← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأرض قراراً والسماء بناء) قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤] فنعم الله كثيرة جداً، وتأمل في كل نعمة من النعم كيف لو أنه لم يوجدها لكم، فلو لم يجعل لكم الأرض قراراً كيف ستعيشون؟ ولو لم يثبت لكم هذه الأرض في أعينكم وفي شعوركم والأرض تدور والشمس تجري، لو أنه جعلكم تشعرون بدوران الأرض هل كان من الممكن أن نعيش فوقها وهي تدور بنا ونحن نشعر بذلك؟! ولكن الله من فضله وكرمه أن جعل ذلك دون شعور منا، بل نظن أن هذه الأرض ثابتة لا تدور ولا تتحرك، فالجبال راسية عليها أن تميد بكم، لئلا تضطرب وتتحرك بكم، وهذا من نعم الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] نسأل الله من فضله ورحمته إنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2802

تفسير سورة غافر [٦١ - ٦٥] لقد دعا الله عباده في أكثر من آية إلى التفكر في مخلوقاته وعجيب صنعه؛ لما لذلك الأمر من إقرار بأحدية الربوبية والتصرف لله وحده، والذي يستلزم لأجله إفراده جل في علاه بالألوهية؛ إذ لا يستحق العبادة إلا من كان خالقاً، رازقاً، معطياً مانعاً، وذلك هو الله وحده .

стр. 2803

مقتضيات ربوبية الله تعالى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ * كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦١ - ٦٥]. في هذه الآيات العظيمة من هذه السورة يقرر الله أمر العقيدة الإسلامية التي هي دين الله ودين الرسل جميعهم عليهم وعلى نبينا الصلاة السلام، فالله أرسل الرسل يدعون الخلق إلى توحيد الله ، فيذكرهم بربوبيته، وأنه الذي يخلق ويرزق، وأنه خالق كل شيء، وأنه الفعال لما يريد، وأن الذي يخلق هو الذي يرزق وهو الذي يحكم بين عباده، وهو الذي يحاكم عباده ويحاسبهم فيدخلهم الجنة أو يدخلهم النار ، فهذا الرب سبحانه هو وحده الذي يفعل ذلك، فإذا أمر وجب على العباد أن يطيعوا أمره ، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]. ومن مقتضيات ربوبيته سبحانه أنه يخلق وحده ، وأنه وحده يحكم بين عباده فيما فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، وهو الذي يشرع لعباده سبحانه، فهو الحكم، وهو الحكيم، وهو الحاكم يحكم بين عباده، وهذا كله من مقتضيات ربوبيته. وما ذكره الله في الآية هو من مقتضى ألوهيته سبحانه، بأن ينفذ العباد ما يحكم به الله ، فيعبدونه ويقيمون شرعه ، فهنا بيان أنه الإله الذي يستحق العبادة بأفعال المخلوقين، وبيان أنه رب لأفعال منه ، فهو رب يفعل ما يريد سبحانه، وهو إله يستحق أن يعبده كل الخلق، ومن ألوهيته أن يتوجه إليه بالعبادة ، يقرر الله هذا المعنى العظيم بما يذكره من آياته ونعمه وفضله على عباده ، ذلكم الله ربكم ، لا إله غيره، ولا رب سواه، فإذا خلق وجب على العباد أن يعبدوه وأن يشكروه، وإذا رزق وجب على العباد أن يحمدوه وأن يشكروه سبحانه وأن يذكروه، فأفعاله منه سبحانه تستوجب على العباد أفعالاً يفعلونها ليوحدوا ربهم سبحانه وحده لا شريك له.

стр. 2804

توحيد الألوهية أساس دعوة الرسل لقد كان أهل الجاهلية يقرون بالربوبية، ولذلك لما أرسل الرسول ﵊ لم يدعهم لأن يقولوا: لا رب إلا الله؛ لأنهم يعرفون ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]، فهم ليسوا بحاجة لأن يقولوا: لا رب إلا الله، وإنما أرسل الله رسوله ﷺ ومن قبله من الرسل ليدعو خلق الله إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، إقراراً على النفس بأني لا أتوجه إلى سواه بالعبادة، فلا أعبد إلا هذا الإله الواحد ، وأن أعتقد أنه لا يوجد في الكون إله حق إلا هو سبحانه، فهذا هو معنى شهادة التوحيد: لا إله إلا الله، إذ معناها: لا معبود بحق إلا الله ، فهناك معبودات أخرى غيره كثيرة، منها ما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية:٢٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ [مريم:٨١]. لكنها كلها باطلة، فكلمة التوحيد (لا إله)، فيها حرف (لا) وهي نافية للجنس، و (إله) اسمها، والأصل في هذه النافية للجنس أن يقدر الخبر كلمة: (حق)، ومن ذهب إلى أن التقدير كلمة (موجود) كقولهم: لا مصلي في المسجد، أي: لا مصلي موجود في المسجد، فهو خطأ؛ لأن كلمة التوحيد لا يقال فيها: لا إله موجود إلا الله؛ لوجود آلهة أخرى كثيرة تعبد، لكنها باطلة، فالتقدير الصحيح أن يقال: لا إله حق إلا الله، فالله هو الإله الحق وحده لا شريك له، وما سواه من أوثان وأصنام ومعبودات اتخذت من دون الله كلها آلهة باطلة عبدت من دون الله بغير حق، ولذلك نقول: أرسل الله الرسول عليه الصلاة السلام ومن قبله الرسل ليعبدوه وحده لا شريك له، وليوحدوه، وليقولوا للخلق: قولوا لا إله إلا الله، قال تعالى في شأن نوح: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. فيبين ربنا هنا أنه أرسل نوحاً إلى قومه ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. فقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣] إثبات ونفي، وهي مثل كملة التوحيد: نفي وإثبات، فقولنا: (لا إله) نفي لصفة الألوهية الحقة عن إي مخلوق، وقولنا: (إلا الله) إثبات لصفة الألوهية الحقة له وحده ، فمعنى (لا إله إلا الله) هو نفسه الذي أرسل به الله سبحانه الرسل أن يقولوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]. وهذه الكلمة -أي: كلمة التوحيد- يدخل العباد في دين الإسلام ويعبدون الله سبحانه عن طريق اتباع أمر رسول الله صلوات الله وسلامه عليه؛ إذ لابد من كلمة التوحيد الثانية وهي: محمد رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فهو رسول من عند الله يبين لنا كيف نعبد الله .

