← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

تفسير قوله تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]. قوله: ((يَوْمَ لا ينفع)) قرأها نافع: (يوم لا تنفع) وقراءة الكوفيين عاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف وباقي القراء يقرءونها: ((يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ)) أي: يوم القيامة يعتذر الظالم والمنافق، ويحلف المنافق لله أنه ما كذب وما أعرض، وأن هذا المكتوب عليه في الكتاب لم يعمله، ولا يقبل إلا شاهداً إلا من نفسه، فيختم الله على فيه فتنطق جوارحه فتكذبه فيدعو عليها، فهذا نصر للمؤمنين يوم القيامة: أن المنافق يشهد على نفسه، وأن الفاجر يشهد على نفسه، وأن الكافر يدخله الله النار، ويعذب الذين كذبوا وأعرضوا، فالظالمون يعتذرون لله سبحانه فلا تنفع المعذرة. قوله: ((وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ)) أي: الطرد من رحمة الله ، ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢] أي: يستغيثون فلا يغاثون، ويستنصرون فلا ينصرون، يقول المنافقون للذين آمنوا: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد:١٣] أي: أعطونا نوراً قليلاً، لقد كنا معكم في الدنيا وكنا نصلي معكم فأعطونا شيئاً من نوركم، ﴿قِيْلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [الحديد:١٣ - ١٤] أي: حتى جاء نصر الله، ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:١٤]، هؤلاء الكفار. روى الإمام الترمذي حديثاً بإسناد فيه ضعف يسير وهو قريب من الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب وهو صدوق، فهو كثير الإرسال، وقد روى عن أم الدرداء عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه قال: (يلقى على أهل النار الجوع فيعدل ما هم فيه من العذاب) أي: يلقى عليهم الجوع فيعادل الجوع ما هم فيه من العذاب، (فيستغيثون فيغاثون بطعام مِنْ ضَرِيعٍ) والضريع: نبت من شوك طعمه قذر منتن مر تستقذره الإبل فلا تأكله، فإذا أكلته الأنعام ماتت، فتجتنبه الأنعام ولا تأكله، فهؤلاء يغاثون بمثله والعياذ بالله! قال: (فيغاثون بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشراب، فيرفع إليهم الحميم بكلاليب الحديد) والحميم: هو السائل الذي بلغ النهاية في الحرارة والعياذ بالله! ثم يقول: (فإذا دنت من وجوههم شوت وجوههم، فإذا دخلت بطونهم قطعت ما في بطونهم، فيقولون: ادعوا خزنة جهنم، فتقول لهم الخزنة: ﴿أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [غافر:٥٠]، فيقولون: ادعوا مالكاً، فيقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فيجيبهم مالك: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧])، أي: لا نهاية لعذابكم بل سوف تعذبون أبد الآبدين، قال الأعمش أحد رواة هذا الحديث: (نبئت أن بين دعائهم، وبين إجابة مالك إياهم ألف عام) أي: ينادون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] فلا يرد عليهم مدة ألف عام ثم يجيبهم، فلما انتظروا تلك المدة ظنوا أنه يجيب بشيء ينفعهم، ولكن ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فبعد أن عذبوا بالنار وبالجوع وبالطعام والشراب من الحميم وبطول الانتظار يأتي هذا الرد: ((إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ)) قال: (فيقولون: ادعوا ربكم فلا أحد خير من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٦ - ١٠٧]) يحتجون بالقضاء والقدر، أي: غلب علينا قدرنا فكنا أشقياء، فسامحنا في هذه المرة وأَخْرِجْنَا مِنْهَا وأرجعنا إلى الدنيا مرة ثانية، فإن عدنا إلى الظلم وإلى الكفر فافعل بنا ما تشاء. قال: (فيجيبهم ربهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]) (اخسأ) كلمة تقال للكلب حين يزجر ويطرد من مكانه. كذلك يقول الرب سبحانه لأهل النار والعياذ بالله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٨ - ١١٠]). أي: تذكروا في الدنيا حين كنتم تضحكون من المؤمنين وتسخرون منهم وتستهزئون بهم. ثم قال تعالى عن المؤمنين: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون:١١١]) أي: الفوز اليوم والفلاح والنصر للمؤمنين، فالمؤمن يفرح بنصر الله ، فهو يفرح أن ربه انتقم له من عدوه، فينظرون إلى أهل الجنة وقد نجاهم الله من العذاب وجعلهم في الجنة: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾ [يس:٥٥] أي: في شغل عن هؤلاء لا يلتفتون إلى أهل النار؛ لما هم فيه من متعة عظيمة جميلة في جنة الخلد. نسأل الله أن يجعلنا من أهلها. يقول في آخر الحديث: (فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزفير والحسرة والويل). وهذا انتقام الله من الكفار والظلمة والمجرمين، فهو سبحانه ينتقم منهم أعظم الانتقام يوم القيامة في نار جهنم، أما في الدنيا فقد ينصر المؤمنين ويمكن لهم، وقد يأتي الأمر على خلاف ما يشتهون؛ لأن الأمر أحياناً يكون عليهم، ولكن دين الله لا يزال عالياً، وأحياناً ينتصرون. فنقول: إذا صار المسلمون في وقت من الأوقات بعيدين عن دين ربهم فإن مصيرهم إلى ذلة وهوان، وبهذا يعلم أن النصر لا بد له من تضحيات، ولا يعلو دين الله إلا بالقتال في سبيل الله، وبالحجج والبراهين من كتاب الله وسنة سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه. نسأل الله أن ينصر دين الإسلام، وأن يمكن للإسلام والمسلمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2767

تفسير سورة غافر [٥١ - ٥٥] مهما علا الباطل وانتفش فلابد أن يزول، فالنصر حليف أولياء الله من الأنبياء والرسل والمؤمنين، إما معجلاً في الدنيا، أو مؤخراً إلى يوم القيامة، يوم لا تنفع المعاذير، ويكون جزاء الكافرين النار وبئس المصير، وما على المؤمنين والدعاة إلا السير على هدى رب العالمين، مقتدين بمن سبقوهم، متأسين بهم، صابرين على ما ينالهم، موقنين أن العاقبة لهم.

стр. 2768

تفسير قوله تعالى: (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) الحمد لله ربي العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ * يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ * وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ * هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الأَلْبَابِ * فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥١ - ٥٥]. يخبر الله في هذه الآيات أنه ينصر رسله وينصر المؤمنين في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، ونصر الله أكيد لأنبيائه ورسله وللمؤمنين الذين ينصرون دين الله سبحانه، إلا أن الله ذكر أنه ينصر أولياءه في الدنيا وفي الآخرة، ونصره لهم في الآخرة لابد وأن يكون؛ ففي يوم القيامة ينتقم الله من الظالم وينصر المظلوم، أما في الدنيا فقد يظلم الإنسان الظالم ولا يعاجل بالعقوبة، بل يظل حتى يقبضه الله على ظلمه، فأخذ الله له على هذا الحال أخذ عزيز منتقم مقتدر سبحانه ﵎، وقد جاء في الحديث: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) فنصر الله للمظلوم إما أن يسلطه على من ظلمه فيكون في ذلك نصره، وإما أن يملي لهذا الظالم حتى يجعله عبرة للناس إذا كسره وقصمه.

стр. 2769

الجواب عن إشكال أن بعض الرسل قد عذبوا وقتلوا في الدنيا وقد أورد الإمام الطبري في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] استشكالاً وأجاب عليه ﵀ فقال: قد يقال: كيف ينصر الله رسله جميعهم في الحياة الدنيا وقد جاء أن بعض الرسل قد قتلوا في الدنيا، كما قتل زكريا وابنه يحيى، وقتل أشعياء، وأراد اليهود قتل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام فنجاه الله ورفعه إليه، وطرد إبراهيم من بين قومه حتى هاجر إلى الله وترك قومه، فهؤلاء كيف نصرهم الله على أقوامهم؟ ويجاب: بأن نصر الله إما بأن ينصر أنبياءه ورسله في حال حياتهم، كما فعل ببعض منهم، أو أن ينصرهم بمعنى: ينتصر وينتقم ممن ظلمهم، حتى ولو مات هؤلاء، فلما قتل يحيى على نبينا وعليه الصلاة والسلام سلط الله على القوم الذين قتلوه بختنصر وهو كافر، فلم يزل يقتل منهم الألوف بدم يحيى بن زكريا على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فهذا نصر من الله لنبي ورسول من رسله عليهم الصلاة والسلام. واليهود لما سعوا بالمسيح ﵊ ليقتل، وذهب إليه الأمير ليأخذه هو ومن معه لينفذ فيه حكم الملك اللبناني بالقتل؛ فإذا بالله يرفع المسيح ﵊، فكان نصره من الله بأن رفعه، ثم سلط على هؤلاء -هذا الملك ومن معه- اليهود، فأذلوهم وأذاقوهم الأمرين بعد ما فعلوا فعلتهم مع المسيح ﵊ وأرادوا قتله، فنصره الله بأن نجاه ورفعه، ثم سلط اليهود على هذا الملك، ثم قبل قيام الساعة ينزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فيسلطه الله على اليهود، فلا يبقى على الأرض يهودي، ولا يبقى نصراني، ولا يكون إلا الإسلام، فقد أخبر النبي ﷺ أن من علامات الساعة أن يخرج المسيح الدجال وأكثر من يتبعه اليهود عليهم الطيالسة لعنة الله عليهم، فينزل المسيح عيسى بن مريم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإذا رآه المسيح الدجال ذاب كما يذوب الثلج، فيهرب من المسيح عيسى بن مريم، فيقول له المسيح: إن لك عندي ضربة لن تخطئها، ثم يتبعه فيقتله صلوات الله وسلامه عليه، وحينها يقتل المسلمون اليهود، وتشهد الأحجار والجمادات على اليهود، حتى يقول الحجر والشجر للمسلمين: يا مسلم! إن ورائي يهودياً تعال فاقتله، ويضع المسيح ﵊ الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، أي: لا يقبل من أحد ديناً غير الإسلام، وحتى لو دفع الجزية كما كانوا يفعلون مع النبي ﷺ ، فيقبل منهم ويظلون على أديانهم، كما أنه إذا نزل المسيح بن مريم حكم بالإسلام، أي: بهذا القرآن العظيم، ولم يقبل الجزية وإنما يضعها، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وهذا هو نصر الله لنبيه ورسوله المسيح ﵊ في الدنيا. فحتى ولو كان من هؤلاء الأنبياء من أخذه الله فرفعه كالمسيح، أو كان منهم من قتل وذاق القتل والهلاك في الدنيا كيحيى وزكريا فالله ينتقم لهم وينتصر لهم ، هذا جواب. وهناك جواب آخر لما تقدم حول قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١]، وهو أن هذا من العموم الذي يراد به الخصوص أو العام المخصوص، والمقصود منه: أنا لننصر بعض رسلنا في الحياة الدنيا وننصر جميعهم يوم يقوم الأشهاد، وكذلك ننصر المؤمنين من عبادنا، إذ الآية وعد من الله سبحانه أن ينصرهم، ولكن لم يقل: إنه ينصرهم فرداً فرداً، ولكن ينصر دينه بما يشاء بما يتحقق من شروط النصر ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧].

