم وأن يمهلهم سبحانه ﵎، ولا ينسى ربك شيئاً، ولكنه حكيم في أحكامه، حكيم في تأديبه وتأخيره سبحانه ﵎.
стр. 306
تفسير قوله تعالى: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض)
قال الله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج:٥٣] الله سبحانه ﵎ خلق الشيطان، وعلم ما يفعله هذا الشيطان بالخلق، فيجعل ما يلقي الشيطان فتنة، وربنا أراد أن يبتلي العباد، قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] منكم المطيع، ومنكم العاصي، منكم من هو على الحق، ومنكم من هو على الباطل، فالله جعل الشيطان فتنة لهؤلاء القوم، وما يلقيه الشيطان في قلوبهم فتنة لمن؟ ﴿لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٣] الذين في قلوبهم مرض، هم المنافقون، في قلوبهم غل، في قلوبهم شك، والقاسية قلوبهم هم الكفار، والمنافقون أيضاً الذين إذا ذكر الله يجحدون بآياته سبحانه، وفرق بين المؤمنين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وبين هؤلاء القاسية قلوبهم.
قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [الحج:٥٣] إن الظالمين لفي خلاف وفي عصيان ومشاقة، وأصلها من الشق، أنت في شق وهم بعيدون عن النبي ﷺ وعن طاعة الله سبحانه.
стр. 307
تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك)
قال الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الحج:٥٤] الناس أصناف: المنافقون، والكفار، والمؤمنون أهل العلم، فالذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم هؤلاء في شقاق بعيد عن دين رب العالمين سبحانه، أما المؤمنون وخاصة أهل العلم فهم كما قال الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾ [الحج:٥٤]، يؤمنون ويزدادون إيماناً ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج:٥٤] لأنهم علموا أن هذا الحق من رب العالمين، والإخبات السكون، والخشوع، والتواضع، والإنابة إلى الله سبحانه ﵎ والطاعة، فأهل الإيمان أهل العلم عرفوا الحق من الله .
﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤] هذا وعد من الله سبحانه ﵎ أن يهدي المؤمنين إلى صراط الجنة وإلى طريق الجنة، وهو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا تعريج على النار، ولكن يهديهم إلى جنته سبحانه ﵎، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٤] فيثبتهم في الدنيا على الخير وعلى الحق، ويثبتهم عند السؤال، ويثبتهم عند المرور على الصراط حتى يدخلهم الجنة سبحانه ﵎ على صراط مستقيم.
стр. 308
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه)
قال الله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] المرية: الشك، فالكفار في مرية من هذا القرآن العظيم، ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥] يعني: وإن شك الكفار لم يضر هذا الدين شيئاً، ولكن يضرون أنفسهم فمهما تشككوا فلا يزالون على شكهم حتى يأخذهم الله سبحانه بأن تأتيهم الساعة، أو يأتيهم الموت ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج:٥٥]، واليوم العقيم هو يوم ليس بعده ليلة وليس بعده يوم، يوم عقيم، والمرأة العقيمة التي لا تلد، والأيام العقيمة لها معان: فمن معانيها: يوم عقيم يعني يوم شؤم على أصحابه، يوم كله شرور، فهؤلاء يأتيهم اليوم العقيم سواء في الدنيا بانتصار المؤمنين عليهم، وقتلهم كما حدث في يوم بدر، أو بأن يأتيهم يوم القيامة وهو لا يوم بعده من الدنيا، فهو يوم عقيم.
