← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم) قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]. هذا خطاب للنبي ﷺ ولكل من يصلح له الخطاب أن ارجع بذاكرتك إلى الماضي وتذكر فقد أخبرناك في كتابنا عن كذب الكاذبين، وتكذيب المكذبين، الذين كذبوا على الله وافتروا عليه، وعبدوا غيره ، وإن نوقشوا كانت حجتهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]. قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [غافر:٥]، فدعا بعضهم بعضاً إلى الكفر بالله سبحانه، وتكذيب نبي الله نوح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقالوا لنوح: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، أي: إما أن تسكت وإما أن نرجمنك، وقد دعاهم نوح ﵇ إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانت دعوة طويلة في عمر مديد، فكان يدعو الأجداد، والآباء، والأبناء، والأحفاد، يذهبون الأول فالأول وهو باق يدعو، حتى كان يوصي بعضهم بعضاً بالكفر بالله ، فيذهب الأولون وقد أوصوا من بعدهم: لا تتبعوا نوحاً -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- وقد أخبر الله عن عملهم ذاك فقال: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]، وكان من شأنهم أنهم صنعوا أصناماً ثم عبدوها وقالوا: هؤلاء كان يعبدهم آباؤنا وأجدادنا، فإياكم أن تتركوهم لدعوة هذا -يريدون نوحاً ﵇ لا تتركوا من كان يعبد آباءكم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح:٢٣ - ٢٤]، وكان نوح ﵇ قد دعاهم إلى عبادة الله، وبين لهم أتم البيان؛ بل لم يترك وسيلة ممكنة له تعينه في دعوتهم إلا واستخدمها، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح:٥ - ٩]، فقد دعاهم بالسر ودعاهم بالعلن، دعاهم بالجهر ودعاهم في الخفاء، دعاهم بالتبشير وبالإنذار، بالتخويف وبالتطميع، ومع ذلك لم يسلم الكثير منهم، فكان يدعوهم لجنة عرضها السماوات والأرض، فيزهدوا فيها؛ لأنهم لا يريدون الجنة، ويخوفهم من نار تأكل أجسادهم خالدين فلا يحذرون منها، فاستحقوا أن يستجيب الله لنوح بإهلاكهم، وقد أشار الله في الآية إلى ذلك، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥]. وقوله تعالى: ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥] الأحزاب هم: الذين تحزبوا، والتحزب هو التجمع، وتحزبوا: تجمعوا على أنبيائهم على نبينا وعليهم الصلاة والسلام، وقوله: (من بعدهم) أي: من بعد قوم نوح جاءت عاد، وثمود، وأصحاب الأيكة، وقوم لوط، وغيرهم كثيرون، قال تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]. فالله خلق القرون، وأرسل إليهم رسلاً وأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فدعوهم إلى الله؛ فأبوا إلا الكفر. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ [غافر:٥] أي: قبل هؤلاء المشركين من قريش كذبت قوم نوح، قوله: ﴿وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٥] أي: كل من تحزب وتجمع على معصية الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، ولم يتوقف تحزبهم على عدم الإيمان فحسب، بل عزموا أن يؤذوا أنبياء الله، قال تعالى: ﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥]، كأن هذه سنة الله في خلقه، فكل أمة يرسل الله إليها نبياً أو رسولاً يجتمعون على تكذيبه، وعدم الإيمان به، إلى إن يأتي أمر الله . وقوله: ﴿لِيَأْخُذُوهُ﴾ [غافر:٥] أي: ليأسروه، أو يعذبوه، أو يهلكوه، ولما كان الحق أبلج غالباً لا محالة فقد أخذوا يدفعون حججه بالباطل وهذا دأبهم، قال تعالى: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [غافر:٥]. وفي الآية إشارة للنبي ﷺ : أن يا رسول الله ﵊ لست أول من جادلك قومك بالباطل، بل كل الأمم السابقة جادلوا أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، وتماروا معهم مجادلين بالباطل دافعين للحق، قال تعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر:٥]، قوله: (ليدحضوا) أي: ليزيلوا، والدحضة: الأرض المزلة التي تزحلق الذي يقف عليها، والمعنى: يردون الحق الذي جاء من عند رب العالمين بالباطل الذي يقولونه ويدعونه. ثم قال سبحانه: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥] أي: أخذ كل هؤلاء بكلمة واحدة من الله: كن فيكون، وعبر عنها بقوله: (فأخذتهم) فأجمل، وفصل في موضع آخر، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]، فذكر إهلاكهم في الآية الأولى، فهم لا يستحقون سوى ذلك، فانظر كيف كان عقاب الله لهم، قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]، أي: انظر ما فعلناه بهؤلاء، فقد أخذنا الجميع، فلا ترى منهم من أحد، ولا تحس منهم من أحد، ولا تسمع لأحدهم صوتاً، أخذت الجميع ولم أبق أحداً منهم، كم صرخوا ونهقوا ورفعوا أصواتهم مجادلين بالباطل! كم أنكروا على أنبيائهم، واعترضوا عليهم، وأسكتوهم حين دعوهم إلى الله! كم اشمأزوا وظهر الاشمئزاز على وجوههم حين ذكر الله وحده ! وكم استبشروا حين ذكر غير الله ! قال سبحانه: ﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [غافر:٥]، وإذا أخذهم الله فلن يتركهم ولن يفلتهم، ولن يعجزوا الله سبحانه. وقوله: (فكيف كان عقاب) أي: كيف كانت عقوبتي لهؤلاء؟ وفيها قراءتان: الوقف عليها بالسكون، وهي قراءة الجمهور، والوقف عليها بالياء والوصل وهي قراءة يعقوب، فيقرؤها: (فكيف كان عقابي)، والمعنى: كيف كان عقابي لهؤلاء.

стр. 2697

تفسير قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٦]، قوله: (وكذلك) يفيد تشبيهاً لشيء مذكور قبل ذلك، والمعنى: كهذا الذي ذكرناه أهلكنا هؤلاء السابقين، وقوله: (حقت كلمة ربك) أي: وجبت كلمتنا على كل إنسان كافر مكذب لرسل الله عليهم الصلاة والسلام، مكذب بوعد الله سبحانه أننا نهلكه، فمعنى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ﴾ [غافر:٦] أي: وجبت، ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ [غافر:٦]، ومثلها كلمة (العذاب) أي: أنه يعذبهم بالنار سبحانه، وكلمة وكلمات، أي: ما جاء في وعد الله في كتابه سبحانه، قال تعالى: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فقوله: (لأملأن) وعد من الله أن يفعل ذلك، فحقت كلمة ربك على هؤلاء أن يجمعهم إلى النار. وفي قوله: (حقت كلمة) قراءات: فتقرأ: (كلمات) بالجمع، وهي قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر، وباقي القراء بالإفراد (كلمة) فيقرءونها: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار).

стр. 2698

تفسير قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم) قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]. قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾ [غافر:٧]، العرش مخلوق خلقه الله ، وهو غير كرسي الله سبحانه، وكلاهما مخلوقان خلقهما الله ، والله مستو على عرشه، خلق الأرض وخلق السماوات فجعلها سبع سماوات، وفوق السماوات كرسي الله ، فلو جمعت السماوات والأرضين وما بينهما، ثم قرنت بكرسي الله لكانت كالحلقة في الفلاة، فلا وجه للمقارنة بين السماوات السبع العظيمة، وما فيها من أجرام، وما فيها من أفلاك، وما فيها من نجوم، وما فيها من مخلوقات لله ، وبين كرسي الله سبحانه؛ إذ لو قرن كل هذا بكرسي الله سبحانه لكان كما توضع حلقة في صحراء فتأمل نسبتها منها! والعرش هو السرير الذي يجلس عليه الملك، يقال في ملوك الدنيا: عرش الملك، أي: السرير الذي يستوي عليه، ولله المثل الأعلى، فلا نشبه ربنا ، ولا ننفي ما قاله سبحانه عن نفسه حيث قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]. وقد ذكر صفة الاستواء في سبعة مواضع من كتابه ، فالله خلق العرش وهو لا يحتاج إليه، ولكن خلق ذلك ليري الخلق عظمته، فهو العظيم ، فإذا عرفت أن العرش عظيم جداً فكيف بالذي استوى عليه وهو الله ! ويحمل عرش الرحمن الملائكة، وهو مستغن عن العرش وما دونه، وهو فوق كل شيء أحاط بكل شيء ، قال سبحانه: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقد حدثنا عنهم النبي ﷺ ، أو أذن له أن يحدث عن هؤلاء فقال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش) أي: أذن له أن يصف هذا الملك بما يقربه للأذهان حتى تدرك عظمة الله ، ثم قال ﵊: (ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، وإذا كان هذا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه فكيف برأسه! وكيف ببدنه! وكيف بحجمه كله؟! لا شك أن هذا شيء عظيم جداً. وحملة العرش هم أقرب الملائكة لله ، وأشرف الملائكة هم الذين قربهم الله من عرشه فهم يحملون العرش. وقوله: (ومن حوله) أي: ومن حول حملة العرش، فجعل الله وظيفة لأشرف الملائكة وهي أنهم يحملون العرش وكذلك: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، فجعل أشرف الملائكة من رحمته العظيمة يستغفرون للعبد المؤمن، وتقول: يا رب! اغفر لفلان، يا رب! اغفر لفلان، وكون الإنسان بشراً فمن طبعه أنه يقوم وينام، ويصوم ويفطر، ويذكر ويغفل، أما الملائكة فهم في عبادة دائمة، لا يفترون ولا يسأمون من تسبيح الله سبحانه، وذكره ليل نهار. يقول إبراهيم النخعي: كانوا يقولون: لا يحجبون الاستغفار عن أحد من أهل القبلة، أي: أن جميع أهل القبلة تستغفر لهم الملائكة. ويقول مطرف بن عبد الله: وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ينصحون فيستغفرون للمؤمنين، ويحبون المؤمنين، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الله الشيطان، يغويهم ويمنيهم ويضلهم. ويقول يحيى بن معاذ الرازي في هذه الآية: فما في العالم جُنة أرجى منها، آية يستجن بها الإنسان، ويتقي بها غضب الله ، فحق على المسلم أن يحب هذه الآية لما فيها من رحمة رب العالمين، إذ فيها أن الملائكة تستغفر للخلق، فطالما كان العبد على عبادة الله محباً لله وملائكته ورسله متبعاً لدين الله ماضياً على منهاجه الإسلامي القويم، فالملائكة تستغفر له. ثم يقول: إن ملكاً واحد لو سأل الله أن يغفر لجميع المؤمنين لغفر لهم، كيف وجميع الملائكة وحملة العرش يستغفرون للمؤمنين؟ وليس كل إنسان يقول: أنا مسلم، وهو تارك لدين الله وراءه، مضيع لصلاته متكاسل عن أمر الله تستغفر له الملائكة، فهم إنما يستغفرون للذين آمنوا، الذين يصدقون ويعتقدون ويعملون بمقتضى ذلك. يقول خلف بن هشام البزار أحد القراء العشرة: كنت أقرأ على سليم بن عيسى، فلما بلغت هذه الآية: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧]، بكى، ثم قال: يا خلف! ما أكرم المؤمن على الله ! ما أكرم المؤمن على الله نائماً على فراشه والملائكة يستغفرون له. فالمؤمن كريم على الله ، فقد جعل سبحانه الملائكة تستغفر له، وتجلس معه في حلق الذكر فتحف الذاكرين بأجنحتها، قال ﷺ : (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده)، وقال أيضاً: (إن لله ملائكة سياحين في الأرض، يبحثون عن مجالس الذكر، فإذا وجدوها تنادوا: هلموا إلى بغيتكم، فيحفون الذاكرين بأجنحتهم). والملائكة لا يسأمون من التسبيح لله تعالى، فهم ينزهونه ويقدسونه سبحانه، ويؤمنون به، ويستغفرون للذين آمنوا، الذين تشبهوا بالملائكة في الإيمان، إذ الملائكة يؤمنون بالله سبحانه، ولذلك بدأ بالتسبيح قبل الإيمان؛ حتى يكون المؤمنون وراء الملائكة، فجمع الاثنين: التسبيح والإيمان بالله سبحانه، ولا غرو أن يقال: أخوة إيمانية. قوله: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر:٧] أي: أنهم خلقوا لذلك، وقوله: (بحمد ربهم) أي: حامدين الله سبحانه في تسبيحهم إياه، ثم قال سبحانه: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ [غافر:٧] أي: يؤمنون بالله سبحانه، ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٧] قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر:٧]. أي: يا ربنا! يا من وسعت رحمتك كل شيء! إلا تسع هؤلاء المؤمنين، وفي الآية يعلمنا الله سبحانه أدب الدعاء، فيحبذ أن يقول العبد: يا رب! اغفر لي، يا من غفرت للمؤمنين! إلا تغفر لي، يا رب! اغفر لي مع المؤمنين، أنا من المؤمنين، فلا تجعلني أقل خلقك وأحقرهم عندك، فالملائكة يرجون ربهم سبحانه متوسلين بذلك: يا ربنا يا من: ﴿وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً﴾ [غافر:٧] ومعنى ذلك أي: وسعت كل شيء برحمتك وأحطت كل شيء بعلمك. ثم يقول سبحانه: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧] أي: فاغفر للمؤمنين الذين تابوا إليك، ولذلك إذا تاب العبد إلى الله تاب الله عليه، والملائكة تستغفر لهؤلاء التائبين، كما أثبت لنا ربنا ذلك فقال سبحانه: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧].