стр. 2770

نصر الله للمؤمنين يوم يقوم الأشهاد قوله : ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:٥١]، تقدم أنه يوم القيامة، والأشهاد جمع شاهد، كما أن الأصحاب جمع صاحب، وهم الشهود الذين يشهدون على الناس يوم القيامة من ملائكة ورسل وأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكذلك ممن يشهد على الإنسان من نفسه جوارحه، فإنها تشهد عليه يوم القيامة، وفي ذلك اليوم ينصر الله عباده المؤمنين، وقد جاء في الأثر: من نصر مؤمناً في الدنيا كان حقاً على الله أن ينصره في الدنيا والآخرة، ومن رفع ظلماً عن مؤمن في الدنيا كان حقاً على الله أن يرفع عنه من الظلم ومن الكروب في الدنيا وفي الآخرة)، ويؤيده ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (من رد عن عرض أخيه المسلم كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم) إذ الجزاء من جنس العمل، فالإنسان المؤمن حين يسمع غيبة لأخيه المؤمن فيرد وينتصر لهذا الغائب؛ فإن ينصره يوم القيامة، وهذا وعد من الله قطعه على نفسه كما تقدم في الحديث، والحديث رواه الإمام الترمذي وحسنه، وصححه الشيخ الألباني، وهو من حديث أبي الدرداء ﵁، وجاء في زيادة ليست عند الترمذي أنه تلا هذه الآية: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر:٥١] فجعل من نصر الله للمؤمن في الحياة الدنيا أن يسخر له من يدافع عنه ويدفع عنه في غيبته، ويدفع عن حقه في الدنيا، ويوم القيامة ينتصر الله للمؤمنين يوم يقوم الأشهاد. وبمعنى حديث الترمذي ما روى الإمام أبو داود أن النبي ﷺ قال: (من حمى مؤمناً من منافق يغتابه بعث الله يوم القيامة ملكاً يحميه من النار، ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه به وقفه الله على جسر من جهنم حتى يخرج من مقاله)، والحديث حسنه الشيخ الألباني، وقوله: (من حمى مؤمناً) أي: من دافع عن إنسان مؤمن من إنسان يذكره بسوء، وقوله: (من منافق) وصف صاحب الغيبة بالنفاق، كما وصف الإنسان الذي يدافع عنه بأنه يحمي أخاه ويمنع عنه هذه الغيبة من مثل هذا المنافق. قوله: (بعث الله يوم القيامة ملكاً يحميه من النار)، أي: يدفع عنه نار جهنم يوم القيامة في مروره على الصراط حتى ينجيه الله ، قوله: (ومن ذكر مسلماً بشيء يشينه)، أي: من يتكلم عن مسلم بكلام يسوءه، كأن يريد أن يضره، وقوله (يشينه) بمعنى: أنه يقبحه ويذكر فيه فعالاً ويفضحه عند الناس، ومن فعل ذلك وهو كاذب فيما يقول وقفه الله على جسر جهنم حتى يخرج من مقاله، وهذا من نصر الله لعباده المؤمنين؛ ولذا ينبغي أن يحذر المرء أن يقع في غيبة المؤمنين أو غيرهم، أو يقع في أعراضهم، وكيف لا يحذر وقد علم أن الجزاء أن يحبسه الله على جسر جهنم تلفحه النار ويقال له: اخرج مما قلت، وفي الدنيا قد يخرج الإنسان مما يقول بأن يكذب نفسه ويقول: أنا كذاب، لقد كذبت في هذا الشيء، ويعتذر لمن اغتابه أو طعن في عرضه حتى يقبل منه، وذلك في الدنيا، أما يوم القيامة فلا يقول: أنا كذاب، فقد فضحه الله ، وإنما يوبخ بأن يقال له: اخرج مما قلته، وهو لا يدري كيف يخرج مما قال. وقد جاء في الأثر أن الله يدخل رجلاً في النار قد كذب في الدنيا وادعى أنه رأى رؤيا مع أنه كاذب فيها ويقول له: تريد أن تخرج اعقد شعيرتين، أي: خذ شعيرتين واربطهما وحين تربطهما نخرجك من النار، وهذا تعجيز لهذا الإنسان، حيث يظل في النار ولا يخرج منها إلا أن يشاء الله سبحانه. ومثله ما ورد في الحديث المتقدم أن الإنسان يوقف على جسر جهنم ويقال له: اخرج مما قلت، وخروجه أن يخبر الناس أنه كان كذاباً، ومعلوم أن المؤمن لن ينتفع بما يقول عن نفسه: أنا كنت كذاباً، وإنما الغرض من ذلك: تحقير هذا الإنسان وتوبيخه وتعجيزه في هذا الموقف، ويظل كذلك حتى يأذن الله فتوخذ من حسنات المغتاب إن كان له حسنات بقدر مظلمة من اغتابه وتوضع في حسنات من اغتابه، فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئاتهم فطرحت عليه ثم طرح في النار.

стр. 2771

تفسير قوله تعالى: (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) يقول الله : ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمْ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]، أي: يوم القيامة لا ينفع الظالمين معذرتهم، كأن يقول أحدهم: أنا آسف على ما بدر مني، فيظهر الأسف والاعتذار، فهذا لا يقبل منه، وإنما كان يقبل منه وينتفع به في الدنيا بأن يعتذر الإنسان وأن يتوب إلى الله سبحانه، أما يوم القيامة فلا ينفع الاعتذار من الظالم، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر:٥٢] أي: لهم الطرد من رحمة الله سبحانه ﴿وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر:٥٢]، أي: الدار التي تسوؤهم، ويعذبون فيها وهي النار والعياذ بالله.

стр. 2772

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الهدى هدى وذكرى لأولي الألباب) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر:٥٣]، في هذه الآية يذكر الله كتاب موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، مذكراً للمؤمنين أن هذا الكتاب -القرآن العظيم- ليس أول كتاب فيه الشريعة وفيه الموعظة وفيه الهدى والنور من عند الله تعالى، فقد جاء الكتاب لبني إسرائيل قبلهم، وقد تكرر هنا المعنى في كثير من آيات القرآن، والسبب في ذلك: أن يتدبر المؤمنون ويعتبروا أن الشريعة إذا جاءت من عند الله فهي هدى، وهي نور؛ ولكن يهدي الله بها من يشاء، وينير بها قلب من يشاء، فلا يغتروا بما جاءهم من هدى القرآن ونوره من عند الله سبحانه. وليس المعنى: أن حافظ القرآن قد حاز الهدى والنور بحفظه له من دون الإكثار من تلاوته والعمل به، فإنه لم ينتفع اليهود بالتوراة وقد حملوها فكانوا كالحمار يحمل أسفاراً، ومما يبين عدم استفادتهم من الهدى والنور الذي في التوراة: ما عُلِم أن كل نبي قد حذر قومه من المسيح الدجال، وكان اليهود ممن حذروا منه، ومع ذلك فإن أكثر أتباعه اليهود، فهل نفعتهم التوراة؟ وهل نفعهم تحذير موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ فالغرض الموعظة للمؤمنين، قال تعالى مخاطباً اليهود: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:٦٣]، فلم يأخذوا ولم يعملوا، وقيل ذلك للمؤمنين حيث أمروا أن يتمسكوا بكتاب الله سبحانه، قال النبي ﷺ (تركت فيكم ما إن تمسكتم به دخلتم الجنة) وفي رواية: (تركت فيكم الثقلين إذا تمسكتم بهما فلن تظلوا بعدي أبداً: كتاب الله فيه الهدى والنور)، فقد ترك النبي ﷺ لنا ما إن تمسكنا به لن نضل بعده أبداً وهو كتاب الله سبحانه؛ إذ إن كتاب الله الذي جاء من عند الله فيه الهدى وفيه النور، وكأن الله يذكرنا أنه آتى بني إسرائيل الهدى والتوراة فيها هدى ونور فلم ينتفعوا بها، فاحذروا أن تكونوا مثلهم، فقد استحقوا أن يلعنهم الله وأن تلعنهم أنبياء الله، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٨ - ٧٩]، فإنهم لما جاءتهم التوراة تنهاهم عن المنكر وتأمرهم بالمعروف، عكسوا الأمر فعبدوا غير الله ولم يتناهوا عن المنكر، فاستحقوا لعنة الله. فلذلك عندما يذكر الله أن يوم القيامة لا ينفع الظالمين معذرتهم، يراد بالظالمين اليهود الذين لم ينتفعوا بالتوراة، إذ لم ينتفع منهم إلا القليل، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ﴾ [غافر:٥٣]، أورثناهم، أي: جعلنا فيهم التوراة، ومعلوم أن ميراث الأنبياء هي الكتب السماوية التي تنزل من عند الله ، وقد ذكر النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك فقال: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، قوله: (إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً)، أي: أن ما يتركونه صدقة، فإذا مات النبي جمع المال الذي يتركه وتصدق به، وإنما الميراث الحقيقي للأنبياء هو هذا القرآن العظيم، فهو العلم الذي جاءوا به من عند الله، فقوله: (وَأَوْرَثْنَا) أي: جعلنا إرث النبي فيهم هذا الكتاب، وهو التوراة. وقوله تعالى: (هُدًى) أي: يدلهم على الطريق، (وَذِكْرَى) أي: موعظة وتذكير، (لِأُولِي الأَلْبَابِ) أي: ليست لكل الناس، ولكن لمن كان له قلب يعقل آيات الله وينظر ويعتبر بها.