стр. 2805

توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية هذه الآيات تقرر لنا معنى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه﴾ [غافر:٦١]، ولاحظ أنه قبل ذلك أمر العباد أن يدعوا ربهم فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ﴾ [غافر:٦٠]، أي: ربكم الذي هو الله سبحانه: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيه وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ [غافر:٦١]. فذكر آية من آياته الكل يحتاج إليها وهي الليل والنهار، وقال: الذي خلق لكم ذلك هو الله سبحانه، والذي صير لكم النهار مبصراً وجعل الليل مظلماً هو الله ، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ﴾ [غافر:٦١] أي: خلق لكم الليل من أجل أن تسكنوا فيه، وجعل لكم النهار مبصراً، أي: تبصرون فيه، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذَلِكُمُ﴾ [غافر:٦١ - ٦٢]. أي: الخالق العظيم هو الله وهو الرب وحده سبحانه، وهو الإله الذي تعبدونه وحده دون سواه، قال جل في علاه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر:٦٢]. فقوله تعالى: (كُلِّ شَيْءٍ) أي: كل ما يطلق عليه أنه شيء فالله خالقه سبحانه، وقوله: (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله إلا الله، وهي كلمة عظيمة تعني: إفراد العبادة لله وحده سبحانه؛ ولذلك فإن هذه الكلمة تمد عند علماء التجويد والقراء حتى عند من يقصر منهم المد المنفصل، ويقول: هذا من باب مد التعظيم، أي: التعظيم للخالق ، فكلمة (لا إله إلا الله) لا بد أن تملأ قلبك وصدرك وفمك بأن تقر أنه الإله وحده لا شريك له، والذي لا يعبد سواه، لا إله إلا هو . قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ)، فقوله: (فأنى تؤفكون) أي: إلى أين تذهبون؟ وكيف ترون هذه الآيات العظيمة وهذا الإعجاز الذي ترونه من ربكم سبحانه ثم تنصرفون عن الاعتبار بالآيات وعن توحيده سبحانه؟! قال تعالى: (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)، أي: كل من عرف الحق فأنكر بعد المعرفة استحق أن يطبع الله على قلبه، وأن يؤفك أي: أن يصرف عن الحق إلى الباطل، فقوله تعالى: (كَذَلِكَ يُؤْفَكُ) أي: يصرف عن توحيد الله بالختم على قلبه، والطبع لكل من يجحد بآيات الله سبحانه، ولذلك فالإنسان الذي يعلم ثم يجحد بعد علمه، أو يتكلم بالباطل بعد أن عرف الحق يستحق أن يطبع الله على قلبه فيكون من الغافلين.

стр. 2806

تسخير الأرض للإنسان وبسطها لهم آية على توحيد الإلوهية قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤]. هنا يذكر الله بألوهيته وأنه المستحق للعبادة؛ لأنه هو الذي يخلق وهو الذي يجعل لكم ذلك قال تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا) أي: وطأ لكم الأرض فجعلها لكم موطأة تستقرون عليها، وقال تعالى عن إنعامه بالأرض للعباد في سورة المرسلات: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]. أي: جعل الأرض تقبل العباد، فهم يعيشون فوقها، فإذا ماتوا دفنوا بداخلها فتقبلهم الأرض، ولو شاء الله ما جعلها تقبلهم، ولقد أرانا الله آياته في ذلك، وذلك لما قتل رجال في زمن النبي ﷺ رجلاً من المؤمنين ثم دفنوه فإذا بالأرض تلفظه، فقالوا: لعل أحداً من أعدائنا أخرجه، فبعثوا غلمانهم يحرسونه، فإذا بهم يدفنونه بالنهار، وإذا بالأرض تلفظه بالليل، فقالوا: لعل غلماننا قصروا، أو هم الذين عملوا هذا، فحرسوه بأنفسهم، فوجدوا الأرض تلفظه ثلاث مرات، يدفنونه في قبر ويعمقون له الأرض فيصبحون وهو على ظهر الأرض لم تقبله، فلما تعجب الصحابة من ذلك قال لهم النبي ﷺ : (إن الأرض لا تقبل شبراً منه)، ومع أن الكفار كلهم يدفنون في الأرض فتأخذهم وتقبلهم، إلا أن الله أراد أن يجعل تلك القصة عظة وعبرة للناس؛ لئلا يقتل بعضهم بعضاً. فهذه الأرض نعمة من الله، تجمعكم فوقها وتستقرون عليها، ومن ذهب إلى القمر فإنه يرى نفسه تطير فوق سطح القمر؛ فلا توجد أرضية هناك، فالإنسان هناك يظل طائراً ولا يستطيع المشي، إلا إن ثقل بشيء يعينه على النزول على سطح القمر، أما الأرض فالإنسان ليس محتاجاً لهذا الشيء؛ إذ قوة الجاذبية تجذبه ليبقى على الأرض، وهذه آية من آيات الله لا يفكر الإنسان فيها، ولهذا يقول الله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا) أي: تستقرون عليها، فالأرض تدور، وهذا الدوران يجعل اليوم أربعاً وعشرين ساعة ومنه يأتي الليل والنهار، ولو شاء الله لثبتها، ولو شاء لشعرتم بدوران هذه الأرض، وانظر عندما يركب إنسان أرجوحة تلف به فإنه يشعر بدوران في رأسه، والأرض تدور بك أسرع من ذلك بكثير، ومع ذلك فأنت لا تشعر بذلك، وهذا من فضل الله ، وأيضاً لو أن إنساناً أتى بحجر ولفه على خرقة، ثم صار يلوح بها في الهواء، لطار الحجر مسافة بعيدة، وهنا الأرض تدور دوراناً شديداً ثم لا نرى أحداً يطير من مكانه، وكل هذا بفضل الله وكرمه؛ ولذلك يقول الله تعالى مذكراً بنعمته هذه: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا). أي: جعلكم تستقرون على هذه الأرض وهي تدور بكم فلا تطيرون فوقها. وقوله تعالى: (والسماء بناء)، أي: جعل السماء بناءً عظيماً محكماً، وهي سبع سماوات بعضها فوق بعض، ومع ذلك لم نر من تلك السبع إلا السماء الدنيا التي زينها ربنا بمصابيح، ونرى ما تحتها من كواكب وشموس وأقمار، ونسمع عن المجرات الكثيرة التي تتجاوز مائتي مليار مجرة موجودة، وكل مجرة فيها مليارات المليارات من الكواكب، وكل هذا فقط تحت السماء الدنيا، فكيف بالسماء الثانية والثالثة والرابعة؟! وما بين السماء والسماء؟! فالله جعل السماء بناء محكماً، وإذا تدبرنا في السماء الدنيا وأن الشمس كل يوم تطلع من مشرقها وتغرب في مغربها، وأن الشمس تجري في هذا الكون، بل المجموعة الشمسية كلها تدور حول الشمس في مسير جعله الله لها لا تتخلف عنه، فلا يوجد كوكب يقرب عن مكانه أو يبعد عنه، بل كل شيء ثابت في المسار الذي جعله الله له، وهذا هو إحكام الله ، ولقد قال جل في علاه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات:٤٧]، أي: بناها بقوته . وقوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، أي: أن الله يوسع هذا الكون، وهذا هو الذي اكتشفه الخبراء حديثاً، ومع ذلك فكل شيء في مداره، وتتحرك النجوم من مكان إلى مكان بنظام دقيق، وهذا كله يدبره الخالق ، والذي بناها فأحكم بناءها وجعل فيها طرقاً ومسارات هو الله الخالق العظيم ، ولذلك يحث الله عباده أن يتفكروا فيقول: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠].