стр. 309
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم)
قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ [الحج:٥٦] الملك يوم القيامة لله رب العالمين، والملك في الدنيا لله رب العالمين، ولكن في الدنيا ترك الله العباد منهم من يؤمن ومنهم من يكفر ويجحد، فكأن البعض يأخذون الملك لله في الدنيا، والبعض يقول: أنا الملك، ومنهم من ينصب نفسه رباً على الخلق كذباً وبهتاناً، ومنهم: من يدعوهم إلى أن يعبدوه من دون الله سبحانه، لكن يوم القيامة لا يجترئ أحد أن يقول ما قاله ففي الدنيا، في الدنيا كان الله غنياً لا يرونه، فاجترءوا على ذلك لعدم الإيمان في القلوب، لكن يوم القيامة فالملك لله سبحانه، هو الملك الذي يحكم بما يريد سبحانه، وهو الذي يجازي عباده، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم جنات النعيم، وأما الذين كفروا وكذبوا بآيات رب العالمين فأولئك لهم عذاب مهين.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 310
تفسير سورة الحج [٥٥ - ٥٩]
يختلف الناس في أمر القيامة، فمنهم من هو مؤمن بها، ومنهم من هو في شك منها، حتى إذا جاء ذلك اليوم ظهر ملك الله على سائر عباده، فالمؤمنون لهم جنات النعيم، والكافرون لهم عذاب أليم، وقد يبلغ الإنسان درجة المهاجرين والمجاهدين والشهداء بنيته الصادقة وإن مات على فراشه.
стр. 311
تفسير قوله تعالى: (ولا يزال الذين كفروا في مرية منه)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٥ - ٥٩].
يخبرنا الله في هذه الآيات كيف أن الكفار في قلوبهم شك من هذا الدين، ولا يزال الذين كفروا في مرية وفي شك من هذا القرآن، أو من هذا الدين، بسبب ما يلقيه الشيطان في آذانهم وفي أسماعهم، وبسبب ما يوسوس به في صدورهم فيتشككون في أمر النبي ﷺ ، وفي أمر الدين حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم وهو عذاب يوم القيامة، لا يوم للدنيا بعده، فهو آخر أيام الدنيا فلن يكون بعده ليل ولا نهار، وإنما اليوم عند ربك كألف سنة مما تعدون، فلا حياة فيها تكليف بعد ذلك، وإنما بعد ذلك الحياة الأخروية التي فيها الجزاء والحساب.
стр. 312
تفسير قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم)
قال الله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج:٥٦] يوم القيامة يعلم الجميع أن الملك لله سبحانه، ويقفون بين يديه، ولا يقدر أحد أن يشفع لأحد إلا بإذن الله رب العالمين، ولا يقدر أحد أن يتكلم بين يدي رب العالمين إلا إذا أمره سبحانه أن يتكلم.
قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١] عنت: ذلت وقهرها الله فاستكانت وخشعت بين يدي الله رب العالمين، هذا في يوم القيامة، عرفوا وعلموا واستيقنوا أن الملك هو الله وأن الملك له، وأنه مالك يوم الدين كما هو مالك الدنيا، وفي الآخرة يبدو هذا بأن يذلهم جميعهم، وأن يقهرهم جميعاً ويريهم ناره، ويريهم عذابه، ويريهم جنته، ويسألهم واحداً واحداً، فكل إنسان مسئول عن نفسه وعن تقصيره وعما عمل في هذه الدنيا، فظهر الملك لله يجازي عباده يوم القيامة، وبان واتضح أن الملك لله وحده لا شريك له، فلا أحد يجرؤ أن يسأل الله : لم فعلت كذا؟ ولا أحد يجرؤ أن يسأل الله : لم أدخلت هذا الجنة؟ ولم أدخلت هذا النار؟ الملك يومئذ لله فيحكم بينهم، فيفرق بين المؤمنين وبين الكفار، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم المقيم، وفيها الحياة الأبدية التي ينعمون فيها بما شاء الله لهم من أنواع النعيم، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات فيها البساتين وفيها ما يشاءون من طعام وشراب وما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين وهم فيها خالدون.
