Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
من علامات الساعة هدم الكعبة
جاء في الحديث عن النبي ﷺ في حديث طويل رواه الإمام مسلم ورواه الإمام أحمد من حديث يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي قال: سمعت عبد الله بن عمرو وقد جاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدثه؟ تقول: إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا، أحياناً قد يذكر الإنسان حديثاً، والذي يسمعه يروي هذا الحديث ولا يتقن ما سمعه، فيزيد في الحديث شيئاً لم يقله راوي الحديث، فـ عبد الله بن عمرو روى حديثاً عن النبي ﷺ ، فسمعه بعض الناس، فزادوا فيه وقالوا: إنه يخبر أن الساعة تقوم بعد كذا وكذا من السنين! وكذبوا فيما قالوه، فذهب رجل إلى عبد الله بن عمرو ﵁، وقال له: ما هذا الذي تقوله؟ فقال: سبحان الله أو قال: لا إله إلا الله! لقد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً.
يعني: قد وصل الأمر بكم إلى أن تفتروا علي بالكذب في الحديث على النبي ﷺ ، إني قد هممت أن لا أحدث أحداً شيئاً أبداً، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمراً عظيماً، يعني: سيكون من أمر الله أشياء عظيمة من علامات الساعة، وإنكم بعد قليل سترون أمراً عظيماً يحرق البيت، ويكون، ويكون، ثم قال: قال رسول الله ﷺ وذكر هذا الحديث.
ومن علامات الساعة أن ذا السويقتين يهدم الكعبة التي نطوف حولها، والنبي ﷺ قال: (دعوا الحبشة ما ودعوكم، فإنما يهدم الكعبة ذو السويقتين من الحبشة وكأني أراه أصيلع أفيدع).
يذكر النبي ﷺ من حاله أنه إنسان من الحبشة، وأن رجليه معوجتان وكأنه يراه يهدمها حجراً حجراً، فيخبر أنها إذا هدمت لم تبن مرة ثانية، وهذه من علامات الساعة التي تكون في آخر الزمان، فحدث عبد الله بن عمرو بذلك، ولم يقل: إن الساعة ستقوم غداً أو بعده، ولكنه قال: إن الساعة من علاماتها أن يحدث كذا وكذا.
стр. 2662
فتنة المسيح الدجال وما يحصل فيها
ومن علامات الساعة خروج الدجال، قال رسول الله ﷺ : (يخرج الدجال فيمكث أربعين قال الراوي: لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً)، وهذه من العلامات الكبرى للساعة وسمي مسيحاً؛ لكون عينه ممسوحة لا يبصر بها، وعينه الأخرى ناتئة كأنها عنبة، فالنبي ﷺ أخبر أن هذا اسمه: (المسيح الدجال).
وأما المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فهو نبي من أولي العزم من الرسل، وقد جعل الله له معجزة من المعجزات وهي أنه يحيي الموتى ويبرئ الأكمه، فـ المسيح الدجال يريد أن يتشبه به فيقول: أنا أحيي الموتى ويقتل إنساناً ثم يحييه ولا يسلط على غيره، بل شخص واحد فقط هو الذي يقدر أن يفعل معه ذلك.
فكأنه يشبه نفسه بالمسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام عندما أحيا الله له الموتى، ولكن المسيح قال: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٤٩]، وأما الدجال فيقول: أنا الذي أحييه، ويقول: أنا ربكم، ويطلب منهم أن يعبدوه من دون الله سبحانه ﵎! يقول النبي ﷺ : (إن المسيح الدجال يمكث في الأرض أربعين)، وراوي الحديث يقول: لا أدري يوماً أو شهراً أو عاماً (فيبعث الله عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود فيطلبه فيهلكه) يعني: يأتي المسيح عيسى بن مريم عندما ينزل من السماء، فيطلب المسيح الدجال ويقتله كما ذكر النبي ﷺ .
قال: (ثم يمكث الناس سبع سنين ليس بين اثنين عداوة)، يعني: ينزل المسيح، فيحكم بهذا القرآن العظيم، ويمكث الناس على دين الله سبحانه ﵎، مسلمون ليسوا نصارى ولا يهوداً ويقتل الخنزير، وتوضع الجزية؛ لأنه لا يبقى أحد يقبل منه الجزية.
أي: لا يقبل منه إلا الإسلام حين ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيخبر النبي ﷺ أن الناس يمكثون سبع سنين ليس بين اثنين عداوة.
стр. 2663
قبض أرواح المؤمنين قبل قيام الساعة
قال: (ثم يرسل الله ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير إلا قبضته) أي: مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، فبعد مجيء المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام يقبض الله المؤمنين، ويمكث المسيح في الأرض سبع سنوات، وينشر في الأرض العدل، وبعد ذلك يقبض الله المؤمنين، يقول: (حتى لو أن أحدكم دخل في كبد جبل لدخلت عليه حتى تقبضه) أي: تقبض هؤلاء المؤمنين.
стр. 2664
صفات من تقوم عليهم القيامة
قال عبد الله بن عمرو: سمعتها من رسول الله ﷺ قال: (فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع)، فبعد أن يقبض الله المؤمنين، فلا يبقى على وجه الأرض إلا الأشرار.
وأحوالهم كما يقول النبي ﷺ : (يبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع)، والطائر مجرد أن يأتي عليه ريح إذا به يطير ويفزع ويهرب، ومجرد ما يستشعر أن مخلوقاً آت إليه يهرب ويفزع منه.
وكذلك هؤلاء: إن اندفاعهم إلى الشر في غاية الخفة، وفي غاية الطيش، فهذا حالهم في خفة الطير وأحلام السباع، وأي حلم يكون عند السبع؟ بل هو أول ما يرى فريسة أمامه لا يصبر عليها، بل يثب عليها مباشرة، وهؤلاء يكونون في خفة الطير في سرعة الحركة إلى الشر، وفي طمع وشراهة السباع، فهؤلاء هم الذين تقوم عليهم الساعة.
ويقول عنهم النبي ﷺ : (لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً)، وجاء أيضاً: (أنها لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لا يقال فيهم الله الله)، فهم نسوا الله سبحانه ﵎، فلا يقولون: الله! وإنما يشركون بالله سبحانه ويعبدون ما زينه لهم الشيطان.
قال: (فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون) أي: يتمثل الشيطان لهؤلاء الأشرار الذين تقوم عليهم الساعة، فيقول: (ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟) أي: ماذا تريد ونحن نطيعك؟! قال: (فيأمرهم بعبادة الأوثان) أي: أنهم عادوا مرة ثانية إلى عبادة الأوثان.
قال: (وهم في ذلك) أي: في فتنة من الله سبحانه ﵎ قال: (دار رزقهم، وحسن عيشهم) أي: فالله يملي لهم، فيترك لهم الرزق مع كونهم يشركون به، ويعطيهم منه سبحانه، ويكونون في عيشة حسنة.
стр. 2665
نفخة الموت والفناء
قال: (ثم ينفخ في الصور)، يبقون على هذا الحال من حسن العيش، ومع الإساءة في العبادة لله سبحانه، فلا يعبدون الله، وإنما يشركون بالله سبحانه، فيأمر الله إسرافيل فينفخ في الصور، قال: (فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً)، ولية الإنسان: جانب الوجه أو صفحة العنق، أي: أنه يقوم الإنسان الذي يسمع النفخ في البوق، فيتسمع كما تستمع لصوت جاء من بعيد، فتميل حتى تستمع له (يصغي ليتا) أي: يخفض جانباً من جوانب وجهه، ويرفع الجانب الآخر.
يقول النبي ﷺ : (وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله، فيصعق ويصعق الناس) أي: أول من يسمعه رجل ذهب إلى الحوض الذي سيسقي فيه الإبل، ويلوطه يعني: يصلحه بالطين من داخله لكي يهيئه لشرب الإبل.
يقول النبي ﷺ : (فيصعق) هذا الإنسان، ويصعق الناس، فهنا ذكر صورة من أحداث النفخ في الصور، وفي حديث آخر ذكر صوراً أخرى منها: أن الناس يتبايعون، ويمد البائع الثوب والمشتري يأخذه أمامه فلا ينشرانه ولا يطويانه، يقول له: خذ الثوب لكي يقيس مقداره، فلا هذا قاس، ولا هذا طوى الثوب، فإذا بالساعة قد قامت، فوقع الاثنان على هذه الحالة.
وكذلك الإنسان يرفع الإناء إلى فمه ليشرب، فلا يرفع الإناء، لأنه سمع الصور فصعق.
يقول النبي ﷺ : (ثم يرسل الله أو قال: ينزل الله مطراً كأنه الطل)، إذاً: هذه كانت النفخة الأولى صعق فيها كل من في السماوات ومن في الأرض بأمر الله، فلكي يبعث الخلق مرة أخرى: (ينزل الله سبحانه مطراً كأنه الطل، فتنبت منه أجساد الناس)، ينزل مطر ثقيل من السماء، فينبت الناس كالزرع الذي ترونه، والإنسان يبلى ولا يبقى منه إلا عجب الذنب، يعني: الفقرة الأخيرة من فقار الظهر التي يكون منها ذيل الحيوان في الإنسان، وهو العصعص الأخير الذي في ظهر الإنسان، فيركب منه الخلق مرة ثانية، وكأنه بذرة الإنسان الموجودة في الأرض، وينزل المطر من السماء كما ينزل على بذور النبات، فيحييها الله ، وكذلك هذا الإنسان ينبت من ذلك ويركب من هذه الفقرة.
стр. 2666
نفخة البعث والنشور
يقول النبي ﷺ : (ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون).
فرجع الإنسان بنفس الهيئة والجسد، ثم ينفخ إسرافيل بأمر الله النفخة الثانية في الصور، فيستيقظ الناس من موتهم، فيخرجون من قبورهم على حالهم الأول.
يقول النبي ﷺ : (ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال: يا أيها الناس! هلموا إلى ربكم)، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤] ومعنى هلموا: تعالوا فقد جاء الله لفصل القضاء بين العباد.
ثم يقال: (أخرجوا بعث النار)، وفي الحديث الآخر: يقال لآدم: (يا آدم! أخرج بعث النار -أي: أخرج الذين كتب الله كتابهم في سجين- فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين!)، كل هؤلاء إلى النار والعياذ بالله، وواحد إلى الجنة.
قال النبي ﷺ : (فذاك يوم يجعل الولدان شيباً) أي في هذا اليوم يشيب الولدان، وهو يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون.
стр. 2667
تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض)
يقول الله سبحانه ﵎: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨] أي: ينظرون في الموقف، (ينظرون) من النظر بالبصر، وينظر أيضاً من النظر وهو الانتظار، فهم في الحالين ينظرون متحيرين شمالاً ويميناً ينتظرون الذي سيكون وما الذي سيحدث لهم؟ وينتظر الإنسان حينها ما الذي يحدث له، وينتظر فصل القضاء بين العباد، وينظر مندهشاً متحيراً في هذا الموقف العظيم، نسأل الله العفو والعافية.
стр. 2668
تفسير قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها)
قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتْ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩]، وأخبر الله سبحانه ﵎ في الآية الأخرى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٣]، وهذا في يوم القيامة، والمعنى: جاء ربك، وجاءت ملائكة الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨].
فإذا جاءت بعض آيات الله سبحانه مثل: خروج الدجال أو طلوع الشمس من مغربها، ففي هذه الحالة: ﴿لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، فيبقى الإنسان منتظراً مجيء بعض آيات الله، أو ينتظر مجيء الملائكة، أو ينتظر مجيء أمر الله ومجيء الله سبحانه ﵎: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢].
جاء ربنا يوم القيامة كما يشاء سبحانه ﵎ يوم القيامة، فيقف الناس في هذا الموقف العظيم في عرصات القيامة ينتظرون فصل القضاء، وتنزل ملائكة كل سماء حيث يشاء الله سبحانه ﵎، والناس في فزع وفي خوف، تحيط بهم الملائكة ويسأل الناس: أفيكم ربنا؟ فيقولون: لا، وإنه آت، وجاء ربك سبحانه ﵎، وقام العباد لفصل القضاء فيما بينهم، قال الله سبحانه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر:٦٩] أي: جاء ربنا سبحانه ﵎ فأشرقت الأرض بنور ربها سبحانه ﵎، والله هو نور السماوات والأرض، ومنور السماوات والأرض، (حجابه النور -سبحانه- لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه).