стр. 2699

تفسير سورة غافر [٧ - ٩] لله ملائكة يسبحون بحمده، وهؤلاء الملائكة لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه، ومنهم حملة العرش، ووظيفتهم أنهم يحملون عرش الرحمن ويسحبون بحمده، ويستغفرون للمؤمنين الذين اتبعوا ولم يبتدعوا واستنوا ولم يخترعوا.

стр. 2700

حملة العرش ودعاؤهم للمؤمنين بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]. يخبر الله في هذه الآيات من سورة غافر عن فضله وكرمه سبحانه بأن جعل الملائكة الذين هم أشرف الخلق عند الله -وهم حملة العرش- يسبحون بحمد ربهم سبحانه، (وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا). فالمؤمن يعمل العمل الصالح ويرجو فضل الله سبحانه، وقد يقع في المعاصي ثم يتوب ويرجع إلى الله ، ويستغفر ربه، والله يغفر ويتوب عليه سبحانه، والملائكة تستغفر له أيضاً، وأشرف وأعظم ملائكة الله هم حملة العرش الذين يستغفرون للمؤمنين. روى أبو داود عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام)، ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه، هذه المسافة الصغيرة التي لا تتجاوز عدد قليل من السنتيمترات في الإنسان، وفي ملك من ملائكة الله من حملة عرش الرحمن سبحانه تصل إلى مسافة سبعمائة عام، فكيف بباقي جسد هذا الملك؟! فحملة عرش الله يسبحون بحمد ربهم، ويقدسونه، وينزهونه عن كل نقص ، فيسبحون الله ويحمدونه ويؤمنون به، وأيضاً من وظيفتهم: أن يستغفروا للمؤمنين.

стр. 2701

حملة العرش يسبحون بحمد ربهم قال الله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، فحملة العرش عددهم ثمانية كما أخبر الله في كتابه بذلك، وجاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه في حديث ذكر فيه حملة العرش أنهم من أول من يسمع أوامر الله ، فروى مسلم من حديث رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (بينما نحن جلوس ليلة مع رسول الله ﷺ إذ رمي بنجم فاستنار)، وهم جالسين مع النبي ﷺ رأوا نجماً يرمى به من السماء، فاستنار هذا النجم ورآه الناس مع النبي ﷺ ، فسألهم النبي ﷺ : (ماذا كنتم تقولون في الجاهلية إذا رمي بمثل هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم -قالوا ذلك متأدبين مع النبي ﷺ أما نحن فكنا نقول: ولد الليلة رجل عظيم ومات رجل عظيم). فكانوا في الجاهلية إذا رأوا الشهاب يقذف به في السماء يقولون: سيولد رجل عظيم أو سيموت هذه الليلة رجل عظيم، وهذه من خرافات أهل الجاهلية، فالنبي صلوات الله وسلامه عليه قال لهم: (فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله إذا قضى أمراً سبح حملة العرش)، فأول من يسمع أوامر الله حملة عرشه، وهؤلاء الملائكة المقربون من رب العالمين سبحانه، فيقدر الأمر ويأمر به، فأول من يسمع حملة العرش، فإذا سمعوا ذلك سبحوا، قال النبي ﷺ : (إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم)، وكلما كانوا أقرب من حملة العرش كانوا أقرب إلى رب العالمين ، فتسبح حملة العرش، ويسبح الملائكة الذين يلونهم، قال: (حتى يبلغ التسبيح أهل هذه السماء الدنيا، ثم قال الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ قال: فيخبرونهم ماذا قال، قال: فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به)، أي: يظل أهل السماء يتناقلون هذا الخبر، فالملائكة الأقربون يخبرون من يليهم حتى يصل الخبر إلى ملائكة السماء الدنيا، فكانت الشياطين والجن يسترقون السمع، ويتسمعون إلى خبر السماء، فيأخذونه لينزلوا به إلى الأرض، وهذا امتحان من الله لأهل الأرض، فيقول النبي ﷺ : (فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويرمون به)، أي: يقذفون الخبر إلى أوليائهم من الجن، ثم إلى أوليائهم من الإنس، والله يرمي هؤلاء بالشهاب الثاقب ليحرقهم به، قال: (فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يقذفون فيه ويزيدون)، أي: ينزل خبر السماء فتزيد فيه الشياطين، ويقولونه لأوليائهم من أهل الأرض، ويخبرون به الناس، فالكلمة من الحق تحدث ابتلاء للناس. وقد نهينا أن نصدق الكهنة والعرافين، حيث قال النبي ﷺ : (من أتى كاهناً أو عرافاًَ فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)، فلو أن كلام العرافين والكهنة كله كذب لما أتاهم أحد، ولكن الله يبتلي الخلق بأن يقول هؤلاء كلمة فيها من الصدق، ليمتحن أهل الأرض هل سيصدقونهم أو سيطيعون أمر الله في تكذيب هؤلاء؟ فالله أمرنا بتكذيبهم، وقد نهينا أن نأتي إليهم أو نستمع إلى ما يقولون، فهم يزيدون ويكذبون على الله .

стр. 2702

حملة العرش يمجدون ربهم سبحانه حملة العرش هم أقرب الملائكة لرب العالمين ، وهم الملائكة المقربون الذين جعلهم الله حملة عرش الرحمن، يؤمنون بالله ويسبحون بحمده ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين، قال الله : ((وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا)) قائلين: ((رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا))، وهنا يعلم الله المؤمن كيف يدعو ربه سبحانه، وكيف يسأله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبرحمته التي وسعت كل شيء، كما تدعو الملائكة للإنسان فيقولون: ((رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا)) فـ (ربنا) فيه صفة الربوبية لله ، ومقتضاها قدرة الله على كل شيء، وأفعال يفعلها الله سبحانه لا يقدر أحد أن يفعل مثلها، فالله الفعال لما يريد، فهو الخالق، البارئ، المصور، وهذا من ربوبيته سبحانه، وهو الذي يشرع لعباده ما يشاء وما يريد، وهو الله الرب القادر الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، فيتوسلون إليه بصفة الربوبية، ويقولون: يا ربنا! يا من أنت قادر على كل شيء، ((وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا))، فمن صفات ربوبيته أنه يرحم كل شيء بمشيئته، وتسع رحمته كل شيء سبحانه، وقد كتب هذه الرحمة للمؤمنين. ومن صفاته سبحانه أنه ذو العلم العظيم علام الغيوب، وهو عالم الغيب والشهادة، وقوله: ((وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ)) أي: أحطت بكل شيء علماً، ووسعت كل شيء رحمة، ومن أدب الدعاء حين تدعو ربك سبحانه أن تتشبه بملائكة الله ، فتبدأ بالثناء عليه سبحانه، ولا تعجل في الدعاء، وليس مجرد أن ترفع يديك وتقول: يا رب أعطني كذا، ولكن ابدأ بالثناء على الله ، والصلاة على النبي صلوات الله وسلامه عليه، ثم سل الله ، وقد رأى النبي ﷺ رجلاً دعا ربه فبدأ بالدعاء والمسألة فقال له: (عجلت)، أي: تعجلت، فليس هذا أدب الدعاء، إنما الدعاء أن تبدأ فتثني على الله بما هو أهله وتحمده، وتمجده وتصلي على النبي ﷺ ، ثم سل الله سبحانه بعد ذلك ما تريد.

стр. 2703

حملة العرش يستغفرون للمؤمنين يقول الله عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ [غافر:٧]، فيدعون للمؤمنين التائبين إلى ربهم ، والمتبعين سبيل رب العالمين، لا للمبتدعين، فقالوا: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]، ولم يبتدعوا، ولم يتنكبوا طريق الله سبحانه، ولم يسيروا مع الشيطان، ولم يخترعوا أشياء غير دين الله فيمشون فيها ويوهمون الخلق أنها من دين الله، وإنما الذين يتبعون سبيل الله، فسبيله واحد وهو الطريق خلف النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقوله: ﴿وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، فدعوا للمؤمنين أن يقيهم الله عذاب الجحيم، و (غفر) بمعنى: ستر، أي: ستر سيئاتهم، وستر هذه الذنوب ومحاها عنهم وبدلها من الحسنات ما يشاء. وقوله: ((وَقِهِمْ)) هذه قراءة الجمهور، وقرأها رويس عن يعقوب: ﴿وَقِهُمُ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:٧]، أي: اجعل وقاية وحاجزاً بينهم وبين عذاب الجحيم، والجحيم: النار، ولها أسماء تدل على فضاعة أمرها وعظيم شأنها، فسماها (الجحيم) وكل نار عظيمة الهوة فهي جحيم. فالنار التي تكون عظيمة في مكان منخفض أو في حفرة عظيمة يطلق عليها: الجحيم، والجحيم النار الشديدة المتأججة، والجمر يطلق عليه الجحيم، ويقال للنار: جاحم؛ لأنها مشتعلة حمراء تتوقد وتلتهب على أصحابها، ونار الجحيم بمعنى: شديدة الاشتعال، ومن ذلك قولهم: جحمة الأسد أي: عين الأسد، فالأسد حين يأكل فريسته تحمر عيناه، فيدعو الملائكة ربهم للمؤمنين ويقولون: ((وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ))، فهي نار، وهي جحيم، وهي لظى، وهي سعير، وأسماؤها تدل على معانيها.

