← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

تفسير قوله تعالى: (قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: (قل إنيَ أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)، فهو ﷺ مأمور بأن يقول ذلك، وأن يعبر عما أحدث الله في قلبه من خوف من الله سبحانه، ومن رهبة منه سبحانه، والعبادة على هذين الأمرين: أمر الرغبة والرهبة. إذاً: للعبادة ركنان: الإخلاص والمتابعة، وللعبادة وصفان: أن يكون الإنسان يرغب فيما عند الله، ويرهب مما عند الله ، ولذلك وصف أنبياءه ورسله الكرام عليهم الصلاة والسلام بقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]. فمن يزعم أن أفضل الدين أن يعبد الله بالرهبة فقط، أي: بالخوف من الله فقد كذب، ومن زعم أن أفضل الذين أن يعبد ربه بالرغبة فقط فقد كذب، إنما دين الله يكون بين الأمرين، وهذا خير العبادة، لا كما يزعم فلان أو فلانة وتقول القائلة من هؤلاء: يا رب! إن كنت أعبدك خوفاً من نارك فأحرقني بها، وإن كنت أعبدك طمعاً في جنتك فاحرمني منها. فلماذا تعبد الله وهي لا تريد جنة ولا هي خائفة من النار؟! هذا لا يكون، وكأن هذه تزعم أنها أرقى وأعلى من مراتب الأنبياء والرسل الذين قال الله فيهم عليهم الصلاة والسلام: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠]، وقال عن نبيه سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣]، فهو يخاف من عذاب يوم القيامة صلوات الله وسلامه عليه. فيدعو النبي ﷺ ربه سبحانه خائفاً من الله، وكم تعوذ بالله من النار، وكم سأل ربه الجنة، فجاء الرجل الذي كان يقول للنبي ﷺ : (إني أدعو في الصلاة أسأل الله الجنة، وأتعوذ بالله من النار، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ) يعني: أنت تقول كلاماً كثيراً في الدعاء لا أعرف أن أقوله، ومعاذ كذلك يقول كلاماً كثيراً وأنا لا أعرف هذا الكلام، ولكن أقول: يا رب! أسألك الجنة وأخاف من النار، فقال له النبي ﷺ : (حولها ندندن)، فلابد أن نخاف من النار فنتعوذ بالله من النار، ونحب الجنة، فنسأل الله جنته. فالإنسان لا يبالغ في دعوى المحبة لله حتى يكون في النهاية زنديقاً والعياذ بالله، خارجاً عن دين الله، فلا يصح أن يقول الإنسان لربه: أنا لا أخاف من نارك، أنا لا أريد جنتك، أنا أحبك فقط، هذا لا يكون أبداً؛ لأن العبادة التي تكون لله لا بد أن يكون فيها كمال الحب لله، مع كمال الذل لله ، وهذا لا يكون إلا لله وحده لا شريك له، وقد يكون في الدنيا الإنسان يحب إنساناً فيبالغ في محبته، يحب زوجته ويحب إنساناً أو إنسانة فيبالغ في ذلك، ولكن هو لا يخاف منها، فهذه ليست عبادة، هذه محبة. وقد يخاف إنسان من حاكم ظالم، يرعب من ذكر اسمه، ولكنه لا يحبه، أما مع الرب لا بد من الاثنين: كمال الحب لله ، مع كمال الذل بين يديه، والخوف منه . قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الزمر:١٣] أي: يوم القيامة نسأل الله العفو والعافية.

стр. 2557

تفسير قوله تعالى: (قل الله أعبد مخلصاً له ديني) قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤]، انظر التوجيه ليبث العقيدة ويثبتها في القلوب، بدأ بنبيه ﷺ ، هذا حاله ﷺ ، وهو من هو؟! فكيف بغيره؟! فكل إنسان يحتاج إلى أن ينقي قلبه من الشرك بالله سبحانه، وأن يوجه عبادته لله سبحانه، وأن يحب الله سبحانه، وأن يخاف منه ، وأن يتابع دينه سبحانه كتاباً وسنة، وأن يخلص له . قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر:١٤] الأصل: قل: أعبد الله، ويتقدم الفعل على الفاعل والمفعول، أي: أعبد أنا الله، ولكن حين يقدم المفعول على الفعل، فهذا لمزيد التأكيد والاختصاص، والمعنى: الله وحده لا شريك له، فلو قال: أعبد الله، فقد يحتمل الكلام أنه يعبده ويعبد غيره، فلمزيد من التأكيد يقول: إياك نعبد وحدك يا رب، لا أعبد أحداً غيرك، فقوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ﴾ قدم لفظ الجلالة وموقعه هنا المفعول، فقدمه على الفعل وعلى الفاعل للاختصاص والتأكيد على أمر التوكيد، أي: أنا أعبد الله وحده لا شريك له، وكلامه لا يحتمل غير ذلك، فلا يحتمل شركاً بالله سبحانه، أو أن يعبد الله ويعبد غيره . فقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا﴾ [الزمر:١٤] أي: موجهاً عبادتي له وحده سبحانه، وقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ أي: عبادتي، وطاعتي، وتقربي، أتقرب إليه وحده لا شريك له.

стр. 2558

تفسير قوله تعالى: (فاعبدوا ما شئتم من دونه) قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:١٥]، وليس الأمر هنا أمر إباحة ولا طلب، ولكن أمر تهديد ووعيد، كقوله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] أي: إنه بما تعملون عليم وخبير، فالله بصير بالعباد، وعليم وبصير بهم، فهو يقول لهم: اعملوا ما شئتم، سنجازيكم أشد الجزاء، وأشد العقوبة، فكذلك قوله هنا: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [الزمر:١٥]، ليس معناه: إباحة، والذي يريد أن يعبد شيئاً يعبده، ليس معناه كذلك، وكذلك قوله سبحانه: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦]، ليس معناه: كونوا مثلما أنتم على هذا الدين الباطل، فدينكم لكم وأنتم تجازون عليه، ولكم أجر من الله عليه، ليس معناه ذلك، ولكن المعنى: ديني يختص بي، فلي الجزاء عند الله سبحانه، والتوحيد أنتفع أنا به، وأنتم في شرككم، لا تنتفعون بما أنتم عليه طالما أصررتم على ذلكم، فجزاؤكم عليكم بسبب كفركم، وبسبب اتخاذكم غير الله أنداداً وشركاء، فدينكم وشؤم ما أنتم عليه من عبادة غير الله يختص بكم، فالجزاء عليكم يوم القيامة. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:٦] أي: الدين القيم الذي أُثاب عليه، وعليكم وبال شؤمكم فيما اتبعتم من باطل وشرك بالله . فقال تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ﴾ فالأمر هنا للتهديد والتوبيخ لهؤلاء فيما يعبدون من دون الله. قوله تعالى: (فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ) هذه قراءة الجمهور، وقرأها: (ما شيتم) الأصبهاني عن ورش، وأبو جعفر وأبو عمرو أيضاً بخلفه ويقف عليها حمزة هكذا: (فاعبدوا ما شيتم).

стр. 2559

معنى قوله تعالى: (قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥]، فقوله تعالى: (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ) أي: الهالكين، وقوله تعالى: (الَّذِينَ خَسِرُوا) أي: الخسران الحقيقي، فالتاجر في الدنيا يقول: أنا خسرت في تجارتي ألف جنيه، هذا خسران، والثاني يقول: أنا خسرت ألفين، أنا أشد منك، والثالث كذا، والرابع يقول: أنا خسرت كل شيء، فإذا كان هذا في الدنيا، فكيف بالذي خسر الآخرة كلها، وليس له أي ثواب على ما فعل في الدنيا؟! هؤلاء هم الخاسرون الخسران العظيم، هلكوا يوم القيامة فكانوا من أهل النار، هذا هو الخسران الحقيقي؛ إذ خسر نفسه، وخسر ماله، وخسر أهله، فقد كان هذا الرجل الكافر في الدنيا له أهل وبنون وزوجة ومال، له في الدنيا ما له من أعمال ومن أنصار، فلما جاء يوم القيامة لم يضع منه هؤلاء فقط، بل ضاعت منه نفسه وخسرها، والإنسان في الدنيا يحتاج للمال ويحتاج للأولاد ويحتاج للأفراد الذين معه من أجل أن يتقوى بهم ويتعزز بهم، فيفتخر ويقول: عندي مال، وعندي أهل، وعندي كذا، فيخسر ويفقد ذلك من لحظة موته، فيضيع الذي يموت وينتهي أمره، إذ إن الأهل والأولاد تركوه فصار في القبر وحده، فإذا به يوم القيامة يؤمر أن يدخل النار، قال تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤]، فخسر نفسه التي كان يفديها بأي شيء، فكان من أهل النار. فقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:١٥] أي: خسراناً حقيقاً، خسراناً لا نجاح بعده. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:١٥] أي: في الدنيا كان له الأهل والولد، فيستمتع بذلك، قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:٤٦]، فلما دخلوا النار خسروا هؤلاء، فليس له زوجة يستمتع بها في النار، وإذا كانت زوجته كافرة مثله فهي في النار وهو في النار، لا ينتفع أحدهما بالآخر. كذلك ما من مخلوق يخلقه الله من هؤلاء البشر إلا وله منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، مؤمناً كان أو كافراً، فيخلق الله هذا المنزل هذا وهذا المنزل، فإذا حرم هذا الإنسان من الجنة يزاد له في عذابه فيقال له: انظر أين كنت ستكون! هذا منزلك في الجنة لو أنك عبدت الله ، فهذا أشد ما يكون على نفسه، إذ ينظر إلى القصر وإلى الحور العين، كل ذلك خسره، وهذا الخسران المبين، قال تعالى: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]، فخسر ما كان سيكون له من أهل لو أنه عبد الله ، خسر نفسه وخسر هذه الجنة وخسر الأهل فيها، فكان في النار وحيداً لا أهل له يستمتع بهم فيها، ولا شيء يرفع عنه العذاب ولا يخفف عنه. وقوله تعالى: ﴿خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ﴾ [الزمر:١٥] هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (وأهليهُمْ). ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥] أي: الخسران المبين المفصح عن نفسه، المبين لحال صاحبه، تقول: بان الأمر، يبين الأمر، بين الأمر، فهو بين هذا الأمر، بين يعني: واضح جلي. إذاً: هو الخسران الجلي الذي لا يستطيع أحد أن يقول: هذه ليست خسارة، ففي الدنيا خسران في مكان، ونجاح في مكان آخر، لكن هذا خسران لا نجاح فيه ولا ربح بعده، قال تعالى: ﴿أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]، خسرانهم يبينه ربهم سبحانه أنهم دخلوا النار.

стр. 2560

تفسير قوله تعالى: (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظل) قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦]، لهم من جهنم مهاد، ومن فوقهم غواش، فالمهاد نار والعياذ بالله، ولحافه الذي يغشى به ويتغطى به نار والعياذ بالله. والنار دركات بعضها أسفل من بعض، فهذه نار لهم من فوقهم كالظلل، أي: طبقات من نار، ومن تحتهم النار كذلك طبقات، بعضها فوق بعض، فهم في دركاتها، هذا أسفل، وهذا أسفل منه، وهذا أسفل منه. قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦] أي: أغشية وطبقات من النار، ومن تحتهم ظلل، وذلك العذاب الرهيب الأليم يخوف الله به عباده، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر:١٦]، فالله يريد من عباده أن يخافوا منه سبحانه، وحتى يخافوا من الله ويحدث لهم الرهبة في قلوبهم قال: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، ينادي الله على عباده: اتقون، خافوني، ارهبوني، اخشوا يوم القيامة، احذروا الوقوع في الشرك، ومعاصي الله . وقوله: (يَا عِبَادِ) قرأها رويس في حالة الوقف والوصل: (يا عبادي فاتقون). وقوله: (فَاتَّقُونِ) يقرؤها يعقوب: (فاتقوني) إذا وقف عليها، وإذا وصلها. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2561

تفسير سورة الزمر [١٧ - ١٨] مدح الله المؤمنين الأبرار الذين اجتنبوا عبادة الطاغوت وكفروا به، ووصفهم سبحانه بأنهم يستمعون الكلام فيتبعون أحسنه، وهو الموافق لكتاب الله سبحانه وسنة النبي ﷺ ، فكان جزاء هؤلاء المؤمنين أن هداهم الله إلى الحق، وذكر أنهم أولو الألباب وأصحاب العقول السليمة.

стр. 2562

تفسير قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧]. أخبر الله عن حال الكفار وعبادتهم غير الله ، فاستحقوا الخسران المبين يوم القيامة، فخسروا أنفسهم وأهليهم، ودخلوا النار فكانوا وحدهم فيها، لا أهل لهم، لا مال لهم، لا ولد لهم، فقد خسروا كل شيء، خسروا حتى أنفسهم، فذلك هو الخسران المبين. والنار كما ذكرنا دركات بعضها أسفل بعض، قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ [الزمر:١٦]، فوقهم أطباق من النار، وتحتهم أطباق من النار، ووصف الله هذه النار بأنها الحطمة التي يحطم بعضها بعضاً، وأنها نار السعير الملتهبة المشتعلة، ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ [الهمزة:٧ - ٨]، فهذه نار جهنم موصدة عليهم، ولو كانت مفتوحة ما قدروا أن يهربوا منها، ولكن زيادة في التنكيد والتنكيل والعذاب قال: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة:٨ - ٩] أي: هناك عمد ممددة على أبوابها فلا تفتح لهم أبوابها أبداً والعياذ بالله. ثم بعد ذلك أخبر الله عن المؤمنين وحالهم في الدنيا فقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ القرآن يرهب ويرغب، ويخوف ويطمئن، وينذر ويبشر، فلما أخبر عن حال الكفار أهل النار أخبر عن حال المؤمنين الأبرار الذين اجتنبوا عبادة غير الله سبحانه، اجتنبوا عبادة الطاغوت، وكفروا بالطاغوت كما أمرهم الله سبحانه، قال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٥٦].