стр. 2773

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) يقول الله لنبيه ﷺ ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، فيأمره بالصبر صلوات الله وسلامه عليه على أذى هؤلاء المشركين، وأخبره أن وعد الله بنصر المؤمنين حق لا شك أنه سيأتي وقت ما يشاء الله ، وقد صبر النبي ﷺ وأمر بالصبر والتصبر والإكثار من الصلاة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]، وهنا أمره بالتسبيح والإكثار من ذكر الله في صلاته وفي غيرها، قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥].

стр. 2774

تفسير سورة غافر [٥٥ - ٥٩] يأمر الله تعالى نبيه ﷺ بالصبر على أذى المشركين ومجادلة أهل الباطل، ويأمره بالاستغفار والتسبيح في أول النهار وآخره، والمؤمنون يقتدون بنبيهم ﷺ ، فقد كان النبي يستغفر الله في اليوم مائة مرة. والاستكبار عن الحق والمجادلة بالباطل صفتان من صفات الكافرين، فهؤلاء الذين أنكروا البعث نسوا أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلقهم، ولكنهم لا يعلمون ذلك؛ لأنه لا يستوي من نوَّر الله بصيرته، ومن أعماه الله عن الحق، ولا يستوي الذي يعمل الصالحات والذي يعمل السيئات.

стр. 2775

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ * إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٥ - ٥٩]. في هذه الآيات يصبر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه يأمره بالصبر ويخبره عما سيكون بعد ذلك من مجيء الساعة ومن حساب لهؤلاء المشركين، وأنهم لا يستوون أبداً مع المؤمنين عند ربهم سبحانه، قال تعالى: (فَاصْبِرْ)، أمر الله رسوله ﷺ وأمر المؤمنين بذلك، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]. فعودوا أنفسكم على الصبر كما أمر الله وكما أخبر عن الجزاء فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. فقوله: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، أي: مهما فعل بك هؤلاء ومهما آذوك فنفذ ما أمرك الله به واصبر على ما أمرت به من صبر وتنفيذ لهذه الشريعة وتبليغ لدين الله سبحانه، وجهاد لهؤلاء بالسيف والسنان، وبالكلمة واللسان، وبالقلب والجنان. وقوله تعالى: (إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ)، أي: وعدكم الله بالنصر إن نصرتم دينه حقاً، ولا بد أن يكون، ووعد الله للمؤمنين بإحدى الحسنيين إما النصر وإما الشهادة حق، وإن الله لا يخلف الميعاد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران:٩]، ووعيد الله للكفار بأن يعذبهم وأن يدخلهم النار حق. ثم أمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه أن يستغفر، وإن كان ربه سبحانه قد عصمه من الذنوب، وكأنه من باب إياك أعني واسمعي يا جارة، فقال له: (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ)، وهذه السورة مكية، والنبي صلوات الله وسلامه عليه أعلمه ربه سبحانه بأنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر في سورة الفتح بعد هجرته صلوات الله وسلامه عليه بست سنوات، في ذي القعدة من سنة ست في عام الحديبية، قال تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح:٢ - ٣]. فبين هاتين الآيتين سنوات طويلة، وأمر الله للنبي بالاستغفار هو أمر للمؤمنين أن يكثروا من الاستغفار مقتدين بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد كان ﷺ يكثر من الاستغفار حتى بعد أن أخبره سبحانه أن ذنبه مغفور ﵊، فلا يقع منه ذنب ﵊، ومع ذلك كان يعد له في المجلس الواحد سبعون مرة وهو يستغفر الله ، وقال ﷺ : (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة).

стр. 2776

معاني قوله تعالى (وسبح بحمدك) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥]، أمر أن يسبح الله في أول النهار وفي آخر النهار، فالعشي: وقت العصر، والإبكار: وقت الفجر، فأمره أن يستغفر الله وأن يسبح حامداً ربه، والتسبيح: هو التنزيه. وقالوا معناه: صل في هذا الوقت في العشي والإبكار، وكانت الصلاة في العهد المكي أن يصلي مرتين في اليوم ﵊ قبل أن يسرى به ويعرج به إلى السماء وتفرض عليه الصلوات الخمس المعروفة، فكان قبل ذلك يصلي ركعتين أول النهار وركعتين آخر النهار، حتى علم ﷺ كيف يصلي الخمس الصلوات، ونزل جبريل فصلى بالنبي ﷺ أول صلاة من الصلوات الخمس المفروضة وهي صلاة الظهر؛ ولذلك تسمى صلاة الظهر: الصلاة الأولى، لا لكونها أول صلاة في اليوم، ولكن لأن جبريل أول ما علم النبي ﷺ وصلى به إماماً صلاة الظهر. فقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ [غافر:٥٥]، على عموم التسبيح والحمد، وأيضاً على خصوصية معنى الصلاة، ولذلك تسمى صلاة النافلة صلاة التسبيح أو صلاة السبحة، بمعنى: صلاة التطوع، فالأمر هنا بالصلاة التي فيها ذكر الله وتسبيح الله وتحميد الله، والأمر هنا بأن يذكر الله في هذين الوقتين. وقد علم النبي ﷺ المؤمنين الذكر في هذين الوقتين: بعد الفجر، فالملائكة تحضر الذكر في هذا الوقت، وبعد العصر أيضاً، قال ﷺ : (يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار، فيعرج الذين باتوا فيكم)، أي: يعرجون بعد الفجر (فيسألهم الله كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون -أي: صلاة العصر-، وتركناهم وهم يصلون)، أي: الفجر، وهكذا تطوف الملائكة على بني آدم في صلاة الفجر وفي صلاة العصر، فالمستحب كثرة ذكر الله في هذين الوقتين.

стр. 2777

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦]، هنا تنبيه للنبي ﵊ بأن يصبر على أمثال هؤلاء؛ لأن هذا أمر يضايق الإنسان أن يسمع الجدل بالباطل، فبدأ ربه سبحانه معه بقوله: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [غافر:٥٥]، فهم سيجادلونك، وسيؤذونك، وسيحاولون أن يفعلوا بك ما يريحُ أنفسهم من أذى لك وإتعاب لك، (فَاصْبِرْ) على ذلك. وقد جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ما رزق عبد خيراً ولا أوسع من الصبر)، فالله يرزق العباد الكثير، وأفضل ما يرزق العبد الصبر، فإذا بهذا الإنسان الصابر يجد نفسه أغنى الناس؛ لأنه رزق الصبر فلا يحتاج إلى أحد من الناس، فتراه يصبر على البأساء وعلى الضراء، ويصبر على قضاء الله وقدره، ويصبر على تكاليف ما جاء في هذه الشريعة من أوامر فيفعلها، ويصبر على ما نهى الله عنه فيجتنبه. فقوله: تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر:٣٥]، أي: يضايقونك، ويتكلمون معك جدالاً بجدال، وقوله: ﴿بِغَيْرِ سُلْطَانٍ﴾ [غافر:٣٥]، أي: بغير حجة من عند الله ، وقوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر:٥٦]، (إن) هنا بمعنى: ما، أي: ما في صدورهم إلا كبر، وهذا أسلوب قصر، أي: الجدل ليس إلا للكبر الذي في نفوسهم، فهم يجادلون مستكبرين على شرع الله، ومستكبرين أن يطيعوا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فليس في صدورهم علم، وليس في صدروهم دين، وليس في صدورهم نور، بل في صدورهم الكبر والتعاظم وبطر الحق وغمط الناس، فهؤلاء القوم يخبر الله عنهم نبيه ﷺ أنه ليس في قلوبهم علم حين يجادلونه، إنما الذي في صدورهم حب الجدل استكباراً عن الحق. وكذلك كل إنسان يجادل بالباطل ليس في صدره علم، ولو كان في صدره علم لتكلم بالحق، ولأذعن له، ولا سمع للخصم فيما يقول، ولأنصف من نفسه، ولكن هؤلاء لا ينصتون، فهم يسمعون من النبي ﷺ بآذانهم، أما قلوبهم فلا تعقل ولا تفقه شيئاً، ولكنهم يسمعون ليردوا على النبي ﷺ ، وكذا كل مجادل بالباطل يستمع إلى خصمه لا يفكر فيما يقول، إنما يفكر كيف يرد عليه كبراً، فعظمت أنفسُهم في أنفسِهم واستعظموا واستكبروا. وقوله تعالى: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، أي: أن العظمة التي يدعونها لن يصلوا إليها أبداً؛ لأن الله يأبى إلا أن يضعه ويذله ويفضحه، فهؤلاء الكفار الذين كذبوا النبي ﷺ أذلهم الله وأخزاهم، فجعل شيوخهم وكبراءهم قتلى وصرعى في يوم بدر، فقد أنتنت جيفهم، وألقوا في قليب بدر جثثاً منتنة، وقال النبي ﷺ لهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقا)، وقال لأصحابه: (ما أنتم بأسمع لما أقول من هؤلاء). فهؤلاء الذين استكبروا عن الحق قال الله عنهم: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، وكل إنسان متكبر عن الحق مستحيل أن يصل إلى ما يزعم أنه متكبر عن قبول الحق ومتعاظم في نفسه يوهم الناس أن معه حق والناس يصدقونه، حتى وإن أطاعه الناس فيما يقول هو في أنفسهم كذاب، ويحتقرونه في أنفسهم ويظهرون له البغضاء، ولذلك كان أتباع مسيلمة حين يسمعون منه ما يقول يضحك بعضهم إلى بعض ويقول بعضهم لبعض: والله إنه لكاذب، ولكن كذاب ثقيف أحب إلينا من صادق قريش، فوجهة نظر هؤلاء الكفار أن هذا كذاب، لكن نحن نحب الكاذب منا على الصادق الذي من قريش. فالواحد منهم إذا سمعه يتلو عليه أشياء من وحي الشيطان ويزعم أن جبريل جاءه به يقول له: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، فلا يصدقه، وأبى الله إلا أن يحقره فيما يقوله وأن يذله وأن يضعه. فهنا يقول الله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، أي: ليسوا ببالغيه ولن يصلوا إلى ما يتمنون من استعظام أو استكبار، ثم قال للنبي ﷺ : ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [غافر:٥٦] أي: استعذ بالله من الشيطان، واستعذ بالله من الكبر، واستعذ بالله من الهوى، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر:٥٦]، أي: يسمعك ويسمعهم ويسمع كل شيء، ويراك ويراقبك ويراهم ويراقبهم ويراقب كل شيء ولا يخفى عليه شيء .