стр. 2704

حملة العرش يدعون للمؤمنين بدخول الجنة قال الله تعالى عن الملائكة أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [غافر:٨]، فيدعون ربهم للمؤمنين أن يقيهم عذاب الجحيم، وأن يدخلهم جنات عدن، والجنات فيها بساتين عظيمة، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فقوله: ((رَبَّنَا)) يعني: يا ربنا! ((وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ)) والعدن بمعنى: الإقامة الدائمة، أي: جنات الإقامة الدائمة، فيقيمون فيها فلا يخرجون منها أبداً، وقوله: ((الَّتِي وَعَدْتَهُم)) أي: في كتبك، وعلى ألسنة رسلك عليهم الصلاة والسلام، بمعنى: وعدت المؤمنين، ووعدت من صلح من الآباء، فأدخلهم وأدخل الصالحين من آبائهم، وأزواجهم وذرياتهم، والمؤمن يدخل الجنة ويدخل معه الصالحون من أهله، وهم الذين يستحقون أن يوصفوا بأنهم من أهله، فإن كانوا غير صالحين فلا يستحقون هذه الصفة، ولذلك قال نوح يدعو ربه سبحانه: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود:٤٥]، فكان الجواب من الله : ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، أي: هذا عمله عمل غير صالح لا يستحق أن يوصف بأنه من أهلك. فيوم القيامة يدخل الجنة الرجل الصالح، ويدخل معه الصالحون من أهله، ويتفضل الله سبحانه على عباده، ويرينا كرمه العظيم، فقد يعمل الرجل العمل العظيم الصالح ويكون له في الجنة منزلة عالية عظيمة، وتكون زوجته امرأة صالحة تقية، ولكن لم تبلغ عمله، ويكون أولاده أيضاً على صلاح وعلى تقى، ولكن لم يبلغوا عمل أبيهم، فإذا بالله يدخل هذا الرجل في أعلى الجنات، فينظر فيقول: أين زوجتي وأولادي؟ فيقال له: دخلوا، ولكن ليسوا في منزلتك، فيقول: لكني أنا عملت، فيتكرم الله سبحانه ويرفع هؤلاء إلى درجة أبيهم معه في الجنة، ولذلك دعت الملائكة ربها سبحانه أن يدخل هؤلاء الصالحين الجنة ((وَمَنْ صَلَحَ)) من الآباء، والصالحات من الأزواج، ((وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ))، أي: من جاءوا منهم من الأبناء والأحفاد وغير ذلك يدخلون الجنة مع آبائهم، وغير الصالحين لا ينتفعون بصلاح آبائهم. ثم قالوا: ((إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)) فلما قالوا: قهم عذاب الجحيم، وأدخلهم جنات عدن، ناسب أن يقول الله سبحانه ويذكر بعد ذلك في دعائهم: ((إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ))، والعزيز: هو الغالب، فأدخلت العصاة النار، ووقيت هؤلاء الصالحين شر النار وعذاب النار فأنت الحكيم يا ربنا في أن أدخلت هؤلاء الجنة، وأدخلت معهم الصالحين دون غيرهم، فإذا قال أحدهم: هؤلاء أبنائي وكنت أرحمهم في الدنيا، فيقال: إنهم كانوا غير صالحين، فالله حكيم في أقواله، حكيم في أفعاله ، يعذب من عصاه سبحانه، ويرحم من أطاعه، فهو الرحيم بالمؤمنين، وهو شديد العقاب للكافرين والفجار.

стр. 2705

حملة العرش يدعون للؤمنين بأن يقيهم الله السيئات يقول الله سبحانه عن الملائكة أنها تدعو وتقول: ﴿وَقِهِمْ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُِ﴾ [غافر:٩]، أي: قهم سوء أعمالهم، فإذا وقعوا في شيء وتابوا إليه فقهم ولا تعذبهم على ذلك يوم القيامة، ((وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ))، من وقيته أي: من حجبت عنه عذاب سوء عمله في الدنيا فهذه رحمة عظيمة، فلو أن الله أدخل العبد النار فهذا عذاب أليم، ولو أنه وقاه عذاب النار فهذه رحمة عظيمة، فكيف إذا وقاه عذاب النار وأدخله الجنة؟ فهذه من أعظم رحمة رب العالمين سبحانه. وقوله: ((وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ)) أي: يوم القيامة، ((فَقَدْ رَحِمْتَهُ)). وقوله: ((وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ)) قراءة الجمهور، وقراءة حمزة والكسائي وخلف وكذلك رويس عن يعقوب: ((وَقِهُمُ السَّيِّئَاتِ))، بضم الهاء والميم، والقراءة الأخرى لـ رويس فيها وهي قراءة روح وقراءة أبي عمرو: ﴿وَقِهِمِ السَّيِّئَاتِ﴾ [غافر:٩]، بكسرتين فيها، ففيها ثلاث قراءات. قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٩]، أي: النجاة الكبيرة العظيمة التي يبتغيها كل إنسان مؤمن. نسأل الله أن يقينا السيئات يوم القيامة، وأن يدخلنا في رحمته وهو أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2706

تفسير سورة غافر [١٠ - ١٥] في هذه الآيات بيان ما سيكون عليه الكفار يوم القيامة من الاعتراف بذنبهم وكفرهم وعدم استجابتهم لشرع الله، ثم بعد ذلك يمقتون أنفسهم ويكرهونها؛ وذلك جزاءً وفاقاً، فقد كانوا في الدنيا يزهون بها ويترفعون بها على الحق وأهل الحق، وفي ذلك اليوم حين يحق الله الحق يبغضونها. وفيها أيضاً بيان ما عليه الكفار والمنافقون من الاستئناس بالباطل والنفور من الحق، بخلاف أهل الإيمان والتقوى.

стр. 2707

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ * قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ * ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٠ - ١٥]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات عن حال الكفار يوم القيامة حين يعذبهم الله ، ويدخلهم النار، ويعلمون أن هذا الجزاء الصعب الذي عاينوه هو بسبب من أنفسهم، فيبغضون ويكرهون أنفسهم في ذلك الوقت حين يعذبهم الله سبحانه. فإذا مقتوا وأبغضوا أنفسهم نادتهم الملائكة: إن الله يبغضكم أشد من بغضكم لأنفسكم، يقول الله سبحانه: ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ)) أي: تناديهم الملائكة، ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [غافر:١٠]، والمقت: هو أشد البغض والكره، وقد مقتهم الله حين كذبوا رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وحين عارضوا ربهم، وجحدوا آياته، ففي هذا الحين استحقوا غضب الله ومقته وبغضه سبحانه، فلما جاءوا يوم القيامة أبغضوا أنفسهم حين رأوا العذاب، وعلموا أنه بسبب تكذيبهم، وبسبب إعراضهم، وبسبب قلة عقولهم، فأبغضوا أنفسهم فنادتهم الملائكة بذلك. يقول الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [غافر:١٠] أي: أشد، ﴿مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ﴾ [غافر:١٠] أي: حالة وحين ﴿تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] أي: مقتم الله في الدنيا في حال أن دعتكم أنبياء الله إلى الإيمان بالله فأعرضتم وكذبتم، فاستحققتم مقت الله سبحانه، ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر:١٠] يعني: في حال دعتكم رسل الله إلى الإيمان فكفرتم وكذبتم مقتكم الله أشد المقت.

стр. 2708

تفسير قوله تعالى: (قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين) قال تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]. فانظر إليهم في الدنيا وانظر إليهم في الآخرة، ففي الآخرة يتواضعون حين يرون العذاب، وفي الدنيا كانوا مستكبرين يتعالون على ربهم سبحانه، وعلى أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام، فلا يصدقون ولا يؤمنون، فيتضرعون وهم في النار في الآخرة يقولون: (ربنا)، فهذا ربهم الذي جحدوه قبل ذلك وكذبوه، وكانوا إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وإذا دعي غير الله سبحانه وأشرك به ﴿إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر:٤٥]، فهذا في الدنيا، فلما عاينوا العذاب، ورأوا هلاكهم ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، فعرفوا قدرة الله العظيمة يوم القيامة، وفي الدنيا أعرضوا، وكذبوا، وجحدوا، واستكبروا، وفي الآخرة قالوا: يا ربنا! أنت على كل شيء قدير، فأنت الذي أوجدتنا من عدم، فقد كنا نطفاً في آبائنا أمواتاً فأحييتنا، وأوجدتنا في أرحام أمهاتنا، وخلقتنا هذا الخلق الذي خلقتنا عليه، فكنا في هذه الدنيا أحياء فكذبنا وأعرضنا، ثم قدرت علينا الموت فقبضت أرواحنا، ثم أحييتنا بالبعث والنشور، فهنا إماتتان وإحياءان، فالأولى حين لم يكونوا شيئاً، أو كانوا نطفاً لا حياة فيها بالمعنى المعروف للحياة، ثم كانت هذه النطف أجساداً في بطون الأمهات ونفخت فيها الأرواح، فهذه الحياة الأولى، ثم أماتهم فأقبروا، وهذه الموتة الثانية، ثم بعثهم فنشروا، وهذه الحياة الثانية، قال تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر:١١]، والمعنى: أنك يا ربنا على كل شيء قدير، فكما قدرت على الإماتة وعلى الإحياء فإنك تقدر على إرجاعنا إلى الدنيا مرة ثانية، ﴿فَارْجِعْنَا﴾ [السجدة:١٢]، أي: يتوسلون إلى الله سبحانه بصفاته وبقدرته سبحانه العظيمة، فأنت على كل شيء قدير فأعدنا مرة ثانية إلى الدنيا حتى نعبدك. والله سبحانه أعلم أن هؤلاء لا ينفع معهم ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨]، أي: لو ردوا إلى الدنيا لعادوا لما نهاهم الله عنه من الكفر والشرك بالله، ولأعرضوا عن ربهم، ولكفروا وكذبوا مرة ثانية، فالله يعلم أنهم لا يستحقون إلا النار. قال الله سبحانه عن هؤلاء: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر:١١]، فهل هناك أي صورة أو وسيلة للخروج من النار؟!

стр. 2709

تفسير قوله تعالى: (ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم) يقول لهم سبحانه: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، وهنا حذف يدل عليه الكلام، يقول الله : (ذَلِكُمْ) أي: هذا العذاب الذي تعاينونه، وتتعرضون له، وكأنه يقول: إنكم تستحقون هذا العذاب، و الجواب لا، ليس إلى الخروج سبيل والعياذ بالله. أي: لا سبيل إلى الخروج؛ وذلك لأنكم تستحقون ذلك، فقد كذبتم قبل ذلك العذاب الذي تدخلونه وتعاينونه، وكنتم (إِذَا دُعِيَ اللَّهُ) أي: كنتم قبل ذلك إذا وجدتم من يوحد الله سبحانه ويعبده تشمئزون وتكفرون، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غافر:١٢]، وكان إيمانهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦]، فيقولون: الله هو الخالق، لكن إذا قيل لهم: اعبدوه، قالوا: إنها تقربنا إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ومع ذلك فهم يعبدون غير الله سبحانه، فلا يصدقون بالله إلا وهم يشركون بعبادته سبحانه. قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:١٢]، فالحكم له وحده سبحانه، فهو الذي يحكم فيكم بهذا العذاب، وهو العلي سبحانه لا شيء أعلى منه سبحانه، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه سبحانه، ولا غالب لأمره، فهو الذي يعلو فوق كل شيء، فحكمه أعلى وفوق كل حكم، فالحكم لله العلي، فله علو الذات سبحانه، وله علو الشأن سبحانه، وله علو القهر سبحانه، فهو فوق كل شيء، وأكبر من كل شيء، ويحكم على كل شيء، ولا معقب لحكمه سبحانه. يقول محمد بن كعب القرظي: إن أهل النار لما يئسوا مما عند الخزنة وقال لهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] قال بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما قد ترون فهلم فلنصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثم جزعوا فقالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١]، فلا ينفع الصبر في النار، وسواء صبروا أو جزعوا فما لهم من مهرب ولا مخرج ولا مخلص منها، فقالوا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ * وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم:٢١ - ٢٢]. فقد تبرأ الشيطان منهم في هذا الوقت، وهو الذي دعاهم في الدنيا إلى عبادة غير الله فاتبعوه، فلما جاءوا يوم القيامة نظروا فلم يجدوا لهم مهرباً، ولم يجدوا لهم سبيلاً للخروج من النار، وتبرأ منهم الشيطان، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم:٢٢]، فقد كنت أوسوس لكم فقط وأنتم الذين ضللتم واتبعتم الهوى، فتستحقون ما أنتم فيه من العذاب. يقول: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]، أي: بما كنتم تعبدونني من دون الله، فقد كنتم تعبدون الأصنام التي أمرتكم بعبادتها، وقد كنت أعلم أن الله سبحانه واحد، وهو المستحق للعبادة وحده دون غيره، ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم:٢٢]. فلما سمعوا ذلك -وكانوا قد صبروا وطال صبرهم- جزعوا فصرخوا، ووجدوا الشيطان يتبرأ منهم، فهنا في هذا الوقت إذا بهم ينادون وقد مقتوا أنفسهم: ضيعنا وفرطنا، واتبعنا هذا الذي كان لا يملك لنا شيئاً، وأخذنا من الدنيا ما أخذنا فاستحققنا العذاب، فأبغضوا وكرهوا أنفسهم، ونادوا على أنفسهم: نحن نمقت ونكره أنفسنا، فإذا بهم يُنادَون: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ)، أي: أشد (مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ)، فحكم وفصل بين عباده، وأحق الحق، وأبطل الباطل.

