Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
سبب نزول قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم)
جاء عن عمر ﵁ أنه قال: لما اجتمعنا على الهجرة استعدت أنا وهشام بن العاص بن وائل السهمي وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بني غفار، أي: أن عمر ﵁ أراد أن يهاجر هو وهشام بن العاص بن وائل، وعياش بن أبي ربيعة بن عتبة بن أبي ربيعة، فتواعد الثلاثة على مكان اسمه: أضاة بني غفار ليلقى بعضهم بعضاً هناك، ثم يهاجروا إلى النبي ﷺ ، وكان قد سبقهم إلى المدينة ﷺ ، وقال بعضهم لبعض: من تأخر منا فقد حبس، فليمض صاحبه.
أي: أنه من تأخر منهم عن هذا الموعد ليعلم الباقون أن الكفار قدروا عليه وأمسكوه، فلا ينتظروه، ولينصرفوا مهاجرين إلى المدينة.
قال عمر: فأصبحت أنا وعياش بن عتبة، وحبس عنا هشام بن العاص - وهو أخو عمرو بن العاص ﵁ وإذا به فتن فافتتن، أي: أن الكفار أخذوه إلى أبيه العاص بن وائل السهمي، فأخذ ابنه وفتنه عن دينه ففتن، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر.
وبعد أن هاجر عمر وعياش إلى المدينة تاركين هشاماً بعد أن فتنه المشركون، ورجع إلى ما كان عليه المشركين أو وافقهم فيما هم فيه، يقول عمر ﵁: فكنا نقول بالمدينة: هؤلاء قد عرفوا الله وآمنوا برسوله ﷺ ، ثم افتتنوا لبلاء لحقهم، فلا نرى لهم توبة، أي: بعدما عرف هؤلاء الإسلام، وعرفوا دين النبي ﷺ ، ثم رجعوا إلى الكفر بعد أن فتنهم الكفار، فلا توبة لهم، قال عمر: وكانوا هم أيضاً يقولون ذلك، كأن من فتن من المسلمين، ورجع إلى ما كان عليه من الكفر، وطاوع الكفار لا توبة له.
يقول عمر ﵁: فأنزل الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣].
ثم قال عمر: فكتبتها بيدي، أي: فرح عمر بذلك وكتبها بيده، قال: ثم بعثتها إلى هشام، قال هشام: فلما قدمت علي هذه الآيات خرجت بها إلى ذي طوى، فقلت: اللهم فهمنيها! وكأنه لم يفهمها، فأخذها وخرج إلى مكان خالٍ يتفكر فيها ويدعو ربه سبحانه، فصدق مع الله سبحانه ﵎ ففهمه إياها، قال هشام: فعرفت أنها نزلت فينا، فرجعت فجلست على بعير، ثم لحقت برسول الله ﷺ ، أي: أنه هاجر إلى المدينة، وشهد له النبي ﷺ بالإيمان، فقال في عمرو بن العاص وأخيه هشام بن العاص: (إنهما مؤمنان) ﵄، فهذا الرجل فتن فافتتن، ثم أنزل الله هذه الآيات، فتاب وهاجر إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ويذكر ابن عباس ﵄ سبباً آخر فيقول: كان قوم من المشركين قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فبعثوا إلى النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لنا توبة؟ أي: هذا الذي جئت به كلام عظيم - والقرآن كله كلام عظيم - فإذا كان لنا توبة دخلنا معك، وإن لم يكن لنا توبة فعلام ندخل في الدين، ونحن معذبون؟! فإذا بالله ينزل هذه الآيات العظيمة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣].
أيضاً قوله سبحانه في آخر سورة الفرقان: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣]، إلى أن قال : ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠] ففرحوا بهذه الآيات، ودخلوا في دين الله تائبين إليه سبحانه ﵎.
стр. 2627
الجمع بين قوله تعالى: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) وقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به)
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] فقوله سبحانه في الآية: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) إطلاق، وقد جاءت آية أخرى مقيدة لهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨] فكأن الآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] تدل على أن الله يغفر الذنوب جميعاً بما فيها الكفر، والشرك بالله سبحانه قبل وفاة العبد، فإذا تاب العبد من الكفر والشرك تاب الله عليه وغفر جميع ذنوبه، ودلت الآية التي في سورة النساء، - وسورة النساء مدنية - وهي قوله سبحانه ﵎: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] على أن العبد إذا توفي على الشرك والكفر فلا يغفر له ذلك، أما من مات وقد اجتنب الشرك، ووقع في المعاصي فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه سبحانه ﵎، لكنه من الموحدين وهو سيدخل الجنة بإذن الله.
стр. 2628
دعوة الله لعباده إلى العودة إليه
يقول الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] نادى الله عباده بقوله: يا عبادي! وقد شرفهم بأن أضافهم إليه سبحانه ﵎، والمعنى: هؤلاء عبادي أنا خلقتهم، وأنا التواب الرحيم، فأتوب عليهم.
قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] هذه قراءة الجمهور ومنهم: نافع وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وعاصم، بفتح الياء في قوله: (يا عبادي).
وباقي القراء يقرءونها: ((قل يا عباديْ الذين أسرفوا على أنفسهم)) بسكون الياء في قوله: ((يا عباديْ)).
وقوله: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣] فيها قراءتان: الأولى: بالفتح، فتقرأ هكذا: (لا تقنَطوا)، أي: لا تيئسوا من رحمة الله سبحانه، وهذه قراءة الجمهور.
وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب والكسائي وخلف: ((لا تقنِطوا من رحمة الله)) بالكسر، وكلاهما بمعنى اليأس من رحمة الله سبحانه ﵎.
وفي الآية يبشر الله سبحانه هؤلاء ويفتح لهم باب الرحمة، بل أبواب رحمته سبحانه ﵎، فيقول لهم: لا تيئسوا مهما وقعتم في الذنوب، أو فعلتم من المعاصي، فمن تاب إلى الله فالله يتوب عليه؛ لأن رحمته سبحانه واسعة لا يقنط منها أحد، قال تعالى: ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣].
стр. 2629
ذكر معنى اسمي الله الغفور والرحيم
بين سبحانه سعة عفوه ومغفرته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] الغفر بمعنى: الستر والتغطية، ومنها: المغفر، وهي: الحلقات من الحديد التي يلبسها المقاتل، ليتقي بها سيوف الأعداء، يستر نفسه بالحديد، والله الغفار سبحانه، والغفور، وغافر الذنب، وكلها من أسمائه الحسنى سبحانه وتعني: الذي يستر الذنب، ويغطيه، ويكفر سيئات العبد فيمحوها ﵎، ثم بين سبحانه أنه لا يستثني ذنباً فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] والآية تدل على مغفرة جميع الذنوب حتى الكفر بالله سبحانه والشرك به فإنه يغفره، طالما تاب العبد من الكفر، ومن الشرك؛ لأنه هو الغفور الرحيم، ولم يكتف بقوله: (إن الله يغفر الذنوب)، بل جاء بالتأكيد فقال: (جميعاً)، أي: كل الذنوب يغفرها سبحانه، وزاد المعنى تأكيداً بقوله: (إنه هو الغفور)، أي: الذي يستر الذنوب ويكفر السيئات، ويمحوها، بل ويبدلها حسنات، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (فرحيم) صيغة مبالغة من الرحمة، فهو الرحمن، وهو الرحيم سبحانه، وكلا الاسمين عظيم وجميل.
فالرحمن: رحمته لجميع خلقه، فهو يرحم الجميع، ومن رحمته لجميع خلقه سبحانه: أن ترفع الدابة حوافرها عن ابنها كي لا تقتله، فهو سبحانه ﵎ يجعل الرحمة في قلوب الإنس، وفي قلوب الجن، وفي قلوب الدواب، وفي قلوب كل ما خلق سبحانه.
والرحيم: الذي يرحم المؤمنين سبحانه، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣] أي: يرحمهم في الدنيا فيهديهم، ويرحمهم في الآخرة فيستر ذنوبهم، ويكفر سيئاتهم، ويدخلهم جنته سبحانه ﵎، وكأن صفة الرحيم، تختص بالمؤمنين يوم القيامة بأنه لا يعذبهم سبحانه، وأنه يرحمهم ويدخلهم جنته سبحانه ﵎.
стр. 2630
تفسير قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب)
وجه الله المؤمنين بالإنابة والرجوع إليه فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] وهو أمر للمؤمنين خصوصاً، وللعباد عموماً بالإنابة إليه، وأناب بمعنى: رجع، والمعنى: ارجعوا إلى ربكم، ارجعوا إلى طاعة ربكم، ارجعوا إلى الخضوع والاستسلام لله سبحانه ﵎.
قوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أسلم نفسك، أي: سلم نفسك لربك سبحانه ﵎، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على التسليم والاستسلام لله رب العالمين، فلكي تثبت على دين الإسلام، لا بد أن تسلم فيه نفسك، ووجهك، وقلبك لله سبحانه ﵎، وتقول: أنا مسلم.
أي: أسلمت نفسي لربي، فليحكم فيّ بما يشاء ، وكما ينبغي أن تسلم لقضاء الله وقدره سبحانه ﵎، فعليك أن ترضى وتذعن وتخضع لله وأحكامه سبحانه ﵎، فإذا أمر تطيع، وإذا نهى تنزجر وتنتهي.
فلا يتحقق الإسلام إلا بالاستسلام والإذعان والخضوع لله سبحانه، ولذلك المؤمن حين يقول: أنا مسلم.
لا بد أن يفهم هذه الكلمة التي فهمها الكفار، فقد فهم الكفار ما هو دين الإسلام، وفهموا معنى: لا إله إلا الله، أي: أنه لا معبود بحق إلا الله، وهذه الكلمة يجهلها الكثير من المسلمين، بل إنك عندما تسأل أحد المسلمين: ماذا تعني كلمة: لا إله إلا الله؟ تجد من يقول لك: إن معناها: أن الله هو الذي خلقنا، والله الذي رزقنا، ويعدد بعض أفعال الله سبحانه، وهذا كلام معناه صحيح، فالله هو الذي يرزق، وهو الذي يخلق، لكن ليس ذلك هو معنى: لا إله إلا الله، بل لو قال الإنسان: لا رب إلا الله، لم يدخل في دين الإسلام، بل سيظل كافراً حتى يقول: لا إله إلا الله، إذ إن معنى الرب: الذي يفعل، والكافر لا يخالف في ذلك، بل يقر أن الله يفعل ما يشاء، ويقر أن الله يحكم، وأنه يدبر أمر السماء والأرض، وأنه يرزق عباده، وأنت عند قولك: لا رب إلا الله، تقر فقط أنه لا يفعل هذه الأشياء إلا الله، ولم ينكر أحد ذلك إلا الملحدون، فإنهم كذبوا بذلك وأنكروا، أما كفار أهل الجاهلية، عباد الأوثان والأصنام، فقد سئلوا من خلقكم؟ فقالوا: الله، وسئل بعضهم: كم تعبد يا فلان؟ فقال: سبعة من الآلهة، واحد في السماء، وستة في الأرض، فقيل: من الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء! ولذلك علم أن أمر الربوبية لم يختلف فيه الكفار، وشهد الله على الجميع بأن في قلوبهم ما يثبت ذلك، فقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
إنما وقع الخلاف بين الرسل وقومهم في إفراد الله بالعبادة، إذ إن الإله بمعنى: المعبود، فحين تقول: لا إله إلا الله.