стр. 313
تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج:٥٧] أي: الكفار يذهب بهم إلى نار الجحيم، فلهم عذاب مذل، إذ يذلهم الله يوم القيامة، تعززوا في الدنيا ورفضوا أن يعبدوا إلهاً واحداً ؛ فإذا به يذلهم يوم القيامة، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا ينفعهم ما يقولون يوم الدين، ولا ينفعهم إذا دخلوا النار أن يبكوا على أنفسهم، فسالت أعينهم دماءً بدلاً من الماء، فالله يدخلهم النار ويهينهم ويقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
стр. 314
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ما توا ليرزقهم الله رزقاً حسناً)
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨] أخبر الله عن المؤمنين عامة: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الحج:٥٦]، ولكن لا شك أن هؤلاء المؤمنين بعضهم فوق بعض في درجات الجنات، فمنهم من هو في أعلاها، ومنهم من هو أدنى من ذلك، فمن أعلى الناس أجراً يوم القيامة المهاجرون الأولون الذين هاجروا مع النبي ﷺ ، ووصف الله سيرتهم وحياتهم وهجرتهم بالصدق، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات:١٥]، فأخبر عنهم هنا مميزاً ومشرفاً لهم بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨] المهاجرون الأولون تركوا ديارهم وأموالهم، وتركوا أهاليهم وهاجروا مع النبي ﷺ إلى المدينة، ومنهم من هاجر قبل ذلك إلى الحبشة، ثم هاجر بعد ذلك إلى المدينة، وأوذوا أذىً شديداً فكانوا في ديار الغربة ودار البعد عن النبي ﷺ وهم في غاية الضعف والهوان في أعين الناس، فإذا بالله يرفعهم يوم القيامة، ويجعل لهم الوضع العظيم الجميل في جنات النعيم، فقال لهؤلاء: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) ليس في سبيل دنيا، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (من كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) فهؤلاء هاجروا لا لدنيا وإنما لدين الله رب العالمين وابتغاء مرضات الله.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا﴾ [الحج:٥٨] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن عامر: (ثم قتِّلوا أو ماتوا) أي: قاتلوا في سبيل الله فمنهم من قتل فكان شهيداً، ومنهم من مات، والاثنان لهما الأجر العظيم عند الله ، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ [الحج:٥٨] هما سواء.
والهجرة عظيمة وفضلها عظيم، ولذلك النبي ﷺ بعد فتح مكة ميز بين المهاجرين الأولين، وبين من دخل في الإسلام بعد الفتح فقال: (لا هجرة بعد الفتح) مضت الهجرة لأهلها، يعني: الثواب العظيم في هذه الهجرة مضى لأهلها، سواء قتلوا شهداء، أو ماتوا على فرشهم، فالله ذكر الاثنين، قال: ((وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا)) والفعل المضارع إذا سبقته لام التوكيد وجاء في آخرها نون التوكيد المثقلة فهذا دليل على جواب القسم فيه، فكأنه يقول: والله ليرزقنهم الله رزقاً حسناً وإن الله لهو خير الرازقين.
فجعل للاثنين من مات حتف أنفه، أو من قتل في سبيل الله الأجر العظيم عند الله سبحانه، فهم هاجروا من ديارهم وأموالهم وفي نيتهم أن يكونوا مع النبي ﷺ حيث ما كان، وأن ينصروا دين الله ، فنووا أن يكونوا معه، وأن يجاهدوا معه ﷺ ، واستحضروا نية الجهاد، وتمنوا أن يكونوا شهداء، وكيف لا وقد سمعوا من النبي ﷺ أنه قال: (لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا) فلفضل الجهاد تمنى ذلك النبي ﷺ ، وتمنوا هم ذلك، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣] فشهد لهم الله أنهم الصادقون، وأنهم لم يبدلوا ولم يتبدلوا، ولم يبدلوا دين الله، ولم يغيروا نواياهم، فلذلك كان لهم الأجر العظيم عند الله سبحانه.
ومن قتل في سبيل الله له الحسنى عند ربه سبحانه، ومن مات أيضاً له الحسنى عند الله؛ لأنه هاجر ونوى الجهاد، ونصر دين الله ، وتقدير الموت بيد الله ليس بيد الإنسان، فالإنسان لا يملك لنفسه أن يموت شهيداً أو يموت على فراشه، وهذا خالد بن الوليد ﵁ يقاتل مع النبي ﷺ ويجاهد بعده صلوات الله وسلامه عليه مع الخلفاء الراشدين، ويتمنى أن يستشهد في سبيل الله ، ويذهب في مواضع الموت مقاتلاً مجاهداً ومع ذلك كتب الله له أن يموت على فراشه، وهو يقول للناس: إنه ما في بدنه موضع إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح، وهأنذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء، رضي الله ﵎ عن خالد بن الوليد وعن أصحاب النبي ﷺ جميعهم.
