Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً رجلاً فيه شركاء متشاكسون)
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩].
وقد قال قبل ذلك: ((وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ))، فكأن هذا توطئة لما يذكره هنا، وتقدمة لما يذكره هنا، فهذا مثل من الأمثال.
فقوله: ((رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ)).
الرجل هنا عبد يملكه مجموعة من الناس، فالعبد الذي يملكه رجل واحد هل يستوي مع عبد يملكه مجموعة من الناس؟ فتفكروا في ذلك، فإن الله يقول: ((ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ))، والمشاكسة: صعوبة الخلق، واختلاف التضاد، والإنسان الذي يريد الخلاف يسمى مشاكساً، وإنسان شكس أي: يحب الخلاف.
فلو أن مجموعة أخلاقهم صعبة ومختلفة، وبعضهم ينقض بعضاً، ويكيد لبعض ملكوا عبداً واحداً فإن هذا يقول له: اعمل كذا، والثاني يقول له: لا لا تعمل هذا الشيء، وإنما اعمل كذا، ويقول الثالث: لا اذهب إلى المكان الفلاني الآن.
فيبقى هذا العبد متحيراً متخبطاً، أيسمع كلام هذا أو يسمع كلام هذا؟ فكلهم يملكونه! فهو محتار ينفذ كلام مَنْ مِن هؤلاء المتشاكسين؟! ((وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ)) أي: يملكه رجل واحد، والقراءة الأخرى: ((سالماً لرجل))، يعني: عند واحد يسلم به هذا الواحد ويسلم نفسه إليه، وخالص لهذا الواحد.
والمعنى على القراءتين: ((رجلاً سالماً لرجل))، ((ورجلاً سلماً لرجل)) أنه خالص لواحد يملكه، فهذا الواحد إذا رآه متعباً أراحه، ثم استعمله بعد ذلك.
وأما الشركاء المتشاكسون فلا يهمهم تعبه، وإنما يهمهم أن ينفذ الذي يريدونه؛ لأن لكل أحد حصة فيه، فهل يستوي هذا مع هذا؟ لا، فالذي يملكه رجل واحد مستريح؛ لأنه لا تضاد في الكلام، ولا توجد صعوبة في الأخلاق، فهو واحد يملكه واحد، وأما من يملكه مجموعة فإنه يكون متحيراً مضطرباً لا يعرف كيف يتصرف مع هؤلاء.
ولله المثل الأعلى، فهل هذا الإنسان الذي يعبد الله وحده لا شريك له يستوي مع من يجري به هواه فيعبد الشياطين والأصنام، ويعبد آلهة من دون الله؟ لا، وإنما هذا مضطرب متحير، لا يعرف ما الذي يريده، فيذهب إلى سدنة الأصنام، فهذا يقول له: اعمل كذا، وهذا يقول له: اعمل كذا، وهذه الأصنام هم الذين خلقوها بأيديهم وصنعوها.
فهل يستوي من يعبد الله مع من يعبد هذه الأصنام، ويعبد خلق الله سبحانه ﵎؟ لا يستوون.
فالذي يعبد الله قد استراح، وعرف ربه سبحانه، وعرف ما الذي يريده الله منه، فمشى في طريق الله سبحانه.
وأما الذي يعبد أصناماً وأنداداً من دون الله سبحانه فهو متحير متخبط، فهو يعبد هذا الصنم الآن، ثم يعبد غيره، عندما يجده لا ينفعه؛ لأن الشياطين والسدنة تتلاعب بهذا الإنسان، فهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، وهذا يأمره بشيء، فهو مضطرب متحير، فلا يدري أهذا الإله أفضل أم هذا أفضل؟ فإذا كان في الحضر عبد صنماً، وإذا كان مسافراً صنع صنماً آخر يعبده في سفره، فإذا رجع إلى الحضر رمى الصنم الذي كان يعبده في السفر وعبد الآخر! فهو متحير مضطرب لا يدري أين الحق، فهل يستوي هذا مع هذا الذي عبد الله وحده لا شريك له؟ يقول الله : ((هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ)) أي: احمدوا ربكم على توفيقه لكم، وعلى أن أرشدكم وهداكم أن تعبدوه وحده لا شريك له كما قال تعالى: ((أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))، فيطمئن قلب المؤمن لأنه عبد الله وحده لا شريك له، فالله الذي خلق كل شيء هو الذي يستحق العبادة وحده، والمؤمن يستشعر أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فيستشعر الله الكبير، الله العظيم، الله الجليل، الله الرحيم، فيعبد ربه؛ لأنه يستحق العبادة وحده.
وأما الكافر فقلبه متحير مضطرب، لا يعرف أين الحق والصواب؟ وهو يعرف أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك يعبدها! فإذا سئل: لماذا تعبدها وهي لا تنفع ولا تضر؟! لم يكن له حجة إلا أن يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ومستحيل أن يكون آباؤنا يعملون شيئاً خطئاً! فهو يمشي على ما كانوا يمشون عليه، وهو مضطرب متحير لا يعرف أين الحق والصواب! قد أضله الله سبحانه ﵎.
فيا أيها المؤمن! احمد الله، واثن على ربك الثناء الحسن الذي يستحقه سبحانه، على أن هداك ودلك على طريقه سبحانه وعلى طريق جنته.
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ [الزمر:٢٩] أي: أكثر الخلق ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٩]؛ ولأنهم لا يعلمون فهم يتبعون الهوى، ويتبعون الشياطين ولا يعرفون طريق الحق، حتى وإن بصروا به لم يدخل في قلوبهم نور الإيمان.
стр. 2592
تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)
ثم يقول الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠].
فربنا هدى المؤمنين وسيموتون بعد ذلك ويدخلون الجنة، فهم لن يعمروا في هذه الدنيا، كما قال تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ))، فالإنسان المؤمن يعيش في هذه الدنيا، وهو يعرف أنه سيموت يوماً من الأيام، كما قال تعالى: ((إِنَّكَ مَيِّتٌ))، وميت معناه: الشيء الذي هو حي الآن فإنه متوقع له ذلك.
بخلاف: (ميْت) بالتخفيف، فإن معناه: أنه قد مات، وبخلاف مائت الذي هو وصف للإنسان الذي يموت، فهو مائت.
وميت صفة مشبهة باسم الفاعل، بمعنى: أنه الآن حي وسيأتي عليه الموت بعد ذلك.
ولذلك يقول هنا للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) أي: حي الآن لكن توقع الموت، ولابد أن يأتي عليك هذا الموت.
((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) وهم أيضاً سيموتون: ((وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)).
وسورة الزمر سورة مكية، وقد قال الله فيها للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ))، وهو في مكة.
ولما مات النبي ﷺ كأن المسلمين نسوا هذه الآية وما عرفوها، فلم يستحضروها، حتى عمر ﵁ بدأ يخلط في الكلام من شدة وقع هذا الأمر على نفسه، وكان يقول: ما مات! وإنما هي أربعون يوماً، وسيرجع لكم مرة أخرى، فجاء بشيء ما قاله النبي ﷺ ، ولا قاله أحد قبل ذلك عن النبي ﷺ ، وإنما قال هذا مع شدة الاندهاش والتحير من وقع المصيبة عليهم، فبدءوا يتكلمون بكلام لا يفهم، حتى ثبتهم الله الكريم سبحانه بـ أبي بكر ﵁، فتلا عليهم هذه الآية، والآية الأخرى، فقال للناس: من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٤٤].
فذكر لهم هذه الآية، وهي في سورة آل عمران، وهي سورة مدنية، وهذه السورة سورة مكية.
فقد ذكر الله لنبيه ﷺ في القرآن المكي: أنك ميت، وفي القرآن المدني كذلك، ومع ذلك نسي المسلمون المدني والمكي من شدة الدهشة التي نزلت عليهم بموته ﷺ ، وعظيم المصيبة التي أصابتهم، فنسوا حتى ذكرهم أبو بكر، فكأنها لم تنزل إلا في هذا الحين.
قال الله تعالى للنبي ﷺ : ((إِنَّكَ مَيِّتٌ)) وهم أيضاً جميعاً مسلمون وكفار سيموتون، ((وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)).
стр. 2593
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] أي: ثم إن المرجع إلى الله سبحانه ﵎، والخصومة بين يدي الله سبحانه ﵎، فيجثون للخصومة، فهذا يقول: هذا ظلمني، وهذا أكل مالي، وهذا سفك دمي، وهذا فعل كذا وكذا، فيختصم المؤمنون مع الكفار، ويختصم الظالم مع المظلوم، ويختصم البر مع الفاجر يوم القيامة.
وجاء عند الترمذي: أن الزبير رضي الله ﵎ عنه سأل النبي ﷺ عن هذه الآية، فقال: (يا رسول الله! أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا يوم القيامة؟) يعني: في الدنيا تعاركنا مع بعض، وتشاجرنا مع بعض، وشتم بعضنا بعضاً، وانتهى هذا الشيء، وتصالحنا بعد هذا، فهل سيكرر مرة ثانية يوم القيامة، ويسألنا ربنا يوم القيامة عن هذا الشيء؟ فقال النبي ﷺ : (نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه.
فقال الزبير: والله إن الأمر لشديد، إن الأمر لشديد) يعني: نحن ظننا أنه في الدنيا تخاصمنا وانتهى الأمر، وقد يصطلح الناس في الدنيا على شيء من الظلم؛ لأن المظلوم لم يستطبع أن يأخذ حقه، فرضي بهذا الشيء؛ لأنه لم يعرف أن يعمل شيئاً غيره، والله الحكم العدل سبحانه ﵎، أعلم بما في نفوس الخلق، فيعلم أن هذا قد رضي أو لم يرض، فيكرر الأمر يوم القيامة، فيختصمان بين يدي الله العزيز الحكيم الحكم العدل سبحانه ﵎، فيفصل بين عباده.
قال تعالى: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ))، كان الصحابة يتعجبون من هذه الآية، ويقولون: في ماذا؟ ونحن إخوة متحابون يحب بعضنا بعضاً، فظنوا أنها مقيدة بأنهم يختصمون مع الكفار، ولكن الآية قالت: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ)) يعني: كلكم، فالكل يختصم يوم القيامة عند الله.
فيختصم المسلمون مع الكفار، ويختصم المسلمون بعضهم مع بعض.
قال بعض الصحابة: تعجبنا حين أنزل الله ذلك، فقلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وديننا واحد؟ حتى رأيتُ بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف! رأوا ذلك لما اختصموا في يومي صفين والجمل، ولما حدث بينهم شيء من الخلاف، وقاتل بعضهم بعضاً.
فقالوا: عرفنا أن هذا الشيء فينا، ويوم القيامة الله يفصل بيننا فيما كان بيننا من خصومات.
قال أبو سعيد ﵁: فلما كان يوم صفين وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف قلنا: نعم، هو هذا، قلنا: نعم، هو هذا، فإن الآية عامة: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)).
وجاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة قال النبي ﷺ : (أتدرون من المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار) يعني: الإنسان المفلس هو: الذي ليس له شيء، لا درهم ولا دينار.
قال ﷺ : (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
فهذا مفلس يوم القيامة، والإفلاس في الدنيا سهل؛ لأن الإنسان لن يعيش في الدنيا إلا عمره، فسواء عاش مفلساً، أو عاش فقيراً فهو في النهاية إلى الموت.
أما يوم القيامة فإنه يوم الجزاء، يأتي فيه الإنسان المفلس ومعه صلاة وصوم وزكاة، وقد عمل أعمالاً كثيرة، فلما وقف للحساب قيل له: أنت صليت وصمت وعملت كذا، ولكنك ضربت فلاناً، فأنت ظالم، أعطه جزاء ما ضربته، فيدفع من حسناته؛ لأنه لا توجد أموال يوم القيامة، ولكن يعطيه من حسناته.
ويأتي الآخر ويقول: جرحني، فيؤمر بإعطائه ثمن هذه الجراح، فيدفع له من حسناته.
والثالث يقول: قذفني، والرابع يقول: سبني وشتمني، والخامس يقول: عمل فيّ كذا، وعمل كذا، فيعطى لهؤلاء من حسنات هذا الإنسان، حتى يصير مفلساً لا شيء عنده، وقد بقي أناس آخرون يشتكون منه أنه عمل فيهم كذا وكذا، فيقال له: أنت ظالم لهم، فيؤخذ من سيئاتهم فتوضع عليه، فيحملها عنهم، ثم يدفع في النار والعياذ بالله! فقد صار مفلساً، وأي حسرة على نفس الإنسان أشد من هذه الحسرة، حين يرى الحسنات تؤخذ منه، والسيئات توضع عليه بسبب ما قدم!! ولذلك المؤمن كيس فطن، لا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يدفع بالحسنة السيئة؛ لأنه يخاف من الناس أن يأخذوا من حسناته، فلا يتكلم في أعراض الناس، ولا يشتم الناس، ولا يسخر من الناس؛ لأنه لا يريد أن يكون مفلساً، فالمؤمن عاقل وحكيم، فلا يفرط في حسناته في الدنيا، حتى لا تضيع منه يوم القيامة.
فهنا المؤمن حين يتذكر الآخرة يمسك لسانه، ويكف يده، ويحفظ فرجه، ويخاف على عينه، ويخاف على بدنه، فلا يكون مفلساً يوم القيامة.
قال الله سبحانه: ((ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ)).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2594
تفسير سورة الزمر [٣٠ - ٣٨]
ذكَّر الله تعالى عباده بحقيقة لابد أن يصل إليها كل مخلوق وهي الموت، وبعد الموت الوقوف بين يدي الله سبحانه، وذكر الله تعالى أنه لا أظلم ولا أكذب من الذي يفتري على الله تعالى ويكذب بالقرآن والسنة، أما الذي يصدقهما فهو مع المتقين في جنات النعيم، وذكر الله تعالى أن الله تعالى كافٍ عبيده وناصرهم على أعدائهم؛ ولذا فإن عباد الله تعالى لا يخافون إلا منه جل شأنه.
стр. 2595
تفسير قوله تعالى: (إنك ميت وإنهم ميتون)
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، وعلى آله وصحابته والتابعين وسلم تسليماً كثيراً.