فأنت تقر أنك لن تتوجه بالعبادة إلا إليه وحده، وهذه هي التي خالف فيها المشركون ورفضوا أن يقولوها تعنتاً وبغياً وكبراً وحسداً للنبي ﷺ ، فهم لم يخالفوا أنه لا رب إلا الله، وإنما خالفوا في أنه لا إله إلا الله؛ لأن مقتضى هذه الكلمة فعل من العبد، بخلاف الربوبية لله ، فإن مقتضى الربوبية أفعال من الله سبحانه، ولا أحد يخالف أو ينكر أفعال الله، أما مقتضى ألوهيته سبحانه، فهي أفعال من الخلق، وبيان لما يجب أن نعمل لهذا الخالق، ولذا جحد الكفار فقالوا كما أخبر الله عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي: إنما نعبد آلهة كثيرة، ولا نعبد إلهاً واحداً، وإنما رفضوا أن يعبدوا إلهاً واحداً؛ لأنهم لو عبدوا إلهاً واحداً، سيكون إلهك أنت يا محمد! وحينها سيكون لك النهي والأمر وحدك، وتتفرد بالشرف وحدك، وهم لا يرضون بهذا الشيء.
فكان هذا الذي من أجله خالف الكفار النبي ﷺ عندما قال لهم: قولوا: لا إله إلا الله.
وقد حدث أنه اجتمع أبو جهل ومن معه من زعماء قريش عند أبي طالب وشكوا له النبي ﷺ ، فكان مما قالوا: إنه يسب آلهتنا، ويسفه أحلامنا.
فقال لهم النبي ﷺ : (إني أدعوكم إلى قول كلمة واحدة، تدين لكم بها العرب والعجم قالوا: كلمة واحدة! بل نحن نقول لك عشر كلمات.
قال: قولوا: لا إله إلا الله، قالوا: أما هذه فلا).
فقد فهم الكفار منها ما لم يفهمه الكثير من المسلمين اليوم، بل إنك عندما تسأل الكثيرين لماذا تقول: لا إله إلا الله؟ ما الذي تعرفه عن هذه الكلمة؟ تجد أنه لا يعرف شيئاً عن معنى: لا إله إلا الله! وحين فهم الكفار معنى: لا إله إلا الله، قال قائلهم: أنترك كل الآلهة ونعبد إلهاً واحداً نتوجه إليه، ونصلي له، ونصوم له، ونزكي له، ونحج له، فاعلين ما يأمرنا، مجتنبين ما ينهانا عنه؟! أي أنهم فهموا من: لا إله إلا الله: ألا نعبد شيئاً إلا الإله الواحد سبحانه ﵎.
ولذا يُفهَم من قوله سبحانه: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: توجهوا إليه وحده سبحانه ﵎، مستسلمين له، مسلمين بقضائه وقدره، راضين به أنه الرب، وأنه الذي يعبد وحده لا شريك له، فلا تعبدوا أحداً مع الله ولا من دون الله سبحانه.
وقد أردف هذا الأمر بوعيد فقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ [الزمر:٥٤] ففي الآية تهديد ووعيد للمشركين والعصاة المجرمين: أن ارجع إلى ربك، قبل أن ينزل بك العذاب من عند رب العالمين، وأكد ذلك فقال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤].
стр. 2631
تفسير قوله تعالى: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم)
قال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥] حين يأتي العذاب من الله سبحانه لا ينصرك أحد، فأردف تلك الأوامر بالعودة إلى الله والرجوع إليه بما يؤكدها فقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] إن الله قد أنزل من السماء كتباً كثيرة، فأنزل التوراة، وأنزل الإنجيل، وأنزل الزبور، وكان أحسن ما نزل من عنده سبحانه القران العظيم، فأمر باتباع هذا القرآن الذي نسخ الشرائع التي كانت قبله كلها، وهو الكتاب الخاتم.
وقوله سبحانه: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥] تذكير بالربوبية فلم يقل: من إلهكم؛ لأن إلوهية الله تتجلى عندما يأمر بعبادته، أما الربوبية فيذكرها عندما يذكر صفاته سبحانه ﵎، أو أفعاله سبحانه ﵎، وبما أنه خلق فهو الذي يُشِّرِع، وهو الذي يحكم سبحانه، إذ إنه هو الرب سبحانه ﵎، ومن مقتضيات ربوبيته: أنه يعلم ما في خلقه، وما يحتاجون إليه، وما الذي يصلح حالهم، فينزل شريعة من السماء تتناسب مع ما يصلحهم، فكان القرآن العظيم هو ما اختاره لنا وأمرنا باتباعه فقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٥]، كما أن الذي خلقكم والذي يشرع لكم ما تنتفعون به يعلم سركم وجهركم قال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
وكسابقتها من الآيات فقد أردفها بالوعيد والتهديد فقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر:٥٥] فقد ذكر في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤] أي أنه إذا جاء العذاب فلا يستطيع أحد أن ينتصر من الله سبحانه، ولا أن يغالب ربه سبحانه.
وفي الثانية ذكر أنه إذا جاء العذاب فجأة، أي: أنك لا تشعر إلا والعذاب نازل عليك فقال سبحانه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر:٥٥] أي: فجأة، ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ [الزمر:٥٥ - ٥٦] أي: حين ينزل العذاب يصيح المفرط والجاحد: ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ والمعنى: احضري يا مصيبتي! أو يا تحسري! ولا ينفعهم التحسر إذا نزل العذاب من عند رب العالمين.
стр. 2632
تفسير سورة الزمر [٥٣ - ٥٩]
لعظم رحمة الله بعباده فإنه يناديهم بأرق النداء وأعذبه أن يعودوا إليه، ووعدهم إن عادوا إليه بأنه سيغفر ذنوبهم مهما بلغت كثرة وعظمة، ثم يوجههم إلى اتباع هديه وشرعه، ويحذرهم من مخالفته والصد عنه، ويبين لهم أن ذلك جالب للحسرة والخسارة يوم القيامة.
стр. 2633
تفسير قوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة الله)
الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
ثم أما بعد: قال الله في سورة الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٩].
يذكر الله سبحانه في هذه الآيات رحمته العظيمة الواسعة التي وسعت كل شيء، قال سبحانه: ((قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ)) أي: لا تيئسوا من رحمة الله، فالقنوط بمعنى: اليأس، والذي ينبغي على المسلم وهو يعيش في هذه الدنيا أن يرجو رحمة الله سبحانه، ويعلم أنه لا يدخل الجنة إلا بفضل الله وبرحمته سبحانه, ورحمته وسعت كل شيء, فلا ييئس من رحمة الله ومن روحه وكرمه سبحانه ﵎, بل لا بد أن يلجأ ويتوب إليه سبحانه من كل الذنوب، فإنه يغفر الذنوب جميعاً, ومعلوم أن الذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها ويعاقب عليها، وأن الذي يملك أن يدخل عباده الجنة هو الذي يملك أن يعذبهم في النار سبحانه، فلذلك ينبغي على العبد أن يتوب إلى الله سبحانه وأن يكون بين الخوف والرجاء, بين حب الله والذل بين يديه سبحانه، بين الأمل أن يدخله جنته والخوف أن يمكر به ويدخله ناره.
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر:٥٣] أي: تجاوزوا حدهم ووقعوا في الذنوب وأسرفوا فيها، ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣] أي إن الله لا يتعاظمه ذنب أن يغفره, فمهما أذنب العبد ثم تاب إلى الله فإن الله يتوب عليه حتى من الكفر ومن الشرك به سبحانه ﵎, أما إذا مات العبد على الشرك فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، بل مهما عمل من أعمال ظنها صالحة ومات على الكفر بالله أو مات على الشرك بالله ولم يأت بأصل الإيمان والتوحيد ولم يأت بلا إله إلا الله فإن عمله لا ينفعه كائناً ما يكون هذا العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣] والخطاب في الآية للكفار والمشركين، أما المؤمن الذي وحد ربه سبحانه ولم يقع في الشرك ومات على الإيمان والإسلام والتوحيد فإنه حتى لو وقع في كبائر الذنوب فيرجى له رحمة الله سبحانه ﵎؛ لأنه يغفر الذنوب جميعاً وهو الغفور الرحيم.
стр. 2634
تفسير قوله تعالى: (وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب)
أمر الله عباده بالإنابة إليه فقال: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ أي: ارجعوا إلى الله سبحانه، ((وَأَسْلِمُوا لَهُ)) أي: سلموا أنفسكم له واستسلموا وأذعنوا واخضعوا له وأطيعوه سبحانه، ثم حذر مفاجأة العذاب فقال: ((مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ)) والعذاب حين يأتي فمن الذي يجير العباد إذا أراد الله بهم انتقامه وبأسه وعقوبته سبحانه؟ فلا ينصرهم أحد إذا أراد الله عذابهم، ولا يشفع فيهم أحد إذا أبى الله سبحانه قبول هذه الشفاعة.
ثم يوجههم باتباع شرعه ودينه فيقول: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر:٥٤] لقد أنزل الله سبحانه الأحكام الشرعية من السماء، فأنزل القرآن وأنزل من قبله التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، فكان هذا القرآن العظيم أحسن ما نزل من عند الله سبحانه ﵎، ولما أمر بالاتباع حذر من المخالفة فقال سبحانه: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر:٥٤] أي: فجأة بغير مقدمات، فإذا أتى على العبد فلا يستطيع حينها أن يتوب إلى الله سبحانه ﵎، فعادة ما ينزل العذاب بغتة فيأخذ الله العصاة فيهلكهم، قال ﷺ : (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)، وقال سبحانه في سورة هود: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢].
стр. 2635
تفسير قوله تعالى: (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله)
بين الله سبحانه في الآية مدى حسرة العصاة والكفار فقال سبحانه محذراً: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ﴾ لئلا تقول نفس، أو كراهة أن تقول، ﴿يَا حَسْرَتَا﴾ الأصل فيها: يا حسرتي! وكأن الإنسان ينادي على الندامة: أن تعالي يا ندامة من أجل أن أندم على ما فعلته، أو تعالي يا حسرة من أجل أن أتحسر على نفسي وعلى ما فرطت في جنب الله سبحانه! والنداء هنا يحمل معنى الاستغاثة والندب، والمعروف أن الإنسان يندب حظه ويصوت على نفسه، وقد يبكي على ما فرط وقصر.