стр. 2807

إتقان خلق الإنسان وصورته دليل على ربوبية الله وألوهيته يقول الله سبحانه: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:٦٤] أي: أعطاكم صوركم، وأعطاكم الهيئة والمنظر الذي تتميزون به عن غيركم، وكل هذا بأحسن منظر، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٧]. أي: هو الذي خلقك ودبرك سبحانه، فخلق فسوى، وقدر فهدى ، جعلك مستوياً، تقوم بقامتك فلا تمشي على يديك ورجليك، أو تمشي على بطنك، أو تزحف على استك، ولكن جعلك بشراً سوياً فعدلك ، وجعل لك يداً عن يمين وشمال، ورجلاً عن يمين وشمال، وعيناً يمنى ويسرى، فجعلك جميلاً وصورك فأحسن صورتك . قال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [غافر:٦٤] أعطاكم من فضله تأكلون وتشربون وتقتاتون وتتفكهون، وكل هذه النعم بمن الله وكرمه. قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ﴾ [غافر:٦٤] ، فالذي فعل ذلك هو الله المستحق للعبادة، وهو ربكم الذي يفعل ذلك ولا أحد سواه يقدر على شيء من ذلك، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [غافر:٦٤]، أي: تعالى وتمجد وكثرت بركته وخيره ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٤]، وفي هذا توكيد على الألوهية والربوبية، والمعنى: تبارك الله وتمجد الذي يستحق العبادة وحده، والذي هو رب العالمين، و (العالمين) يشمل كل عالم: عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الملائكة، وعالم الحيوان، وعالم الحشرات، وعالم الأرض، وعالم السماء، كل هذه العوالم العلوية والسفلية الله ربها ورب العالمين رب كل شيء ، فتبارك وتعالى وتمجد الله رب العالمين.

стр. 2808

دعاء الحي الذي لا يموت أولى من دعاء غيره قال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [غافر:٦٥] هذه صفة من صفاته وحده، فهو الحي الحياة الأزلية الأبدية، أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، ظاهر فليس فوقه شيء، وباطن فليس دونه شيء، ، قال تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣]. فقوله: (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله إلا هو، هو الحي وما سواه ميت، كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر:٣٠]. قال تعالى: (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، فإذا كان هو الحي وحده لا شريك له، الباقي وغيره فان، فادعوه وحده، واطلبوا منه بإخلاص، وأخلصوا له العبادة، ولا تشركوا به شيئاً، فلا تعبدوه وتعبدوا غيره معه، وإنما اعبدوه وحده لا شريك له، ووجهوا العبادة إليه مخلصين له الدين، فمن معاني الدين: العبادة، ومن معانيه: الجزاء، والمقصود هنا: أخلصوا له دينكم أي: عبادتكم، قال تعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) فكأنه يقول: وحدوه واحمدوه، فإن لم تحمدوه فقد حمد نفسه سبحانه فقال في كتابه: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). وقد كرر ذلك في مواضع من كتابه؛ ولذلك استحب العلماء أن يختم ذكر الله بالحمد لله، وأن يختم الدعاء بالحمد لله، كما قال هنا: ادعوه ثم قال: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). فالحمد لله أولاً وأخراً وظاهراً وباطناً، ونسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2809

تفسير سورة غافر [٦٦ - ٦٧] نهى الله نبيه محمداً ﷺ أن يتخذ أنداداً من دون الله، ونهاه أن يعبد الذين يدعون من دون الله، فقد بعث ﷺ ليدعو الخلق إلى توحيد الله سبحانه في العبادة وعدم الإشراك به، فلابد للمرء أن يستسلم لله وينقاد له ويخضع، فالإسلام هو دين الأنبياء جميعاً، فالذي خلق الإنسان أطواراً ثم أخرجه طفلاً هو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له.