стр. 2563

حقيقة الطاغوت ومعانيه الطاغوت في الأصل من الطغيان، والطغيان هو مجاوزة الحد، والطاغوت المخلوق هو الذي يجاوز حده فيدعي لنفسه ما ليس له، فيدعي أنه يستحق أن يعبد من دون الله، أو أن يعبد مع الله سبحانه، أو أنه يعلم ما لا يعلمه إلا من علم الغيب ونحو ذلك، فعلى ذلك يدخل في الطاغوت كل إنسان تمرد على طاعة الله سبحانه، وطغى وجاوز حده، وزعم أنه يستحق أن يعبد من دون الله كفرعون وغيره ممن زعم أنه للناس رب، فقال فرعون: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فكان طاغوتاً لعنة الله عليه. كذلك النمرود زعم للناس أنه الرب وأنه يحيي ويميت فكان طاغوتاً. إذاً: الطاغوت هو كل من عبد من دون الله، أو ادعى لنفسه أنه يستحق أن يعبد وأنه إله أو أنه رب، كذلك الطاغوت كل من كان رأساً في الضلالة، فهذا هو الطاغوت، ولذلك أخبر الله سبحانه عن المنافقين الذين يزعمون الإيمان ومع ذلك يتحاكمون إلى الطاغوت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:٦٠] أي: هؤلاء أناس من المنافقين زعموا أنهم آمنوا بالله وباليوم الآخر، فلما اختلف بعضهم مع بعض اليهود في أمر من أمور الدنيا وفي حطام من حطام الدنيا، إذا باليهودي كان على حق فيريد أن يتحاكم للنبي ﷺ ؛ لأنه يعلم أنه لا يقبل رشوة صلوات الله وسلامه عليه، ولا يحكم إلا بالحق ﵊، لكن هذا المنافق الذي يزعم أنه مسلم يأبى ويطلب من اليهودي أن يذهب معه إلى الضليل كعب بن الأشرف وهو رجل من كبار اليهود، يأكل السحت ويأكل الرشوة، فطلب المنافق من اليهودي أن يتحاكما إلى هذا الطاغوت، ولما يسأل المنافقون عن ذلك تجدهم يتعللون فيقولون للنبي ﷺ : نحن خشينا أن نرهقك بأسئلتنا، وأن نشق عليك، ففضحهم الله سبحانه بأنهم كذبوا، وأنهم ما أرادوا ذلك إلا لكون هذا الكافر الضليل كعب بن الأشرف يحكم بالباطل، ويأكل الرشوة على الحكم، فمن أكل الرشوة على الحكم كان داخلاً تحت هذا المسمى الطاغوت. إذاً: من كان كبيراً في قومه يدعوهم إلى الضلالة والبعد عن الله فهو طاغوت. والطاغوت يطلق أيضاً على الأصنام التي صنعوها وعبدوها من دون الله. والطاغوت يطلق على الشيطان؛ لأنهم عبدوا الشيطان من دون الله سبحانه. كذلك الطاغوت يطلق على الكهنة والعرافين؛ لأنهم يزعمون أنهم يعلمون الغيب من دون الله ، أو أن الله أطلعهم على أشياء من الغيب، فيخبرون أنهم علموا كذا وسيحدث كذا، والشيء المسروق في المكان الفلاني، فهؤلاء من الطواغيت. والطاغوت يطلق على مردة أهل الكتاب الكبار منهم الذين يدعون إلى عبادة غير الله . وعموماً يطلق هذا اللفظ على كل مجاوز لحدَّه في معصية الله ، وفي الطغيان، وفي الكفر.

стр. 2564

حال المؤمنين مع الطاغوت بكل أنواعه قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ﴾ أي: المؤمنون ابتعدوا عن هؤلاء ولم يعبدوا إلا الله سبحانه؛ لأنهم لم يغرهم الشيطان فلم يتبعوه، ولم يعبدوا وثناً من دون الله، ولم يتابعوا الكفار في الأرض وإنما اتبعوا دين الله سبحانه، ولم يشرعوا للخلق خلاف ما أنزل الله ، وأيضاً كل من شرع عبادة أو حكماً بغير ما أنزل الله فهو طاغوت. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:١٧] رجعوا إلى ربهم سبحانه، ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ [الزمر:١٧] أي: يبشرهم الله وهم في الدنيا بأن لهم عند الله المنزلة العظيمة والمنزلة الحسنة، وأن لهم الحسنى وزيادة، لهم جنة الله سبحانه التي أخبر عنها في كتابه، والتي بشر بها المؤمنين فقال: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾. قوله: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ يقف عليها يعقوب: ((فبشر عبادي)) بالياء، وكذلك إذا وصلها يقول: ((فبشر عبادي))، وكذلك السوسي عن أبي عمرو له أربعة وجوه في هذه الكلمة، فهو إما أنه يقف عليها بالياء ((فبشر عبادي)) فإذا وصل فيصلها بالكسرة فقط فيقول: (فبشر عبادِ)، وإما أنه في الحالين كـ يعقوب هذا وجه آخر له، وإما أنه في الحالين على عدم الياء فيقول: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ في حال الوقف والوصل، ولكن على قراءة السوسي تكون الياء مفتوحة فيها (فَبَشِّرْ عِبَادِيَ).

стр. 2565

تفسير قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨]، القول هو الكتاب والسنة، وهذا هو أحسن القول، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فالمؤمنون يستمعون أحسن القول وهو ما جاء في القرآن وما جاء في سنة النبي ﷺ ، أما ما عدا ذلك من الكلام فلا يتبعونه، فهم يتبعون أحسن القول، وأحسن الحديث. ويقول ابن عباس ﵄ في هذه الآية: هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتبع الحسن ويترك القبيح، أو يتحدث بالحسن ويترك القبيح، هؤلاء سمعوا كلام الله وكلام رسول الله صلى فاتبعوه, وسمعوا من دعاهم إلى الضلال فلم يتبعوه.

стр. 2566

علاقة هداية الناس وإضلالهم بالقضاء والقدر قوله: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ)) أي: هداهم الله للإيمان، وهذا أمر الله الذي يؤكده في قلوب المؤمنين أن الهدى هدى الله سبحانه، وأنه منة من الله أن يمن على المؤمنين بالهدى، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله. والله له التقدير سبحانه فهو يقدر ما يشاء، خلق عباده وأمرهم أن يؤمنوا بالقضاء والقدر، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ويؤكد على هذا المعنى في السور المكية، وأيضاً في السورة المدنية، ولكن أكثر ما يكون في السور المكية، وأصول الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء والقدر. فقضاء الله وقدره يؤكد على المؤمن أن يؤمن به، ولا شيء يكون في ملك الله لا يريده الله سبحانه، ولكن يوجد في ملك الله ما لا يحبه الله، فإذا ذكر أنه لا يريد كذا ولا يحبه وكان هذا الشيء موجوداً في ملكه فهو من الإرادة الكونية، فهذا الكافر يوجد في ملك الله، والله لا يحب الكافر ولكن أوجده الله لحكمة منه ، بخلاف المشيئة فإنه لا يكون إلا ما شاءه سبحانه. إذاً: يؤكد الله على المؤمن الإيمان بالقضاء والقدر، فيؤمن أن كل شيء يجري في كون الله بقضاء الله سبحانه، ولذلك لما سألوا النبي ﷺ عن الأعمال: هل نحن نعمل في شيء قد فرغ منه أو في شيء نستقبله؟ فأخبر أنه قد جرى في قضاء الله وقدره أن فلاناً في الجنة وفلاناً في النار، وفلاناً شقياً وفلاناً سعيداً، فقالوا: لم العمل طالما أنه مكتوب؟ قال النبي ﷺ : (اعملوا فكل ميسر لما خلق له). كأنه منعهم من الجدل في أمر القضاء والقدر؛ لأنه امتحان من الله سبحانه، هل تؤمن أو لا تؤمن؟ الله يخبرك عن الجنة ويخبرك على النار، ولم يخاطب عقلك بأن تبحث عن الجنة ولا أن تبحث عن النار، وإنما أمرك أن تؤمن بذلك، وأخبر عن السماوات السبع، وعن كرسيه سبحانه، وعن عرش الرحمن سبحانه، وأنه الرحمن على العرش استوى، وأمرنا أن نؤمن بذلك ولم نر الله سبحانه، قال عن المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٣]، فالمؤمن يؤمن بالله، والله غيب سبحانه، وهذا الإيمان أن تؤمن بالغيب الذي أخبرك الله به، تؤمن بملائكة الله، والملائكة غيب لم تر الملائكة، تؤمن باليوم الآخر، تؤمن برسل الله السابقين على النبي ﷺ ، وتصدق النبي ﷺ وتتابعه ﵊، وأنت لم تر هؤلاء الأنبياء السابقين، ولم تر النبي ﷺ إنما رآه من كانوا معه، وإنما أنت عرفت معجزاته، وأعظم المعجزات التي أتى بها ﷺ هذا القرآن العظيم الذي أعجز الخلق ولا يزال يعجزهم إلى يوم القيامة، فالله نزل الكتاب فرأيت الإعجاز في هذا الكتاب، ورأيت الصدق من النبي صلوات الله وسلامه عليه، فأنت مأمور أن تتفكر في ذلك، وأن تنظر في ذلك، هل هو نبي أو ليس نبياً؟ كل نبي لا بد أن يدعو إلى دين ومعه معجزة تؤيده، ومعجزته ﷺ هذا الكتاب العظيم القرآن، فإذا عرفت أنه صادق وأنه حق انقطع الأمر عند ذلك، أما أن كل شيء من الغيب يريد العبد أنه يتفكر فيه بعقله فلا؛ لأنا لم نؤمر بهذا الشيء، ولذا كان غيباً، ولو شاء الله لجعله شهادة، ولو جعله شهادة لآمن كل الخلق، ولم يكن منهم المؤمن ولا الكافر، ولو أن الله سبحانه أطلعنا على الجنة لما تركها أحد أبداً، ولو أن الله أطلعنا على النار لما أراد أحد أن يدخلها أبداً، ولكن الله أخفى ذلك، وأمر العباد بأن يعبدوه، وجعل الجنة محفوفة بالمكاره، والنار بالشهوات، وابتلى العباد، فهل يؤمنون أم يكفرون؟ وقد علم الله سبحانه من منهم سيؤمن ومن منهم سيكفر، وقضى وكتب عنده كل شيء، وأمرنا أن نؤمن بأنه قدر الأشياء فأحكمها ، ولا يكون في ملكه إلا ما يريد. قال لنا سبحانه: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ)) أي: هدى الله المؤمنين منه سبحانه، فعلى المؤمن أن يستشعر ذلك، فأنت حين تقوم من نومك في وقت الفجر تتوضأ للصلاة وتذهب إلى بيت الله وتصلي، وغيرك من الناس نائم لا يبالي بالصلاة، أليس من كرم الله عليك أن أيقظك دون غيرك، ومن فضل الله عليك أن من عليك فهداك فجئت إلى بيت الله فصليت، فأخذت أجر الجماعة، فكان لك من الله الأجر العظيم؟ هذا توفيق من الله وهدى من الله . فالمؤمن حين يسمع كلام الله وحين يستمع إلى آيات قضاء الله وقدره، وحين يرى نفسه قد وفقه الله للطاعة؛ يحمد ربه على ذلك، ولا يجادل، وكونك صليت وغيرك لم يصل هذا قضاء الله ، أنت وهو أمرتما أن تأخذا بالأسباب، فأنت أخذت بالأسباب فقمت، وهو لم يأخذ بالأسباب، وعلم الله ما في قلبه فلم يوفقه لذلك، والله يحكم ما يشاء . إذاً: علينا أن نؤمن بالقضاء والقدر الذي يؤكده الله في كل كتابه، فكل شيء عنده بمقدار، ويقول لنا هنا: ((أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ)) أي: من عليهم بالهدى سبحانه، ((وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ)) أي: أصحاب العقول السليمة المستقيمة، أصحاب البصائر. نسأل الله أن يجعلنا منهم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2567

تفسير سورة الزمر [١٥ - ٢٠] وعد الله من اجتنب عبادة الطاغوت وأناب إلى الله فعبده وحده واتقاه بالجنة، وقد أعد الله فيها لعباده المتقين ما لم يخطر على بال أحد، وقد وصفها الله في كتابه بما يرغب العباد فيها، ويجعلهم يشمرون إليها.