وفي قوله تعالى: (يا حسرتا) قراءات، فيقرؤها أبو جعفر: (يا حسرتاي على ما فرطت في جنب الله) بخلاف ابن وردان فإنه يقرأ: (يا حسرتآي على ما فرطت) يُصوت على نفسه يوم القيامة فيقول ذلك (يا حسرتي)، فالأصل فيها بالياء وقلبت ألفاً للتخفيف، إذ إن الذي يُصوت يمد صوته من شدة حسرته فيقول: يا حسرتآه يمد صوته فيها، ويقف عليها رويس عن يعقوب: (يا حسرتاه) بهاء السكت عليها، ويميلها حمزة والكسائي وخلف، ويقللها الأزرق عن ورش والدوري.
وقوله سبحانه: ((عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ)) أي: في ذات الله وذكره وطاعته سبحانه ﵎، وهو حين يقول: يا حسرتاه، يستحضر ما كان في الدنيا، فيتذكر أنه كان من الممكن أن يجيره الله سبحانه ففرط في جوار الله سبحانه، ويتذكر أنه كان من الممكن أن يجعل الله سبحانه من يشفع له عنده ففرط، وقصر في ذلك.
وكل إنسان مؤمناً كان أو كافراً، باراً كان أو فاجراً، يرى أنه يوم القيامة قد ظلم نفسه، ويرى نفسه مفرطاً في جنب الله سبحانه, فالمؤمن يقول: كان يمكنني أن أعمل أكثر من ذلك، فأحظى بدرجة أعلى مما أنا فيه في الجنة، فيرى نفسه مغبوناً، والغبن: أن يرى الإنسان نفسه استعجل أو تسرع في الشيء فخسر, كمن استعجل في الشيء فاشتراه بثمن غالٍ، وكان بإمكانه أن يشتريه بمثمن أرخص أو استعجل في بيع شيء فباعه بثمن بخس ولو انتظر لباعه بثمن أعلى، فكلاهما يسمى مغبوناً، ولذا سمي يوم القيامة: يوم التغابن؛ لأن كل إنسان يرى نفسه مغبوناً في ذلك اليوم، ولو سئل: من الذي خدعك؟ لوجد أنه هو الذي خدع نفسه، فحينها يتحسر ويتألم ويخاطب نفسه: كان أمامي وقت كثير ضيعته في النوم واللهو واللعب، كم من ساعات قضيتها في الكلام الفارغ فغبنت نفسي! وقد كان بإمكاني أن أجلس وأقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] عشر مرات فيبني الله لي قصراً في الجنة! وكان بإمكاني أن أقول: سبحان الله وبحمده مائة مرة فتغفر ذنوبي ولو كانت مثل زبد البحر, أو لو كنت قلت: لا إله إلا الله وحده لا شريك له مائة مرة كانت لي عدل عشر رقاب أعتقتها الآن -يوم القيامة-، فيرى نفسه مغبوناً قد غبن نفسه يوم القيامة؛ ولذا ينادي: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٦] والمعنى: لقد فرطت كثيراً في جنب الله، وكان من الممكن أستغل عمري أكثر مما استغللته.
أما الكافر فيرى نفسه خاسراً ضائعاً يقول: فرطت في جنب الله فرطت في الإسلام فرطت في لا إله إلا الله فرطت في كلمة التوحيد ((وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ)) أي: لمن المستهزئين، فقد كنت أسخر من المؤمنين وأستهزئ بما جاءني من عند رب العالمين.
стр. 2636
تفسير قوله تعالى: (أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين)
عندما يتيقن الكافر بفداحة خسارته يوم القيامة يتمنى الهداية حين لا هداية والعودة حين لا عودة، قال تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] يقول الكافر مخاطباً نفسه يوم القيامة: كنت أسخر وأضحك من المؤمنين، وأسخر من المصلين، وأسخر من أهل التوحيد، وكنت أستهزئ بهم، وغيره ممن على ملته يقول: ((لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي)) أي: ليت الله هداني، فلو هداني: ((لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ))، وقوله كلمة حق هو مبطل فيها، إذ إن الله سبحانه ﵎ قد هداه ودله على طريق الإيمان، لكنه أبي وتنكب؛ ولذا يوم القيامة يجد الإنسان أنه هو الذي ظلم نفسه، فيقول: ليت أن الله هداني! يريد الهداية بمعنى: التحويل وكأنه يقول: يا ليت أن الله حولني من الضلال إلى الهدى، وحينها يُسأل: هل أعطيت من نفسك ما تستحق عليه الهداية أم أنك أنت الذي فرطت وقصرت وأعرضت عن المؤمنين وعن دعوة رسول رب العالمين ﵊؟! ولذا يتحسر على نفسه يوم القيامة.
ومعلوم أن كلمة: (لو) في الدنيا تفتح عمل الشيطان، أما في الآخرة فإن الإنسان ييئس من هذه الكلمة، وإن كررها فهو من أهل النار والعياذ بالله، وذلك جزاء بما قدم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٦ - ٥٧] أي: لكنت عملت ما أتقى به رب العالمين، وكنتُ اتقيت المعاصي والذنوب، ولكنه لم يفعل ولذا لا ينفعه قوله حين يقول: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧].
стр. 2637
تفسير قوله تعالى: (أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة)
قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ [الزمر:٥٨] أي: حين تعاين عذاب رب العالمين سبحانه: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ [الزمر:٥٨] أي أنهم إذا دخلوا النار يقولون: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون:١٠٠] أي: لعلي إن عدت مرة أخرى أن أعمل صالحاً، ولكن الله منع العودة إلى الدنيا، وبين أنها أمنية لا يمكن أن تتحقق؛ ولذا صدرت بلو قال تعالى:: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨] أي: لو رجعت إلى الدنيا مرة ثانية فسأكون من المحسنين، فقد تبت إلى الله ، وسأحسن أفضل الإحسان إن أعادني فيجيبه ربه سبحانه فيقول: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] وقوله: بلى: جواب عن استفهام منفي، وظاهر الآية أنه لا يوجد استفهام منفي، ولذا يقدر في الآية بمعنى قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] ليصبح المعنى: ما هداني الله أو لم يهدني الله، فيجاب: بلى، فينفي نفي هذا الذي يقوله ليكون المعنى: قد هداك: لأن نفي النفي إثبات، فكأن العبد يقول: ما هداني الله فأكون من المتقين، أو ما فعل الله بي كذا فأكون من المحسنين، فيجاب: بلى، فقد هداك ودلك الله سبحانه ﵎ على طريق الهدى، فأعذر إليك بأن أنزل الكتاب، وأرسل الرسول ﷺ ، وبين لك النجدين طريق السعادة وطريق الشقاوة، إلا أنك اكتسبت هذه الأعمال فاستحققت عقوبة الله، قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٥٩] , فالكافر قد كذب بآيات الله سبحانه واستكبر عن طاعة رب العالمين سبحانه، وكان من الكافرين الجاحدين لربهم سبحانه المنكرين لنعمه عليهم، فقد اقترفوا ذنوباً بعضها فوق بعض، أفبعد ذلك يقول أحدهم: لو أن الله هداني؟! والهدى من الله على نوعين: هدى بمعنى الدلالة، وهذا لجميع خلقه، وهذا الذي لا يستطيع أن ينكره العبد يوم القيامة، وإن قال القائل يوم القيامة: لو أن الله حولني وعاملني كما يعامل هؤلاء المؤمنين، فسيجاب: المؤمن قد قدم في هذه الدنيا ما بسببه ﵀ فاستحق أن يزيده هدى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧]، فالمؤمنون قد أراد الله بهم الخير فدلهم على الطريق ثم أعانهم ففهموا هذا الطريق الحق فعملوا، فزادهم الله إيماناً وهدى، أما الكافر فإنه لما دله الله على الطريق، أخذ يستهتر ويأنف من اتباع الحق، بل أخذ يتبع الشيطان والهوى، ولذا استحق أن يطمس الله على نوره وبصيرته، فأصبح لا يرى حقاً ولا يجتنب باطلاً، قال الله لهذا الكافر: ﴿قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ﴾ [الزمر:٥٩] أي: استكبرت عليها وأنفت أن تطيع الله سبحانه ﵎، وكفى المستكبر عقوبة أنه لا يدخل الجنة أبداً، قال ﷺ : (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) وقد جاء عن النبي ﷺ أنه سئل عن الكبر فعرفه بأنه: (بطر الحق وغمط أو وغمص الناس) والمعنى: أنه يرفض الحق ويأبى أن يدخل فيه وأن يتبعه، فكان من كبر المستكبرين أنهم إذا دعوا لا يطلبون أن يدلهم الله على الحق وإنما يقول قائلهم كـ أبي جهل وأمثاله: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢] , ومن الكبر كما جاء في الحديث غمص الناس أي: احتقار الناس، ولذا يأتي المتكبرون يوم القيامة مثل النمل، وجاء في سنن الترمذي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وجده هو عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر من الصغار في صور الرجال) فمن استكبر بقوته أو بضخامة جسده في الدنيا؛ فإنه يحشر يوم القيامة مثل النمل من الهوان، فإذا دخل النار كبر الله جثته وكبر حجمه ليناله العذاب في نار جهنم مفرقاً في جسده قطعة قطعة.
ثم يقول النبي ﷺ : (يغشاهم الذل من كل مكان) ولأن الكافر كان في الدنيا منيع الجانب، متعززاً على المؤمنين، فإنه يحشر يوم القيامة ذليلاً ويقال له تبكيتاً: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان:٤٩]، كان الكفار في الدنيا كـ أبي جهل وغيره يقول قائلهم: أنا عزيز في قومي، أنا منيع الجانب في قومي، أنا كريم على قومي لا يسلمونني لأحد أبداً، وكان في يوم بدر في مثل الحرجة قد أحاطه الكفار يدافعون عنه برماحهم وسيوفهم، مثل الحرجة أي: في مثل الغابة الكثيفة من كثرة من حوله ممن يحمونه ويدافعون عنه، فإنه يعذب يوم القيامة ويقال له: (ذق) أي: ذق العذاب (إنك أنت) أي: لأنك كنت تقول عن نفسك ذلك (إنك أنت العزيز الكريم)، فذق يا عزيز، ذق يا كريم! فما كنت تدعيه في الدنيا من عزة وكرامة عذبت به في نار جهنم والعياذ بالله! ثم يقول النبي ﷺ عن هؤلاء المستكبرين: (يحشرون يغشاهم الذل من كل مكان، فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى بولس) وبولس: اسم سجن في جهنم ثم قال ﷺ : (تعلوهم نار الأنيار) أي: أفضع النار والعياذ بالله! ثم قال ﷺ : (يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال) طينة الخبال: أي يسقيهم الله صديد أهل النار والعياذ بالله، والحديث قال عنه الترمذي: حسن صحيح، وحسنه الشيخ الألباني ﵀.
стр. 2638
تفسير سورة الزمر [٦٠ - ٦٤]
إن الله سبحانه هو الحكم العدل فقد جعل النار مثوى المكذبين، وجعل الجنة دار المتقين، وقد بين الله سبحانه أنه هو الذي بيده مفاتيح الخزائن، فكيف يعبد معه غيره، وكيف يشكر معه سواه؟! ولذلك فقد سمى الله من يعبد غيره جاهلاً، وإن علم من علوم الدنيا ما علم، فالعلم الحقيقي هو العلم بالله، والجهل الحقيقي هو الجهل به سبحانه.