стр. 2810

تفسير قوله تعالى: (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٦ - ٦٨]. في هذه الآيات يأمر ربنا نبيه صلوات الله وسلامه عليه بعبادته وحده لا شريك له، وأنه بعث ﵊ ليدعو الخلق إلى ذلك، ونهي هو ﵊ أن يتخذ أنداداً من دون الله وغيره بالتبع، ونهي أن يعبد الذين يعبدون من دون الله، وقد كان المشركون يتمنون من النبي ﷺ أنه لم يسفه آلهتهم وأحلامهم؛ لأن النبي ﷺ يشعر بذلة هذه الآلهة وأنها لا تستحق أن تعبد، وأنه لو فعل ذلك كانوا على استعداد أن يدخلوا معه في دينه صلوات الله وسلامه عليه، بشرط ألا يسفه أحلامهم ولا يتكلم على آلهتهم، ولكن أبى له ربه سبحانه إلا أن يصدع بالحق، وأن يأمر بالمعروف وأن ينهى عن المنكر صلوات الله وسلامه عليه، فقال له: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ). قوله: (إِنِّي نُهِيتُ) أي: نهاه ربه سبحانه، وما تقرب إلى آلهتهم قط لا قبل البعثة ولا بعدها صلوات الله وسلامه عليه، فنهاه ربه عن ذلك، وهو الذي يدعو الناس إلى التوحيد، والكفار يشنعون عليه صلوات الله وسلامه عليه، ويقولون: هذا الذي يدعونا إلى التوحيد يقول: الله والرحمن ويشرك، قالوا ذلك وهم يعلمون أنهم يكذبون ويهرفون بما لا يعرفون، وربنا سبحانه يكذبهم ويقول: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠] سواء دعوته باسمه العظيم (الله) أو باسمه العظيم (الرحمن)، أو بأي اسم من أسمائه الحسنى سبحانه فكلها أسماؤه، والمسمى واحد هو الله . فقال لهؤلاء المشركين الذين يكذبون ويقولون: يدعونا للتوحيد وهو يشرك: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي) أي: جاءه هذا القرآن العظيم وجاءه الوحي، وجاءه ما يصدق به صلوات الله وسلامه عليه، ويجعلهم يصدقون ويؤمنون، جاءه هذا القرآن العظيم الذي أعجز بلغاءهم وفصحاءهم فلم يقدروا أن يأتوا بمثله، ولا بعشر سور مثله مفتريات، ولا بسورة من مثله، فعجزوا عن ذلك. فقوله: (قُلْ إِنِّي نُهِيتُ) أي: نهاني ربي ، وقوله: (أَنْ أَعْبُدَ) أي: أن أتوجه ولو بشيء قليل من العبادة إلى هذه الأصنام التي تدعونها من دون الله، (لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي) أي: لما جاءني القرآن وجاءتني الآيات البينة من ربي، والبينة أي: الظاهرة الجلية الواضحة التي تبين عن نفسها، وتبين لكم الحق الذي أنا عليه، وتبين لكم كيف أن هذا القرآن معجز وعظيم. قال تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ)، فمحمد ﷺ جاء بدين الإسلام وأمر أن يسلم، وأمر الخلق أن يسلموا لله ، فأنت مسلم أي: مسلم نفسك لله ، وموجه وجهك إليه، ومسلم قلبك له، يفعل بك ما يختاره لك وما يريده وما يشاء سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فالذي خلق هو وحده الذي له الأمر، فلله سبحانه الخلق، ولا أحد غير الله سبحانه يخلق، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:١٧]. فإذا كان هو الذي يخلق فله الأمر وحده سبحانه، أي: له التشريع، وله أن يأمر بما يشاء، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] وأمر الله سبحانه واجب التنفيذ، فهو كما خلقك من دون أن يستشيرك كذلك يأمرك من دون أن يأخذ رأيك، فله الخلق سبحانه وله الأمر يخلق ما يشاء ويختار، ويفعل ما يريد سبحانه ويحكم في عباده بما يختاره سبحانه. فقوله تعالى: (وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ) أي: أن أسلم أمري ونفسي لله سبحانه يحكم فيَّ بما يشاء ، إذاً: دين الإسلام دين جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، أسلموا لله أي: وجهوا وجوههم لله، وسلموا قلوبهم لله، وخضعوا بأبدانهم لله فنفذوا ما أراد الله، إذاً: الإسلام بمعنى: الإذعان، والخضوع، والاستسلام لله ، فأنت تسلم نفسك له كما يسلم الأسير نفسه لمن أسره، تسلم نفسك لخالقك، لمالكك، للذي يدبر أمرك، تسلم أمرك إليه حتى يدلك على طريق الجنة فتكون من أهلها. وقوله تعالى: (لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) فهو رب العالم كله، العالم العلوي والعالم السفلي، والرب: هو الخالق المدبر .