ثم أما بعد: يقول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠] المعنى: إنك ستموت، ففي الآية الإخبار بما سيكون، ولا أحد يفر من الموت، وأيضاً منها التحذير من تضييع العمل الصالح في هذه الدنيا، فإذا كنت ستموت فاعمل ليوم تبعث فيه ويجازيك الله سبحانه على ما قدمت فيه، فهو خبر للنبي ﷺ ولغيره من الخلق حتى يعملوا لهذا اليوم الذي يرجعون فيه إلى ربهم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، ويوم يجزيهم الله سبحانه ﵎ ويختصم أهل الخصومات بعضهم مع بعض، فالمؤمنون مع الكفار، والمطيعون مع العصاة، والظالم والمظلوم، وكل إنسان له خصومة مع الآخر، فالله سبحانه الحكم العدل الذي يحكم بين عباده بالحق.
стр. 2596
تفسير قوله تعالى: (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر:٣١] فيجادل بعضكم بعضاً، ويتكلم بعضكم مدافعاً عن نفسه، والإنسان يدلي بالحجة في الدنيا وقد تكون صدقاً أو كذباً، يقول النبي ﷺ : (ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعضه).
وقد يخدع الإنسان القاضي بما يقوله من زور ومن شهود زور، أما يوم القيامة فلا أحد يكذب على الله، وإن كذب فضحه الله سبحانه ﵎.
فالمنافق قد يكذب يوم القيامة ويظن أنه يهرب من الله سبحانه وأنه يخدعه في الآخرة، ولكن الله يفضحه ويختم على فيه فينطق جسد الإنسان بما كان يعمل في الدنيا، ويظهر في يوم القيامة من هذا الإنسان الكلام الذي كان يخفيه في الدنيا فيبديه الله على جوارحه.
стр. 2597
تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه)
يقول لنا ربنا سبحانه: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٣٢].
و
الجواب
لا أحد أظلم من الذي كذب فافترى على الله فزعم أن لله الولد والصاحبة، وزعم أن الله لم يرسل رسوله ولم ينزل كتابه.
ويكذب بالصدق، أي: بالقرآن وبالحديث اللذين جاءا من عند الله.
ويقول تعالى: ((أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ)) أي: أليس هو في هذه النار الموقدة البعيدة القعر؟! وكلمة جهنم: مأخوذة من قولهم: البئر الجهنام والمعنى: البعيد القعر السحيق جداً، فنار جهنم مستعرة وقعرها بعيد وسحيق.
ومثوى: مكان إقامة يثوي فيه أصحاب النار، أي: يخلدون فيها.
والمعنى: أليس فيها مكان يقيم فيه الكافرون الذين جحدوا ربهم سبحانه، وجحدوا ما جاء من عند الله وافتروا عليه الكذب؟
و
الجواب
بلى، فيها مثوى ومحل إقامة لمن كفر بالله سبحانه.
أما الذي جاء بالصدق من عند الله سبحانه وصدق به فله جزاؤه وأجره عند الله.
стр. 2598
تفسير قوله تعالى: (والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)
يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر:٣٣] أي: جبريل جاء بالحق وهو القرآن، فقد نزل به من السماء على النبي ﷺ ، وأخذه من جبريل وبلغه للخلق، وأخذه المؤمنون من النبي ﷺ ، وتوارثوا ميراث النبوة وهو الدعوة إلى الله فبلغوا الآخرين، فكل من بلغ كتاب الله سبحانه فقد جاء بالصدق وبالحق من عند الله سبحانه ﵎.
ومن عمل بمقتضى هذا الذي بلغه من عند الله سبحانه فإنه من المتقين.
والمتقون هم الذين اتقوا غضب الله سبحانه، والذين ينجيهم الله من عقوبته يوم القيامة.
стр. 2599
تفسير قوله تعالى: (لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين)
يقول الله سبحانه: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٣٤] الأتقياء الذين صدقوا بكتاب ربهم سبحانه وعملوا به وبلغوا الآخرين، لهم ما يشاءون في جنات الخلود، وهذا الأجر الحسن والعظيم جزاء لهؤلاء المحسنين، الذين آمنوا واتقوا ربهم وأحسنوا، قال سبحانه: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
فالله سبحانه يعطيهم جناته ويكفر عنهم سيئاتهم.
стр. 2600
تفسير قوله تعالى: (ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا)
يقول تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [الزمر:٣٥] ليكفر: اللام للعاقبة، أي: تكون عاقبة هؤلاء أن يكفر الله سبحانه ﵎ عنهم أسوأ ما عملوا، وأسوأ ما وقعوا فيه هو الشرك بالله سبحانه، فكانوا مشركين قبل أن يأتيهم النبي ﷺ ، وكانوا مكذبين جاحدين، فلما جاءهم القرآن العظيم آمنوا وصدقوا، فالإسلام يَجبُّ ما قبله، فالله يكفر عنهم أسوأ ما وقعوا فيه من الشرك بعدما أسلموا.
ومعنى: ((لِيُكَفِّرَ)) أي: ليمحو ((عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)) فأسوأ ما يكون من أشياء وقعوا فيها من الشرك بالله فقد كفرها الله سبحانه، وباقي الذنوب يكفرها الله عنهم من باب أولى، بل من فضله ورحمته يبدل هذه الذنوب إلى حسنات، فالله رءوف بعباده ولطيف بهم سبحانه، يكفر عنهم أسوأ الذنوب وهو الشرك بالله سبحانه، ثم يبدل سيئاتهم حسنات من فضله ورحمته سبحانه ويدخلهم الجنة.
قال : ((وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ)) فالإنسان يعمل الحسنة ويتمنى لو أنه زاد عليها، فانظر إلى فضل الله سبحانه، فمثلاً: إنسان يريد أن يتصدق بعشرة جنيه فلم يجد إلا جنيهاً واحد فتصدق به، فإذا بالله يعطيه على نيته أجر العشرة الجنيه، فهذا أحسن الذي كانوا يعملون.
ولذلك فالمؤمن يتمنى من ربه ما يشاء، ويحب الصالحين، ويحب أن يكون معهم، فالله يعطيه أحسن ما يتمناه هذا العبد، لذلك فالنبي ﷺ يطمع المؤمنين في ربهم فقال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة، فإنه أعلى الجنة وأوسطها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة)، فإذا سألت ربك فلا تطلب أدنى الأشياء، ولكن اطلب أعلى ما يكون، واستعذ بالله من عذابه ومن ناره واسأل الله الجنة، فإذا سألت ربك الجنة فإنه يمن عليك بها.
ولذلك جاء في حديث للنبي ﷺ أنه قال: (من سأل الله الجنة ثلاث مرات قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) فإذا سألت ربك: اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، فإن الجنة تقول لله سبحانه ﵎: رب أدخله الجنة (ثلاثاً).
وإذا تعوذت بالله من النار ثلاث مرات: اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، اللهم إني أعوذ بك من النار، فإذا بالنار تطلب من الله سبحانه أن ينجيك منها، فتقول: اللهم نجه مني، اللهم أعذه مني، اللهم أجره مني.
وفي حديث آخر: (من سأل الله الجنة في يوم سبعة مرات) فمن سأل الله سبع مرات أن يدخله الجنة، فإن الجنة تدعو الله سبحانه أن يدخله فيها، فإذا كنت أنت تدعو والجنة تدعو لك والملائكة يستغفرون لك فهذا فضل الله عظيم وكبير، ولا يهلك على الله إلا هالك بأن يدخل النار ويستحقها، وذلك إذا كانت الحسنة بعشرة أمثالها والسيئة بسيئة واحدة فالذي يدخل النار فإنه قد خالف الله سبحانه وما قاله النبي ﷺ ، فأفرط على نفسه وأسرف وضيع عمره هباء فيستحق ما وقع فيه، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2601
تفسير قوله تعالى: (أليس الله بكاف عبده)
قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍُ﴾ [الزمر:٣٦] أليس الله يكفي عبده وينصره ويمنعه من أعدائه ويدفع عنه الشرور؟ أليس الله بقادر على ذلك؟ و (عبده) يدخل فيه كل عبد لله سبحانه، فالنبي ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم والمؤمنون الذين يتبعونهم بإحسان كلهم عبيد لله.
فيقول الله سبحانه: أليس الله كافي هؤلاء وحسبهم سبحانه ﵎ فيكفيهم شرور الخلق؟
و
الجواب
بلى.
وهذه فيها قراءتان: قراءة حمزة والكسائي وخلف وأبي جعفر (أليس الله بكاف عباده) على الجميع.
وقراءة الإفراد لباقي القراء ((أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)) والمعنى واحد، فعبد جنس، والجنس يدخل فيه الواحد والاثنين والجماعة، فالقراءة الأولى ترجع للقراءة الثانية في المعنى، وهو أن الله يكفي جميع عباده سبحانه، فكل من اتقي الله يقيه الله سبحانه ﵎ الشرور ويدافع عنه، قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨].
قال تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الزمر:٣٦] الكفار يخوفون النبي ﷺ والمؤمنين بالشركاء الذين عبدوهم من دون الله، ويحذرون النبي ﷺ من أنه إذا شتم الأصنام فإنها ستعذبه وستخذله وستفعل به كذا، فهؤلاء الذين من دون الله لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً.
وقد جاء في الأثر أن الكفار قالوا للنبي ﷺ : أتسب آلهتنا؟! لئن لم تكف عن ذكرها لتخذلنك، أيْ: ستتسلط عليك وستخليك، أو لتصيبنك بسوء، وجاء أن النبي ﷺ أرسل خالداً ليكسر العزى وهو تمثال للكفار، قال الله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم:١٩ - ٢٠].
فهذه آلهة عبدوها من دون الله سبحانه، فاللات: اسم محرف للفظ الجلالة الله، وسموا اللات آلهة وأنثوها وعبدوها من دون الله.
والعزى: كانت شجرة يعبدونها من دون الله سبحانه ﵎، وأرسل النبي ﷺ خالداً ليقطعها، فلما ذهب إليها وأمسك بالفأس ليقطعها قال له السادن: أحذرك منها يا خالد من أن تعمل فيك فإن لها شدة ولا يقوم لها شيء، وأراد أن يخوف خالداً من الشجرة التي يعبدونها من دون الله ويحذره منها وهذا ما يقوله الكفار في كل زمان، حين يعبد الناس غير الله سبحانه يظنون في أنفسهم أن هذا الذي يعبدونه ينفع ويضر، فيحذرون من ينكر عليهم كمن ينكر عليهم عبادة القبور، فيزعمون أن السيد فلاناً سيعمل كذا وكذا، ويزعمون أشياء فيكذبون على الله سبحانه ﵎، ويخوفون أنفسهم بأشياء باطلة.
فهؤلاء أقوام قد ماتوا لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً فكيف يملكون لغيره؟ ولكن القلب إذا خرب إذا بصاحبه يهرف بما لا يعرف، فيتكلم بالأشياء الكاذبة فيقول: هذا سيدي فلان سيعمل فيك كذا، وإذا قلت لأحد هؤلاء المشركين: احلف إنك ما عملت كذا، يقول: والله ما عملت كذا وهو كاذب، وحين يقال له: احلف بسيدي فلان، فيقول: لا أحلف، فهو لا يخاف من الله سبحانه ﵎، فيحلف كذباً بالله، فإذا حلف بسيدي فلان يخاف منه، وهو لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيره، كذلك كان هؤلاء المشركون يعبدون أصناماً صنعوها ومع ذلك يخافون منها ويخوفون النبي ﷺ بها.
قال الله سبحانه ﵎: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦] أين ذهبت عقول هؤلاء حين عبدوا هذه الحجارة التي كسروها وصنعوا منها هذه التماثيل؟! فأضلهم الله فهم لا يهتدون، فأهل الشرك ذهبت عقولهم فلا يدركون ولا يفهمون فيعبدون مالا ينفعهم ولا يضرهم! فالله هو الذي يهدي وهو الذي يضل سبحانه ﵎، فتجد الإنسان عقله كبيراً وقوياً في أمور الدنيا فهو عالم في الذرة أو عالم في كذا وكذا، وفي أمور الآخرة متحير لا يعرف من يعبد هل يعبد الطبيعة أو كذا؟ وترى الناس في اليابان عقولهم عقول جبارة، وربنا جعل فيهم آيات عجيبة جداً، ومع ذلك تلاقي أحد الأطباء يذهب إلى المعبد من أجل أن يعبد من دون الله مالا ينفعه ولا يضره، فيأخذ جرساً ويذهب به إلى المعبد من أجل أن يوقظ الإله، فهذا الإله الذي هو محتاج إلى من يوقظه محتاج إلى غيره! قال الله تعالى: ((مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)) أي: من أضله الله من الكفار طمس النور الذي في العقول فإذا بهم لا يفكرون ولا يفهمون، ومن يهديه ويدله على الصواب إذا أضله الله سبحانه.
стр. 2602
تفسير قوله تعالى: (ومن يهدي الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام)
قال الله : ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] إذا هدى الله عبداً من عباده لا يقدر أحد أن يضله وإن اجتمع عليه الثقلان.
وقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر:٣٧] فالله عزيز سبحانه ﵎، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فإذا قال له: كن فلابد أن يكون ما أراده الله، فهو العزيز الغالب القاهر الذي لا يغالب ولا يمانع أبداً، ويأمر بالشيء ولازم أن يكون هذا الشيء على ما أراده الله سبحانه ﵎.
((أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ))
و
الجواب
بلى، الله عزيز وينتقم ممن يعصيه وممن يغضبه.
стр. 2603
تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله)
قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] بين تعالى أن هؤلاء الذين يعبدون الأصنام من دون الله مقرون في أنفسهم بأن الخالق الله، ومع ذلك عبدوا غيره، فهذه الأصنام لا تخلق ولا ترزق فالذي يخلق ويرزق هو الله.
والشيطان سول للكافرين وزين لهم أن يعبدوها لتقربهم إلى الله تعالى، فجاءهم من باب التواضع أن لا يعبدوا الله تعالى مباشرة وإنما بواسطة الأصنام إذ قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣].
قال الله سبحانه: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨].
الكفار يقرون بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله سبحانه ﵎، ولا أحد من الكفار يعترض على ذلك، فإن اعترض كان كذاباً وأظهر الله سبحانه كذبه على لسانه، فهذا النمرود لما قال: أنا أحيي وأميت فضحه الله حالاً أمام أتباعه، إذ قال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة:٢٥٨] أي: فإن كنت تزعم إنَّ مقامك مقام الربوبية وأنت الذي يخلق ويرزق فأت بالشمس من المغرب! فبهت الذي كفر وافتضح أمام أتباعه وأشياعه.