стр. 2778

تفسير قوله تعالى: (لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس) قال الله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، هؤلاء الذين يجادلون في الله ذكرهم الله في هذه السورة مرتين، فقال: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ [غافر:٥٦]، وقال قبل ذلك ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر:٣٥]، فقوله: (كَبُرَ)، أي: تعاظم هذا الشيء، فهو شيء يغضب الله ، وهو شيء بغيض عند الله عظم في مقته وفي كراهته، وهو الجدال بالباطل. ولهذا قال لنبيه ﷺ : قل لهؤلاء: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، يقول لهم ذلك لأنهم كانوا يجادلون في ذلك، ويقولون للنبي ﷺ : ﴿أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد:٥]، أي: هل نرجع مرة أخرى بعدما نكون تراباً، فقالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون:٣٦]، ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، قال الله سبحانه: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤]. ظن كاذب وتخرص باطل على الله بما يزعمونه، فقال: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾ [غافر:٥٦]، فالكبر يدفعهم بأن يجادلوا بالباطل وأن يدفعوا الحق الذي معك فيرفضوك، فقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، أي: هؤلاء المتعجبون من كيفية إعادة الله لهم لا ينظرون إلى كيفية خلق السماوات، وكيفية خلق الأرض، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١]، أي: ما أمسكهما من أحد من بعده، ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]، . وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢١]، هذا الذي عليك، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، صلوات الله وسلامه عليه. فقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر:٥٧]، أي: خلق السماوات والأرض أكبر وأعظم من خلق الناس، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٥٧]، أي: لم يتفكروا في ذلك، وقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠]، وقال النبي ﷺ : (أنزلت علي آيات الليلة ويل لمن قرأها فلم يتفكر فيها)، وهي هذه الآيات العشر من آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١] إلى آخر السورة. فيتفكر المؤمنون في خلق السماوات وفي خلق الأرض، يتفكرون في هذه الأشياء العظيمة التي خلقها الله سبحانه، وكلما نظروا إلى السماوات وإلى الشمس وإلى القمر وإلى النجوم وإلى هذه الأعداد الهائلة من الأجرام التي خلقها الله قالوا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ﴾ [آل عمران:١٩١]، أي: تعاليت وتنزهت يا ربنا أن تخلق شيئاً باطلاً ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩١].

стр. 2779

تفسير قوله تعالى: (وما يستوي الأعمى والبصير ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨]، أي: لا يستوي إنسان أعمى لا يبصر آيات الله في الكون مع إنسان بصير يبصر آيات الله، وهل يستوي الأعمى في قلبه الذي لا يتفكر ولا يتدبر مع إنسان أعطاه الله البصيرة فهو يتفكر في كون الله وفي مخلوقات خلقها الله؟! فهو يتأمل ويتدبر، ويعلم أن هذا ما خلق باطلاً، فلا يستوي الأعمى في قلبه الذي هو على الضلالة مع إنسان بصر الله قلبه ونوره. قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ﴾ [غافر:٥٨]، فالإنسان المؤمن لا يستوي مع صاحب أعظم سيئة وهي الشرك بالله سبحانه، لا يستوي أبداً المؤمن مع الكافر، ولا يستوي من يعمل صالحاً مع من يسيء ويعمل السيئات، قال تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨]، فقليلاً ما يتذكر الإنسان أي: ما يتعظ، وإذا اتعظ حيناً نسي أحياناً كثيرة فلم يتعظ، فقال الله سبحانه: ﴿قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [غافر:٥٨]، وهذه قراءة الكوفيين بتاء الخطاب، وباقي القراء يقرءون (قليلاً ما يتذكرون) للغائب، أي: هؤلاء المشركون وهؤلاء الكفار قليلاً جداً ما يتذكرون، وإذا تذكروا أحياناً وقالوا: إن هذا القرآن ليس بقول بشر، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر، سرعان ما يرجعون عن ذلك. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٨ - ٢٥]. إذاً: هذا الذي قال: القرآن له حلاوة، وعليه طلاوة، رجع عن كلامه بسرعة خائفاً من قومه مجاملاً لهم، فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤]، أثره عمن كان قبله، فتعلم السحر ممن كان قبله فكذب على النبي ﷺ وافترى عليه، فقليلاً ما يتذكر أمثال هؤلاء، أما المؤمنون فهم يتعظون بما قال الله سبحانه، ويعلمون أنهم إليه راجعون؛ ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ [غافر:٥٩]، أي: اتركهم على ما هم فيه من باطل ومن ضلال ومن كبر، فالساعة ستأتي لا ريب في ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا﴾ [غافر:٥٩]، أي: لا شك في ذلك، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [غافر:٥٩] بأنهم راجعون إلى الله، وأنه مجازيهم، قال تعالى: ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام:٩١]، حتى ﴿تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:١٠٧]، فيومئذ يعرفون أن الدين كان هو الحق من عند رب العالمين، وأن شيطانهم أضلهم فاستحقوا أن يكونوا من الغاوين. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2780

تفسير سورة غافر الآية [٦٠] الدعاء نوع من أنواع العبادة التي لا تصرف إلا لله ، وصرفها لغيره شرك، وفضائل الدعاء معروفة في الكتاب والسنة، وللدعاء آداب، منها: ألا يكون الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، ولا يتعجل الإنسان الإجابة، فإن الله يستجيب الدعاء على أي وجه من الوجوه، واستكبار العبد عن الدعاء استكبار عن عبادة الله سبحانه، والله عال فوق عرشه قريب من عباده إذا دعوه، ودعوة المضطر مستجابة، فلا بد من الإخلاص في الدعاء والعبادة.

стр. 2781

تفسير قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر:٦٠ - ٦٣]. في هذه الآيات من سورة غافر يأمر الله عباده أن يدعوه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] ووعد بالإجابة على الدعاء فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ولم يجعل بينهما شرطاً، ولم يقيد الدعاء بشيء في الآية، وإنما قال: ﴿رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠].

стр. 2782

أسباب إجابة الدعاء جاء عن النبي ﷺ في الحديث: (إن الله يستجيب الدعاء ما لم يدع أحدكم بإثم أو قطيعة رحم). إذاً: الإنسان المؤمن يدعو ربه بما شاء من الدعاء، فالله يستجيب بقيد: لا تدع بإثم، ولا تطلب ذنباً فتسأل ربك أن يعينك عليه مثلاً، أو تدعو على أحد بشر أو بشيء تأثم أنت حين تسأل ربك ذلك، وكذلك أن تدعو بقطيعة رحم، أو تدعو بشيء يكون فيه قطيعة الرحم، فلا يستجاب لك في ذلك. وقال ﵊: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، فيقول: دعوت فلم يستجب لي)، فعلى الإنسان إذا دعا ربه أن يصبر وليسأل ربه الخير فهو أعلم ، فقد تسأله الشيء الذي يعلم أن فيه ضرراً لك فلا يستجيب لك، ويعطيك مكانه من الخير أشياء أخرى، وقد يعطيك في الدنيا، وقد يعطيك الثواب في الآخرة، وقد يصرف عنك من السوء بقدر ما سألت الله من الخير، فالله يستجيب الدعوات يقيناً لا محالة في ذلك ولا شك فيه. وأمركم أن تدعوه سبحانه تضرعاً وخفية وخيفة، فتسأل ربك سبحانه متضرعاً إليه، وتسأله في العلن وفي الخفاء، وتسأله وأنت محب له خائف منه سبحانه.

стр. 2783

معاني الدعاء والدعاء على معنيين: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر:٤٩] بمعنى: وحدوا ربكم ، و ﴿ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] اطلبوا مني، إذاً: ادع ربك موحداً له؛ لأن الدعاء فيه توحيد الله ، وترسيخ العقيدة، فلذلك جاء في حديث النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، والعبادة: هي توحيد الله ، تعبد ربك، وتتذلل لخدمته سبحانه، ولخدمة دينه سبحانه، والعبادة لله: اسم جامع لكل خير، ولكل شيء تثبت به لربك سبحانه أنك عبد له، فهو اسم جامع لكل الطاعات للأقوال والأعمال والأفعال الظاهرة والباطنة التي ترضي بها ربك ، ولذلك فقولك: لا إله إلا الله دعاء له سبحانه، وأعظم ما دعا به الأنبياء والمرسلون في يوم عرفة قولهم: لا إله إلا الله، فهم يوحدون الله ، فالدعاء توحيد؛ لأنك تقول: يا رب أعطني كذا، فأنت تطلب منه وحده، وتقول: أنا أوحدك يا رب، أنت المستحق لأن تدعى فأنت الإله الذي تستحق ذلك وحدك، وأنت الرب الذي تستجيب. فالدعاء هو العبادة، فتوحد ربك سبحانه بالدعاء، فتقول: يا رب! أنت وحدك الذي أتوجه إليك بهذا الدعاء، وهذا توحيد الألوهية، وأنت وحدك الذي تقدر على الإجابة، وهذ١ توحيد الربوبية، فمقتضى ربوبيته سبحانه أنه يعطي سبحانه، ومقتضى ألوهيته سبحانه أنك تتقرب إليه وتدعوه.

