← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

تفسير قوله تعالى: (وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر) ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]. ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ﴾ [غافر:٢٧]، أي: استجرت بالله، ألجأ إليه، وأعوذ به، وأعتصم وألوذ وأحتمي به ، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي﴾ [غافر:٢٧] هذا موسى وحده عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأن بني إسرائيل لم يكونوا مع موسى على استقامة دائمة حيث يدعوهم لجهاد فرعون، فإنهم كانوا يخافون، فموسى يجد نفسه وحيداً ليس معه أحد إلا الله ، ولهذا قال: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]، أي: من كل إنسان متعاظم في نفسه، كفر بالله، وكفر باليوم الآخر، وظن في نفسه أنه يقدر على كل شيء، فأعوذ بالله من فرعون ومن معه، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر:٢٧]. وفي هذا بيان للعقيدة الصافية، فموسى يقول لفرعون: ربي هو ربك، ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٧] أي: عذت بالذي هو ربي والذي هو ربك، فلست رباً ولست إلهاً، وإنما الرب الذي خلقك والذي يستحق العبادة هو الله وحده ، فقال لفرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧].

стр. 2732

تفسير قوله تعالى: (وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] ظهر الآن من يدافع عن موسى ﵊، وإن كان يتلطف في ذلك، وهو الرجل المؤمن الذي ذكر الله أنه من آل فرعون، وهذا هو الراجح في سياق الآية وما في معناها: أن هذا مؤمن من آل فرعون، من أقباط مصر، فأهل مصر كان يطلق عليهم الأقباط، فهذا الرجل قبطي من أهل مصر، وليس من بني إسرائيل، رجل مؤمن يكتم إيمانه، فقال لفرعون وهو يكتم الإيمان: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨] والمعنى: ماذا عمل موسى؟ أتحاسبونه على تفكيره؟ أتحاسبونه على كلام يقوله؟ هل فعل فيكم شيئاً؟ أقتل منكم أحداً؟ لم تريدون أن تفعلوا به هذا الأمر؟ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، أي: جاءكم بآيات بينات رأيتموها قبل ذلك، فقد رأى فرعون اليد والعصا، فقد أخرج موسى يده فإذا هي بيضاء للناظرين، وألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، ثم وجدوا الآيات الأخرى التي ساقها الله في سورة الأعراف: السنين، والنقص من الثمرات، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا﴾ [غافر:٢٨] هنا نلحظ التلطف في الخطاب، فإنه لو قال لهم: أنا مؤمن معه لقتلوه مباشرة، ولكنه تلطف معهم في الخطاب من أجل أن يتدرج معهم في الحجج، فقال لهم: انظروا وتدبروا وتأملوا وتفكروا، لقد أتى لكم بآيات قبل ذلك، آيات بينات، وأنتم رأيتموها، وكنتم تقولون له: ادع لنا ربك، أي: أنه أتى بالآيات هذه من عند ربه، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا﴾ [غافر:٢٨]، هنا إدخال الشك في نفس الإنسان المجادل المخاصم، فهو يقول لهم: إذا فرضنا جدلاً أن موسى هذا كان كذاباً فذنبه على نفسه، أما إذا كان صادقاً فكيف يكون الأمر؟! ففكروا فيما جاءكم به، ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]. ومؤمن آل فرعون هذا قيل: اسمه حبيب النجار، وقيل: اسمه شمعان، أو حزقيل، لكن لا يهمنا اسمه، وإنما الذين يهمنا هو فعله العظيم الجميل، وجداله بالتي هي أحسن مع هؤلاء، والتدرج معهم في البيان حتى يقبلوا منه هذه الحجة أو يرفضوها، فيقول لهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]. يقول لهم: موسى ﵊ لم يذنب، فما الذنب الذي جناه حتى تقتلوه؟ ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] فتفكروا في الآيات واتركوا ما يقوله الآن، ولكن انظروا في الآيات، ولذلك لمعرفة أي رسول أنه رسول لابد أن يأتي بآية، فإذا أتى بمعجزة يقهر بها البشر، ويرون أنه صادق فيما يقول، وأنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل ما أتى به؛ فيلزمهم أن يصدقوه فيما يقول، أي: أن للناس على أي رسول أن يقولوا: هات آية تثبت أنك رسول من عند رب العالمين، فيأتيهم بمعجزة يتحداهم بها، معجزة يتحدى بها القوم ويعجزهم أن يأتوا بمثلها، فإذا غلبوا فيلزمهم أن يصدقوا وأن يؤمنوا بما جاء به من شريعة من عند رب العالمين. ولهذا قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، ثم افترضوا: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]، أي: إذا كان يكذب على الله فالله سوف يحاسبه ويعاقبه، ولو كان صادقاً ﴿يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨]، وهو يعدكم بالجنة في الآخرة فسوف يصيبكم من الجنة، ويعدكم في الدنيا بأن يؤتيكم الله الثمرات ويؤتيكم البركات ويؤتيكم الخير، فسوف يصيبكم بعض الذي يعدكم من خير ومن نعم من الله . ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: على نفسه في معصية الله بسفك الدماء، أو بفعل الحرام، ﴿كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] أي: مفتري، يفتري على الله . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2733

تفسير سورة غافر [٢٦ - ٢٨] إن الله إذا طمس بصيرة العبد فإنه يصبح لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، بل يدعو على نفسه بالهلاك بدلاً من اتباع الحق المبين، وذلك كفراً وعناداً، وفي هذه الحالة على المؤمن التقي الالتجاء والرجوع إلى ربه سبحانه، وعليه أن يقيم الحجة على خصمه بالتي هي أحسن.

стр. 2734

تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه لا يؤمن بيوم الحساب) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٢٦ - ٣٣]. ذكر الله في هذه الآيات أن فرعون قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، وكان هذا حين أرسل الله موسى ﵊ بالآيات البينات إلى فرعون يدعوه إلى عبادة الله سبحانه، وترك ما هو فيه من كفر وضلال، وعلو واستكبار على الخلق، فقال فرعون: ذروني، أي: دعوني أقتل موسى، (وليدع ربه)، وكأنهم خوفوه من دعاء موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد رأى قبل ذلك كيف دعا عليهم موسى ﵇ فابتلاهم الله سبحانه بالسنين ونقص من الثمرات وغير ذلك من الآيات، فخوفه قومه من دعاء موسى فقال: وليدع ربه، فتهور فرعون في هذا الأمر، وهذه سمة من سمات الكفار: التهور في أمر الدعاء، والتهور مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والتهور مع ربهم ، يتبجحون ويتهورون ويطلبون ما فيه هلاكهم. وقد جربوا مع موسى ﵇ مرات كثيرة كيف أنه دعا عليهم فاستجاب الله دعاءه، فكأنهم خوفوا فرعون من ذلك، لكن الرياسة والملك كانت أهم عند فرعون من أن الناس يخوفونه من دعاء موسى، وأهم عنده من الرجوع إلى الله ، ولذلك قال: (وليدع ربه)، وبين لهم السبب فقال: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] ودينهم هو عبادة فرعون، يعبدونه من دون الله، فإنه قد استخف قومه فأطاعوه، استخفهم فأوهمهم أنه إله، وأنه ربهم، وأن له ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحته، وهم قد كانوا ضعاف العقول، فاستخفهم بطيشه، وبغبائهم، وحماقتهم صدقوه فيما يقول ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، منسلخين عن دين الله سبحانه، خارجين عن طاعة الله . يضحك عليهم فرعون ويخدعهم بكلام باطل ويقول لهم: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، انظر إلى خداعه وكذبه، وانظر إلى غباء هؤلاء الذين معه، فهم تركوا التفكر في الآيات التي جاء بها موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وصدقوا فرعون فيما قال لهم، مع أنه لا أحد منهم يعتقد أن فرعون هذا رب، ولا أنه يستحق العبادة، ولكن فرعون قوي، وهو من منطق القوة يكلمهم: أليس لي ملك مصر؟ من ينازعني؟ هذه الأنهار تجري من تحتي، أليس أنا الذي عملت هذه الأنهار؟ إذاً أنا ربكم الأعلى، فيصدقونه، ويقول: اعبدوني، فيعبدونه من دون الله، فقد كانوا ضعاف العقول، أغبياء، وصفهم الله بذلك: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤]، أطاعوه في غضب الله، وفي معصية الله ، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]. وكذلك كل قوم يتابعون الأقوى حتى ولو لم تكن معه حجة فهم قوم فاسقون، الذين لا يعملون عقولهم، ولا يفكرون في آيات الله، ولا في شرع الله، ولا في دين الله، وإنما ينظرون من القوي فيقولون: نحن مع الأقوى، نخاف على أنفسنا ونخاف على عيالنا ونخاف على بيوتنا، ولذلك نمشي مع الأقوى حتى ولو كان على حساب الدين، وعلى حساب توحيد الله . فهذا فرعون قال: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر:٢٦]، فلا يهمه الدعاء، فاستدعى على نفسه غضب الله سبحانه، واستعجل هلاكه، وكذلك فعل كفار قريش مع النبي ﷺ حين دعوا على أنفسهم، فقد قال أبو جهل وأمثاله: اللهم إن كان هذا - يعني الدين الذي مع النبي ﷺ ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال:٣٢]، بدلاً من أن يطلبوا من الله الهداية إلى هذا الدين؛ طلبوا العذاب والمطر من السماء الذي يكون فيه هلاكهم، فالكافر يستدعي على نفسه غضب الجبار ، ويقرب نفسه من عذاب النار والعياذ بالله، هؤلاء هم الكفار وهؤلاء أسلافهم من قوم فرعون، وأبو جهل كان فرعون هذه الأمة، وهذا فرعون موسى، فهذا طلب الهلاك وذاك طلب الهلاك، وقال: (وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم)، هذا الدين الذي يدعيه فرعون قال: أخاف أن يبدل دينكم فتطيعون موسى وتطيعون الله سبحانه، (أو أن يظهر في الأرض الفساد)، أي: يظهر موسى في الأرض الفساد، وهو يقصد بذلك دين الله . وكذلك الكفار في كل زمان ومكان، ينظرون إلى دين الله سبحانه فينفرون الناس عنه، ويقولون عن أهل الإيمان: هؤلاء هم المخرفون، هؤلاء هم المفسدون، هؤلاء هم الإرهابيون، هؤلاء أصحاب الكتب الصفراء، يرمون أهل الحق بالضلالات وبالباطل، فيقولون عنهم: إنهم أهل الفساد، وقد قالوها عن موسى، وقالوها عن النبي ﷺ ، قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١]، أي: لو كان هذا الدين خيراً ما سبقونا إليه، فصدقهم الجهال وضعفاء العقول، وقالوا: هذا صحيح، فإن فينا فلاناً وفلاناً، كما قال الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]، أي: لو أن القرآن نزل على واحد عظيم من قريش، على أبي جهل مثلاً، أو على عروة بن مسعود الثقفي، لماذا نزل القرآن على محمد؟! هذه نظرتهم الغبية، ولم ينظروا إلى هذا القرآن، وما فيه من إعجاز ومن تحد، فإنه قد تحداهم فلم يقدروا على مثله، فهم لم ينظروا إلى ذلك، وإنما نظروا إلى من الذي نزل عليه هذا القرآن؟ كما نظرت اليهود من الملك الذي ينزل من السماء إلى الأرض بهذا القرآن؟ فإذا كان جبريل فهذا عدونا، ونحن لا نريده وإنما نريد ملكاً آخر أين عقول هؤلاء؟! لم يتفكروا في هذا القرآن، وإنما نظروا بكفرهم وبغبائهم ورأوا أنهم على ملة لا يريدون تركها، فلم يتفكروا فيما جاء من عند رب العالمين . حينما قال موسى متعوذاً بربه سبحانه، لاجئاً إليه، معتصماً به: (إني عذت)، أي: لجأت إلى الله ، واعتصمت به سبحانه، واحتميت به: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧]، متكبر أي: متعظم في نفسه، لا يؤمن بيوم الحساب.