стр. 2639
الإخلاص والمتابعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ * وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٣ - ٦٦].
في هذه الآيات وما قبلها يدعو الله عباده إلى التوبة والاستغفار والرجوع إليه، وأن لا يقنطوا من رحمته سبحانه؛ فإن رحمته واسعة عظيمة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، وأمرهم بالإنابة إليه فقال: ﴿وَأَنِيبُوا﴾ [الزمر:٥٤] أي: ارجعوا إلى ربكم، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٤] أي: أسلموا نفوسكم ووجهوا وجوهكم وأخلصوا لله وحده لا شريك له، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [الزمر:٥٤ - ٥٥] فأسلموا: أخلصوا لله ، والإخلاص وحده لا ينفع حتى تتبعوا ما نزل من عند الله ، ولذلك فإن العبادة مبناها على ركنين: ركن الإخلاص لله سبحانه، والركن الآخر: المتابعة لدين الله سبحانه، فلا يخترع الإنسان عبادة يعبد الله بها، فالله سبحانه قد كفانا بهذا الدين العظيم بالكتاب والسنة، فعلينا أن نتعبد لله سبحانه بما شرع، وبما أنزل.
стр. 2640
المبادرة بالتوبة قبل الندم
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٥] أي: حتى لا تندموا يوم القيامة، ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] فإذا سخر الإنسان في الدنيا وضحك ولعب فإنما يسخر من نفسه، ويوم القيامة يعرف عقوبة ذلك وعاقبته، فلذلك يقول الله لنا: احذروا أن تقول نفس يوم القيامة: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر:٥٦] أي: كنت أسخر من نفسي وأضحك عليها، لقد خدعتها وغبنتها، يقول الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] أي: يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر:٥٧] (لو) في الدنيا تفتح عمل الشيطان، وفي الآخرة كلمة الحسرة يوم القيامة، فيفكر الإنسان كيف يخرج من النار؟ ويتمنى أنه عمل الصالحات، ويتحسر على ما فرط في هذه الدنيا، والدنيا مرة واحدة فقط، لن تكرر مرة أخرى.
فالإنسان الذي جعله الله يعمر هذا الكون أخبره أن الدنيا حياة واحدة، وأن الحياة الأخرى يوم القيامة، والخلود إما في الجنة وإما في النار، فالإنسان لما يجد ما قدمه حسنات يفرح ويقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠] أي: أنا علمت في الدنيا أن الله سيحاسبني يوم القيامة فقدمت وعملت لهذا اليوم.
قال الله : ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢١ - ٢٤] فالمؤمن يوم القيامة يخلد في الجنة فلا يموت، قال الله تعالى: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] والفاجر والكافر إذا وجد كتابه أخذه بيده الشمال من وراء ظهره، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦]، وهنا يذكر الله أنه يقول: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر:٥٨] أي: ياليتني أرجع مرةً أخرى إلى الدنيا، فأحسن أفضل الإحسان، فهذا ما يتمناه العبد يوم القيامة، وفي وقت يقال للناس: لا رجوع لكم، فقد عمرناكم في الدنيا فلم تعملوا ولم تستجيبوا، فالله يخبرنا عن هذا الموقف الذي يكون يوم القيامة، وما يكون فيه من الكافرين والعصاة حين يتحسرون ويبكون على أنفسهم في وقت لا ينفع فيه الندم، ويطلبون الاستدراك في وقت العدم.
стр. 2641
تفسير قوله تعالى: (ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة)
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠] سود الله وجوههم فهي سوداء، وأعينهم زرقاء، ويحشرون عمياً إلى النار والعياذ بالله.
ومعنى: ﴿كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ﴾ [الزمر:٦٠] أي: افتروا على الله سبحانه، وكذبوا بآياته، وقالوا: ما أنزل الله من كتاب، وما أنزل من سلطان، وما أرسل من رسول، فافتروا عليه سبحانه، ولم يؤمنوا ولم يصدقوا، فهؤلاء تكون وجوههم مسودة يوم القيامة.
يقول الله سبحانه: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٦٠] أي: أليس فيها مكان يؤويهم ويسكنون فيه، وينزلون به، فيقيمون إقامةً دائمة مستقرة في النار؟ قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ﴾ واسمها جهنم فهي نار بعيد قعرها تلقى الصخرة العظيمة من فوقها فلا تصل إلى قعرها إلا بعد سبعين سنة.
وكلمة جهنم معناها: البعيدة القعر، وهي مأخوذة من قولهم: هذا بئر جهنام قعره بعيد فكذلك النار، فهي عميقة وبعيدة القعر، وأسماؤها كثيرة في القرآن، تعبر عما فيها وعن معانيها، فهي جهنم، وهي الحطمة التي يحطم بعضها بعضاً، وهي نار السعير المستعرة المشتعلة الملتهبة، والسعار من الجنون، فكأنها نار لا تبقي ولا تذر أمامها شيئاً، فأسماؤها تدل على ما يكون فيها لأصحابها.
فقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ أي: مثوى للمتكبر، فالمتكبر علا في الدنيا وارتفع على الخلق، وظن نفسه أعلى منهم، فأبى الله إلا أن يذله، ويضعه ويخفضه، فإذا به في دركات جهنم البعيدة القعر، يهوي بها هذا الإنسان المتكبر الذي تعالى على خلق الله، وتعالى على رسل الله عليهم الصلاة والسلام.
﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾
و
الجواب
بلى، في جهنم مثوى للمتكبرين، يحشرهم الله في هيئته الذر، كأمثال النمل يوم القيامة إلى النار كما جاء في سنن الترمذي قال ﷺ : (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صورة الرجال).
стр. 2642
تفسير قوله تعالى: (وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم)
يقول الله سبحانه: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر:٦١].
إن الله يهلك الكفرة والمستكبرين الذين تكبروا على آيات الله ، وعلى رسله عليهم الصلاة والسلام، فتهوي بهم النار إلى قعرها جزاءً وفاقاً، ولكن المؤمنين ينجيهم الله ، وكأنهم لما عاينوا وخافوا في الموقف يوم القيامة، ومروا فوق الصراط حصل لهم رعب وخوف، فنجاهم الله من ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا﴾ هذه قراءة الجمهور، وقراءة روح عن يعقوب: ﴿وَيُنْجِي اللَّهُ﴾ بسكون النون، وقوله: (بمفازتهم) هذه قراءة الجمهور، وقرأها شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي، وخلف: ((بِمَفَازَاتِهِمْ)) على الجمع، والمفازة مصدر بمعنى: الفوز يعني: بفوزهم، وبما كتب الله لهم من سعادة يوم القيامة بفضله وبكرمه عليهم فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله.
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
فالجنة ثمنها غال لا يقدر العبد على دفعه، ولكن السبب إليها يسير، فإذا قيل لك: ادفع ثمن الجنة وأنت في الدنيا فلن ترض، ولن تقدر، فإذا عبدت ربك وخدمت دينك فلك الجنة التي لا تقدر على دفع ثمنها، حصلت عليها بالأخذ بالأسباب، وإذا نويت الخير وفعلته حصلت على ثوابه، وإذا لم تفعله أجرت على نيتك، فالمطلوب هو الأخذ بالأسباب، والنتيجة على الله سبحانه ﵎، وعملك سبب لدخول الجنة، أما أن تدفع ثمن الجنة فهذا مستحيل، فالجنة العالية العظيمة الغالية تدخلها بفضل الله وبرحمته ، وعملك لو وزن مع نعم الله عليك فلا تكافؤ، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، وإذا عددت عملك سوف تحصيه، وإذا عددت نعم ربك العظيمة عليك فلن تحصيها، ففكر في نفسك، وما الذي فيك من أعضاء، وانظر إلى جلدك وكيف أنعم الله عليك به، وانظر إلى العين واللسان والشفتين، وإلى السلاميات والمفاصل، وإلى كل أعضائك، فهذه كلها من النعم التي أنعم الله بها عليك، ومهما عملت في الدنيا لتؤدي شكرها فلن تستطيع، إنما تؤدي شكر بعضها، أما كلها فلن تحصيها، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١٨]، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]، فالله يغفر ويرحم سبحانه، والإنسان يغبن نفسه وغيره، ويجحد نعم الله عليه.
فيوم القيامة ينجي الله المؤمنين بما كتب لهم من رحمته، وبسعادتهم التي سبقت عنده؛ لأن أهل السعادة ييسرون لعمل أهل السعادة، فيدخلهم الله الجنة فائزين بفضله وبرحمته سبحانه.
وقوله تعالى: ((وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ)) أي: بما نجاهم الله فيه من رحماته العظيمة الواسعة، وما أعطاهم من فوز يوم القيامة.
وقوله: ((لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ)) أي: لا ينالهم ولو شيء قليل من السوء، فعبر بالمس، ولم يعبر بالاحتراق؛ ليدل على أنه لا يمسهم شيء يسوؤهم طالما أن الله كتب لهم النجاة من النار.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] وهذا الفوز العظيم عند الله سبحانه، وفي قوله تعالى: ((لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)) أنهم لا يحزنون على ماض، فهم يحمدون الله أن خرجوا من الدنيا دار الفتن والمحن، ودخلوا الوطن الحقيقي للإنسان، وهو جنة الله سبحانه ﵎، فلا يحزنون على شيء فاتهم.
стр. 2643
تفسير قوله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل)
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:٦٢] أي: خالق الدنيا والآخرة، وخالق الجنة والنار، وخالق الإنسان وعمله ، فكل شيء أوجده الله سبحانه وخلقه، أما الإنسان فلم يخلق شيئاً، وإنما يكتسب الأفعال الصالحة أو الأفعال السيئة.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ فيه ما عليه سبحانه من العلو والقدرة، وأنه رقيب شهيد على أعمال العباد، وأن عليهم أن يخافوا منه سبحانه.
فالله يرينا استعلاءه بقدرته علينا في الحفظ، والوكيل هو من يحفظ الأعمال ويحصيها ﵎ حتى يجازينا عليها يوم القيامة، فهو الوكيل الحفيظ سبحانه، الشهيد الرقيب على عباده، الذي قام كل شيء به ، فعلى الإنسان أن يتوكل عليه ويفوض أمره إليه، ويظهر عجزه أمامه، فلا قدرة ولا حول ولا قوة لهذا الإنسان إلا به سبحانه، فهو الذي يقدر على كل شيء، وهو الوكيل القادر الذي قام به كل شيء، وهو الحي القيوم القائم على كل شيء، والذي قام كل شيء به ، ولا شيء يقدر عليه الإنسان إلا أن يقدره الله عليه، فهو الوكيل الحفيظ الشهيد الرقيب سبحانه الذي دبر أمور السماوات والأرض.