فمقام الربوبية لم يدعها إلا اثنان: النمرود وفرعون، ففرعون زعم أنه ربهم الأعلى، فأغرقه الله ثم قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، فأهلكه الله وأغرقه سبحانه.
والذي يزعم أنه إله فليبدل النجوم من مكانها، وليأت بالشمس في الليل إلى غير ذلك من الآيات الكونية التي لا يتحكم بها إلا الله.
والإنسان لا يستطيع أن يدعي لنفسه الربوبية فيقول أنه الخالق، ولكن يدعي الألوهية فيقول: اعبدوني من دون الله، سواء صرح بذلك أو لم يصرح، فيجعل التقديس لنفسه ويتوجه إليه غيره بالطلبات فيطلب منه ويعبده ويبجله ويقدسه من دون الله سبحانه ﵎.
فهنا قال الله سبحانه: ((قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ)) أي: هذه الآلهة التي تتوجهون إليها بالعبادة ((إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ)) وقراءة الجمهور (أَرَادَنِيَ) وقراءة حمزة (أَرَادَنِيْ) بالسكون.
وقوله تعالى: ((هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ)) على الإضافة، والأصل: هل هن كاشفات يكشفن الضر الذي يريده الله بكم؟ وهذه فيها قراءتان: قراءة الجمهور على إضافة اسم الفاعل، وكذلك قوله تعالى: ((هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ)) والقراءة الثانية قراءة أبي عمرو ويعقوب ((هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتٌ ضُرِّهِ)) على أن اسم الفاعل منون قام مقام الفعل وما بعده مفعولاً به، وكذلك قوله تعالى: ((هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتٌ رَحْمَتِهِ))، والمعنى: الذي تعبدون من دون الله إذا أراد الله بعباده أن ينزل عليهم من بأسه ومن بطشه هل تقدر هذه الآلهة أن تمنع ذلك؟ ف
الجواب
لا تقدر، ولو أراد الله أن يفتح رحمة على من يشاء من عباده المؤمنين هل تقبل هذه الآلهة أم تمنع رحمة الله؟
الجواب
لا تقدر على ذلك، فإذا كانت الآلهة لا تملك ولا تقدر فالله وحده لا شريك له هو حسبي وكافيّ، وهو الكافي سبحانه، وهو الذي يدافع عني وهو الذي ينصرني.
قال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] فيفوض المؤمنون أمورهم إلى الله، ويعتمدون عليه وحده لا شريك له، فهو وكيلهم وهم يبرءون من الحول والقوة إلا بالله سبحانه وهذا معنى لا حول ولا قوة إلا بالله.
نسأل الله أن يجعلنا من المتوكلين عليه أحسن التوكل.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2604
تفسير سورة الزمر [٣٨ - ٤٢]
أمر الله نبيه أن يقول للمكذبين من قومه: استمروا على ما أنتم عليه من الضلال والتكذيب فإني مستمر على ما أنا عليه من التوحيد والهداية، وستعلمون إذا رجعنا إلى ربنا سبحانه من الذي يستحق العذاب المخزي والمقيم المستمر الذي لا ينقطع؟ نحن الذين عبدنا الله ووحدناه أم أنتم الذين عصيتموه وأشركتم به؟ والله سبحانه قد أنزل الكتاب المشتمل على الحق من عنده، فمن تمسك به اهتدى، ومن لم يتمسك به ضل وغوى، ونبيه ليس وكيلاً على العباد، وإنما هو رسول إليهم يبين لهم طريق الحق ليتبعوه، ويحذرهم من طريق الشر ليجتنبوه.
стр. 2605
تفسير قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعملون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ * إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ * اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٣٩ - ٤٢].
يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها عن قدرته العظيمة في الخلق وفي الإحياء وفي الإماتة، ويدل عباده على أنه وحده الذي بيده مقاليد كل شيء، بيده الخير، يرسل لمن يشاء ويمسك عمن يشاء ، فما أرسل فلا أحد يقدر أن يمنعه، وما أمسك فلا أحد يقدر أن يرسله، فبيده الخير وحده لا شريك له، والذين يدعون من دون الله سبحانه ﴿َلا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ [الفرقان:٣]، فقال الله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، لقد أقر المشركون أن الذي خلق السموات والأرض هو الله ، فقال لهم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨] أي أخبروني عن هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله، من الأصنام والأوثان والأحجار، هل تملك مع الله في ملكه شيئاً؟ ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر:٣٨] أي: إذا أراد الله أن يبتلي العبد ببلاء من عنده، أو بمصيبة من المصائب هل تقدر هذه الأصنام أن تكشف هذه المصيبة عن هذا العبد؟ ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨]،
و
الجواب
لا تقدر الأصنام على ذلك، إنها لا تملك لنفسها شيئاً ولا لغيرها شيئاً، فكيف تنفع وتضر مع الله ؟ قل لهؤلاء: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٣٨] أي: يكفيني طالما أنكم اعترفتم أن هذه الأصنام لا تلمك لنفسها ولا لغيرها شيئاً، فلا أعبد ما تعبدون من دون الله، يكفيني أن أعبد الله ، فهو يكفيني وهو الذي يدفع عني ويحميني، وهو الذي أعبده وأتوجه إليه وحده لا شريك له.
﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨] أي: إنني أتوكل على الله مع المتوكلين عليه، فهو الذي يرزقني، وهو الذي يعطيني، وهو الذي يمنحني من فضله سبحانه ومن رحمته.
يقول سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٣٨]، يقول لهؤلاء مخاطباً عقولهم: أفرأيتم هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، وهم يعرفون تماماً أنهم هم الذين صنعوها بأيديهم، ومع ذلك عبدوها من دون الله سبحانه، فيقول: أخبروني عن هؤلاء؟ ما الذي تملكه؟ وما الذي نفعتكم به حتى عبدتموها من دون الله سبحانه، وحتى أصررتم على ذلك؟ هم لا يجاوبون بالعقل، وإنما
الجواب
﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]! يضحك عليهم الشيطان، ويخدعهم بمثل ذلك، حتى إن أحدهم يقول: أبي أعلم مني، وأبي كان يفعل ذلك، فأنا أفعل كما فعل أبي! فالله سبحانه يعجب الخلق من هؤلاء، أين عقول هؤلاء حين عبدوا هذه الأصنام؟!
стр. 2606
تفسير قوله تعالى: (قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون)
قال الله سبحانه: ((قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) أي: استمروا على ما أنتم فيه، ﴿إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [الزمر:٣٩] قراءة الجمهور: و ((اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ))، وقراءة شعبه عن عاصم: (على مكاناتكم) والمعنى على طريقتكم التي أنتم عليها، وليس المعنى أنه يبيح لهم أن يعبدوا غير الله، ولكن كأنه يقول لهم: اعملوا وستجزون، ففيها تهديد لهؤلاء، فطالما أنكم ترفضون ما أنا عليه من التوحيد وما أنا عليه من الحق، مع علمكم بأن هذا الكتاب كتاب من عند رب العالمين، وأنه الكتاب الحق، وأنما أنتم فيه هو الباطل؛ فاستمروا على ما أنتم فيه حتى تلقوا ربكم فيجازيكم على ما تصنعون، والمكانة والمكان بمعنى الجهة التي تمكنت عندكم، ((اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ)) أي: على جهتكم، وعلى طريقتكم، وعلى ما أنتم فيه، وهذا فيه تهديد لهؤلاء.
((إِنِّي عَامِلٌ)) أي: على مكانتي، وعلى جهتي، وعلى ما مكنني فيه ربي سبحانه، فأنا عامل على التوحيد، وعلى عبادة الله سبحانه وحده لا شريك له، ((فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)) هذا تهديد ووعيد لهؤلاء، ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ [هود:٣٩] أي: من هو الذي سينزل عليه عذاب من عند رب العالمين فيخزيه، ويقهره ويذله، ويذيقه الهوان، ((وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ)) والذي يستحق هذا العذاب، هو الذي ألغى عقله، وعبد غير الله سبحانه، أقر بأن الله سبحانه هو الرب ومع ذلك وجه العبادة إلى غيره، فيحل عليه عذاب مقيم، لا يصرف عنه بل هو ملازم له ملازمة الغريم في نار جهنم والعياذ بالله.
стр. 2607
تفسير قوله تعالى: (إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق)
قال الله : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنْ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر:٤١]، الكتاب هو القرآن العظيم، وعبر بنون العظمة، ليدل على أنه كتاب عظيم يستحق من التعظيم ما يستحقه، ((إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ))، وفي سورة النساء، قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء:١٠٥]، فالله أنزل الكتاب من السماء، وهذا دليل من الأدلة على علو رب العالمين سبحانه، وأنه فوق سمواته مستو على عرشه سبحانه، وقد نزل الكتاب مع روح القدس جبريل الأمين، نزله ربه سبحانه على قلب النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لينذر به، وليهدي به من شاء الله سبحانه.
وقوله: (الكتاب) أي: الكتاب المعهود المعروف، وهو القرآن العظيم.
(للناس بالحق) أي: إنزاله من السماء حقاً ونزل مشتملاً على الحق، ففيه الحق من عند رب العالمين، وفيه أحكام الشريعة، ليحكم بين الناس بالعدل وبالحق، فنزل حقاً من عند رب العالمين، ونزل مشتملاً على كلام رب العالمين، وعلى الشريعة الحقة من الله سبحانه.
(فمن اهتدى فلنفسه) أي: من أخذ بهذا القرآن وتمسك به فلنفسه النفع، ولنفسه الرحمة من الله ، فالإنسان هو الذي ينتفع بتلاوة القرآن وبالعمل به، ولن ينفع ربه شيئاً ، بل إن النفع يرجع على من يؤمن برب العالمين، ويصدق بكتابه ويعمل به.
(ومن ضل) أي: من انحرف عن طريق رب العالمين، وترك العمل بما جاء من عند رب العالمين، من جعل كتاب الله وراءه ظهرياً.
(فإنما يضل على نفسه) أي: وبال الضلال على نفسه، وشؤم ضلاله على نفسه، فهو الذي تتنزل عليه العقوبة من عند رب العالمين بسبب ضلالة.
قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر:٤١]، فالنبي ﷺ أخبره ربه سبحانه أن يتوكل عليه فقال: ﴿حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، وأخبره أنه ليس وكيلاً على الخلق، فليس مفوضاً إليه أمر الخلائق ﵊، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣ - ٢٤].
إذاً: النبي ﷺ منذر، ومبشر، ورسول من عند رب العالمين، (ما على الرسول إلا البلاغ)، أما أن يكون وكيلاً على الخلق، ومراقباً وحفيظاً عليهم ومغيراً ما هم فيه إلى شيء آخر فهذا لا يملكه ﷺ ، ولذلك يقول له ربه سبحانه، ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وهذا موافق لهذا المعنى، ولما يقول: ﴿وََإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]، فهو موافق له، فهو يهدي بمعنى: يدل ﵊، ولا يهدي بمعنى لا يغير ما في القلوب ﵊.
فهو عليه الدلالة يدل الناس، هذا طريق الحق فاتبعوه، لكن هل يملك أن يقهرهم على التغير عما هم فيه إلى شيء آخر؟ لا، الذي يحول القلوب هو الله ، فليس النبي ﷺ موكلاً بتغييرهم من حال إلى حال، وهو كقوله سبحانه: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] أي: لا تملك السيطرة على القلوب، إنما يملك ذلك الله ، فالله يغير القلوب، والنبي صلوات الله وسلامه عليه يدل على الخير الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، قال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الزمر:٤١] يعني: لم نوصك عليهم، ولست مسيطراً عليهم، مغيراً لما في قلوبهم، فأنت لا تملك ذلك، وإنما يملكه الله سبحانه فهو نعم المولى، ونعم الوكيل، ونعم الحفيظ .
стр. 2608
تفسير قوله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها)
يقول الله لنبيه ﵊ وللناس: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، في هذه الآية دليل على قدرة الله سبحانه العظيم، فهو يذكر لنا في هذه الآيات شيئاً وراء شيء، يذكر أنه الذي خلق السماوات والأرض، والسور المكية فيها كثير من ذلك، ففيها بيان قدرة الله ، وأنه الخالق، وأنه الرب، فيخاطب العقول، هل الذي يخلق كمن لا يخلق؟ هل يستوي من يخلق ومن لا يخلق؟ هل يستوي العبد مع ربه، حاشا لله .
فالله الذي خلق السماوات والأرض، والله هو الذي خلق هذه الأنفس، والله هو الذي يتوفى هذه الأنفس، فهل تملك آلهتكم من ذلك شيئاً؟ يقول الله : ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى﴾ [الزمر:٤٢] أي: يقبضها وافية ، و ((الأَنْفُسَ)) أي: الأرواح، ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢]، فالله يقبض نفوس خلقه إذا ناموا، والنوم أخو الموت كما جاء في حديث النبي ﷺ الذي رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ سئل: (أينام أهل الجنة؟ فقال: لا، النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون)، فلا ينام أهل الجنة، والنوم يحتاجه الإنسان ليستريح، فإن الدنيا دار عناء وتعب ومشقة، فيحتاج الإنسان للنوم ليستريح من تعبه ومشقته، أما الجنة فهي دار السعادة، ودار الراحة، والإنسان مستريح فيها لا يحتاج إلى أن يجدد نشاطه بنوم، بل عمره كله في الجنة في استمتاع وراحة ونعيم مقيم.
فيقول: ((اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا)) أي: إذا جاء وقت الموت قبض الله نفوس خلقه، والتي لم تمت يتوفاها في منامها، فهذا نوع من الوفاة، والله أعلم به وبحال عباده فيه، والأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.
خلق الله الأرواح قبل أن يخلق هذه الأجساد ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: لئلا تقولوا ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وغفل العباد عن ذلك، ولكن أوجد الله في قلوبهم الفطر التي تدلهم على أن الله هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، فالله هو الذي خلق أرواح عباده، فيقبض هذه الأرواح في وقت وفاتها، ويقبضها أيضاً في وقت نومها، فتخرج الأرواح في وقت نوم الإنسان بطريقة الله أعلم بها، ولكنها ليست كالطريقة التي تخرج حين يموت العبد، وإن كان هذا نوع من الخروج، وتلتقي الأرواح كما يشاء الله سبحانه، ويتعارف بعضها مع بعض، فما تعارف منها ائتلف، فتجد الإنسان يرى غيره أول مرة، وما رآه قبل ذلك، ومع ذلك يستريح إليه ويحبه ويتحدث معه، فيقول: (ما تعارف منها ائتلف)، أي: ما تعارف منها حين قبضها الله ائتلف، (وما تناكر منها اختلف)، فهنا يخبرنا ربنا سبحانه أنه يقبض الأرواح في حالين، في حال الوفاة، وهو القبض الذي لا رجوع فيه للروح إلى الجسد مرة أخرى في هذه الدنيا، وإنما ترجع إليه حين تقوم الساعة، وقبض آخر لكن الروح ترجع فيه إلى الجسد.