ولا يحتاج الناس إلى شمس ولا إلى قمر، فقد أشرقت الأرض وأضاءت بنور الله سبحانه ﵎.
ووضعت صحف الأعمال، وإذا بها تتطاير، فمن آخذ بيمينه ومن آخذ بشماله، والكتاب أي: جنس كتب أعمال العباد، فكل إنسان يؤتى كتابه إما بيمينه وإما بشماله ومن وراء ظهره.
стр. 2669
معنى قوله تعالى: (ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء)
قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر:٦٩]، جاء الأنبياء وجاء الشهداء حتى يفصل الله بين العباد، وجيء بالنبيين، (جيء) قراءة الجمهور هكذا، وهذه الصيغة مبنية للمجهول في أصلها والمعنى: أتي بهم، ولبيان أنها مبنية للمفعول يقرؤها هشام والكسائي ورويس بإشمام الكسرة، أي: فيها ضمة (جيء)؛ لبيان أنهم أتي بهم، وليسوا هم الذين جاءوا.
وقراءة الجمهور (بالنبيين)، وقراءة نافع: (بالنبيئين) يعني النبوءة، فالنبي منبأ يعني مخبر بأشياء من الغيب، أطلعه الله عليها من هذه الكتب التي نزلت من السماء، وأطلعه الله سبحانه على بعض ما يكون من علامات القيامة، وما يكون في يوم القيامة وغير ذلك.
﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ [الزمر:٦٩] أي: يوم القيامة وأتي بهم.
قال: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر:٦٩]، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١] أي: سائق يسوقها وهو الذي يكون من الخلف يدفعها أن احضري لهذا المكان.
وهناك فرق بين السائق والقائد، فالقائد يكون في الأمام يمشي والمقود وراءه، وأما السائق فيكون في الخلف، وهذا موقف فظيع مفزع، فالسائق يأتي الإنسان ويقول: تحرك وامش وتقدم إلى حسابك! إذاً: أتت كل نفس ومعها سائق، ومعها أيضاً شهيد، وهو الملك الموكل بحفظ هذه النفس وبكتابة أعمالها؛ ليشهد عليها يوم القيامة.
فهذا واحد من الشهداء الذين يكونون يوم القيامة.
ومن ضمن الشهداء أيضاً هذه الأمة الذين كانوا عدولاً، فشهدوا للأنبياء السابقين، ففي حديث النبي ﷺ : أن هذه الأمة تشهد على تبليغ الرسل السابقين لقومهم، فيسأل الله الأمم السابقة: هل أتاكم من نذير؟ يقولون: ما أتانا من نذير، فيكذبون على رسل الله عليهم الصلاة والسلام! فالله سبحانه ﵎ يسأل الرسل: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، فيقول: من يشهد لكم؟ ولا شك أن الله سبحانه خير حافظاً وخير من يشهد ، ولكن ليبين فضيلة هذه الأمة، فيستشهد الرسل بهذه الأمة، فتشهد أمتنا للأنبياء السابقين.
ونحن في هذه الأمة نشهد ونحن لم نر هؤلاء الأنبياء، ولكننا نشهد بتصديقنا لكتاب الله الذي قال: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [هود:٢٥]، فالقرآن قد أخبرنا أن الله أرسل نوحاً إلى قومه وأنه لبث فيهم يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وأنه دعاهم ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، فلم يستجيبوا، فأهلكهم الله فتشهد أمتنا بذلك.
فهذه الأمة فيها الشهداء الذين يشهدون على تبليغ الأنبياء والرسل السابقين لأقوامهم، والنبي ﷺ يشهد علينا ﵊، قال الله سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء:٤١].
وصنف ثالث من الشهداء، وهم الذين يقتلون في سبيل الله سبحانه ﵎، وهؤلاء الشهداء هم الذين جاهدوا في سبيل الله فقتلوا في سبيل الله، قال الله عنهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩].
وأيضاً الشهداء من هذه الأمة هم عدول هذه الأمة، وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي ﷺ قال: (لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة).
فحتى تكون من ضمن الشهداء يوم القيامة، الذين يشهدون وتقبل شهادتهم، فلا تعود لسانك على لعن الخلق، ولا تدعو على أحد باللعن، ولا تعود لسانك على الكذب، فإن الإنسان الذي يكثر من اللعن ويكذب لا يستحق أن يكون شفيعاً أو أن يكون شهيداً يوم القيامة.
إذاً: الشهداء هم جملة من ذكر الله سبحانه ﵎، وجملة من جاء في أحاديث النبي ﷺ .
стр. 2670
معنى قوله تعالى: (وقضي بينهم بالحق)
قال تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالحَق﴾ [الزمر:٦٩] قضي: فصل بينهم أو حكم بينهم، فالله يحكم بين العباد، بين المؤمنين منهم والكافرين، فيقضي بالحق سبحانه ﵎، وينتصر للمؤمنين المظلومين من الظلمة والعصاة.
فيفصل الله سبحانه ويقضي بالحق سبحانه ﵎، ففي يوم القيامة يحق الله الحق، فهو يوم الحق: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩]، فلا يظلم الله أحداً شيئاً وقد قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
وإذا بالعباد أخذوا جزاءهم الوافي، قال تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ [آل عمران:٢٥]، وكل هذا الفصل مع أن العدد ضخم جداً وكبير جداً يوم القيامة، من الإنس ومن الجن ومن خلق الله ، فيفصل بينهم جميعاً، وكل نفس على حدة، يقضي الله فيها قضاءً حاسماً وقضاءً سريعاً، وقضاءً حقاً من الله سبحانه ﵎: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ﴾ [الزمر:٧٠] ولا تفلت أي نفس.
﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر:٧٠] يعني: فكل ما عملته النفوس يحاسبها الله عليه، وهو أعلم فلا يحتاج إلى شهود ولا إلى كتب، ولكن الله سبحانه يبين في هذا اليوم العظيم كيف تكون عظمة هذا اليوم، وكيف تكون المحكمة العظمى يوم القيامة، فهي محكمة فيها شهود وكتب، فهذا هو الموقف يوم القيامة.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2671
تفسير سورة الزمر [٦٨ - ٧٢]
أخبر الله تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيها من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، ومنها نفخة الصعق وهي النفخة الثانية، وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، وينفرد الحي القيوم بالبقاء والديمومة.
стр. 2672
تفسير قوله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الزمر: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨].
يذكر الله في هذه الآية من آخر سورة الزمر بعض ما يكون يوم القيامة من أحداث، حتى يخيف من يعصونه ولا يؤمنون به، وينذرهم حتى يراجعوا أنفسهم، ويعملوا لله سبحانه، ويدخلوا في الإيمان، وحتى يطمئن المؤمنون أنهم إلى ربهم راجعون، وأن يوم القيامة يوم يحق الله فيه الحق .
قد يأخذ الإنسان حقه وحظه في الدنيا وقد لا يكون ذلك، ولكن في الآخرة، الله سبحانه يحق الحق، ويقضي بين الناس بالحق يوم القيامة، يوم يفصل الله بين العباد يوم الجزاء، والدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، وهذه عقيدة المؤمن في اليوم الآخر.
فالله سبحانه يوم القيامة يقبض السماوات والأرضين، ويقول سبحانه: أنا الملك، أين ملوك الأرض، والله يدخل من يشاء برحمته في جنته، ويعذب من يشاء بعذابه في ناره.
قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ وهما نفختان، والذي ينفخ في الصور ملك من ملائكة الله الكرام الموكلين بذلك، وهو من أعظم ملائكة الله ، وأعظم ملائكة الله وأقربهم إلى ربه : جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، هؤلاء أعظم ملائكة الله .
ملك الموت: يقبض الأرواح.
وإسرافيل: ينفخ في الصور نفخة الموت، ونفخة البعث: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾.
وميكائيل: وكله الله بالمطر، وبأرزاق العباد.
وجبريل: رسول رب العالمين إلى رسل الله عليهم الصلاة والسلام في الأرض.
هؤلاء أعظم ملائكة الله ، والجميع يقبضون يوم القيامة حين يأمر الله .
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر:٦٨] كما قدمنا قبل ذلك أن إسرافيل خلقه الله سبحانه ووكله بالنفخ على الصور، والصور: هو بوق ينفخ فيه، فإذا أمره الله نفخ، فمات من في السماوات ومن في الأرض إلا من استثناهم الله سبحانه.
ويبقى ملك الموت، ويبقى إسرافيل، ويبقى ميكائيل، ويبقى جبريل، ثم يأمر الله أن يموتوا فيموتون هم أيضاً، ويبقى ملك الملوك ، ثم يقبض السماوات والأرض، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
وهنا ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ﴾ أي: مات من في السماوات ومن في الأرض إلا من استثناهم الله، ثم يميت من بقي بعد ذلك كما يشاء .
ثم قال: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ أي: يأمر الله إسرافيل بعدما يحييه الله أن ينفخ نفخة الإحياء، النفخة الثانية، فإذا بالخلق قيام ينظرون إلى ما حولهم متعجبين! الكفار يقولون: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس:٥٢].
والمؤمنون يقومون من قبورهم مستبشرين فرحين؛ لأنهم راجعون إلى ربهم .
وهنا يقول: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى﴾ وقبل ذلك أحداث، منها: ما ذكر النبي ﷺ في حديثه: أن الله ينزل مطراً من السماء كأنه الطل، هذا المطر ينبت منه بنو آدم، يرجعون وتركب الأجساد كما كانت، وتعاد مرة ثانية بعدما كانوا رفاتاً وتراباً.
ينزل هذا المطر فينبتون كما ينبت النبات، ويأمر الله إسرافيل أن ينفخ فيها الروح، فتنفخ الروح في هذه الأجساد التي أعاد الله خلقها مرة ثانية، فقاموا وهم ينظرون بأبصارهم حولهم، وينظرون من النظرة بمعنى الانتظار، فهم منتظرون ماذا سيكون في هذا اليوم.
стр. 2673
تفسير قوله تعالى: (وأشرقت الأرض بنور ربها)
قال الله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الزمر:٦٩] لا يحتاجون إلى شمس ولا إلى قمر، ولكن الله الذي حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره .
فالأرض تشرق بنور ربها ، ينيرها كما يشاء: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ فيوم القيامة انتهى أمر الشمس والقمر، لا توجد شمس ولا قمر في هذا اليوم، ولكن قبل قيام الساعة من الأحداث تشرق الشمس من مغربها، فإذا كانت القيامة يذكر الله : ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ * وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ﴾ [التكوير:١ - ٦] ذكر الله سبحانه أحداثاً تكون في ذلك اليوم العظيم.
فقوله: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي: كور بعضها على بعض فانطفأ نورها وسقطت، لم يعد هناك شمس مرة أخرى يوم القيامة، إلا ما يشاء الله في الموقف بين يديه سبحانه، وليست للإنارة للخلق ولكن للإحراق، وللتشديد على الناس.
فيوم القيامة النور نور الله ؛ لأنهم لا يحتاجون إلى غيره، ولكن يجعل الشمس تدنو من رءوس الخلق يوم القيامة حتى يفيضوا ويتصببوا عرقاً، فمن لم ينزل عرقه في الدنيا في طاعة الله سبحانه، وفي خدمة دين الله سبحانه، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي عمل الخير، ووفر عرقه لغير ذلك من معاصي الله سبحانه؛ فهذا يبذل العرق يوم القيامة عرقاً غزيراً، حين تدنو الشمس من الرءوس، فإذا به يتصبب عرقاً، والعرق بحسب عمل الإنسان، فمن الناس من يغطي عرقه قدميه، ومنهم من يرتفع إلى ساقيه، ومنهم من يرتفع إلى ركبتيه إلى حقويه إلى منكبيه، ومنهم من يغطي عرقه رأسه يوم القيامة، فهو غارق في عرقه وفي نتنه؛ لأنه لم يبذل في الدنيا لله .
قال تعالى: ((وَوُضِعَ الْكِتَابُ)) أي: كتاب أعمال الخلق، والكتاب جنس الكتب، أي: كل إنسان يرى كتاب عمله وصحيفة عمله الذي عمله في الدنيا، تتطاير الصحف، فمن آخذ بيمينه، ومن آخذ بشماله من وراء ظهره، فأما من أخذ كتابه بيمينه فهؤلاء الناجون، ويقولون: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] أما من أخذ كتابه من رواء ظهره بشماله فيقول: ﴿يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٥ - ٢٦].