стр. 2644
تفسير قوله تعالى: (له مقاليد السماوات والأرض)
قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٣] المقاليد: الخزائن، وهي مفاتيح خزائن السموات والأرض، فكل شيء له يملكه، وكل شيء تحت تصرفه ، يأمر بقوله: كن فيكون، فالمطر يأمره : انزل في المكان الفلاني، فينزل في ذلك المكان، وخزائن الأرض من كنوز وغيرها يأمر بخروجها فتخرج لمن يشاء من خلقه وهذه الخزائن ملأى لا تغيظها نفقة، فإذا أراد الإنسان الرزق فليسأل الله سبحانه ﵎، وسوف يعطيه رزقه، فلا أحد يقدر أن يقدم أو يؤخر من أرزاق العباد شيئاً، ولكن الله الذي يفعل ذلك، فعلى العبد أن يقطع علائقه بالخلق، فلا يتعلق قلبه بأحد من الناس، فالله سبحانه ﵎ هو الذي سيعطيه ويرزقه، وإنما عليه أن يأخذ بالأسباب، وأن يثق بالله ، فهو الرزاق الكريم، وهو على كل شيء وكيل.
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، إن الكافر طماع لا يثق بالله سبحانه ولا برسالاته، إنما يريد أن يرى أمامه الجنة وينظر إليها، فإذا رآها آمن بها، وإلا فإنه يكفر ويكذب مهما جاءته من الآيات، قال الله تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤] طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون، ولا يتبعون رسل الله عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الزمر:٦٣] الذين خسروا الدنيا والآخرة مهما جمعوا من الدنيا لا بد وأن يتركوها يوماً من الأيام، فإذا جاءوا يوم القيامة وقد ضاعت منهم الدنيا كان مصيرهم إلى النار، فهذا هو الخسران المبين، الذي يبين ويفصح عن نفسه أنه الخسران الحقيقي.
стр. 2645
تفسير قوله تعالى: (قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر:٦٤]، يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: قل لهؤلاء الكفرة المجرمين: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ يخاطبهم بلهجة شديدة: أيها الجهلة! أيها الحمقاء والمغفلون! أتأمرونني أعبد غير الله؟! من إله غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟! أأله مع الله يستحق العبادة، وهو الذي خلق ورزق، وأقررتم وأيقنتم بأنه كذلك؟ أأعبد غير الله؟ أين عقولكم أيها الجاهلون؟! وقوله تعالى: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي)) بالمد والتسكين وتسكين الياء هذه قراءة الكوفيين، وقراءة البصريين أبي عمرو ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف ي ((تَأْمُرُونِيْ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)) بالياء الساكنة على قراءتهم في المد والقصر فيه، ويقرؤها نافع وأبو جعفر المدنيان: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ))، بالتخفيف وفتح الياء، وطالما فتحت الياء فلا مد فيها.
ويقرؤها ابن كثير بفتح الياء والتثقيل: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تأمرونِّيَ أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)) ويقرءوها ابن عامر بخلف عن ابن ذكوان: ((قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونني أَعْبُدُ)) ويمد فيها بحسب ما يمد هشام وابن ذكوان.
وهناك قراءة ثانية لـ ابن ذكوان: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ بالمد الطويل فيها، فهذه خمس قراءات في هذه الكلمة.
وإذا وقف يعقوب على كلمة (الجاهلون) يقرؤها بهاء السكت، يقول: ((أَيُّهَا الْجَاهِلُونَه))، أو يقرأ: ((أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ)).
فهنا الخطاب للكفرة أنهم جهلوا، وإن كانوا قد علموا أشياء، كما قال الله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] فهذا علم الكفار، يعلمون من علوم الدنيا، كعلم الطب والفلك والبحار، فيعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا أما الغيبيات فلا يريدون أن يعرفوها، ولا يريدون أن يعرفوا مصيرهم بعد الموت، وهذا هو الجهل الحقيقي، فعلمهم لا يتجاوز هذه الدنيا التي يعيشون فيها فترة وجيزة، ويتغافلون عن الحياة الأبدية في الآخرة، فالجاهل حقيقة هو الذي ترك أخراه وطلب دنياه، وضيع العلم الحقيقي، وأخذ ظاهراً من الحياة الدنيا.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2646
تفسير سورة الزمر [٦٥ - ٦٧]
يحذر الله نبيه محمداً ﷺ من الشرك، مبيناً له أن الشرك يحبط العمل، وحضه على عبادته وحده لا شريك له مع شكره سبحانه على نعمه العظيمة، واليهود والنصارى والمشركون ما قدروا الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو المستحق للعبادة وحده.
стр. 2647
تفسير قوله تعالى: (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
يخبرنا في هذه الآية عن أمر الشرك بالله سبحانه، وأنه أكبر الكبائر، وأن أفظع ما يرتكب الإنسان أو المخلوق أن يشرك بالله ، والتحذير من الشرك ليس في ملة النبي ﷺ فقط، ولكنه في كل الملل قبله صلوات الله وسلامه عليه، فكل نبي من الأنبياء وكل رسول من الرسل عليهم الصلاة والسلام أوحى الله إليه وحذره أن يشرك بالله، وأمره أن يعلم الخلق في زمانه ألا يشركوا بالله ، ولذلك دعوة الأنبياء كلهم الدعوة إلى الإسلام، إلى أن يسلم قومهم أنفسهم لله ، إلى أن يعبدوا الله ما لهم من إله غيره، فهذا هو معنى لا إله إلا الله.
قال تعالى عن نوح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فقوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ هذه الكلمة تساوي كلمة لا إله إلا الله أي: قولوا: لا إله إلا الله، واعملوا بمقتضى ذلك، لا إله إلا الله فيها النفي والإثبات، تنفي صفة الألوهية عن أي أحد إلا الإله الواحد ، فلا يستحق العبادة أحد إلا إله واحد وهو الله ، ولا إله إلا الله هي نفس المعنى الذي في قوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلا أنه في هذه الآية قدم الإثبات قبل النفي، وفي كلمة (لا إله إلا الله) قدم النفي قبل الإثبات، فقوله: (لا إله) أي: لا معبود إلا واحد فقط وهو الله .
ومعنى قوله: ((اعبدوا الله)) أي: اعبدوا إلهاً واحداً، ومعنى قوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾، أي: لا إله غيره .
فأخبر هنا أن كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أوحي إليهم بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الزمر:٦٥] أي: كما أوحى إليك وحذرك من الشرك أوحى بذلك أيضاً إلى من قبلك من الأنبياء والرسل، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، لماذا؟ قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، قيل هذا للرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه وقد عصمه الله من الذنوب فكيف يقع في الشرك؟! ومع ذلك يقول له: احذر من الشرك، إن أشركت بالله أو عبدت غير الله أو توجهت إلى غيره سبحانه حبط كل عملك، وهذا الإحباط للعمل يدل على عظيم أمر التوحيد وعلى شنيع أمر الشرك بالله سبحانه.
فالتوحيد عظيم جداً، فإذا ضيع الإنسان التوحيد استحق أن يحبط الله جميع أعماله.
قوله: ﴿لَيَحْبَطَنَّ﴾ هذا فعل مضارع وأوله اللام المؤكدة وآخره النون المثقلة للتوكيد، ومعناه القسم، يعني: والله ليحدثن ذلك، والله ليحبطن عملك، والله لتكونن من الخاسرين، إن فعلت ذلك.
إذاً: الجملة هذه جواب لقسم محذوف دل عليه اللام المؤكدة أول الفعل المضارع والنون المثقلة المؤكدة آخر الفعل المضارع ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥].
стр. 2648
حقيقة الشرك بالله وعاقبته
إن الشرك بالله أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وأن تزعم أنه يجوز للعبد أن يعبد الله وغير الله، أو أن تجعل شريكاً لله في العبادة وأنه يستحق أن يعبد مع الله، حاشا لله .
إذاً: الشرك بالله أعظم الذنوب، وقد نبه الله على ذلك في آيات من كتابه سبحانه، قال في وصية لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] أي: أعظم ما يظلم الإنسان به نفسه أن يقع في الشرك بالله سبحانه، وأخبر سبحانه عنه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٤٨]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا﴾ [النساء:١١٦].
فالإنسان الذي يشرك بالله قد تاه وضيع نفسه، وخرج عن الطريق السوي إلى طريق المتاهة الذي يؤديه إلى النار والعياذ بالله في النهاية.
إذاً: لا يغفر الله أن يشرك به إذا مات الإنسان على ذلك، وإلا وهو في الحياة إذا تاب ورجع إلى التوحيد فالله يغفر له جميع الذنوب بما فيها الكفر، فالإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها، فإذا تاب العبد تاب الله عليه، لكن إذا أشرك بالله ومات على ذلك فهذا الذي لا يغفره الله سبحانه، والدليل على ذلك قول الله : ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة:٢١٧] أي: هؤلاء الذين ارتدوا وماتوا على الردة ماتوا على الكفر حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة.
والمفهوم المخالف: أن من وقع في الشرك ثم راجع نفسه وتاب إلى الله سبحانه فالله يغفر له؛ لأنه قيد الذي لا يغفر له والذي يستحق أن يكون من الخاسرين بالذي يشرك بالله ويرتد عن دين الله ويموت على ذلك.
стр. 2649
تفسير قوله تعالى: (بل الله فاعبد وكن من الشاكرين)
قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر:٦٦]، قوله: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾، قدم المفعول على الفعل للاختصاص، والأصل اعبد الله، قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فقدم هنا الفاعل على المفعول، وهذا نوع من التفنن في سياق الألفاظ والكلمات، والأمر الثاني: اختصاص المفعول حين يقدم مثل أن تقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة:٥]، يعني: ليس غيرك ولا أحد معك أعبده، وإنما أنت وحدك لا شريك لك أعبدك وأستعين بك، وهنا قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ يعني: اعبد ربك وحده لا شريك له سبحانه.
قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾، يعني: كن ممن يشكرون الله ، اشكر ربك أن هداك إلى هذا الدين، واشكر ربك أن ثبتك على التوحيد، واشكر ربك أن هداك إلى الشريعة العظيمة ووفقك للعمل بها، واشكر ربك على أن استجاب إليك من الخلق من شاء الله ، فيكون لك أجور من اتبعك يوم القيامة على هذا الدين العظيم، فاشكر ربك.
فإذاً: أخبرنا سبحانه أنه من يشرك به يحبط عمله، ومن يعبده ويشكره يزيده الله سبحانه من نعمه، والشكر يستحق عليه العبد الزيادة من الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧]، والعكس ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
والشكر شكر النعمة، والكفر جحود هذه النعمة، وكأن الكفر منه كفر بالله سبحانه ومنه كفر جحود لنعمة الله ؛ لأن العبد قد يشكر نعمة من نعم الله ويتناسى نعماً كثيرة منه لم يشكرها، فكأنه جحدها وكأنه كفرها وسترها فلم يشكر ربه عليها.
فقال لنبيه ﷺ وللناس بالتبع: ﴿وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾.