قال: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر:٤٢] يقبضها الله سبحانه في وقت نومها قبضاً يعلمه الله سبحانه، وليس كقبض الروح الذي تخرج فلا ترجع إلى الإنسان.
قال الله سبحانه: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الزمر:٤٢]، التي قضى عليها الموت يمسكها، فلا ترجع إلى جسدها مرة أخرى، والتي لم يقض عليها الموت ترجع إلى جسدها، وهذه الآية أجملت ذلك وفصله ما جاء عن النبي ﷺ في حديث كيفية خروج الروح من البدن في الموت، وأن الله يرسل ملك الموت فيأتي ملك الموت إلى من قضى الله عليه الموت، فيقول: (اخرجي أيتها الروح)، إن كانت روحاً طيبة قال: (اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان)، وإذا كانت روحاً خبيثة قال: (اخرجي أيتها الروح الخبيثة، كنت في الجسد الخبيث إلى رب غضبان)، فتخرج هذه وتخرج هذه، كما يشاء الله .
فهو سبحانه أجمل في قوله: ﴿فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ [الزمر:٤٢] كيفية خروجها، وأنه جاء إليها ملك الموت فأخرجها، أما الأخرى فلم يخبر النبي أن ملك الموت هو الذي جاءها ولكن الله هو الذي فعل بها ذلك، ثم ترجع إلى الجسد مرة ثانية كما يشاء الله .
((قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف: ((فَيُمْسِكُ الَّتِي قُضَي عَلَيْهَا الْمَوْتُ)).
قال: ((وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)) أي: ويرسل النفس التي لم يقض عليها بالوفاة إلى أن تعمر العمر الذي كتبه الله، إلى الأجل المسمى.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزمر:٤٢]، فهذا نائم وهذا ميت، هذا كهذا ولكن الميت له حال والآخر له حال آخر.
وقد ورد عن النبي ﷺ في الحديث: (إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا)، ومناسبة هذا أنه (كان ﷺ مع أصحابه في سفر ثم قال لـ بلال: اكلأ لنا الفجر)، فقد نزلوا آخر الليل.
قبل أن يطلع الفجر، فأرادوا أن يناموا من شدة التعب، فقال النبي ﷺ لـ بلال ﵁ (اكلأ لنا الفجر) أي: احرس لنا الفجر، (فجلس بلال رضي الله تعالى عنه، ثم نام بلال ونام المسلمون ولم يستيقظوا إلا بعد طلوع الشمس)، لحكمة من الله سبحانه، فلما قام الصحابة فزعوا لذلك، فالنبي ﷺ طمأنهم بأن الذي فعل بهم ذلك هو الله ، فقال: (يا أيها الناس! إن الله قبض أرواحنا، ولو شاء ردها إلينا)، فالله أراد أن يناموا في هذا الوقت حتى يبين لنا حكم من وقع في مثل ذلك: (فالنبي ﷺ قام وتوضأ، وتوضأ معه أصحابه، وصلى سنة الصبح ثم صلى الفجر) فبين لنا بفعله ﷺ أن من نام عن صلاة الصبح، فعليه أن يفعل كالذي قام في وقتها، يصلي النافلة قبلها، ثم يصلي صلاة الصبح بعد ذلك.
وفي الحديث: (إن الله قبض أرواحنا)، وهذا نوع من أنواع الموت، وهو النوم، ثم رد الله الأرواح بعد ذلك.
وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليأخذ داخلة إزاره، فلينفض بها فراشه وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعد على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين).
من السنة أن تنفض الفراش قبل أن تنام عليه، وإذا نمت فمن السنة أن تضع يدك تحت خدك الأيمن، وتقول: (باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين)، وهذا دعاء عظيم من الأدعية التي علمنا إياها النبي ﷺ ، (إن أمسكت نفسي)، فالذي سينام بين أمرين إما أن يقوم من نومه وإما أن يموت، (إن أمسكت نفسي) أي: قبضت روحي في هذا النوم (فارحمها) أي: فاغفر لها، (وإن أرسلتها) أي: إن بعثت روحي مرة أخرى وتركتني أعيش، (فاحفظني بما تحفظ به عبادك الصالحين)، وهذا من الأدعية الجميلة المهمة، ومنه أن يحفظه كحفظه لعباده الصالحين، وهو سبحانه حفظ عباده الصالحين فوقاهم شرور الخلق، ويقيهم الابتلاءات إلا ما شاء ، ويحفظ عليهم دينهم فيذكرون الله ويقرءون القرآن ويعملون الصالحات، فيحفظهم على ما يحب لهم من خير من كل وجه من الوجوه، ويحفظ لهم تقواهم.
نسأل الله أن يحفظنا بما يحفظ به عباده الصالحين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2609
تفسير سورة الزمر [٤٣ - ٤٧]
ذم الله تعالى المشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله من الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان على ذلك، وهي لا تملك شيئاً من الأمر؛ بل ليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، فكيف يعبدونها من دون الله سبحانه، وهو الخالق والفاطر للسماوات والأرض وكل شيء؟!
стр. 2610
تفسير قوله تعالى: (أم اتخذوا من دون الله شفعاء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ * قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٣ - ٤٤].
يخبرنا ربنا في هذه الآيات عن حال المشركين الذين اتخذوا من دون الله أنداداً وشركاء، وزعموا أنهم شفعاء لهم عند ربهم سبحانه، وأنهم يقربونهم إلى الله سبحانه.
هذه السورة كما ذكرنا من السور المكية التي نزلت، والشرك يملأ الأرض، والمشركون يعبدون غير الله سبحانه، والمؤمنون قلة يدعون الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فالله يفضح هؤلاء المشركين الذين يقرون بأن الله هو الرب، وأن الله هو الخالق، وأنه خلق السماوات والأرض، ويملك كل شيء، ومع ذلك إذا توجهوا بالعبادة عبدوا غير الله .
يقول الله هنا: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ﴾ أي: بل اتخذوا من دون الله هذه الأصنام، وظنوا أنها تقربهم من الله، وأنها تشفع لهم عند الله ! والشفيع بين الناس هو الإنسان الذي يأتي إلى غيره في حاجة له، فيقول: يا فلان اشفع لي عند فلان، فكنت وحدك وتراً، فأخذت هذا شفعاً معك، فصرتما اثنين، فهو يعاونك في هذه الحاجة حتى يقضيها لك هذا الإنسان.
إذاً: أصل الشفاعة من الشفع، والشفع هو الزوج، كأنك وحدك لا تقدر عليها، فتحتاج إلى غيرك ليكون معك ويقويك حتى تقضي هذه الحاجة.
فهنا هؤلاء زعموا أن هذه الأصنام تكون معهم وتقربهم عند الله ، وتشفع لهم عند الله، فقال سبحانه: ((أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ))، أي: هل اتخذوا من دون الله هذه الأصنام تشفع لهم وتأتي معهم عند الله سبحانه، لترفع حاجتهم عند الله؟ ومن الذي أخبرهم بذلك؟ وهل عندهم أثارة من علم من عند الله سبحانه بذلك أم جاءهم رسول يأمرهم بأن يفعلوا ذلك؟ ليس عندهم هذا ولا ذاك، بل كذبوا على أنفسهم وكذبوا على ربهم سبحانه.
قال سبحانه: ((قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ)) أي: هؤلاء الشفعاء لا يملكون شيئاً، وهذه الأصنام لا تملك شيئاً، ولا تعقل ما يراد منها، ولا تفهم ما يقولونه لها، فهل تجيبهم إذا دعوها؟! هم يعرفون تماماً أن الأصنام لا تتكلم ولا تدفع عن نفسها شيئاً، فإذا كانت كذلك فكيف تعبدونها من دون الله سبحانه؟ قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٤٤] أي: الشفاعة لا يملكها إلا الله ، ولذلك يقول في كتابه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء:٢٨]، وقال تعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم:٨٧]، وقال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: من هذا الذي يشفع عند الله سبحانه؟ فهذا الذي يشفع عند الله لا يشفع إلا بإذن الله سبحانه؛ ليرينا قدرته وقوته، وأنه وحده الفعال لما يريد، ولا أحد يملك مع الله شيئاً، ولذلك في مقام الشفاعة العظمى لنبينا صلوات الله وسلامه عليه يأتي يوم القيامة حتى يشفع عند ربه سبحانه لفصل القضاء بين العباد، فيخر ساجداً، ويتركه الله ما يشاء ، فهو عندما يسجد لله يفتح الله عليه بمحامد يعلمه الله إياها، فيحمد ربه ويمجد ربه سبحانه، حتى يشفع عند ربه سبحانه فيأذن له ربه سبحانه، بعدما يتركه ما يشاء سبحانه؛ ليرينا أنه لا أحد يملك الشفاعة، فيسجد لربه ما شاء الله سبحانه، ثم بعد ذلك يقال له: (يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط) كل هذا حتى نعلم أنه لا يملك الشفاعة إلا الله، حتى رسولنا صلوات الله وسلامه عليه إلا أن يأذن الله له، وهذا معنى قوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فيأذن له ربه سبحانه ويقول له: (ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعط، فيقول: يا رب أمتي أمتي).
فالإذن بهذه الشفاعة يملكه الله وحده؛ لأن كل الشفاعة يملكها الله وحده، فإذا قام الأنبياء ليشفعوا فإنهم لا يشفعون إلا أن يأذن الله لهم، كذلك إذا قام المؤمنون ليشفع بعضهم لبعض برفع بعضهم درجات عند الله سبحانه، وأن يخرج بعضهم من النار بإذنه ، فلا يقدر أحد أن يشفع لأحد إلا أن يأذن الله فتشفع الرسل، وتشفع الملائكة، لكن بعدما يأذن الله .
стр. 2611
تفسير قوله تعالى: (قل لله الشفاعة جميعاً)
قال: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر:٤٤] أي: أنه سبحانه يملك السماوات وما فيها وما فوقها، ويملك الأرض وما فيها وما فوقها وما تحتها، فهو يملك كل شيء سبحانه، وله ملكوت كل شيء ثم إليه المرجع سبحانه، فيملك العباد ويملك ما يملكون، ويجازيهم يوم القيامة على ما قدموا وفعلوا.
فقوله: ((ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة يعقوب (ثم إليه تَرجِعون) على البناء للفاعل، أي: ترجعون أنتم إلى الله رب العالمين سبحانه ليجازيكم.
стр. 2612
تفسير قوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة)
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥] انظر إلى المشرك بالله كيف عاثت الشياطين في قلبه فساداً، فإذا به إذا ذكر الله وحده سبحانه الذي يقر هذا المشرك بأنه الذي خلق السماوات والأرض، فقيل له: قل: لا إله إلا الله، يشمئز وينفر ويرفض هذا، ويعرض عن الله ، والاشمئزاز هو الانقباض، فالمشرك ينقبض قلبه عند ذكر الله؛ لأن قلبه خرب لا يعرف التوحيد، ولذلك تجد المشركين يستهزئون من المؤمنين الموحدين الذين يدعونهم إلى عبادة الله وحده، فيقول قائلهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ * أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص:٧ - ٨] فهؤلاء الذين يتهكمون على النبي ﷺ ، ويتهكمون على مقام التوحيد، ويقولون: ((أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا)) تناسوا أنهم أقروا أن الخالق واحد ، فنقول لهذا وأمثاله: لم لا تعبد هذا الخالق الواحد الذي أقررت أنت بأنه الذي خلق السماوات والأرض؟ فالنعرة الجاهلية والتعصب القبلي الذي عندهم، وكل قبيلة عندها صنم خاص بها، كل هذا جعله يقول: هل كلنا نعبد إلهاً واحداً ويأتي هذا الواحد ويقول لنا: اعملوا كذا، ولا تعملوا كذا؟! لا، لا نريد هذا الشيء، فكل واحد منهم يريد أن يعبد ما يشاء؛ بسبب هذه النعرة الجاهلية التي عندهم، كانوا يتنافسون أيام الجاهلية، هؤلاء يسبقون هؤلاء، كلهم يريد أن يكون السابق، ويريد أن ينفرد كل بالمدائح دون غيره، فكل هذا جعل أحدهم يقول: منكم رسول يا بني هاشم ونحن من أين نأتي برسول مثله؟ فيرفضون التوحيد بسبب هذه النعرة! كأن الدين لعبة يتلاعبون به، هؤلاء لا يحكمون عقولهم، ولا يفهمون ما يقال لهم، والكافر لا يحاول أن يفكر في هذا الشيء، ولذلك لما دخلوا في دين الإسلام بعد ذلك كانوا يضحكون على أنفسهم، كانوا يجلسون مع النبي ﷺ بعد صلاة الفجر في المسجد حتى شروق الشمس، وهم يذكرون الله، فإذا شرقت الشمس انتظروا حتى ترتفع فيصلون الضحى، ثم يذكرون أشياء مما كانوا عليه في الجاهلية، ويضحكون على أنفسهم فيما كانوا يصنعون.
الإنسان هو الإنسان، هو هذا الذي كان مشركاً يوماً من الأيام، فالآن دخل في دين الله سبحانه، فإذا به يضحك على نفسه، كيف كان يعبد الصنم الذي صنعه هو بيده؟! كيف صنع صنماً من عجوة ثم لما جاع أكل هذا الصنم الذي يقربه إلى الله حسب زعمه؟! فكانوا يضحكون على أنفسهم فيما كانوا يفعلونه أيام جاهليتهم.
كان أهل الجاهلية إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وانقبضت ونفرت؛ لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، وكانوا يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] أي: سنموت بعد هذه الدنيا ولن نرجع بعد ذلك، فلذلك يرفضون أن يدخلوا مع النبي ﷺ ؛ لأنهم لا يصدقون بوجود الآخرة، وأنهم راجعون إلى الله، ليجازيهم في الدار الآخرة.