стр. 2811

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُ﴾ [غافر:٦٧] فأنتم تسلمون أنفسكم لله، وتستسلمون له؛ لأنه مستحق لذلك، فأنتم كنتم لا شيء، وهو الذي خلقكم من تراب، والتراب لم يكن شيئاً فأوجده الله سبحانه، وخلقكم من نطفة من ماء مهين، كل هذا خلق الله ، فأصل الإنسان كان عدماً، وأوجد الله الماء، وأوجد التراب ، وخلط الماء بالتراب فأوجد الطين، ثم ترك الطين فترة فصار صلصالاً، كما قال تعالى: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر:٢٦] أي: من هذا الطين الذي يكاد أن ينتن، تقول: أسن الماء بمعنى: أنتن الماء، فخلق الإنسان كان من طين تركه الله فصار صلصالاً متغيراً، تغير ثم يبس فكان كالفخار، ثم شكله الله كما يشاء فكان آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ثم نفخ فيه من روحه، أي: مما خلق من الأرواح، فبثها فيه فكان هذا الخلق، ثم جعل الإنسان بعد ذلك يتناسل كما سمعنا في هذه الآية العجيبة، ومثلها ذكر الله في سورة الحج، ومثلها ذكر في سورة المؤمنون، فتكرر وصف خلق الإنسان الذي أعجز الخلق جميعهم، فالله خلق ﴿الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ [الإنسان:٢]، وخلق ﴿الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢]، وهنا يقول سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر:٦٧] فبدء خلق آدم كان من تراب. قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) وكان التناسل بعد ذلك من هذه النطفة، وعناصر جسد الإنسان هي عناصر موجودة في التراب، وقد اكتشف العلماء منها حوالي اثنين وعشرين عنصراً من العناصر كلها موجودة في تراب الأرض، ومن الممكن أن يكتشفوا بعد ذلك عناصر أخرى، قالوا: تراب الأرض فيه مائة عنصر، وقد اكتشفوا في الإنسان من هذه العناصر اثنين وعشرين عنصراً، ولذلك إذا مات الإنسان تحول إلى هذا التراب واختلط به؛ لأنه جاء منه أصلاً، فقد جعل الله الإنسان من تراب، وجعل ماءه يجري على هذا التراب، وجعل رزقه يخرج من هذا التراب، فأنت من هذه الأرض وإليها ترجع مرة ثانية. وكلمة (نطفة) المقصود بها: المني، ومعنى النطفة لغةً: الماء اليسير الذي ينطف في الإناء، فخلق الإنسان من هذه النطفة، وهذه النطفة عجيبة جداً، إذ هي ماء يحتوي على ملايين الحيوانات المنوية، والإنسان يخلق من حيوان واحد منها فقط، وحجمه صغير ضئيل جداً جداً، لم يكتشف العلماء هذا الحيوان الموجود في هذه النطفة إلا منذ سبعين سنة مضت، وكانوا قبل ذلك يظنون أن الإنسان كله يخلق في بطن أمه إنساناً صغيراً مثل النملة ويكبر على هذا الشيء، واعتقد به علماء الطب حتى القرن السابع عشر للميلاد، حتى اخترع الميكروسكوب في هذا الزمان، وكان لا يزال هذا الاعتقاد سائداً إلى قبل سبعين سنة، ثم اكتشفوا أن الإنسان يتكون في بطن أمه أطواراً، وقد ذكر الله ذلك لنا منذ ألف وأربعمائة سنة. يذكر الشيخ عبد المجيد الزنداني الذي أكرمه الله بهذه الآية وأمثالها في القرآن قصة له مع رجل أمريكي في هيئة الإعجاز العلمي، وهو عالم من علماء الطب اسمه البروفسور مرشال جونسون، قال الشيخ عبد المجيد للبروفسور مرشال: قد ذكر في القرآن أن الإنسان خلق أطواراً، طوراً فطوراً، قال: فلما سمع هذا الكلام كان قاعداً فوقف مندهشاً! قال: قلنا له: كان ذلك في القرن السابع الميلادي، فالقرآن يذكر لنا أن الإنسان كان أطواراً، فقال البروفسور: هذا غير ممكن، وتعجب لهذا الأمر، فقال له الشيخ عبد المجيد: لماذا تحكم عليه بهذا؟ هذا القرآن يقول: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ﴾ [الزمر:٦]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، قال: فقعد البروفسور مرشال جونسون على الكرسي وهو يقول بعد أن تأمل الأمر: ليس هناك إلا ثلاثة احتمالات: الأول: أن يكون عند محمد ﷺ ميكروسكوبات ضخمة جداً يعرف بها ذلك، وهذا مستحيل جداً. والاحتمال الثاني: أن يكون هذا الشيء من قبيل الصدفة. والاحتمال الثالث: أن يكون رسولاً من عند الله . فقال له الشيخ عبد المجيد: أما قولك: عنده ميكروسكوبات ضخمة، فأين هذا وأنتم لم تصنعوها إلا في القرن السابع عشر؟ قال: هذا صحيح. قال: أما الأمر الثاني: وهو قولك إن هذا صدفة، فهل احتمالات الصدفة الواردة عندكم في الإحصاء تعطي هذا الأمر ومن الممكن أن يكون؟ وإذا جاء مرة في القرآن فهل تتكرر الصدفة مرة أخرى؟ فقال الرجل: هذا صحيح، صعب أن نقول: صدفة، فقال الشيخ عبد المجيد: قلنا: ما رأيك؟ هل هذا الذي قاله النبي ﷺ بوحي من السماء؟ فقال الرجل بعدما سكت: لا تفسير إلا بوحي من فوق، أي: نزل عليه من السماء صلوات الله وسلامه عليه. هذا الأمر العجيب الذي ذكره القرآن يذكر فيه مراحل الخلق، وليس كل النطفة هي التي تلقح البويضة، وإنما حيوان واحد من ملايين الحيوانات الموجودة داخل هذا الماء القليل هو الذي يخترق البويضة ويلقحها، فهذا خلق الإنسان.

стр. 2812

معنى العلقة قال تعالى: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)، كانوا في الماضي يفسرون كلمة (العلقة) بأنها قطعة من الدم الجامد، وهذا من المعاني اللغوية، والله يقول: ﴿خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:٢]، وقال هنا سبحانه: (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) وقد تكررت هذه الكلمة، والبعض يفسرها بأنها قطعة من دم عبيط، ومعنى عبيط: أحمر طري، أي: دم جديد، والبعض يفسرها بقوله: العلق: دودة صغيرة تسمى دودة العلق، وشكلها صغير جداً يضعونها على عرق دم الإنسان في الزمان القديم، يستخدمونها لتخفيض الضغط في الإنسان، حيث إنها تكبر وتكبر وتمص دم الإنسان فيخف عنه الصداع، ويخف عنه ارتفاع ضغط الدم، فقالوا: العلقة: كهيئة الدودة، وهذا لعله يكون التفسير الصحيح الذي فيه: أن الإنسان يكون في مرحلة ما بعد النطفة مثل الدودة الصغيرة لاصقة في جدار الرحم.