ثم قال: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ)) أي: أحضروا في هذا اليوم.
وقوله: (وجيء) فيها قراءتان: قراءة الجمهور: ((وَجِيءَ))، وقراءة هشام والكسائي ورويس: ((وجُيء)) بإشمام الجيم الضمة؛ لبيان أنه مبني للمجهول، فهنا ثلاث كلمات تأتي في هذه الآية والتي تليها والتي تليها، ((وَجِيءَ)) و ﴿قِيلَ﴾ [الزمر:٧٢] ﴿وَسِيقَ﴾ [الزمر:٧٣] فهي تقرأ على البناء للمجهول: ((وجُيء))، ((وسُيق)) و ((قُيل)) وهذه قراءة هشام والكسائي ورويس، وفي كلمة ((وسيق)) سيكون ابن عامر وهشام وابن ذكوان يقرءونها كذلك.
وقوله: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ)) قراءة الجمهور ((بِالنَّبِيِّينَ))، وقراءة نافع: ((بالنبيئين)) من النبوءة، والتنبؤ، وهذا أصلها أنه نُبِئ وأخبر، وأوحي إليه بأمور من أمور الغيب وبما شاء الله من تعليم لهذا النبي، ليعلم أمته التوحيد، فإذا كلف بشريعة: أوامر ونواه، حلال وحرام، فلابد أن يبلغ الخلق، وإذا نزل عليه كتاب صار رسولاً، فمن نزل عليه كتاب من السماء بشريعة كاملة، وأحل الله له أشياء في كتابه، وحرم عليه أشياء، فهذا رسول مرسل برسالة يبلغها إلى قومه.
ثم قال: ((وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ))، الشهداء جمع شهيد، والشهيد: هو من يشهد على الشيء، فهذه الأمة تشهد على الأمم السابقة، والنبي ﵊ شهيد على الجميع، والأنبياء شهداء على أممهم، والشهداء أيضاً: هم العدول من كل أمة، وهم الذين قتلوا في سبيل الله .
فيؤتى بهؤلاء الشهداء جميعهم، ويؤتى بشهداء الله ، وهم الملائكة الذين يشهدون على الخلق بما عملوا، فالشهداء من عند الله ملائكة الله، كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق:٢١] أي: يشهد عليها من ملائكة الله .
ثم قال: ((وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ)) أي: قضي بين الخلق القضاء الحق من رب العالمين، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].
الحق من عند الله سبحانه، وهو الذي أمرهم الله أن يلتزموه في الدنيا فأعرضوا عنه، فيقضى بينهم بالحق وبالحكم الفصل، وهو أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، وهو الملك الحق المبين.
ثم قال: ((وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)) أي: لا يظلمهم الله مثقال ذرة.
стр. 2674
تفسير قوله تعالى: (ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون)
قال الله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾ [الزمر:٧٠] أي: كل النفوس توفى ما عملت، فالإنسان المؤمن يأخذ حسابه وجزاءه وافياً من الله ، الحسنة بعشر أمثالها، وقد تضاعف حتى تصل إلى سبعمائة ضعف، وتصل إلى أضعاف كثيرة بغير حساب، كل هذا من فضل الله ومن رحمته سبحانه.
ويوفى الظالم والكافر ما عمل من أعمال سيئة، السيئة بمثلها، والكافر لا يجد لنفسه خيراً يوم القيامة، فقد جوزي في الدنيا بما عمل من خير، بأن أعطاه الله المال، وأعطاه الولد، وأعطاه الدنيا والمنصب والرياسة، فليس له عند الله شيء، فإذا جاء يوم القيامة يقول: عملت خيراً، يقال: أخذته في الدنيا، ليس لك عندنا شيء، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣].
قال: ((وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)) فهو أعلم بما تفعل، وبما تكسب كل نفس، والإنسان قد يعمل الشيء وينساه بعد قليل، والمؤمن يتذكر سيئاته، ولعله ينسى حسناته، ولكن الله لا ينسى شيئاً أبداً.
إذاً: ما عمله الإنسان من خير فالله لا ينساه له، وما عمله من شر الله يحصيه عليه، قال: ((وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ)).
стр. 2675
تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً)
قال الله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١] السياق إما إلى الجنة، وإما إلى النار، وبدأ بذكر الكفار هنا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الكفار يوم القيامة أول ما يجدون من الحسرات عند خروجهم من قبورهم، فهم يجدون أمامهم يوماً عصيباً، فقالوا: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس:٥٢] من ساعة ما يقومون من قبورهم وهم في فزع، وفي ضنك، وفي خوف، وفي شدة، فهم في ذلك الموقف العظيم بين يدي الله سبحانه، يجدون من شدة الموقف ما جعلهم يقولون: يا رب اصرفنا ولو إلى النار.
وإذا جاء الحساب والقضاء يقول الله سبحانه: ألا يحب من كان يعبد شيئاً أن يتبعه؟ فيقولون: بلى، فمن كان يعبد الشمس تمثل له الشمس ويتبعها إلى النار، ومن كان يعبد القمر يمثل له القمر ويتبعه إلى النار، الأتباع يذهبون إلى النار، فإذا رأوها فزعوا من منظر هذه النار، فإذا بالملائكة تأخذهم، وتدفعهم إلى النار، وسيقوا إلى النار، وفرق بين سوق الكفار والعصاة، وبين سوق المؤمنين والأبرار، هؤلاء يساقون إلى النار، وهؤلاء يساقون إلى الجنة.
يساق ويدفع الكافر وهو مفزوع من النار ولا يريد أن يدخل النار، فيدفع من قفاه، ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٣ - ١٦].
أما المؤمنون فيكرمهم الله ، فهم بعد أن يمروا على الصراط، وبعد أن يتقاضوا فيما كان بينهم من مظالم في الدنيا، استحقوا الآن أن يدخلوا الجنة، والله يجعل الملائكة تدلهم: هذا طريقكم، ادخلوا من هنا إلى الجنة، والمؤمنون يشرفهم الله ويكرمهم سبحانه بأن يجعلهم يركبون مراتب، ويساقون بهذه المراتب إلى الجنة، ويقال لهم: ادخلوا الجنة، وينادون من أبواب الجنة.
إذاً: هناك فرق بين من يساق فيدفع من قفاه، ومن يساق فيحمل حملاً ليدخل الجنة، فرق عظيم بين الاثنين، إذا عرف المؤمن وأيقن من ذلك عمل له.
قوله: ((زُمَرًا)) أي: جماعات جماعات، ليس كلهم مرة واحدة، لا، ولكن يؤخذ هؤلاء فيدخلون النار، والآخرون وراءهم إلى النار، جماعات متفرقة بعضها إثر بعض إلى النار.
ثم قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي: إذا وصلوا إلى النار، وهم في فزع وفي صراخ وضجيج؛ خوفاً من النار.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ هذه فيها إمالة في القراءة لـ هشام بخلفه وابن ذكوان ولـ حمزة والكسائي فيميلونها وكل يمد بحسب مده.
ثم قال: ((فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)) يقرؤها الكوفيون: عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ((فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)) وباقي القراء يقرءونها: ((حتى إذا جاءوها فتَّحت أبوابها)) أي: إذا وصلوا إلى النار فتحت لهم النار، وإذا وصل الفوج الآخر فتحت لهم، ويدفعون فيها، وتغلق عليهم والعياذ بالله، هذا السياق التصويري لما يحدث يوم القيامة، ((إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)).
ثم قال: ((وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا)) مقرعين لهم وموبخين ومبكتين لهم: ((أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ)) أليس ربنا أعذر إليكم وأرسل إليكم رسلاً يتلون عليكم ما نزل عليكم من كتب من السماء من عند رب العالمين؟! ويقولون لهم: ((وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ)) أي: يخوفونكم من هذا اليوم، فما هو الجواب من الكفار ومن أهل النار؟ قالوا: اعترفنا فقد جاءتنا رسل، ونزلت علينا كتب من السماء وعرفنا ذلك، وليس لنا عذر، ولكن يحتجون بالقدر، وهذا لا ينفعهم؛ لأنهم في الدنيا لم يؤمنوا بقضاء ولا بقدر، وإنما كذبوا باليوم الآخر وبالجزاء والحساب، فكيف يوم القيامة يحتجون بالقدر؟! يقولون: ((وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ)) أي: ربنا أراد شيئاً، فكان ما أراده الله ، ((حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ)) أي: تحقق ما قاله الله سبحانه في كتابه: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩].
فهنا حقت بمعنى وجبت كلمة العذاب، يعني: ما قاله ربنا لا بد أن يكون، فكان أن دخلنا النار.
стр. 2676
تفسير قوله تعالى: (قيل ادخلوا أبواب جهنم)
قال الله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر:٧٢] أي: بئس مكان إقامة لكل إنسان متكبر على طاعة الله سبحانه، ومتكبر على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، ومتكبر في الدنيا، فهذا المتكبر استحق الهوان والعذاب، أما أهل الجنة فهم في النعيم المقيم.
نسأل الله أن يجعلنا منهم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2677
تفسير سورة الزمر [٧٣ - ٧٥]
من منن الله على عباده المؤمنين وكمال إحسانه وتفضله عليهم أن جازاهم بأعمالهم الصالحة جنات تجري من تحتها الأنهار، فأدخلهم ربهم فيها جماعة تلو جماعة، وجعل ملائكته وخزنة جنته مستقبلة لهم على أبوابها، فتسلم عليهم، وتهنئهم، وتبشرهم بالخلود الدائم في جنة الرضوان، ثم جعل حياتهم فيها هنيئة رغيدة، لا بؤس فيها ولا شقاء، فهم فيها لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يتمخطون، آنيتهم الذهب، ومجامرهم الألوة، ورشحهم المسك، فهم في نعيم دائم بفضل ربهم وكرمه وإحسانه.
стр. 2678
تفسير قوله تعالى: (وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمراً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في آخر سورة الزمر: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٣ - ٧٥].
هذه الآيات الجميلة العظيمة يختم بها الله هذه السورة الكريمة سورة الزمر، بذكر الجنة وأهلها، وكيف يدخلونها، وكيف يستبشرون فيها، وكيف يحمدون ربهم .
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣]، ذكر ربنا قبل ذلك أهل النار وكيف أنهم يساقون إلى النار فيدعون إليها دعاً، ساخراً منهم بقوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [يس:٦٣]، وقوله: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤]، فهذه النار سيق أهلها إليها، فأخذوا وأدخلوا فيها، وأقحموا فيها، ودفعوا فيها دفعاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣] هذا السياق غير السياق السابق، فأهل الجنة على مراتب، وتقودهم الملائكة وتسوق نجائبهم فيدخلون الجنة، وتنادي عليهم أبواب الجنة: ادخلوا من هنا، فمنهم من ينادى من باب، ومنهم من بابين، ومنهم من ثمانية أبواب، فأبواب الجنة ثمانية كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه، وأبواب النار سبعة أبواب كما ذكر ذلك الله في كتابه.
وقوله: (زُمَرًا) أي: جماعات.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر:٧٣].
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا): أي: وصلوا إلى أبواب الجنة.
стр. 2679
معنى الواو في قوله تعالى: (حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها)
قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) وكأنها فتحت قبل أن يصلوا، ولا تفتح الجنة إلا أن تفتح لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو أول من يدخل الجنة ﵊، ولذلك قال النبي ﷺ : (أنا أول من تفتح له الجنة) وهو أول من يدخلها، قال: (آخذ بحلقة الجنة فيقال: من؟ فأقول: محمد ﷺ ، فتقول الجنة: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك) فاستفتح ففتحت له فأول من يدخلها نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه، نسأل الله أن يجعلنا معه.
قوله تعالى: (وَفُتِحَتْ) أي: أن الجنة تظل مفتوحة دائماً.
أما النار فإنهم إذا جاءوها فتحت فدخلوا فيها ثم أغلقت عليهم، وإذا جاء فوج آخر فتحت فيدخلونها ثم تغلق عليهم، فإن أبوابها مؤصدة، أما الجنة إذا فتحت فأبوابها مفتحة، ولذلك فرقت (الواو) هنا عن هناك، حيث قال في أهل النار: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر:٧١] أي: كل ما جاءها فوج تفتح فيدخلون فتغلق عليهم، ويأتي الفوج الآخر فتفتح ويدخلون، أما الجنة إذا فتحت فإنها تظل مفتوحة أبداً لا تغلق، فيأتي أهل الجنة ويجدون الأبواب مفتحة فيزدحمون على أبوابها، وليأتين عليها يوم وهي كظيظ من زحام أهل الجنة.