стр. 2784

كرم الله سبحانه واستجابته للدعاء على أي وجه من الوجوه جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (من لم يسأل الله يغضب عليه). انظر إلى كرمه ، يقول لك: اطلب مني، وإذا لم تطلب مني فسأغضب عليك، فأنت تطلب من الإنسان ما تحتاج إليه فتقول: يا فلان! أعطني كذا، فيكون كريماً، وتطلب منه مرة ثانية فيكون كريماً، وتطلب منه مرة ثالثة فيقول لك: ليس كل مرة تأتيني وتطلب مني! فالعبد يغضب إن طلبت منه الشيء، والرب سبحانه يغضب إن لم تطلب منه ، ولذلك الإنسان المؤمن يعرف أن له رباً كريماً ، يعطي سبحانه عطاء عظيماً، وعطاؤه الشيء كن فيكون، وخزائن الله ملأى لا تغيظها نفقة، فعلى المؤمن أن يكثر من الدعاء، فالدعاء ينفعه في الدنيا والآخرة، فهو توحيد لله . والله يستجيب للعبد على وجه من الوجوه التي كلها خير، فإما أن يعطيه هذا الذي سأله، أو يصرف عنه من الشر بقدر ما طلبه من الخير، أو يدخر ذلك له ويجعلها جبالاً من الحسنات يجدها يوم القيامة عند الله ، فلا تعدم خيراً في الدعاء مهما دعوت ومهما سألت الله فكن على يقين بالإجابة على وجه من هذه الوجوه، وكن على ثقة في الله سبحانه أنه كريم جواد يستحيي من عبده إذا رفع يديه أن يردهما صفراً، ومستحيل أن ترفع يديك وتقول: يا رب! ويردك ولا يستجيب لك، بل لابد أن يعطيك من فضله ومن كرمه سبحانه، فهو أعلم بالخير، فلا تقل: إني أدعو وربي لا يستجيب لي، فلعل هذا الذي تطلبه ليس فيه الخير لك، فإذا صرفه الله عنك فثق أن الخير في غيره وليس فيه. ولذلك علمنا النبي ﷺ الاستخارة في الأمور كلها، فالاستخارة دعاء تطلبه من ربك، حيث إنك لا تطلب شيئاً بعينه، بل تقول: يا رب! اختر لي، إذا كان هذا الشيء فيه خير لي فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كان فيه شر لي فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به. فالمؤمن يرضى بما يرضى الله به. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونيَ أَسْتَجِبْ لَكُمْ).

стр. 2785

استكبار العبد عن الدعاء استكبار عن عبادة الله سبحانه قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]. فلما قال الله تعالى: (ادْعُونِي﴾ [غافر:٦٠] وصف الدعاء بأنه العبادة، فالذي يستكبر عن دعاء الله مستكبر عن عبادة الله سبحانه، وعمم في ذلك فقال: ﴿يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠] بكل صورها، فبدأ بذكر الدعاء ثم عمم العبادة. وقد قال النبي ﷺ : (الدعاء هو العبادة)، أي: من أعظم ما يكون في العبادة الدعاء؛ لأنك وأنت تدعو تستشعر بالذل بين يدي الله ، وبحبك لله سبحانه، وبأنه يريد بك الخير ويريد لك الخير، فتسأله وأنت مستيقن بأنه سوف يعطي سبحانه، وأنه المستحق لأن يدعى وأن يطلب منه وحده لا شريك له. وقد وعدنا الله في كتابه بالاستجابة وأمرنا بالدعاء، وأخبر عن هذه الاستجابة في مواطن من كتابه فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦]. وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] ولم يجعل بين الدعاء والإجابة شرطاً، فقيد النبي ﷺ ذلك بأن تدعو وتسأل ربك، لكن احذر من الدعاء بالإثم فلا استجابة لك في ذلك، فلا تدع على نفسك إلا بخير، ولا تتعجل في الدعاء، ولا تدعُ بقطيعة الرحم.

стр. 2786

علو الله فوق عرشه وقربه من العبد إذا دعاه فيستجيب له وانظر إلى قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦] ولم يقل فقل: إني قريب، ولكن أعجل من ذلك الجواب من الله ، فالله قريب من عباده. وجاء في سبب نزولها: أن بعض الصحابة سألوا: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ والنجوى: حديث السر، فنزل القرآن يجيب عن ذلك، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، والله فوق سماواته، وهو فوق عرشه ، ومستو على عرشه، بائن من خلقه، والسماوات بعيدة عن الأرض، وسمك كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وما بين السماء والتي تليها كذلك، وفوق السموات السبع كرسي الله سبحانه، وفوق ذلك عرش الله ، قال رسول الله ﷺ : (ما السماوات والأرضون بجوار الكرسي إلا كحلقة في فلاة)، وقال تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥] وأوسع من ذلك وأعظم عرش الرحمن، وما الكرسي بجوار العرش إلا كحلقة في فلاة، ومع ذلك كله فهو القريب سبحانه، قال تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، فهو قريب بسمعه وبصره واستجابته وقدرته ، فالله يحكم في عباده ويفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد، وهو أقرب لعباده من حبل الوريد بسمعه وبصره وقدرته سبحانه، وبلطفه بعباده، وبرحمته وحنانه . وقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦] أي: كل داع يدعو ربه فالله يستجيب له ، وقوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة:١٨٦] أي: فليدخلوا في ديني: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] أي: وليصدقوا بما جئتهم به من كتاب، وبما أنزلت في هذا الكتاب من أحكام، ومن أوصاف للرب ، ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦].

стр. 2787

الأصنام لا تملك لمن يدعونها شيئاً من الإجابة وانظر إلى الفرق بين الرب القادر سبحانه وبين الآلهة التي لا تملك شيئاً، فالله له دعوة الحق، وأنزل الكتاب بالحق وفيه الحق، ويدعو الخلق إلى الحق، فالدعوة الحق له سبحانه. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ [الرعد:١٤] أي: الأصنام والآلهة وهذه الأشياء الباطلة ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤]. هذه الآلهة التي يدعونها مثل بسط الإنسان يده للماء وهو يقول: تعالى يا ماء ادخل فمي، وأنى سيأتي الماء إلى فمه؟ قال تعالى: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد:١٤]. فالدعوة الحق هي لله سبحانه، والدعاء الحق الذي يكون من المؤمن للرب .

стр. 2788

فضل الله علينا ومنه باستجابته دعاءنا عند الاضطرار كذلك يمن الله علينا ويذكرنا، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، من الذي يجيبك إذا اضطررت؟ وكل منا يتعرض لذلك ليل نهار، فتجد نفسك مضطراً مريضاً تجأر إلى الله يا رب! اشفني، يا رب! اكشف عني، يا رب اشف ابني، وتسأل ربك وأنت مضطر، وتبكي على نفسك، وتبكي من الضرر الذي نزل بك، وتبكي خائفاً من الله ، حتى إذا استجاب لك نسيت كل شيء، قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل:٦٢]، من الذي يجيب هذا المضطر إذا دعاه؟ أإله مع الله؟ لا إله إلا الله، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢]، وهذا الاستفهام استفهام تعجب من أمر البشر، أي: هل بعد استجابته لكم تدعون غيره وتطلبون من غيره سبحانه؟! وقوله تعالى: ﴿أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل:٦٢] لم يقل: أرب مع الله؛ لأنه لا أحد ينكر ذلك، فأي خلق تكونون وأنتم تعلمون أن الله هو الذي يعطيكم ثم تشكرون غيره سبحانه؟ فلو أن إنساناً أعطى صديقه شيئاً، أيشكر غيره؟! سيقولون: سبحان الله! انظروا هذا إنسان جاحد، فإذا كنا لا نرضاه بين الناس، فهل نرضاه لربنا أن يعطينا ونشكر غيره ونعبد غيره؟! وكرر الله نعمه على عباده، وفي كل نعمة يذكر وراءها (أإله مع الله) أي: هل هناك إله يستحق العبادة مع الله الذي يفعل بكم ذلك؟ لا إله إلا هو، قال تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل:٦٢].

стр. 2789

أمر الله سبحانه لعباده أن يخلصوا في دعائهم وعبادتهم له كذلك قال الله سبحانه: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر:١٤]، أي: ادعوه ووحدوه ، وأخلصوا له في العبادة، وأخلصوا في دعائكم. كذلك يذكر الله في كتابه الدعاء والعبادة، ويذكر ذلك النبي ﷺ في أحاديث منها قوله صلوات الله وسلامه عليه: (الدعاء هو العبادة، وقرأ هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]). وقال ﷺ : (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء)، فدعاؤه كرم منه سبحانه فكيف ستكون الإجابة؟! فمن أكرم ما تتقرب به إلى ربك سبحانه الدعاء، وقال ﷺ : (من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء). فإذا أحببت أن يستجيب الله لك في وقت الأزمة والشدة فأكثر من الدعاء في وقت الرخاء. نسأل الله أن يستجيب دعوات المكروبين ودعوات المؤمنين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2790

تفسير سورة غافر (تابع) الآية [٦٠] لقد اشتمل الدعاء بمدلولاته على أنواع التوحيد الثلاثة، وهذا يدل على أهميته في حياة المسلم اليومية، والحقيقة: أن الدعاء باب لا يغلق، وفيض لا ينقطع، وسلاح ذو أثر عجيب، وهو أسرع الطرق للوصول إلى ما يتمناه الإنسان، فلتحرص عليه؛ لأن المدعو كريم حيي يستحي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما صفراً خائبتين.