стр. 2568

تفسير قوله تعالى: (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:١٧ - ٢٠]. أخبر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات عن حال المشركين الذين اتبعوا الباطل وعبدوا غير الله سبحانه، وأخبر عن المؤمنين الذين اجتنبوا الطاغوت وعبدوا ربهم وحده لا شريك له، فأما من عبد غير الله سبحانه وأشرك بالله سبحانه فقد قال لهم ربنا سبحانه: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر:١٥]. فالذين عبدوا غير الله سبحانه، فأشركوا بالله واتبعوا الهوى، واتبعوا الشيطان، واتبعوا الطواغيت من دون الله سبحانه؛ فربنا سبحانه يخبر عن حالهم يوم القيامة فيقول: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر:١٦]، فهي نار مؤصدة مشتعلة يحطم بعضها بعضاً، وأهلها فيها ومن فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل، من تحتهم مهاد من النار ومن فوقهم غواش تغشيهم من ألحفة النار والعياذ بالله. وهم في النار لا يخرجون منها فقد سبقت فيهم كلمة الله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:٩٦]، فكفروا بربهم وأشركوا به فاستحقوا العذاب، وأما المؤمنون الذين اجتنبوا الطاغوت، واجتنبوا أن يتبعوا الشيطان، واجتنبوا أن يتبعوا كل مارد عاتٍ عن أمر الله سبحانه، وكل غاو مضل؛ فهؤلاء لهم من فضل الله سبحانه ﵎ البشرى، قال الله : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزمر:١٧]. والطاغوت هو من طغى وجاوز حده، فكل ظالم جاوز حده فهو الطاغوت، إذا كان يدعو إلى نفسه فيزعم أنه رب البشر كما زعم فرعون والنمرود، أو زعم أن من حقه أن يشرع للخلق ما لم ينزل الله به سلطاناً، أو زعم أنه يعلم الغيب من دون الله سبحانه أو مع الله سبحانه أو أن الله أطلعه على الغيب ولم يكن نبياً ولا رسولاً؛ فهؤلاء الطواغيت الذين كذبوا على الله وافتروا فاستحقوا العذاب. فالذين اجتنبوا الطواغيت أن يعبدوها وأنابوا إلى ربهم، فرجعوا منيبين إليه طائعين مخبتين؛ لهم البشرى، يبشرهم الله بجنته سبحانه ﵎. قال ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨] وقد ذكرنا أن يعقوب يقرؤها وقفاً ووصلاً (فبشر عبادي)، والسوسي يقرؤها في الحالين بالياء أو بدون الياء.

стр. 2569

تفسير قوله تعالى: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) قال الله في المؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٨] يستمعون الكلام فينتقون أطايب الكلام، وأطيب الكلام كلام رب العالمين، وكلام النبي الأمين صلوات الله وسلامه عليه، فهم يستمعون القول فيأخذون أحسن الحديث وهو كلام الله وكلام رسول الله ﷺ فيتبعونه ويعملون به. ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر:١٨] هداهم: من عليهم بالهدى سبحانه، والهدى هدى الله يهدي به من يشاء من عباده، فالله يهدي جميع عباده بمعنى يدلهم على الطريق كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، فدل على طريق الخير وبين طريق الشر، اتبعوا هذا واجتنبوا هذا. والمؤمن يزيده الله سبحانه هدى من عنده وتوفيقاً للعمل الصالح، فالله يؤيد المؤمن فيأخذ بما أمره الله ، وأما الكافر وأما المنافق وأما الفاجر فيخذله الله سبحانه ﵎، وقد دله ولكنه اتبع هواه فحق عليه كلمة الله فكان من الخاسرين، قال الله في المؤمنين: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ [الزمر:١٨] دلهم ووفقهم سبحانه وحولهم من ضلال إلى خير.

стр. 2570

تفسير قوله تعالى: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار) قال الله سبحانه عن أهل الباطل: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩] استحقوا العذاب، فالله أعلم بخلقه، خلق هؤلاء إلى الجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء إلى النار وبعمل أهل النار يعملون، فالله أعلم بمن يستحق الجنة من عباده فيوفقه إلى طريقها، وأعلم بمن يستحق النار من عباده فيخذله عن طريق الجنة، ولا يوفقه لطريقها. قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩] كأنه يقول لنبيه ﷺ : أفمن حق عليه كلمة العذاب فاستحق أن يدخل النار هل تنقذه أنت؟ لا يقدر النبي ﷺ أن ينقذ أحداً، قال له الله في القرآن مبيناً وظيفته: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، صلوات الله وسلامه عليه ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]. إذاً النبي ﷺ ليس إلا رسول من عند رب العالمين، هو بشر يدعو إلى ربه صلوات الله وسلامه عليه، قال الله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر:٢٣ - ٢٤]، فهو بشير يبشر من يعمل الصالحات بالجنة، ونذير ينذر ويرهب ويخوف من عمل غير الصالحات، ومن أشرك بالله؛ فيخوفه بالنار، فهو رسول من رب العالمين ﵊، وهو بشير ونذير صلوات الله وسلامه عليه. أمره ربه سبحانه أن يدل الناس على الخير وأخبر أنه يهدي ﵊ فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، وأخبره أنه لا يقدر أن يحول أحداً من شيء إلى شيء إلا بإذن الله فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، إذاً فهو يهدي ﵊ بمعنى يدل، ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢] أي: تدل فتقول للناس: هذا طريق الجنة اعملوا كذا ولا تعملوا كذا، وأنت لا تهدي بمعنى لا تقدر أن تهدي إنساناً قد أشقاه الله سبحانه، فالذي يحول القلوب هو الله سبحانه ﵎، فلا يملك النبي ﷺ أن يغير قلب إنسان؛ ولذلك قال للأقرع بن حابس لما قال للنبي ﷺ : (إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً! فقال: أو أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟)، فهو لا يملك أن يدخل رحمة في قلب إنسان أو أن يخرجها من قلب إنسان، إنما الذي يملك ذلك الله سبحانه، لكن هو يقدر على أن يدله ويرشده صلوات الله وسلامه عليه كما نقول: هذا رجل يهدي في الطريق، فالنبي ﷺ يهدي بمعنى يدل ﵊، أما الذي يهدي بمعنى يحول ويغير فهو الله سبحانه، ولا يملك ذلك أحد إلا الله، وهذا معنى قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه الكلمة كنز من كنوز الجنة، ومعناها لا حيلة لأحد ولا قوة لأحد ولا قدرة لأحد أن يغير شيئاً إلى شيء إلا أن يعينه الله سبحانه ﵎، ففيها التبري من الحول والقوة، فكأن الإنسان يقول: أنا يا رب لا أملك شيئاً، أنت تملك كل شيء، أنت الذي توفق إلى الخير وأنت الذي تعين عليه. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [الزمر:١٩] و الجواب لا يقدر النبي صلوات الله وسلامه عليه أن ينقذ من في النار، إنما الذي يدخل العباد الجنة أو النار الله سبحانه ﵎، بالتوفيق للإيمان أو بالخذلان عن ذلك إلى المعاصي والكفر والطغيان.

стр. 2571

تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية) قال الله سبحانه: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] كلام الله عظيم، والقرآن الكريم يجعل العبد بين أمرين بين الترغيب والترهيب، بين الحب لله سبحانه والخوف من الله سبحانه ﵎، بين الطمع فيما عند الله سبحانه وبين الخوف مما عند الله، ذكر الله أهل النار وأخبر أن من فوقهم ظللاً من النار ومن تحتهم ظلل، وأنهم في دركات من النار تغطيهم نار وأسفلهم نار والعياذ بالله، ثم ذكر أهل الجنة حتى لا ييئس الإنسان من رحمة رب العالمين سبحانه، فأهل الجنة في نعيم مقيم قال الله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠] و (لكن) هنا ليست استدراكاً، فالاستدراك لابد أن يكون قبله نفي نحو: ما جاءني زيد لكن جاءني عمر، فتنفي شيئاً وتثبت شيئاً آخر، أما (لكن) لكن هنا فللتغيير من قصة إلى قصة، من ذكر شيء إلى ذكر شيء آخر، فلذلك لم يسبقها نفي. وقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ﴾ [الزمر:٢٠] الغرفة بمعنى المكان العالي المرتفع، والغرفة في بيت الإنسان أعلى البيت وأشرف المكان، هذا أصل كلمة الغرفة، فهي المكان المرتفع الذي يأوي إليه الإنسان ويحبه ويكون أشرف الأماكن عنده. فالمؤمنون في غرف في علالي، بعضها أعلى من بعض كما أن الكفار في دركات بعضها أسفل من بعض، قال الله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ﴾ [الزمر:٢٠] وهي أعالي الجنات ﴿مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] فذكر الغرف وهي العالية وفي أعلى منها أيضاً في الجنة للمؤمنين ﴿غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠] بناها ربنا سبحانه ﵎، جعلها لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وجعل فيها الأنهار، وجعل حصباءها المسك الأذفر، وجعل فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، فهي غرف مبنية، يقول ابن عباس: من زبرجد وياقوت، وقال النبي ﷺ في الحديث: (لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وغرف يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها)، وذكر النبي ﷺ خيمة في الجنة طولها خمسون ميلاً من درة مجوفة، وهذه للمؤمن من ضمن خيماته ومن ضمن قصوره، سميت خيمة ولكن حقيقتها أنها جوهرة مجوفة طويله، فهذه خيمة لمؤمن في الجنة! نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. قال الله سبحانه: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهار﴾ [الزمر:٢٠] أي من تحت أشجارها، ففي الجنة أشجار عالية، وتجري من تحتها الأنهار، كأنه يريد صورة التنزه في الدنيا، ففي الجنة سترى ما تشتهيه، وتتنزه في الجنة، وتنظر إلى ما يذكره الله سبحانه ﵎، وأنهار الجنة ذكرها الله سبحانه فقال: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [محمد:١٥]. جاء في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما يتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم)، فأهل الجنة درجة فوقها درجة، درجة فوقها درجة، قال النبي ﷺ : (يقال لقارئ القرآن) أي: الذي يحفظ القرآن (اقرأ وارتق فإن لك بكل آية درجة في الجنة) فكل آية يصعد بها درجة في الجنة، منازل بعضها فوق بعض حتى يصل إلى أعلى المنازل، وهي منازل من يحفظ القرآن كله، ويعمل بما أمر الله فيه ويجتنب ما نهى الله عنه. فأهل الجنة الذين تحت ينظرون إلى أهل الغرف، كما تنظر أنت إلى الكوكب الغابر في السماء، كما تنظر إلى نجم بعيد في السماء، تنظر إليه وتتشوق إليه، وترفع بصرك، كذلك أهل الجنة ينظرون إلى أهل الغرفات كما ينظر أحدكم إلى كوكب عال في السماء. (قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، فقال: بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، فكل مؤمن صدق الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعمل بذلك يستحق أن يكون من أهلها. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2572

تفسير سورة الزمر الآية [٢٠] وصف الله ما أعد لعباده المؤمنين في الجنة ليرغبهم فيها، ويزهدهم في هذه الدنيا الفانية، فذكر أن لهم غرفاً من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 2573

تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية) الحمد لله رب العالمين، وأشهد لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢٠ - ٢١]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات وما قبلها عن حال المؤمنين يوم القيامة وعن نعيمهم في الجنة، وعن حال الكفار وما يعذبون به في النار، فأما الكفار فهم في طبقات جهنم ودركاتها، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١] لهم عذاب أليم عند الله جزاءً بما كانوا يعملون. أما المؤمنون فهم الذين اتقوا ربهم فخافوا من الله في الدنيا، وخافوا أن يغضبوا ربهم سبحانه، واتقوا عذاب الله وعقوبته، فأطاعوا ربهم بكل وجه من وجوه الخير والإحسان، وعبدوا الله وهم مستيقنون أنه ربهم سبحانه، وأنه يجازيهم على الإحسان في عبادتهم بالحسنى وزيادة، فكان لهم من الله الغرف التي جعلها في جنته، والغرف أعالي الجنات، قال تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [الزمر:٢٠]، ولابد وأن تكون الغرفة مبنية ولكن لتمييزها عن غيرها فهي مبنية لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ومن زبرجد ومن ياقوت وأشياء لم يعهدها الإنسان ولم يرها، حيث يكون له قصر مبني من ذهب، أو مبني من لؤلؤ أو خيمة من لؤلؤة مجوفة، فهذا من نعيم الجنة. فيذكر الله أنها مبنية، والذي بناها لهم ربهم ، وجهزها لهم وجعلها جنات عاليات، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 2574

معنى قوله تعالى: (تجري من تحتها الأنهار) قال تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا﴾ [الزمر:٢٠] أي في أرضها ومن تحت أشجارها، فتجري أنهار الماء الذي لا يأسن أبداً، والذي لا ينتن، فماء الدنيا ينتن لو وقف، لذلك يحتاج أن يجري ويصب في البحر ثم يتبخر ثم يرجع إلى أصله وينزل من السماء على أعالي الأرض ويجري، فبجريان الماء لا يتعفن، أما ماء الجنة فلا يحتاج إلى ذلك فهو غير آسن، لا يأسن أبداً ولا يتكدر ولا يعتليه ما يعتلي ماء الدنيا من قذر ونحوه، يجري في أرض الجنة ومع ذلك لا يحدث له شيء من الكدورة ولا يتعفن لا يأسن. قال تعالى: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:١٥]، فلبن الدنيا يتغير، والأبحاث تقول: إنه في كل ساعة يتغير اللبن من حال إلى حال، يعتليه من آفات، ويعتليه من حرارة ومن برودة، فلبن الدنيا من الأشياء التي لا يستقيم بقاؤها على حال واحد إلى أن ينتن مع مضي الساعات عليه، لكن لبن الجنة لبن عظيم لا يتغير أبداً، مهما بقي، وهو في أنهار يجري أمام أهل الجنة يشربون منه ما يشاءون ولا يتغير عليهم أبداً. قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:١٥]، ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩]، لا يعتريهم ما يعتري الناس الذين يشربون الخمور من صداع ومن نزيف للعقول في الدنيا، فأهل الجنة لا تذهب عقولهم أبداً ولا يصدعون، ولا تغتالهم خمر الجنة، فهي لا تشبه خمر الدنيا إلا في الاسم فقط، ولكنها أعظم وأحلى وأجمل، ولا غول فيها ولا تعب من ورائها ولا صداع فيها ولا ألم فيها، فهي نعيم لأهل الجنة. قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥] عسل الدنيا مهما بلغ أعلى الحلاوة وأجمل الطعم فالإنسان لو أكل منه كثيراً يجزع منه، أما عسل الجنة لا جزع فيه أبداً، عسل صاف لا كدورة فيه، ولا شوائب فيه، فأنهار من لبن وأنهار من ماء وأنهار من عسل وأنهار من خمر تجري من تحت أشجار الجنة فيتمتع الإنسان المؤمن في جنة الخلود، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. وهذا وعد الله، قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٠] أي: وعدكم الله وعداً فهو مصدر لفعل محذوف تأكيداً من الله أن هذا وعد أكيد من رب العالمين. قال تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر:٢٠] وعد للفريقين لأهل الجنة ولأهل النار، فأهل النار في الجحيم وفي العذاب المقيم، وأهل الجنة في النعيم وفي هذه الأنهار والعيون وفي الطعام والشراب الذي يمتعون به في الجنة، فوعد هؤلاء ووعد هؤلاء ولا يخلف الله الميعاد.