стр. 2650
تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، قوله: (وما قدروا الله حق قدره) أي: ما عظموا الله سبحانه بما يستحق من تعظيم، لو أن العبد عظم ربه حق التعظيم فإنه يستحي منه ، فيحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، ويخشى ويحذر من الموت والبلى، فهو يعلم أنه راجع إلى الله ، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فالإنسان الذي يستحيي من الله حق الحياء عرف ربه سبحانه فعبده أفضل العبادة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ولم يقدروا الله حق قدره ولم يعظموا الله بما يستحق من تعظيم .
ثم قال: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يرينا الله قوته وقدرته في الدنيا وفي الآخرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] أي: هذه السماوات التي فوقنا وما فيها من أجرام وما فيها من أفلاك وما فيها من شموس ونجوم وكواكب ومجرات وما فيها من خلق لا يعلمه إلا الله؛ الذي يمسك هذا كله والذي يدبر أمره والذي يحفظه من أن يزول هو الله ! والله الذي قدر مقادير هذه الأشياء كلها، قال : ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨]، ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩]، والأرض جعلها راسية؛ لئلا تميد بكم، وهذه الأفلاك كل يجري إلى أجل مسمى، فالله يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا، وكل يجري بمقدار، وكل يجري بحساب قدره الله العزيز الجبار .
فهنا الإنسان الذي يتأمل الشمس حين تشرق من مشرقها وتغرب من مغربها ولا يتخلف هذا الأمر، واليوم يطول في الصيف، ويقصر في الشتاء، وهكذا في كل عام لا يتخلف شيء من ذلك، حتى يأتي أمر الله ووعد الله؛ من الذي يمسك هذه الشمس فتجري في مجرتها وفي فلكها ومدارها من غير تخلف في يوم من الأيام؟ إنه الله سبحانه ﵎، لو تحركت في غير مسارها واقتربت من الأرض شيئاً لأحرقت ما على الأرض وأتلفت ما عليها، ولأغرقت الأرض جميعها بالفيضانات التي تكون عالية، ولو اقتربت شيئاً لارتفعت درجة حرارة الأرض، عند ذلك تسيح الجبال التي من برد والتي من ثلج فتغرق ما على الأرض ثم تحرق الأرض كلها.
إذاً: الله هو الذي يمسك هذه الشمس فيجعلها تجري في مدارها ومسارها، وقس على ذلك كل شيء خلقه الله ، فهو القيوم سبحانه الذي قام به كل شيء، ثبت هذه في مجراها، وهذه في مسارها، وهذه في مدارها، فكل شيء قام بأمره سبحانه؛ فهو القيوم القائم بكل شيء ، لا شيء يقوم بنفسه، الأرض ليست وحدها هكذا تتحرك بنفسها وتدور كما تريد، لا، ولكن الله ينظمها بمقدار ، فيأتي الليل ويأتي النهار يتعاقبان بسبب دوران الأرض وجريان الشمس ودوران القمر مع الأرض، فكل هذه الأشياء يحركها الله ، فتعرفون الأيام والسنين والشهور والحساب بواسطتها.
فإذا جاءت القيامة أمسك بالسماوات وأمسك بالأرضين فكانتا في قبضته ، وهنا يخبرنا: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أي: يقبض عليها ويمسك بها، فهذا دليل على قدرة الله وقوة الله سبحانه، فهو يعجز خلقه ويريهم هذه الأرض بما عليها من جبال وبحار وأشجار يمسكها ويقبضها كما يشاء يوم القيامة.
والسماوات يطويها ويمسكها بيمينه ، فهو سبحانه يطوي السماوات بعضها على بعض كما تطوي السجل على الكتاب بما فيه.
стр. 2651
عدم تعظيم اليهود والنصارى لله مع معرفتهم به
جاءت الأحاديث التي تبين أن الأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه، ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع فيقول: أنا الملك ، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر).
فالنبي ﷺ أقر اليهودي على ذلك، وهذا يدل على أن هذا صحيح؛ لأن النبي ﷺ لا يقر على باطل أبداً، ليس من الممكن أن يقال أمامه كلام كذب على الله وافتراء ويضحك صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه ضحك على أن هذا صدق وصحيح، وهو مع ذلك يتعجب لأمرهم، وكأنه يقول: كيف عرفتم ذلك وعرفتم قدرة الله وقوة الله ومع ذلك لم تعبدوا الله، ومع ذلك عصيتم الله سبحانه، وعرفتم أني نبي ومع ذلك لم تدخلوا في ديني؟ قال عبد الله بن مسعود (فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧]) أي: ما عظموا الله حق تعظيمه ، ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] .
إذاً: هؤلاء الذين عرفوا قدرة الله وقوة الله ذكروا العجائب عن أمر الله ، وافتروا على الله الكذب، هؤلاء اليهود الذين شبهوا الله سبحانه بالمخلوق ، وهؤلاء النصارى الذين شبهوا الله سبحانه وأشركوا به، وقالوا عن المسيح ابن مريم: إنه ابن الله، وقالوا: إن الله نزل من السماء ودخل في بطن مريم ونزل منها كما يولد الصبي الصغير سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً! ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾، وهؤلاء اليهود الذين عرفوا قدرة الله وقوة الله وقالوا: إن الله نزل فصارع داود، فغلبه داود! انظر كيف يقولون ويفترون على الله الكذب !! ولذلك تعجب النبي ﷺ كيف تعرفون ذلك ومع ذلك تهرفون وتكذبون على الله سبحانه؟!
стр. 2652
عظمة الله تعالى وقوته وقدرته وسعة ملكه
روى البخاري من حديث أبي سلمة أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يقبض الله الأرض ويطوي السماوات بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض؟)، هذا يكون يوم القيامة، يعني: يطوي الله السماوات العظيمة بيمينه بما فيها من أفلاك وأجرام، كما يطوى الكتاب بداخل السجل، والأرض كذلك يقبضها الله ويقول: (أنا الملك أين ملوك الأرض).
والسماوات ملك لله سبحانه وخلق من خلقه، وكذلك الأرض.
وروى الترمذي حديث مجاهد قال: قال ابن عباس: (أتدري ما سعة جهنم؟ قال: قلت: لا، قال: أجل والله ما تدري، حدثتني عائشة ﵂ أنها سألت رسول الله ﷺ عن قوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] قالت: قلت: فأين الناس يومئذ إذا كان ربنا سبحانه طوى السماوات وأمسكها بيمينه وأمسك بالأرض وقبضها؟! فقال النبي ﷺ : على جسر جهنم).
الحديث رواه الترمذي وقال الشيخ الألباني: صحيح الإسناد.
أي: ليس الناس أصحاب زمن واحد، وليس الصحابة وليس مجموعة من الناس، بل كل الناس على جسر فوق جهنم، فإذا كان هذا الجسر الذي على متن جهنم استوعب كل هؤلاء الناس فكيف تكون جهنم التي تحته؟! كم تكون سعتها؟! قد عرفنا بعد قعرها فيما جاء عن النبي ﷺ : (إن حجراً ألقي فيها فما وصل إلى قعر جهنم إلا بعد سبعين عاماً)، هذه جهنم التي يحذر الله عباده أن يدخلوها.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2653
تفسير سورة الزمر [٦٧ - ٦٨]
أخبر الله في كتابه بالنفختين اللتين تكونان يوم القيامة، فيصعق في الأولى من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، ويقوم الخلق في الثانية، وقد أخبر النبي ﵊ أن بين النفختين أربعين، واختلف العلماء في بيان من استثناهم الله من الصعق.
стр. 2654
تفسير قوله تعالى: (وما قدروا الله حق قدره)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ [الزمر:٦٧ - ٧٠].
هذه الآيات من آخر سورة الزمر يذكر الله فيها ما يكون من أحداث يوم القيامة، النفخ في الصور، والجزاء والبعث من القبور، فريق في الجنة وفريق في السعير.
قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر:٦٧] أي: ما عبدوه حق عبادته، وما عظموه حق تعظيمه، وما أعطوا لله سبحانه ما يجب عليهم وما ينبغي له سبحانه ﵎.
﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] فهذا الإنسان الذي يتطاول على الخلق، ويستكبر على الخالق ، ويسير في الأرض يظن نفسه عالياً مرتفعاً قوياً عظيماً شاباً غنياً له مال وله عيال وعنده رجال يظن في نفسه ذلك، من يكون؟ حتى ولو حاز ما في الأرض جميعها.
فالأرض جميعاً في قبضة الله يوم القيامة، يقبضها بيمينه سبحانه، ويطوي السماوات أيضاً بيمينه ، ويقول: (أنا الجبار، أين ملوك الأرض؟) وحين يقبض الله الخلق، ينفخ في الصور نفخة الموت فيموت كل من شاء الله ويقضي الله بالفناء على جميع خلقه.
قال الله سبحانه: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٧] الذي يبقى هو الله ، وكل من سواه يفنى، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦ - ٢٧].
فهؤلاء الذين يستكبرون في هذه الدنيا لم يعرفوا الله سبحانه، ولو عرفوا الله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، ولو عرفوه بقدرته وكماله وعظمته سبحانه؛ لقدروه حق قدره، ولعبدوه حق عبادته، لكنهم وإن عرفوا في الظاهر لم تدخل المعرفة إلى القلوب ليكون فيها الإيمان واليقين والخوف من الله سبحانه، فالمؤمنون يخافون من الله سبحانه، ويعرفون قدر الله ، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال:٢ - ٤] أي: المؤمنون حق الإيمان الذين استحقوا هذا الاسم هم المصدقون المستيقنون الذين يخافون من الله، وإنما من أدوات القصر، أي: الموصوفون بهذه الصفات هم المؤمنون، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) [الأنفال:٢] أي: دخل الخوف والرهبة من الله في قلوبهم، ((وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) [الأنفال:٢] أي: إذا سمع أحدهم القرآن العظيم ازداد إيماناً فوق إيمانه، ويقيناً فوق يقينه، وخوفاً من الله، وطمعاً فيما عند الله فوق ما كان موجوداً فيه، فهؤلاء هم المؤمنون الذين يعرفون قدر الله وقدرة الله فيعظمونه ويعبدونه العبادة التي تنبغي له سبحانه.
قال سبحانه: ((وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] أي: في قبضته يقبض الأرض جميعها، والسماوات يقبضها ويطويها كطي السجل للكتب، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:١٠٤] يوجد في الكتاب صفحات مفتوحة كذلك السماوات بعضها فوق بعض فيطويها الله سبحانه كما يطوى الكتاب بجلدته، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤] بدأ الخلق الأول من لا شيء، وسيعيده الله سبحانه بعدما فني، وليست الإعادة بالصعبة على الله سبحانه، وهو الذي بدأ الخلق أول مرة فالإعادة أهون عليه .
قال: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] يذكر عن نفسه أنه المستحق للتنزيه والتقديس والتسبيح سبحانه ما أعظمه! ومعنى سبحان الله أي أنزه الله سبحانه عن أي نقص، أو أي عيب، أو أي شيء، فالله سبحانه منزه ومقدس عن أن يشابهه شيء أو يماثله شيء .