стр. 2710

تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقاً) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنْ السَّمَاءِ رِزْقاً وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣]. قوله: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: هو الله سبحانه الذي يريكم أدلة توحيده، وأنه وحده الذي يستحق أن يعبد سبحانه، فقد أراكم الآيات، وأنزل عليكم الكتب، وأرسل لكم الرسل، وأوضح لكم ما أشكل عليكم، فأصررتم على ما أنتم فيه من الكفر والإعراض. ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقاً﴾ [غافر:١٣]، ((وَيُنَزِّلُ)) قراءة الجمهور بالتثقيل، وقراءة ابن كثير، وأبي عمرو، ويعقوب بالتخفيف: (وينزل). فقوله: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ [غافر:١٣] يمن الله على عباده بأن رزقكم جاءكم من السماء وأنتم تشاهدون ذلك، وإذا منع عنكم الغيث عطشتم ومتم عطشاً، وإذا منع عنكم المطر لم يخرج النبات من الأرض، فرزقكم جاء من السماء. قوله: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر:١٣] أي: وما يتعظ فينتفع بهذه الموعظة إلا الذي ينيب، أي: يرجع، فيعمل عقله ويقول: الله الذي رزقني، والله الذي خلقني، والله الذي أعطاني، فهو وحده الذي يستحق أن يعبد سبحانه، فالذي يتذكر هو الذي ينيب ويرجع إلى توحيد وعبادة الله وحده لا شريك له.

стр. 2711

تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين) قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] يأمر الله عباده بتوحيده، وحسن عبادته، قال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ﴾ [غافر:١٤]، أي: وحدوه واعبدوه وحده لا شريك له، فلا تدعوا معه أحداً غيره، ولا تتقربوا إلا إليه، ولتكن حياتكم ومماتكم له وحده لا شريك له. ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤] الدين هو العبادة والطاعة، ويأتي الدين بمعنى: الجزاء، وهنا المقصود به الطاعة والعبادة، فأخلصوا ونقوا العبادة واجعلوها له وحده، فلا تدخلوا في عبادتكم أي شوائب من شوائب الشيطان، ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] أي: ولو كره الكافرون ذلك منكم، فأخلصوا لله، واستقيموا على طريق الله ، واصبروا على طاعة الله؛ فلكم الجزاء من الله سبحانه.

стр. 2712

تفسير قوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره) قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِي﴾ [غافر:١٥]. قوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ﴾ [غافر:١٥] أي: فادعوا الله رفيع الدرجات . وقوله: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) لها معان وكلها صحيحة، فهو المستحق لأعلى درجات الثناء، وهو المستحق لأعظم المدح، وهو العالي المتعالي سبحانه، فهو العلي العظيم الذي استوى على عرشه، وعرشه فوق كل شيء . فهو: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) أي: فوق السماوات، وفوق العرش سبحانه ﵎، وهو المتعالي العلي سبحانه، ذو الدرجات العظيمة، فالله فوق سماواته فهو رفيع الدرجات سبحانه، والله مستحق لأعظم وأعلى وأجمل وأجل المدح والثناء، والله صاحب الدرجات العظيمة في جنات الخلود التي يرفع إليها أنبياءه وأولياءه، فهو رفيع الدرجات ، وهو الذي خلق السماوات بعضها فوق بعض عالية جداً، فبين السماء والسماء خمسمائة عام، وسمك السماء خمسمائة عام، فهو رفيع الدرجات. قوله: (ذُو الْعَرْشِ) أي: صاحب العرش العظيم، فعرشه بهذه العظمة التي يذكرها لنا ربنا، ويذكرها لنا النبي ﷺ ، فهو عرش عظيم، وعرش كريم، فكيف بصاحب العرش سبحانه الذي خلق العرش؟! قال تعالى: (يلقي الروح)، فهو ينزل الوحي : (مِنْ أَمْرِهِ) أي: من قضائه وقدره بما قضاه وشرعه سبحانه، (عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ)، فـ ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الشورى:١٣] أي: يصطفي إليه من يشاء، ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]، فينزل الملك بالوحي من السماء على من يشاء من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] أي: يوم القيامة. فقد جاءت الأنبياء لتبين للناس أنه لا يستحق العبادة إلا الله، وأنهم راجعون إلى ﴿يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥]، يوم تلتقي أوائل الأمم مع أواخرها، ويلقون ربهم ، فيقفون بين يديه، فهذا هو يوم التلاق. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2713

تفسير سورة غافر [١٣ - ٢٠] يذكرنا الله بيوم هوله عصيب، وأمره عجيب، إنه يوم القيامة، يوم أن يبرز الناس فيه مصطفين ينتظرون الحساب، فيجزي الله كل نفس بما كسبت، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فالملك كله يوم القيامة لله تعالى، وينفرد به سبحانه فلا يستطيع أحد منازعته؛ ولذا كان على العبد أن يعبد الله مخلصاً في عبادته، صابراً على أذى المشركين، فإن هذا هو سبيل النجاة من العقاب، والفوز بالجنة في يوم الحساب.

стр. 2714

تفسير قوله تعالى: (هو الذي يريكك آياته وينزل لكم من السماء زرقاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ * الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٣ - ١٧]. يخبرنا الله في هذه الآيات وما يأتي بعدها عن قدرته العظيمة في خلقه للعباد، وفي إنزاله الرزق عليهم من السماء، وأيضاً في بعثهم يوم القيامة، وحسابهم، ولا تخفى عنه خافية من عباده، وغير ذلك من مظاهر قدرته العظيمة سبحانه. يقول الله تعالى: (هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) أي: أن رزقكم من عند الله ، فهو الذي خلق الإنسان فسواه فعدله، وهو الذي رزقه وأطعمه وسقاه، وهو الذي أعطى ومنح عباده في الدنيا، وهو الذي يجازيهم يوم القيامة. ومعنى: (يُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلائل قدرته، وعلامات إعجازه ، (وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا) أي: ينزل من السماء أرزاق العباد المقسومة بتقديره ، فينزل ما يشاء على من يشاء، ويرسل الرياح فتثير سحاباً، فساقه الله إلى بلد ميت، فأنزل به الماء، ثم أخرج به من كل الثمرات، والله على كل شيء قدير. قوله تعالى: (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ) أي: ما يتعظ بآيات الله سبحانه مما يقرأ في القرآن، ومما يراه أمامه من آيات خلق الله ويتذكر فلا ينسى، ويتعظ فيعمل ولا يشقى إلا من ينيب إلى الله، ويرجع إليه بالعبادة والطاعة، وبالتفكر في إلهيته وربوبيته سبحانه.

стр. 2715

تفسير قوله تعالى: (فادعوا الله مخلصين له الدين) قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:١٤] أي: ادعوه ووحدوه، والجئوا إليه سبحانه، واعبدوه وحده لا شريك له، وادعوه تضرعاً وخفية وخيفة، بالليل والنهار، فإنه لا يعجزه شيء سبحانه. فقوله: (مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) فيه أن الإخلاص شرط من شروط العبادة، والعبادة لها شرطان: الإخلاص، والمتابعة، والمتابعة: هي أن تتابع النبي ﷺ فيما جاء به من عند ربه من وحي الكتاب أو من السنة، والمتابعة وحدها لا تنفع إلا مع الإخلاص، فلا بد من ركنين للعبادة: أن تعبد ربك سبحانه بما جاء في الكتاب والسنة، وأن تكون مخلصاً لله في عبادتك، فمعنى (مخلصين) أي: موجهين العبادة له وحده، حتى تكون خالصةً من شوائب الشرك بالله . وقوله: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) أي: حتى ولو كره الكافرون منكم ذلك، ولو أبغضوكم على ذلك، وحاربوكم وجاهدوكم على أن تشركوا بالله فلا تشركوا به شيئاً، فأخبر الله الإنسان أنه حتى إذا جاهده والداه على الشرك فلا يطعهما، وإنما يصاحبهما في الدنيا معروفاً.

стр. 2716

تفسير قوله تعالى: (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره) قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر:١٥] أي: أن الله رفيع الدرجات ، له الثناء والمجد والمدح العظيم كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه. و (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ) بمعنى: أنه على العرش استوى، وأنه فوق عرشه وسماواته، وقد أحاط بكل شيء، وعلا فوق كل شيء سبحانه، فهو رفيع الدرجات: ذو الدرجات العظيمة الرفيعة ، المستحق للكمال وحده، والمستحق للثناء والمدح وحده، صاحب كل خير سبحانه. وهو الذي يملك أن يرفع عباده إلى درجات عنده، فجعل الجنة درجات عالية، فهو صاحب هذه الدرجات، يرفع من يشاء من عباده إليها. ورفيع الدرجات: صفة من صفات الله، وهي صفة دالة على سعة ملكه وقدرته ، فيرفع درجات من يشاء، ويخفض من يشاء سبحانه، (ذُو الْعَرْشِ) أي: صاحب العرش وخالقه، وفي الدنيا يقال: الملك فلان له عرش، وهو سرير الملك الذي يكون عليه، ولله المثل الأعلى، فله العرش العظيم ، وهو فوق السماوات وفوق كل شيء، وأحاط بكل شيء، وهو الرحمن فوق عرشه استوى عليه سبحانه. قال تعالى: (يُلْقِي الرُّوحَ) الروح: الوحي، أو النبوة، حيث ينزل الملك جبريل وهو روح الله وروح القدس، أي: روح مقدسة خلقها الله ، فينزل على من يشاء الله من عباده. والروح: القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢] إذاً: فالروح: الوحي، والنبوة، والقرآن الذي ينزل من عند الله ، فهو يلقي الروح أي: ينزل الروح بأمره، وفيه أمر الله وقضاء الله سبحانه، وفيه إحياء لقلوب الخلق، فالقلوب الميتة بالكفر يحييها وحي الله سبحانه، والنبوة والقرآن، فكما ينزل الغيث من السماء ليحيي به الأبدان، كذلك ينزل من السماء القرآن ليحيي به الإنسان. وقوله: (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: أن الله يصطفي إليه من يشاء، ويجتبي إليه من يشاء، ويهدي إليه من ينيب، فالنبوة والرسالة ليست كسباً من الخلق، وليس لأحد من الخلق أن يقول: سوف أعبد الله وأتقرب إليه حتى يجعلني نبياً أو رسولاً، فهي هبة من الله سبحانه ومنحة يمنحها من يشاء من عباده، فيجعله نبياً أو رسولاً. (لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ) أي: يوم القيامة، يوم يلتقي أوائل العباد مع أواخرهم من لدن آدم إلى آخر من تقوم عليه الساعة، ويلتقي فيها الظالم مع المظلوم، والقاتل مع المقتول ليحكم الله بينهم، وليقتص كل واحد من الآخر. وكلمة: (التلاق) يقف عليها الجمهور بالسكون، ويقف عليها بالياء ابن كثير ويعقوب؛ فإذا وقف قال: (يوم التلاقي)، وإذا وصل قال: (يوم التلاقي) كذلك، فيقف بالياء في الوصل وفي الوقف، وورش وقالون بخلفه وابن وردان يقرءونها في الوقف: (يوم التلاق)، وفي الوصل: (يوم التلاقي). إذاً: وصلاً فقط بالياء لـ ورش وقالون بخلفه وابن وردان.