стр. 2575

من أسباب دخول الجنة جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وأحمد من حديث علي ﵁ قال النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها) والغرف بمعنى القصور العالية لأهل الجنة، وذكرنا أن الغرفة للإنسان في الدنيا بمعنى المكان العالي الذي يستريح فيه، والمكان الذي هو لأهل الشرف، فالإنسان أشرف الأماكن عنده وأعلى الأماكن عنده الذي يسمى بالغرفة. فالجنة فيها غرف في أعالي الجنات، ولهم قصور في أعالي الجنات، فيقول ﵊: (إن في الجنة غرفاً) هذه الغرف التي لأصحابها تكون مبنية من ذهب ومن فضة، ومع ذلك فإن صاحبها إن كان بداخلها يرى خارجها من خلالها وإذا كان خارجها ينظر إلى داخلها فيرى ما يريده من داخلها. قال: (يرى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها)، كالزجاج فأنت ترى داخل الزجاج من الخارج، أما في الجنة لم يقل لنا من زجاج، فالزجاج شيء رخيص في الدنيا، ولكن الجنة مبنية القصور من ذهب، ومع ذلك بلغ من شفافيته وبلغ أن يكون صاحبه بداخل هذا القصر المبني من طوبة من ذهب وطوبة من فضة أن يرى ما خارجه وهو في داخل هذا القصر، فإذا كان في الخارج وأراد أن ينظر في داخل قصره نظر واستمتع بما فيه من حور عين وغيرها! ولما قال النبي ﷺ ذلك قام أعرابي تعجب وانبهر مما سمع فقال: (لمن هي يا رسول الله؟! فقال ﷺ : لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام). الذي يفعل ذلك له هذه المنزلة العظيمة وهذه القصور الراقية الغالية عند الله سبحانه ﵎، (لمن أطاب الكلام)، أطاب الكلام بمعنى: حسن خلق الإنسان، فلا يخرج من فيه غير الكلام الطيب، فليس كلامه بذيئاً ولا مؤذياً، وليس كلامه في أمر الدنيا وإنما كلامه في الأمر الذي يقربه من الله ، وكلامه طيب؛ لأنه يراقب الله سبحانه، ولأنه لا يريد أن يؤذي أحداً من خلق الله ﵎، فأطاب كلامه فكان إنساناً هيناً ليناً حسن الخلق، يتكلم بالكلام الطيب والكلام الذي يخرج من فم الإنسان يعبر عن الوعاء الذي في الداخل، وهو قلب الإنسان، فإذا كان كلاماً طيباً دل على طيبة القلب، وإذا كان كلاماً خبيثاً دل على خبث القلب. قال ﵊: (وأطعم الطعام) أي: أعطى الطعام وبذل مما عنده من طعام، فأعطى الفقراء وأعطى المساكين وأعطى على وجه الهدية، وأنفق النفقات الواجبة والمستحبة عليه، وبذل لله سبحانه ﵎. كذلك قال: (وأدام الصيام) أي: واظب على الصيام، فلم يصم أياماً وترك الصيام بعدها، ولكنه واظب على الصيام، فيصوم الفريضة ويصوم النافلة، ويداوم الصيام، ويخبرنا النبي ﷺ عن رب العزة سبحانه قال: (كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) فالصوم عبادة باطنة وعبادة سرية بين العبد وبين الرب، والإنسان يقول: أنا صائم، وأنت لا تدري هل هو فعلاً صائم أم لا، فالله وحده يعلم ما في قلب هذا الإنسان هل هو صائم صوماً صحيحاً وإلا صام عن الطعام وعن الشراب ووقع في أعراض الناس ووقع في الحرام، فالله أعلم بمدى صحة صوم هذا الإنسان، فكان الصوم لله سبحانه ﵎. فالصوم عباده قاصرة على الإنسان، وإطعام الطعام عبادة متعدية، فالإنسان المؤمن عباداته متعدية فينتفع الغير بها، وعباداته في السر بينه وبين الله فينتفع بها، ومن العبادة المتعدية تطييب الكلام فتعبد لله سبحانه بأن حسن خلقه، فرأى الناس منه ذلك، فاستحسنوا كلامه ولم يقبح منه شيء ليتكلموا به، فتعدى نفعه لغيره. وذكر في الحديث عبادة قاصرة ينتفع بها وهي قوله: (وصلى لله بالليل والناس نيام)، فاستحق الجنة، فالجنة يستحقها صاحبها لعمل السر وعمل العلن، والعمل القاصر الذي ينتفع به نفسه والعمل الذي يتعدى النفع فيه للغير، فإذا جمع هذا كله استحق الجنة. وروى النسائي من حديث فضالة بن عبيد ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا زعيم) أي: أنا ضامن (أنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وهاجر ببيت في ربض الجنة، وببيت في وسط الجنة، وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله ببيت في ربض الجنة وببيت في وسط الجنة وببيت في أعلى الجنة). فالمهاجر الذي آمن بالله وآمن برسول الله ﷺ أسلم نفسه لله سبحانه فعمل بما أمر الله سبحانه، يقول ﵊: أنا زعيم وضامن له ببيتين بيت في ربض الجنة، وكلمة ربض تطلق على أقل الأشياء، كأنه يقول: في أدنى الجنة، والجنة ليس فيها شيء دنيء، ولكن الجنة بعضها أعلى من بعض، وببيت في وسط الجنة، فالجنة فيها منزلة أدنى المنازل وهي أعلى ما يكون وأفضل ما يكون، وأعلى منها درجة أخرى وهي وسط الجنة، وأعلى منها الغرف، فضمن النبي ﷺ للإنسان الذي آمن وأسلم وهاجر في سبيل الله وترك الكفر إلى الإيمان، وترك بلد الكفر إلى بلد الإسلام، وترك بلد المعاصي إلى مكان الطاعات، ببيتين في الجنة، بيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة. قال ﵊: (وأنا زعيم لمن آمن بي وأسلم وجاهد في سبيل الله) والمجاهد هو الذي يجاهد بنفسه ويجاهد بماله ويجاهد بكلمته وبلسانه ويجاهد بقلبه، ويجاهد في سبيل الله سبحانه ﵎: فيأمر المعروف وينهى عن المنكر، ويجاهد الكفار والمنافقين وأهل المعاصي، فحياة المؤمن جهاد في سبيل الله سبحانه ﵎ حتى يلقى الله، فالمؤمن المجاهد يقول له النبي ﷺ : أنا ضامن لك أيها المؤمن المسلم المجاهد في سبيل الله بثلاثة بيوت: ببيت في ربض الجنة وبيت في وسط الجنة وبيت في أعلى غرف الجنة. قال ﵊: (من فعل ذلك) أي: أسلم وآمن وكانت حياته جهاداً في سبيل الله سبحانه، قال النبي ﷺ : (من فعل ذلك فلم يدع للخير مطلباً، ولا من الشر مهرباً) فكانت حياته كلها جهاداً في سبيل الله، في كل مكان أنت فيه تجاهد في سبيل الله، في بيتك تجاهد مع أهلك مع أولادك، في عملك تجاهد في عملك فتتقن وتحسن عملك، وتجاهد الكفار، والمنافقين، والعصاة، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ فحياة المؤمن كلها لله (لم يدع للخير مطلباً)، كأن كل وجوه الخير أتى بها وكل وجوه الشر فر منها، قال: (لم يدع للخير مطلباً ولا من الشر مهرباً، يموت حيث شاء أن يموت) ففي أي مكان يموت فيه هذا الإنسان فإن كل عمله خير، فهو مجاهد في سبيل الله. وورد حديث آخر رواه أبو داود عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً) أي: للإنسان الذي يترك المراء، وهو الجدل فمن حسن الخلق المؤمن أنه لا يجادل، وإذا جادل جادل بالتي أحسن، ولا يجادل إلا إذا كان محتاجاً لذلك؛ لينصر دين الله سبحانه، فليس الجدل للجدل ولا لضياع الوقت، فقال: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً). فالإنسان قد يجادل وهو يقول: أنا على الحق فلابد أن أجادل! فلا تعود نفسك على ذلك إلا إن احتاج الناس إلى ذلك فجادل بالتي هي أحسن. قال ﵊: (وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً) فالمؤمن يترك الكذب رأساً، فلا يكذب أبداً إلا في المواطن التي أباحتها الشريعة كالحرب فالحرب خدعة، فإن احتاج إلى ذلك فعل بالإصلاح بين الناس، كذلك مع امرأته أن يذكر لها أنها أجمل النساء ونحو ذلك جاز له ذلك، وفي غير ذلك لا يجوز للإنسان أن يكذب، وفي هذه المواطن له أن يعرض في الكلام ولا يصرح بالكذب، فهذا البيت الذي في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، فدع الكذب ودع المراء. قال ﵊: (وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) فكان حسن الخلق أعلى ما يكون، وجزاؤه أفضل ما يكون عند الله سبحانه ﵎. نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته وأن يجيرنا من ناره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2576

تفسير سورة الزمر [٢٠ - ٢١] يخبر الله في كتابه عن ثواب المتقين الذي أعده لهم سبحانه، وأخبر النبي ﵊ المؤمنين ببعض صفات الجنة وأهلها، وأخبر الله في كتابه عن قدرته وأنه وحده الذي ينزل من السماء ماءً فيسلكه في آبار الأرض وعيونها ثم يخرج به زرعاً ألوانه مختلفة، وأنواعه متنوعة، وهذا من كمال قدرته وعظمته سبحانه، ثم يجعل ذلك الزرع حطاماً يابساً، وهذا هو مثل الحياة الدنيا، فطوبى لمن ترك زينة الحياة الدنيا ونافس الصالحين للحياة الأخرى.