ثم قال: ((وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ)) أي: إذا ذكر بعضهم لبعض هذه الأصنام والأوثان فرحوا بها، وذهبوا إلى أوثانهم وأصنامهم، وطيبوها وغسلوها ومسحوها، وتقربوا إليها من دون الله سبحانه مستبشرين بذلك، ((إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ)) أي: يظهر في وجوههم البشر والفرح والسرور.
стр. 2613
تفسير قوله تعالى: (قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة)
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر:٤٦]، هذه الآية العظيمة الجميلة التي تكسب المؤمن حين يتلوها الثقة بالله ، والتوكل على الله سبحانه، والركون إلى ربه سبحانه، والخضوع له سبحانه، والتسليم والتفويض إليه سبحانه.
فقوله: ((قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)) يعني: قل: يا ألله، يا فاطر السماوات والأرض.
((اللهم)) هذا نداء، معناه: يا ألله، فهنا جمع بين صفة الإلهية، وأنه الإله المستحق للعبادة، وبين صفة الربوبية، وأنه الرب الذي يخلق ويرزق ويفعل ما يشاء ويحكم بما يريد سبحانه.
قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ﴾ [الزمر:٤٦] يعني: يا من فطر السماوات، أي: خلقها على غير مثال سابق ، لم تكن هناك سماء فخلق هذه مثلها، لا، بل فطرها وابتدعها ، كذلك الأرض فطرها الله على غير مثال سابق.
ثم قال: ((عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ)) يعني: يا عالم الغيب والشهادة، يا من تعلم كل شيء، وما خفي عن الخلق لا يخفى عليك، ما يشاهده الخلق وما غاب عنهم أنت تعلمه، فأنت عالم الغيب والشهادة.
ثم قال: ((أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ)) يعني: أفوض أمري إليك أنت تحكم بيننا وبين هؤلاء المشركين، وأنت تقضي بيننا وبين هؤلاء الظلمة، وأنت تحكم يوم القيامة بيننا فيما اختلفنا فيه.
هذه الآية العظيمة كان نبينا ﷺ يستفتح بها في قيام الليل، كما جاء في الحديث في صحيح مسلم من حديث السيدة عائشة ﵂ وقد سألها حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن النبي ﷺ : (بأي شيء كان يستفتح النبي ﷺ قيام الليل؟ فقالت السيدة عائشة ﵂: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته يقول: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)، فكان يستفتح قيام الليل بسؤاله ربه سبحانه بأسمائه الحسنى التي جاءت في هذه الآية، من أنه فاطر السماوات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة سبحانه، وقبلها يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل)، وهؤلاء هم أعظم ملائكة الله ، والله أعظم وأعلى وأجل وأكبر ، فكأنه يقول: يا ألله يا من خلقت هؤلاء الملائكة العظماء كجبريل وميكائيل وإسرافيل، ويا من فطرت وخلقت السماوات على غير مثال سابق، وخلقت الأرض اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك.
والمؤمن لا يمل من سؤال ربه الهداية، تسأل ربك الهداية في كل صلاة من الصلوات الخمس، فأنت تقرأ الفاتحة في كل ركعة وتقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] أي: الطريق القويم، طريق رب العالمين، فالله يهديك ويدلك ويثبتك، فلا تزال على ذلك حتى تصل إلى الجنة ويدخلك الجنة، فلذلك تحتاج إلى سؤال الله سبحانه الجنة وسؤاله أن يهديك طريقها، وقد شاء الله أن يهدي خلقاً وأن يضل خلقاً، فاختلف الخلق في ذلك، فمنهم من ضل ومنهم من اهتدى، والله شاء ذلك، فاطلب منه الهداية وقل: اهدني لما اختلف فيه من هذا الحق بفضلك وبإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
стр. 2614
تفسير قوله تعالى: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لا فتدوا به من سوء العذاب)
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] يخبرنا سبحانه عن يوم القيامة وما يكون فيه فيقول: ((وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا)) أي: الذين ظلموا أنفسهم بأن أشركوا بالله ، وأشركوا معه غيره، والذين عصوا ربهم ولم يتابعوا الرسول صلوات الله وسلامه عليه، لو أنهم يوم القيامة معهم ما في الأرض جميعاً ومثله معه أضعاف مضاعفة، معهم كنوز الأرض جميعها أو مع أحدهم ومثلها معها لافتدى بها من عذاب يوم القيامة، يفتدي من النار بكنوز الأرض، كيف وهو لا يملكها، لم يملكها في الدنيا وليس معه شيء منها في الآخرة، قال: ((لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)).
ثم قال: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ هذه الآية العظيمة فيها معان عظيمة ينبغي للإنسان أن يتأملها، وأن يراجع نفسه وعمله مع هذه الآية: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) [الزمر:٤٧] أي: بدا لهم من الله، كأن الإنسان ظلم نفسه في الدنيا وأحسن الظن بزعمه أنه إذا رجع إلى الله فإنه سيكرمه وسيدخله الجنة، هو أحسن الظن في نفسه وأساء العمل، فلما جاء يوم القيامة بدا له ما لم يكن يحتسب! قال الله عن الكفار: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] أي: هؤلاء الكفار عملوا في الدنيا أعمالاً يرونها صالحة، ومن أسلم منهم كانوا يسألون النبي ﷺ بعد إسلامهم، يقول الرجل: (إن أبي كان يصنع كذا وكذا وكذا، كان يطعم في الجاهلية، وكان يسقي الحجيج، وكان يعتق الرقاب، فهل ينفعه ذلك؟ فيقول له ﷺ : إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) يعني: أنه كان يعمل هذه الأشياء في الدنيا ليس لله سبحانه، فكونه يطعم الحجيج ويسقيهم، ويفك الرقاب، ويعين الإنسان المظلوم، لا ينتفع بذلك، ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) فالإنسان الذي يرائي بعمله في الدنيا، فيعمل حتى يقال عنه: عالم، وحتى يقال عنه: جريء، وحتى يقال عنه: شجاع، وحتى يقال عنه: قارئ، وحتى يقال عنه: منفق وجواد، فإذا جاء يوم القيامة: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)).
يقول مجاهد في تفسير هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات.
وقال غيره: عملوا أعمالاً وتوهموا أنهم يتوبون إلى الله قبل الموت.
والإنسان يخدع نفسه بالتسويف ويقول: في هذا اليوم سنعصي ربنا وغداً سنتوب فخدع نفسه فخدعه الله ، ولم يأت هذا اليوم الذي توهم أنه يتوب، وإنما عاجله الموت وبادره قبل أن يتوب، ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)).
يقول الإمام الثوري ﵀: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم، هذه آيتهم وقصتهم.
أي: المراءون الذين يراءون بأعمالهم، ويطلبون من الناس المدح على أعمال المفترض أنها تكون لله ، لكنهم طلبوا من الناس المدح فمدحهم الناس وضاع ثواب العمل، فوجدوا من الله ما لم يكونوا يحتسبون.
يقول عكرمة بن عمار: جزع محمد بن المنكدر عند موته جزعاً شديداً، ومحمد بن المنكدر كان من الزهاد العباد الصالحين، فلما جاءه الموت وجدوه في غاية الجزع والخوف فقالوا: كيف تجزع وأنت تموت، وقد كنت تصلي وتقوم الليل وتكثر من الذكر؟! ما هذا الجزع؟ قال: أخاف آية من كتاب الله! قالوا: أي آية؟ قال: هذه الآية: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ))، هذا العابد الزاهد خاف في آخر عمره من هذه الآية: ((وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ)) فكيف بغيره؟! فالإنسان المؤمن يحاسب نفسه، ويراجع نفسه في كل عمل من الأعمال، هل هو مخلص لله أو غير مخلص؟! هل هو متابع للنبي ﷺ فيما جاء به من عند الله أم مبتدع في دين الله سبحانه؟! فليحذر كل من هذه الآية، وليحذر أن يرائي في الدنيا وأن يعمل أعمالاً ليست على سنة النبي ﷺ ، فيأتي يوم القيامة ويرد عليه عمله، ويقال له: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2615
تفسير سورة الزمر [٤٧ - ٥٢]
حين يرى المشركون الجنة قد أزلفت، والنار قد برزت، يتمنى المفرطون أن ينجوا من المصيبة التي نزلت بهم، ولو ببذل دنياهم التي طالما تقاتلوا عليها، وكفروا وعصوا من أجلها؛ لأنه ظهر لهم من الأمر ما لم يكن في الحسبان، ففي تلك المواطن تسكب العبرات حقاً، وتتقطع الأفئدة حزناً وندماً، فأين من يستعد لهذا اليوم؟! فعلى العبد أن يلتزم العبادة في السراء والضراء، وعند النعمة والبلاء، ويعلم أن الملك ملك الله يبسط الرزق لمن يشاء ويضيق على من يشاء، وله الحكمة البالغة في ذلك سبحانه.
стр. 2616
تفسير قوله تعالى: (ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ * وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ * أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر:٤٧ - ٥٢].
يخبر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات من سورة الزمر عن حال المشركين يوم القيامة، وحال الظلمة والمجرمين، أنه لو كان لأحدهم يوم القيامة ملء الأرض من الذهب، ومثله معه أي: ملؤها مرة أخرى لافتدى بها يوم القيامة من سوء العذاب ومن سوء الحساب، ما تقبل منهم! قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الزمر:٤٧] أي: الذين كذبوا وأشركوا بالله سبحانه ﴿مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٤٧]، وإذا كان المرء في الدنيا لا يملك ما في الأرض جميعاً فكيف به يوم القيامة؟! إذ الأرض يوزعها الله بين عباده، فهذا يملك شيئاً وذاك يملك شيئاً، ولا أحد من ملوك الأرض يملك جميع ما في الأرض، ولكن الله يُملّك من يشاء ما يشاء من الدنيا، فيملك ناساً بعضاً من كنوزها، وآخرين منافعها، وهكذا ويخاطبهم الله في الآية على فرض أن يملك أحدهم يوم القيامة مثل هذه الأرض، فيملك كنوزها ومثل هذه الكنوز معها لافتدى بهذا كله من عذاب الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، فقد كانوا في الدنيا في غفلة، وكان أحدهم يسوف ويقول: غداً أتوب، وغداً أوحد الله ولا أشرك به، وغداً أفعل كذا، ولكن هذا الغد لم يأت إلا وقد ماتوا على كفرهم وعلى شركهم، وعلى فسوقهم وعصيانهم، فماتوا على غير توبة، فإذا بهم يوم القيامة يودون الرجوع ولا رجوع، ويودون أن لو يفتدوا وكيف وهم لا يملكون شيئاً، ولو كانوا يملكون شيئاً ما تقبل منهم ذلك؟! قال الله سبحانه: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧] أي: بدا لهم من الله ما لم يكن في ضميرهم، وما لم يدر في خلدهم أن يفعل بهم ذلك، وإن قالوا: كنا نحسن الظن، لكنهم أساءوا العمل، أو قالوا: كنا نحسن الظن، لكنهم وقعوا في الشرك بالله سبحانه، فلم يَتقبل منهم شيئاً من أعمالهم.
قال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر:٤٨]، فقد كسبوا السيئات، وجزاء سيئة بمثلها، وأساءوا فكان لهم من الله ما يسوءهم، وهو العقاب الشديد، فكان الجزاء جزاءً وفاقاً، ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ [الزمر:٤٨] أي: عقوبات ما اجترحوا في الدنيا وكسبوا من الكفر والمعاصي.
وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ﴾ [الزمر:٤٨] أي: نزل بهم نزول مصيبة، (حاق) بمعنى: أحدق بهم وأحاط بهم، فلم يفلتوا منه، وما ذلك إلا جزاء: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزمر:٤٨] أي: ما كانوا يسخرون من المؤمنين في الدنيا، ومن البعث والنشور، ومن القيام من القبور، ومن الحساب والجزاء، ومن عقوبة الله سبحانه ﵎ يوم القيامة.
стр. 2617
تفسير قوله تعالى: (فإذا مس الإنسان ضر دعانا)
قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩]، فالله بعد أن يخلق الإنسان يرزقه، ويعطيه من الدنيا ما يشاءه سبحانه ﵎، ويبين له طريقه إلى الله سبحانه ﵎، عله أن يشعر بنعم الله عليه ليل نهار، ومع ذلك ينسى شكر هذه النعم من الله سبحانه، فإذا مسه شيء من الظلم لجأ إلى ربه، فدعاه رافعاً يديه: يا رب! يا رب! وكلما استشعر الإنسان أنه ضعيف وأنه عاجز، أو استشعر أنه مريض لجأ إلى الله، وناداه: يا رب! يا رب! ونحن نرى الطلاب عندما يدنوا الامتحان يسعون إلى المساجد، فتجد أحدهم يصلي الفجر، ويلهج بالدعاء: يا رب! ويطلب النجاح، فإذا ظهرت النتيجة ونجح نسى ذلك كله! وعاد إلى تضييع الصلاة، كذلك المرء عندما يبحث عن وظيفة يصلي استخارة، ويصلي للحاجة، ويدعوا ربه قائلاً: يا رب! يا رب! فإذا قبل في العمل نسى ربه سبحانه ﵎! فكلما احتاج الإنسان إلى ربه وغلب على ظنه أنه الآن محتاج وأنه فقير إلى الله يتذكر ويرجع إلى الله ويقول: يا رب! يا رب! قال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ﴾ [الزمر:٤٩] أي: إذا أصابه شيء من مصائب الدنيا وما يتضرر ويتأذى به، أو يسهر من أجله، أو يبحث عن الدواء من أجل ذلك، يفزع إلى الله وينادي: يا رب! يا رب! وقوله سبحانه: ﴿دَعَانَا﴾ [الزمر:٤٩] أي: دعا ربه سبحانه، ثم قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ﴾ [الزمر:٤٩] والتخويل بمعنى: التمليك، أي: ملكناه، وأعطيناه شيئاً من هذه الدنيا قال سبحانه: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا﴾ [الزمر:٤٩]، ونسب الله النعمة إلى نفسه، فهو صاحب جميع النعم سبحانه ﵎، إلا أنه بعد أن ينعم على هذا الإنسان يغتر بنفسه ويتكبر وينسب النعمة إلى نفسه، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر:٤٩] والإنسان عندما يذكر بالله سبحانه ونعمه عليه ويقال له: من الذي علمك إلا الله؟ ومن الذي أعطاك المال إلا الله؟ يجيب قائلاً: إن الله ما أعطاني إلا لأني أستحق ذلك، غروراً منه! فيرى نفسه مستحقاً، ويقول أيضاً: لو لم أكن مستحقاً لم يعطني الله، أو يقول: لو لم أكن ذكياً لم أتفوق، ولو لم أكن قادراً على الكسب والعمل لم يعطني الله سبحانه، فكان قوله هذا رجوعاً إلى الكفر مرة أخرى.