﴿وَتَعَالَى﴾ [الزمر:٦٧] أي: تمجد ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
стр. 2655
تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض)
قال الله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [الزمر:٦٨] أي: يوم القيامة، فتحدث الصعقة، وقد ذكر لنا نفختين في كتابه ، النفخة الأولى يموت منها جميع الخلائق، والنفخة الثانية يقومون مفزوعين من قبورهم، قال سبحانه: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] فصعق أي مات.
﴿مَنْ فِي السَّمَوَاتِ﴾ [الزمر:٦٨] أي: سكان السماوات ﴿وَمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الزمر:٦٨] أي: سكان الأرض، ويبقى من استثنى الله ، قال سبحانه: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] ومن هؤلاء الذين استثناهم الله ؟ الله أعلم بهم.
ولذلك يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه حين وقعت خصومه بين صحابي وبين رجل من اليهود وسنذكرها: (ينفخ في الصور فأكون أول من يفيق، فإذا بموسى باطش بالعرش -أي: ممسك بالعرش- فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله .
فالنبي ﷺ لا يدري هل موسى ممن استثناهم الله سبحانه من هذا الصعق لكونه صعق قبل ذلك لما أراد أن يرى الله وقال: ﴿قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] وفي آخر الآية: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف:١٤٣] هل جوزي بهذه فلم يصعق يوم القيامة أو أنه أفاق قبل النبي ﷺ ؟ فإذا كان النبي ﷺ لا يدري فكيف بنا نحن؟ فنحن لا ندري بهؤلاء الذين استثناهم الله سبحانه بقوله: (إلا من شاء الله).
стр. 2656
اختلاف العلماء في الذين استثناهم الله من الصعق
اختلف العلماء في الذين استثناهم الله سبحانه استناداً إلى أحاديث عن النبي ﷺ بعضها صحيح لكنه لا يدل على المطلوب، وبعضها ضعيف وفيه نص على المطلوب.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في هذه المسألة عشرة أقوال: الأول: أنهم الموتى، فيكون تقدير الآية صعق من في السماوات ومن في الأرض من الأحياء (إلا من شاء الله) وهم الموتى فلا ينالهم شيء من هذا لأنهم ميتون أصلاً، وهذا استثناء صحيح بهذا المعنى.
وقد ذكر هذا الاستثناء بعض أهل العلم منهم القرطبي صاحب المفهم شرح صحيح مسلم وهو غير القرطبي أبي عبد الله صاحب التفسير.
الثاني: أن المستثنى: هم الشهداء؛ لأنه حكم بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون فلا يموتون، وفي الحديث الذي رواه الحاكم ورجاله ثقات عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (أنه سأل جبريل عن هذه الآية من الذين لم يشأ الله أن يصعقوا؟ قال: هم شهداء الله).
فهذا الحديث يبين أن الذين لا يصعقون هم الشهداء، مع النظر إلى أنهم في حكم الدنيا أموات، لكنهم عند الله أحياء ليس كحياة الدنيا، فإن الله يجعل أرواحهم في أجساد طير خضر يسرحون من الجنة كما يشاءون، فهي حياة ليست كهذه الحياة التي على الأرض.
الثالث: أن المستثنى هم أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم في هذا الحين يكونون قد ماتوا جميعاً بما فيهم المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام الذي رفع إلى السماء ولم يمت ثم ينزل ليحكم بالقرآن، ويقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويحكم بشرع الله سبحانه، ثم يموت ويدفن في الأرض، فيكون الأنبياء كلهم ممن استثناهم الله ، وجنح إلى هذا القول الإمام البيهقي.
الرابع: أن الذين استثناهم الله من هذه النفخة هم ملائكة الله سبحانه، جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، ثم يأمر الله ملك الموت فيقبض هؤلاء، ثم يأمر ملك الموت فيموت ملك الموت بعد ذلك، فلا يبقى شيء على هذا الكون حي غير الله فيقبض السماوات ويقبض الأرضين ويقول: (أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) إذاً: يستثنى من الصعق ملائكة الله ثم يقبضهم الله بعد ذلك.
الخامس: أن المستثنى هم حملة العرش، وجاء في ذلك حديث بإسناد ضعيف.
السادس: أنه موسى وحده على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ساقه الإمام الطبري بإسناد ضعيف.
السابع: أن الذين استثناهم الله من الموت هم أهل الجنة، أي: الذين خلقهم الله في الجنة وهم الحور العين، والولدان المخلدون.
الثامن: أنهم خزان الجنة وخزان النار.
التاسع: أنهم الملائكة جميعهم، أي: أن النفخة في الصور تكون لكل الأحياء إلا الملائكة فيقبض الله الملائكة بعد ذلك كيف يشاء .
وجاء عند الطبري بسند صحيح عن الحسن قال: يستثني الله وما يدع أحداً إلا أذاقه الموت.
بمعنى: استثنى الله من شاء ولكن مع ذلك كل من خلقه الله لا بد وأن يذيقه الله الموت سواء كان بهذه النفخة التي ينفخها إسرافيل، أو يقبضه الله سبحانه بما يشاء.
стр. 2657
التحذير من انتقاص الأنبياء
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رجل من اليهود في المدينة -يعني بسوق المدينة- والذي اصطفى موسى على البشر! -كأنه يعرض بالنبي ﷺ فغضب الصحابي ولطم اليهودي وقال: تقول هذا وفينا رسول الله ﷺ ، وقد اصطفاه الله وفضله على جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؟! فذهب اليهودي يشكو للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ وذكر هذه الآية: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] قال: (فأكون أول من رفع رأسه، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله .
قال ﷺ : (ومن قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب).
يعني: أنه لا ينبغي أن تفضلني على الأنبياء تفضيلاً تنتقص به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ويونس ذكر الله في القرآن أنه ممن عاتبه بقوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فقد عاتبه الله وعاقبه بسبب أنه خرج من قريته لما غضب من قومه ولم يستأذن ربه سبحانه، فتوجه إلى قرية أخرى يدعوهم إلى الله بغير أن يأذن الله له، فلما فعل ذلك عاقبه الله بأن التقمه الحوت في القصة المعروفة، قال الله: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤].
فقد عاقبه الله سبحانه لأنه خرج ولم يستأذن ربه سبحانه، وهذا لو فعله أحد من الدعاة كأن كان في مكان والناس أساءوا إليه ولم يستجيبوا له ثم ذهب إلى مكان آخر يدعو إلى الله فإننا سنقول: أحسن حين ترك هؤلاء وذهب لآخرين فقد يستجيبون له، لكن النبي ليس له أن يخرج من مكان إلى مكان إلا بعد أن يستأذن ربه .
فعذر يونس ﵊ كما ذكر الله هو: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء:٨٧] أي: ظن أن لن نضيق عليه، وأن الأمر واسع، يدعو هنا أو يدعو هنا المهم أن يدعو إلى الله، لكن الله كان يبعث كل نبي إلى قومه خاصة، والذي بعث للناس عامة هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فلذلك لم يكن ليونس أن يخرج من بلده إلى بلد آخر حتى يستأذن الله.
فلعل الذي يسمع قصة يونس ﵇ يقول: إن الله عاقب يونس على هذا الشيء، وينتقص يونس ﵊ بسبب ذلك؛ لذلك حذرنا النبي ﷺ أن تنتقص من قدره، فلا ينبغي لأحد أن يقول: محمد أحسن من يونس، لأن يونس فعل كذا والنبي ﷺ لم يفعل كذا، قال النبي ﷺ : (لا تخيروني على يونس بن متى) على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقال: (من قال: أنا خير من يونس بن متى فقد كذب).
لا شك أن النبي خير من يونس وخير من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن الأمر الذي يقصده النبي ﷺ هو أن يفضل النبي ﷺ على يونس لأجل أن ينتقص من قدر يونس ﵊، فهذا لا يكون.
كذلك في قصة الصحابي مع اليهودي الذي قال: لا والذي اصطفى موسى على البشر، فالصحابي غضب ولطمه وقال: تقول هذا وفينا النبي ﷺ ، لا بل إن نبينا أحسن من موسى ﵊، ولعله يقول في وقت الغضب ما ينتقص به النبي الكريم موسى ﵊.
إذاً الذي يقول: محمد خير من موسى أو غيره على وجه الانتقاص فهذا كذاب؛ لأن كل الأنبياء قد فضلهم الله ، وجعل لهم مرتبة عالية عظيمة، ولكن الله يرفع بعضهم على بعض ، فجعل نبينا ﷺ أفضل من غيره، فإن الله يفعل ما يشاء، ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، فالله هو الذي فضل بعضهم على بعض، وليس أنت الذي فضلت بعضهم على بعض، فالله فضلهم وكرمهم جميعهم عليهم الصلاة والسلام، فليس لنا أن ننتقص أحداً منهم، فنفضل من فضله الله سبحانه ولا ننتقص الآخرين، بل نقول: كلهم على خير، وكلهم أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، ونصلي عليهم جميعاً، ونقول: خيرهم وأفضلهم بتفضيل الله هو نبينا صلوات الله وسلامه عليه ولا ننتقص أحداً منهم.
стр. 2658
الزمن الذي بين النفختين
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما بين النفختين أربعون).
وإسرافيل هو الملك الموكل بذلك، ينفخ نفخة فيصعق جميع الخلق، ثم ينفخ النفخة الآخرة فيفيق جميع الخلق، يقول أبو هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال: (ما بين النفختين أربعون).
أي: بين النفخة الأولى والنفخة الثانية أربعون.
قالوا: أربعون يوماً؟ قال: أبيت.
يعني: ما قالها النبي ﷺ فلا أدري، فالنبي ﷺ قال: أربعون لعله قصد يوماً، لعله قصد شهراً، لعله قصد سنة، أنا لا أدري.
قالوا: (أربعون شهراً؟ قال: أبيت.
قال السائل: أربعون سنة؟ قال: أبيت.
قال: ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظماً واحداً وهو عجب الذنب).
عجب الذنب هو آخر فقرة من العمود الفقري للإنسان، وهو آخر ما يبقى من الإنسان، فيبلى جميع الإنسان وتبقى هذه العظمة الصغيرة ينبت منها الإنسان مثل الحبة التي تضعها في الأرض فتنبت.
قال النبي ﷺ : (ومنه يركب الخلق يوم القيامة).
إذاً بين النفختين أربعون لا ندري أربعون يوماً أو شهراً أو سنة.
وجاء في حديث آخر عند أبي داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال: (الصور قرن ينفخ فيه).
إذاً إسرافيل ينفخ في الصور، وما هو الصور الذي ينفخ فيه؟ قال: قرن.
يعني: بوق يضعه على فمه وينفخ فيه فيسمع الناس صوته فيصعقون على ما سيأتي في حديثنا عن النبي ﷺ الذي رواه الإمام مسلم من حديث عبد الله بن عمرو وفيه كيفية ذلك.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2659
تفسير سورة الزمر [٦٧ - ٧٠]
إن الأرض بعظمتها والسماوات بسعتها كلها في قبضة الله تعالى، يدبر أمرها ويسيرها كما يشاء، وإذا كان ذلك في الأرض والسماوات فكيف بالإنسان الضعيف الصغير أمام عظمة الكون، ولذلك فإن ما نراه من عظمة الكون سيأتي يوم يكون الكون كله هباءً منثوراً، وذلك حين ينفخ في الصور نفختين، نفخة الموت ونفخة البعث، وحينها تتبدل السماوات والأرض، ويقف الناس للفصل والحساب، عليهم شهود من الملائكة والأنبياء وصالحي هذه الأمة، فما أعظم فزع ذلك اليوم!