стр. 2577

تفسير قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الزمر: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٠ - ٢٣] في هذه الآية من سورة الزمر يخبرنا الله سبحانه وتعالى عما أعده للمؤمنين الصادقين المحسنين من غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار، والقرآن مليء بهذا الأمر العظيم وبوعد الله للمؤمنين، وبذكر الجنة العظيمة العالية والغرف التي فيها التي أعدها الله للمتقين وللمحسنين الذين يحبون الله ويحبهم الله ، والغرفة: هي الجنة العالية، فلهم جنات عاليات، فأهل الجنة يتراءون أهل الغرف أي: أهل الجنات العالية كما ينظر أحدكم إلى الكوكب الدري الغابر في السماء، فمنازل أهل الغرف في أعالي الجنات، (مبنية) أي: أن الذي بناها هو الله بأمره سبحانه، والذي جعل فيها غرسها هو الله سبحانه، والذي أجرى فيها أنهارها هو الله سبحانه؛ إكراماً للمؤمنين فهي دار الكرامة، وهي دار السلام مبنية بلبنة من ذهب ولبنة من فضة، جنتان كل ما فيهما من فضل الله سبحانه مباح للمؤمنين، وقد ورد عن النبي ﷺ أحاديث في هذه الجنات العظيمة، فعن أبي سعيد الخدري فيما رواه البخاري ومسلم قال النبي ﷺ : (إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟) أي: بما عطاهم من فضله سبحانه فقد أدخلهم الجنة وأعطاهم ما شاءوا وزادهم سبحانه (فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين؟!) وكل إنسان في الجنة يرى نفسه من أفضل الذين أعطاهم الله ، وأهل الجنة لا حسد بينهم، فلا يحسد بعضهم بعضاً، بل إن أهل المنزلة الدنيا في الجنة يرون أنفسهم أعطوا ما لم يعط أحد من العالمين، بل إن آخر أهل النار خروجاً من النار وآخرهم دخولاً الجنة، يرى أن الله فضله على غيره من العالمين فيقول: الحمد لله الذي نجاني منك، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من العالمين! فالله بكرمه وفضله يجعل كل إنسان من أهل الجنة يستشعر أنه أعطي ما لم يعط أحداً من الناس، وإن كان بعضهم فوق بعض في المنازل، فيقول لهم سبحانه: سأعطيكم أفضل من ذلك يعني أعطيتكم الجنة وأعطيتكم الغرف وأعطيتكم الأنهار وأعطيتكم ما شئتم في الجنة (ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟! قالوا: ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً)، وهذا أفضل نعيم يعطاه أهل الجنة، فكل إنسان حين يرى النعيم أمامه يخاف أن يزول عنه، وأن يأتي يوم من الأيام فلا يجده، فالله يدخلهم الجنة ويقول لهم ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف:٤٩] أي: لا تخافون من المستقبل وأنه ربما يذهب عنكم هذا النعيم الذي أنتم فيه، بل أنتم خالدون في الجنة، أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً، وهم قد وجدوا في الدنيا كيف سخط الله على أقوام فخسف بهم ومسخهم وعاقبهم، كما قال الله: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠]، أما إذا دخل أهل الجنة الجنة فلا يرون شيئاً من ذلك أبداً، بل إن الله ينعم عليهم بالرضوان الأبدي فلا يسخط عليهم أبداً نسأل الله أن يجعلنا معهم ومنهم. وجاء في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ينادي منادي) يعني لأهل الجنة (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) فذلك قوله : ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] أي: يقال لأهل الجنة: ورثتم هذه الجنة فصارت لكم وآلت إليكم، ولكم فيها كلما ذكر في هذا الحديث وما ذكره الله في كتابه الكريم. وقوله: (إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً) أي: أنه لا مرض في الجنة، في الدنيا يعاني الإنسان من المرض حتى إذا دخل الجنة عرف فضل الله سبحانه وعرف النعمة العظيمة التي هو فيها، والدنيا دار الأمراض ودار الهموم وما ينغص حياة الإنسان، هذه هي الدنيا وهي دنيا لذلك، لكن الجنة فيها النعيم المقيم. (وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً) أي: لا موت في الجنة، الموت كان في الدنيا أما في الجنة فالنعيم المقيم والخلود العظيم. (وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا) الإنسان في الدنيا يفرح بشبابه ويخاف أن يأتي عليه الهرم، فيأتيه حتى يعجز عن المشي وعن القيام، وأهل الجنة يطمئنهم الله: أنتم شباب في الجنة، ولن تزيد أعماركم بل تسبقون أنتم على العمر الذي دخلتم فيه الجنة عمر ثلاث وثلاثين سنة، وهو أفضل ما يكون في العمر، فيظل أهل الجنة شباباً أبد الآبدين. (وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً) أي: لكم النعيم السرمدي من الله، فلا بأس في الجنة ولا حزن ولا مرض ولا تعب ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] أي: بسب ما كنتم تعملون، فعمل الإنسان سبب لدخوله الجنة وليس ثمناً لها، فالباء باء السببية وليست الثمنية، فمهما عملت من عمل لن يكون أبداً ثمناً للجنة، فإن الجنة عالية وغالية، وعمل الإنسان لا يبلغ ثمنها ولكن يدخل الجنة بفضل الله ورحمته ، والعمل سبب لدخولك الجنة. وجاء في حديث آخر أن النبي ﷺ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس:٢٦] فقال ﷺ : (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه) أي: يريد أن يوفيكم إياه (فيقولون: وما هو؟! ألم يثقل موازيننا، ويبيض وجوهنا، ويدخلنا الجنة، وينجنا من النار؟!) أي: لقد أعطانا كل هذا النعيم ثم يريد أن يعطينا؟! (قال: فيكشف الحجاب) وحجاب الله النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره، وهذا في الدنيا لو كشف الحجاب لأحرق كل شيء، فنوره لا يطيقه أحد في الدنيا؛ لأن الإنسان غير مهيأ لذلك، ولذلك قال موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣]، والجبل مع قوته العظيمة لم يطق أن يرى شيئاً من نور الله ، فكيف بالإنسان الضعيف؟! لكن يوم القيامة يجعل الله للمؤمنين قوة أخرى وجسداً آخر غير الذي كان في الدنيا يطيق المؤمن به أن يرى نور الله ، ويستمتع بالنظر إلى وجهه سبحانه، وهذا أعظم ما يستمتع به أهل الجنة، وكلما ازدادت منزلتهم كان نظرهم إلى الله أكثر وأكثر، نسأل الله أن يجعلنا من أكثرهم نظراً إلى وجهه الكريم . يقول النبي ﷺ : (فيكشف الحجاب فينظرون إليه -أي: ينظرون إلى الله فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر) يعني إليه (ولا أقر لأعينهم) فهذا أعظم ما في الجنة، وهو أعظم من كل نعيم، وهو أنعم النعيم وأعظم النعيم، وهو أن ينظروا إلى وجه الله . ومما جاء عن النبي ﷺ ما رواه مسلم من حديث عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال: وذكر حديثاً طويلاً وفيه (وأهل الجنة ثلاثة ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال) هؤلاء من أكثر أهل الجنة: ذو سلطان كالحاكم والأمير ومن له سلطة، وفقه الله سبحانه أن يحكم بين الناس بالعدل والقسط، (متصدق) يعطي ولا يحبس المال عن الناس ولا يبخل عليهم، (موفق) أي: يوفقه الله لطاعته وللحكم بما أنزل من عنده . قال: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم) هذا الإنسان ليس قاسي القلب؛ ولذلك مدح الله الم

стр. 2578

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ينابيع في الأرض) يقول الله للنبي ﷺ وللمؤمنين بالتبع ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] هذا مثال مما يراه الناس أمامهم ليعرفوا به ضآلة هذه الدنيا، وقصر عمرها، فالمطر الذي ينزل من السماء ينمو به الزرع، وسرعان ما يصفر هذا الزرع ثم يصير حطاماً وينتهي أمره، وأنت في كل يوم ترى النبات يحيه الله سبحانه ثم يمر عليه الوقت فإذا به يموت بعد ذلك، فهذه الدنيا مهما ازداد أمرها فمصيرها في النهاية إلى النقصان والزوال، والزينة التي عليها التي تعجبك الآن هي التي تكرهها أنت بعد ذلك، فإن النبات حين ينمو فيراه الإنسان أمامه أخضر وأحمر وأصفر يفرح ببهجة هذا النبات ومنظره، فإذا يبس وصار هشيماً فإن الإنسان يتضايق منه ويجمعه ويرميه في الحضرة! وهذا هو حال الدنيا، الذي تسر به الآن وتفرح به هو الذي تتأذى منه بعد ذلك، وإذا كانت الدنيا على هذا الحال فعلى الإنسان أن يحب ربه ، وأن يطمح فيما عند الله من النعيم المقيم وليس في هذه الأشياء الفانية. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ والكل يرى ذلك ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ﴾ [الزمر:٢١] يبين لنا قدرته في هذه الآية، فإن المطر الذي نزل من السماء لو اجتمعتم أنتم ومن في الأرض جميعاً على تخزين هذا الماء ما استطعتم ذلك، لكن الذي يقدر على ذلك هو الله ، ولو احتبس في مكان واحد لأنتن وتعفن، ولكن الله الكريم سبحانه يجريه أنهاراً ويجعله عيوناً ويجعل منه مياهاً جوفية في باطن الأرض، وهذا شي عجيب جداً! فالماء يحتفظ بما هو عليه من خصال وهو أنه طاهر ومطهر وأنه نقي وطيب حتى يتدخل الإنسان لإفساده، لكن الله الذي أنزل المطر من السماء حفظ هذا المطر، فإنه حين ينزل من السماء يجري أنهاراً وبتغيره من مكان لآخر يحتفظ بخصائصه ويحتفظ بصفاته، ولو أنه وقف في مكان لأنتن وتعفن وأصابه ما على الأرض من قاذروات، لكن الله سبحانه يحفظه ويسلكه ينابيع في الأرض، فمنه ما ينزل إلى باطن الأرض حيث لا جراثيم ولا عفونة ولا شيء في المياه الجوفية فيكون نقياً إلى أن يتدخل الإنسان بسفاهته فيعمل الآبار ويصرف الصرف الصحي على المياه الجوفية فيلوث المياه الجوفية التي جعلها الله في مكان لا تصل إليه المكروبات، فيفسده الإنسان بسوء تصرفه وسوء صنيعه، ويجريه أنهاراً جميلة فيها الماء الطيب الرقراق الصافي حتى يفسده الإنسان بالمصانع والصرف الصحي على الأنهار، ويجعله بحاراً تتبخر منها المياه التي تنزل بعد ذلك صافية حتى يفسدها الإنسان فيصرف عليها مجاريه وصرفه الصحي، فيتأذى الإنسان من سوء صنيعه وعدم تفكيره وعدم إحسانه في ذلك، وإلا فإن الله سبحانه أنزل الماء صافياً طيباً طاهراً مطهراً فهو الطهور الذي نزل من عند الله ليطهر به عباده. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ﴾ سلكه أي: أدخله، وكأن المرور الرقيق السريع يسمى سلك، تقول: سلكت الخرزة في السلك إذا أدخلت السلك داخل خرم الخرز، كذلك الماء يسلكه الله في الأرض وينزل حتى يدخل في العيون وفي الآبار وأنت لا تشعر بذلك، وهو ينزل ويسلكه الله في داخلها ثم تنبع الينابيع والعيون من الأرض ثم يخرج به زرعاً مختلفاً ألوانه، هذا أحمر وهذا أخضر وهذا أصفر وهذا كذا، ويكون مختلف الأصناف، ثم الزرع يهيج فتراه مصفراً، هذا الزرع الذي خرج ونما وأعجبك يهيجه أي ينميه أقصى النمو ثم بعد ذلك يصير حطاماً يابساً، فبعد أن كان أخضر يانعاً صار هشيماً! ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٢١] أي لأصحاب القلوب وأصحاب الفطر أصحاب العقول ليتفكروا أنه مهما ازدهرت الدنيا وتزينت فإنها ترجع بعد ذلك إلى ما كانت عليه كهذا النبات، فلا تغتر بهذه مهما جاءتك الدنيا. فالإنسان يكون في الدنيا في عدة مراحل منها مرحلة الشباب والحيوية والقوة فإذا وصل فيها إلى نهايتها بدأ في النزول حتى يصل إلى الصفر ويرجع إلى الأرض التي خلق منها مرة أخرى، فالإنسان مهما علا سينزل ولابد، فليكن هذا النزول والعودة إلى الله سبحانه نزولاً حميداً وعوداً حميداً إلى الله ، فلا تغتر بشبابك فإنها تأتي الكهولة والشيخوخة بعد ذلك، ولا تغتر بمالك فإنك ترجع إلى ربك بغير مال ويأخذه غيرك من أولادك أو من الناس، ولا تغتر بصحتك فإنه يأتي عليك المرض الذي يمنعك مما كنت تقدر عليه، ولا تغتر بالدنيا فإنها تزول من أصحابها، فليكن اعتماد الإنسان وثقته على فضل الله، وعلى كرم الله، فيعبد ربه ويعلم أنه لن يدوم في هذه الدنيا، فينمو ثم يصير حطاماً، فترجع إلى ربك سبحانه ليجازيك على إحسانك بهذه الغرف العظيمة التي عنده، وعلى إساءتك إما بالعفو وإما بالمؤاخذة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2579

تفسير سورة الزمر [٢١ - ٢٣] لقد أنزل الله الله من السماء ماءً فأخرج به زرعاً يكون سبباً لحياة الخلق، وكذلك أنزل من السماء قرآناً بواسطة الروح الأمين إلى قلب محمد ﷺ ليبلغه للعالمين ليكون سبباً لحياة القلوب، والمؤمن على نور من ربه، ولا يستوي مع قاسي القلب الغافل عن ذكر الله.

стр. 2580

تفسير قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزمر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الأَلْبَابِ * أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢١ - ٢٣]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات عن قدرته العظيمة سبحانه ﵎، حيث بدأ بذكر إنزال المطر من السماء، وسلكه ينابيع في الأرض ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾ [الزمر:٢١]، هذه الدورة التي يراها الإنسان أمامه في الطبيعة التي خلقها الله سبحانه ﵎، يجد فيها إحياء هذا النبات الذي يستفيد منه الإنسان ثم موت هذا النبات، ثم الإحياء ثم الموت وهكذا، دورة يتذكر بها الإنسان أنه مثل هذا النبات أحياه الله سبحانه ثم يميته، وهو يرى الأمثلة على ذلك في الكون وفي الإنسان وفي الحيوان كيف يخلقها الله سبحانه؟ وكيف أنزل الله المطر من السماء سبحانه ﵎ فجعل منه كل شيء حي؟ فاستفاد منه الإنسان والحيوان والنبات والأرض، ليرينا كيف يخلقه وكيف ينزله رحمة منه سبحانه ﵎ بخلقه، وكيف يحيي به الأرض بعد موتها. وكما أنزل الله هذا المطر من السماء ليحيي به الأرض، أنزل القرآن ليحيي به القلوب، فأشار إلى هذا القرآن وذكر القرآن العظيم أحسن الحديث كتاباً متشابهاً، والمطر فيه الحياة وفيه الغوث للخلق كذلك هذا القرآن فيه حياة القلوب، وفيه الإغاثة للخلق والإجارة من أن يعذبوا في النار لو أنهم آمنوا بهذا القرآن، فإن هذا القرآن حافظهم عند الله سبحانه ﵎، واستحقوا به أن ينالوا رحمة الله.