стр. 2813

معنى المضغة ويذكر الله في سورتي المؤمنون والحج أن المضغة مرحلة أخرى من مراحل خلق الإنسان، والتعبير عنها بالمضغة تعبير عجيب جداً، والعلماء لما نظروا إلى هذه المرحلة وجدوها تشبه في شكلها اللبانة حين يمضغها الشخص، فتحدث تلك النتوءات على اللبانة، وقد تعجب علماء الطب من ذلك، كما يذكر ذلك الشيخ الزنداني: أنهم احتاروا في تسمية هذه المرحلة، وكانوا يتعجبون لهذا الذي في كتاب الله العظيم، وكيف عرف محمد ﷺ هذا العلم العظيم؟! فلا يكون علم محمد ﷺ إلا من لدنه ، وهذا العلم بوحي من السماء عرفه النبي ﷺ بما في القرآن، فهو لا ينطق عن الهوى وإنما ينطق بوحي من الله . إن هذه الآية العجيبة جعلت الكثيرين من أطباء الغرب يدخلون في دين الله عندما يقرءون مثل ذلك، منهم الدكتور موريس العالم والطبيب الفرنسي الذي درس القرآن ودرس الإنجيل ودرس التوراة، وبعد ذلك في النهاية شكل مؤتمراً هنالك، وقال: إن القرآن هو الكتاب المعجز لبيان كذا وكذا منها هذه الآية العظيمة.

стр. 2814

الطور الأخير في خلق الإنسان إخراجه طفلاً قال الله تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا). إذاً: المرحلة الأخيرة: أن يخرج الإنسان طفلاً، وقد يتوفى قبل ذلك. وقد جاء في الحديث في سنن أبي داود وعند الترمذي وأحمد من حديث أبي موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض). آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام خلقه الله من تراب هذه الأرض التي نحن عليها، (من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك)، فجاءوا مثل تراب الأرض، فيها الأبيض والأحمر والأسود، فقد جاء الإنسان على هذه الألوان، ثم قال ﷺ : (والسهل والحزن، والخبيث والطيب وبين ذلك)، مثل هيئة الأرض ففيها الأرض السهلة، وفيها الأرض الصعبة الوعرة، وفيها الأرض الخبيثة، وفيها الأرض التي تنبت، أي: أن الإنسان جاء على ما خلق الله من تراب هذه الأرض. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2815

تفسير سورة غافر الآية [٦٧] لقد أخبر القرآن عن مراحل وأطوار خلق الإنسان في زمن خال من جميع العلوم والأجهزة والتقنيات، ووصفها في عدد من سوره، وفصلها تفصيلاً دقيقاً، وكذلك وصفها رسول الله ﷺ في زمن لا يعلم عنها الناس شيئاً، ثم جاء العلم الحديث ليثبت مصداق ذلك كله، وليكون شاهداً على أن القرآن نزل من عند الله، وأن محمداً ﷺ رسول الله.

стр. 2816

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة غافر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر:٦٧]. لقد أخبر الله في كتابه العزيز عن مراحل خلق الإنسان، وقد ذكرها هنا في سورة غافر، وذكرها في سورة الحج، وفي سورة المؤمنون.

стр. 2817

بيان أن ابتداء خلق الإنسان من تراب قال الله سبحانه: ((هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ)) وقال في سورة الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [الحج:٥]. فذكر الله في هاتين الآيتين مراحل وأطوار خلق الإنسان، فقد ابتدأ خلقه من تراب، وكل إنسان مخلوق من هذا التراب، فأصل الخلق هو آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد خلقه الله من تراب، كما جاء في حديث النبي صلوات الله وسلامه عليه: (إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض)، أي: جاءوا في ألوانهم وفي أصنافهم وفي أنواعهم وفي أخلاقهم وفي تقربهم إلى الله ، وفي بعدهم عنه، وفي خيرهم وفي خبثهم كهذه الأرض، قال ﷺ : (منهم الأحمر والأبيض والأسود)، أي: كما أن الأرض فيها هذه الألوان، قال: (منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك، والسهل والحزن والخبيث والطيب وبين ذلك)،فكما أن الأرض فيها السهول والجبال الوعرة والخبيث والطيب وبين ذلك، فكذلك أخلاق الإنسان جاءت على طبيعة الأرض التي خلقوا منها.

стр. 2818

اكتشاف العلم الحديث أن بداية خلق الإنسان من تراب فالإنسان خلق من تراب، ومن تحليل جسد الإنسان وجدوا أن فيه اثنين وعشرين أو ثلاثة وعشرين عنصراً، وكلها موجودة في الأرض، والأرض فيها أكثر من مائة عنصر اكتشفها الإنسان، ووجدوا أن أكثر خلق الإنسان من هذا الماء، وقالوا: إن نسبة وجود الماء في جسد الإنسان من خمسة وستين إلى سبعين في المائة. وقد ذكر الله أنه خلق كل شيء من ماء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء:٣٠]، وقد كان الناس في الماضي لا يتصورون أن يكون هذا البدن واللحم والعظم والعظام من الماء؛ لأن الماء شيء والجسد شيء آخر، ولكن التحليل الحديث أثبت وجود هذا الماء في جسد الإنسان، وأن جسد الإنسان تركب منه، وأيضاً الحيوان فيه هذه النسبة من الماء بنسبة كبيرة. والماء عبارة عن اتحاد ذرة الأكسجين مع ذرتين من الهيدروجين. إذاً: فثلاثة أرباع جسم الإنسان من الماء، قالوا: وباقي جسد الإنسان فيه عناصر أخرى، منها: الكربون والهيدروجين والأكسجين، والمركبات العضوية الموجودة في جسم الإنسان وهي: السكريات، والبروتينات، والدهون، والفيتمينات، وغير ذلك من المواد الجافة التي تكون جسم الإنسان من المعادن والكلور والكبريت والفسفور والمغنسيوم والبوتاسيوم والصوديوم، ومواد أخرى مثل: الحديد والنحاس واليود والكوبل والتوتيا والفلور والألمنيوم والكدينم والكرم، وأشياء من المعادن الموجودة بداخل هذا الإنسان، فإذا حلل جسم الإنسان وجدت فيه هذه المعادن بنسب بسيطة جداً، والإنسان عندما يموت ويدفن ويتحلل في القبر فإن نسبة الماء الخمسة والستين في المائة ترجع إلى أصلها، وتتحلل بقية المعادن.