стр. 2735

تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]، والمفسرون اختلفوا في هذا الرجل المؤمن: هل هو من آل فرعون، أي: من قوم فرعون، من أقباط مصر، أم أنه رجل من بني إسرائيل مع موسى؟ وهذا الرجل يكتم إيمانه من فرعون، أي: كأن في الجملة تقديماً وتأخيراً على هذا القول، فيكون المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، والأول أصوب، وهو أنه رجل من قوم فرعون، من آل فرعون، أي: رجل من أهل مصر؛ لأنه يخاطب قومه بعد ذلك ويقول: يا قومي، يا قومي: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١]، فدل على أنه منهم، ولكنه كان مؤمناً ﵁. ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر:٢٨] فهو لم يقل: أنا مسلم مع موسى ﵊، ولكن كتم إيمانه وجادل فرعون وقومه بالحجج، ودعاهم أن يعملوا عقولهم، فما دام أن هذا الرجل جاء لكم ببينة فلماذا لا تنظرون في البينة التي جاء بها؟ لماذا لا تناقشونه فيما جاء به؟ فلعله يكون صادقاً فيصيبكم بصدقه بعض الذي يعدكم، وإن كان كاذباً فالله لا يهدي المسرف الكذاب، فتعالوا نفكر فيما جاء به موسى ﵊ بدلاً من رده، وبدلاً من توبيخه وإرادة قتله. فقال هذا الرجل المؤمن: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] يعني: ما جريمته؟ هل أجرم معكم؟ هذا الرجل يتكلم فلماذا لا تناقشونه بالحجة وبالعقل بدلاً من قتله؟ هل لأنه يدعوكم إلى الله تقتلونه؟ قال: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر:٢٨] إذاً: له عذره، فقد أتاكم ببينات، ففكروا في هذه البينات، وانظروا في هذه الآيات، ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨]، وبدأ بتقديم الكذب على الصدق لأنه هو منهم ويكتم أنه مؤمن فقال: إن يكن موسى هذا كاذباً فعليه كذبه، وربه سيعاقبه؛ لأنه يكذب عليه، وإن كان صادقاً فاتباعه فيه الفلاح والنجاة لنا جميعاً. ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨]، مسرف، أي: على نفسه في المعاصي، وكذاب: يكذب على الخلق ويكذب على الخالق . هذا قول الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، وقد ناقش الموضوع بكلام طيب، حيث انتقل من شيء إلى شيء، حتى إنهم في النهاية علموا أن هذا مؤمن مع موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام.

стр. 2736

أبو بكر الصديق ومؤمن آل فرعون هذا الرجل العظيم كان مثله في أمتنا سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، حيث يذكره علي ﵁ ويقول: أبو بكر الصديق خير من مؤمن آل فرعون، مؤمن آل فرعون كان يكتم إيمانه وأبو بكر الصديق كان يظهر إيمانه ﵄. وهناك قصة ذكرها الإمام البخاري مختصرة، وساقها الإمام أحمد مطولة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ حيث سأله عروة بن الزبير فقال له: ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله ﷺ ؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوماً في الحجر، أي: عند الكعبة في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط! سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم! يذكرون هذا بنوع من التغيظ على النبي ﷺ ، وبنوع من إيقاد الشر عليه ﵊، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، أي: أراد أن يطوف بالكعبة ﵊، ثم مر بهم طائفاً وهم عند الحجر فغمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، أي: شتموا النبي ﷺ ، فعرف عبد الله بن عمرو بن العاص ذلك في وجهه، أي: رأى وجه النبي ﷺ تغير وغضب ﷺ لما قالوا، ولكن صبر ﷺ ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، قال: فعرفت ذلك في وجهه ثم مضى، فلما مر بهم الثالثة غمزوه بمثلها، فقال لهم ﷺ : (أتسمعون يا معشر قريش؟! أتسمعون يا معشر قريش؟! أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح)، أي: بهذه الشريعة التي فيها استئصال الكفار الذين يظهرون العداوة للنبي ﷺ ولدين الله . قال عبد الله بن عمرو: فأخذت القوم كلمته ﵊، فكأنهم فزعوا مما قاله ﷺ ، وأسكتهم الله فلم يقدروا على الرد والجواب، قال: حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدهم على النبي ﷺ قال له: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولاً، يعني: اتركنا في حالنا، فانصرف النبي صلوات الله وسلامه عليه. حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، قال عبد الله بن عمرو: وأنا معهم، أي: كان ما زال كافراً، قال: فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منه، وما بلغكم عنه، حتى إذا بدأكم بما تكرهون تركتموه، أي: بدأ بعضهم يحرض بعضاً على النبي ﷺ ، فبينما هم كذلك إذ طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا إليه وثبة رجل واحد يريدون أن يضربوه، ويريدون قتله ﵊. قال: فأحاطوا به يقولون له: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ مما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، يقولون: أنت تشتم آلهتنا، وتشتم ديننا، قال: فيقول رسول الله ﷺ : نعم أنا الذي أقول ذلك، فقد كان شجاعاً صلوات الله وسلامه عليه، فلا يهمه أمرهم، مع أنهم قاموا له قومة رجل واحد، ولا أحد يوجد ليدافع عنه ﷺ إلا حين بلغ ذلك أبا بكر رضي الله تعالى عنه، يقول عبد الله بن عمرو: فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه، فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقال: ذروه، أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله؟! ثم انصرفوا عنه. هذا في رواية الإمام أحمد، وفي رواية الإمام البخاري قال: فجاءوا للنبي ﷺ وهو يصلي، فهجموا عليه وهو يصلي ﷺ فوضع أحدهم رداءه في عنقه، وهو المجرم الملعون عقبة بن أبي معيط لعنة الله عليه وعلى أمثاله، فوضع رداء النبي ﷺ في عنقه فخنقه خنقاً شديداً، فجاء أبو بكر ﵁ فدفعه عنه وقال: أتقتلون رجلاً أن يقول: ربي الله وقد جاءكم بالبينات؟! فهجموا على أبي بكر ﵁، وضربوا أبا بكر ضرباً شديداً، فرجع أبو بكر ﵁، فجعل لا يمس شيئاً من شعره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام. أبو بكر الصديق أظهر إيمانه ودافع عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ونصر الله به هذه الأمة في حرب الردة لما توفي النبي ﷺ وارتد من ارتد عن دين الله ، فقام أبو بكر وحده وثبطه كثيرون، فأبى إلا أن يقوم لينصر دين الله ، وقال: لأقاتلن حتى تنفرد سالفتي، أي: أقاتل هؤلاء المرتدين حتى أكون وحدي لا أحد معي، أقاتل حتى تنفرد سالفتي، يعني: حتى أقتل، فيكون معه عذر عند الله، فأيد الله به هذا الدين، وقام الناس معه، ورجع دين الله إلى ما كان، ونشر الله هذا الدين بفضله ثم بما صنعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فهذه مقولته وهذه مقولة مؤمن آل فرعون قبله: أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ هذا دافع عن موسى وذاك دافع عن نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه. نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يثبت المؤمنين في كل زمان ومكان. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2737

تفسير سورة غافر [٢٨ - ٣٤] ذكر الله سبحانه قصة الرجل المؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه، ودعوته لقومه وتحذيره لهم، ولما توعد فرعون بقتل موسى حذره من قتله، وذكر له كيف أن الله أهلك الأمم السابقة بسبب تكذيبهم لرسلهم، وقال: كيف تقتلون رجلاً لأنه يقول: ربي الله، وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق؟! وبعد أن خوفهم بالعقوبة في الدنيا حذرهم من عقاب الله لهم في الآخرة، ولكنهم لم يستجيبوا ولم يرعووا.

стр. 2738

تفسير قوله تعالى: (وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٢٨ - ٣٤]. عندما ذكر الله أن مؤمن آل فرعون دافع عن موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام عندما غضب فرعون من موسى وأراد قتله، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]، فتعوذ موسى بربه، ولجأ إليه، واعتصم به ، قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر:٢٧] فانبرى هذا الرجل المؤمن، وهو من قوم فرعون، أي: من أقباط مصر، وليس من قوم موسى، أي: ليس من بني إسرائيل، وكأن الرجل له مركز بحيث إنه يكلم فرعون ويكلم من معه وينصحهم، فقام هذا الرجل المؤمن، وكان يكتم إيمانه حتى أظهره بعد ذلك، فقال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر:٢٨]، أي: أتحاسبون موسى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- على ما يتكلم به ولم يجرم في حقكم؟ فهل قوله: ربي الله يعتبر جريمة يستحق عليها أن يقتل؟ وليس فقط يقول هذا، ولكنه جاءكم ببينات وبأشياء تدل دلالة واضحة على صدقه فيما يقول، قال تعالى: ﴿وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] أي: لنفرض أنه كاذب فهو يتحمل هذا الكذب، ولكن لو كان صادقاً فماذا يكون الأمر؟ قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر:٢٨] فإذا كان صادقاً فوافقتموه واتبعتموه أصابكم الذي يعدكم من بركات السماء والأرض، وأصابكم وعد الله سبحانه بأن يدخلكم جنات النعيم في الآخرة، وإن لم تتبعوه أصابكم بعض الذي يعدكم من عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر:٢٨] المسرف: هو من أسرف على نفسه بالمعاصي، والكذاب: هو الذي يكذب على الخلق ويكذب على الخالق .

стр. 2739

تفسير قوله تعالى: (يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض) قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] واضح أن خطاب هذا الرجل المؤمن مع قومه فيه التلطف وفيه اللين وفيه الحجج العقلية والإقناع، فلم يأمرهم مباشرة، ولكنه تلطف في الوصول بهم إلى أن يعرفوا الحق، ويحكموا عقولهم فيما يقوله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقال متلطفاً بهم: يا قوم أنا أريد لكم الخير، وهنا أظهر هذا المؤمن الإيمان الذي أبطنه في قلبه، فخوفهم من بطش الله وبأسه في يوم القيامة، وقال لهم قبل ذلك: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ﴾ [غافر:٢٩] والظهور: هو العلو والرفعة في الأرض، فهم ملوك في الأرض، وكانت لهم المناصب والقوة، ولكن يوم تأتون إلى ربكم سبحانه لا حول لكم ولا قوة، وقد كانوا في الدنيا عالين في الأرض، وغالبين غيرهم، قال: ﴿فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر:٢٩] أي: إذا جاءنا العذاب من عند الله فمن الذي يدفع عنا نقمته وعذابه؟ فهذه الحجج العقلية التي قالها تقتضي أنه لا بد وأن يؤمنوا بما يقول، فقد جاءهم موسى بتسع آيات بينات، وكانوا يرونها ولا يقدرون عليها أبداً، وهي: يده التي أخرجها من جيبه فإذا هي بيضاء للناظرين، وألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين، فكذبوا واعرضوا فأرسل الله عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم آية وراء آية، فكل آية تأتيهم من هذه الآيات يجأرون إلى موسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف:١٣٤]، فهم عرفوا أنهم لا قبل لهم ولا طاقة لهم بهذه الآيات التي يأتيهم بها موسى من عند ربه . وفرعون فهم ذلك، ومع ذلك استخف بمن معه، فملكه ورياسته جعلته لا يأبه لذلك، المهم أن يكون هو الغالب العالي على غيره، فطرد موسى وأظهره أمام الخلق أنه كذاب، فقال فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾ [غافر:٢٩] فالإنسان الذي بيده القوة والمنصب والرياسة، إذا أقنعته بالعقل في أشياء معينة لا يعمل عقله فيها، فالرأي رأيه طالما أن القوة معه، وهذا في كل الأرض يحدث ذلك، فمهما تكلم البشر عن الحرية وعن المساواة وعن العدل وعن الديمقراطية وعن كذا وكذا، فإنهم يكذبون إذا لم تكن شريعة الله تحكمهم، فلا بد من وازع في القلب، فالقلب يخاف من الرب ، ويجعل الإنسان لا يعصي الله ويمتنع من أخيه الإنسان أن يؤذيه؛ لأنه يعلم أنه سيرجع إلى الله وسيحاسبه يوم القيامة. أما الخوف من الحكومة أو من الشرطة أو من القوة فهذا خوف في الظاهر، وهذا في طبيعة البشر، فلذلك ربنا سبحانه نزل الشريعة التي فيها الحكم بالعدل، وفيها التخويف من الله بأنه سيجازي ويحاسب الناس يوم القيامة، وأنهم إليه راجعون ليحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون، وفيها الحكم الذي يُحْكَم به العباد، فيأمر الله السلطان بأن يحكم بما أنزل الله، فيقطع يد السارق، ويرجم الزاني الثيب، ويجلد الزاني البكر، ويجلد من يقذف المحصنات المؤمنات وهكذا، فيقيم الحدود التي أمر الله بإقامتها.