стр. 2581

تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) ذكر الله أنه لا يستوي من شرح الله صدره للإسلام بهذا القرآن العظيم مع إنسان ترك القرآن وراءه ظهرياً ولم يؤمن به فقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزمر:٢٢]، وهل يستوي الذي علم من القرآن وتعلم وعمل واهتدى بهذا القرآن العظيم مع من لم يستفد منه شيئاً؟ وقس على ذلك إنزال المطر من السماء على أرض خصبة فينبت ما فيها من زرع، وعلى أرض أخرى قاحلة يتسرب من خلالها ويذهب إلى مكان بعيد فلا يستفيد أصحاب الأرض بهذا المطر الذي جاء من السماء. كذلك القرآن ينزل على قلوب العباد فتختلف في تقبله كما تختلف الأرض في تقبل الماء، فهذه أرض زراعية جيدة وهذه أرض أقل جودة، وهذه أرض سبخة، وهذه أرض زرعها مر، فينزل المطر على الأرض كلها، فتنبت بما فيها أو لا تنبت أصلاً. كذلك القرآن فهذا إنسان صالح قلبه فيه النور فيهديه الله سبحانه ﵎، وهذا إنسان طالح يعرض عن الله سبحانه ﵎ قلبه المظلم فلا يستفيد بشيء من القرآن، فالقرآن العظيم يهدي به الله من يشاء، ما قال: يهدي به كل الخلق، ولكن رجع الأمر إلى قضاء الله وقدرته سبحانه يهدي من يشاء فضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه سبحانه. فهل من شرح الله صدره للإسلام كمن لم يشرح الله صدره للإسلام؟ وشرح بمعنى: بسط ووسع وفسح في صدره، فانفسح صدر الإنسان ليستوعب هذه المعاني التي جاءت في هذا القرآن العظيم. وهل يستوي هذا الصدر الرحب الفسيح الذي يفرح بكتاب الله سبحانه ويتأمل فيه ويتدبر معانيه ويعمل بما فيه، مع إنسان ضاق صدره وتحرج حتى صار شديد الضيق بهذا القرآن، فلا يفهم ولا يعقل وكل همه أن يرد عليه وأن يرفضه؟ فالإنسان الذي شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ صار عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ، فاستجاب لنور القرآن فأصبح نوراً على نور. والإنسان الذي لا يستفيد بهذا القرآن فهو من القاسية قلوبهم من ذكر الله، الذين قال فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ﴾ [الزمر:٢٢]، وويل: وعيد من الله سبحانه ﵎ للإنسان القاسي القلب، وقسا قلب الإنسان بمعنى صلب حتى صار صلباً جامداً كالحجارة بل هو أشد قسوة من الحجارة، وهذا لا تنفع معه الموعظة إنما الذي يلينه نار جهنم والعياذ بالله. والويل الهلاك والإبعاد، وهو واد في قعر جهنم جعله الله لهذا الإنسان الذي قلبه قاس ولا ينتفع بهذا القرآن ولا يستشفي به يتركه وراءه ظهرياً. وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٢] يعني: قلوبهم خالية من ذكر الله فلا يذكرون الله سبحانه ﵎، وتقسو قلوبهم إذا ذكر الله سبحانه ﵎. والمؤمن عندما يذكر ربه يستجيب ويخضع لله سبحانه، ويدعو ربه أن يكون من أهل التقوى. وإنسان آخر تنصحه بأن يتقي الله فإذا به يعاند ويقول لك: اذهب اتق الله أنت، همه أن يجيبك بمثل ما تقول، فلا ينتفع قلبه بسماع الموعظة ولا يريدها؛ لأن قلبه قاس. والمؤمن إذا سمع القرآن انفسح قلبه وانشرح وتذكر الدار الآخرة فعمل لهذه الدار الآخرة.

стр. 2582

حديث في تفسير قوله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام) سئل النبي ﷺ عن هذه الآية فقال: (إذا دخل النور القلب انشرح وانفتح، قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله). والحديث إسناده ضعيف، ولكن المعنى صحيح، فالقرآن إذا دخل قلب الإنسان تذكر الآخرة فإذا بضيق الدنيا كله يزول عنه، وتنفسح له هذه الدنيا بنظره إلى الآخرة. ويؤيد هذا المعنى ما جاء عن النبي ﷺ وصح عنه في قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) أي: الموت يهذم لذات الإنسان فأكثروا من ذكره، فإنه ما ذكر في ضيق إلا وسعه، ولا في سعة إلا ضيقها. والإنسان إذا ضاقت به كروب الدنيا وما ينزل عليه من مصائب ويبتلى فيها من أحداث وتذكر هذه الأشياء تضايق، فإذا نظر أن هناك موتاً بعد ذلك استراح؛ لأنه يخرج من هذه الدنيا وما فيها من كروب واستراح عند الله لو أنه صبر على ذلك. وذكر الموت يوسع عليه حاله فإن الدنيا ومصائبها لا تدومان لأحد، ونهاية ذلك موت، فإذا صبرنا في الدنيا وجدنا الفرج والفسحة عند الله سبحانه ﵎. فذكر الموت يطمئن الإنسان وحين يقرأ كتاب الله سبحانه فيذكر الدار الآخرة ينشرح وينفسح الصدر وينيب إلى دار الآخرة وهي دار الخلود، ويتجافى عن دار الدنيا وهي دار الغرور، ويستعد للموت قبل نزوله. وما ذكر الموت في سعة إلا ضيقها، والإنسان يفرح بنفسه لأنه في صحة وعافية وعنده مال كثير وهو في سعة وغبطة، فعندما يتذكر الموت وأنه سوف يترك كل هذه الأشياء، لا يتوسع زيادة عن اللزوم في هذه الأشياء لأنه سيتركها، فلمن يجمع هذا المال ويثمره؟ والإنسان لم ينه عن جمع المال فما نهانا ربنا عن ذلك، ولكن المنهي عنه هو الانشغال عن الدار الآخرة، فهو يجمع من الدنيا المليون وراء الثاني والثالث فماذا يعمل به؟ ويترك المال للورثة ويجازى عليه، فيجب عليه أن يقف مع نفسه وقفة ليحاسبها، فالموت يضيق عليه أمره، ويجب عليه أن يلوم نفسه في هذه الدنيا حتى لا يفرط فيها فتضيع يوم القيامة.

стр. 2583

تفسير قوله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً) يقول الله سبحانه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣]. كما أنزل الله المطر من السماء ليبين قدرته سبحانه ﵎، فالمطر ينتفع به الخلق فتحيا به أرضهم ونباتهم والقرآن أعظم من ذلك، وهو أنزل من السماء نزل به الروح الأمين على قلب النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه ليكون من المنذرين، فانتفع المؤمنون فآمنوا وصدقوا وعملوا بما فيه. والقرآن أحسن الحديث، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف:٣]، وفيه أحسن الأحكام وأجملها، جاء عن سعد بن أبي وقاص أن أصحاب النبي ﷺ قالوا لرسول ﷺ : (لو حدثتنا)، وأحياناً الإنسان قد يحدث له شيء من الملل فيحتاج من يذكره، فالصحابة يقولون للنبي ﷺ : (لو حدثتنا -أي: سليتنا قليلاً بحديث- فأنزل الله سبحانه ﵎: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر:٢٣]) أي: لستم محتاجين أن تتسلوا بقصص وحكايات، فالقرآن فيه أحسن الحديث. وفرق بين سماع الآيات القرآنية وسماع الأحكام الفقهية، فعندما تقرأ كتاب فقه أو أصول فقه فإنك تمل، والقرآن لا يمل جليسه أبداً، والقرآن العظيم ليس مجرد كتاب قصص أو تاريخ أو فقه، بل هو كتاب قائم بذاته ونسج فريد لغيره من الكتب. والقرآن تقرأ فيه الموعظة وبعد قليل يذكرك بالجنة ويحذرك من النار ويعطيك حكماً من الأحكام ويذكرك بالأمم السابقة وبنبي من الأنبياء وبحادثة من الحوادث التي كانت موجودة، فما يزال يدخلك في شيء ويخرجك منه من غير ما تشعر بالخلاف، ولو تقرأ كتاب فقه ثم كتاب حديث ثم كتاب أصول فقه ثم كتب قصص، فقرأت في هذا قليلاً زهقت منه وتركته وأتيت بالثاني، فتحس أنك خرجت من شيء إلى شيء آخر، أما القرآن فلا تستشعر بذلك فتجد السورة تتناول أشياء كثيرة وتخرجك من شيء إلى شيء آخر، وحسن السياق الذي في القرآن هو حسن الخروج من الشيء والدخول في الشيء الثاني من غير أن تشعر أنك خرجت من شيء ودخلت في شيء آخر، فهناك فرق بين هذا وذاك. فلا يمل قارئ القرآن أبداً، وكلما قرأه ازداد إقبالاً على القرآن، وهذا القرآن عجيب فأول ما تقرأ الآيات في البداية تشعر أنك ما زلت لم تدخل ثم تجد نفسك داخله في شيء حتى تستشعر بشيء عجيب جداً فيشدك القرآن فلا تريد أن تتركه. انظر وأنت تصلي التراويح وراء الإمام وتتأمل في معاني القرآن، دعك ممن يصلي ودماغه ليس في القراءة، فليس هذا الذي نتكلم عنه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [محمد:٢٤]، فعند تدبرك للقرآن فإنك لا تمل منه، فإذا ركع الإمام تريد أن تسمع أكثر، فلا تمل أبداً من القرآن. فالقرآن العظيم أحسن الحديث، وأعظم الكلام، ولا أدل على ذلك من العرب الذين استمعوا إليه، ولم يرفضوا القرآن لأنه لا يعجبهم، إنما رفضهم للقرآن كان لحسدهم للنبي ﷺ أن هذا الكلام العظيم الجميل ينزل عليه وحده دون غيره، ولذلك يقول زعيمهم الوليد بن المغيرة عن هذا القرآن: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، فلما قال ذلك قال له الكفار: ستجعله يتمسك بالذي هو فيه، فقد سحرك يا ابن المغيرة وفعل بك كذا، فما زالوا وراءه إلى أن فكر بماذا سيرد على النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٥]. وذلك لأن الكفار أحرجوه أشد الإحراج، إذ قال أحدهم: إني تركت قومك وهم يجمعون لك مالاً، قال: ولم يجمعون لي ذلك وقد علموا أني أغناهم؟ قال: لأنك تريد أن تتابع محمداً ﷺ حتى يعطيك المال! فهذا الذي جعله يأنف ويستكبر فرجع عن كلامه وما زال يفكر حتى قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٤ - ٢٥]. أي: هذا كلام سحر وكلام قول البشر، ولكن لا يضرنا ما قاله هذا الكافر فقد ذهب للقاء ربه سبحانه ولجزائه الذي يستحقه، ولكن ما قاله في البداية كان هو الحق. وكان أبو جهل والوليد بن المغيرة وغيرهما من الكفار يذهبان ليستمعوا النبي ﷺ وهو يقرأ هذا القرآن، لذلك فالمؤمن يكفيه هذا الحديث العظيم كتاب رب العالمين.

стр. 2584

معنى قوله تعالى: (كتاباً متشابهاً مثاني) وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:٢٣] يعني: لا يوجد في القرآن تفاضل بين الآيات والسور، وأن هذه السورة أجمل من الأخرى، فالقرآن يشبه بعضه بعضاً في بلاغته وفصاحته ودقته وإحكامه وصدقه، فهو كله كلام عظيم يشبه بعضه بعضاً. وقوله تعالى: ﴿مَثَانِيَ﴾ [الزمر:٢٣] أي: من التثنية وهي التكرار، فقد كرر الله سبحانه ﵎ فيه المواعظ، فيذكر موعظة في سورة ثم يذكرها في سورة أخرى، ويذكر قصة موسى في سورة ثم يذكرها في سورة أخرى ولا تمل من سماع ذلك ومن قراءته، وكله فيه تكرار فلا يمل من سماعه، بل يستفاد من كل موضع فيه مما أراد الله سبحانه ﵎ أن يبينه فهو كتاب متشابه وهو كتاب مثاني. وذكر الله القرآن ووصفه بأنه محكم، قال تعالى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود:١]، فالقرآن كله محكم أي: متقن، وكله متشابه أي: يشبه بعضه بعضاً في الروعة وفي الجمال وفي الإتقان، وذكر بأنه محكم ومتشابه، قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران:٧]، إذاً القرآن كله محكم أي: متقن ومتشابه أي: يشبه بعضه بعضاً في الإحكام وفي الفصاحة وفي البلاغة، ولا يختلف اثنان في فهم الآيات ومنه ما أراد الله سبحانه أن يجعل فيه شيئاً يشتبه على من لا يفهم هذا القرآن حتى يعلم الإنسان أن فوق كل ذي علم عليم، قال تعالى: ﴿قل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]، فهل يستوي العالم مع الجاهل؟ فالجاهل يرجع لأهل العلم فيقول: ماذا أراد الله بالآية الفلانية؟ وما معنى ذلك؟ إذاً: الآيات المتشابهات معناها قد يشكل على الإنسان أن يفهم هذا الشيء فيقول الذين لا يفهمون لأهل العلم: ماذا أراد الله بهذا مثلاً؟ فأهل العلم يبينون لهم معنى ذلك فيرتفع الإشكال عن الذي لا يفهمون، فهي حكمة من الله سبحانه ﵎ أن يظهر فضل أهل العلم، وأنه لا يستوي الجميع. والقرآن كتاب عظيم، وكل من يقرأ القرآن يفهمه، ولكن فهم هذا غير فهم هذا غير فهم هذا، فيفهم الفقيه أحكاماً معينة لدقة فهمه، ويستوعب مسائل لا يفهمها غيره، والعالم الأصولي يفهم أصوليات وكليات لا يفهمها غيره من الناس، والإنسان الذي يقرأ في التاريخ ينظر في تاريخ وقصص الأنبياء ويعرف منها ويجمع فيها ما لم يعرفه غيره، ففوق كل ذي علم عليم، فالله فوق الجميع سبحانه ﵎، فيريهم بهذه المنازل أن هذا القرآن نزل من عند العليم الخبير سبحانه ﵎.