стр. 2717

تفسير قوله تعالى: (يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء) قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦] أي: خرجوا من قبورهم وبرزوا وظهروا، فلا يستخفي منهم أحد، ولا يوجد مكان يختفي فيه، قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا﴾ [طه:١٠٥ - ١٠٧] أي: لا ارتفاعاً ولا انخفاضاً في الأرض، فهي مستوية بيضاء نقية، كما ذكر النبي ﷺ في الحديث، فليس هناك جبل يختفي فيه الإنسان، ولا حفرة ينزل بداخلها، فالأرض (لا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلا أَمْتًا)، والكل بارزون أمام رب العالمين سبحانه ليجازي كل نفس بما كسبت. قال تعالى: (يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ) (شيء): نكرة في سياق النفي، وهي تعم، فلا يخفى على الله شيء ولو كان دقيقاً، فهؤلاء الأعداد الغفيرة الكثيرة لا يخفون على الله، فهو يرى جميع الخلق، وسوف يحاسبهم في يوم القيامة. يقول سبحانه: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) في يوم القيامة يقبض الله الخلائق ويطوي السماوات بيمينه ويقبض الأرض ويقول: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ فلا أحد يقدر على أن يقول: أنا كنت ملكاً في الدنيا، وإنما الذي يجيب هو الله، فيجيب على نفسه ويقول: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). والملك هو ملك السماوات والأرض، فلا يدعي أحد أنه يملك في هذا اليوم، فالله هو المالك ، وقوله: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ) أي: له وحده لا شريك له، (الْقَهَّارِ) الذي قهر وغلب وأذل كل شيء، وأذعن له وخضع كل شيء، فله الملك وحده سبحانه، وقد قال في كتابه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:١ - ٢]، فالله مالك الملك، وملك الملوك سبحانه.

стр. 2718

تفسير قوله تعالى: (اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) يقول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر:١٧]. قوله: (اليوم) أي: يوم القيامة، (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) ففي يوم القيامة يحاسب الله كل إنسان بمفرده، فلا يظن الإنسان أنه بإمكانه أن يختفي في ذلك اليوم. وقوله تعالى: (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) فيه أن الجزاء على كسب العباد، والله خالق العباد، وخالق أفعالهم، والعبد يكتسب فعله، وحين يفعل الفعل يشعر أنه قادر على فعله وقادر على تركه، فإن أراد أن يفعله فعله، والله يجازيه على إرادته، وإن كنا نؤمن أن كل شيء بقضاء الله وقدره ومشيئته، ولكنه سوف يجازي العبد على ما فعله ورضي فعله، فإن عصى الله جازاه على معصيته، ولا يمكن أن يقول: يا رب! أنت قدرت علي هذا الشيء؛ لأنه وهو يكسب المعصية يرى نفسه قادراً على فعلها، وقادراً على تركها، فيكون فعله هذا اختياراً منه. فلا ينبغي للإنسان أن يتعلل بالقدر، فالله أمره بالإيمان بالقضاء والقدر، لا أن يتعلل به. إذاً: فالإنسان حين يرتكب المعصية أو يفعل الخير يعلم أن الله قد قدر كل شيء، وعلم كل شيء سبحانه، ولكن كسبه هذا كان اختياراً منه، فالله يشكر له الخير، ويجازيه على الشر، أو يعفو سبحانه، فإذا حاسب الله العباد فلا يقدر أحد أن ينكر ويقول: يا رب! لقد كان ذلك قضاء وقدراً؛ لأنه كان قادراً على الفعل وعلى الترك، ولم يكن مجبراً. وقوله تعالى: (لا ظُلْمَ الْيَوْمَ) أي: لا يظلم ربك أحداً، ولا ينسى شيئاً، بل يجزي كل إنسان على مثقال الذرة، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) فالله سبحانه سيحاسب الخلق يوم القيامة، وهو يوم طويل من أيام الآخرة كما قال تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]، وهذا اليوم يطيله الله على من يشاء، ويخففه على من يشاء، نسأل الله التخفيف والعفو والعافية في يوم عظيم يقضي فيه الله بين جميع العباد. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) أي: سريع المحاسبة، ليس كمحاكم الدنيا التي تؤجل فيها بعض القضايا لسنة أو سنتين، فيوم القيامة يوم واحد، يجزي الله فيه كل إنسان بمفرده على ما صنع، فلا يخفى عليه من عباده شيء، لا يشغله القضاء بين عبد وآخر عن القضاء بين ثالث ورابع، وإنما يقضي بين الجميع كما يشاء، لا يشغله شيء عن شيء (إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).

стр. 2719

تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الأزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين) يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذْ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ [غافر:١٨] وهذا كقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الآزِفَةُ﴾ [النجم:٥٧] أي: اقتربت الساعة، وهي القيامة، وأزف الشيء بمعنى: قرب، والقيامة قريبة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣] والساعة آتية، وكل شيء وعد الله سبحانه أنه سيأتي لا بد وأن يأتي، وطالما أنه سيأتي فهو قريب، فسماها الله : آزفة، أي: قريبة، فقوله: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ) أي: يوم القيامة الذي سيكون قريباً. (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) وهذه حالة لا تكون في الدنيا أبداً، فالإنسان قد يفزع في الدنيا، ويحس أن قلبه سوف يطلع من مكانه، لكنه لا يطلع من مكانه، أما في يوم القيامة فإنه يطلع من مكانه، ويصل إلى الحنجرة، فالقلوب تثب من مكانها إلى الحناجر من شدة الهلع والخوف والجزع والرعب. والحنجرة: هي العظمة الموجودة في الجزء البارز في الرقبة الذي نسميه: تفاحة آدم، ففي يوم القيامة يثب القلب من مكانه يريد أن يخرج حتى يموت هذا الإنسان من رعبه. وقوله: (كَاظِمِينَ) أي: كاتمين على أنفسهم، فأرواحهم تريد أن تطلع، وقلوبهم تكاد أن تخرج من أفواههم، ولا قدرة لهم على إرجاعها، وهذا مشهد صعب شديد! قال الله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) في الدنيا قد يجد الظالم لنفسه أعواناً، فيظلم ويأتي بالرجال ليعينوه، أما يوم القيامة فلا يوجد من يعينه، (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ) والحميم: هو الصديق والقريب والمحب، وفلان حميم لفلان أي: بينهم علاقة حميمة وصداقة عظيمة. فلا يوجد في ذلك اليوم للظالمين من يشفق عليهم أو يشفع لهم أو يدافع عنهم كما كانوا في الدنيا، ففي يوم القيامة لا أحد يقف بجوار الآخر فيشفع له، إلا حين يفتح الله باب الشفاعة، وأول من يبدأ بها نبينا ﷺ يشفع عند ربه ليقضي بين العباد. فقوله تعالى: (مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ) أي: ليس للظالم حميم ينفعه، ولا شفيع يطاع فيسمع كلامه.

стр. 2720

تفسير قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) قال الله : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، خائنة الأعين أي: العين الخائنة، فالإنسان قد يخون بعينه، وقد يمشي ويراه الناظر أنه غاض البصر، ولكن إذا لم ير أحداً ينظر إليه نظر إلى ما حرم الله ، فهذه هي النظرة الخائنة التي يختلسها الإنسان إلى شيء حرمه الله ، وكأن يغمز إنسان لآخر بعينه أن يفعل أي شيء فهذا لا يجوز. وقد جاء في الحديث أنه لما جيء بـ عبد الله بن أبي السرح إلى النبي ﷺ وكان قد فعل أشياء في كفره، ثم أسلم، ثم ارتد عن الإسلام، ونافق، وآذى النبي ﷺ وأصحابه، فجاء به عثمان ﵁ ليشفع فيه يوم فتح مكة إلى النبي ﷺ ، ويطلب من النبي ﷺ أن يعفو عنه، وكأن النبي ﷺ استكثر ما صنعه هذا الرجل في كفره، وفي ردته، وفي نفاقه، فأبى أن يقبل منه ﷺ وسكت، ولم يعطه عهداً ولا أماناً، ومن أدب أصحاب النبي ﷺ معه أن مكثوا ينتظرون ماذا سيقول فيه، فسكت النبي ﷺ ، فأطال سكوته، وفي النهاية أمنه صلوات الله وسلامه عليه، ثم قال لأصحابه بعد ذلك: (أما كان منكم من رجل رشيد يقوم لهذا فيضرب عنقه؟) أي: هذا الرجل الذي آذى الله ورسوله، الذي ارتد عن الإسلام، وآذى المسلمين، وقد رفضت أن أعطيه أماناً، أما كان منكم رجل رشيد يقوم إليه فيقطع رقبته؟ فقالوا: هلا أشرت لنا؟ أي: لو غمزت لنا بعينك لكنا قتلناه، فقال النبي ﷺ : (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين) فلا يليق بنبي أن يغمز لأحد ليعمل شيئاً من وراء آخر. فالمقصود: أن الله يعلم خائنة العين، وما يكون من تلصص وتجسس وتحسس، وما يكون منها من نظر إلى ما حرم الله من غير أن يدري الناس، وما يكون منها من إشارة وغمز إلى إنسان بتهكم أو بسخرية، أو بغير ذلك. وقوله: (وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) أي: ما يكنه الإنسان في صدره من نية سوء أو غيرها.

стр. 2721

تفسير قوله تعالى: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء) قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٢٠]. قوله: (وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ) أي: يجازي ويفصل بالحق. وقوله: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ) أي: من الأصنام التي تعبد من دون الله، والآلهة التي اتخذوها من دون الله، (لا يقضون بشيء)، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً، لا في الدنيا ولا في الآخرة. وقوله: (إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) أي: يسمع ويرى كل شيء، ويقضي بين عباده بالحق. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2722

تفسير سورة غافر [٢١ - ٢٥] على الإنسان أن يسير في الأرض وينظر ويتفكر في آثار السابقين الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم وعنادهم، وعليه أن يعتبر بهؤلاء، وألا يسلك ما سلكوا من الطرق المنحرفة حتى لا يصيبه ما أصابهم.