стр. 2740

صاحب القوة هو صاحب القرار في شريعة الغاب والشيء الذي يجعل الناس يخافون من الوقوع في المعاصي هو ما في قلوبهم من الإيمان، فإذا لم يكن فيها إيمان فمهما ادعى الإنسان الحرية والمساواة والعدالة فهذا كذب كله، والعالم كله يتكلم عن العدالة وعن المساواة وعن الحرية وعن كذا وكذا، لغاية ما تعلو دولة من الدول، وفي النهاية تكون النتيجة بحسب ما يريدون، فيحتلون بلاد المسلمين لأنهم ضعاف مغلوبون منكوسون، أما الدولة القوية أمريكا فهي أعلى الدول، ومن حقها أن تفعل ما تشاء، فالمسلون ليس معهم قوة مثل قوتها من أجل أن يقولون لها: لا تفعلي كذا، فتتكلم أمريكا بمنطق فرعون وبمنطق الغابة: نحن الأقوى وصوتنا الأعلى نحن الذين نتكلم وغيرنا يسمع نحن الذين في أيدينا أن نؤدب من نشاء، وأي دولة أو رئيس دولة يمشي شمالاً أو يميناً فإننا نؤدبه ونسجنه ونبعث له القوات وغيرها!! فهم يكذبون وجنودهم يقتلون ويدنسون المصاحف، ولا أحد يقدر أن يمنعهم، فأين الحرية؟ وأين المساواة؟ وأين العدل؟ وأين الديمقراطية؟ فكل ما يدعونه كذب، فليس يحكمهم شيء من عند ربنا ، فالذي يحكمهم هو قانون الغاب للأقوى، فيعملون ما يريدون، وغيرهم يمنع عن ذلك، فيصنعون القنبلة الذرية ويمنعون غيرهم، ومن أراد أن يصنعها فإنه يفتش ويعاقب ويحتل دياره وأرضه بدعوى أنه يصنع سلاح الدمار الشامل! أما هم فلا؛ لأنهم الأقوى فيفعلون ما يشاءون، فهذا منطق الغابة، الذي تفعله أمريكا وأوروبا وكل من يملك القوة.

стр. 2741

سبب تسلط اليهود على المسلمين ولذلك فإن ربنا أمرنا بأن نعبده فعصيناه، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال:٦٠] فقلنا: منطق القوة كان زمان الاستعمار، ونحن في هذا الوقت في حرية ومساواة وعدالة وتنوير وكذب وضلال وبعد عن ربنا ، ففجر الكثيرون من المسلمين، وتركوا دينهم وراءهم ظهرياً، وحاربوا ربهم ، فاستحقوا الضلالة التي هم فيها، واستحقوا سخط الله . والمسلمون يحاربون ربهم بأفعالهم المخالفة، فترى النساء العاريات يحاربن الله ، فإذا قلت لعارية منهن: اتقي الله، قالت لك: وأنت ما لك؟! هذا شأني وليس لك دخل بي! فتحارب ربها جهاراً نهاراً وتأبى أن تطيع الله ، وإذا قلت لرجل: كيف تترك ابنتك عريانة هكذا؟ رد عليك: وأنت ما لك، اتركها حرة فإنها لا تزال صغيرة، يا أخي! أنتم تريدون أن تكتفوهن وتدخلوهن داخل الخيمة وتلبسوهن النقاب، وتعملوا لهن كذا وكذا فهؤلاء لا يستحقون النصر أبداً، ولا يستحقون إلا ما فعله الله ببني إسرائيل، الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة، فسلط بني إسرائيل على المسلمين، فإذا بهم يدوسونهم بالأقدام في كل مكان في العالم. فإسرائيل تعلن للعالم أن الذي يتكلم عن اليهود فإنه يحارب السامية، ومن فعل ذلك فوفقاً للقانون أنه يسجن، أما هم فيتكلمون ويتبجحون والمسلمون قد أخرسوا وسكتوا؛ لأنهم حاربوا ربهم سبحانه؛ ولأنهم كذبوا على الله، وأكلوا السحت، وانتشر بينهم الفساد، وانتشرت فيهم الأخلاق الكاذبة، ولا يقبل أحدهم أن ينصح في الله أو يقبل النصيحة، فمن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر يقول الناس عنه: فلان رمى بنفسه إلى المخاطر! فمنطقهم: أنا في حالي وأنت في حالك، واترك الإجرام ينتشر، والزنا يكثر، والفواحش تملأ الدنيا، وليس لك دخل في ذلك! فكان منطقهم مثل منطق فرعون لما قال لقومه: ما أريكم إلا ما أرى، فأنا على الحق، وأنا المبصر وأنتم العميان، فقال لهم كما قص الله ذلك ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١]، أي: أليس أنا الملك؟ فهذه الأنهار التي تجري من تحتي هي من عملي، أفلا أستحق أن أكون رباً؟ فيجيب قومه: بلى أنت الرب، قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف:٥٤] أي: لعب بعقولهم الخفيفة، ويبدو أن هذه كانت طبيعة المصريين في الماضي، وأن الذي يملكهم فإنه يقنعهم بمنطق العصا، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤]، ومعنى فاسقين: خارجين عن دين الله وطاعته . وفرعون قال لقومه لما ناقشه الرجل المؤمن بالبينات وبالمنطق وبالعقل: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]، أي: أنا وحدي فقط الذي أعرف سبيل الحق والرشاد! وموسى لا يعرفه ولا غيره، فأنا الذي أهديكم إلى الحق، فاعبدوني، والعياذ بالله!

стр. 2742

تفسير قوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] أي: يا قوم! خافوا من ربكم ، وتذكروا ما الذي صنع بمن قبلكم؟ الذين تحزبوا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتجمعوا عليهم بالباطل وأرادوا الكيد لهم، فأهلكهم الله تعالى، وهم قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، قال الله تعالى: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [غافر:٣١] فأين ذهب قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود والذين من بعدهم؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر:٣١] أي: الله لا يريد الظلم بالعباد، وإنما يريد أن يحق الحق . فخوفهم بالعقوبة في الدنيا كما حدث للسابقين، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت:٤٠] فالسابقون عاقبهم الله في الدنيا قبل الآخرة، فاحذروا أيها القوم من عقوبة الله لكم في الدنيا ثم عقوبته يوم القيامة.

стр. 2743

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد) قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] يوم التناد: هو يوم التناجي، يوم ينادي الناس بعضهم بعضاً، ويستجير بعضهم ببعض فلا مجير ولا عاصم ولا ملجأ من الله إلا إليه. وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] هذه الآية فيها قراءتان: قراءة ورش وابن وردان بوصل كلمة (التناد) بما بعدها، فيثبتان الياء، وعند الوقف عليها يحذفان الياء. أما ابن كثير ويعقوب فيقرأان: (يوم التناد) وصلاً ووقفاً. ويوم التناد: هو يوم القيامة، مأخوذ من النداء الذي هو الصراخ، فإنه يصرخ بعضهم على بعض، وينادي بعضهم بعضاً، فيقول أهل الجنة لأهل النار: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف:٤٤] وينادي أهل النار أهل الجنة، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف:٥٠] فيرد عليهم أهل الجنة: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف:٥٠]. وينادي أصحاب الأعراف أناساً يعرفونهم بسيماهم، قال تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الأعراف:٤٨] فأصحاب الأعراف ينادون المستكبرين من أهل النار: هل رأيتم عذاب رب العالمين؟ هل رأيتم وعد الله وقد تحقق بكم؟ ويتعوذون بالله أن يجعلهم معهم، والملائكة تنادي أهل الجنة وأهل النار فيرفعون أعناقهم إلى النداء، فيرون الموت ويقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، فيذبح الموت بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. وينادي أهل النار مالكاً، قال تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]. وينادون ربهم فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٧] فيوم القيامة هو يوم التناد. قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: [٣٢ - ٣٣] وهذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] فكل إنسان يهرب من الآخر، ويقول: نفسي نفسي، قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر:٣٣] أي: يعطي كل واحد منهم دبره للآخر، ويفر منه ويعطيه ظهره، ويمشي بعيداً عنه، فلا الزوج ينفع زوجته، ولا المرأة تنفع زوجها، ولا الابن ينفع أباه وهكذا، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر:٣٣] أي: من منجٍ يعصمكم ويدافع عنكم أمام عقوبة رب العالمين سبحانه، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [غافر:٣٣] أي: من أضله الله وختم على قلبه فمن الذي يهديه من بعد الله ؟!

стр. 2744

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات) قال لهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] يعني: أن موسى ليس جديداً عليكم بأن يدعوكم دعوة التوحيد، فيوسف كان من قبله ودعا ملك مصر إلى ربه ، وكان على خزائن الأرض يحكم بالعدل، ويوحد ربه ، ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر:٣٤]، فمنكم من آمن وصدق، ومنكم من شك فيه وكذب، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر:٣٤]، أي: توفاه الله سبحانه، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤]، أي: زعمتم أنه آخر الرسل ولن يأتي إليكم من بعده أحد قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2745

تفسير سورة غافر [٣٤ - ٣٧] يخبرنا الله في هذه الآيات وما قبلها عن مناظرة وجدال الرجل الصالح مؤمن آل فرعون لفرعون ومن معه، وأنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة، وذكر لهم ما حل بالأمم السابقة التي كذبت الرسل، كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم، وكيف أن الله أهلكهم بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، ومع هذا كله أصر فرعون على كفره وطغيانه، حتى أهلكه الله وقومه بأن أغرقهم في البحر.