стр. 2585

معنى قوله تعالى: (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم) قوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر:٢٣] المؤمن حين يقرأ هذا القرآن وحين يستمع للمواعظ ويتأمل فيها ويتدبر وتصفو نفسه يقشعر جسده وجلده وتبكي عيناه، وقد قال النبي ﷺ : (عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله)، ووعد من الله سبحانه ألا تمس النار هاتين العينين (عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله). فهنا ذكر: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر:٢٣]، فالمؤمن وهو يقرأ القرآن إذا تذكر النار يقشعر جلده ويخاف من الله سبحانه، واقشعرار الجلد ليس معناه أنه يظهر أمام الناس وهو يرتعش من ذلك، ولكن المعنى أن تأخذه قشعريرة، فيجد في جلده شيئاً من الاضطراب. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ﴾ [الزمر:٢٣] حين يذكر الجنة وحين يذكر رحمة رب العالمين وفضل الله سبحانه ﵎ وأن الحسنة بعشر أمثالها ويضاعف الله لمن يشاء وأن السيئة سيئة واحدة فإنه يلين ويخبت ويعرف رحمة الله فيركن إلى رحمته سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فالمؤمن حين يذكر الله سبحانه يطمئن بالله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:٨٨]، وفي هذا القرآن الهدى من الله، والذي يحدث في هذا الإنسان من قشعريرة ومن اضطراب وخوف ثم لين إلى ما جاء من ذكر الله سبحانه، هذا من فضل الله على هذا الإنسان أن يجعله يخاف من الله ويبكي من خوف الله سبحانه ﵎، ويفرح بنعمة الله، وهذا من هدايته لهذا الإنسان، فالله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فقال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]، فالذي يضله الله سبحانه لن يجد له من يهديه. وهذه الآية يقف عليها ابن كثير بالياء، فإذا وصل أثبت الياء ((وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادي))، أما غيره فلا يقفون عليها إلا بالسكون، فـ ابن كثير يقرؤها بالياء في الوقف فقط والله أعلم. نكتفي بهذا القدر، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2586

تفسير سورة الزمر [٢٣ - ٣١] كل إنسان سيحاسب وحده يوم القيامة، فيسأل عن أعماله وما اقترفته يداه، وقد أخبرنا الله في كتابه الكريم عن هذه الحقيقة، وبينها في كتابه أعظم بيان، وأخبر سبحانه أن عاقبة الأعمال السيئة الخزي في الدنيا والآخرة، فعلى المسلم أن يحذر المعاصي، ويعلم أنه ملاق ربه، ومؤاخذ على جميع أعماله.

стр. 2587

تفسير قوله تعالى: (أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الزمر: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ * فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٢٤ - ٣١]. لما أخبر الله سبحانه ﵎ أنه نزل أحسن الحديث وهو هذا القرآن العظيم كتاباً متشابهاً يشبه بعضه بعضاً في الحسن والجمال والبلاغة والفصاحة والصدق، أخبر أن المؤمنين يستمعون إلى هذا القرآن فتقشعر جلودهم من خوفهم من ربهم سبحانه ﵎، ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، ذلك الذي يحدث لهم. وذلك القرآن العظيم الذي جاء من عند ربهم هدى من الله، يهدي به سبحانه عباده إلى تقواه سبحانه ﵎، كما قال سبحانه: ((ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ))، فالهدى بيد الله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء. ((وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) أي: الذي يضلله الله سبحانه فلن يجد من يهديه إلى صراط الله سبحانه ﵎. ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ هذا قسم منه ، والقرآن كلام الله رب العالمين سبحانه، وقد نزل بلغة العرب، وكان العرب يحذفون بعض المعاني من كلامهم إذا فهمت من الكلام، فكأن الله يقول هنا: أهذا الذي يتقي بوجهه سوء العذاب كمن ينجو من عذاب الله سبحانه؟ وهل يستوي هذا مع هذا؟ وترك لنا أن نفهم باقي هذه الجملة. وهذا من فصاحة القرآن العظيم، أن يعبر بالشيء على أشياء. فقال: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ﴾، وتخيل هذا الإنسان الذي يتقي في الدنيا العذاب، ويتقي في الدنيا السوء بيده، فلو أن هذا الإنسان وجد أمامه ناراً لدفعها بيده، فإنه يدفع بيده الشيء ليصرفه عن نفسه، ويتقيه بوجهه، وأشرف ما في الإنسان وجهه، ولذلك نهينا شرعاً عن ضرب الوجه، سواء كان المضروب مسلماً أو كافراً؛ لأن الله كرم وجه ابن آدم. ولكن هذا الإنسان الذي كفر بالله سبحانه ﵎، وأعرض عن ذكر الله، وأهان أولياء الله يستحق أن يهان يوم القيامة، فإنه يدفع بوجهه -وهو أشرف ما فيه- عن نفسه العذاب، فيداه مغلولتان إلى عنقه، فلا يقدر أن يدفع عن نفسه العذاب بكفه، وقد سميت الكف كفاً؛ لأن الإنسان يكف عن نفسه الشر بها، ويدفع بها عن نفسه. ويوم القيامة لا يقدر الإنسان أن يدفع عن نفسه بيديه؛ لأنهما قد كتفتا ووثقتا، فلا يقدر أن يدفع إلا بوجهه. فيلقى هذا الإنسان في النار، وقد غلت يداه إلى عنقه، فلا يقدر أن يدفع النار إلا بأشرف ما فيه وهو وجهه، فهل هذا الذي يتقي سوء العذاب ويتقي النار بوجهه يستوي مع المؤمن الصالح الذي يدخل الجنة؟ ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ كهذا الإنسان المؤمن الذي دخل الجنة؟ الجواب لا، لا يستوي أبداً الكافر مع المؤمن، ولا يستوي العاصي مع المطيع، ولا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار. قال تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾، وأيضاً يقال للكافر: ((ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ))، فقد كنت في الدنيا تظن نفسك عزيزاً، وتتعزز على أهل الإيمان، وتظن بنفسك أنك كريم على قومك، وأنهم ينصرونك، ولا يسلمونك إلى العذاب، فأين ذهب ذلك وأنت الآن في النار؟! يقال هذا لـ أبي جهل ومن كان معه، فإن أبا جهل زعم في الدنيا أنه أكرم على قومه من أن يتركوه، وأنهم يدافعون عنه، وقال: إذا دخل النار فإن قومه يدافعون عنه. ويأتي أبو الأشدين ويقول: أنا أصرف عنكم النار، وسأقف على باب النار وأضع يدي الاثنتين عليها، فلا أحد يستطيع أن يدخل النار، وسأمنعكم منها! فيقال لهم يوم القيامة: ((ذوقوا ما كنتم تكسبون)) أي: ما كسبتم في الدنيا من شر ومن كفر ومن أعمال سيئة، فذوقوا ما كنتم تكسبون، وما كذبتم في الدنيا وقلتم: لا ينفعكم الآن.

стр. 2588

تفسير قوله تعالى: (كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) قال تعالى: ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمْ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٢٥]، أي: ليس هذا التكذيب شيئاً جديداً عند هؤلاء القوم، فقد كذب الذين من قبلهم، وقد أذاقهم الله سوء صنيعهم وسوء تكذيبهم بعذاب في الدنيا قبل الآخرة. قال تعالى: ((فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)) وكم أُخذ آمن من مأمنه! فهم ظنوا أنهم آمنون، وظنوا أنهم في مأمن من مكر الله سبحانه، فجاءهم العذاب في مأمنهم الذي كانوا فيه، كما قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠] وقال هنا: ((كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)). ((فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ)) أي: الذل والهوان والفضيحة في الدنيا، فقد أخزاهم الله سبحانه ﵎، وأذلهم وعاقبهم بهذا الخزي في الدنيا. قال تعالى: ((فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ)) أي: هذا الذي ذاقوه في الدنيا شيء يسير من عذاب الله سبحانه، وأما عذاب يوم القيامة فهو أشد وأقوى، ولا يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم عذاب الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. ((وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ))، كأن فيها معنى تحسر العباد على أنفسهم. أي: لو كان يعلمون علماً ينفعهم ما وقعوا في الكفر بالله سبحانه ﵎، ولكن كان علمهم علماً لا يتجاوز آذانهم ولا يدخل إلى قلوبهم، ولو كانوا يعلمون حقيقة هذا الأمر لما كفروا بالله، ولما عصوا ربهم سبحانه ﵎، ولاتقوا هذا العذاب الذي عند الله سبحانه، ولكن سوء صنيعهم أورثهم النار يوم القيامة، وأورثهم الذل والهوان والخزي في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

стр. 2589

تفسير قوله تعالى: (ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٢٧]، فالله الكريم سبحانه ﵎ نزل هذا الكتاب قرآناً عربياً غير ذي عوج ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)) أي: واضح يبين عن نفسه، ويفصح عن معانيه، ويوضح مبانيه. و (مبين) اسم فاعل، فتقول: هذا مبين، أي: مفصح، يبين ما فيه. فالقرآن واضح، والكلام الذي فيه أيضاً واضح، فإذا قال: (احذروا النار)، فلا أحد يشكل عليه هذا المعنى. وإذا قال: (اعملوا للجنة)، فلا أحد يشكل عليه هذا المعنى. فالقرآن بين وواضح وجليّ، وكل إنسان يفهم من كتاب الله سبحانه ما يريده الله سبحانه منه أن يفهمه من الأحكام. فقد ضرب الله في هذا القرآن أمثالاً بأشياء صغيرة وبأشياء كبيرة، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:٢٦]، فالبعوضة الصغيرة يضرب بها المثل، ويتأمل الإنسان ويتعجب مما ذكر الله في القرآن من أمثال! فإذا كان الإيمان في قلبه انتفع بهذه الأمثلة، وعمل بمقتضى ما يذكر الله سبحانه. وإن كان لا يفهم، ولا إيمان في قلبه فيقول: ماذا أراد الله بهذا المثل؟ فلماذا يذكر الله البعوضة؟ ولماذا يذكر الذبابة؟ ولماذا يذكر العنكبوت؟ قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم:٢٥] أي: لعلهم يتفكرون في هذه الأمثال، ويعرفون قدرة الله سبحانه ﵎، ويعرفون ما يريده الله وما يراد بهم. قال تعالى: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ)) أي: كل مثل من الأمثال التي تنفعهم ذكرناها لهم في كتابنا، لعلهم يتذكرون لِمَ خلقهم الله سبحانه؟ فيتفكرون في ذلك فيعملون، ويتذكرون فلا ينسون ما يراد منهم وما يراد بهم، ويذكرون الله سبحانه ﵎ فيعتبرون ويتبصرون.

стр. 2590

تفسير قوله تعالى: (قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون) قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٨] قد شرف الله العرب بأن أنزل القرآن بلغتهم، قرآناً عربياً، كما قال تعالى: ((بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ)). وقال هنا: ((غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)) أي: لا يوجد فيه إشكال ولا اختلاف، فلا يشكل على من يقرؤه، وإنما يفهم ما يريده الله سبحانه ﵎ فيه، فلا تضاد فيه، ولا خلاف، وإنما قرآن عربي بلسان عربي مبين كما قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر:٢٨]. والقرآن فيه قراءتان في كل القرآن، قراءة ابن كثير (القران، قران، قراناً)، وقراءة باقي القراء بالهمزة (القرآن، قرآن، قرآناً). فيقول الله سبحانه بأن هذا القرآن ((قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ)) أي: لا اختلاف فيه ولا تضاد، وليس فيه حكم يناقض حكماً آخر، وإنما الله سبحانه يشرع لعباده ما ينتفعون به في هذا القرآن، فإذا قرأ العبد المؤمن هذا القرآن انتفع بما فيه، وإذا أشكل عليه شيء رده إلى الله وإلى رسول الله ﷺ فيفهم منه ما يريد، ورده أيضاً إلى أهل العلم فيفهمونه ما يشكل عليه. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر:٢٨] أي: غضب الله سبحانه، فيعملون بطاعته، فينجون من النار.