стр. 2791

الدعاء فضله وأهميته وشموله لأنواع التوحيد الثلاثة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]. ذكرنا هذه الآية في الحديث السابق، وذكرنا أن الله سبحانه أمر عباده بدعائه، وذكرنا أن النبي ﷺ عظم الدعاء فقال: (الدعاء هو العبادة)، فالدعاء يشتمل على توحيد الله بأنواعه، ففيه توحيد الألوهية، وفيه توحيد الربوبية، فعندما يدعو الإنسان ربه يقول: يا رب! وهو موقن بأن الله يستجيب الدعاء، وهذه من خصائص ربوبيته سبحانه، فهو الذي يستجيب الدعاء ويعطي عباده ما سألوه ، وهو عندما يدعو ربه فإنه يتقرب إليه وحده لا شريك له، وهذه من خصائص توحيد ألوهية الله سبحانه، فهو الإله الذي يستحق أن يعبد، وأن يتوجه إليه بالعبادة. وعندما تتوجه إلى الله بالدعاء فإنك تقول: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عظيم، يا عزيز، يا حكيم، فتسأل ربك بأسمائه الحسنى وصفاته العلا، فهو وحده الذي يستحق هذه الصفات، ففيه توحيد الأسماء والصفات، كما قال : ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف:١٨٠]، أي: له وحده لا شريك له. فالدعاء مشتمل على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، قال سبحانه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وجاء في حديث النبي ﷺ قوله: (من لم يسأل الله يغضب عليه)، وجاء عنه قوله: (ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء) وجاء عنه ﷺ كذلك أنه قال: (من سره أن يستجيب له الله عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء)، وهذا الحديث رواه الإمام الترمذي، وهو حديث صحيح، وفيه: أن تعود نفسك على الدعاء في كل وقت، سواء في وقت الرخاء والخير أو في وقت البلاء والضيق، فإذا أكثرت من الدعاء في كل وقت كنت جديراً باستجابة الله لك حين ينزل بك شيء من البلاء، فيكون الله معك وبجانبك. ومما جاء عن النبي ﷺ في الدعاء أن تدعو لأخيك بظهر الغيب، وهذا من أجمل ما يكون إذا دعوت لنفسك وغيرك، فإنك إذا دعوت لأخيك أيضاً أمن الملك على ذلك، ففي الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: آمين ولك مثله)، فإذا أوصاك إنسان بالدعاء له فادع وأنت موقن بالإجابة، فإن الملك يدعو لك بمثل ما سألت لأخيك، ولذلك لا تستكثر على أخيك شيئاً في الدعاء، بل ادع له بالنجاح والرزق والجنة ونحو ذلك، فإن لك مثل الذي سألت لهذا الذي دعوت له بظهر الغيب. وجاء في الترمذي من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كف عنه من السوء مثله، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم)، إذاً: فالإجابة على وجوه: إما أنه يعطيك الشيء الذي سألته بعينه، أو أن يكف عنك من الشر والسوء بمثل هذا الذي سألته سبحانه، وجاء عنه ﷺ أيضاً: (أن العبد يجد يوم القيامة جبالاً من الحسنات فيقول: يا ربي! لم أعمل هذا، فيقال: هذا دعاء ادخرناه لك)، فيتمنى العبد لو لم يستجب له أي دعاء، فلو ادخرت له الأدعية كلها ليوم القيامة لكان أنفع له يوم القيامة. كذلك جاء في الحديث عن النبي ﷺ فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل: يا رسول الله! ما الاستعجال؟ قال: يقول: قد دعوته فلم أره يستجيب لي)، يعني: أنه يضجر لعدم الاستجابة فيمتنع عن الدعاء، فيحرم نفسه من فضل الله سبحانه ويدع الدعاء.

стр. 2792

من شروط استجابة الدعاء وحتى يستجاب للإنسان: فعليه أن يطيب مطعمه ومشربه وكسوته ورزقه الذي يأخذه؛ لكي يستجيب الله لدعائه، ولذلك جاء في الحديث الذي رواه الإمام مسلم وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : (أيها الناس! إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة:١٧٢]، ثم ذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب!) إنسان مسافر سفراً طويلاً (أشعث)، أي: أن شعره غير مرتب من طول السفر، فهو لا يجد وقتاً ليمشط فيه شعره، (أغبر) أي: ممتلئ بالتراب وغبار الطريق، فهذا الإنسان على هذه الهيئة هيئة المسكين الذليل التعبان المنهك الذي يدعو ربه، فهو بهذه الحال حري أن يستجيب الله له، ولكن هذا الإنسان الذي ذكره النبي ﷺ لا يستجيب الله له؛ والسبب هو قول النبي ﷺ فيه: (يمد يديه إلى السماء: يا رب! يا رب! ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له)، أي: إذا كان هذا يأكل الحرام ويمد يده على أموال الناس يأخذها ويأكلها ولا يتحرى الحلال فيأخذ منه، وكذلك مشربه وثيابه، فهو يسرق ويلبس ويغتصب ويشتري الشيء دون أن يدفع ثمنه، أو يلبس الحرير أو الذهب أو ما حرم الله . قال: (وغذي بالحرام)، إذاً: فهذا الإنسان يشبع بطنه من الحرام ثم يقول: يا رب! يا رب! فهذا بعيد من الله ، قال: (فأنى يستجاب له)، أي: كيف ينتظر الإجابة من الله سبحانه وهو قد أبعد نفسه عن ربه بهذا الحرام؟

стр. 2793

من موانع استجابة الدعاء من موانع استجابة الدعاء: أن يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، أو أن يسكت عن المنكر، ويقول: دع الناس وشأنهم، مع قدرته على تغيير المنكر ولو بلسانه، فهذا بعيد عن الإجابة، فقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). إذاً: فهي عقوبة من الله يبعثها على العباد من بلاء يبتلون به ومصائب تعمهم، فإذا دعوا الله فلا يستجاب لهم؛ لأنهم تركوا المنكر أمامهم فلم يأمروا بمعروف ولم ينهوا عن منكر، فإذا بالله يبتلي العباد بالمصائب لهذا.

стр. 2794

الحث على العزم في الدعاء إذا سأل العبد ربه فليسأله وهو موقن بالإجابة، وليسأل سؤال المضطر العاجز المحتاج إلى ربه ، وليري الله تعالى من نفسه الذل والمسكنة والحاجة والعجز، فيقول: يا رب! إني فقير فأغنني، إني ضعيف فقوني، إني ذليل فأعزني، فهذا جدير أن يستجيب الله له. ولذلك فإن الإنسان الذي يتكبر في سؤاله ربه فيقول: يا رب! أعطني كذا إن شئت، أو إذا أردت أن تعطيني فأعطني، وكأنه يخاطب إنساناً مثله، فهذا دليل الكبر الذي عند الإنسان وعدم الحاجة إلى الله ، فهذا لا يستحق جواباً من الله ؛ لأنه يعلق عطاء الله واستجابته على المشيئة، بل ليعزم المسألة وليطلب من الله وهو متيقن أنه الرب القادر العظيم ، أما إذا علقت الدعاء بالمشيئة فإن الله لا يقبل ذلك، فقد يطلب الإنسان من الآخر ذلك ويعتبره نوعاً من الاحترام، وهذا من البشر؛ لأن الإنسان بطبيعته متكبر متعال، فيحتاج من الآخر أن يلتمس منه ويرجوه ويتلطف معه في الطلب، فإذا كان هذا الإنسان كريماً أنف هذا الشيء في البشر فكيف بالخالق العظيم ؟! فهذا الأمر لا يقال للكريم سبحانه؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : (لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، وليعزم المسألة فإنه لا مكره له). إذاً: فلتعزم المسألة راغباً من ربك فيما عنده، راهباً مما عنده، موقناً بإجابته، فلا أحد يكره الله على شيء، عياذاً بالله. قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، إذاً: اطلب من الله ، ووحد ربك ، وأكثر من ذكره ، وادع إليه سبحانه، ولذلك لما سئل النبي ﷺ : (إلام تدعو؟ قال: أدعو إلى الله الذي إن مسك ضر فدعوته كشفه عنك)، إذاً: فالنبي ﷺ يدعو الخلق إلى عبادة الله أن يذكروه ويشكروه ويتوجهوا إليه بالعبادة وحده لا شريك له.

стр. 2795

فضل ذكر الله تعالى يقول الله : ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة:١٥٢]، فلو ذكرت ربك فالنتيجة قوله تعالى: ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، وانظر إلى جمال كلامه وجمال الجواب ﴿ اذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة:١٥٢]، والنبي ﷺ يذكر لنا درجة الذي يذكر الله فيقول فيما يرويه عن ربه: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم)، إذاً: كلما ذكرت الله في مكان كلما ذكرك الله في مكان خير من المكان الذي ذكرته فيه سبحانه، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:١٥٢]. كذلك: أخبر الله عن المؤمنين أنهم يذكرون الله سبحانه كثيراً فقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٣٥]، وذكر النبي ﷺ أنه يحب أن يجلس مع أقوام يذكرون الله فقال: (لئن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة -أي: الفجر- حتى تطلع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل)، أي: أحب إليه من أن يعتق أربع رقاب من العرب، فهو يحب الجلوس في المسجد لذكر الله من وقت الغداة إلى أن تطلع الشمس قال: (ولئن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحب إلي من أن أعتق أربعة)، صلوات الله وسلامه عليه. وجاء عنه ﷺ أيضاً قوله: (سبق المفردون)، أي: الذين يفردون الله بالذكر سبحانه، (قالوا: ما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)، فالمفردون: هم الموحدون ربهم سبحانه، الذاكرون الله كثيراً، فهؤلاء سبقوا، أي: إلى الآخرة، فالذي يسبق بهذا السباق هم المتقدمون الذاكرون الله كثيراً، والذين لا يزال لسانهم رطباً بذكر الله . وجاء عن النبي ﷺ أيضاً في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره أنه قال: (ما عمل آدمي عملاً قط أنجا له من عذاب الله تعالى من ذكر الله)، إذاً: فأفضل عمل ينجيك عند الله سبحانه هو ذكر الله سبحانه، ولا يكفي أن تذكر الله ساعة فقط، بل لا يزال لسانك رطباً بذكر الله، فكلما قمت أو نمت أو ذهبت أو جئت فأنت تذكر الله تعالى، وعلى لسانك ذكر الله . جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: (إن شرائع الإسلام كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به، فقال: لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله)، وقال في الحديث الآخر الذي رواه الترمذي: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قال ﷺ : ذكر الله تعالى) فذكر الله أعظم من هذا كله، فقد تحدث هذه الأشياء مرة ثم تنقطع، ولكن الذكر لا ينقطع أبداً، فإن العبد يصل بالذكر إلى درجات عالية جداً، قال سبحانه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]. نسأل الله أن يطمئن قلوبنا بذكره، وأن ينصر الإسلام والمسلمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2796

تفسير سورة غافر [٦٠ - ٦٤] يحث الله عباده المؤمنين أن يتوجهوا إليه بالدعاء، وسماه الله عبادة لأهميته ومنزلته العالية، وتوعد الله الذين يستكبرون عن دعائه وعن عبادته بنار مستعرة، ويذكر الله في مواضع كثيرة عباده بالنعم الكثيرة والخيرات الوفيرة التي أسبغها عليهم؛ امتناناً وفضلاً منه ، حتى يعبدوه وحده ولا يشركوا به شيئاً.