الغرض هنا: أن الله وعد هؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله سبحانه بصدق نيتهم، وصدق جهادهم مع النبي ﷺ أن لهم الحسنى عند الله سواء قتلوا أو ماتوا، ففي الحالتين لهم الأجر العظيم، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨] تأكيد من الله ، ووعد مؤكد، قال: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨] وذكر لفظ الجلالة دليل على تشريف هؤلاء، فلم يقل: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم رزقاً حسناً) ولكن قال: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ﴾ [الحج:٥٨] تشريفاً لهؤلاء بأن الرزق من عند الله، فليست الملائكة هي صاحبة الرزق، ولا مخلوق آخر، إنما صاحب الرزق هو الله، إذاً: الرزق يليق به ، يعطي المجاهدين في سبيله رزقاً حسناً، وكل رزق الله حسن ، فإذا كانوا رزقوا الجنة فلا شك أنه أحسن الأرزاق وأفضلها، ولكن الله سبحانه يشرفهم ويفضلهم ويطمئنهم بقوله: لكم أحسن الرزق عند الله رب العالمين.
стр. 315
سبب نزول قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا)
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨] قالوا: إن هذه الآية نزلت لما مات بالمدينة عثمان بن مظعون رضي الله ﵎ عنه والنبي ﷺ كان يحبه، وحضر النبي ﷺ جنازته، وبكى عليه صلوات الله وسلامه عليه ودفنه، وعلم قبره ﷺ بحجر وقال: (ادفنوا إليه من مات من أهلي)، فلما مات عثمان قال بعض الناس: من قتل في سبيل الله أفضل ممن مات حتف أنفه، وقالوا: إن عثمان بن مظعون مات على فراشه، والذين قتلوا في غزوة بدر وفي غزوة أحد أفضل ممن مات على فراشه، فأنزل الله أن الجميع لهم الرزق الحسن عند الله ، فسوى بينهم وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [الحج:٥٨] فسوى بينهم في الرزق الحسن، وفي الآية الأخرى قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] هذا من خرج سواءً وصل أولم يصل، فالنبي ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات)، قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا﴾ [النساء:١٠٠] نوى أن يخرج مهاجراً إلى الله ورسوله، ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ﴾ [النساء:١٠٠] أي: وصل للمدينة أو لم يصل إلى المدينة فأدركه الموت على هذه النية، ﴿فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠] إذاً: لم يضع أجر هذا الإنسان، بل وقع على الله، إذاً: هنا لم يضع ما وقع على الله، وما ذهب إلى الله فقد وقع أجره، أي: ثبت أجره على الله، وجاء بلفظ: ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ كأنه أوجب على نفسه الأجر لهذا الإنسان ولمن كان مثله، فقد وقع أجره على الله.
стр. 316
أحاديث دالة على فضل المجاهد وإن مات على فراشه
أم حرام بنت ملحان هي خالة أنس بن مالك ﵁، وهي زوجة عبادة بن الصامت، وكان يدخل في بيتها ﷺ وينام أحياناً عندهم نوم القيلولة صلوات الله وسلامه عليه.