стр. 2723

تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢١ - ٢٥]. في هذه الآيات من سورة غافر يخبرنا الله بعلمه العظيم، فإنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر:١٩]، وبقضائه المحكم بين عباده، وبفصله بالحق بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر:٢٠]، فيجازي المحسن على إحسانه بالحسنى وزيادة، ويجازي المسيء على إساءته، ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ﴾ [غافر:٢٠]، أي: ما يعبدونه من أوثان ومن أصنام لا يقضون بشيء، ولا يملكون أن يفصلوا بين الخلق، وأن يقضوا بينهم، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيرهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٢٠]، فالله هو الذي أحاط سمعه كل شيء، وأحاط علمه وبصره بكل شيء، يعلم ما ظهر وما خفي، يعلم ما قاله الإنسان وما أخفاه في صدره وما أكنه، يعلم نيته، يعلم ما في حاضر وما في مستقبل هذا الإنسان، وإلى أي شيء يصل يوم القيامة، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٢٠]. ثم يأمر عباده أن يسيروا في الأرض فيتفكروا في مصارع السابقين، فقد عاش على هذه الأرض أناس قبلهم، عاشوا كما عاش هؤلاء، وخاضوا كما خاض هؤلاء، فأهلك الله السابقين، فما ينتظر هؤلاء اللاحقون من الله إلا مصير السابقين، قال تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا﴾ [غافر:٢١]، ويعتبروا بما وقع على الأرض، ﴿فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر:٢١]، كيف كانت العاقبة والنهاية، فهم عملوا في هذه الأرض، واستمتعوا بخلاقهم، وخاضوا في هذه الدنيا، ثم في النهاية أماتهم الله وأهلكهم فلم يملكوا لأنفسهم شيئاً. قال تعالى: ﴿فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [غافر:٢١]، لكنهم مضوا وذهبوا، لقد كانوا في هذه الدنيا ملوكاً، كانوا رؤساء، كانوا أقوياء، كانوا أغنياء، خاضوا في هذه الدنيا، ألا تعتبرون بما حدث لهؤلاء؟ كيف كان عاقبة الذين كانوا في الماضي؟ ((كَانُوا هُمْ))، وقد عبر بكان التي تفيد أن الشيء انتهى وصار أثراً بعد عين، فبعدما كانوا حاضرين صاروا آثاراً، وصاروا ذكراً، وصاروا عبرة يعتبر بهم الناس، فكرر سبحانه (كانوا)، ليؤكد أنهم كانوا في الماضي وانتهى أمرهم وذهبوا إلى ربهم ليجازيهم بأعمالهم. ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [غافر:٢١]، هؤلاء السابقون يذكر الله أنهم كانوا أشد من هؤلاء الموجودين الآن، فقد كان السابقون من الكفار أشد من اللاحقين الموجودين. وقوله: (مِنْهُمْ) هذه قراءة الجمهور، أما ابن عامر فقرأها: (كانوا هم أشد منكم) أي: أنتم أيها الموجودون أضعف منهم في الأبدان، فهم كانوا أقوى منكم، كانوا أطول منكم، وكان لهم في هذه الدنيا أعمار، فمنهم من عاش ألف سنة، ومنهم من عاش ثلاثمائة سنة، ومنهم من عاش خمسمائة سنة، فقد عاشوا سنين طويلة، فهل نفعتهم أعمارهم وقد كانوا يكفرون بالله سبحانه؟ وهل نفعهم إعمارهم لهذه الأرض وقد كانوا يكفرون بالله ؟ وهل انتفعوا بهذه الآثار التي خلفوها من ورائهم؟ فهم قد ذهبوا وتركوا الآثار، فانظروا إليها واعتبروا يا أولي الأبصار. قال تعالى: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٢١]، فترون آثارهم، يسير الإنسان فيقول: هذه آثار الأقدمين، هنا كان قوم عاد ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧]، كانت بيوتهم عظيمة في هذه الجبال، وكانوا يتخذون من هذه الآثار ما يدل على قوتهم فرحين بذلك، أرادوا أن يظهروا مهاراتهم وأن يظهروا قوتهم، لكنهم خالفوا ربهم، وخالفوا أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، فكفروا وذهبوا وبقيت الآثار تدل على أصحابها الذين صاروا ذكراً بعد ذلك، قال سبحانه: ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر:٢١]، لم يأخذهم ظلماً سبحانه، وحاشا له أن يظلم أحداً من عباده، وإنما أخذهم بسبب ذنوبهم، بسبب ما اقترفوا من أعمال سيئة. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ [غافر:٢١]، أي: لم يكن لهم من ينصرهم، ومن يقيهم عذاب رب العالمين ، وكلمة (واق): نكرة في سياق النفي تفيد العموم، فلا كبير ولا صغير ولا شيء يقيهم من الله ، فما وجدوا لهم أحداً ينصرهم من عذاب الله. وقرأها الجمهور بالوقف على تسكين القاف (واقْ)، وقرأها ابن كثير وقفاً: (من واقي) فيقف عليها بالياء، فإذا وصل وصلها بغير ياء (من واق ذلك بأنهم).

стр. 2724

تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) ثم قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمْ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٢٢]، إذاً هذا الأخذ الذي أخذهم الله سبحانه والعذاب الذي أصابهم من الله سبحانه كان لأنهم كفروا بالله سبحانه ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ﴾ [غافر:٢٢]، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ يعقوب (كانت تأتيهُم رسلهم بالبينات) بضم الهاء. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا﴾ [غافر:٢٢]، أي: جحدوا هذه الآيات التي رأوها مع الأنبياء، وكذبوا ربهم سبحانه، وكذبوا رسل ربهم عليهم الصلاة والسلام، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٢]، وانظر إلى هذا التعبير (أَخَذَهُمُ)، فأنت تأخذ الشيء فتمسكه حتى لا يفلت منك، فأخذهم الله ، أي: أمسك بهم فعذبهم فلم يقدروا على الإفلات، ولم يقدروا على الهرب، فما أبقى منهم أحداً، فهو سبحانه قوي شديد العقاب، فإن من صفاته العظيمة الجليلة سبحانه صفة القوة، فهو القوي ، فلا شيء يقدر أن ينازع أو يغالب ربه سبحانه . فالله هو القوي الحميد العزيز ، قال تعالى: ﴿إِنَّه قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [غافر:٢٢]، إذا أخذ أحداً لم يفلته، إذا عذب أحداً كانت عقوبة الله أشد ما يكون فلا يقدر أحد أن يقاومها أو يفلت منها.

стр. 2725

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا فقالوا ساحر كذاب) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٤]، هذه قصة من قصص القرآن العظيم، يسوق لنا ربنا فيها قصة موسى ﵊، وموسى ﵊ هو الرسول صاحب الشريعة قبل النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكثيراً ما يذكر الله موسى ﵊ بياناً لأن موسى كان صاحب شريعة، فإذا ذكر النبي ﷺ يقول: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧]، مع أن الذي كان قبل النبي ﷺ هو عيسى ﵊، ولكن ذكر (كِتَابُ مُوسَى)؛ لأنه كان كتاب تشريع، فالتوراة كتاب شريعة والقرآن كتاب شريعة مهيمن على ما قبله من الكتب، فهذا القرآن شاهد على صحة ما جاء قبل ذلك، وناسخ لما جاء قبل ذلك من شرائع من عند رب العالمين، والشريعة الباقية هي ما في هذا القرآن العظيم، وهو ما جاء به النبي صلوات الله وسلامه عليه. فيذكر النبي ﷺ ويذكر موسى ﵊، أما عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام فهو قد جاء ليحكم بشريعة موسى، وإن كان قد أحل لهم بعض الذي حرم عليهم، لكنه لم يلغ شريعة موسى، فكأن صاحب الشريعة قبل النبي ﷺ هو موسى ﵊، والكتاب الذي كان قبل القرآن هو التوراة؛ لأن الإنجيل لم يكن كتاب شريعة، بل كان كتاب مواعظ فقط، أما التوراة فكان كتاب شريعة، فعندما تذكر القرآن يذكر قبله التوراة؛ لأن التشابه بينهما أن هذه شريعة وهذه شريعة، فموسى كان صاحب شريعة ونبينا ﷺ كذلك، أما عيسى فكان يحكم بشرع من قبله، بشرع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر:٢٣]، وفي الإسراء قال: ﴿تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء:١٠١]، إذاً أرسل الله موسى إلى فرعون وملئه بآيات بينات، وفي الأعراف ذكر أنها ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فاستكبر هؤلاء وكانوا قوماً مجرمين. ذكر ربنا أنه أرسل موسى بآيات من عنده، أي: بمعجزات، وبـ (سُلْطَانٍ مُبِين)، والسلطان: هو الحجة، وكأن المقصود بها التوراة التي جاءت من عند رب العالمين سبحانه، فقد أنزل عليه ألواح التوراة حين ناجى ربه ، فقوله: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر:٢٣]، أي: بحجة بينة واضحة جلية من عند الله، تبين عن نفسها وتفصح عن حقيقتها وصدقها، هذا معنى كلمة (مُبِينٍ)، أي: بين واضح. وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا﴾ [غافر:٢٣]، وهي تسع آيات، وقد ذكرها الله وهي: اليد، والعصا، وقال: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف:١٣٠]، فهذه أربع آيات: اليد، والعصا، والسنون، ونقص من الثمرات، وقال: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ [الأعراف:١٣٣]، فذكر تسع آيات أرسل بها موسى إلى هؤلاء الكفار حتى يؤمنوا، لكنهم كما قال عنهم: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف:١٣٣]. لقد أرسل الله موسى بهذه الآيات: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ [غافر:٢٤]، فرعون من هؤلاء الكفار الذين طغوا وأفسدوا في الأرض، قال لقومه وقد كانوا ضعاف العقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، إذاً فرعون كان ملكاً اغتر بملكه فاستكبر وزعم أنه إله، بل تجاوز ذلك وقال إنه رب، وهو كذاب مجرم، يقول للناس: أنا إله فاعبدوني، وهو بذلك كأنه يقول: أنا أجلب الود، أنا أرزق، أنا أحيي، أنا أميت، وهو يعلم أنه كذاب فيما يقول، ولذلك أذله الله أعظم الذل وأفظع الذل وأشنع الذل حين ألقاه في اليم وقال: ﴿الْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢]. وهامان رأس من رءوس الكفر، وهو تابع لفرعون، فقد كان وزير فرعون، ففرعون غره ملكه، وهامان غرته وزارته، وهما من أهل مصر، ومن ملوك مصر، وفرعون كان الملك وهامان كان الوزير، أما قارون فكان من بني إسرائيل، ابن عم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فسبحان من جمع هؤلاء: فرعون هذا الرجل الملك المتكبر، وهذا الوزير الطاغي، وقارون الغني صاحب الأموال، الذي هو من بني إسرائيل الذين ذاقوا العذاب من فرعون وملئه، وهذا الرجل مع غناه العظيم وهو من بني إسرائيل لكنه لم يعطف على قومه، بل خرج من هؤلاء واستكبر على قومه واغتر بما هو فيه، وحسد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن آتاه الله الرسالة، فكان مع فرعون على موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فجمعه الله معهم في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا جمعهم على الكفر، وفي الآخرة جمعهم في النار. قال تعالى: ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ﴾ [غافر:٢٤]، فماذا قال هؤلاء لموسى؟ قالوا: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤]، قالوا له: أنت ساحر، وأنت كذاب، حتى قارون يقول ذلك مجاملة لهؤلاء، يقولها وهو يعلم أن موسى صادق عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 2726

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، أي: جاءهم بالآيات البينات من عند رب العالمين، جاءهم بالتوراة التي فيها شرع رب العالمين، جاءهم بالمعجزات الظاهرة القوية التي ضجوا من هولها وهرعوا إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يطلبون منه أن يجيرهم من ذلك، قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، يتوسلون إلى موسى: ادع ربك يكشف عنا هذا العذاب ونحن سنؤمن، فالله يرسل عليهم آية وراء آية ولكنهم لا يفهمون، كلما كشف عنهم آية من العذاب كلما ازداد عتوهم وإفسادهم ورجعوا إلى كفرهم. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر:٢٥]، وهذه هي المرة الثانية التي يأمرون فيها بذلك، فالمرة الأولى قبل مولد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين رأى فرعون الرؤيا وفسرها له قومه بأنه سوف يخرج من بني إسرائيل من يكون ضياع ملكه وهلاكه على يديه، فلما سمع بذلك أمر بقتل كل الصبيان من بني إسرائيل الذين يولدون. فإذا بقومه بعد ذلك يقولون له: إذا قتلت الجميع فمن سيخدمنا بعد ذلك؟ هؤلاء بنو إسرائيل يتزاوجون رجالاً مع نساء، فحين تقتل الصبيان كلهم لا يبقى إلا النساء، فيقول له الكهنة: إنه في عام كذا سوف يولد كذا، وليس كل عام، فإذا به يرجع عن قراره ويقول: اقتلوا الصبيان في عام واستحيوهم في عام، ويرينا الله الآية العظيمة، فيولد هارون على نبينا وعليه الصلاة والسلام -وهو أكبر من موسى- يولد في العام الذي لا يقتل فيه الصبيان، فيعيش هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ويولد موسى في العام الذي يقتل فيه الصبيان، فالمفروض أن يقتله فرعون، لكن يرينا الله أن هذا الجبار الطاغية فرعون الذي يريد قتل موسى لا يقدر على شيء، فالله ينشئ موسى ويحفظه، بل ويربيه في بيت هذا الذي يريد قتله، فسبحان من يسبب الأسباب ويدبر مقاليد الكون سبحانه ﵎. فيعيش موسى في بيت فرعون، وينشأ فيه، ويكون سبباً في عزة بني إسرائيل بعد ذلهم على يد فرعون، ثم يكون سبباً في إهلاك فرعون بما يأتي بعد ذلك. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2727

تفسير سورة غافر [٢٣ - ٢٨] يرسل الله رسله إلى الناس فيأتون إليهم بالآيات البينات الواضحات على صدق رسالتهم، فلا يكذبهم إلا جاحدٌ معاند لا يريد الحق، ولا يريد اتباع الحق، وإنما يريد فرض أفكاره ومبادئه حتى بالقوة، ولكن رغم هذا فإن كيد الكافرين ضعيف، وهو في ضلال، والله معلٍ كلمته وناصر دينه.