стр. 2797

تفسير قوله تعالى: (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٠ - ٦٥]. لما أمر الله عباده في هذه الآيات بدعائه بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وعد بالإجابة على الدعاء فقال: ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وأخبر عن الذين يستكبرون عن الدعاء فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، فالمتكبر عن توحيد الله سبحانه، والمتكبر على ربه سبحانه هو الذي لا يدعوه ولا يطلب منه ، والمتكبر على دين النبي ﷺ لا يدخل فيه ولا يتابعه عليه. قال تعالى: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، أي: سوف يدخلهم الله سبحانه نار جهنم، قال تعالى: ﴿يَوَمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور:١٣]، فيساقون إليها تسوقهم الملائكة فيدخلون جهنم وهم يدفعون إليها. وقوله: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر:٦٠]، هذه قراءة الجمهور، وقرئ: (سيُدخَلون جهنم) وهي قراءة ابن كثير وشعبة عن عاصم. أي: يدخلهم ربنا سبحانه أو تدخلهم الملائكة. وجهنم هي نار الآخرة، وسميت بذلك لبعد قعرها، فالحجر يلقى من فوق شفيرها ولا يصل إلى قعرها إلا بعد سبعين سنة، وقد خلقها الله ليعذب بها من عصاه، نسأل الله العفو والعافية وأن يجيرنا من عذاب النار. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر:٦٠]، أي: يستكبرون عن توحيد الله، وعن دعاء الله، وعن متابعة كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر:٦٠]، وقد أخبر النبي ﷺ كيف يدخلون النار وأنهم يحشرون كأمثال الذر في صور الرجال، فالذي يستكبر ويرى نفسه كبيراً عن أن يتابع كتاب الله وسنة النبي ﷺ ، فاستكبر في نفسه، ووجد نفسه أكبر من الخلق، فالله يحقره ويذله ويهينه، ويجعله يوم القيامة مثل النملة، فيحشر على مثل هذه الصورة، والله يفعل ما يشاء ، وقد جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وهو حديث صحيح: (إن الله يحشر المتكبرين كأمثال الذر في صور الرجال حتى يدخلهم نار الأنيار)، أي: أشد جزء في النار سعيراً والتهاباً يدخل الله فيه المتكبرين عن عبادته .

стр. 2798

تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) ثم أخبر الله عن نفسه سبحانه، وعن فضله على عباده، وعن قوته وقدرته سبحانه، فقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١] فالله هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فعبر عن ألوهيته بلفظ الجلالة (الله)؛ لأنه يفرد بالعبادة سبحانه، وعبر عن ربوبيته بقدرته سبحانه وخلقه وصنعه لهذه الأشياء، فالله هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه، وكلمة (جعل) تأتي بمعان: فمن معانيها: الخلق، وهذا هو المقصود هنا، وقد تأتي بمعنى التصدير، أي: تصدير الشيء كذا، فإذا تعدت لمفعول واحد فهي بمعنى الخلق، وإذا تعدت لأكثر من مفعول فلها معنى آخر كما يذكر الله . قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، وهنا ليس معناها الخلق، فقد تعدت لمفعولين، والمعنى أي: جعله لتفهموه ولتعملوا به، فجعله لكم قرآناً عربياً، وهو كلامه ، وهو صفة من صفاته سبحانه، فجعل الكلام عربياً لتفهموه، وقد خلق جميع الألسنة التي يتكلم بها الخلق فكلام الخلق مخلوق، وأما كلام الخالق سبحانه فهو صفة من صفاته. و (جعل) في هذه الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر:٦١] بمعنى الخلق، أي: خلق لكم الليل وخلق لكم النهار، فخلق لكم الليل رحمة بكم لتسكنوا فيه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١]، رحمة من الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]. ومن رحمته سبحانه أنه علم ضعف خلقه، والخلق لا يقدرون أن يعيشوا في هذه الحياة الدنيا والواحد منهم مستيقظ دائماً، فلا يطيق ذلك ولا يقدر، فلو أن إنساناً ظل مستيقظاً أياماً كثيرة فقد يموت من عدم النوم، فجعل الله للعباد ما يتمكنون فيه من النوم، وما يتمكنون فيه من الخروج للمعاش، فجعل الليل سكناً ولباساً يغشيهم ويغطيهم ويخفيهم ويسترهم، فيقدر الرجل في الليل أن يختبئ في بيته، وأن يختفي عن الخلق، وأن يأتي ويعاشر أهله في خفاء عن غيرهم من الخلق، فيستر الله عباده، وجعل ﴿َالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ [الفرقان:٤٧]، أي: تنامون نوماً عميقاً فتستريحون بهذا النوم، وتقدرون على العمل بعد ذلك. ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان:٤٧]، أي: أحياكم بعد ما أماتكم في هذا الليل، فقمتم من نومكم وقد أخذتم قسطاً من الراحة، فنشركم الله سبحانه، أي: أعادكم مرة أخرى لليقظة وللحياة. قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيْه﴾ [غافر:٦١]، أي: من أجل أن تسكنوا فيه، فالسكون هو الهدوء، والعشرة، ويسكن الرجل إلى أهله، ويسكن إلى بيته، فجعل الليل لكم سكناً. قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١]، أي: شديد الإضاءة، ففي النهار تشتد الإضاءة الناتجة من الشمس التي خلقها الله للعباد، فجعل النهار يبصر فيه العباد، ومن شدة إضاءته كان النهار نفسه الذي يبصر، والمعنى: أنه جعل لكم النهار لتبصروا فيه وتعرفوا مصالحكم، وينظر بعضكم إلى بعض، وهو آية من آيات الله . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر:٦١]، دائماً يكون التعبير بالألوهية والربوبية؛ لبيان أن الرب هو الله المستحق للعبادة وحده، والمشركون كانوا يفرقون بين ذلك، فالربوبية يصرفونها لله، فلو سألهم سائل من خلق السماوات والأرض؟ لقالوا: الله، والألوهية يصرفونها لغير الله، فلو سألهم سائل من تعبدون؟ لقالوا: غير الله. فيخبر الله عن ربوبيته، فالرب هو الذي يخلق: فقد خلق السماوات، والأرضين، والليل والنهار، والإنسان، فالله هو الذي يخلق والذي يصنع ويفعل، قال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ﴾ [النحل:١٧]، أي: الذي يخلق تتركونه وتعبدون من لا يخلق، فهل يستوي الخالق مع المخلوق سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً؟! فلفظ الجلالة (الله) من معانيه: أنه المعبود الذي يعبد ، فالله هو المستحق لأن يؤله ويعبد ، وهو هذا الرب الذي خلق والذي رزق والذي سوى كل شيء سبحانه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر:٦١] أي: إن الله صاحب الفضل العظيم، فقد تفضل على عباده فأعطاهم وأوجدهم، وتفضل عليهم فأعطاهم ما يسكنون فيه، وما يتنعمون به، وما يعيشون فوقه، وجعل لهم الجنة جزاءً على حسن العمل، وجعل العقوبة بالنار جزاءً على الإساءة. قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]، فكل الناس يعرفون نعمة الله عليهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١٨]، فهو رءوف بالعباد فأعطاهم النعم، ولكن الإنسان ظلوم وكفار، يظلم نفسه ويجحد نعم الخالق ، ولهذا قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر:٦١]، فالقلة من الناس هم الذين يؤمنون، والكثير من الناس يغويهم الشيطان فلا يشكرون ربهم ﵎. قال تعالى: ﴿َإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، فالأكثر من الناس في غفلة عن ربهم وعن نعم ربهم سبحانه، فإذا أعطاهم لا يشكرون، وإذا تفضل عليهم سبحانه لا يعرفونه، ولا يرجعون الفضل إليه، ولعل الإنسان ينسب الفضل إلى نفسه فيقول: بذكائي، وبقدرتي، وبكدي، وبتعبي، وبجهدي، فينسب لنفسه ما أعطاه الله سبحانه، فلا يشكر نعمة الله. لكن الإنسان المؤمن يحمد ربه ويشكره في كل أحواله، قال ﵊: (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، فالمؤمن في كل أوقاته حامد لربه شاكر له، صابر على ما ابتلاه به.

стр. 2799

تفسير قوله تعالى: (ذلكم الله ربكم خلق كل شيء) قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّا تُؤْفَكُونَ﴾ [غافر:٦٢]، (ذلكم) اسم إشارة، ويشار به للشيء البعيد، وهنا وجه التعظيم، فالخطاب لكم أنتم، ولذلك قال: ذلك وفي آخرها ميم، وهذا الضمير يشير إليكم أنتم، فيخاطب المخاطبين بالجمع، ولذلك جاء الضمير مع اسم الإشارة (ذلك). قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]، أي: ذلكم الله الذي صنع بكم هذا كله من النعم العظيمة، فهو الرب الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٢]، أي: ربكم ورب غيركم، فهو رب السماوات ورب الأرض ورب كل شيء رب العالمين . قال تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]، فالله خلق السماوات وخلق الأرضين، وخلق ما تعلمون وما لا تعلمون، والله خالق كل شيء . قال تعالى: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [غافر:٦٢]، فانظر كيف يؤكد على الألوهية وعلى الربوبية، في التأكيد على أنه هو الذي يصنع، وهو الذي يخلق، وهو الذي يفعل، وهو الذي يستحق أن يعبد، فهو الإله ، ويؤكد ذلك بذكر الله وبذكر الرب، وبذكر صفات الخالق وما يصنع، فقد قال: (ذَلِكُمُ اللَّهُ)، وفي هذا ذكر الألوهية، (رَبُّكُمْ)، وفي هذا ذكر الربوبية (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)، ذكر مقتضى الربوبية: أنه يخلق فهو الخالق وكل ما سواه مخلوق، (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، ذكر توحيد الألوهية وتقرير ذلك وتثبيت ذلك في قلوب المؤمنين أنه لا إله إلا هو سبحانه. قال تعالى: (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، أي: كيف تصرفون عن توحيده ؟! وكيف تكذبون عليه وتجحدون ما يقوله لكم سبحانه؟! (فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، أي: كيف تصرفون عن دلائل توحيده فتعبدون غيره وتكذبون عليه سبحانه؟! ومثل هذا الإفك العظيم كمثل ذلك العبد الذي صرف عن دين الله ، فكل إنسان غاو بعيد عن الله فهو يجحد بآيات الله، وهو في هذا الإفك، وفي هذا الكذب، وهو في هذا الانصراف عن دلائل توحيد الله .