فهذا هو الفرق بين ذكر أهل النار بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ)، وذكر أهل الجنة بقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) يعني: وكانت مفتحة قبل ذلك.
وهناك قراءتان في هذه الكلمة: فتقرأ: (فُتِحت) و (فتّحت)، وكذلك في النار: (فتِحت) و (فتّحت)، فقراءة: (فتِحت): هي قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف.
وقراءة: (فتّحت): هي قراءة باقي القراء نافع وابن كثير وأبي عمرو وأبي جعفر ويعقوب وابن عامر.
وقال بعضهم: الواو في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا) مضمر فيها معاني، فكأنه قال: حتى إذا جاءوها وفعل بهم وفعل بهم وفعل بهم وفتحت أبوابها، فهنا محذوف دلت عليه الواو هنا، وهذا من بلاغة القرآن حيث يعبر بحرف واحد عن جمل كثيرة قبلها.
ويمكن أن يكون المراد: حتى إذا جاءوها ونقوا من مظالم كانت بينهم، وصفيت نفوسهم، وهذبوا، وطيبوا، وأخرج ما فيهم من مرض وكدر وغل وحقد، فتحت أبوابها، فأهل الجنة يمرون على الصراط فإذا وصلوا إلى الجنة حبس منهم -بعضهم أو كثير منهم- حتى يتقاصوا المظالم فيما بينهم، فيؤخذ من حسنات الظالم للمظلوم حتى يستوفي حقه، فإذا هذبت النفوس مما كان فيها دخلوا الجنة بعد ذلك.
ومن المعاني التي فيها قول بعضهم: الواو هذه واو الثمانية، وعادة العرب أنهم إذا ذكروا أعداداً فعدوا من واحد إلى سبعة قالوا: واحد اثنان ثلاثة أربعة فإذا وصلوا إلى الثمانية قالوا: وثمانية، فهنا أبواب الجنة ثمانية، فذكرت الواو هنا دليل عليها، أو إشارة إلى ثمانية أبواب الجنة، ولقد جاء مثل هذا في القرآن في مواطن، منها ما جاء في سورة براءة قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:١١٢].
وفي سورة أخرى قال تعالى: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ [التحريم:٥]، فقالوا: هذه الواو واو الثمانية، يعني: ذكر الشيء الثامن يسبقه الواو، فهذه ثلاثة مواضع في الواو التي ذكرت هنا مع أهل الجنة.
стр. 2680
استقبال الملائكة للمؤمنين وتبشيرهم بالخلود
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ [الزمر:٧٣] أي: أهل الجنة يدخلون الجنة بالتحية والإكرام، فخزنة الجنة يقولون لأهل الجنة: سلام عليكم، وهنا التسليم من الملائكة بقولهم: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ)، يتلقاهم ربنا في جنته بالخير والسلام من أول أبواب الجنة، حيث تنادي عليهم الملائكة بقولهم: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ)، فتحيتهم فيما بينهم سلام، والجنة هي دار السلام.
وقوله تعالى: (طِبْتُمْ) أي: في الدنيا بتوحيدكم الله ، فطبتم وطابت أعمالكم فكانت خالصة لله صالحة موافقة لكتاب الله ولهدي رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
والإنسان المؤمن طيب القلب كريم، ألف مألوف، طاب في الدنيا فاستحق أن يكون في الجنة.
كذلك قوله: (طِبْتُمْ) أي: طهرتم الآن قبل دخولكم الجنة، فلا تدخلون وفيكم أخباث أو أنجاس، ولا تدخلون الجنة وفيكم بول أو غائط، إذ لا يوجد شيء من هذا، بل قد انتهى أمر ما كان في الدنيا من بول وغائط ومخاط وحيض ونفاس، فقد طابوا ونقوا وهذبوا ثم أدخلوا الجنة.
قوله تعالى: (فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) أي: ادخلوا الجنة خالدين فيها ولا تموتون أبد الآبدين.
стр. 2681
تفسير قوله تعالى: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده)
قال الله عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] أي: لما خلصوا من الدنيا، وخلصوا من الموقف العظيم، ومروا على الصراط، واستقروا في النعيم المقيم؛ حمدوا الله فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ [الزمر:٧٤] أي: الذي وعدنا في الدنيا على العمل الصالح بهذه الجنة العظيمة الكريمة، فصدق الله وعده، إذ أعطانا ما وعدنا ، والله لا يخلف الميعاد سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ [الزمر:٧٤].
قوله: (أَوْرَثَنَا الأَرْضَ) أي: الدنيا، حيث توارثها أهلها، فذهب سلف وجاء خلف، فلم يزالوا يتوارثونها، هؤلاء يصلحون وأولئك يفسدون، وهؤلاء يعملون صالحاً، وأولئك يعملون الخبائث، فأهل الإيمان ورثوا الأرض فعملوا لطاعة الله فيها، فعملهم هذا بوأهم أي: نزلهم من الجنة منازل عظيمة عالية، فقالوا: الحمد لله الذي صدقنا وعده، وأورثنا قبل ذلك الأرض بعد آبائنا حيث سكنا عليها فعملنا الأعمال الصالحة.
وقوله تعالى: (نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ) أي: ثواب هذه الأعمال أن بوأنا أي: أنزلنا الله الجنة.
قوله: (حَيْثُ نَشَاءُ) أي: لا يصدون عن شيء فيها، فهؤلاء في الجنة في درجة معينة، وأولئك أعلى منهم، وكل إنسان في الجنة التي جعله الله من أهلها مفتحة أبوابها، يسير فيها، ويلعب فيها، ويلهو بما يشاء، لا شيء يمنع عنه، طالما أنه دخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
стр. 2682
القصاص في الآخرة
جاء في الحديث الذي رواه الإمام البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار).
فقوله: (يخلص المؤمنون من النار) يعني: بالمرور على الصراط، وهذا قول الله : ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم:٧١] أي: لابد أن يمر الجميع فوق الصراط، فمنهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، نسأل الله أن يجعلنا هكذا، ومنهم من يمر كلمح البرق، وكلمح الطرف والبصر، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم من يجري كأسرع الناس، ومنهم من يمشي، ومنهم من يمشي مرة ويكبو مرة وتلسعه النار أخرى، حتى يمروا من فوقه، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ في هذا الحديث.
قوله: (فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار) أي: بعد أن يخلص المؤمنون من النار، ويمروا على الصراط يحبسون على قنطرة قبل أن يصلوا إلى الجنة.
قال: (فيقص لبعضهم البعض) أي: لابد من القصاص بين الخلق حتى ولو خرجوا من النار أو اجتازوا الصراط، بل لابد من الوقوف على القنطرة؛ ليحصل القصاص بينهم في ذاك المكان.
قال: (مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة) ولذلك فعلى المؤمن ألا يستهين بمعصية أبداً، ولا يستهين بمظلمة يظلمها أحداً أبداً، ولا يقول: أعمالي الصالحة كثيرة، أو أنا أعمل خيراً كثيراً، فإن ذلك لن ينفعه، حتى ولو كان من أهل الجنة؛ لأنه سيحبس عن الجنة حتى يقتص منه، وقد يكون الحبس يوماً أو أقل أو أكثر، فإن حبس نصف يوم عن الجنة فهو: خمسمائة عام، ومن حبس يوماً عن الجنة، فهو ألف سنة مما تعدون، وهذا شيء فظيع وطويل جداً! فلذلك على المؤمن أن يسارع ويعطي الحقوق لأصحابها، وألا يظلم أحداً، حتى يكون ممن يسرع بهم إلى الجنة.
ويحكي النبي ﷺ حال المؤمنين حين يدخلون الجنة فيقول: (فوالذي نفس محمد بيده! لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا!) فالجنة واسعة وعظيمة جداً، وعندما ينزل المرء في الدنيا إلى بلد لا يعرف فيها أحداً، فإنه يحتاج لدليل يدله على المكان، والجنة واسعة جداً، وهناك الملايين من البشر الذين يدخلون هذه الجنة العظيمة، فكيف سيعرف الإنسان منزله؟ وهل يحتاج إلى دليل يدله على منزله؟
الجواب
لا، فإنك كما تعرف بيتك في الدنيا فإنك تعرف بيتك في الجنة أكثر مما كنت تعرف بيتك الذي في الدنيا.
стр. 2683
صفات المؤمنين وأحوالهم في الجنة
روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة) وأهل الجنة يدخلون الجنة على شكل جماعات وزمر لا دفعة واحدة، كما قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر:٧٣]، زمرة بعدها زمرة، وأول من يدخلون -نسأل الله أن يجعلنا منهم وفيهم- من الزمر صورهم كما قال النبي ﷺ : (أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر) فأجمل ما يكون هؤلاء الداخلون.
قال: (لا يبصقون فيها، ولا يمتخطون، ولا يتغوطون) فليس فيها مما كان في الدنيا من القاذورات.
وفي رواية أخرى قال: (لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون) أي: كلما كان من خبائث في الإنسان في الدنيا فإنه لن يوجد في الجنة منها شيء.
يقول ﷺ : (آنيتهم فيها) أي: الأطباق التي يأكلون فيها.
قال: (آنيتهم فيها الذهب، وأمشاطهم من الذهب والفضة) أي: يمشطون شعرهم بمشط من الذهب والفضة.
قال: (ومجامرهم الألوة) والمجامر: هي المباخر، فالمبخرة التي يتبخرون بها في الجنة هي الألوة، وهي نوع من أنواع البخور طيب الريح، ليس يشبهه في الدنيا شيء، وما في الدنيا يشبهه بالاسم فقط، وذاك أعظم منه بكثير.
قال: (ورشحهم المسك) أي: إذا أكلوا أو شربوا خرجت منهم الفضلات على هيئة العرق رائحته المسك.
قال ﷺ : (ولكل واحد منهم زوجتان) أي: في الجنة.
(يرى مخ سوقهما من وراء اللحم من الحسن) مخ الشيء: أصل الشيء الذي بداخله، وكأن المعنى أن لحم الحور العين ولحم أهل الجنة غاية في الصفاء والنقاء والبياض، وغاية في الجمال وهو مثل المرآة يرى ما بداخلها! قال ﷺ : (لا اختلاف بينهم) أي: لا يختلفون في الجنة؛ لأنهم قد نقوا من ذلك، وأيضاً في جمالهم، فلا يقال: إن فلاناً جميل وفلاناً أجمل منه، بل الكل غاية في الجمال.
قال: (ولا تباغض) أي: ولا يتباغضون.
قال: (قلوبهم قلب واحد) أي: على قلب رجل واحد، فهم مؤتلفون في الجنة فلا تناكر ولا اختلاف.
قال: (يسبحون الله بكرة وعشياً).
وفي رواية للحديث قال ﷺ : (وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد).
ففي الدنيا يختلف الناس في أشكالهم، فهناك النحيف والسمين، وهناك الطويل والقصير، وهناك الأحمر والأبيض والأسود، أما في الجنة فكلهم على هيئة واحدة غاية في الجمال، الطول مثل آدم في الهيئة التي خلقه الله عليها، قال ﷺ وهذا لفظ البخاري: (على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء) فهذا هو طول آدم حين خلقه الله، وكذلك يكون أهل الجنة على هذا الطول.
يقول الله في الآية: ﴿فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤] أي: أنعم به من أجر لمن عمل لله، ولمن وحد الله واتقاه، ولمن اجتنب المعاصي وعمل بالطاعات.
стр. 2684
تفسير قوله تعالى: (وترى الملائكة حافين من حول العرش)
قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥] أي: في ذلك اليوم العظيم ترى الملائكة في الجنة تنظر إلى ربها وهناك لا يظلم أحد.
ولقد جاء في الحديث: (ولا تضامون) أي: حين تنظرون إلى ربكم في الجنة لا يوجد أحد سينضم ويزاحم الناس لكي يرى ربه، بل الأمر كما تنظر إلى القمر، فكل أهل الأرض ينظرون إلى القمر وهو في مكانه، وكذلك -ولله المثل الأعلى- لا يزدحم أحد ليرى ربه، بل كل إنسان مكانه، يطلع عليهم ربهم اطلاعاً فينظرون إليه، فهذا أعظم ما يستمتع به أهل الجنة، أن ينظروا إلى وجه ربهم، نسأل الله أن يجعلنا من أكثر من ينظر إلى وجه ربه يوم القيامة سبحانه.