стр. 2660
علامات الساعة
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٧ - ٦٨].
في هذه الآيات من آخر سورة الزمر يخبرنا الله سبحانه ﵎ عن أحداث يوم القيامة، من النفخ في الصور والبعث من القبور، ومن سوق الناس إما إلى الجنة وإما إلى النار، ويقول تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، ففيها بيان لقوة الله وقدرة الله سبحانه ﵎، وضعف الإنسان بل وضعف جميع المخلوقات التي خلقها الله .
قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٨] أي: فهذه السماوات السبع التي أخبر الله أنها أشد خلقاً منكم، ومع ذلك فهي مطويات بيمينه سبحانه ﵎، وهذه الأرض التي يسير عليها الإنسان، ويظن أنه كبير على خلق الله، وأنه قوي، فإن الله سبحانه ﵎ يقول: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧].
أي: فالأرض أعظم منك وأقوى منك، فلو ضربت الأرض بقدمك ما استطعت أن تخرقها، ولو تساميت في نفسك ما بلغت الجبال طولاً، فاعرف قدرك، واقدر ربك حق قدره، فالأرض هذه التي هي أقوى منك هي في قبضة الله يوم القيامة، فكيف بك؟ والسماوات التي هي أشد منك يطويها الله سبحانه ﵎ يوم القيامة، فلا تتكبر على خالقك وارجع إليه، وتب إلى الله سبحانه، واذكر يوم القيامة وما يكون فيه من نفخ في الصور، إذ ينفخ إسرافيل، وهو الملك الذي وكله الله سبحانه بذلك، فيصبح الأمر كما قال تعالى: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
وتكون في ذلك اليوم نفختان نفخة يصعق الله فيه خلقه إلا من استثناهم الله على ما قدمنا في الحديث السابق، ونفخة أخرى ينشرون ويقومون من قبورهم، ويعادون كما كانوا عليه ويرجعون مرة ثانية، أما في النفخة الأولى فصعق من في السماوات ومن في الأرض، فإذا بكل مخلوق مات.
стр. 2661
من علامات الساعة هدم الكعبة
جاء في الحديث عن النبي ﷺ في حديث طويل رواه الإمام مسلم ورواه الإمام أحمد من حديث يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو وقد جاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدثه؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، أحياناً قد يذكر الإنسان حديثاً، والذي يسمعه يروي هذا الحديث ولا يتقن ما سمعه، فيزيد في الحديث شيئاً لم يقله راوي الحديث، فـ عبد الله بن عمرو روى حديثاً عن النبي ﷺ ، فسمعه بعض الناس، فزادوا فيه وقالوا: إنه يخبر أن الساعة تقوم بعد كذا وكذا من السنين! وكذبوا فيما قالوه، فذهب رجل إلى عبد الله بن عمرو ﵁، وقال له: ما هذا الذي تقوله؟ فقال: سبحان الله أو قال: لا إله إلا الله! لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً.
يعني: قد وصل الأمر بكم إلى أن تفتروا علي بالكذب في الحديث على النبي ﷺ ، إني قد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً، يعني: سيكون من أمر الله أشياء عظيمة من علامات الساعة، وإنكم بعد قليل سترون أمراً عظيماً يحرق البيت، ويكون، ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ وذكر هذا الحديث.
ومن علامات الساعة أن ذا السويقتين يهدم الكعبة التي نطوف حولها، والنبي ﷺ قال: (دعوا الحبشة ما ودعوكم، فإنما يهدم الكعبة ذو السويقتين من الحبشة وكأني أراه أصيلع أفيدع).
يذكر النبي ﷺ من حاله أنه إنسان من الحبشة، وأن رجليه معوجتان وكأنه يراه يهدمها حجراً حجراً، فيخبر أنها إذا هدمت لم تبن مرة ثانية، وهذه من علامات الساعة التي تكون في آخر الزمان، فحدث عبد الله بن عمرو بذلك، ولم يقل: إن الساعة ستقوم غداً أو بعده، ولكنه قال: إن الساعة من علاماتها أن يحدث كذا وكذا.
стр. 2662
فتنة المسيح الدجال وما يحصل فيها
ومن علامات الساعة خروج الدجال، قال رسول الله ﷺ : (يخرج الدجال فيمكث أربعين قال الراوي: لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً)، وهذه من العلامات الكبرى للساعة وسمي مسيحاً؛ لكون عينه ممسوحة لا يبصر بها، وعينه الأخرى ناتئة كأنها عنبة، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا اسمه: (المسيح الدجال).
وأما المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فهو نبي من أولي العزم من الرسل، وقد جعل الله له معجزة من المعجزات وهي أنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه، فـ المسيح الدجال يريد أن يتشبه به فيقول: أنا أحيي الموتى ويقتل إنساناً ثم يحييه ولا يسلط على غيره، بل شخص واحد فقط هو الذي يقدر أن يفعل معه ذلك.
فكأنه يشبه نفسه بالمسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام عندما أحيا الله له الموتى، ولكن المسيح قال: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩]، وأما الدجال فيقول: أنا الذي أحييه، ويقول: أنا ربكم، ويطلب منهم أن يعبدوه من دون الله سبحانه ﵎! يقول النبي ﷺ : (إن المسيح الدجال يمكث في الأرض أربعين)، وراوي الحديث يقول: لا أدري يوماً أو شهراً أو عاماً (فيبعث الله عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه) يعني: يأتي المسيح عيسى بن مريم عندما ينزل من السماء، فيطلب المسيح الدجال ويقتله كما ذكر النبي ﷺ .
قال: (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة)، يعني: ينزل المسيح، فيحكم بهذا القرآن العظيم، ويمكث الناس على دين الله سبحانه ﵎، مسلمون ليسوا نصارى ولا يهوداً ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية؛ لأنه لا يبقى أحد يقبل منه الجزية.
أي: لا يقبل منه إلا الإسلام حين ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيخبر النبي ﷺ أن الناس يمكثون سبع سنين ليس بين اثنين عداوة.
стр. 2663
قبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة
قال: (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته) أي: مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، فبعد مجيء المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقبض الله المؤمنين، ويمكث المسيح في الأرض سبع سنوات، وينشر في الأرض العدل، وبعد ذلك يقبض الله المؤمنين، يقول: (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه) أي: تقبض هؤلاء المؤمنين.
стр. 2664
صفات من تقوم عليهم القيامة
قال عبد الله بن عمرو: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع)، فبعد أن يقبض الله المؤمنين، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الأشرار.
وأحوالهم كما يقول النبي ﷺ : (يبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع)، والطائر مجرد أن يأتي عليه ريح إذا به يطير ويفزع ويهرب، ومجرد ما يستشعر أن مخلوقاً آت إليه يهرب ويفزع منه.
وكذلك هؤلاء: إن اندفاعهم إلى الشر في غاية الخفة، وفي غاية الطيش، فهذا حالهم في خفة الطير وأحلام السباع، وأي حلم يكون عند السبع؟ بل هو أول ما يرى فريسة أمامه لا يصبر عليها، بل يثب عليها مباشرة، وهؤلاء يكونون في خفة الطير في سرعة الحركة إلى الشر، وفي طمع وشراهة السباع، فهؤلاء هم الذين تقوم عليهم الساعة.
ويقول عنهم النبي ﷺ : (لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)، وجاء أيضاً: (أنها لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لا يقال فيهم الله الله)، فهم نسوا الله سبحانه ﵎، فلا يقولون: الله! وإنما يشركون بالله سبحانه ويعبدون ما زينه لهم الشيطان.
قال: (فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون) أي: يتمثل الشيطان لهؤلاء الأشرار الذين تقوم عليهم الساعة، فيقول: (ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟) أي: ماذا تريد ونحن نطيعك؟! قال: (فيأمرهم بعبادة الأوثان) أي: أنهم عادوا مرة ثانية إلى عبادة الأوثان.
قال: (وهم في ذلك) أي: في فتنة من الله سبحانه ﵎ قال: (دار رزقهم، وحسن عيشهم) أي: فالله يملي لهم، فيترك لهم الرزق مع كونهم يشركون به، ويعطيهم منه سبحانه، ويكونون في عيشة حسنة.
стр. 2665
نفخة الموت والفناء
قال: (ثم ينفخ في الصور)، يبقون على هذا الحال من حسن العيش، ومع الإساءة في العبادة لله سبحانه، فلا يعبدون الله، وإنما يشركون بالله سبحانه، فيأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، قال: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً)، ولية الإنسان: جانب الوجه أو صفحة العنق، أي: أنه يقوم الإنسان الذي يسمع النفخ في البوق، فيتسمع كما تستمع لصوت جاء من بعيد، فتميل حتى تستمع له (يصغي ليتا) أي: يخفض جانباً من جوانب وجهه، ويرفع الجانب الآخر.
يقول النبي ﷺ : (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس) أي: أول من يسمعه رجل ذهب إلى الحوض الذي سيسقي فيه الإبل، ويلوطه يعني: يصلحه بالطين من داخله لكي يهيئه لشرب الإبل.
يقول النبي ﷺ : (فيصعق) هذا الإنسان، ويصعق الناس، فهنا ذكر صورة من أحداث النفخ في الصور، وفي حديث آخر ذكر صوراً أخرى منها: أن الناس يتبايعون، ويمد البائع الثوب والمشتري يأخذه أمامه فلا ينشرانه ولا يطويانه، يقول له: خذ الثوب لكي يقيس مقداره، فلا هذا قاس، ولا هذا طوى الثوب، فإذا بالساعة قد قامت، فوقع الاثنان على هذه الحالة.
وكذلك الإنسان يرفع الإناء إلى فمه ليشرب، فلا يرفع الإناء، لأنه سمع الصور فصعق.
يقول النبي ﷺ : (ثم يرسل الله أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل)، إذاً: هذه كانت النفخة الأولى صعق فيها كل من في السماوات ومن في الأرض بأمر الله، فلكي يبعث الخلق مرة أخرى: (ينزل الله سبحانه مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس)، ينزل مطر ثقيل من السماء، فينبت الناس كالزرع الذي ترونه، والإنسان يبلى ولا يبقى منه إلا عجب الذنب، يعني: الفقرة الأخيرة من فقار الظهر التي يكون منها ذيل الحيوان في الإنسان، وهو العصعص الأخير الذي في ظهر الإنسان، فيركب منه الخلق مرة ثانية، وكأنه بذرة الإنسان الموجودة في الأرض، وينزل المطر من السماء كما ينزل على بذور النبات، فيحييها الله ، وكذلك هذا الإنسان ينبت من ذلك ويركب من هذه الفقرة.
следующие страницы →