وفي الآية يذكر الله غرور هذا الإنسان، وكفره لنعمه ربه بعد أن دعاه في وقت الضر قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر:٤٩]، وقوله: (على علم) محتملة لعدة معاني وكلها صحيحة، منها: أن ينسب العلم لنفسه، كأنه يقول: على علم مني؛ لأنني تعلمت، أو كوني تعلمت ولدي خبرة في الدنيا، ولأجل ذلك استطعت أن أكسب، وهو بذلك ينسى الله سبحانه ﵎، وقد يكون المعنى: إنما أوتيته على علم من الله، أنني أستحق ذلك، ولأجل استحقاقي أعطاني، وقد كان الكفار المجرمون ومن على شاكلتهم يتطاولون على المؤمنين، ويقولون: أنتم تقولون: هناك جنة ونار! وتقولون: إننا سنبعث يوم القيامة، أليس الله قد أعطانا في الدنيا ومنعكم، وما ذاك إلا أننا أفضل منكم، وكذلك إذا بعثنا يوم القيامة فسيعطينا الله أفضل منكم! وهم بقولهم ذاك قد قاسوا الآخرة على الدنيا، وكأنهم يرون أن الله أعطاهم لكونهم يستحقون ذلك، ونسوا أن الله يملي للكافرين قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣].
ثم أضرب عن قوله: إنما أوتيته على علم، فقال تعالى: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ [الزمر:٤٩] أي: ما هم فيه من نعم إنما هي فتنة فتنهم الله سبحانه ﵎ بها، ومن معاني الفتنة: الاختبار، فالمعنى: اختبرهم فرسبوا في الاختبار.
ثم قال سبحانه: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٤٩] أي: لا يعلمون أن هذا استدراج من الله لهم، وأن هذا امتحان وأنهم رسبوا فيه، وأنهم إلى النار سائرون.
стр. 2618
تفسير قوله تعالى: (قد قالها الذين من قبلهم)
بين الله سبحانه أن الكافرين ليسوا أول من قال هذا، بل قد قاله أقوام قبلهم فقال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر:٥٠]، فهذا كلام يحصل من كل كافر مستكبر ومشرك مغرور يقول هذا، وإذا ذكر بالله سبحانه ﵎ يقول: ما أعطاني الله إلا لأني أستحق ما أعطانيه.
ثم بين سبحانه أن ما كسبوه وحازوه لا يغني عنهم شيئاً قال سبحانه: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر:٥٠] أي: لقد كان من قبلهم أذكياء، وكسبوا من الدنيا مكاسب كثيرة، إلا أنهم تركوها لمن بعدهم، وذهبوا إلى الله، فلم يغن عنهم ما كسبوا شيئاً، بل تركوه وحوسبوا عليه.
стр. 2619
تفسير قوله تعالى: (فأصابهم سيئات ما كسبوا)
قال تعالى: ﴿(فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر:٥١] أي: أصابتهم عقوبة ذنوبهم التي اكتسبوها، ثم ألحق بهم من تبعهم فقال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾ [الزمر:٥١] أي: والذين ارتكبوا ما ارتكبه الذين من قبلهم سنعاقبهم يوم القيامة على ما اكتسبوا من السيئات بالسوء، ومصيرهم النار يوم القيامة، فهم في قبضتنا.
قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١] أي: لا يعجزوننا ولا يهربون منا، تقول: انطلق جارياً حتى أعجزني، تريد أنك ما استطعت اللحاق به حين فر منك، فيكون معنى قوله سبحانه: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١] أي: مهما جروا في الدنيا، ففروا إلى الجبال، أو إلى أي مكان سنأتي بهم يوم القيامة، وما هم بمفلتين من قبضتنا.
стр. 2620
تفسير قوله تعالى: (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)
بين الله سبحانه في الآية فضله على العباد فقال: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر:٥٢]، والإنسان المؤمن يعلم ذلك، ويقول: بلى نعلم ونستيقن أن الرزق رزق الله سبحانه، وأن المال مال الله، وأن العبد عبد الله، وأن الله يعطي ما يشاء لمن يشاء، كما أن المؤمن يعلم أن الله إذا أعطاه في الدنيا لم يعطه لفضله عند ربه، بل ما أعطاه الله سبحانه إنما هو محض فضلٍ ورحمة منه سبحانه ﵎، وليس معنى ذلك أن الله لا يكرم المؤمنين، بل قد يكون عطاء الله سبحانه للعبد إكراماً له، وقد يكون عطاؤه له استدراجاً له؛ ولذلك فالمؤمن لا يأمن مكر الله سبحانه، ولا يأمن استدراج الله، فإذا أعطاه الله المال عرف حق الله سبحانه في هذا المال، فأخرج الزكاة، وأعطى من أوجب الله عليه أن يعطيهم من قرابته، أو ممن يحتاجون إليه، بل إن المؤمن وصل إلى ثقة بأن المال مال الله، وأن المال لا ينقص أبداً من الصدقة كما أخبر بذلك النبي ﷺ ، بل قد أقسم النبي ﷺ أنه ما نقص مال من صدقة.
إذ إن الإنسان مهما أعطى لله، فالله سبحانه يخلف عليه، والله وحده هو صاحب المال، وهو صاحب الرزق سبحانه، يبسط ويوسع على من يشاء من عباده، وليس كل من وسع الله عليه يحبه، وليست التوسعة شرطاً لحب الله، بل كم قد أعطى الله إنساناً كافراً من الدنيا أموالاً كثيرة، فكان ذلك استدراجاً له، وكم منع من إنسان طيب فقيه في هذه الدنيا، حتى إنه لا يجد ما يأكله، وقد يبيت الليلة الأولى والثانية والثالثة ولا يجد ما يملأ بطنه! وهذا رسول الله ﷺ ما شبع في الدنيا من خبز شعير ﵊، حتى فتحت عليه الدنيا، فلما فتحت عليه الدنيا قبضه الله سبحانه ﵎، وما استمتع مما في الدنيا بشيء، وقد كان الصحابة يذكرون النبي ﷺ ويبكون لما عاش عليه من الكفاف، وكان أبو هريرة يصنع العيش الحوارى، وهو الخبز الأبيض، ويطعم الناس ويبكي ويحدث أن النبي ﷺ ما ذاق هذا، فالمسلمون يستمتعون بالشيء الذي فتح الله على نبيه ﷺ به، وقد ذهب النبي ولم يأخذ من هذه الدنيا شيئاً، فصلوات الله وسلامه عليه.
وقد ثبت أن السيدة عائشة ﵂ قالت: كان يمر الهلال وراء الهلال وراء الهلال، ثلاثة أهلة، أي: شهران يمران على بيت النبي ﷺ ، ولا يوقد في بيته ناراً لطبيخ أو لطعام ﵊، وإنما كان الطعام التمر والماء! ولم يمنعه الله الدنيا ظناً بها ﵊، وإنما أراد الله أن يجعله وصحبه القدوة والأسوة لمن بعدهم، حتى نعلم أن الله إذا أعطى العبد من الدنيا ليس معناه أنه يحبه سبحانه ﵎، ونعلم أن الله إذا حرم آخر منها ليس معناه أنه يكرهه، وإنما قد يعطي لإنسان من المؤمنين من فضله سبحانه؛ لأنه لا يصلح لهذا العبد في علم الله إلا ذلك، فيتفضل الله عليه، أو لكون الله يعلم حيث يعطي هذا المؤمن أنه سينفق من هذا المال على من يحتاج إليه، وأنه سيضعه في حقه، فأعطاه الله سبحانه، وجعله قدوة لغيره، وقد يحرم الله إنساناً آخر مع أنه مؤمن؛ لأنه يعلم أن هذا سيصبر على الفقر، وأنه يكون قدوة في ذلك، فمنعه ليكون إماماً وقدوة لغيره في ذلك.
فالله أعطى الأول علماً منه أن هذا لو حرمه لضاع وفسد، فأعطاه رحمة منه سبحانه ﵎، وحرم الثاني مع أنه من المؤمنين لما سبق في علم الله أنه لو أعطاه لفسد ولطغى، فمنعه الله سبحانه ﵎.
فالله بيده الفضل، يبسط لمن يشاء ويقدر، أي: يضيق على من يشاء سبحانه ﵎، فإذا رأيته أعطى إنساناً ومنع آخراً، فاعلم أنه لحكمة منه سبحانه ﵎، وبيان آية من آياته.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر:٥٢]، فالمؤمن ينبغي أن يرضى بما هو فيه، ويحمد الله عليه ويردد في نفسه: الله أعلم بحالي، أليس من الممكن أنه لو أعطاني أكثر مما أنا فيه أني قد لا أصلي الفجر، أو لو أعطاني أكثر مما أحوزه الآن قد لا أدعوه، فالله يحب أن يسمع صوتي وأنا أناجيه وأقول: يا رب! يا رب! وينتبه العبد هنا إلى أنه لو امتنع عن الدعاء فقد يجلب على نفسه السخط من الله سبحانه، كما أن الإنسان لو اطلع على الغيب لرضي بما هو فيه من الواقع، ارض بما قسم الله سبحانه ﵎ لك، واعلم أن الذي يدبر الكون هو الله وحده، العليم الحكيم سبحانه ﵎، وهو أعلم بما يصلحك أكثر من نفسك سبحانه ﵎، وما يدريك! فقد يمرضك وأنت تريد أن تعمل شيئاً معيناً، فلا تعمله بسبب المرض، فلعلك لو خرجت إلى هذا الخير بظنك وبزعمك لفاتك باباً آخر أدركته بمرضك، فكان المرض الذي أنت فيه أفضل من هذا العمل، وما يدريك! لعلك لو خرجت إلى عمل من أعمال الخير لغلبك الشيطان فراءيت وسمعت بعملك، فالله منعك من الرياء ومن السمعة عندما ابتلاك بالمرض، فأنت لا تدري ما الذي يدبره الله سبحانه بعلمه وقدرته وحكمته، فعليك أن ترضى بقضاء الله سبحانه ﵎، كما ينبغي عليك أن تدرك أن القضاء واقع رضيت أم لم ترض، إلا أنك في الرضا أخذت الأجر، وفي السخط حل عليك سخط الله سبحانه ﵎.
لذلك على المؤمن أن يؤمن بالله تمام الإيمان، فيؤمن بحكمة الله، ويؤمن بقدرة الله، ويؤمن أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله يعطي من يشاء تفضلاً وتكرماً منه، ويمنع من يشاء بحكمته وعدله سبحانه ﵎، فإن أعطاك فهو محض منة منه، وإن منعك فلم يمنعك حقاً ليس لك عند الله، بل يعطيك ما كتبه على نفسه وتفضلاً منه لعباده سبحانه ﵎.
قال سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر:٥٢]، فالمؤمن من يتفكر ويتأمل في قضاء الله وقدره، ولا يدخل الجنة إلا من يؤمن بأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره، كل من عند الله سبحانه ﵎.
стр. 2621
تفسير سورة الزمر الآية [٥٣]
أمر الله نبيه أن ينادي من أسرف على نفسه بالمعاصي والذنوب وتابع نفسه وهواه ألا يقنط من رحمة الله الواسعة العظيمة، فإن الله لا يتعاظمه ذنب، فهو يغفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها عظيمها وحقيرها لمن تاب إليه وأناب.
стр. 2622
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
في هذه الآية يخبرنا الله عن عظيم رحمته سبحانه وأنه يغفر الذنوب جميعاً، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل.
والقرآن مليء بآيات رحمة الله رب العالمين سبحانه، وأيضاً فيه ما يبين شدة بطشه وانتقامه وبأسه وعذابه ، فيذكر الرحمة والعذاب؛ حتى لا ييئس الإنسان المذنب من رحمة رب العالمين، وحتى لا يطمع الإنسان المسيء في رحمته سبحانه ويتناسى عذابه؛ فيقول: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:١٢ - ١٦]، فبطشه شديد وهو الغفور الودود .
وقال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ﴾ [الحجر:٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الرعد:٦]، فالله سبحانه ذو مغفرة للناس مع ظلمهم ومع إساءتهم، ومع ذلك هو شديد العذاب على من يسيء ولا يتوب إلى الله .
يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]، رحمة الله واسعة لمن تاب إلى الله ، فلا تغتر بأنه غفور رحيم، ولا تيئس من رحمة ربك، فالمؤمن بين أمرين: بين الخوف من ذنوبه وعقوبتها وبين رجاء رحمة الله ومغفرته للذنوب، وإذا رجا العبد رحمة الله وخاف من عذابه، كان أهلاً لأن يرحمه الله وأن ينجيه من عذابه، وإذا اغتر الإنسان برحمته وترك ما دل على أنه يعذب بالذنب ويأخذ به وتناسى، فأساء في الدنيا وأسرف على نفسه وعصى الله سبحانه، واستهان بعقوبته سبحانه؛ فإنه مستحق لعذاب رب العالمين ، حتى ولو كان ممن يحفظون القرآن، ويجاهدون في سبيل الله طالما أنه وقع في الاستهانة بعذاب الله سبحانه، وطالما أنه عمل لغير الله وليس لله سبحانه، فراءى في الدنيا وسمع وانتظر المدح من الناس، ولن ينتفع بشيء من الذي كان يفعله.
فالإنسان المؤمن يخلص لله سبحانه ويتابع كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، ويخاف من عذاب الله ويرجو رحمة الله، وهذا هو الذي يستحق المغفرة من الله .
وهذه الآية نزلت في العهد المكي، فكان النبي ﷺ والمؤمنون معه يعملون ويخافون من الله سبحانه، ولا يشركون به، وكانوا قلة، ومع ذلك كان يأمرهم: توبوا إلى الله سبحانه اعملوا من الصالحات.
وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة، وبقي كثير من المسلمين في مكة ممن كانوا يكتمون الإسلام ولا يقدرون على الهجرة إلى النبي ﷺ ، فمنهم من استطاع ثم رجع وفتن، كما جاء في الحديث: أن هشام بن العاص فعل ذلك، ثم نزلت هذه الآيات على النبي صلوات الله وسلامه عليه وكأن هذه الآية من هذه السورة نزلت على النبي ﷺ في المدينة والسورة مكية، ولا يمنع أن تكون السورة مكية وينزل بعضها في المدينة على النبي ﷺ ، فإذا كانت لهذا السبب فتكون نزلت في المدينة، ولا يمنع أن تكون نزلت على النبي ﷺ في مكة، ثم نزل بها جبريل مرة أخرى على النبي ﷺ بالمدينة يذكره بهذا الحكم.
وقد هاجر عمر رضي الله ﵎ عنه إلى المدينة، وأراد عياش بن ربيعة وهشام بن العاص أن يهاجرا، فاستطاع عياش أن يهاجر مع عمر ولم يستطع هشام بن العاص فأخذه أهله وفتنوه فافتتن، فلما نزلت هذه الآية كتب بها عمر إلى هشام بن العاص فقرأها فعلم أن له توبة، فهاجر فكان من المؤمنين بعد ذلك رضي الله ﵎ عنه.
وجاء عن ابن عباس ﵄: (أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا، وزنوا وأكثروا، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن) فهم ناس من أهل الجاهلية أتوا إلى النبي ﷺ وقالوا له: هذه الدعوة دعوة جميلة، وهذا الدين دين عظيم، ولكن نحن قتلنا في الجاهلية، ووقعنا في الفواحش، فلو أخبرتنا أن لنا توبة لدخلنا في هذا الدين، فنزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، فالله جعل لهم ما يكفر عنهم هذه السيئات وهو أن يتوبوا، ويدخلوا في دين الله ، فإذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم.
ونزلت: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ).
وهذه السورة مكية فقد نزلت بمكة وهذه الآية منها أو أن بعض الآيات نزلت بعدما هاجر النبي ﷺ فألحقت بالسورة، أو أنها نزلت كلها في مكة ثم جاء جبريل ليخبر النبي ﷺ أن هذه الآيات في هؤلاء الذين لم يهاجروا وفتنوا ثم أرادوا أن يهاجروا إلى النبي ﷺ فتلاها النبي ﷺ فتذكرها عمر وأرسل بها إلى هشام بن العاص، فراجع نفسه وهاجر إلى النبي ﷺ وتاب إلى الله .
стр. 2623
الأدلة على سعة رحمة الله
الأحاديث التي جاءت في رحمة رب العالمين كثيرة جداً، وهي تدل على رحمته سبحانه لمن أذنب وأسرف على نفسه ثم راجع نفسه فتاب إلى الله .
ومن هذه الأحاديث ما رواه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري وهذا لفظ الإمام مسلم وفيه أن النبي ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً، فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟!).
والراهب هو العابد من النصارى، وكون الإنسان عابداً، لا يشترط أن يكون عالماً، فقد يكون الإنسان كثير العبادة لكنه يجهل كثيراً من أحكام رب العالمين، فلما ذهب إليه هذا الإنسان المذنب المسرف على نفسه وقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفساً فهل له من توبة؟ (قال: لا، فقتله فكمل به المائة!) وهذا حال اليائس من رحمة الله سبحانه: فلسان حاله يقول: طالما أنني ليس لي توبة، فسوف أقتلك أيضاً، فقد قتلت تسعة وتسعين نفساً فلا يضيرني أن أكمل المائة! (ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟) إن هذا إنسان شرير ولكن في نفسه ما يدفعه إلى الخير، وما يدفعه إلى التوبة وهو يريد أحداً يدله على أن يتوب إلى الله.
(فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) فهذا الإنسان الشرير كان في أرض فيها أشرار، يساعد بعضهم بعضاً على الشر، لذلك الذي يتوب لا بد أن يمتنع عن مرافقة الأشرار الذين كان معهم قبل ذلك، أما إنسان يقول: أنا تائب وهو لم يزل مع رفقائه الذين كان يمشي معهم كقطاع الطريق وأهل الإدمان وأهل المخدرات، فهذا لا يدل على توبته، فإن التائب يقلع عن ذلك، ويبتعد عن رفقاء السوء؛ لأنهم يغوونه ويردونه إلى ما كان فيه، فهذا العالم قال له: من يحول بينك وبين التوبة؟! ولكن أنت مع أناس أشرار، فأقلع عن الشر وابتعد عن أهل الشر، واذهب إلى الأرض الفلانية فإن فيها أناساً صالحون، فاعبد الله معهم.
فالرجل تاب إلى الله وترك هؤلاء وهاجر إلى البلاد الأخرى ليعبد الله.
(فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) عندما هاجر من الأرض التي فيها أشرار وهو تائب توبة صادقة، ودليل توبته أنه خرج من أرضه إلى أرض أخرى؛ ليعبد الله فيها، فلما نصف الطريق، مات فجاءت ملائكة الرحمة وملائكة العذاب يختصمون، يعني: يجادلون.
(قالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً بقلبه إلى الله) فهذه نية التائب إلى الله.
(وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيراً قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم) هذا كله من الله ليرينا أنه غفور رحيم، وتختصم الملائكة ليرينا أنهم لا يعلمون الغيب، وأرسل الله إليهم من يحكم بينهم ليرينا أن الحكم له وحده، وأن الملائكة لا تقدر أن تحكم في شيء إلا أن يعلمهم الله ، والملائكة تخاف من ربها سبحانه، ﴿لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٧] فجاء هذا الملك في صورة آدمي يفصل بين ملائكة الرحمة وملائكة العذاب.
(فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له فقاسوا) هذا لفظ الإمام مسلم.
وفي لفظ الإمام البخاري: (أنه لما أدركه الموت ناء بصدره نحوها) أي: وهو يموت انحرف بصدره شيئاً لكي يقترب من أرض الرحمة.
وفي لفظ آخر: (أن الله أوحى إلى الأرض أن تضايقي من هاهنا واتسعي من هاهنا) يعني: تباعدي من أرض العذاب، وتقاربي من أرض الرحمة وكله بيد الله سبحانه، فالعبد عبده والأرض أرضه والسماء سماؤه والملائكة ملائكته ، وهو بهذا يرينا رحمته.
(فقاسوا ما بين الأرضين فكان أدنى إلى الأرض التي أراد وهي أرض الرحمة، فقبضته ملائكة الرحمة).
وهذه الحادثة أراد بها الله سبحانه أن يرينا رحمته العظيمة سبحانه، فإذا كان العبد الذي قتل مائة نفس له توبة، فكيف بغيره؟! فمن تاب تاب الله عليه، ولكن لا ننسى أبداً أن التوبة لا بد فيها من الصدق، فالتوبة ليست كلاماً، يقول الإنسان: أنا تبت إلى الله ، بل لا بد من صدق القلب؛ ولذلك هذا العبد لما أراد أن يتوب وذهب إلى الراهب يأسه الراهب من التوبة، فمن قهره على أنه حرم من التوبة قتل الراهب أيضاً، فهو قتل تسعة وتسعين نفساً؛ لأنه إنسان شرير وغير صالح، فلما دله العالم على أن له توبة، تاب إلى الله فصدق، فنفعته التوبة.
فإن قيل: والذين قتلهم ما مصيرهم؟
الجواب
لا يضيعون عند الله ، ولكن الله الحكم العدل سبحانه، خزائنه ملأى، والله بيده الرحمة وبيده العذاب، عفا عن هذا وأعطى هؤلاء، إذا كان في الدنيا الإنسان الذي يقتل له قتيل له أن يأخذ الدية ويعفو عن القاتل، فكيف بالآخرة والكل يحتاج إلى جنة الله وثواب الله ورحمة الله، فالله يرضي هؤلاء، بقوله: أعذب هذا أو أدخلكم الجنة، فالإنسان يقول: أدخلني الجنة، ماذا سأستفيد من عذاب هذا الإنسان؟ فيعطيه الله برحمته الواسعة، فالإنسان الذي يفعل الذنب له توبة إذ تاب إلى الله، وصدق في توبته، أما الإنسان الذي يحتال ويكذب ويخدع إنما يخدع نفسه ولا يضر ربه شيئاً .
فعندما نأخذ أحاديث الرحمة لا ننسى ما جاء في عذاب الله ، فالمؤمن بين الخوف وبين الرجاء.
ومن الأحاديث العظيمة التي جاءت عن النبي ﷺ في التوبة، ما رواه الإمام الترمذي عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: (قال الله ﵎: يا ابن آدم! إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي).
(ما دعوتني) يعني: طالما دعوتني، ورجوتني سأغفر لك، فالعبد الذي يكثر من الدعاء: يا رب! اغفر لي، يا رب! تبت إليك، ويؤنب نفسه ويحاسبها، يقول له ربه: أغفر لك طالما عرفت أنك مخطئ وتبت إلي، فإذا تاب العبد إلى الله تاب الله عليه.
(يا ابن آدم! لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي) الله عظيم ولا يتعاظمه ذنب، وكونه يغفر لعبده فإن ذلك لا يضره شيئاً.
ومهما عملت من المعاصي وتبت إلى الله غفر لك ذنوبك حتى لو كانت قد بلغت عنان السماء.
(يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب) (بقراب): أي بملء.
(الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) إذا جاء العبد تائباً إلى ربه سبحانه موحداً له عالماً به وبأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن الله يتوب عليه مهما عمل، فالتوبة الصادقة جزاؤها من الله المغفرة.
ومن الأحاديث العظيمة الجميلة في هذا المعنى ما رواه الإمام مسلم من حديث أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله ﷺ قال: (لو أنكم لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب يغفرها لهم) أي أن ابن آدم كتب عليه نصيبه من الوقوع في المعصية، (كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون) كما قال النبي ﷺ .
ومن أسماء الله الحسنى: الغفور لمن يعصي ربه سبحانه، فلا بد أن يحقق مقتضى هذا الاسم من أسمائه.
ومن أسمائه الحسنى الرحيم الذي يرحم خلقه ؛ ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه : (قال: أذنب عبد ذنباً، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي) وعندما تقع في الذنب، بادر بالتوبة إلى الله ، واعترف بذنبك وتقصيرك، وتحلل ممن أسأت إليه، ورد المظلمة إلى أصحابها، وارجع إلى ربك سبحانه، فلما رجع العبد إلى ربه سبحانه قال ﵎: (أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به) (علم) بمعنى: استقين أن الله يحاسب على الذنب؛ لذلك تاب، فلما تاب غفر الله له سبحانه، (ثم عاد فأذنب ذنباً)، وكل بني آدم خطاء، الإنسان قد يقول: أنا تائب إلى لله من هذا الذنب ولن أعمل هذا الذنب مرة أخرى، وبعد ذلك يغلب عليه شقاؤه فيقع في الذنوب، ثم يراجع نفسه فيتوب إلى الله ، فهذا أذنب مرة ثانية.
(فقال: أي ربي!) يعني: يا ربي!.
(اغفر لي ذنبي، فقال الله ﵎: عبدي أذنب ذنباً فعلم أنه له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب ذنباً، فقال: أي ربي! اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، فرحمة الله وسعت كل شيء، وطالما تاب العبد إلى الله، واستيقن أنه سيعذبه عليه أن يرجع ويتوب توبة صادقة إلى الله سبحانه، فلا ييئس ولا يقنط من رحمة الله، بل يبادر بالتوبة إلى الله، فإن الله يغفر الذنوب ؛ لذلك يجب على المؤمن أن يراجع نفسه دائماً، والنبي ﷺ يقول: (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
فعندما تعمل السيئة أتبعها مباشرة بحسنة حتى تمحو هذه السيئة، أما أن الإنسان يقع في الإساءة ويظلم الخلق، ويقع في الذنوب كبائرها وصغائرها وبعد ذلك يستهين ويقول: الله غفور رحيم، فهذا لا يدخل تحت هؤلاء؛ لأن العبد قال: يا رب! رجعت إليك، تبت إليك، أنا أذنبت ذنباً، اغفر لي؛ فالله يغفر له؛ لأنه رجع إلى ربه تائباً.
والنية في قلب الإنسان والصدق في قلبه لا يطلع عليه إلا ربه سبحانه، فإن صدق العبد في توبته تاب الله عز وج
стр. 2624
تفسير سورة الزمر [٥٣ - ٥٥]
من رحمة الله بعباده أن دعاهم إلى التوبة والرجوع إليه، ففتح لهم أبواب رحمته، وناداهم بألطف النداء، ونسبهم وأضافهم إليه سبحانه ليقبلوا عليه، وليسلموا له وجوههم وقلوبهم؛ لينالوا الفوز والفلاح في الدنيا والآخرة، وحذرهم من التجافي عن هذا النداء، وبين سوء عاقبة ذلك، وكل ذلك رحمة بهم ليعودوا إليه.
стр. 2625
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ولا تقنطوا من رحمة الله)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: فقال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥].
هذه الآيات في آخر ربع من هذه السورة الكريمة سورة: الزمر، يقول الله لعباده: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] وهذه من أرجى الآيات التي في كتاب الله سبحانه ﵎، وقولنا: أرجى، من الرجاء، أي: الآية التي يرجو بها العباد مغفرة الله، ويرجون من ورائها رحمة الله سبحانه ﵎.
ومن آيات الرجاء في غير هذه السورة: قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] أي: أن الإنسان إذا وحد ربه سبحانه بالتوحيد الخالص، ولم يشرك بالله سبحانه، فيرجى له أن يغفر الله سبحانه ﵎.
ومنها: قول الله سبحانه ﵎ في سورة الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
فبهذه الآيات يرجو العباد رحمة الله سبحانه ﵎، ولا ييئسون من رحمة الله، فإنه لا ييئس، ولا يقنط من رحمة الله سبحانه إلا القوم الكافرون، ولا ييئس من رحمة الله إلا القوم الخاسرون، الذين خسروا الدنيا والآخرة، أما المؤمن فلا ييئس أبداً من رحمة الله سبحانه، حتى وإن وقع في الذنوب فإنه سرعان ما يتوب، ويرجع إلى الله؛ لأنه يعلم أن له رباً يأخذ بالعفو، ويغفر الذنب سبحانه ﵎.