وقوله تعالى: (حافين) أي: محدقين محيطين حول عرش الرحمن ، منعمين بذلك حيث أكرمهم الله بذلك .
قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر:٧٥].
أي: يتلذذون بعبادته وتسبيحه، وكذلك أهل الجنة يتلذذون بالتسبيح لربهم سبحانه، ففي الدنيا يسبح الإنسان ربه ليأخذ على ذلك الأجر، أما في الجنة فيسبح ربه ليستمتع كما يستمتع في الدنيا بالنفس، فعندما يذهب المرء إلى مكان فيه هواء طلق فيأخذ نفساًَ عميقاً، ويملأ صدره به، مستمتعاً بذلك الهواء، فكذلك تملأ صدرك تستمتع في الجنة بتسبيح الله .
وقوله: (بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) أي: وبحمد ربهم، يسبحون وبتسبيحهم يحمدون ربهم سبحانه.
قوله تعالى: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الزمر:٧٥] أي: بين النبيين وبين أممهم، وبين الخلق فيما بينهم بالحق.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥]، فكان نعم الختام لهذه الآيات ولهذه السورة، ونعم ما يقوله أهل الجنة، ونعم ما يختم به الله للمؤمنين من الصالحات: الحمد لله رب العالمين، فبدأ خلقه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١].
وأنهى الأمر بالحمد فقال: ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:٧٥] فيستحب للإنسان أن يبدأ عمله بحمد الله وأن ينهيه بحمد الله، فالحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2685
تفسير سورة غافر [ ١ - ٢]
سورة غافر من السور المكية، وفيها التنبيه على أهمية عبادة الله وحده لا شريك له، وإبطال عبادة ما يعبده المشركون، وفيها الإخبار بالبعث ويوم القيامة وما يكون فيه من أهوال، كما أن فيها ذكر قصص بعض من تقدم من الأنبياء، وفي ذلك تثبيت للنبي ﷺ وتسلية له.
стр. 2686
سورة غافر نزولها وعدد آياتها
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة غافر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:١ - ٤].
هذه السورة هي الستون من كتاب الله وهي سورة غافر، وهي سورة من السور المكية التي يقرر الله لعباده فيها منهج حياتهم: أن يعبدوا الله ، وأن يؤمنوا بالبعث بعد الموت، وأن الله سيجزيهم يوم القيامة إما الجنة وإما النار، ويذكر الله فيها لنا دعوة الأنبياء قبل النبي ﷺ ، فيقص علينا قصة موسى، وقصة مؤمن آل فرعون الذي آمن وابتلي في الله ، ولذلك هذه السورة تسمى بسورة غافر، وتسمى بسورة المؤمن، أي: مؤمن آل فرعون الذي ذكره الله في هذه السورة بقوله: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨].
وهذه السورة عدد آياتها بحسب العد البصري ثلاث وثمانون آية، وبحسب العد الحجازي والحمصي أربع وثمانون آية، وبحسب العد الكوفي خمس وثمانون آية، وبحسب العد الدمشقي ست وثمانون آية، وكما ذكرنا قبل ذلك أن هذا العد ليس زيادة في الآيات، ولكن بحسب الوقوف، فالوقف على رأس كل آية يسمى فاصلة، أي: تفصل الآية عما بعدها بالوقف، وسبب الاختلاف هو وقف النبي ﷺ في قراءته، فإذا وقف النبي ﷺ على موضع فيحسب آية، فهنا يقال: هذه فاصلة، وقد وقف النبي ﷺ على آيات، وأحياناً وقف على آيات أخرى، فأخذوا منه أن الآية هذه نهايتها حيث وقف النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووقع الخلاف في تسعة مواضع في هذه السورة وهي في نفس الآية، فاختلفوا في عد (حم) آية منفصلة وحدها، فالكوفيون يعدون (حم) رأس آية، وليست برأس آية كما يعدها الباقون، بل يجعلونها هي وما بعدها آية واحدة: ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١] فبحسب عد غير الكوفيين تكون آية واحدة.
كذلك الكوفيون عدوا (حم) وتركوا ﴿كَاظِمِينَ﴾ [غافر:١٨] ولم يقفوا عليها، وغيرهم وقفوا على كلمة (كاظمين).
وقوله: ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] وقف عليها الجمهور وتركها الدمشقي ابن عامر في عده، وعد مكانها (بَارِزُونَ).
وكلمة: ((إِسْرَائِيلَ)) و ((الْكِتَابُ)) مواضع وقف لغير المدني الأخير وغير البصري.
وكلمة: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٨] وقف عليها الدمشقي ابن عامر والمدني الأخير.
وكلمة: ((يُسَبِّحُونَ)) يقف عليها الكوفي والمدني الأخير أيضاً دون غيرهما.
وكلمة: ((فِي الْحَمِيمِ)) يقف عليها المكي والمدني الأول.
وكلمة: ((كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ)) يقف عليها الكوفيون والدمشقي.
فهنا كأنها آيات فواصل تفصل الآية عن التي تليها بالوقف، فإذا وقف النبي ﷺ هنا عدت آية، وإذا وصل هذه وما بعدها عدت هذه مع هذه آية، وهي نفس السورة ونفس الكلمات.
فالوقف عند رأس كل آية تسمى فاصلة، والقراء يقولون: هذا عد فواصل الآيات، ويقولون: هذه فاصلة، وهذه مشبهة بالفاصلة، أي: تشبه الفاصلة، أي: موضع مثل غيره من الوقوف، ولكن لم يقف عليه النبي ﷺ ولم يعدها آية، فلم يعدها القراء آية، مثل قوله سبحانه: ﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣] يقولون: هذه مشبه بالفاصلة، أي: يشبه الفاصلة، وقوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] هذا وقف وليس برأس آية.
وهذه السورة سورة مكية كما ذكرنا، وبعض أهل العلم قالوا: إلا آية أو آيتين، فـ الحسن البصري يقول: هي سورة مكية إلا ما ذكر الله فيها من التسبيح: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] قال: هذه مدنية، قال: لأن المقصود بالتسبيح هنا الصلاة، والصلاة لم تفرض على هيئتها إلا في المدينة، وهذا القول ضعيف، والصواب: أن الصلاة فرضت على هيئتها في مكة بعد قصة الإسراء والمعراج، فقد نزل النبي ﷺ من السماء وفرضت عليه الخمس الصلوات وهو في مكة، فصلى الخمس الصلوات ﵊، ثم بعد ذلك هاجر إلى المدينة، والذي كان فرضه في المدينة هو الأذان؛ فإنه لم يكن هناك أذان بمكة، وإنما شرع الأذان بالمدينة بقصة مذكورة في أبواب الأذان.
فالصواب أن قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] مكية كغيرها.
وأيضاً استثنوا قول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ [غافر:٥٦] الآية، وقد تكرر الجدل مرتين أو خمس مرات في هذه السورة، فقال البعض: المقصود به اليهود، ومكة لم يكن فيها يهود، والصواب: أن الذين جادلهم هم المشركون، فإنهم كانوا يجادلون النبي ﷺ ، فهذه الآية أيضاً آية مكية، فالسورة فيها خصائص السور المكية كما سبق.
стр. 2687
أغراض سورة غافر وبيان ترتيبها
والسورة لها أغراض، وعندما تتصفح آيات كتاب الله تجد كل سورة يدل الله عباده فيها على منهج معين تحتويه هذه السورة في سياقها، فهنا هذه السورة من السور المكية التي فيها ترسيخ العقيدة وخاصة أمر الابتلاء، وأن الإنسان عليه أن يصبر، وفي النهاية النصر والجزاء الحسن من الله ، فإن كان الإنسان في الدنيا قد يقضى عليه بالموت فيوم القيامة ينصره الله سبحانه ممن ظلمه، ويقتص للمظلومين من الظالمين، وينتصر الله سبحانه لعباده الذين كانوا مستضعفين في الأرض.
وهذه السورة فتحها الله بقوله: ((حم)) وليست وحدها بل ذكرت هذه الآية في سبع سور في القرآن.
وكما ذكرنا قبل أن هذا الترتيب الذي في المصحف ليس بحسب النزول، فإن أول المصحف سورة الفاتحة، وآخر المصحف سورة الناس، وهذا ليس ترتيب نزول القرآن، وليس هو ترتيب نزول السور، ولكن كما قرأ النبي ﷺ على جبريل في العرضة الأخيرة رتب القرآن على ذلك.
وهذه السورة من السور المكية وكان نزولها بعد سورة الزمر، وبعدها السور التي تليها من الحواميم، وهي: سورة فصلت، وبعدها سورة الشورى، وبعدها سورة الزخرف، وبعدها سورة الدخان، وبعدها سورة الجاثية، وبعدها سورة الأحقاف، سبع سور وراء بعض رتبت في المصحف بحسب ترتيب النزول.
ولكن يقول العلماء: هذه السورة حسب نزول القرآن هي السورة رقم (٦٠) في النزول من السماء على النبي ﷺ ، فسورة الزمر كانت السورة التاسعة والخمسين، وهذه السورة هي الستون في ترتيب النزول، لكن في ترتيب المصحف هي رقم أربعين.
стр. 2688
تفسير قوله تعالى: (حم) وبيان معنى الحروف المقطعة في أوائل السور
هذه السورة كما ذكرنا سورة مكية، والله ذكر في أولها: ((حم)) وهما حرفان: الحاء والميم، والمقصد بذلك تحدي الكفار، أي: أن هذا القرآن من جنس هذه الأحرف التي تقرءونها، فهاتوا مثله، وعندما يتحداهم الله سبحانه فيقول: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣]، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، فيتحداهم أن يأتوا بسورة مثله، فليس المعنى أن أي كلام يقوله الإنسان يعتبر سورة، مثل ذلك المخرف المجرم الذي اسمه شروش الذي يقول: أنا سأؤلف قرآناً، وأمريكا تؤيده على هذا الأمر وتطبع له، وهذا الذي يؤلفه كلام فارغ غاية في الركة في اللغة العربية، فهو كلام ركيك فارغ، كلام كفر، يريد أن يوزن كلاماً على ما يأتي في سور القرآن، ويأخذ منها حاجات ويحط مكانها الصليب، ويحط مكانها المسيح، وعقيدة التثليث، وغير ذلك من الكذب والافتراء، ويقول: هذا الذي جئت به ألفته في خلال سبع سنوات، ومحمد ﷺ ألفه في ثلاث وعشرين سنة! فليس أي كلام يقوله الإنسان يقال: هذا قرآن، فلا يأتي تلميذ أو طالب فاشل يكتب موضوعاً ويأتي الناس يقارنون هذا الكلام الفارغ بكتاب الله العظيم الكريم، ولكن الذي يتحدى أن يأتي بمثل هذا القرآن عليه أن يأتي بكلام له معنى، وبكلام يفهم منه شريعة وعقيدة، وأن يقول كلاماً موزوناً وكلاماً فيه الرصانة والبلاغة والفصاحة والإعجاز، وفيه منهج الحياة، وفيه أمور الدنيا وأمور الآخرة، فعندما يأتي إنسان بكلام فارغ وكلام لا يعرف له أول من آخر، فليس بقرآن، وذلك مثل كلام مسيلمة عندما تكلم عن دابة من الدواب فقال: (يا وبر يا وبر، إنك رأس وصدر، وسائرك حقر نقر)، وهذا كلام فارغ يصف به دابة اسمها: الوبر، ويقول: هذا قرآن، وقد رد عليه من كان في زمانه وقال: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كذاب.
فعلى ذلك نقول: الله يتحدى الخلق بهذا القرآن، ويتحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن الذي لا تنقضي عجائبه، فتقرأ القرآن، وكلما ازددت قراءة للقرآن تجد كلاماً عظيماً، وتجد كمالاً وبلاغة وأسلوباً فائقاً رائقاً عظيماً، ولو أتيت بكلام من أي كلام يكون حتى ولو كان حديثاً للنبي ﷺ لا تجد فيه التغني الذي تقرأ به القرآن والنغمة الموجودة في قراءتك للقرآن، فالقرآن غير كلام البشر، فهو كلام رب العالمين ، وحين تقرأ القرآن تتغنى به، وتجد روعة أسلوب القرآن، من حيث ترتيب حروف القرآن، فهذا حرف يخرج من آخر الحلق، وهذا من أول الحلق، وهذا من عند اللسان، وهذا من عند الشفة، ويصير للكلمة نغمة.