стр. 2728

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا موسى بآيتنا فقالوا ساحر كذاب) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ * فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٣ - ٢٧]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات أنه أرسل موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بآيات من عنده سبحانه، وهي المعجزات التسع: اليد، والعصا، والسنين، ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وأرسل الله سبحانه ﵎ عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آيات مفصلات، فالله سبحانه جعل هذه آيات لقوم فرعون حتى يعودوا إلى ربهم ويتركوا كفرهم، فأبوا إلا أن يستمروا على ذلك. قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [غافر:٢٣]، أي: حجة بينة واضحة، ﴿إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤]. إلى فرعون الذي زعم أنه إله، وطلب من قومه أن يعبدوه من دون الله سبحانه، ثم زعم أنه رب، واستخف عقول قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين. وهامان هو وزير فرعون، ذلك المجرم الذي ينفذ لفرعون ما يريد، قال تعالى عنهما: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] فاستجاب لفرعون وبنى له برجاً عالياً حتى يرقى عليه فرعون، ويزعم أنه نظر في السماء فلم يجد فيها إلهاً، وصدقه قومه لكفرهم، خدعهم فرعون فانخدعوا وكانوا خفاف العقول، كما وصفهم الله بقوله: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]. وقارون كان قريباً لموسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قالوا: إنه كان ابن عم له ﵊، هذا موسى المؤمن رسول رب العالمين، وذاك قارون الكافر من بني إسرائيل، كان يحسد موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فآتاه الله كنوزاً عظيمة، فكان يؤمر بأن ينفق على الفقراء لكنه كان يستكبر عن ذلك، وينظر إليهم بأنهم لا يستحقون، فهو صاحب هذه الكنوز العظيمة، وربما تنتهي عليه، فكان موسى يقول له: أنفق على بني إسرائيل، ولكنه كان متكبراً مغروراً، يتقرب إلى فرعون مع معرفته بالحق الذي مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام. فقال هؤلاء الثلاثة ومن معهم: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤]، قالوا عن موسى ﵊ لما رأوا الآيات البينات: ﴿سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٤]، كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الزخرف:٤٩]، وذلك حين جاءتهم الآيات من عند الله سبحانه آية وراء آية، فكلما ازداد عليهم الضيق يهرعون إلى موسى ويقولون: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، فعندما يكشف الله عنهم العذاب ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾ [الأعراف:١٣٥]، فلم يستقيموا على طريقة أبداً مع موسى ﵊، فقالوا: هذا ساحر، ووصفوه بأنه كذاب. وهنا عندما يذكر الله ذلك لنبيه ﷺ في هذه السورة الكريمة -سورة غافر- وهي من السور المكية؛ فكأنه يطمئن النبي ﷺ ويقول له: لست أول من قيل لك: إنك كذاب، فقد قالوا قبل ذلك لموسى وقالوا لنوح عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقالوا لغيرهم من الأنبياء والرسل، قالوا عنهم: سحرة، وقالوا عنهم: إنهم كذابون، وقالوا عنهم: إنهم مجانين، وقالوا ما قالوا عن رسل الله، ولذلك فالإنسان الذي يدعو إلى الله لا ينتظر أن تكون الطريق التي يدعو فيها إلى الله مليئة بالورود، وأنها ممهدة له، بل كما ورد في الحديث: (أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على قدر دينه)، فيأتي البلاء من الله لأنبيائه عليهم الصلاة والسلام؛ ليثبتهم ويثبت من معهم، وحتى يميز الخبيث من الطيب، فالمؤمن يثبت على طريق الله ، والذي في قلبه مرض يتزلزل ويتزعزع ويترك وينصرف عن دين الله ، فهذا موسى قالوا عنه: ساحر، وقالوا عنه: كذاب، وكذلك قالوا عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه مثل ذلك.

стр. 2729

تفسير قوله تعالى: (فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) يقول الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]. لما جاءهم موسى بالحق والبينات من عند الله قال فرعون ومن معه: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر:٢٥]، وهذه هي المرة الثانية التي يأمر فيها فرعون بقتل أبناء بني إسرائيل، والمرة الأولى قبل ميلاد موسى ﵊، والآن بعدما بعث الله موسى لفرعون يدعوه إلى الله سبحانه، ففرعون أمر بقتل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، فقال: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [غافر:٢٥] اقتلوا أبناء المؤمنين، ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر:٢٥] استحيوا من الحياة، أي: استبقوهن أحياء، أي: اقتلوا الأبناء واتركوا النساء أحياء؛ لأن النساء لا خوف منهن، فدعوا النساء وذروهن أحياء للخدمة، لخدمة فرعون وجنوده وقومه وملئه. يقول الله : ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، فقد كاد فرعون لموسى ولبني إسرائيل -للمؤمنين الذين مع موسى ﵊ ولكن ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٢٥]، هذه جملة من الله يختم بها هذه الآية، فلم يقل: كيد هؤلاء فقط، ولكن كيد كل الكافرين، جعل الله كيدهم هباء منثوراً، وجعل كيدهم في تدمير، وفي ضلال وفي هلاك وفي خسران، فمهما كادوا للمؤمنين وانتصروا في وقت من الأوقات فلابد أن يظهر نور الله سبحانه، وأن يأتي الحق ويكون -رغماً عن الكافرين- هو المنتصر وهو الغالب، قال سبحانه: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، فهم يكيدون لربهم سبحانه، ويكيدون لأولياء الله ، ويأبى الله إلا أن يظهر دينه، وإن ترك المؤمنين في فترة من الفترات بسبب تقصيرهم، وبسبب ذنوبهم، فإنه لحكمة منه سبحانه يبتليهم، ولكن في النهاية يأبى الله إلا أن يظهر دينه، وإلا أن يخزي الكافرين، ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٢٥]، وقال سبحانه: ﴿يَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، ويقول: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق:١٧].

стр. 2730

تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه) ثم قال سبحانه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. فرعون يقول لقومه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] كأنه بلغ به في النهاية الغيظ والحنق من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى أن يقول ذلك، وكأنه وجد من خوفه من دعاء موسى كما دعا قبل ذلك بالسنين ونقص من الثمرات، وجاء الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فكأنه استهان بدعاء موسى فقال: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]. أي: ليعمل الذي يريده، ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى﴾ [غافر:٢٦] هذه قراءة الجمهور، وقرأ الأصبهاني عن ورش وقرأها ابن كثير: (ذَرُونِيَ أقتل موسى))، بفتح الياء. وقوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦] أي: دعوه فليدع وليفعل ما يشاء، وسنرى من الأقوى؟ ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ [غافر:٢٦] هذه أيضاً قراءة الجمهور: ﴿إِنِّي أَخَافُ﴾ [غافر:٢٦]، وقراءة نافع وأبي جعفر وابن كثير وأبي عمرو: (إِنِّيَ أَخَافُ)، بفتح الياء. وقوله: (أو أن يظهر) فيها أربع قراءات: ﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ﴾ [غافر:٢٦] وتقرأ بالواو: (وأن يظهر)، وتقرأ: (يَظهَر) و (يُظهِر)، فقراءة حفص ويعقوب: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ) يظهر: فعل رباعي، كأنه يزعم أن موسى ﵊ هو الذي سيفسد وسيظهر الفساد، والفساد في نظر فرعون هو طاعة الله ، وترك عبادة فرعون هذا المجرم الحقير، فكأنه رأى أن موسى سيفسد الناس، وسيظهر الفساد بعبادة رب العباد ، فقال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]. أما قراءة باقي الكوفيين: شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: (أو أن يَظهَر في الأرض الفساد)، وكأن فرعون يقول: أنا خائف من أن يظهر الفساد في الأرض، وهو أكيد يقصد موسى ﵊، ولكن على هذه القراءة الفعل من السداسي، أي: أن الفساد سوف ينمو بسبب موسى وبسبب من معه. أما نافع وابن كثير وأبي جعفر فيقرءون: (وأن يُظهِر في الأرض الفساد)، وأما ابن عامر فيقرأ: (وأن يَظهَر في الأرض الفساد). إذاً: جميع القراءات مرجعها إلى أن فرعون خائف من أن موسى سوف يظهر الفساد في الأرض بزعمهم، فهو خائف من موسى ومن معه أن يفسدوا ويظهروا الفساد في الأرض، وهم يعنون بذلك دين الله سبحانه وأن فيه الفساد، وكذلك نظر الكفار في كل عصر من الأعصار، فإنهم ينظرون إلى دين الله على أنه هو الفساد، وأنه الذي لا يراد، ولذلك قال كفار قريش عن النبي ﷺ كما جاء في كتاب الله: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان هذا الدين خيراً، أي: دين الإسلام، فغرور الإنسان يدفعه إلى أن يعظم نفسه ويقول: أنا سباق للخير، لو كان الدين هذا خيراً لكنت أنا من أصحابه، فطالما أني لست من أصحابه فهذا ليس خيراً، هذه هي نظرة الكفار لجهلهم وحماقتهم، قالوا ذلك على النبي ﷺ ، وليسوا بأول من قال ذلك، فهذا فرعون قال ذلك قبلهم بآلاف السنين، قال ذلك لموسى ﵊: إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.

стр. 2731

تفسير قوله تعالى: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر) ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾ [غافر:٢٧]، أي: استجرت بالله، ألجأ إليه، وأعوذ به، وأعتصم وألوذ وأحتمي به ، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ [غافر:٢٧] هذا موسى وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن بني إسرائيل لم يكونوا مع موسى على استقامة دائمة حيث يدعوهم لجهاد فرعون، فإنهم كانوا يخافون، فموسى يجد نفسه وحيداً ليس معه أحد إلا الله ، ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]، أي: من كل إنسان متعاظم في نفسه، كفر بالله، وكفر باليوم الآخر، وظن في نفسه أنه يقدر على كل شيء، فأعوذ بالله من فرعون ومن معه، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر:٢٧]. وفي هذا بيان للعقيدة الصافية، فموسى يقول لفرعون: ربي هو ربك، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٧] أي: عذت بالذي هو ربي والذي هو ربك، فلست رباً ولست إلهاً، وإنما الرب الذي خلقك والذي يستحق العبادة هو الله وحده ، فقال لفرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧].