стр. 2746

تفسير قوله تعالى: (ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤]. يخبرنا الله في هذه الآية وما قبلها عن مناظرة وجدال مؤمن آل فرعون لفرعون ومن معه، ودعوتهم إلى أن ينظروا في كلام موسى وأن يتريثوا، فلا يحكموا عليه حتى يروا ماذا يقول، وحتى يتدبروا كلامه عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكان يخاطبهم بقوله: يا قوم! يا قوم! يتلطف معهم، ولم يظهر لهم إيمانه في البداية لعلهم يحكمون عقولهم، وحتى لا يصدوه عن سبيل الله إذا علموا أنه مؤمن، فكأن هذا المؤمن التقي أخفى إيمانه من هؤلاء خوفاً منهم، هذه ناحية، والناحية الأخرى: أنه أخفى إيمانه لأنه لو بدأ وقال: أنا مؤمن مع موسى، لكذبه فرعون ولأعرض عنه ولم يستمع إلى ما يقوله، ولذلك كتم إيمانه في البداية وبدأ يقول: تفكروا إذا كان هذا الرجل كاذباً فالله سيحاسبه على كذبه، وإذا كان صادقاً فسيصيبكم بعض الذي يعدكم، وهو يعدكم بأنكم إذا آمنتم فلكم الجنة، وإذا كفرتم فلكم النار، وقد جربتم العذاب قبل ذلك، فلم لا تفكرون فيما يقول موسى ﵇؟ ثم ذكرهم بما حدث للأمم السابقة فقال: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ﴾ [غافر:٣٠] قوله: (مثل يوم) أي: جنس الأيام التي جرت على الأحزاب الذين كانوا من قبلكم، قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وغيرهم ممن تحزبوا على أنبياء الله وأرادوا إيذاءهم وقتلهم، فجاءهم العذاب من عند الله ، فخوفهم بعقوبة الدنيا، ثم خوفهم بعقوبة الآخرة فقال: ﴿وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر:٣٢] أي: يوم القيامة يوم يستغيث بعضكم ببعض فلا ينفع بعضكم بعضاً. ثم ذكرهم هذا الرجل المؤمن بأنه قد جاءهم قبل موسى نبي آخر وهو يوسف ﵇، جاء إلى مصر وكان يعمل على خزائن الأرض حفيظاً وأميناً ووزيراً لملك مصر، ودعاهم إلى دين الله ، فهو لما كان في السجن قال لمن معه: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٣٩ - ٤٠] فأخبرهم بأن الإله الواحد سبحانه خير، وأن الأرباب المتفرقة التي تدعى شر، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] أي: لفسدت السماوات والأرض، والمعروف عند البشر أنه إذا وجد أكثر من رئيس في مكان واحد يتعارض هذا مع هذا، وكل منهما يريد أن ينفذ ما يريد، فإذا كان هناك مركب واحد فيها رئيسان فستغرق المركب في النهاية؛ لأنه لا يصلح للسفينة إلا ربان واحد، ولا يصلح للعمل إلا رئيس واحد، فكيف يكون لهذا الكون كله أكثر من إله يحكم فيه ويدبره؟ قال تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف:٤٠] أي: أنهم سموا أشياء فعبدوها من دون الله سبحانه، عبدوا البقر وعبدوا العجل وعبدوا القمر وعبدوا الشمس وعبدوا أشياء كثيرة، حتى جاء فرعون فاستكثر هذه الأشياء ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] كأن لهم أرباباً غير الله وهو الرب الأعلى لهؤلاء، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [الزخرف:٥٤].

стр. 2747

دعوة يوسف قبل موسى ﵉ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٣٤] أي: بالحجج النقلية من ربه ، وناقشكم بالحجج العقلية، ورأيتم ما قال لكم، ﴿فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر:٣٤] أي: توفي يوسف النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر:٣٤] فتطاول عليكم الأمد فرجعتم إلى عبادة غير الله سبحانه، ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر:٣٤] أي: كهذا الضلال الذي صرتم فيه وصرتم إليه ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] فهم قد ضلوا بعد يوسف على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وتشككوا فيما يقول، ولما مات يوسف قالوا: انتهى أمر الرسالة وأمر النبوة، ولن يأتينا رسول آخر، ارجعوا إلى عبادة غير الله ، فتشككوا في أمرهم فعبدوا غير الله، فمثل هذا التشكك ومثل هذا الضلال الذي صاروا إليه يضل الله كل إنسان يسرف على نفسه بمعصية الله . والإسراف: هو التجاوز للحد في معصية الله سبحانه، فالإنسان الذي يعصي ربه سبحانه ينكت الله في قلبه نكتة سوداء، فإذا عصى ثانياً فعل به هكذا، وإذا عصى ثالثاً فلا يزال يطبع على قلبه بنكتة سوداء وأخرى سوداء وثالثة سوداء حتى يصير في غفلة، فيضله الله سبحانه فلا يتبين له الهدى أبداً. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر:٣٤] أي: من هو متشكك في دين الله سبحانه.

стр. 2748

تفسير قوله تعالى: (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] أي: هؤلاء المسرفون وهؤلاء المرتابون الذين يجادلون بغير بينة، وإنما يجادلون للجدل فقط، ولذلك الشياطين توحي إلى هؤلاء بأن جادلوا المؤمنين حتى يرجعوا عن دينهم وحتى يتكلموا بالباطل، فهذا الإنسان المبطل يفرح بما يقول، فهو يجادل للجدل فقط، فتراه يقول لك: أنا ناظرت فلاناً وغلبته، وناظرت فلاناً فلم يعرف أن يرد علي! تجده يفرح بما يقول، حتى لو كان ما يقوله كلاماً ساقطاً باطلاً فهو معجب بما يقوله، قال : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١]، فهؤلاء المجادلون في آيات الله بغير حجة وبغير بينة وبغير دليل أتاهم به الله سبحانه يضلهم الله؛ فهم المسرفون المرتابون. قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٣٥] أي: صار شيئاً كبيراً عظيماً فاحشاً عند الله وعند المؤمنين أن يجادل إنسان بالباطل في دين الله سبحانه، وكبر مقت وغضب الله على صاحبه، ويبغضه أشد البغض، فالمقت أعظم الكراهية، والمبغوض والمكروه عند الله وكذلك عند المؤمنين من يجادل بغير حجة وبغير بينة. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر:٣٥] هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو عمرو وابن عامر: (على كل قلبٍ متكبرٍ جبار) أي: الذي طبع على قلوب من قبله وجنوده وملئه سيطبع على قلوبهم، وكذلك كل إنسان يتكبر على دين الله سبحانه، ويتكبر على رسل الله، ويتكبر على من يدعوه إلى الله يصير جباراً قاسي القلب صلباً عنيفاً قاسياً؛ لأن الله يطبع على قلبه، فقوله: ((كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)) كأن المعنى على قراءة الجمهور: يطبع الله على قلوب الجبارين جميعهم قلباً قلباً، كل واحد يختم الله على قلبه فلا يفقه ولا يفهم ولا يعي ما يقول، فإذا به يهرف بما لا يعرف، ويتكلم ويخوض فيما لا يعنيه، فيجادل في الله وفي آيات الله وفي رسل الله عليهم الصلاة والسلام بغير بينة. أما القراءة الأخرى وهي قراءة ابن عامر وقراءة أبي عمرو: ((كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ)) فيكون المعني: أن صفة هذه القلوب الاستكبار والتجبر، فيطبع الله على كل قلب صفته أنه متكبر وجبار، وصفة القلب هذه هي صفة لصاحبها، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح سائر الجسد، وإذا فسدت فسد سائر الجسد، ألا وهي القلب)، فقلب الإنسان إذا كان صالحاً حكم بالصلاح على جميع الإنسان، وإذا كان فاسداً حكم بالفساد على الجميع، فالقلب هو الملك والأعضاء الرعية، فإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد الملك فسدت الرعية، هذا هو المعنى الثاني على القراءة الثانية.

стр. 2749

تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً وما كيد فرعون إلا في تباب) قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] أي: أن فرعون يريد أن يريهم بالتجربة العملية أن موسى هذا كذاب، فقال: ((يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ)) أي: ابن لي هرماً عالياً قوياً من أجل أن أطلع على الإله الموجود في السماء، فإن اطلعت عليه وإلا فهو كذاب، والنتيجة عند فرعون موجودة من قبل أن يستشير الناس، فقد قال: ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)) أي: من الآن كونوا على يقين أن موسى كذاب، لكن أن سأطلع من أجل أن أبين لكم أن هذا كذاب فيما يقول. وقوله: ((وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ)) هامان هو وزير فرعون الذي غره منصبه عن دين الله سبحانه، وعن النظر في آيات سبحانه، وعن التدبر فيما يقوله موسى ﵊، وظل يسير وراء فرعون، ويصدقه فيما يقول، فكان معه في الدنيا وسيكون معه في النار يوم القيامة والعياذ بالله. قوله: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر:٣٦] أي: ابن لي بناءًَ عالياً جداً حتى أصل إلى السماء، وأبحث فيها هل يوجد إله أم لا؟ ففرعون يستخف بقومه، قال: ((لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ)) أي: سأصل إلى أبواب السماء وسأفتح الأبواب، وسأنظر هل فيها إله أم لا؟ وسأنزل إليكم لأخبركم بما رأيت، لكن اعلموا أن النتيجة معلومة من الآن أن هذا كذاب. قال الله تعالى: ﴿أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] الأسباب بمعنى: الطرق، أو ارتفاعات السماء، أو الأمور التي تستمسك بها السماوات، فكأنه يقول: سنطلع نفحص السماء وننظر هل يوجد فيها إله كما يقول موسى أم أنه لا يوجد فيها إله. قال تعالى: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر:٣٧] قوله: (فأطلع) يقرؤها بالنصب على السببية حفص عن عاصم فقط، وباقي القراء يقرءونها: ((فَأَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى)) على العطف، وتأتي بمعنى (ثم) للتراخي، فعلى الأولى: ابن لي صرحاً حتى أبلغَ الأسباب وحتى أطلعَ، فنصبت على ذلك، وعلى الرفع (فأطلعُ) كأنه يقول: ابن لي صرحاً فأصعد على هذا الصرح ثم سأطّلِعُ وأنظر إلى هذه السماوات حتى أثبت لكم أن موسى يكذب عليكم. قال: ((وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا)) أي: كأن فرعون متشكك هل أموسى كذاب أو ليس بكذاب، فيقول لهم: أنا أظن أنه كذاب، وسأطلع إلى السماء لأؤكد لكم كذبه، ففرعون متشكك، ومع أنه يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤] ويقول: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] فكيف بإله يحكم بالظن؟! وهو يريد أن يبحث هل يوجد إله آخر أم لا؟! قال تعالى: ((وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ)) أي: وكذلك بمثل هذه الصورة قد زين لفرعون سوء عمله، فهو رجلٌ عنده مال ومنصب وقوة، ولديه قوم خفاف العقول يسمعون لكلامه ويطيعونه، فزين له سوء عمله، فتراه يفرح بالذي يقوله، فكلما أتى بشيء كأنه أتى بما لم يأت به أحد قبله، ويعتقد أنه رجل ملهم؛ فهو يقول والناس تصدقه وتصفق له فيما يقول، وكذلك الضلال مثله يزين لكل ضال سوء عمله، فإذا به لا يقول شيئاً إلا ومن حوله يصفقون له، فيفرح بذلك. وهذه عقوبة من الله لكل ظالم؛ أنه يتركه مع شيطانه يزين له السوء، حتى يرى الخطأ ويرتكبه ويتأول لنفسه أنه على صواب، وأن ما يفعله هو الخير الذي لا بد أن يفعله. قوله: ((وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ)) أي: صده الله عن الحق بأن ختم وطبع على قلبه، وقوله: ((وَصُدَّ عن السبيل)) هذه قراءة الكوفيين عاصم وحمزة والكسائي وخلف، وقراءة يعقوب وباقي القراء: ((وَصَدَّ عَنِ السَّبِيلِ)) والمعنى: أنه زين له سوء عمله ففرح بما هو فيه من باطل، وتزين له الباطل أمامه فعمل به، وصد الناس عن سبيل الله . قال تعالى: ﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ﴾ [غافر:٣٧] أي: كيد فرعون في هلاك وخسارة، يقول الله سبحانه: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق:١٥ - ١٦] فإذا كاد الله لواحد من خلقه فلابد أن يغلبه وأن يقهره وأن يذله ويفضحه، كما فعل بفرعون لعنة الله عليه وعلى أمثاله، قال سبحانه: ((وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ)) أي: وما عمل فرعون فيما يكيد لموسى ويدبر من مؤامرات لموسى ليهلكه هو ومن معه، فإن كيده فِي تَبَابٍ وفي خسران وهلاك وضياع وباطل؛ لأنه يكيد لأنبياء الله ولأولياء الله، فالله يكيد له، ولذلك أخذه الله من حيث لم يحتسب، فظن أنه سوف ينجو من اليم فأغرقه الله فيه. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2750

تفسير سورة غافر [٣٨ - ٤٥] إن الدعوة إلى الله سبحانه تستلزم اللين والرفق فيها مع الناس، ولنا في مؤمن آل فرعون قدوة في ذلك، فهو قد دعا قومه بكل رفقٍ ولين، ولكنهم أرادوا قتله، فوقاه الله شرهم.