ولذلك العلماء الذين يفهمون في اللغة العربية يقولون: إذا أتينا بأقصر آية في القرآن فيها حكمة، وأقصر كلمة قالتها العرب فيها حكمة، وقارنا بين هذه وبين هذه فسيكون كلام العرب لا شيء أمام القرآن، فمثلاً: من الكلمات التي قالها العرب: القتل أنفى للقتل، قالوا: وهذا من أبلغ الكلام الذي قالته العرب، أي: أن القاتل عندما يقتل يمنع القتل بعد ذلك، لكن أين تقع هذه الكلمة التي قالوها بجانب قول الله : ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]؟ فمخارج حروف الآية فيها سهولة، بخلاف كلمة (أنفى للقتل) ففي مخارجها صعوبة، وحروفها بعيدة عن بعضها، وليس فيها النغمة الموجودة في القرآن، وهكذا قول الله : ((فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)) أقصر من قولهم: القتل أنفى للقتل، وحين تقرأ كتاب إعجاز القرآن للباقلاني تجد فيه العجب من هذا الجنس، وهذا فن واحد من الفنون في الكلام عن بلاغة القرآن.
فهناك فرق بين القرآن وبين أشعار العرب التي هي تعتبر أشياء عظيمة وقوية في اللغة العربية، فأين هذا مع تخريف شروش الجاهل المجرم الكافر النصراني الذي يقول: أنا آتي بمثل هذا القرآن؟! فلذلك محله مزبلة الناس يلقي فيها كلامه الذي يقوله، أما كلام رب العالمين فهو الذي يتحد الخلق أن يأتوا بسورة من مثله في مثل إتقانه وإحكامه وبلاغته وقوته، وما فيه من مذهب للحياة، وما فيه من إخبار بالغيب، وما فيه من إعجاز في كل الوجوه كما رأينا ونرى في سور هذا القرآن العظيم.
فبدأ الله هذه السورة بقوله: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١ - ٢] فقوله: (حم) حرفان، ويشير بعدها إلى القرآن، وقد ذكرنا أن الغالب في الحروف التي في أوائل السور أنها إذا ذكرها الله يعقب بعدها بذكر القرآن أو يشير إلى القرآن سواء بعدها مباشرة أو بعدها بآيات.
والله قال في هذه الآية: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، فذكر اسمين من أسمائه: (العزيز) أي: الغالب سبحانه، (العليم) بما يقولون وما يفعلون، وهو الذي يحاسبهم سبحانه ويفصل القضاء بينهم وبين المؤمنين يوم القيامة، فكأنه يعرض لهم: أقلعوا عما أنتم فيه، وإلا فالله غالب على أمره، فالله يعلم ما تقولون وما تفعلون فيجازيكم عليه.
وكذلك يعقب بقوله: ((تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ)) أي: أن الكتاب ليس هو من عند النبي ﷺ ، وإنما هو من عند الله، ولم يقل النبي ﷺ : أنا ألفت هذا القرآن، فليس هو كلام النبي ﷺ ، إنما هو كلام رب العالمين، والفرق واسع جداً بين القرآن العظيم وبين حديث النبي ﷺ الشريف وبين كلام البشر.
أيضاً: في هذه السورة يذكر الله سبحانه اشتغال الكفار بالجدل في دين الله ، وقد تكررت كلمة الجدل والمجادلين في هذه السورة حوالي خمس مرات.
وكذلك ذكر الله الأمم السابقة وما فعلت مع أنبيائها وخاصة فرعون مع موسى، وبني إسرائيل مع موسى، ذكر الله سبحانه ذلك حتى يطمئن النبي ﷺ وهو في مكة وهو يؤذى والمؤمنون يؤذون أننا سننصركم كما نصرنا هؤلاء، ووعد الله: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١].
وفيها أيضاً التنبيه على تفرد الله بالعبادة، وإبطال عبادة ما يعبده المشركون من دون الله، والتذكير بنعم الله على العباد، والإخبار بالبعث يوم القيامة، والإنذار بما يكون من أهوال يوم القيامة، وتثبيت النبي ﷺ بأن يصبر؛ فإن النصر سيكون له.
كذلك هذه السورة نزلت بعد سورة الزمر، فانظر إلى الخاتمة في سورة الزمر وإلى البداية في هذه السورة؛ فقد ختم الله سورة الزمر بذكر الجنة والنار، وبذكر أهل الجنة وأهل النار، وذكر رحمة رب العالمين وذكر عذاب رب العالمين سبحانه، وبدأ هذه السورة بما يشير إلى ذلك: أن الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو، فختم بما يدل على قوته وقدرته وعذابه لمن خالفه وعانده، ورحمته سبحانه للمؤمنين، وبدأ هذه السورة بما يدل على ذلك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2689
تفسير سورة غافر [١ - ٤]
في هذه الآيات يذكر الله تعالى بعض أسمائه الحسنى كالتي تدل على المغفرة والتوبة على التائبين، وفي المقابل يذكر بعض أسمائه التي تدل على الترهيب وشدة العقاب، وذلك ليكون المؤمن في حياته بين الخوف والرجاء، وفيها أيضاً ما يجب أن يكون عليه المؤمن من التسليم لآيات الله وعدم الخوض والجدل فيها بغير حق.
стр. 2690
تفسير قوله تعالى: (حم) والكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة غافر: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:١ - ٤].
سورة غافر هي أول السور التي تبدأ بـ (حم).
وهي من السور المكية التي يرسخ الله فيها أمر العقيدة في قلوب المؤمنين، بذكر الإيمان بالله سبحانه، وتوحيد الله سبحانه، وذكر اليوم الآخر، والجنة والنار، وذكر الابتلاء للمؤمنين وكيف صبروا حتى نصرهم الله سبحانه.
بدئت هذه السورة بهذين الحرفين: (حم)، وكأنه سبحانه يذكر أن حروف اللغة العربية منها هذان الحرفان: حرف الحاء وحرف الميم، والسور التي يبدأ فيها بهذين الحرفين نجد أن أكثر ما يتكرر فيها هما هذان الحرفان، ولا نقول: إن ذلك هو الأكثر، ولكن هو من أكثر ما يتكرر فيها، فإذا بدأ الله سورة بنون فإنك تجد حرف النون يتكرر فيها كثيراً، وهو غالب على غيره من الحروف، وقد يكون حرف الألف أكثر منه في السور، ولكن الغالب أن تكون هذه الحروف التي في فواتح السور تتكرر فيها أكثر من غيرها من الحروف.
وأشار بعد قوله: (حم) إلى هذا الكتاب، وكأنه يشير إلى التحدي، فهذا كتاب نزل من السماء فهاتوا كتاباً مثله، وهاتوا شريعة مثل هذه الشريعة التي ذكرها الله في كتابه العظيم، وجيئوا بكلام رصين متين قوي حكيم مثل هذا القرآن العظيم الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه.
(حم) وقد اختلف العلماء في المقصود بهما، والراجح أن الحروف المقطعة في فواتح السور من أسرار القرآن، ولذلك جمع بعض العلماء هذه الحروف التي في فواتح السور ليكونوا منها جملة، فأبعدوا منها الحروف المكررة وأبقوا الحروف التي لم تتكرر فوجدوا هذه الجملة: (نص حكيم قاطع له سر)، وهذه الجملة تؤيد قول من قال: إن هذا من أسرار القرآن، فعلمها عند الله ، والعلماء يذكرون بعض الحكم كقولهم: إن هذه الحروف أكثر ما يتكرر في هذه السورة، فلعل هذا من الحكم، ولا يقال: هي الحكمة التي من أجلها جعل الله هذه الحروف في أول السورة.
وقال بعضهم: إنها للتحدي، وهذا أيضاً استنباط، فقالوا: إنه عندما يذكر الحروف المقطعة فإنه يشير بعدها مباشرة أو بعدها بآيات إلى هذا القرآن، نحو: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وهنا يقول: ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:١ - ٢].
إذاً: من ضمن الحكم التي فيها أنها لتحدي الكفار، فهي من جنس الحروف التي تتكلمون بها.
وأيضاً يقال: إن هذه الأحرف تسمى السور بها، فيقال: سورة (حم) فصلت، التي ذكرت فيها السجدة، ويقال: هذه حم غافر، التي ذكر فيها اسم الله الغافر، وهذه سورة (الم) السجدة، أي: التي بدأت بـ (الم) وفيها السجدة، وكان يقرؤها النبي ﷺ في فجر كل جمعة، وهكذا.
وقيل: بل هي إشارة إلى أسماء الله ، فالألف إشارة إلى الله، واللام إلى اللطيف، والحاء إلى الحميد والحكيم والحليم، وقد جاء عن العرب إشارات إلى مثل ذلك، كما قال بعضهم: قلت لها قفي فقالت: قاف.
أي: وقفت، فهنا أشارت بحرف إلى ما تقصده، فلعل مثل هذا يحتمل، ولكن لا نقول: إن هذا هو المقصود.
بل نقول: إن هذه الأحرف التي اختارها الله في أول بعض السور من أسرار القرآن العظيم، والمراد بيان أن هذا القرآن من جنس هذه الأحرف التي تتكلمون بها.
وأيضاً فالعرب ما كان من عادتهم إن يبدءوا الكلام بحروف القطعة، فعندما يأتي النبي ﷺ ويقرأ عليهم القرآن ويقول: ((الم)، فإن هذا يجعلهم ينتبهون، ويشد أذهانهم ليسمعوا هذا الكلام الذي لم يسمعوه من قبل، فيقوم ويقرأ عليهم بعد ذلك ما في هذا القرآن: ﴿طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه:١ - ٣].
إذاً: فالحروف التي في أوائل السور هي من أسرار هذا القرآن العظيم، لكن من الحكم التي في ذكرها بعض العلماء ما ذكرناه.
قال سبحانه: ((حم))، وهذه فيها قراءتان: بفتح الحاء، وهي قراءة الجمهور، ويقرؤها بالإمالة ابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (حم)، فالحاء تمد مداً طبيعياً، والميم تمد مداً طويلاً.
стр. 2691
تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم)
قال تعالى: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] أي: هذا الكتاب العظيم نزل من الله ولم يقله النبي ﷺ من عند نفسه، ومن أجلنا نزل هذا الكتاب من عند الله سبحانه الذي سمى نفسه بهذه الأسماء العظيمة، فالله هو العزيز، وهو العليم، وهو غافر الذنب، وهو قابل التوب، وهو شديد العقاب، وهو ذو الطول لا إله إلا هو إليه المصير، فهذا سبعة أسماء لله تشتمل على صفاته ، وقد جمعت في هاتين الآيتين في سياق جميل لطيف، وسياق متناسق، وبترتيب عظيم تقرؤه وتجد فيه نغمة في قراءتك له، وتجد فيها سهولة في النطق بها، ولو قدمت بعضها على بعضها فلن تجد فيها السهولة التي تجدها في ترتيب الله لهذه الأسماء الحسنى.
﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ﴾ [غافر:٢] أي: الغالب، وفيه إشارة إلى أنك لا تغالب ربك سبحانه؛ فإنه يغلبك ، فمهما تحدى الإنسان ربه فلا بد وأن يهلكه ويقهره الله سبحانه، فهو العزيز الغالب الذي لا يقهر ، والذي لا يمانع، والذين إذا قال للشيء: كن فلا بد أن يكون ما أراده سبحانه.
﴿مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢]، وهذه من أسمائه الحسنى، فالله لفظ الجلالة، ومعناه: المتفرد بأن يعبد وحده لا شريك له، والمستحق للألوهية وحده لا شريك له، و (الْعَزِيزِ) هو الغالب ، فهو غافر الذنب، وهو قابل التوب، وهو شديد العقاب، وهو ذو الطول، (غَافِرِ الذَّنْبِ)، فهو يتفضل على عباده بأن يغفر لهم ذنوبهم، (قَابِلِ التَّوْبِ)، وعد من الله أنه يقبل توبة من يتوب إليه سبحانه، (شَدِيدِ الْعِقَابِ)، عدلاً منه سبحانه، فمن عاقبه الله فلم يعاقبه ظلماً، وإنما بعدله ، ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣] أي: هو وحده الذي يستحق العبادة وإليه المرجع سبحانه.