стр. 2819

بيان أن قيمة الإنسان بسبب تشريف الله له يقول العلماء: إن المعادن في الإنسان تملأ علبة طباشير أو علبة كبريت فقط، ولا تكون إلا مسماراً صغير وحزمة من الملح ومواداً أخرى لا قيمة لها، فعندما يموت الإنسان ويدفن في الأرض لا يخرج منه إلا هذه الكمية البسيطة من هذه الأشياء التي لا يمكن الاستفادة منها، وليس لها أية قيمة. فالإنسان خلق من تراب، والتراب أكثر قيمة منه، وهو جاء من هذه النطفة التي لا قيمة لها، والتي يستقذرها الإنسان فيغتسل منها شرعاً، ويغسلها عن نفسه ليميط عن نفسه الأذى عرفاً. وإنما قيمة الإنسان في تكريم الله سبحانه له، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الإسراء:٧٠]، وهذا التكريم تشريف من الله سبحانه لهذا الإنسان، ومنة منه عليه، وليس لأن الإنسان يستحق ذلك بأصل خلقته، فهناك من هو أشد خلقاً منه، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]، يقول تعالى في هذه الآيات: أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ أأنتم أشد خلقاً أم هذه الأرض التي تسيرون عليها؟ فالأرض أشد خلقاً منكم، والجبال أشد خلقاً منكم، والسماء أشد خلقاً منكم، إذاً: فتشريف ربنا سبحانه وتكريمه لهذا الإنسان منه منَّة، فقيمة الإنسان في تكريم ربه له.

стр. 2820

أطوار خلق الإنسان كما في السنة ومما جاء عن النبي ﷺ في خلق الإنسان ما جاء في الصحيحين البخاري ومسلم، ففي رواية البخاري من حديث ابن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه الملك فيؤمر بأربع كلمات، فيقال له: اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح، فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، هذا الحديث في رواية الإمام البخاري كما قلنا، وفيه: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً)، فكأن جمع خلق الإنسان في بطن الأم يكون خلال أربعين يوماً يتكون فيها هذا الإنسان. (ثم يكون علقة مثل ذلك)، أي: مثلما جمع الخلق في بطن الأم في خلال الأربعين فإن تكون النطفة والعلقة والمضغة وتكون الإنسان يكون في خلال هذه الفترة. وفي لفظ لـ مسلم أوضح قليلاً من لفظ البخاري يقول: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً ثم يكون في ذلك)، أي: في خلال الأربعين (علقة مثل ذلك)، يعني: مثلما كان نطفة فإنه يتكون ويتشكل ويصبح علقة مثل ذلك، (ثم يكون في ذلك)، أي: في نفس الأربعين (مضغة مثل ذلك). وأكثر من فسر هذا الحديث فسره بأنه يكون نطفة أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين أخرى، ثم يكون مضغة أربعين أخرى، فيكون المجموع مائة وعشرين يوماً، وهذا خطأ، فإن لفظ الحديث وإن كان محتملاً ذلك في البخاري إلا أنه غير محتمل لذلك في مسلم، فهو يقول في مسلم: يجمع خلقه أربعين ويكون في ذلك مثل ذلك، أي: في خلال هذه الأربعين يكون مثل ذلك مضغة، أي: أنه يكون نطفة وفي خلال هذه الأربعين يتشكل ويتحول إلى علقة، ثم يتشكل ويتحول إلى مضغة في نفس هذه الأربعين، إلى أن يتشكل إنساناً، ولكن نفخ الروح لا يكون إلا بعد الأربعين الثالثة، وإن كان فيه قبل ذلك حياة من نوع آخر، وهي كما يقولون: إما حياة نباتية أو حياة حيوانية. والحياة النباتية: هي الحركة والنمو، أي: مثلما يتحرك النبات، فإنه يكون بذرة، ثم تنشق هذه البذرة ويخرج منها الساق، ثم تكبر حتى تصير شجرة. وكذلك الإنسان ينمو داخل بطن أمه كهذه الحياة النباتية إلى أن يمر عليه الأربعة الأشهر فينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتتحول حياته إلى نوع آخر من الحياة وهي الحياة الحيوانية التي فيها الروح، كما جاء في حديث النبي ﷺ ، وأجمع أهل العلم على هذا المعنى في نفخ الروح. وجاء في رواية أخرى في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود قال: (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره)، فسمع رجل ذلك من ابن مسعود فذهب إلى حذيفة بن أسيد وقال له: سمعت ابن مسعود يقول: (الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من وعظ بغيره، كيف يشقى وهو لم يعمل شيئاً؟! فكأنه لم يفهم المعنى من ذلك، فقال له حذيفة بن أسيد ﵁: أتعجب من ذلك! فإني سمعت رسول ﷺ يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة بعث الله إليها ملكاً فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها). وهذا الحديث عجيب جداً! فقد حدد اثنين وأربعين يوماً على وجود النطفة في بطن الأم يكون خلالها قد تكونت فيها هذه الأشياء، وأهل الطب يقولون ذلك، ويقولون: في الأسبوع السادس يكون قد تكونت هذه الأشياء، والأسبوع السادس هو بعد اثنين وأربعين يوماً، وإن كانوا عندما يحددونها بالأيام يقولون: بين ثمانية وثلاثين يوماً وأربعين يوماً يتكون هذا الشيء، والبعض منهم يقول: حديث النبي ﷺ يذكر اثنين وأربعين يوماً، والأطباء لا يعرفون اليوم الأول أصلاً متى كان؟ ولذلك يخطئون في الاحتمال بين الثمانية والثلاثين وبين الاثنين والأربعين، وحديث النبي ﷺ يقول: اثنان وأربعون. فهذا الحديث عجيب، فقد قال النبي ﷺ هذا الشيء الذي كان العلماء لا يعرفونه إلى وقت قريب جداً، فلم يكونوا يعرفون متى تتخلق النطفة وتتحول إلى علقة وإلى مضغة، وإلى هذه الأطوار، حتى اكتشفوا الميكروسكوبات وصنعوا الأفلام التلفزيونية التي تمكنوا من خلالها من رؤية تحول الجنين من شيء إلى شيء آخر داخل بطن الأم، وأما قبل ذلك فلم يكونوا يعرفون متى تتحول النطفة إلى علقة وإلى مضغة، ومتى تخلق فيها هذه الأشياء. فالغرض هنا: بيان أن النبي ﷺ ذكر الاثنين والأربعين يوماً التي يتكون فيها الإنسان، وجاء العلماء ليقولوا: بعد الاثنين والأربعين يوماً يتحدد جنس هذا الإنسان، ذكراً أم أنثى، وقد قال الحديث: إنه بعد الاثنين والأربعين يأتي الملك ويقول: يا رب أذكر أم أنثى؟ كما قال العلماء: إنه بعد هذا الوقت يحدد جنس الجنين ذكراً أو أنثى، حسبما يأمر الله به، فيحول الغدد الموجودة في الأعضاء التناسلية إلى الذكورة أو إلى الأنوثة. قال العلماء: ولا يمكن تمييز الجنين أنه ذكر أو أنثى قبل الاثنين والأربعين يوماً أو قبل الأسبوع السادس، هكذا يذكر علماء الطب، وهذا هو الذي ذكره النبي ﷺ في هذا الحديث الذي رواه الإمام مسلم في صحيحه.