стр. 2800

تفسير قوله تعالى: (كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر:٦٣] (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ) أي: يصرف عن توحيد الله وعن فهم آيات الله كل إنسان جاحد، والجحود للشيء عكس الإقرار به، فعندما تقر بالشيء أي: تعترف به كأن تعترف أن الله هو الخالق سبحانه، وأن الله هو الذي يستحق العبادة، ويجحد الشيء أي: ينكره مع العلم والمعرفة، كأن يأخذ إنسان منك وديعة فتقول له: هات ما عندك، فيجيب عليك بالإنكار أنه لم يأخذ منك شيئاً، فهو ينكر وهو يعلم أن هذا الشيء عنده، فهؤلاء يجحدون آيات ونعم الله وهم يعرفون ربهم ، ففي قلب كل إنسان ما يدله على ربه سبحانه، وعلى توحيده سبحانه، ولكنه ينصرف ويجحد فيختم الله على قلبه، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [غافر:٦٣].

стр. 2801

تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤] فنعم الله كثيرة جداً، وتأمل في كل نعمة من النعم كيف لو أنه لم يوجدها لكم، فلو لم يجعل لكم الأرض قراراً كيف ستعيشون؟ ولو لم يثبت لكم هذه الأرض في أعينكم وفي شعوركم والأرض تدور والشمس تجري، لو أنه جعلكم تشعرون بدوران الأرض هل كان من الممكن أن نعيش فوقها وهي تدور بنا ونحن نشعر بذلك؟! ولكن الله من فضله وكرمه أن جعل ذلك دون شعور منا، بل نظن أن هذه الأرض ثابتة لا تدور ولا تتحرك، فالجبال راسية عليها أن تميد بكم، لئلا تضطرب وتتحرك بكم، وهذا من نعم الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2802

تفسير سورة غافر [٦١ - ٦٥] لقد دعا الله عباده في أكثر من آية إلى التفكر في مخلوقاته وعجيب صنعه؛ لما لذلك الأمر من إقرار بأحدية الربوبية والتصرف لله وحده، والذي يستلزم لأجله إفراده جل في علاه بالألوهية؛ إذ لا يستحق العبادة إلا من كان خالقاً، رازقاً، معطياً مانعاً، وذلك هو الله وحده .

стр. 2803

مقتضيات ربوبية الله تعالى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦١ - ٦٥]. في هذه الآيات العظيمة من هذه السورة يقرر الله أمر العقيدة الإسلامية التي هي دين الله ودين الرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة السلام، فالله أرسل الرسل يدعون الخلق إلى توحيد الله ، فيذكرهم بربوبيته، وأنه الذي يخلق ويرزق، وأنه خالق كل شيء، وأنه الفعال لما يريد، وأن الذي يخلق هو الذي يرزق وهو الذي يحكم بين عباده، وهو الذي يحاكم عباده ويحاسبهم فيدخلهم الجنة أو يدخلهم النار ، فهذا الرب سبحانه هو وحده الذي يفعل ذلك، فإذا أمر وجب على العباد أن يطيعوا أمره ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. ومن مقتضيات ربوبيته سبحانه أنه يخلق وحده ، وأنه وحده يحكم بين عباده فيما فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وهو الذي يشرع لعباده سبحانه، فهو الحكم، وهو الحكيم، وهو الحاكم يحكم بين عباده، وهذا كله من مقتضيات ربوبيته. وما ذكره الله في الآية هو من مقتضى ألوهيته سبحانه، بأن ينفذ العباد ما يحكم به الله ، فيعبدونه ويقيمون شرعه ، فهنا بيان أنه الإله الذي يستحق العبادة بأفعال المخلوقين، وبيان أنه رب لأفعال منه ، فهو رب يفعل ما يريد سبحانه، وهو إله يستحق أن يعبده كل الخلق، ومن ألوهيته أن يتوجه إليه بالعبادة ، يقرر الله هذا المعنى العظيم بما يذكره من آياته ونعمه وفضله على عباده ، ذلكم الله ربكم ، لا إله غيره، ولا رب سواه، فإذا خلق وجب على العباد أن يعبدوه وأن يشكروه، وإذا رزق وجب على العباد أن يحمدوه وأن يشكروه سبحانه وأن يذكروه، فأفعاله منه سبحانه تستوجب على العباد أفعالاً يفعلونها ليوحدوا ربهم سبحانه وحده لا شريك له.

стр. 2804

توحيد الألوهية أساس دعوة الرسل لقد كان أهل الجاهلية يقرون بالربوبية، ولذلك لما أرسل الرسول ﵊ لم يدعهم لأن يقولوا: لا رب إلا الله؛ لأنهم يعرفون ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، فهم ليسوا بحاجة لأن يقولوا: لا رب إلا الله، وإنما أرسل الله رسوله ﷺ ومن قبله من الرسل ليدعو خلق الله إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، إقراراً على النفس بأني لا أتوجه إلى سواه بالعبادة، فلا أعبد إلا هذا الإله الواحد ، وأن أعتقد أنه لا يوجد في الكون إله حق إلا هو سبحانه، فهذا هو معنى شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، إذ معناها: لا معبود بحق إلا الله ، فهناك معبودات أخرى غيره كثيرة، منها ما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١]. لكنها كلها باطلة، فكلمة التوحيد (لا إله)، فيها حرف (لا) وهي نافية للجنس، و (إله) اسمها، والأصل في هذه النافية للجنس أن يقدر الخبر كلمة: (حق)، ومن ذهب إلى أن التقدير كلمة (موجود) كقولهم: لا مصلي في المسجد، أي: لا مصلي موجود في المسجد، فهو خطأ؛ لأن كلمة التوحيد لا يقال فيها: لا إله موجود إلا الله؛ لوجود آلهة أخرى كثيرة تعبد، لكنها باطلة، فالتقدير الصحيح أن يقال: لا إله حق إلا الله، فالله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وما سواه من أوثان وأصنام ومعبودات اتخذت من دون الله كلها آلهة باطلة عبدت من دون الله بغير حق، ولذلك نقول: أرسل الله الرسول عليه الصلاة السلام ومن قبله الرسل ليعبدوه وحده لا شريك له، وليوحدوه، وليقولوا للخلق: قولوا لا إله إلا الله، قال تعالى في شأن نوح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. فيبين ربنا هنا أنه أرسل نوحاً إلى قومه ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. فقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] إثبات ونفي، وهي مثل كملة التوحيد: نفي وإثبات، فقولنا: (لا إله) نفي لصفة الألوهية الحقة عن إي مخلوق، وقولنا: (إلا الله) إثبات لصفة الألوهية الحقة له وحده ، فمعنى (لا إله إلا الله) هو نفسه الذي أرسل به الله سبحانه الرسل أن يقولوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. وهذه الكلمة -أي: كلمة التوحيد- يدخل العباد في دين الإسلام ويعبدون الله سبحانه عن طريق اتباع أمر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لابد من كلمة التوحيد الثانية وهي: محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فهو رسول من عند الله يبين لنا كيف نعبد الله .

стр. 2805

توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية هذه الآيات تقرر لنا معنى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ [غافر:٦١]، ولاحظ أنه قبل ذلك أمر العباد أن يدعوا ربهم فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ [غافر:٦٠]، أي: ربكم الذي هو الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١]. فذكر آية من آياته الكل يحتاج إليها وهي الليل والنهار، وقال: الذي خلق لكم ذلك هو الله سبحانه، والذي صير لكم النهار مبصراً وجعل الليل مظلماً هو الله ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر:٦١] أي: خلق لكم الليل من أجل أن تسكنوا فيه، وجعل لكم النهار مبصراً، أي: تبصرون فيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ﴾ [غافر:٦١ - ٦٢]. أي: الخالق العظيم هو الله وهو الرب وحده سبحانه، وهو الإله الذي تعبدونه وحده دون سواه، قال جل في علاه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]. فقوله تعالى: (كُلِّ شَيْءٍ) أي: كل ما يطلق عليه أنه شيء فالله خالقه سبحانه، وقوله: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله إلا الله، وهي كلمة عظيمة تعني: إفراد العبادة لله وحده سبحانه؛ ولذلك فإن هذه الكلمة تمد عند علماء التجويد والقراء حتى عند من يقصر منهم المد المنفصل، ويقول: هذا من باب مد التعظيم، أي: التعظيم للخالق ، فكلمة (لا إله إلا الله) لا بد أن تملأ قلبك وصدرك وفمك بأن تقر أنه الإله وحده لا شريك له، والذي لا يعبد سواه، لا إله إلا هو . قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، فقوله: (فأنى تؤفكون) أي: إلى أين تذهبون؟ وكيف ترون هذه الآيات العظيمة وهذا الإعجاز الذي ترونه من ربكم سبحانه ثم تنصرفون عن الاعتبار بالآيات وعن توحيده سبحانه؟! قال تعالى: (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، أي: كل من عرف الحق فأنكر بعد المعرفة استحق أن يطبع الله على قلبه، وأن يؤفك أي: أن يصرف عن الحق إلى الباطل، فقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ) أي: يصرف عن توحيد الله بالختم على قلبه، والطبع لكل من يجحد بآيات الله سبحانه، ولذلك فالإنسان الذي يعلم ثم يجحد بعد علمه، أو يتكلم بالباطل بعد أن عرف الحق يستحق أن يطبع الله على قلبه فيكون من الغافلين.
следующие страницы →