وأسماؤه عظيمة: الله، العزيز، العليم سبحانه، وهذه من أسماء الله الحسنى، والإنسان المؤمن عندما يذكر اسماً من أسماء الله فليفهم هذا الاسم، وليستعمل هذا الاسم في الدعاء في حاجته إلى ربه .
وفي حديث النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، والله له أسماء كثيرة جداً سبحانه منها ما نعلمه، ومنها ما لا نعلمه، ومن هذه الأسماء تسعة وتسعون اسماً (من أحصاها)، أي: من حفظها وفهم معانيها واستخدمها ودعا الله بها، وآمن بها، فإنه يدخل الجنة.
فالعزيز هو الغالب، فتعلم أنه غالب فلا تغالب ربك سبحانه، فترضى بقضائه وقدره، وتسلم له سبحانه، والعليم هو علام الغيوب، فهو يعلم كل شيء، ما كان وما سيكون، بل ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، فالشيء الذي لم يوجد يعلم الله لو وجد كيف سيكون، فيعلم كل شيء، فهو علام الغيوب، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما يخفيه الإنسان في قلبه، ويعلم نية الإنسان، ويعلم ما لم ينوِ الإنسان بعد، وماذا سيكون غداً.
стр. 2692
تفسير قوله تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب)
قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر:٣].
(غَافِرِ الذَّنْبِ)، من أسمائه: الغفور والغفار، وهو الغافر للذنب، والغفر: هو الستر والتغطية، فالله يغفر الذنب، أي: يستره، فهو يستر على عباده، ويكفر السيئة ويمحوها ويزيلها، فالله يغفر لعباده ويستر عليهم ذنوبهم إذا تابوا إليه سبحانه.
والذنب هنا جنس، وإذا كان جنساً فيعم، وليس المقصود به ذنباً واحداً، بل المقصود به جنس الذنوب كبائر وصغائر، فكل ما يقع فيه العبد إذا تاب إلى الله منه فالله يتوب عليه، حتى لو كان كفراً وشركاً، فإذا لم يكن شركاً ومات العبد عليه فهو في مشيئة الله سبحانه: إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه.
قال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر:٣] (قابل التوب)، أي: يقبل توبة عباده، فمن تاب إلى الله من أي ذنب صغيراً كان أو كبيراً تاب الله عليه.
﴿َقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٣]، الله يجعل عباده بين الخوف والرجاء، فإذا ذكر ناره ذكر جنته، وإذا ذكر عذابه وعقابه ذكر مغفرته ورحمته سبحانه؛ حتى لا ييئس العبد من رحمة الله سبحانه، فيضيق بسبب ذنوبه وعدم الرجوع إلى الله ، فيذكره بالجنة ويخوفه من النار، فيكون العبد بين الخوف والرجاء.
(ذِي الطَّوْلِ)، أصلها من الطول، فهو الذي يعطي لعباده من فضله ورحمته، فأصله الشيء الطويل، فالله أعطى العباد نعماً جزيلة ومنناً عظيمة.
أعطاهم رحمة عظيمة، وأعطاهم نعماً عظيمة، وأعطاهم سعة، وعنده الكثير ، فهو صاحب النعم، وصاحب الفضل، وصاحب الغنى والسعة، فذكر أنه ذو الطول .
(لا إله إلا هو) أي: إذا علمت أنه العزيز، وأنه العليم، وأنه الغافر للذنب، وأنه القابل للتوب، وأنه شديد العقاب، وأنه ذو الطول, علمت أنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له، (إليه المصير) أي: إليه المرجع، فترجعون إلى الله في يوم القيامة ليجازيكم.
وقوله تعالى: (حم)، جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه جعلها كلمة سر، فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث رجل من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: (لا أرى أعداءكم إلا يبيتونكم الليلة، فإذا بيتوكم فقولوا: حم لا ينصرون) ذكرها أبو داود بلفظ: (إذا بيتم فقولوا: حم لا تنصرون)، فالنبي ﷺ توقع أن الأعداء سيأتون في الليل، فإذا هجم العدو عليهم بالليل وليس هناك نور ولا إضاءة فكيف ستميز بين العدو وبين المسلم، فلابد من كلمة سر تكون بين المسلمين يقولونها كي يعرف المسلم من أمامه، والحاجة الثانية لعل وراءها سراً عند الله سبحانه وفضلاً، فهذه آية في كتاب الله : (حم)، فكأن هذا خبر عن الكفار أنهم إذا قلتم: (حم) فإنهم لا ينصرون، فكان المسلمون يقولون ذلك، وصار شعاراً لهم، وكلمة السر بينهم، فإذا رفع أحدهم سيفه فالذي أمامه يقول: (حم لا ينصرون)، فيعرف أنه مسلم، وهذا حديث صحيح.
стр. 2693
تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا)
قال الله : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤]، وقد نهانا النبي ﷺ عن الجدل فقال: (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وقال النبي ﷺ : (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقاً)، فالمؤمن لا يجادل إلا إذا احتاج ذلك لنصرة دين الله سبحانه، والعلماء يذكرون أن الجدل لا يكون إلا لإيضاح ما التبس على الناس، فإذا لبس إنسان على الناس وخلط في دين الله وأدخل في قلوبهم الشك، فهنا ينبري له بعض المؤمنين من أهل العلم ليجادلوه ويردوا عليه فيما قاله من تحريف ومن كلام كذب، فقالوا: الجدل لإيضاح ما يلتبس على الناس، أو لحل مشكل مما يشكل على الناس، أو لردع إنسان يلبس على الناس في دين الله سبحانه، أو للرد على أهل البدع، ففي هذه الحالة يكون جائزاً، ودليله ما كان من إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقد ذكره الله مادحاً له: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٢٥٨]، فهنا مدح الله إبراهيم أن جادل النمرود وكذبه فيما يقوله، فقد أوهم الناس أنه يحيي ويميت، وادعى لنفسه ما ليس أهلاً له.
فالغرض أن الجدل لنصر دين الله جائز، لكن الأصل أن الإنسان المؤمن لا يجادل، ولا يتكلم إلا بعلم، ولا يكثر من الكلام؛ فالله قد كره لنا قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2694
تفسير سورة غافر [٤ - ٧]
إن الجدال في آيات الله لا لشيء إلا لردها كفر، وهو دأب الكفار والجاحدين، يجادلون لدفع الحق بباطلهم، وأنى لهم ذلك! فالحق منتصر، والباطل زائل، وأهله وإن تنعموا في الدنيا فإنما هو استدراج، ثم يأتي العذاب الشديد، أما المؤمنون الصادقون فإن عاقبتهم الحسنى، وإكرام الله لهم لا حدود له.
стр. 2695
تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة غافر: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٤ - ٧].
في هذه الآيات يخبر الله المؤمنين عن أمر الكفار وجدلهم بالباطل ليدحضوا به الحق -ليزيلوا به الحق- الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، فالكافرون دائماً أبداً يجادلون بالباطل، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة:٣٢].
وقد ذكر الجدل في هذه السورة خمس مرات، وغاية الكفار من الجدل بالباطل رغبتهم في دفع الحق، فهم يريدون أن يزيلوا ما نزل من عند الله، وأن يمحوا أثره إن استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، قال سبحانه: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، فالذي يجادل بالباطل ليلبس على الناس دينهم، ويصرفهم عن آيات كتاب رب العالمين بالتشكيك كافر في كل عصر وفي كل مكان، ومن وسائلهم المشتهرة في تشكيك المؤمنين في آيات الله أن يجادلوا فيها حتى يدخلوا الشكوك في القلوب، ويزرعوا الشبه في العقول.
وقوله : ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر:٤]، أسلوب قصر أفادته (ما) النافية و (إلا) الاستثنائية، والمعنى: ما يفعل هذا الجدل إلا الكفار، فدأبهم الجدال بالباطل ليدحضوا به الحق، ولكن الله أخذ هؤلاء وأتلفهم وأهلكهم جزاءً بما قدموا، وقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] أي: فلا يغررك أن تركناهم، إنما نملي لهم ليستوجبوا المزيد من الرجس والعذاب، قال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران:١٧٨].
وقوله: ﴿فلا يَغْرُرْكَ﴾ [غافر:٤] أي: لا تغتر بما أعطيناهم، ولا يخدعك ذلك عن أمر الله وعن دين الله، والإنسان حين يرى الكافر يكفر بالله، ويجادل بالباطل، ومع ذلك يعطيه الله المال والبنين والقوة والرئاسة والمنصب في الدنيا، وإن كان مؤمناً قد يحدث في قلبه شيء مما يرى، ولذا يوجه الله نبيه فيقول: لا تغتر ولا تنخدع بما أعطيناهم، ولا يصرفنك ذلك عن دعوتك فإنك على الحق، ومثل النبي ﷺ كل داعية في حتمية أن يبتليه الله سبحانه بمثل هؤلاء، فيرى أصحاب القوة والمنصب يتكلمون والناس يسمعون لما يقولون، ويراهم يهرفون بما لا يعرفون، فيتكلمون في دين الله، ويناقشون أهل الدين، وحين يتكلمون يتكلمون بصوت عال، ويراهم قد تملكوا صحفاً وقنوات فضائية تنشر تراهاتهم، وحين يأتي عالم الدين ليتكلم يسكته أذيالهم والمنبهرون بما هم فيه، وهم بذلك يظنون أنهم علوا على المؤمنين، ولا يدركون أنهم مهملين إلى حين، فإذا جاء أجلهم أخذهم الله وقصمهم قصماً شديداً أليماً جزاء بما كانوا يعملون.
فقوله تعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ﴾ [غافر:٤] أي: لا تغتر بتقلبهم في مناصبهم، وأموالهم، وذهابهم ومجيئهم وأسفارهم وهم يتكسبون في هذه الدنيا فإنما هو متاع قليل زائل، وما الذي نصنعه معك بإعطائهم وحرمانك إلا ابتلاء وفتنة ومحنة، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١ - ٢]، بل لا بد وأن يفتن المؤمن ويبتلى حتى إذا قال له ربه: لا تحزن، يصدق ما يقوله الله ولا يغتر بما هم فيه من الباطل، ويوقن أن الله ناصره يوماً من الأيام.
قوله تعالى: ﴿فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [غافر:٤] أي: تصرفهم في البلاد في ذهابهم ومجيئهم، في حكمهم ورياستهم وسلطانهم، وكل ذلك لا تغتر به، فلا تغتر إن سلمهم الله سبحانه فجعل فيهم صحة وعافية ومنحهم الأموال والبنين، فإن هذا متاع الحياة الدنيا إلى حين، ثم يسلب منهم حين يأتي أمر الله سبحانه.
стр. 2696
تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم)
قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥].
هذا خطاب للنبي ﷺ ولكل من يصلح له الخطاب أن ارجع بذاكرتك إلى الماضي وتذكر فقد أخبرناك في كتابنا عن كذب الكاذبين، وتكذيب المكذبين، الذين كذبوا على الله وافتروا عليه، وعبدوا غيره ، وإن نوقشوا كانت حجتهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣].
قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر:٥]، فدعا بعضهم بعضاً إلى الكفر بالله سبحانه، وتكذيب نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقالوا لنوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، أي: إما أن تسكت وإما أن نرجمنك، وقد دعاهم نوح ﵇ إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانت دعوة طويلة في عمر مديد، فكان يدعو الأجداد، والآباء، والأبناء، والأحفاد، يذهبون الأول فالأول وهو باق يدعو، حتى كان يوصي بعضهم بعضاً بالكفر بالله ، فيذهب الأولون وقد أوصوا من بعدهم: لا تتبعوا نوحاً -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- وقد أخبر الله عن عملهم ذاك فقال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، وكان من شأنهم أنهم صنعوا أصناماً ثم عبدوها وقالوا: هؤلاء كان يعبدهم آباؤنا وأجدادنا، فإياكم أن تتركوهم لدعوة هذا -يريدون نوحاً ﵇ لا تتركوا من كان يعبد آباءكم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح:٢٣ - ٢٤]، وكان نوح ﵇ قد دعاهم إلى عبادة الله، وبين لهم أتم البيان؛ بل لم يترك وسيلة ممكنة له تعينه في دعوتهم إلا واستخدمها، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٩]، فقد دعاهم بالسر ودعاهم بالعلن، دعاهم بالجهر ودعاهم في الخفاء، دعاهم بالتبشير وبالإنذار، بالتخويف وبالتطميع، ومع ذلك لم يسلم الكثير منهم، فكان يدعوهم لجنة عرضها السماوات والأرض، فيزهدوا فيها؛ لأنهم لا يريدون الجنة، ويخوفهم من نار تأكل أجسادهم خالدين فلا يحذرون منها، فاستحقوا أن يستجيب الله لنوح بإهلاكهم، وقد أشار الله في الآية إلى ذلك، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥].