стр. 2591

تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون) قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩]. وقد قال قبل ذلك: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ))، فكأن هذا توطئة لما يذكره هنا، وتقدمة لما يذكره هنا، فهذا مثل من الأمثال. فقوله: ((رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)). الرجل هنا عبد يملكه مجموعة من الناس، فالعبد الذي يملكه رجل واحد هل يستوي مع عبد يملكه مجموعة من الناس؟ فتفكروا في ذلك، فإن الله يقول: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ))، والمشاكسة: صعوبة الخلق، واختلاف التضاد، والإنسان الذي يريد الخلاف يسمى مشاكساً، وإنسان شكس أي: يحب الخلاف. فلو أن مجموعة أخلاقهم صعبة ومختلفة، وبعضهم ينقض بعضاً، ويكيد لبعض ملكوا عبداً واحداً فإن هذا يقول له: اعمل كذا، والثاني يقول له: لا لا تعمل هذا الشيء، وإنما اعمل كذا، ويقول الثالث: لا اذهب إلى المكان الفلاني الآن. فيبقى هذا العبد متحيراً متخبطاً، أيسمع كلام هذا أو يسمع كلام هذا؟ فكلهم يملكونه! فهو محتار ينفذ كلام مَنْ مِن هؤلاء المتشاكسين؟! ((وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)) أي: يملكه رجل واحد، والقراءة الأخرى: ((سالماً لرجل))، يعني: عند واحد يسلم به هذا الواحد ويسلم نفسه إليه، وخالص لهذا الواحد. والمعنى على القراءتين: ((رجلاً سالماً لرجل))، ((ورجلاً سلماً لرجل)) أنه خالص لواحد يملكه، فهذا الواحد إذا رآه متعباً أراحه، ثم استعمله بعد ذلك. وأما الشركاء المتشاكسون فلا يهمهم تعبه، وإنما يهمهم أن ينفذ الذي يريدونه؛ لأن لكل أحد حصة فيه، فهل يستوي هذا مع هذا؟ لا، فالذي يملكه رجل واحد مستريح؛ لأنه لا تضاد في الكلام، ولا توجد صعوبة في الأخلاق، فهو واحد يملكه واحد، وأما من يملكه مجموعة فإنه يكون متحيراً مضطرباً لا يعرف كيف يتصرف مع هؤلاء. ولله المثل الأعلى، فهل هذا الإنسان الذي يعبد الله وحده لا شريك له يستوي مع من يجري به هواه فيعبد الشياطين والأصنام، ويعبد آلهة من دون الله؟ لا، وإنما هذا مضطرب متحير، لا يعرف ما الذي يريده، فيذهب إلى سدنة الأصنام، فهذا يقول له: اعمل كذا، وهذا يقول له: اعمل كذا، وهذه الأصنام هم الذين خلقوها بأيديهم وصنعوها. فهل يستوي من يعبد الله مع من يعبد هذه الأصنام، ويعبد خلق الله سبحانه ﵎؟ لا يستوون. فالذي يعبد الله قد استراح، وعرف ربه سبحانه، وعرف ما الذي يريده الله منه، فمشى في طريق الله سبحانه. وأما الذي يعبد أصناماً وأنداداً من دون الله سبحانه فهو متحير متخبط، فهو يعبد هذا الصنم الآن، ثم يعبد غيره، عندما يجده لا ينفعه؛ لأن الشياطين والسدنة تتلاعب بهذا الإنسان، فهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، فهو مضطرب متحير، فلا يدري أهذا الإله أفضل أم هذا أفضل؟ فإذا كان في الحضر عبد صنماً، وإذا كان مسافراً صنع صنماً آخر يعبده في سفره، فإذا رجع إلى الحضر رمى الصنم الذي كان يعبده في السفر وعبد الآخر! فهو متحير مضطرب لا يدري أين الحق، فهل يستوي هذا مع هذا الذي عبد الله وحده لا شريك له؟ يقول الله : ((هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ)) أي: احمدوا ربكم على توفيقه لكم، وعلى أن أرشدكم وهداكم أن تعبدوه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ((أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))، فيطمئن قلب المؤمن لأنه عبد الله وحده لا شريك له، فالله الذي خلق كل شيء هو الذي يستحق العبادة وحده، والمؤمن يستشعر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فيستشعر الله الكبير، الله العظيم، الله الجليل، الله الرحيم، فيعبد ربه؛ لأنه يستحق العبادة وحده. وأما الكافر فقلبه متحير مضطرب، لا يعرف أين الحق والصواب؟ وهو يعرف أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك يعبدها! فإذا سئل: لماذا تعبدها وهي لا تنفع ولا تضر؟! لم يكن له حجة إلا أن يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ومستحيل أن يكون آباؤنا يعملون شيئاً خطئاً! فهو يمشي على ما كانوا يمشون عليه، وهو مضطرب متحير لا يعرف أين الحق والصواب! قد أضله الله سبحانه ﵎. فيا أيها المؤمن! احمد الله، واثن على ربك الثناء الحسن الذي يستحقه سبحانه، على أن هداك ودلك على طريقه سبحانه وعلى طريق جنته. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ [الزمر:٢٩] أي: أكثر الخلق ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩]؛ ولأنهم لا يعلمون فهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشياطين ولا يعرفون طريق الحق، حتى وإن بصروا به لم يدخل في قلوبهم نور الإيمان.

стр. 2592

تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) ثم يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. فربنا هدى المؤمنين وسيموتون بعد ذلك ويدخلون الجنة، فهم لن يعمروا في هذه الدنيا، كما قال تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ))، فالإنسان المؤمن يعيش في هذه الدنيا، وهو يعرف أنه سيموت يوماً من الأيام، كما قال تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ))، وميت معناه: الشيء الذي هو حي الآن فإنه متوقع له ذلك. بخلاف: (ميْت) بالتخفيف، فإن معناه: أنه قد مات، وبخلاف مائت الذي هو وصف للإنسان الذي يموت، فهو مائت. وميت صفة مشبهة باسم الفاعل، بمعنى: أنه الآن حي وسيأتي عليه الموت بعد ذلك. ولذلك يقول هنا للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) أي: حي الآن لكن توقع الموت، ولابد أن يأتي عليك هذا الموت. ((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) وهم أيضاً سيموتون: ((وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)). وسورة الزمر سورة مكية، وقد قال الله فيها للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ))، وهو في مكة. ولما مات النبي ﷺ كأن المسلمين نسوا هذه الآية وما عرفوها، فلم يستحضروها، حتى عمر ﵁ بدأ يخلط في الكلام من شدة وقع هذا الأمر على نفسه، وكان يقول: ما مات! وإنما هي أربعون يوماً، وسيرجع لكم مرة أخرى، فجاء بشيء ما قاله النبي ﷺ ، ولا قاله أحد قبل ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما قال هذا مع شدة الاندهاش والتحير من وقع المصيبة عليهم، فبدءوا يتكلمون بكلام لا يفهم، حتى ثبتهم الله الكريم سبحانه بـ أبي بكر ﵁، فتلا عليهم هذه الآية، والآية الأخرى، فقال للناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤]. فذكر لهم هذه الآية، وهي في سورة آل عمران، وهي سورة مدنية، وهذه السورة سورة مكية. فقد ذكر الله لنبيه ﷺ في القرآن المكي: أنك ميت، وفي القرآن المدني كذلك، ومع ذلك نسي المسلمون المدني والمكي من شدة الدهشة التي نزلت عليهم بموته ﷺ ، وعظيم المصيبة التي أصابتهم، فنسوا حتى ذكرهم أبو بكر، فكأنها لم تنزل إلا في هذا الحين. قال الله تعالى للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) وهم أيضاً جميعاً مسلمون وكفار سيموتون، ((وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)).

стр. 2593

تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون) قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] أي: ثم إن المرجع إلى الله سبحانه ﵎، والخصومة بين يدي الله سبحانه ﵎، فيجثون للخصومة، فهذا يقول: هذا ظلمني، وهذا أكل مالي، وهذا سفك دمي، وهذا فعل كذا وكذا، فيختصم المؤمنون مع الكفار، ويختصم الظالم مع المظلوم، ويختصم البر مع الفاجر يوم القيامة. وجاء عند الترمذي: أن الزبير رضي الله ﵎ عنه سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، فقال: (يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا يوم القيامة؟) يعني: في الدنيا تعاركنا مع بعض، وتشاجرنا مع بعض، وشتم بعضنا بعضاً، وانتهى هذا الشيء، وتصالحنا بعد هذا، فهل سيكرر مرة ثانية يوم القيامة، ويسألنا ربنا يوم القيامة عن هذا الشيء؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه. فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد، إن الأمر لشديد) يعني: نحن ظننا أنه في الدنيا تخاصمنا وانتهى الأمر، وقد يصطلح الناس في الدنيا على شيء من الظلم؛ لأن المظلوم لم يستطبع أن يأخذ حقه، فرضي بهذا الشيء؛ لأنه لم يعرف أن يعمل شيئاً غيره، والله الحكم العدل سبحانه ﵎، أعلم بما في نفوس الخلق، فيعلم أن هذا قد رضي أو لم يرض، فيكرر الأمر يوم القيامة، فيختصمان بين يدي الله العزيز الحكيم الحكم العدل سبحانه ﵎، فيفصل بين عباده. قال تعالى: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ))، كان الصحابة يتعجبون من هذه الآية، ويقولون: في ماذا؟ ونحن إخوة متحابون يحب بعضنا بعضاً، فظنوا أنها مقيدة بأنهم يختصمون مع الكفار، ولكن الآية قالت: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ)) يعني: كلكم، فالكل يختصم يوم القيامة عند الله. فيختصم المسلمون مع الكفار، ويختصم المسلمون بعضهم مع بعض. قال بعض الصحابة: تعجبنا حين أنزل الله ذلك، فقلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد؟ حتى رأيتُ بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف! رأوا ذلك لما اختصموا في يومي صفين والجمل، ولما حدث بينهم شيء من الخلاف، وقاتل بعضهم بعضاً. فقالوا: عرفنا أن هذا الشيء فينا، ويوم القيامة الله يفصل بيننا فيما كان بيننا من خصومات. قال أبو سعيد ﵁: فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم، هو هذا، قلنا: نعم، هو هذا، فإن الآية عامة: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)). وجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار) يعني: الإنسان المفلس هو: الذي ليس له شيء، لا درهم ولا دينار. قال ﷺ : (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار). فهذا مفلس يوم القيامة، والإفلاس في الدنيا سهل؛ لأن الإنسان لن يعيش في الدنيا إلا عمره، فسواء عاش مفلساً، أو عاش فقيراً فهو في النهاية إلى الموت. أما يوم القيامة فإنه يوم الجزاء، يأتي فيه الإنسان المفلس ومعه صلاة وصوم وزكاة، وقد عمل أعمالاً كثيرة، فلما وقف للحساب قيل له: أنت صليت وصمت وعملت كذا، ولكنك ضربت فلاناً، فأنت ظالم، أعطه جزاء ما ضربته، فيدفع من حسناته؛ لأنه لا توجد أموال يوم القيامة، ولكن يعطيه من حسناته. ويأتي الآخر ويقول: جرحني، فيؤمر بإعطائه ثمن هذه الجراح، فيدفع له من حسناته. والثالث يقول: قذفني، والرابع يقول: سبني وشتمني، والخامس يقول: عمل فيّ كذا، وعمل كذا، فيعطى لهؤلاء من حسنات هذا الإنسان، حتى يصير مفلساً لا شيء عنده، وقد بقي أناس آخرون يشتكون منه أنه عمل فيهم كذا وكذا، فيقال له: أنت ظالم لهم، فيؤخذ من سيئاتهم فتوضع عليه، فيحملها عنهم، ثم يدفع في النار والعياذ بالله! فقد صار مفلساً، وأي حسرة على نفس الإنسان أشد من هذه الحسرة، حين يرى الحسنات تؤخذ منه، والسيئات توضع عليه بسبب ما قدم!! ولذلك المؤمن كيس فطن، لا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يدفع بالحسنة السيئة؛ لأنه يخاف من الناس أن يأخذوا من حسناته، فلا يتكلم في أعراض الناس، ولا يشتم الناس، ولا يسخر من الناس؛ لأنه لا يريد أن يكون مفلساً، فالمؤمن عاقل وحكيم، فلا يفرط في حسناته في الدنيا، حتى لا تضيع منه يوم القيامة. فهنا المؤمن حين يتذكر الآخرة يمسك لسانه، ويكف يده، ويحفظ فرجه، ويخاف على عينه، ويخاف على بدنه، فلا يكون مفلساً يوم القيامة. قال الله سبحانه: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)). نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2594

تفسير سورة الزمر [٣٠ - ٣٨] ذكَّر الله تعالى عباده بحقيقة لابد أن يصل إليها كل مخلوق وهي الموت، وبعد الموت الوقوف بين يدي الله سبحانه، وذكر الله تعالى أنه لا أظلم ولا أكذب من الذي يفتري على الله تعالى ويكذب بالقرآن والسنة، أما الذي يصدقهما فهو مع المتقين في جنات النعيم، وذكر الله تعالى أن الله تعالى كافٍ عبيده وناصرهم على أعدائهم؛ ولذا فإن عباد الله تعالى لا يخافون إلا منه جل شأنه.

стр. 2595

تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحابته والتابعين وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] المعنى: إنك ستموت، ففي الآية الإخبار بما سيكون، ولا أحد يفر من الموت، وأيضاً منها التحذير من تضييع العمل الصالح في هذه الدنيا، فإذا كنت ستموت فاعمل ليوم تبعث فيه ويجازيك الله سبحانه على ما قدمت فيه، فهو خبر للنبي ﷺ ولغيره من الخلق حتى يعملوا لهذا اليوم الذي يرجعون فيه إلى ربهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، ويوم يجزيهم الله سبحانه ﵎ ويختصم أهل الخصومات بعضهم مع بعض، فالمؤمنون مع الكفار، والمطيعون مع العصاة، والظالم والمظلوم، وكل إنسان له خصومة مع الآخر، فالله سبحانه الحكم العدل الذي يحكم بين عباده بالحق.
следующие страницы →