стр. 2751

تفسير قوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٣٨ - ٤٣]. في هذه الآيات يذكر الله لنا مناظرة مؤمن من آل فرعون من أهل مصر لفرعون ومن معه، وقد أراد فرعون -كما تقدم- أن يقتل موسى ومن معه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦] فانبرى هذا الرجل المؤمن مدافعاً عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقائلاً لهؤلاء: علام تقتلون هذا الرجل؟ تقتلونه لأنه يقول ربي الله؟ وماذا في ذلك؟ وقد جاءكم ببينات من عند ربه وقد رأيتم هذه البينات، فإن أطعتم هذا الرجل فيما يقول فإن كان صادقاً أصابكم بعض الذي يعدكم، وإن كان كاذباً فكذبه على نفسه وسوف يحاسبه ربه على ذلك. قال : ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨] بدأ الكلام معهم وهو يقول: يا قوم، وكان يكتم إيمانه، فلم يزل يناظر ويذكر شيئاً فشيئاً ليتدبروا بعقولهم، حتى كشف لهم عن أمر نفسه، فقال: (اتبعوني)، أي: أطيعوني (أهدكم سبيل الرشاد)، وكان قبل ذلك قد كذب فرعون موسى وأنهى الحوار معه، قال تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] أي: رأيي هو الصواب، والذي أنا أقوله هو الذي سينفذ، ثم أراد أن يريهم آية لنفسه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ﴾ [غافر:٣٦] أي: اجعل لي قصراً عظيماً وهرماً عالياً جداً من أجل أن أصعد إلى السماء وأنظر أين إله موسى الذي يزعمه، وأنا على يقين أنه كاذب، فلا يوجد إله في السماء، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ﴾ [غافر:٣٧] إنَّ الذي زين لفرعون سوء عمله وزين له الكفر فاتبع هواه وقال: أنا ربكم الأعلى هو الشيطان، والله ختم على قلبه، فلا يفهم ولا يفقه شيئاً، فهو يسير في طريق الضلالة، فقد أضله الله ؛ لأنه أعجب بنفسه، وأعجبه رأيه، ولم يستمع إلى داعي الله، ولم يستمع إلى موسى الذي جاء بالآيات من عند الله . فلما قال فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] قال هذا المؤمن: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨] أي: سبيل الرشد، طريق الله الذي ترشدون فيه وتعقلون فيه وتفهمون الحق، وتستحقون من الله أن يدلكم على الجنة وأن يدخلكموها، فقوله: (أهدكم سبيل الرشاد) أي: طريق الهدى وطريق الجنة.

стр. 2752

تفسير قوله تعالى: (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) قال الله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] فهو لما كان يكتم إيمانه كان يقول: يا قوم، ولما أظهر لهم الإيمان تجد في قوله الحنان والرفق في الدعوة إلى الله ، يعني: إني خائف عليكم، فأنتم قومي، وأنا أدعوكم إلى الله ، فاستجيبوا لي فأنا مشفق عليكم. قال تعالى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر:٣٩] فالإنسان يتمتع في الدنيا بشبابه، ويتمتع بجماله ومنصبه وماله وأولاده، كل ذلك متاع الدنيا، ولن يدوم هذا المتاع أبداً، فإذا اغتر الإنسان بشبابه سرعان ما تأتيه الكهولة والشيخوخة، ويرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئاً، ومهما ادخر الإنسان المال فإنه سيتركه لمن يرثه، فيستمتع قليلاً ثم يترك هذا الذي استمتع به. ويستمتع الإنسان بجماله حتى يظن أنه لا شيء أجمل منه، ثم تأتي عليه أعراض هذه الدنيا، وسرعان ما يزول ذلك، وتكون المرأة في أوج جمالها فتكبر في السن شيئاً فشيئاً ويذهب هذا كله، فالدنيا كلها متاع يستمتع بها الإنسان شيئاً، وما استمتع به زال بعد ذلك وتركه هذا الإنسان أو تركه هذا المتاع. ومن البديع في القول المقابلة بين الدنيا والآخرة، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ﴾ [غافر:٣٩] وقابلها بالآخرة فقال: ﴿وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر:٣٩] أي: دار الاستقرار إما إلى جنة وإما إلى نار، فأهل الجنة يستقرون فيها، وأهل النار يستقرون فيها، والدنيا دار زوال وسفر للإنسان، يرحل في هذه الدنيا إلى الآخرة حتى يصل إلى قبره ثم إلى الجنة أو إلى النار.

стр. 2753

تفسير قوله تعالى: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها) قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] السيئة: الشرك فما دونه، إذا أساء الإنسان جوزي على هذا العمل الذي عمله، فإن وقع في الشرك وقع في النار والعياذ بالله، وإن وقع فيما هو دونه فالسيئة بسيئة مثلها، بما يسوءه عند الله ، وقد يعفو ربنا سبحانه عما هو دون الشرك، أما الشرك فلا يغفره الله . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [غافر:٤٠]، حتى لا يظن أن الثواب والجنة للذكران دون الإناث، فالإنسان سواء كان ذكراً أو أنثى الذي يعمل العمل الصالح قل أو كثر، وهو مؤمن -أي: بشرط الإيمان- هو الذي يتقبل الله منه عمله، فالمؤمن ينتفع بعمله الصالح، أما الكافر فمهما عمل صالحاً فإنه يجزى به في الدنيا، أما يوم القيامة فيقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، فالكافر ظلم نفسه بأن كفر بالله وأشرك به وجحد، وجعل لله نداً وهو الذي خلقه سبحانه، فاستحق ألا يعطى شيئاً في الآخرة؛ لأن شركه أحبط جميع عمله، لكن المؤمن جاء بهذا الإيمان العظيم الذي يقبل به العمل وإن قل. قال تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر:٤٠] يقال لهم: ادخلوا الجنة فيدخلون الجنة، وفي قوله تعالى: ((يُدْخَلُوْنِ الْجَنَّةَ)) قراءتان في هذه الكلمة. ﴿فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ [غافر:٤٠] أي: يأمرهم الله سبحانه بدخول الجنة جزاءً بما كانوا يعملون، يأتون إليها ويدخلونها، فيدخلون الجنة، وتدلهم الملائكة: هذا طريقكم، هذه بيوتكم، هذه جنتكم، ولم يدخلوا الجنة بأعمالهم لتكون ثمناً، وإنما أعمالهم سبب لدخول الجنة، كما قال النبي ﷺ : (لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته)، والله يقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، فصدق الله ، وصدق الرسول ﵊، فربنا يقول: ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢] والباء للسببية، أي: بسبب ما كنتم تعملون، والنبي ﷺ يقول: (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) والباء هنا للثمنية، أي: عملك ليس ثمناً للجنة؛ لأن الجنة أغلى بكثير من عملك الذي عملته، إنما عملك سبب للجنة، فيرضى الله عنك ويدخلك الجنة برحمته وهو أرحم الراحمين سبحانه. وقوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر:٤٠] أي: يرزقون في الجنة، ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد:١٥]، وقال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٢ - ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:٥٢]، وقال تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:٦٨] هذه هي الجنة العالية، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. وقوله تعالى: (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: بلا نهاية، فليس هناك نهاية للجزاء، فالله قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة:٢٤] أي: تهنوا بما في هذه الجنة، فقد تعبتم في الدنيا وعملتم، فهذا اليوم يوم الجزاء ويوم الراحة، تستريحون في الجنة فلا كدر ولا تعب ولا نصب فيها ولا خروج منها، ولا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون، فهي جنة الله سبحانه.

стр. 2754

تفسير قوله تعالى: (ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار) قال الله تعالى حاكياً عن المؤمن: ﴿وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غافر:٤١] يتعجب المؤمن من هؤلاء القوم: أنا أدعوكم إلى الله وأدعوكم إلى الجنة، أسوق لكم الأدلة شيئاً فشيئاً، وقد جاءكم موسى ﵊ قبل ذلك ببينات ومع ذلك لا تؤمنون وتريدون أن تدعوني إلى النار! فهم يعبدون غير الله ، ويعبدون الأصنام والأبقار، ثم وصل بهم الأمر إلى أن عبدوا فرعون من دون الله سبحانه، فهو يقول: تدعونني إلى هذه الأشياء التي لا تسمع ولا تستجيب وليس لها دعوة في الدنيا والآخرة، وأنا أدعوكم إلى الله الرب الذي خلقكم والذي يملككم ويملك هذه الدنيا ويملك الآخرة. قال تعالى: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ [غافر:٤٢] أي: تدعونني لشيء من الجهل، ليس لي ولا لكم، تدعونني إلى الكفر وإلى عبادة البقر، وإلى عبادة فرعون الذي لا يملك لنفسه شيئاً، والكفر بالله: هو الجحود، أي: أن يعتقد أنه لا يوجد إله، والشرك بالله: أن يتخذ أنداداً مع الله، وحاشا لله ، فهم يدعونه للكفر والشرك بالله، وهو يدعوهم إلى الله سبحانه العزيز الغالب القوي الجناب الذي لا يمانع، الذي إذا قال للأمر كن فلابد وأن يكون، سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون علواً كبيراً. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢] العزيز: هو الله الغالب سبحانه، والغفار: غافر الذنب وقابل التوب، يغفر الذنوب ويمحوها ويسترها على أصحابها، ويكفر عنهم سيئاتهم.

стр. 2755

تفسير قوله تعالى: (لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة) قال تعالى: ﴿لا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلا فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣] لا جرم: كلمة معناها: حقاً، أي: ينكر عليهم هذا الذي يقولون، ويقول: هذا الذي تقولونه كلام باطل، والحق هو الذي أقوله لكم، فهم يدعونه إلى الشرك بالله، ويدعونه إلى عبادة فرعون، ويدعونه إلى عبادة العجل والبقر من دون الله، ويدعونه إلى عبادة الأوثان والأصنام وعبادة الشمس وغيرها، وكل هذه المخلوقات لا تستجيب لهم بشيءٍ ولا تنفعهم، فهذه الأشياء ليس لها دعوة في الدنيا، أي: ليس لها إجابة دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، بل ضررها أكثر من نفعها. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر:٤٣] (مردنا): رجوعنا إلى الله، (وأن المسرفين): كفرعون ومن معه الذين أسرفوا في قتل النفوس، وفي شركهم بالله ، وفي عصيانهم، فهم أصحاب النار المستحقون لدخولها، والمستحقون لعذابها.