وفي الآية خطاب من الله لنبيه ﷺ أن: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ [الزمر:٥٣] أي: خاطب عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، وظلموا أنفسهم، وتجاوزوا في أمر الطاعة، فتركوا من طاعة الله ما تركوا، كالهجرة في سبيل الله سبحانه ﵎، ففتنوا حين فتنهم المشركون، فأخبرهم أنهم إذا تابوا إلى الله؛ فإن الله يتوب عليهم.
وسبق أن هذه السورة سورة مكية، وكان نزول هذه الآية لسبب سيأتي بيانه، وإن كان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولكن السبب يقيناً داخل في معنى الآية عموماً.
стр. 2626
سبب نزول قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)
جاء عن عمر ﵁ أنه قال: لما اجتمعنا على الهجرة استعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، أي: أن عمر ﵁ أراد أن يهاجر هو وهشام بن العاص بن وائل، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة بن أبي ربيعة، فتواعد الثلاثة على مكان اسمه: أضاة بني غفار ليلقى بعضهم بعضاً هناك، ثم يهاجروا إلى النبي ﷺ ، وكان قد سبقهم إلى المدينة ﷺ ، وقال بعضهم لبعض: من تأخر منا فقد حبس، فليمض صاحبه.
أي: أنه من تأخر منهم عن هذا الموعد ليعلم الباقون أن الكفار قدروا عليه وأمسكوه، فلا ينتظروه، ولينصرفوا مهاجرين إلى المدينة.
قال عمر: فأصبحت أنا وعياش بن عتبة، وحبس عنا هشام بن العاص - وهو أخو عمرو بن العاص ﵁ وإذا به فتن فافتتن، أي: أن الكفار أخذوه إلى أبيه العاص بن وائل السهمي، فأخذ ابنه وفتنه عن دينه ففتن، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر.
وبعد أن هاجر عمر وعياش إلى المدينة تاركين هشاماً بعد أن فتنه المشركون، ورجع إلى ما كان عليه المشركين أو وافقهم فيما هم فيه، يقول عمر ﵁: فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله وآمنوا برسوله ﷺ ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم، فلا نرى لهم توبة، أي: بعدما عرف هؤلاء الإسلام، وعرفوا دين النبي ﷺ ، ثم رجعوا إلى الكفر بعد أن فتنهم الكفار، فلا توبة لهم، قال عمر: وكانوا هم أيضاً يقولون ذلك، كأن من فتن من المسلمين، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر، وطاوع الكفار لا توبة له.
يقول عمر ﵁: فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ثم قال عمر: فكتبتها بيدي، أي: فرح عمر بذلك وكتبها بيده، قال: ثم بعثتها إلى هشام، قال هشام: فلما قدمت علي هذه الآيات خرجت بها إلى ذي طوى، فقلت: اللهم فهمنيها! وكأنه لم يفهمها، فأخذها وخرج إلى مكان خالٍ يتفكر فيها ويدعو ربه سبحانه، فصدق مع الله سبحانه ﵎ ففهمه إياها، قال هشام: فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعير، ثم لحقت برسول الله ﷺ ، أي: أنه هاجر إلى المدينة، وشهد له النبي ﷺ بالإيمان، فقال في عمرو بن العاص وأخيه هشام بن العاص: (إنهما مؤمنان) ﵄، فهذا الرجل فتن فافتتن، ثم أنزل الله هذه الآيات، فتاب وهاجر إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ويذكر ابن عباس ﵄ سبباً آخر فيقول: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فبعثوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لنا توبة؟ أي: هذا الذي جئت به كلام عظيم - والقرآن كله كلام عظيم - فإذا كان لنا توبة دخلنا معك، وإن لم يكن لنا توبة فعلام ندخل في الدين، ونحن معذبون؟! فإذا بالله ينزل هذه الآيات العظيمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
أيضاً قوله سبحانه في آخر سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، إلى أن قال : ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] ففرحوا بهذه الآيات، ودخلوا في دين الله تائبين إليه سبحانه ﵎.
стр. 2627
الجمع بين قوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فقوله سبحانه في الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) إطلاق، وقد جاءت آية أخرى مقيدة لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] فكأن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] تدل على أن الله يغفر الذنوب جميعاً بما فيها الكفر، والشرك بالله سبحانه قبل وفاة العبد، فإذا تاب العبد من الكفر والشرك تاب الله عليه وغفر جميع ذنوبه، ودلت الآية التي في سورة النساء، - وسورة النساء مدنية - وهي قوله سبحانه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على أن العبد إذا توفي على الشرك والكفر فلا يغفر له ذلك، أما من مات وقد اجتنب الشرك، ووقع في المعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه سبحانه ﵎، لكنه من الموحدين وهو سيدخل الجنة بإذن الله.
стр. 2628
دعوة الله لعباده إلى العودة إليه
يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] نادى الله عباده بقوله: يا عبادي! وقد شرفهم بأن أضافهم إليه سبحانه ﵎، والمعنى: هؤلاء عبادي أنا خلقتهم، وأنا التواب الرحيم، فأتوب عليهم.
قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] هذه قراءة الجمهور ومنهم: نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم، بفتح الياء في قوله: (يا عبادي).
وباقي القراء يقرءونها: ((قل يا عباديْ الذين أسرفوا على أنفسهم)) بسكون الياء في قوله: ((يا عباديْ)).
وقوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] فيها قراءتان: الأولى: بالفتح، فتقرأ هكذا: (لا تقنَطوا)، أي: لا تيئسوا من رحمة الله سبحانه، وهذه قراءة الجمهور.
وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب والكسائي وخلف: ((لا تقنِطوا من رحمة الله)) بالكسر، وكلاهما بمعنى اليأس من رحمة الله سبحانه ﵎.
وفي الآية يبشر الله سبحانه هؤلاء ويفتح لهم باب الرحمة، بل أبواب رحمته سبحانه ﵎، فيقول لهم: لا تيئسوا مهما وقعتم في الذنوب، أو فعلتم من المعاصي، فمن تاب إلى الله فالله يتوب عليه؛ لأن رحمته سبحانه واسعة لا يقنط منها أحد، قال تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣].
стр. 2629
ذكر معنى اسمي الله الغفور والرحيم
بين سبحانه سعة عفوه ومغفرته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] الغفر بمعنى: الستر والتغطية، ومنها: المغفر، وهي: الحلقات من الحديد التي يلبسها المقاتل، ليتقي بها سيوف الأعداء، يستر نفسه بالحديد، والله الغفار سبحانه، والغفور، وغافر الذنب، وكلها من أسمائه الحسنى سبحانه وتعني: الذي يستر الذنب، ويغطيه، ويكفر سيئات العبد فيمحوها ﵎، ثم بين سبحانه أنه لا يستثني ذنباً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] والآية تدل على مغفرة جميع الذنوب حتى الكفر بالله سبحانه والشرك به فإنه يغفره، طالما تاب العبد من الكفر، ومن الشرك؛ لأنه هو الغفور الرحيم، ولم يكتف بقوله: (إن الله يغفر الذنوب)، بل جاء بالتأكيد فقال: (جميعاً)، أي: كل الذنوب يغفرها سبحانه، وزاد المعنى تأكيداً بقوله: (إنه هو الغفور)، أي: الذي يستر الذنوب ويكفر السيئات، ويمحوها، بل ويبدلها حسنات، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (فرحيم) صيغة مبالغة من الرحمة، فهو الرحمن، وهو الرحيم سبحانه، وكلا الاسمين عظيم وجميل.
فالرحمن: رحمته لجميع خلقه، فهو يرحم الجميع، ومن رحمته لجميع خلقه سبحانه: أن ترفع الدابة حوافرها عن ابنها كي لا تقتله، فهو سبحانه ﵎ يجعل الرحمة في قلوب الإنس، وفي قلوب الجن، وفي قلوب الدواب، وفي قلوب كل ما خلق سبحانه.
والرحيم: الذي يرحم المؤمنين سبحانه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] أي: يرحمهم في الدنيا فيهديهم، ويرحمهم في الآخرة فيستر ذنوبهم، ويكفر سيئاتهم، ويدخلهم جنته سبحانه ﵎، وكأن صفة الرحيم، تختص بالمؤمنين يوم القيامة بأنه لا يعذبهم سبحانه، وأنه يرحمهم ويدخلهم جنته سبحانه ﵎.
стр. 2630
تفسير قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب)
وجه الله المؤمنين بالإنابة والرجوع إليه فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] وهو أمر للمؤمنين خصوصاً، وللعباد عموماً بالإنابة إليه، وأناب بمعنى: رجع، والمعنى: ارجعوا إلى ربكم، ارجعوا إلى طاعة ربكم، ارجعوا إلى الخضوع والاستسلام لله سبحانه ﵎.
قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أسلم نفسك، أي: سلم نفسك لربك سبحانه ﵎، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على التسليم والاستسلام لله رب العالمين، فلكي تثبت على دين الإسلام، لا بد أن تسلم فيه نفسك، ووجهك، وقلبك لله سبحانه ﵎، وتقول: أنا مسلم.
أي: أسلمت نفسي لربي، فليحكم فيّ بما يشاء ، وكما ينبغي أن تسلم لقضاء الله وقدره سبحانه ﵎، فعليك أن ترضى وتذعن وتخضع لله وأحكامه سبحانه ﵎، فإذا أمر تطيع، وإذا نهى تنزجر وتنتهي.
فلا يتحقق الإسلام إلا بالاستسلام والإذعان والخضوع لله سبحانه، ولذلك المؤمن حين يقول: أنا مسلم.
لا بد أن يفهم هذه الكلمة التي فهمها الكفار، فقد فهم الكفار ما هو دين الإسلام، وفهموا معنى: لا إله إلا الله، أي: أنه لا معبود بحق إلا الله، وهذه الكلمة يجهلها الكثير من المسلمين، بل إنك عندما تسأل أحد المسلمين: ماذا تعني كلمة: لا إله إلا الله؟ تجد من يقول لك: إن معناها: أن الله هو الذي خلقنا، والله الذي رزقنا، ويعدد بعض أفعال الله سبحانه، وهذا كلام معناه صحيح، فالله هو الذي يرزق، وهو الذي يخلق، لكن ليس ذلك هو معنى: لا إله إلا الله، بل لو قال الإنسان: لا رب إلا الله، لم يدخل في دين الإسلام، بل سيظل كافراً حتى يقول: لا إله إلا الله، إذ إن معنى الرب: الذي يفعل، والكافر لا يخالف في ذلك، بل يقر أن الله يفعل ما يشاء، ويقر أن الله يحكم، وأنه يدبر أمر السماء والأرض، وأنه يرزق عباده، وأنت عند قولك: لا رب إلا الله، تقر فقط أنه لا يفعل هذه الأشياء إلا الله، ولم ينكر أحد ذلك إلا الملحدون، فإنهم كذبوا بذلك وأنكروا، أما كفار أهل الجاهلية، عباد الأوثان والأصنام، فقد سئلوا من خلقكم؟ فقالوا: الله، وسئل بعضهم: كم تعبد يا فلان؟ فقال: سبعة من الآلهة، واحد في السماء، وستة في الأرض، فقيل: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء! ولذلك علم أن أمر الربوبية لم يختلف فيه الكفار، وشهد الله على الجميع بأن في قلوبهم ما يثبت ذلك، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
إنما وقع الخلاف بين الرسل وقومهم في إفراد الله بالعبادة، إذ إن الإله بمعنى: المعبود، فحين تقول: لا إله إلا الله.
فأنت تقر أنك لن تتوجه بالعبادة إلا إليه وحده، وهذه هي التي خالف فيها المشركون ورفضوا أن يقولوها تعنتاً وبغياً وكبراً وحسداً للنبي ﷺ ، فهم لم يخالفوا أنه لا رب إلا الله، وإنما خالفوا في أنه لا إله إلا الله؛ لأن مقتضى هذه الكلمة فعل من العبد، بخلاف الربوبية لله ، فإن مقتضى الربوبية أفعال من الله سبحانه، ولا أحد يخالف أو ينكر أفعال الله، أما مقتضى ألوهيته سبحانه، فهي أفعال من الخلق، وبيان لما يجب أن نعمل لهذا الخالق، ولذا جحد الكفار فقالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي: إنما نعبد آلهة كثيرة، ولا نعبد إلهاً واحداً، وإنما رفضوا أن يعبدوا إلهاً واحداً؛ لأنهم لو عبدوا إلهاً واحداً، سيكون إلهك أنت يا محمد! وحينها سيكون لك النهي والأمر وحدك، وتتفرد بالشرف وحدك، وهم لا يرضون بهذا الشيء.
فكان هذا الذي من أجله خالف الكفار النبي ﷺ عندما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله.
وقد حدث أنه اجتمع أبو جهل ومن معه من زعماء قريش عند أبي طالب وشكوا له النبي ﷺ ، فكان مما قالوا: إنه يسب آلهتنا، ويسفه أحلامنا.
فقال لهم النبي ﷺ : (إني أدعوكم إلى قول كلمة واحدة، تدين لكم بها العرب والعجم قالوا: كلمة واحدة! بل نحن نقول لك عشر كلمات.
قال: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أما هذه فلا).
فقد فهم الكفار منها ما لم يفهمه الكثير من المسلمين اليوم، بل إنك عندما تسأل الكثيرين لماذا تقول: لا إله إلا الله؟ ما الذي تعرفه عن هذه الكلمة؟ تجد أنه لا يعرف شيئاً عن معنى: لا إله إلا الله! وحين فهم الكفار معنى: لا إله إلا الله، قال قائلهم: أنترك كل الآلهة ونعبد إلهاً واحداً نتوجه إليه، ونصلي له، ونصوم له، ونزكي له، ونحج له، فاعلين ما يأمرنا، مجتنبين ما ينهانا عنه؟! أي أنهم فهموا من: لا إله إلا الله: ألا نعبد شيئاً إلا الإله الواحد سبحانه ﵎.
ولذا يُفهَم من قوله سبحانه: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: توجهوا إليه وحده سبحانه ﵎، مستسلمين له، مسلمين بقضائه وقدره، راضين به أنه الرب، وأنه الذي يعبد وحده لا شريك له، فلا تعبدوا أحداً مع الله ولا من دون الله سبحانه.
وقد أردف هذا الأمر بوعيد فقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر:٥٤] ففي الآية تهديد ووعيد للمشركين والعصاة المجرمين: أن ارجع إلى ربك، قبل أن ينزل بك العذاب من عند رب العالمين، وأكد ذلك فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤].
следующие страницы →