وقوله تعالى: ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥] الأحزاب هم: الذين تحزبوا، والتحزب هو التجمع، وتحزبوا: تجمعوا على أنبيائهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوله: (من بعدهم) أي: من بعد قوم نوح جاءت عاد، وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، وغيرهم كثيرون، قال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨].
فالله خلق القرون، وأرسل إليهم رسلاً وأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فدعوهم إلى الله؛ فأبوا إلا الكفر.
وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ [غافر:٥] أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش كذبت قوم نوح، قوله: ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥] أي: كل من تحزب وتجمع على معصية الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يتوقف تحزبهم على عدم الإيمان فحسب، بل عزموا أن يؤذوا أنبياء الله، قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥]، كأن هذه سنة الله في خلقه، فكل أمة يرسل الله إليها نبياً أو رسولاً يجتمعون على تكذيبه، وعدم الإيمان به، إلى إن يأتي أمر الله .
وقوله: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥] أي: ليأسروه، أو يعذبوه، أو يهلكوه، ولما كان الحق أبلج غالباً لا محالة فقد أخذوا يدفعون حججه بالباطل وهذا دأبهم، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [غافر:٥].
وفي الآية إشارة للنبي ﷺ : أن يا رسول الله ﵊ لست أول من جادلك قومك بالباطل، بل كل الأمم السابقة جادلوا أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، وتماروا معهم مجادلين بالباطل دافعين للحق، قال تعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر:٥]، قوله: (ليدحضوا) أي: ليزيلوا، والدحضة: الأرض المزلة التي تزحلق الذي يقف عليها، والمعنى: يردون الحق الذي جاء من عند رب العالمين بالباطل الذي يقولونه ويدعونه.
ثم قال سبحانه: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] أي: أخذ كل هؤلاء بكلمة واحدة من الله: كن فيكون، وعبر عنها بقوله: (فأخذتهم) فأجمل، وفصل في موضع آخر، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فذكر إهلاكهم في الآية الأولى، فهم لا يستحقون سوى ذلك، فانظر كيف كان عقاب الله لهم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]، أي: انظر ما فعلناه بهؤلاء، فقد أخذنا الجميع، فلا ترى منهم من أحد، ولا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لأحدهم صوتاً، أخذت الجميع ولم أبق أحداً منهم، كم صرخوا ونهقوا ورفعوا أصواتهم مجادلين بالباطل! كم أنكروا على أنبيائهم، واعترضوا عليهم، وأسكتوهم حين دعوهم إلى الله! كم اشمأزوا وظهر الاشمئزاز على وجوههم حين ذكر الله وحده ! وكم استبشروا حين ذكر غير الله ! قال سبحانه: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]، وإذا أخذهم الله فلن يتركهم ولن يفلتهم، ولن يعجزوا الله سبحانه.
وقوله: (فكيف كان عقاب) أي: كيف كانت عقوبتي لهؤلاء؟ وفيها قراءتان: الوقف عليها بالسكون، وهي قراءة الجمهور، والوقف عليها بالياء والوصل وهي قراءة يعقوب، فيقرؤها: (فكيف كان عقابي)، والمعنى: كيف كان عقابي لهؤلاء.
стр. 2697
تفسير قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]، قوله: (وكذلك) يفيد تشبيهاً لشيء مذكور قبل ذلك، والمعنى: كهذا الذي ذكرناه أهلكنا هؤلاء السابقين، وقوله: (حقت كلمة ربك) أي: وجبت كلمتنا على كل إنسان كافر مكذب لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، مكذب بوعد الله سبحانه أننا نهلكه، فمعنى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ [غافر:٦] أي: وجبت، ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر:٦]، ومثلها كلمة (العذاب) أي: أنه يعذبهم بالنار سبحانه، وكلمة وكلمات، أي: ما جاء في وعد الله في كتابه سبحانه، قال تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فقوله: (لأملأن) وعد من الله أن يفعل ذلك، فحقت كلمة ربك على هؤلاء أن يجمعهم إلى النار.
وفي قوله: (حقت كلمة) قراءات: فتقرأ: (كلمات) بالجمع، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر، وباقي القراء بالإفراد (كلمة) فيقرءونها: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار).
стр. 2698
تفسير قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم)
قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].
قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر:٧]، العرش مخلوق خلقه الله ، وهو غير كرسي الله سبحانه، وكلاهما مخلوقان خلقهما الله ، والله مستو على عرشه، خلق الأرض وخلق السماوات فجعلها سبع سماوات، وفوق السماوات كرسي الله ، فلو جمعت السماوات والأرضين وما بينهما، ثم قرنت بكرسي الله لكانت كالحلقة في الفلاة، فلا وجه للمقارنة بين السماوات السبع العظيمة، وما فيها من أجرام، وما فيها من أفلاك، وما فيها من نجوم، وما فيها من مخلوقات لله ، وبين كرسي الله سبحانه؛ إذ لو قرن كل هذا بكرسي الله سبحانه لكان كما توضع حلقة في صحراء فتأمل نسبتها منها! والعرش هو السرير الذي يجلس عليه الملك، يقال في ملوك الدنيا: عرش الملك، أي: السرير الذي يستوي عليه، ولله المثل الأعلى، فلا نشبه ربنا ، ولا ننفي ما قاله سبحانه عن نفسه حيث قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥].
وقد ذكر صفة الاستواء في سبعة مواضع من كتابه ، فالله خلق العرش وهو لا يحتاج إليه، ولكن خلق ذلك ليري الخلق عظمته، فهو العظيم ، فإذا عرفت أن العرش عظيم جداً فكيف بالذي استوى عليه وهو الله ! ويحمل عرش الرحمن الملائكة، وهو مستغن عن العرش وما دونه، وهو فوق كل شيء أحاط بكل شيء ، قال سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقد حدثنا عنهم النبي ﷺ ، أو أذن له أن يحدث عن هؤلاء فقال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش) أي: أذن له أن يصف هذا الملك بما يقربه للأذهان حتى تدرك عظمة الله ، ثم قال ﵊: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، وإذا كان هذا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه فكيف برأسه! وكيف ببدنه! وكيف بحجمه كله؟! لا شك أن هذا شيء عظيم جداً.
وحملة العرش هم أقرب الملائكة لله ، وأشرف الملائكة هم الذين قربهم الله من عرشه فهم يحملون العرش.
وقوله: (ومن حوله) أي: ومن حول حملة العرش، فجعل الله وظيفة لأشرف الملائكة وهي أنهم يحملون العرش وكذلك: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، فجعل أشرف الملائكة من رحمته العظيمة يستغفرون للعبد المؤمن، وتقول: يا رب! اغفر لفلان، يا رب! اغفر لفلان، وكون الإنسان بشراً فمن طبعه أنه يقوم وينام، ويصوم ويفطر، ويذكر ويغفل، أما الملائكة فهم في عبادة دائمة، لا يفترون ولا يسأمون من تسبيح الله سبحانه، وذكره ليل نهار.
يقول إبراهيم النخعي: كانوا يقولون: لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة، أي: أن جميع أهل القبلة تستغفر لهم الملائكة.
ويقول مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ينصحون فيستغفرون للمؤمنين، ويحبون المؤمنين، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، يغويهم ويمنيهم ويضلهم.
ويقول يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية: فما في العالم جُنة أرجى منها، آية يستجن بها الإنسان، ويتقي بها غضب الله ، فحق على المسلم أن يحب هذه الآية لما فيها من رحمة رب العالمين، إذ فيها أن الملائكة تستغفر للخلق، فطالما كان العبد على عبادة الله محباً لله وملائكته ورسله متبعاً لدين الله ماضياً على منهاجه الإسلامي القويم، فالملائكة تستغفر له.
ثم يقول: إن ملكاً واحد لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟ وليس كل إنسان يقول: أنا مسلم، وهو تارك لدين الله وراءه، مضيع لصلاته متكاسل عن أمر الله تستغفر له الملائكة، فهم إنما يستغفرون للذين آمنوا، الذين يصدقون ويعتقدون ويعملون بمقتضى ذلك.
يقول خلف بن هشام البزار أحد القراء العشرة: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت هذه الآية: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله ! ما أكرم المؤمن على الله نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له.
فالمؤمن كريم على الله ، فقد جعل سبحانه الملائكة تستغفر له، وتجلس معه في حلق الذكر فتحف الذاكرين بأجنحتها، قال ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وقال أيضاً: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبحثون عن مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا: هلموا إلى بغيتكم، فيحفون الذاكرين بأجنحتهم).
والملائكة لا يسأمون من التسبيح لله تعالى، فهم ينزهونه ويقدسونه سبحانه، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، الذين تشبهوا بالملائكة في الإيمان، إذ الملائكة يؤمنون بالله سبحانه، ولذلك بدأ بالتسبيح قبل الإيمان؛ حتى يكون المؤمنون وراء الملائكة، فجمع الاثنين: التسبيح والإيمان بالله سبحانه، ولا غرو أن يقال: أخوة إيمانية.
قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] أي: أنهم خلقوا لذلك، وقوله: (بحمد ربهم) أي: حامدين الله سبحانه في تسبيحهم إياه، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧] أي: يؤمنون بالله سبحانه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧].
أي: يا ربنا! يا من وسعت رحمتك كل شيء! إلا تسع هؤلاء المؤمنين، وفي الآية يعلمنا الله سبحانه أدب الدعاء، فيحبذ أن يقول العبد: يا رب! اغفر لي، يا من غفرت للمؤمنين! إلا تغفر لي، يا رب! اغفر لي مع المؤمنين، أنا من المؤمنين، فلا تجعلني أقل خلقك وأحقرهم عندك، فالملائكة يرجون ربهم سبحانه متوسلين بذلك: يا ربنا يا من: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ [غافر:٧] ومعنى ذلك أي: وسعت كل شيء برحمتك وأحطت كل شيء بعلمك.
ثم يقول سبحانه: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] أي: فاغفر للمؤمنين الذين تابوا إليك، ولذلك إذا تاب العبد إلى الله تاب الله عليه، والملائكة تستغفر لهؤلاء التائبين، كما أثبت لنا ربنا ذلك فقال سبحانه: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].
стр. 2699
تفسير سورة غافر [٧ - ٩]
لله ملائكة يسبحون بحمده، وهؤلاء الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه، ومنهم حملة العرش، ووظيفتهم أنهم يحملون عرش الرحمن ويسحبون بحمده، ويستغفرون للمؤمنين الذين اتبعوا ولم يبتدعوا واستنوا ولم يخترعوا.
стр. 2700
حملة العرش ودعاؤهم للمؤمنين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩].
يخبر الله في هذه الآيات من سورة غافر عن فضله وكرمه سبحانه بأن جعل الملائكة الذين هم أشرف الخلق عند الله -وهم حملة العرش- يسبحون بحمد ربهم سبحانه، (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا).
فالمؤمن يعمل العمل الصالح ويرجو فضل الله سبحانه، وقد يقع في المعاصي ثم يتوب ويرجع إلى الله ، ويستغفر ربه، والله يغفر ويتوب عليه سبحانه، والملائكة تستغفر له أيضاً، وأشرف وأعظم ملائكة الله هم حملة العرش الذين يستغفرون للمؤمنين.
روى أبو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، هذه المسافة الصغيرة التي لا تتجاوز عدد قليل من السنتيمترات في الإنسان، وفي ملك من ملائكة الله من حملة عرش الرحمن سبحانه تصل إلى مسافة سبعمائة عام، فكيف بباقي جسد هذا الملك؟! فحملة عرش الله يسبحون بحمد ربهم، ويقدسونه، وينزهونه عن كل نقص ، فيسبحون الله ويحمدونه ويؤمنون به، وأيضاً من وظيفتهم: أن يستغفروا للمؤمنين.
следующие страницы →