стр. 2756

تفسير قوله تعالى: (فستذكرون ما أقول لكم) قال تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤] أي: ستتذكرون ذلك يوم القيامة، وستعرفون يوماً من الأيام أني كنت أدعوكم إلى الخير وتدعونني إلى الشر، وقوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ﴾ [غافر:٤٤] أي: قلت ما هو واجب علي أن أقوله، وفوضت: أسلمت وسلمت وتوكلت على الله ولجأت إليه وحده سبحانه، والتفويض: هو التوكل على الله وتسليم الأمر إليه، ولما جهر بالإيمان أرادوا قتله فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بهؤلاء سوء العذاب، قال تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥]. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2757

تفسير سورة غافر [٤٤ - ٥٠] لما طغى فرعون وتجبر وظلم وتكبر أغرقه الله في البحر، ونجى بدنه ليكون عبرة لمن اعتبر، لقد تغطرس وأبى، واتبع بكفره الهوى، وقال: أليس لي ملك مصر وأنا ربكم الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، وجعله وملأه يعذبون في قبورهم قبل الآخرة، ثم يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، ومنتهى العقاب، فيوم القيامة لا ينفع مال ولا بنون، ولا تنفع رياسة ولا قيادة، فمن دخل النار من ينجيه؟ ومن ذاق حرها فمن يقيه؟ ومن استغاث فيها ودعا فمن يغيثه ويؤويه؟ فتزود قبل الوقوف بين يدي الله ، فاليوم عمل ولا حساب، وغداً حساب ولا عمل.

стр. 2758

تفسير قوله تعالى: (فوقاه الله سيئات ما مكروا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ * وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ * وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٤٥ - ٥٠]. لما ذكر الله مناظرة مؤمن آل فرعون لفرعون وملئه الذين وافقوا فرعون على قتل موسى ومن معه، وكيف أنه جادلهم في هذا الأمر، وقال لهم: كيف تقتلون رجلاً ذنبه أنه يقول: ربي الله! وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! ولم يزل يناقشهم في ذلك حتى ضاق فرعون بمناظرته وبكلامه فقال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩]. وقد كان هذا المؤمن يكتم إيمانه فأعلنه صراحة وجهر به وقال: ﴿اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٣٨]، وذكرهم بالله ، وذكرهم بأن موسى ليس بالشيء الجديد، ولا بالنبي الذي أرسله الله أول مرة، بل قد أرسل قبل ذلك يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ومع ذلك شكوا وارتابوا، فقال المؤمن لهؤلاء: إن الذي تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا، فأنتم تدعونني إلى عبادة من لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، وأن مردنا ومرجعنا إلى الله، وأن المسرفين أمثالكم يستحقون أن يكونوا أصحاب النار. ثم قال: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤]، وكأنه يتوعدهم بعقوبة الله ، ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾ [غافر:٤٤]، يوم لا ينفعكم التذكر، ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٤]، أسلم أمري إلى الله، وأتوكل على الله، فلما قال ذلك إذا بالله الكريم سبحانه يقيه سيئات ما مكروا، ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٥] والآية فيها إشارة إلى أنهم أرادوا به المكر، وأرادوا قتله، فإذا بالله ينجيه من بطشهم وبأسهم، قال تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، أي: ما كادوا له، وما كادوا لموسى ولمن معه، فوقاهم الله هذا الشر في الدنيا، وجعل هذا المؤمن آية من آياته ، فذكره في كتابه، فلا يزال المؤمنون يقرءون هذه السورة الكريمة ويذكرون هذا المؤمن رضي الله ﵎ عنه، ويقتدون بقوله وبفعله، وبهدوئه وتعقله في مناقشته لقومه. قال تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا)، أي: ما مكروا له ولموسى، قال: ﴿وَحَاقَ﴾ [غافر:٤٥]، أي: أحاط، أو نزل نزول إحاطة وإهلاك لا يفلت منه أحد، فكأن العذاب نزل فأحاط بهم فدمر جميعهم، وهكذا كان الحال والأمر، فلما أراد فرعون أن يخوض البحر إذا بالله يمكر به، فيجعل موسى يضرب البحر بعصاه فينفلق البحر ويمر موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما توسط البحر إذا بفرعون يقبل هو ومن معه من جنود وينظرون إلى البحر متعجبين مترددين، فلم يأبه فرعون لتكبره وعتوه لهذه الآية العجيبة العظيمة في هذا البحر العميق المخيف، ولم يعترف بأنها آية من آيات الله حصلت لنبي مرسل وهو موسى ﵇، بل ختم الله سبحانه على قلبه فإذا به لا يفقه، ولا يفهم، ويأمر من معه أن يعبروا البحر وراء موسى، وفي هذه الأثناء يصل موسى ومن معه إلى الناحية المقابلة، في حين يتوسط فرعون وجنوده البحر، فإذا بأمر الله يتنزل على البحر فينطبق البحر على فرعون ومن معه، وهكذا استأصلهم الله جميعهم ولم ينج منهم أحد، إلا فرعون فقد قال الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس:٩٢]، أي: الجسد فقط؛ لينظر الناس إلى نهاية فرعون المجرم المجنون الذي كان يقول: أنا إله، فأين ذهبت ألوهيته؟ وأين ربوبيته يوم أن قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]؟ أهلكه الله في هذا البحر العميق، وأخرجه للناس عارياً، ليكون آية للناس أن الله سبحانه سيهلك كل جبار عنيد، كما قال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف:١٨٣]، وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢]. فوقى الله مؤمن آل فرعون وموسى ومن آمن معه سيئات ما مكر فرعون وملأه، قال تعالى: (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ (، أي: نزل بهم من العذاب الشديد ما أحاط بهم وأهلكهم: (سُوءُ الْعَذَابِ)، أشد أنواع العذاب.

стр. 2759

تفسير قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، فعندما أغرقهم سبحانه نقلهم من هذا العذاب إلى عذاب البرزخ في القبور، سواء دفنوا في البحر أم دفنوا في البر، قال سبحانه: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا). وأرواح فرعون وجنوده وملئه في حواصل طير سود تغدو بهم إلى النار والعياذ بالله، ولك أن تنظر إلى الفرق بين هؤلاء وبين الشهداء والأولياء، فالله سبحانه يقول عن الشهداء والأولياء: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢]، ويقول: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فقد جعل الله أرواحهم في أجواف طير تسرح في الجنة حيث شاءوا، وهؤلاء الآن في البرزخ في قبورهم، وهم الآن في هذه الحياة الوسطية بين الدنيا والآخرة، ففي البرزخ جعلهم الله يستمتعون من الجنة بأرواحهم، فإذا كان يوم القيامة أدخلهم الجنة بأجسادهم وأرواحهم، أما فرعون ومن معه فقد جعل الله أجسادهم مملوءة عليهم ناراً، وجعل أرواحهم في أجواف طير سود تذهب بهم إلى النار كل يوم غدواً وعشياً، والغدو: أول النهار، والعشي: آخر النهار، وذلك حتى تقوم الساعة، فإذا قامت الساعة ألقيت أرواحهم وأجسادهم في النار خالدين فيها أبداً إلا ما شاء الله ، قال تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، فإذا قامت القيامة: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ). جاء في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، فإن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إليه يوم القيامة)، فإن كان مؤمناً قال: رب أقم الساعة، فرحاً بما سيناله في الجنة، وإن كان من أهل النار قال: رب لا تقم الساعة، خوفاً مما سيناله في النار، والقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار والعياذ بالله، لكن آل فرعون يذهب بهم إلى النار كل يوم غدواً وعشياً كما ذكر الله ، ثم قال: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا)، والأمر للملائكة، أي: خذوهم وسوقوهم إلى النار. وفي الآية قراءتان: قراءة نافع وأبي جعفر ويعقوب وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف، فإنهم يقرءونها: (أَدْخِلُوا) من الأمر، فالله سبحانه يأمر الملائكة بهذا فقال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ) وهذا الفعل متعدٍ إلى مفعولين هنا، والمعنى: خذوا آل فرعون وأدخلوهم أشد العذاب في النار، (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا)، أيها الملائكة! (آلَ فِرْعَوْنَ)، هذا هو المفعول الأول، (أَشَدَّ الْعَذَابِ) هذا هو المفعول الثاني. القراءة الثانية: قراءة ابن كثير وأبي عمرو وشعبة عن عاصم وابن عامر، فإنهم يقرءونها: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ادْخِلُوا)، وكأن الأمر لآل فرعون، أي: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، وهل يجرءون على عدم دخول النار بأرجلهم؟ لا، فهم لا يملكون أن يتقهقروا أو أن يعصوا الله فيما أمر سبحانه، فإذا خافوا من النار دفعتهم الملائكة إليها والعياذ بالله، قال تعالى: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أدْخُلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، أي: ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، وهي نار جهنم والعياذ بالله.

стр. 2760

تفسير قوله تعالى: (وإذ يتحاجون في النار إن الله قد حكم بين العباد) ثم يصور الله لنا هذا المشهد العظيم، وما يحدث في النار لهؤلاء المجرمين؛ ليخوف الله المؤمنين وعصاة الموحدين، فيقول سبحانه: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنْ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]، أي: يقول أحدهم للآخر: أنت السبب، أنت الذي فعلت هذا، حتى إن أحدهم ليقول لمن لم يدركه: أنت السبب، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٣٨]، فيقول الأولون للآخرين: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:٣٩]، أي: أننا كنا قبلكم بسنين وأعمار طويلة فماذا صنعنا بكم؟ بل أنتم الذين أجرمتم فذوقوا العذاب، قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٨]، فلكل عذاب مضاعف، سواء للأولين أم للآخرين؛ وذلك بسبب عصيانهم ربهم ، لفعلهم السوء وإجرامهم في هذه الدنيا، وبسنهم السنن السيئة. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧]، ولم يقل: من آل فرعون، فليس الضعفاء من آل فرعون فقط، بل كل الضعفاء المجرمين، وكل من كان جندياً مأموراً من قائده أو سيده وهو يطيع وينفذ الأمر وإن كان معصية لله ، وقد قال النبي ﷺ : (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) ، فذكر في هذا الحديث أنه لا يحل لأحد أن يعصي الله في طاعته لأي مخلوق، فلا يجوز لأحد أن يسمع أو يطيع إلا في طاعة الله ، قال ﷺ : (اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة)، فإذا أمركم بطاعة الله فافعلوا، وإن أمركم بمعصية فلا تفعلوا ذلك. قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ [غافر:٤٧]، للقادة الكبار المستكبرين، ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ [غافر:٤٧]، أي: كنتم تأمروننا في الدنيا: هاتوا فلاناً، اقبضوا على فلان، عذبوا فلاناً، فماذا ستصنعون لنا الآن ونحن في النار؟ قال تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:٤٧]؟ أي: جزءاً من عذاب النار، وقد كان هؤلاء الكبراء يقولون للمؤمنين في الدنيا كما قال الله سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت:١٢]. أي: فنحن سنتحمل عنكم هذه الخطايا، فنحن في الدنيا وفي الآخرة معكم، قال الله مكذباً لهؤلاء: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٢ - ١٣]، إذاً: هذا الذي يقول للثاني: اعمل وعلي، فليس هناك حاجة اسمها عليك، بل كل من الاثنين يحمل ذنبه فوق ظهره، يحملون أوزارهم فوق ظهورهم يوم القيامة جزاءً بما صنعوا، فيقول سبحانه هنا عن هؤلاء: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ [غافر:٤٨]، أي: فات الأوان، فقد أصبحنا فيها كلنا، ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]، حكم فعدل وهو أحكم الحاكمين، وهذا الذي يطمئن الإنسان المؤمن، فمهما ظلم المؤمن في هذه الدنيا فهو مطمئن بالله ، وأنه راجع إليه، وأن الحكم له وحده ، فهو الذي يحكم بين عباده بالعدل يوم القيامة، فيقتص للمظلوم من ظالمه، ويعذب الظالمين، كما ذكر بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٨]، أي: فصل وقضى بين العباد بعدله .