стр. 2732

تفسير قوله تعالى: (وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] ظهر الآن من يدافع عن موسى ﵊، وإن كان يتلطف في ذلك، وهو الرجل المؤمن الذي ذكر الله أنه من آل فرعون، وهذا هو الراجح في سياق الآية وما في معناها: أن هذا مؤمن من آل فرعون، من أقباط مصر، فأهل مصر كان يطلق عليهم الأقباط، فهذا الرجل قبطي من أهل مصر، وليس من بني إسرائيل، رجل مؤمن يكتم إيمانه، فقال لفرعون وهو يكتم الإيمان: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] والمعنى: ماذا عمل موسى؟ أتحاسبونه على تفكيره؟ أتحاسبونه على كلام يقوله؟ هل فعل فيكم شيئاً؟ أقتل منكم أحداً؟ لم تريدون أن تفعلوا به هذا الأمر؟ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، أي: جاءكم بآيات بينات رأيتموها قبل ذلك، فقد رأى فرعون اليد والعصا، فقد أخرج موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين، وألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ثم وجدوا الآيات الأخرى التي ساقها الله في سورة الأعراف: السنين، والنقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٢٨] هنا نلحظ التلطف في الخطاب، فإنه لو قال لهم: أنا مؤمن معه لقتلوه مباشرة، ولكنه تلطف معهم في الخطاب من أجل أن يتدرج معهم في الحجج، فقال لهم: انظروا وتدبروا وتأملوا وتفكروا، لقد أتى لكم بآيات قبل ذلك، آيات بينات، وأنتم رأيتموها، وكنتم تقولون له: ادع لنا ربك، أي: أنه أتى بالآيات هذه من عند ربه، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ [غافر:٢٨]، هنا إدخال الشك في نفس الإنسان المجادل المخاصم، فهو يقول لهم: إذا فرضنا جدلاً أن موسى هذا كان كذاباً فذنبه على نفسه، أما إذا كان صادقاً فكيف يكون الأمر؟! ففكروا فيما جاءكم به، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]. ومؤمن آل فرعون هذا قيل: اسمه حبيب النجار، وقيل: اسمه شمعان، أو حزقيل، لكن لا يهمنا اسمه، وإنما الذين يهمنا هو فعله العظيم الجميل، وجداله بالتي هي أحسن مع هؤلاء، والتدرج معهم في البيان حتى يقبلوا منه هذه الحجة أو يرفضوها، فيقول لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]. يقول لهم: موسى ﵊ لم يذنب، فما الذنب الذي جناه حتى تقتلوه؟ ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] فتفكروا في الآيات واتركوا ما يقوله الآن، ولكن انظروا في الآيات، ولذلك لمعرفة أي رسول أنه رسول لابد أن يأتي بآية، فإذا أتى بمعجزة يقهر بها البشر، ويرون أنه صادق فيما يقول، وأنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل ما أتى به؛ فيلزمهم أن يصدقوه فيما يقول، أي: أن للناس على أي رسول أن يقولوا: هات آية تثبت أنك رسول من عند رب العالمين، فيأتيهم بمعجزة يتحداهم بها، معجزة يتحدى بها القوم ويعجزهم أن يأتوا بمثلها، فإذا غلبوا فيلزمهم أن يصدقوا وأن يؤمنوا بما جاء به من شريعة من عند رب العالمين. ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، ثم افترضوا: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]، أي: إذا كان يكذب على الله فالله سوف يحاسبه ويعاقبه، ولو كان صادقاً ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، وهو يعدكم بالجنة في الآخرة فسوف يصيبكم من الجنة، ويعدكم في الدنيا بأن يؤتيكم الله الثمرات ويؤتيكم البركات ويؤتيكم الخير، فسوف يصيبكم بعض الذي يعدكم من خير ومن نعم من الله . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: على نفسه في معصية الله بسفك الدماء، أو بفعل الحرام، ﴿كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: مفتري، يفتري على الله . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2733

تفسير سورة غافر [٢٦ - ٢٨] إن الله إذا طمس بصيرة العبد فإنه يصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، بل يدعو على نفسه بالهلاك بدلاً من اتباع الحق المبين، وذلك كفراً وعناداً، وفي هذه الحالة على المؤمن التقي الالتجاء والرجوع إلى ربه سبحانه، وعليه أن يقيم الحجة على خصمه بالتي هي أحسن.

стр. 2734

تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه لا يؤمن بيوم الحساب) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٢٦ - ٣٣]. ذكر الله في هذه الآيات أن فرعون قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، وكان هذا حين أرسل الله موسى ﵊ بالآيات البينات إلى فرعون يدعوه إلى عبادة الله سبحانه، وترك ما هو فيه من كفر وضلال، وعلو واستكبار على الخلق، فقال فرعون: ذروني، أي: دعوني أقتل موسى، (وليدع ربه)، وكأنهم خوفوه من دعاء موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد رأى قبل ذلك كيف دعا عليهم موسى ﵇ فابتلاهم الله سبحانه بالسنين ونقص من الثمرات وغير ذلك من الآيات، فخوفه قومه من دعاء موسى فقال: وليدع ربه، فتهور فرعون في هذا الأمر، وهذه سمة من سمات الكفار: التهور في أمر الدعاء، والتهور مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتهور مع ربهم ، يتبجحون ويتهورون ويطلبون ما فيه هلاكهم. وقد جربوا مع موسى ﵇ مرات كثيرة كيف أنه دعا عليهم فاستجاب الله دعاءه، فكأنهم خوفوا فرعون من ذلك، لكن الرياسة والملك كانت أهم عند فرعون من أن الناس يخوفونه من دعاء موسى، وأهم عنده من الرجوع إلى الله ، ولذلك قال: (وليدع ربه)، وبين لهم السبب فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ودينهم هو عبادة فرعون، يعبدونه من دون الله، فإنه قد استخف قومه فأطاعوه، استخفهم فأوهمهم أنه إله، وأنه ربهم، وأن له ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، وهم قد كانوا ضعاف العقول، فاستخفهم بطيشه، وبغبائهم، وحماقتهم صدقوه فيما يقول ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، منسلخين عن دين الله سبحانه، خارجين عن طاعة الله . يضحك عليهم فرعون ويخدعهم بكلام باطل ويقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، انظر إلى خداعه وكذبه، وانظر إلى غباء هؤلاء الذين معه، فهم تركوا التفكر في الآيات التي جاء بها موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وصدقوا فرعون فيما قال لهم، مع أنه لا أحد منهم يعتقد أن فرعون هذا رب، ولا أنه يستحق العبادة، ولكن فرعون قوي، وهو من منطق القوة يكلمهم: أليس لي ملك مصر؟ من ينازعني؟ هذه الأنهار تجري من تحتي، أليس أنا الذي عملت هذه الأنهار؟ إذاً أنا ربكم الأعلى، فيصدقونه، ويقول: اعبدوني، فيعبدونه من دون الله، فقد كانوا ضعاف العقول، أغبياء، وصفهم الله بذلك: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، أطاعوه في غضب الله، وفي معصية الله ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]. وكذلك كل قوم يتابعون الأقوى حتى ولو لم تكن معه حجة فهم قوم فاسقون، الذين لا يعملون عقولهم، ولا يفكرون في آيات الله، ولا في شرع الله، ولا في دين الله، وإنما ينظرون من القوي فيقولون: نحن مع الأقوى، نخاف على أنفسنا ونخاف على عيالنا ونخاف على بيوتنا، ولذلك نمشي مع الأقوى حتى ولو كان على حساب الدين، وعلى حساب توحيد الله . فهذا فرعون قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، فلا يهمه الدعاء، فاستدعى على نفسه غضب الله سبحانه، واستعجل هلاكه، وكذلك فعل كفار قريش مع النبي ﷺ حين دعوا على أنفسهم، فقد قال أبو جهل وأمثاله: اللهم إن كان هذا - يعني الدين الذي مع النبي ﷺ ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، بدلاً من أن يطلبوا من الله الهداية إلى هذا الدين؛ طلبوا العذاب والمطر من السماء الذي يكون فيه هلاكهم، فالكافر يستدعي على نفسه غضب الجبار ، ويقرب نفسه من عذاب النار والعياذ بالله، هؤلاء هم الكفار وهؤلاء أسلافهم من قوم فرعون، وأبو جهل كان فرعون هذه الأمة، وهذا فرعون موسى، فهذا طلب الهلاك وذاك طلب الهلاك، وقال: (وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم)، هذا الدين الذي يدعيه فرعون قال: أخاف أن يبدل دينكم فتطيعون موسى وتطيعون الله سبحانه، (أو أن يظهر في الأرض الفساد)، أي: يظهر موسى في الأرض الفساد، وهو يقصد بذلك دين الله . وكذلك الكفار في كل زمان ومكان، ينظرون إلى دين الله سبحانه فينفرون الناس عنه، ويقولون عن أهل الإيمان: هؤلاء هم المخرفون، هؤلاء هم المفسدون، هؤلاء هم الإرهابيون، هؤلاء أصحاب الكتب الصفراء، يرمون أهل الحق بالضلالات وبالباطل، فيقولون عنهم: إنهم أهل الفساد، وقد قالوها عن موسى، وقالوها عن النبي ﷺ ، قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان هذا الدين خيراً ما سبقونا إليه، فصدقهم الجهال وضعفاء العقول، وقالوا: هذا صحيح، فإن فينا فلاناً وفلاناً، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، أي: لو أن القرآن نزل على واحد عظيم من قريش، على أبي جهل مثلاً، أو على عروة بن مسعود الثقفي، لماذا نزل القرآن على محمد؟! هذه نظرتهم الغبية، ولم ينظروا إلى هذا القرآن، وما فيه من إعجاز ومن تحد، فإنه قد تحداهم فلم يقدروا على مثله، فهم لم ينظروا إلى ذلك، وإنما نظروا إلى من الذي نزل عليه هذا القرآن؟ كما نظرت اليهود من الملك الذي ينزل من السماء إلى الأرض بهذا القرآن؟ فإذا كان جبريل فهذا عدونا، ونحن لا نريده وإنما نريد ملكاً آخر أين عقول هؤلاء؟! لم يتفكروا في هذا القرآن، وإنما نظروا بكفرهم وبغبائهم ورأوا أنهم على ملة لا يريدون تركها، فلم يتفكروا فيما جاء من عند رب العالمين . حينما قال موسى متعوذاً بربه سبحانه، لاجئاً إليه، معتصماً به: (إني عذت)، أي: لجأت إلى الله ، واعتصمت به سبحانه، واحتميت به: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]، متكبر أي: متعظم في نفسه، لا يؤمن بيوم الحساب.

стр. 2735

تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]، والمفسرون اختلفوا في هذا الرجل المؤمن: هل هو من آل فرعون، أي: من قوم فرعون، من أقباط مصر، أم أنه رجل من بني إسرائيل مع موسى؟ وهذا الرجل يكتم إيمانه من فرعون، أي: كأن في الجملة تقديماً وتأخيراً على هذا القول، فيكون المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، والأول أصوب، وهو أنه رجل من قوم فرعون، من آل فرعون، أي: رجل من أهل مصر؛ لأنه يخاطب قومه بعد ذلك ويقول: يا قومي، يا قومي: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، فدل على أنه منهم، ولكنه كان مؤمناً ﵁. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] فهو لم يقل: أنا مسلم مع موسى ﵊، ولكن كتم إيمانه وجادل فرعون وقومه بالحجج، ودعاهم أن يعملوا عقولهم، فما دام أن هذا الرجل جاء لكم ببينة فلماذا لا تنظرون في البينة التي جاء بها؟ لماذا لا تناقشونه فيما جاء به؟ فلعله يكون صادقاً فيصيبكم بصدقه بعض الذي يعدكم، وإن كان كاذباً فالله لا يهدي المسرف الكذاب، فتعالوا نفكر فيما جاء به موسى ﵊ بدلاً من رده، وبدلاً من توبيخه وإرادة قتله. فقال هذا الرجل المؤمن: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] يعني: ما جريمته؟ هل أجرم معكم؟ هذا الرجل يتكلم فلماذا لا تناقشونه بالحجة وبالعقل بدلاً من قتله؟ هل لأنه يدعوكم إلى الله تقتلونه؟ قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] إذاً: له عذره، فقد أتاكم ببينات، ففكروا في هذه البينات، وانظروا في هذه الآيات، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]، وبدأ بتقديم الكذب على الصدق لأنه هو منهم ويكتم أنه مؤمن فقال: إن يكن موسى هذا كاذباً فعليه كذبه، وربه سيعاقبه؛ لأنه يكذب عليه، وإن كان صادقاً فاتباعه فيه الفلاح والنجاة لنا جميعاً. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]، مسرف، أي: على نفسه في المعاصي، وكذاب: يكذب على الخلق ويكذب على الخالق . هذا قول الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وقد ناقش الموضوع بكلام طيب، حيث انتقل من شيء إلى شيء، حتى إنهم في النهاية علموا أن هذا مؤمن مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.
следующие страницы →