روى البخاري ومسلم عن أنس (أن النبي ﷺ دخل عندها فنام ﷺ ثم استيقظ وهو يضحك) دخل بيت أم حرام بنت ملحان التي هي أخت أم سليم أم أنس بن مالك ﵁، وهذه أختها زوجة عبادة بن الصامت، فاستيقظ النبي ﷺ وهو يضحك فقالت: ما يضحكك يا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؟ فقال ﷺ : (ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون يبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة) يخبر أنه رأى في الرؤيا ورؤيا الأنبياء كلها وحي من الله وكلها حق، فرأى أن من أمته من يخرج مجاهداً في سبيل الله في البحر، وفي عهد النبي ﷺ ما كان الصحابة متعودين على ركوب البحر في الجهاد في سبيل الله سبحانه؛ لأن ركوب البحر شيء شاق جداً فهو رأى هذه الرؤيا وفسرها أنه يخرج في يوم من الأيام ناس من الصحابة مجاهدين في البحر، فضحك فقال: (مثل الملوك على الأسرة، فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها رسول الله ﷺ ، ثم وضع رأسه ثم استيقظ وهو يضحك صلوات الله وسلامه عليه فقالت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله) كما ذكر في الحديث الأول، يعني: مرتين كأنه يخرج ناس مجاهدون في سبيل الله وبعدهم يخرج آخرون مجاهدون في سبيل الله ، (فقالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت من الأولين) فذكر الراوي أنها ركبت البحر في زمن معاوية بن أبي سفيان وحين خرجت من البحر، ركبت دابتها فوقعت من الدابة وماتت رضي الله تبارك تعالى عنها، فهذه المجاهدة طلبت من النبي ﷺ أن يدعو الله أن يجعلها منهم، فكانت هي منهم خرجت مجاهدة في سبيل الله مع زوجها عبادة بن الصامت ﵁ مجاهدين للروم.
لاحظ أن النبي ﷺ قال: (أنت من الأولين) يعني: من هؤلاء المجاهدين فكان لها أجر هؤلاء المجاهدين الذي كالملوك على الأسرة مع أنها لم تقاتل وإنما وقعت عن دابتها، فالمهاجر إذا هاجر في سبيل الله وجاهد في سبيله ثم قتل أو مات فله أجره وله الرزق الحسن عند الله .
أيضاً: جاء في حديث آخر: عن عبد الله بن عتيك قال النبي ﷺ : (من خرج من بيته مهاجراً في سبيل الله فخر عن دابته فمات، أو لدغته حية فمات، أو مات حتف أنفه؛ فقد قع أجره على الله، ومن مات قعصاً فقد استوجب المآب) المعنى: أن الخارج مجاهداً ليس شرطاً أن يقتل من قبل العدو، فمن الممكن أن يموت أو تلدغه حية فيكون له أجره عند الله؛ لأنه نوى الخروج، بل من سأل الله الشهادة بصدق فله أجرها وإن مات على فراشه، كما قال النبي ﷺ : (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
стр. 317
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم)
قال الله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] وعد من الله أن يدخلهم مدخلاً يرضونه، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور: ﴿مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾، وقراءة نافع وأبي جعفر المدنيين: (مَدْخلاً يرضونه) هذا مصدر ميمي، والأول مشتق من الرباعي، والثاني مشتق من الثلاثي، أي: أدخلهم مُدْخلاً ودخلوا مَدْخلاً، فأدخل الله هؤلاء مُدْخلاً يرضونه، أو دخلوا هم يوم القيامة مَدْخلاً حسناً عند ربهم في الجنة، فقوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ﴾ [الحج:٥٩] أي: يرضون ما دخلوا فيه، حين يرون الأجر العظيم من الله.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] لما ذكر الله أجر هؤلاء ذكر اسمين من أسمائه سبحانه، الاسم الأول: العليم، الاسم الآخر: الحليم .
فقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] أي: عليم بمن يستحق هذا الأجر العظيم، وعليم بنيات هؤلاء، وحليم عن عقابهم، قد يسيء الإنسان ثم يهاجر في سبيل الله، فالهجرة تجب ما قبلها، وقد يكون بعض من هؤلاء وقع في نوع من الذنوب، أو شيء من الآثام، وبعد ذلك يستر عليه الله ويغفر له، فالله حليم، وكم من إنسان يجاهد في سبيل الله مستيقناً بما أوجب الله من هجرة ومن جهاد وله الأجر العظيم عند الله سبحانه، ولعله كان قبل ممن يدفع هذا الدين ويمنع النبي ﷺ أن يدعو في مكة، وأن يدعو إلى دين ربه سبحانه، فالله سبحانه حلم عليهم، ثم أرشدهم وهداهم إلى الإسلام ثم جعلهم شهداء، بل قد يكون قد قتل مسلماً مثل: خالد بن الوليد، في يوم أحد كان كافراً، والنبي ﷺ وأصحابه في يوم أحد يقاتلون هؤلاء الكفار، وإذا بـ خالد يسلم بعد ذلك قبل فتح مكة، ويدخله الله في هذا الدين مدخلاً حسناً، ويكون من المجاهدين لإعلاء دين رب العالمين سبحانه، فالله حليم ، عليم بقضائه وقدره، علم أن هذا ممن يستحق الحسنى من الله ، فلم يؤاخذه بذنوبه، ولم يعجل له العقوبة، وتاب عليه ، وجعله من المجاهدين، فالله عليم بمن يستحق الرحمة، والله يحلم عن العاصي لعله يتوب، فإذا تاب رفعه وغفر له ، وفرق بين أن يحلم على إنسان ليتوب، وبين أن يملي إنساناً ليعذبه، فالله يحلم عن إنسان علم في قلبه الخير، فإذا به يتركه فيراجع نفسه ويتوب، فيتوب الله عليه، ويملي إنساناً آخر في معصية؛ فإذا به يزداد عتواً وفجوراً، ويزداد بعداً عن دين الله ونفوراً، فإذا بالله يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
نسأل الله بفضله حلمه وكرمه ورزقه الحسن، ونعوذ بالله من عذابه، ونسأله جنته ونعوذ به من عقابه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 318
تفسير سورة الحج [٥٨ - ٦٤]
ذكر الله سبحانه أن من هاجر في سبيله وابتغاء مرضاته سواء قتله المشركون أو مات حتف أنفه فقد تكفل له ربه بالرزق الحسن في جنة النعيم بما يرضيه، وذكر أن من ظلم فانتصر وعاقب بالمثل ثم بغى عليه خصمه فإن الله ناصره ومؤيده، والله سبحانه يدخل الليل في النهار ويدخل النهار في الليل، وهو الإله الحق وما دونه الباطل، أفلا يقدر على أن ينصر المظلوم؟! بلى.
стр. 319
تفسير قوله تعالى: (والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقهم الله رزقاً حسناً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الحج: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الحج:٥٨].
أخبر الله عن فضله على عباده الذين هاجروا في سبيله، وأوذوا فقاتلوا وقتلوا في سبيل الله، أو أنهم أوذوا فهاجروا ثم ماتوا فوعدهم الله بالرزق الحسن منه، وهو خير الرازقين، ورزقه الحسن جنات تجري من تحتها الأنهار.
стр. 320
تفسير قوله تعالى: (ليدخلنهم مدخلاً يرضونه وإن الله لعليم حليم)
ذكر الله لنا وعده فقال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] فمدخل إما أن يكون مصدراً، أو اسم مكان، فإن كان اسم مكان فالمعنى: يدخلهم موضعاً يرضونه في جنات الخلود.
وإن كان مصدراً فالمعنى: دخولاً يرضونه في جناته سبحانه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩] فذكر صفة له سبحانه وهي العلم، وصفة أخرى وهي الحلم.
وفي هذه الآية ذكر الله سبحانه ما يفعله بالمؤمنين، وذكر اسمين ثم في الآية التي تليها ذكر اسمين له سبحانه، وفي الآية الثالثة ذكر اسمين آخرين من أسمائه الحسنى، وهذا الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ذكر فيه من أسمائه الحسنى ثمانية أسماء في آيات متتالية.
فذكر: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج:٥٩].
وبعدها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [الحج:٦٠].
وبعدها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [الحج:٦١].
وبعدها: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢] فبدأ بالعلم والحلم، والمعنى: إن الله لعليم يعلم ما يفعله العباد، ويعلم من الذي يستحق منهم الثواب والعقبى الحسنة، ومن الذي يستحق العقاب والعاقبة السيئة، والله حليم يحلم عن عباده، فهو بعلمه سبحانه، يعلم أن هذا يستحق الرحمة، وإن كان الآن في وقت يعصي فيه ربه سبحانه، ولكن سيأتي عليه وقت يتوب، فيحلم عليه سبحانه، ثم يتوب العبد، ويكون من أهل رحمة الله ، فالله عليم بنياتهم وأعمالهم، حليم عن عقابهم.
следующие страницы →