стр. 2761

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين في النار لخزنة جهنم وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) ثم قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنْ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، أي: جميع من في النار، فهم يستغيثون بخازن النار: ﴿لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ﴾ [غافر:٤٩]، وجهنم اسم فظيع معناه: النار العميقة القعر، ويقال في الدنيا عن البئر: إنها ركية، أي: بئر عظيمة القعر، بعيدة الغور، وكذلك نار جهنم والعياذ بالله، فهي نار عظيمة متقدة مشتعلة بعيدة القعر جداً والعياذ بالله، والكفار في أقصى قعر جهنم والعياذ بالله. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا﴾ [غافر:٤٩]، أي: حتى يخفف عنا ﴿يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، مع أنهم في النار خالدين فيها أبداً، فماذا سيغني عنهم هذا اليوم؟! ولكن شدة العذاب تجعلهم يطلبون الراحة منه ولو للحظة معينة، ولو ليوم واحد يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٩]، وهذا يدل على شدة العذاب الذي يلاقونه، فقد يئسوا من رحمة الله، وهم مع ذلك لا يستطيعون الهرب، ومع ذلك فعليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ثم يقول الخزنة لهؤلاء: ﴿قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر:٥٠]، أي: ألم تأتكم رسل منكم تبلغكم، وتبذل النصح لكم، وتأمركم وتنهاكم؟ فأنتم تستحقون هذا الذي وقع بكم، ثم يقولون لهم: ﴿قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، أي: إن كان الدعاء ينفعكم فادعوا، لكنك إذا دعوت الله في الدنيا، ورفعت يديك إليه استحيا الله أن يردهما خائبتين، فالله يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً، فالله كريم ، فهو إما أن يعطيك جواب ما سألته، وإما أن يصرف عنك من الأذى بقدره، وإما أن يدخره لك ليوم القيامة، أما في النار فادعوا بما شئتم فلن يستجاب لكم، قال تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، أي: في تيه، وفي ذهاب، وفي باطل، لا قيمة له، ولا يستجاب لدعائهم، نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2762

تفسير سورة غافر [٥١ - ٥٢] لقد ذكر الله سبحانه أنه سينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا بهزيمة الكافرين والتمكين للمؤمنين، وفي الآخرة بتعذيب الكافرين والإنعام على المؤمنين، ونصر الآخرة أعظم وأكبر وأجل؛ لأن النصر في الدنيا قد يتأخر، وفي الآخرة لا يقبل الله من الظالمين عذرهم، بل هم مطرودون من رحمة الله تعالى.

стр. 2763

تفسير قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]. لما ذكر الله ما آل إليه حال فرعون ومن معه، فصاروا من أهل النار، قال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ [غافر:٤٦] يقال: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر:٤٦]، ذكر الله سبحانه نصره لعباده المؤمنين، فقال: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ)) فهذا وعد من الله، ووعد الله حق، ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]. قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا) أي: حق على الله أن ينصر رسله سبحانه، ولم يقل: رسلنا فقط، وإنما قال: (رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا)، فالنصر من الله آت لعباده المؤمنين. وقد يتأخر النصر، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]، أصابهم اليأس من إيمان قومهم، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ [يوسف:١١٠]، أي: ظن الرسل ووصل ظنهم إلى درجة عالية بأن هؤلاء القوم لن يؤمنوا ولن يفلحوا ولن يأتي منهم خير، وليس فيهم رجاء. فظنت الرسل أن قومهم قد كذبوا بالله سبحانه، وكذبوا بآيات الله ، وظن أتباع الرسل من المؤمنين أن الرسل قد كذبوا، وأخلفوا الميعاد وتوهموا ذلك، فإذا بالرسل يقعون في ضيق شديد، يظنون أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا من قومهم، وظن أتباعهم أنهم توهموا بإتيان النصر مع أن النصر لما يأت، فدخلهم الشك، أما الرسل فلا تدخل قلوبهم أبداً الريبة أو الشك، وفي هذا الوقت الشديد وقت اليأس جاء نصر الله ، فعندما تضيق الدنيا على الإنسان المؤمن يأتي الفرج، قال تعالى: ((جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ)) أي: أن الله ينجي بعظمته وبقدرته من يشاء من عباده المؤمنين. وهذا لا يعني أن كل المؤمنين الذين هم على الحق سيكونون من المنتصرين، ومن الذين ينجيهم الله في هذه الدنيا، ولكن الوعد الحق أننا ننصر ديننا مع هؤلاء الرسل بنجاة من نشاء من المؤمنين، وبهلاك من نشاء من عبادنا من الصالحين في الدنيا، ثم يوم القيامة ننصر جميع المؤمنين على أعدائهم.

стр. 2764

نصر الله للمؤمنين بالحجة والبيان وبالسيف والسنان إن نصر الله يأتي في الدنيا بتضحيات وبتعب ومشقة على الإنسان، وبجهد يبذله في طاعة الله ، فوعد الله حق ينصر دينه، وإذا نصر المؤمنون دين الله سبحانه فمنهم من يتوفى قبل تمام النصر، ويقاتل فيقتل في سبيل الله، ومنهم من يهاجر، ومنهم من يؤذى في سبيل الله، ومنهم من يقاتل فينتصر، فالنصر يأتي للدين مع التضحيات، مع وجود هؤلاء جميعهم: الذين أوذوا، والذين هاجروا، والذين قتلوا، والذين قاتلوا وانتصروا، فالنصر في النهاية لهم، قال سبحانه يعد المؤمنين: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا))، وهذه قراءة الجمهور: (رُسُلَنَا)، وقراءة أبي عمرو: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسْلَنَا)) بتسكين السين فيها، (وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: في الدنيا ينصرهم ويكون لهم التمكين وإعلاء شأنهم، فالنصر يكون بالسيف، ويكون النصر بالحجة والبيان، الحجة من الله ؛ لأنه ليس في كل زمن يكون الانتصار بالسيف وبالقوة، ولكن الانتصار قد يكون بالحجة، وهذا حاصل في كل زمان، فقد أعطى الله المؤمنين المعجزة العظيمة: القرآن الكريم، وأعطاهم الحجج البينة التي تدوم مع دوام هذا الدين إلى أن تقوم الساعة. فالله ينصر رسله وطائفة من المؤمنين إلى قيام الساعة، كما قال النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، حتى يقاتل آخرهم الدجال)، فلا يزال من المؤمنين طائفة ينصرها الله سبحانه، وهم المتمسكون بدين الله سبحانه أهل السنة والجماعة، أهل هذا القرآن العظيم الذين تمسكوا به وبسنة النبي ﷺ وعملوا بذلك، ولم يضرهم المخالفون وإن كثروا، فهم مع قلتهم تمسكوا بدين الله، قال النبي ﷺ : (طوبى للغرباء)، هؤلاء الغرباء الذين يتمسكون بدين الله وبكتاب الله، وبسنة النبي ﷺ ، هم أهل الله سبحانه، فهم أهل السنة والجماعة، ينصرهم الله، ويمكن لهم في يوم من الأيام. أما التمكين بالحجة وباللسان وبقوة البيان فهذا حاصل دائماً، طالما أن المؤمن متمسك بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ فالله ينصره ويؤيده؛ لأن معه الحق وهو كتاب الله وسنة النبي ﷺ . قال تعالى: ((إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)) وكذلك ننصرهم: ((ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ))، والمؤمن الذي قتل في الدنيا ينصره الله في الدنيا بالانتقام ممن قتله، وبالانتقام من الظالم الذي ظلمه، فهذا نصر الله له في الدنيا، قال الله وقد نهى عن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣]. إذاً: ينصر الله المؤمن الذي يقتل في سبيله ، بأن يجعل لوليه سلطاناً فينتصر في يوم من الأيام، ويقتص من هذا الظالم الذي قتله بغير حق.

стр. 2765

معنى الأشهاد في قوله تعالى: (ويوم يقوم الأشهاد) قوله: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١] أي: يوم القيامة يقوم الأشهاد، والأشهاد: إما جمع لشاهد أو لشهيد، فالشهود يقومون يوم القيامة فيشهدون. والأشهاد: الملائكة تشهد بأن الله قد أنزل الكتب، وقد أرسل الرسل، وقد أقام الحجة على العباد، ويشهدون على العباد، فكل عبد معه سائق وشهيد. والأشهاد: الرسل يشهدون على أقوامهم بأننا قد بلغنا هؤلاء الأقوام، فهؤلاء كذبوا وأعرضوا، وهؤلاء استجابوا لنا. والأشهاد: أتباع الرسل من الأولياء والصالحين الذين يشهدون بإبلاغ الرسل لقومهم، وأنهم آمنوا وصدقوا بذلك. والأشهاد: الأجساد التي تشهد على المرء: يده، ورجله، وفخذه، يختم الله على فيه وتنطق جوارحه يوم القيامة، فالجميع يقوم لله رب العالمين فيشهد كل منهم بما أمره الله به.

стр. 2766

تفسير قوله تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]. قوله: ((يَوْمَ لا ينفع)) قرأها نافع: (يوم لا تنفع) وقراءة الكوفيين عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف وباقي القراء يقرءونها: ((يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ)) أي: يوم القيامة يعتذر الظالم والمنافق، ويحلف المنافق لله أنه ما كذب وما أعرض، وأن هذا المكتوب عليه في الكتاب لم يعمله، ولا يقبل إلا شاهداً إلا من نفسه، فيختم الله على فيه فتنطق جوارحه فتكذبه فيدعو عليها، فهذا نصر للمؤمنين يوم القيامة: أن المنافق يشهد على نفسه، وأن الفاجر يشهد على نفسه، وأن الكافر يدخله الله النار، ويعذب الذين كذبوا وأعرضوا، فالظالمون يعتذرون لله سبحانه فلا تنفع المعذرة. قوله: ((وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ)) أي: الطرد من رحمة الله ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] أي: يستغيثون فلا يغاثون، ويستنصرون فلا ينصرون، يقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: أعطونا نوراً قليلاً، لقد كنا معكم في الدنيا وكنا نصلي معكم فأعطونا شيئاً من نوركم، ﴿قِيْلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤] أي: حتى جاء نصر الله، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، هؤلاء الكفار. روى الإمام الترمذي حديثاً بإسناد فيه ضعف يسير وهو قريب من الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب وهو صدوق، فهو كثير الإرسال، وقد روى عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب) أي: يلقى عليهم الجوع فيعادل الجوع ما هم فيه من العذاب، (فيستغيثون فيغاثون بطعام مِنْ ضَرِيعٍ) والضريع: نبت من شوك طعمه قذر منتن مر تستقذره الإبل فلا تأكله، فإذا أكلته الأنعام ماتت، فتجتنبه الأنعام ولا تأكله، فهؤلاء يغاثون بمثله والعياذ بالله! قال: (فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد) والحميم: هو السائل الذي بلغ النهاية في الحرارة والعياذ بالله! ثم يقول: (فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فتقول لهم الخزنة: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، فيقولون: ادعوا مالكاً، فيقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فيجيبهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧])، أي: لا نهاية لعذابكم بل سوف تعذبون أبد الآبدين، قال الأعمش أحد رواة هذا الحديث: (نبئت أن بين دعائهم، وبين إجابة مالك إياهم ألف عام) أي: ينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فلا يرد عليهم مدة ألف عام ثم يجيبهم، فلما انتظروا تلك المدة ظنوا أنه يجيب بشيء ينفعهم، ولكن ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فبعد أن عذبوا بالنار وبالجوع وبالطعام والشراب من الحميم وبطول الانتظار يأتي هذا الرد: ((إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)) قال: (فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]) يحتجون بالقضاء والقدر، أي: غلب علينا قدرنا فكنا أشقياء، فسامحنا في هذه المرة وأَخْرِجْنَا مِنْهَا وأرجعنا إلى الدنيا مرة ثانية، فإن عدنا إلى الظلم وإلى الكفر فافعل بنا ما تشاء. قال: (فيجيبهم ربهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]) (اخسأ) كلمة تقال للكلب حين يزجر ويطرد من مكانه. كذلك يقول الرب سبحانه لأهل النار والعياذ بالله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١٠]). أي: تذكروا في الدنيا حين كنتم تضحكون من المؤمنين وتسخرون منهم وتستهزئون بهم. ثم قال تعالى عن المؤمنين: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]) أي: الفوز اليوم والفلاح والنصر للمؤمنين، فالمؤمن يفرح بنصر الله ، فهو يفرح أن ربه انتقم له من عدوه، فينظرون إلى أهل الجنة وقد نجاهم الله من العذاب وجعلهم في الجنة: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] أي: في شغل عن هؤلاء لا يلتفتون إلى أهل النار؛ لما هم فيه من متعة عظيمة جميلة في جنة الخلد. نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. يقول في آخر الحديث: (فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل). وهذا انتقام الله من الكفار والظلمة والمجرمين، فهو سبحانه ينتقم منهم أعظم الانتقام يوم القيامة في نار جهنم، أما في الدنيا فقد ينصر المؤمنين ويمكن لهم، وقد يأتي الأمر على خلاف ما يشتهون؛ لأن الأمر أحياناً يكون عليهم، ولكن دين الله لا يزال عالياً، وأحياناً ينتصرون. فنقول: إذا صار المسلمون في وقت من الأوقات بعيدين عن دين ربهم فإن مصيرهم إلى ذلة وهوان، وبهذا يعلم أن النصر لا بد له من تضحيات، ولا يعلو دين الله إلا بالقتال في سبيل الله، وبالحجج والبراهين من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه. نسأل الله أن ينصر دين الإسلام، وأن يمكن للإسلام والمسلمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2767

تفسير سورة غافر [٥١ - ٥٥] مهما علا الباطل وانتفش فلابد أن يزول، فالنصر حليف أولياء الله من الأنبياء والرسل والمؤمنين، إما معجلاً في الدنيا، أو مؤخراً إلى يوم القيامة، يوم لا تنفع المعاذير، ويكون جزاء الكافرين النار وبئس المصير، وما على المؤمنين والدعاة إلا السير على هدى رب العالمين، مقتدين بمن سبقوهم، متأسين بهم، صابرين على ما ينالهم، موقنين أن العاقبة لهم.

стр. 2768

تفسير قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) الحمد لله ربي العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٥]. يخبر الله في هذه الآيات أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ونصر الله أكيد لأنبيائه ورسله وللمؤمنين الذين ينصرون دين الله سبحانه، إلا أن الله ذكر أنه ينصر أولياءه في الدنيا وفي الآخرة، ونصره لهم في الآخرة لابد وأن يكون؛ ففي يوم القيامة ينتقم الله من الظالم وينصر المظلوم، أما في الدنيا فقد يظلم الإنسان الظالم ولا يعاجل بالعقوبة، بل يظل حتى يقبضه الله على ظلمه، فأخذ الله له على هذا الحال أخذ عزيز منتقم مقتدر سبحانه ﵎، وقد جاء في الحديث: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) فنصر الله للمظلوم إما أن يسلطه على من ظلمه فيكون في ذلك نصره، وإما أن يملي لهذا الظالم حتى يجعله عبرة للناس إذا كسره وقصمه.

стр. 2769

الجواب عن إشكال أن بعض الرسل قد عذبوا وقتلوا في الدنيا وقد أورد الإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] استشكالاً وأجاب عليه ﵀ فقال: قد يقال: كيف ينصر الله رسله جميعهم في الحياة الدنيا وقد جاء أن بعض الرسل قد قتلوا في الدنيا، كما قتل زكريا وابنه يحيى، وقتل أشعياء، وأراد اليهود قتل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فنجاه الله ورفعه إليه، وطرد إبراهيم من بين قومه حتى هاجر إلى الله وترك قومه، فهؤلاء كيف نصرهم الله على أقوامهم؟ ويجاب: بأن نصر الله إما بأن ينصر أنبياءه ورسله في حال حياتهم، كما فعل ببعض منهم، أو أن ينصرهم بمعنى: ينتصر وينتقم ممن ظلمهم، حتى ولو مات هؤلاء، فلما قتل يحيى على نبينا وعليه الصلاة والسلام سلط الله على القوم الذين قتلوه بختنصر وهو كافر، فلم يزل يقتل منهم الألوف بدم يحيى بن زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهذا نصر من الله لنبي ورسول من رسله عليهم الصلاة والسلام. واليهود لما سعوا بالمسيح ﵊ ليقتل، وذهب إليه الأمير ليأخذه هو ومن معه لينفذ فيه حكم الملك اللبناني بالقتل؛ فإذا بالله يرفع المسيح ﵊، فكان نصره من الله بأن رفعه، ثم سلط على هؤلاء -هذا الملك ومن معه- اليهود، فأذلوهم وأذاقوهم الأمرين بعد ما فعلوا فعلتهم مع المسيح ﵊ وأرادوا قتله، فنصره الله بأن نجاه ورفعه، ثم سلط اليهود على هذا الملك، ثم قبل قيام الساعة ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيسلطه الله على اليهود، فلا يبقى على الأرض يهودي، ولا يبقى نصراني، ولا يكون إلا الإسلام، فقد أخبر النبي ﷺ أن من علامات الساعة أن يخرج المسيح الدجال وأكثر من يتبعه اليهود عليهم الطيالسة لعنة الله عليهم، فينزل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا رآه المسيح الدجال ذاب كما يذوب الثلج، فيهرب من المسيح عيسى بن مريم، فيقول له المسيح: إن لك عندي ضربة لن تخطئها، ثم يتبعه فيقتله صلوات الله وسلامه عليه، وحينها يقتل المسلمون اليهود، وتشهد الأحجار والجمادات على اليهود، حتى يقول الحجر والشجر للمسلمين: يا مسلم! إن ورائي يهودياً تعال فاقتله، ويضع المسيح ﵊ الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، أي: لا يقبل من أحد ديناً غير الإسلام، وحتى لو دفع الجزية كما كانوا يفعلون مع النبي ﷺ ، فيقبل منهم ويظلون على أديانهم، كما أنه إذا نزل المسيح بن مريم حكم بالإسلام، أي: بهذا القرآن العظيم، ولم يقبل الجزية وإنما يضعها، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وهذا هو نصر الله لنبيه ورسوله المسيح ﵊ في الدنيا. فحتى ولو كان من هؤلاء الأنبياء من أخذه الله فرفعه كالمسيح، أو كان منهم من قتل وذاق القتل والهلاك في الدنيا كيحيى وزكريا فالله ينتقم لهم وينتصر لهم ، هذا جواب. وهناك جواب آخر لما تقدم حول قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١]، وهو أن هذا من العموم الذي يراد به الخصوص أو العام المخصوص، والمقصود منه: أنا لننصر بعض رسلنا في الحياة الدنيا وننصر جميعهم يوم يقوم الأشهاد، وكذلك ننصر المؤمنين من عبادنا، إذ الآية وعد من الله سبحانه أن ينصرهم، ولكن لم يقل: إنه ينصرهم فرداً فرداً، ولكن ينصر دينه بما يشاء بما يتحقق من شروط النصر ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 2770

نصر الله للمؤمنين يوم يقوم الأشهاد قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، تقدم أنه يوم القيامة، والأشهاد جمع شاهد، كما أن الأصحاب جمع صاحب، وهم الشهود الذين يشهدون على الناس يوم القيامة من ملائكة ورسل وأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك ممن يشهد على الإنسان من نفسه جوارحه، فإنها تشهد عليه يوم القيامة، وفي ذلك اليوم ينصر الله عباده المؤمنين، وقد جاء في الأثر: من نصر مؤمناً في الدنيا كان حقاً على الله أن ينصره في الدنيا والآخرة، ومن رفع ظلماً عن مؤمن في الدنيا كان حقاً على الله أن يرفع عنه من الظلم ومن الكروب في الدنيا وفي الآخرة)، ويؤيده ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم) إذ الجزاء من جنس العمل، فالإنسان المؤمن حين يسمع غيبة لأخيه المؤمن فيرد وينتصر لهذا الغائب؛ فإن ينصره يوم القيامة، وهذا وعد من الله قطعه على نفسه كما تقدم في الحديث، والحديث رواه الإمام الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني، وهو من حديث أبي الدرداء ﵁، وجاء في زيادة ليست عند الترمذي أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] فجعل من نصر الله للمؤمن في الحياة الدنيا أن يسخر له من يدافع عنه ويدفع عنه في غيبته، ويدفع عن حقه في الدنيا، ويوم القيامة ينتصر الله للمؤمنين يوم يقوم الأشهاد. وبمعنى حديث الترمذي ما روى الإمام أبو داود أن النبي ﷺ قال: (من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله يوم القيامة ملكاً يحميه من النار، ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه به وقفه الله على جسر من جهنم حتى يخرج من مقاله)، والحديث حسنه الشيخ الألباني، وقوله: (من حمى مؤمناً) أي: من دافع عن إنسان مؤمن من إنسان يذكره بسوء، وقوله: (من منافق) وصف صاحب الغيبة بالنفاق، كما وصف الإنسان الذي يدافع عنه بأنه يحمي أخاه ويمنع عنه هذه الغيبة من مثل هذا المنافق. قوله: (بعث الله يوم القيامة ملكاً يحميه من النار)، أي: يدفع عنه نار جهنم يوم القيامة في مروره على الصراط حتى ينجيه الله ، قوله: (ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه)، أي: من يتكلم عن مسلم بكلام يسوءه، كأن يريد أن يضره، وقوله (يشينه) بمعنى: أنه يقبحه ويذكر فيه فعالاً ويفضحه عند الناس، ومن فعل ذلك وهو كاذب فيما يقول وقفه الله على جسر جهنم حتى يخرج من مقاله، وهذا من نصر الله لعباده المؤمنين؛ ولذا ينبغي أن يحذر المرء أن يقع في غيبة المؤمنين أو غيرهم، أو يقع في أعراضهم، وكيف لا يحذر وقد علم أن الجزاء أن يحبسه الله على جسر جهنم تلفحه النار ويقال له: اخرج مما قلت، وفي الدنيا قد يخرج الإنسان مما يقول بأن يكذب نفسه ويقول: أنا كذاب، لقد كذبت في هذا الشيء، ويعتذر لمن اغتابه أو طعن في عرضه حتى يقبل منه، وذلك في الدنيا، أما يوم القيامة فلا يقول: أنا كذاب، فقد فضحه الله ، وإنما يوبخ بأن يقال له: اخرج مما قلته، وهو لا يدري كيف يخرج مما قال. وقد جاء في الأثر أن الله يدخل رجلاً في النار قد كذب في الدنيا وادعى أنه رأى رؤيا مع أنه كاذب فيها ويقول له: تريد أن تخرج اعقد شعيرتين، أي: خذ شعيرتين واربطهما وحين تربطهما نخرجك من النار، وهذا تعجيز لهذا الإنسان، حيث يظل في النار ولا يخرج منها إلا أن يشاء الله سبحانه. ومثله ما ورد في الحديث المتقدم أن الإنسان يوقف على جسر جهنم ويقال له: اخرج مما قلت، وخروجه أن يخبر الناس أنه كان كذاباً، ومعلوم أن المؤمن لن ينتفع بما يقول عن نفسه: أنا كنت كذاباً، وإنما الغرض من ذلك: تحقير هذا الإنسان وتوبيخه وتعجيزه في هذا الموقف، ويظل كذلك حتى يأذن الله فتوخذ من حسنات المغتاب إن كان له حسنات بقدر مظلمة من اغتابه وتوضع في حسنات من اغتابه، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.
следующие страницы →