стр. 2821

الإيمان بالقضاء والقدر قال النبي ﷺ في نهاية الحديث: (إن الملك يقول: يا رب أجله؟ فيقول الرب كما شاء ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب رزقه؟ فيقضي الرب كما شاء ويكتب الملك، ثم يخرج الملك والصحيفة في يده فلا يزيد عما أمر به ولا ينقص). فما ذكره ابن مسعود من أن الشقي من شقي في بطن أمه أخذه من سؤال الملك ربه أشقي أو سعيد؟ فإذا قال الله: شقي فقد علم الله ما يكون عليه هذا الإنسان، فيكتب الملك ما أعلمه الله من علم الغيب وعلم المستقبل، فقد علم الله أنه سيكون شقياً، ويكتب الملك قدر الله في الأمرين، وهذا هو الذي استغربه الرجل وقاله ابن مسعود: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد كذلك، أي: من كتب الملك له ذلك بحسب علم الله ، وهذا هو ما نؤمن به، وهو أن الله يقدر كل شيء، ونحن مأمورون أن نؤمن بالقضاء والقدر وألا نعارض ذلك، ولا نقول: كيف ذلك؟ فالقدر غيب وسر من أسرار الله في خلقه، ولم نؤمر أن نتناقش فيه، وإنما أمرنا أن نؤمن به كما نؤمن بالجنة ولا ندري في أي مكان في السماوات هي؟ أهي فوق السماوات السبع أم دونها؟ ولكننا نؤمن بذلك ونوقن بأنها عالية جداً، وكما أمرنا أن نؤمن بالنار، ولا ندري أين توجد، وكما أمرنا أن نؤمن بالملائكة، ولا نعرف أشكالهم ولم نرهم، وإنما أمرنا أن نؤمن بالغيب. ومن الغيب: القضاء والقدر، وعندما يحاسبنا الله يوم القيامة لن يقول لنا: لقد علمت أنك تكون شقياً وكتبت أن تدخل النار، ولو احتج أحد على شقائه بكتابة الله أنه شقي لن يقول له الله: وأنا كتبت عليك أن تدخل النار، وليس هناك آية قالت لنا ذلك، وإنما القرآن يقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، وأيضاً ادخلوا النار بما كنتم تعملون، وحين يقال للإنسان: ادخل النار، فيقول: لماذا يا رب؟ أنا لا أقبل شاهداً علي إلا من نفسي، فيختم على فيه وتشهد عليه أعضاؤه وتقول: عملت كذا وكذا وكذا، فيستحق العذاب والعياذ بالله! فالإنسان يوم القيامة يسأل عن عمله. إذاً: علينا أن نؤمن بالقضاء والقدر ولا نناقش فيهما، فإن الله علم كل شيء وقدر كل شيء، وله الحكمة والعلم والقدرة ، وعلى الإنسان أن يعمل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥]، والعمل الذي تعمله يكتبه الله عليك ويحاسبك عليه، ولم يقل لأحد أنه في الجنة أو في النار، وإنما قد علم الله أن ناساً في الجنة وناساً في النار، وقدر الله أن هؤلاء في الجنة ولا يبالي وهؤلاء في النار ولا يبالي، وأما نحن فأمرنا بأن نؤمن ونصدق ونعمل، قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]، فنعمل ولا نتشكك ولا نرتاب، ونؤمن بما قاله الله في كتابه، فإن من الإيمان: أن نؤمن بالقضاء والقدر، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلاً. والأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ في خلق الإنسان أحاديث عجيبة جداً، ولعلها كلها كانت تستغرب في الأزمان الماضية، ولم تعرف حقيقتها إلا بعد تقدم الطب وإثباته أن هذا الذي قاله النبي ﷺ هو الواقع الموجود، والذي في القرآن أدق في ذلك، وأدق مما عرفه الإنسان.

стр. 2822

لابد على الإنسان من العمل وعدم الاتكال على القدر وفي قول النبي ﷺ : (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: يأمر الله الملك أن يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد)، فيه إثبات أن الملك يكتب رزق الإنسان، وأنه يرزق في يوم كذا كذا وكذا، فهذه من أقدار الله سبحانه التي لا يناقش فيها، وإذا كان كذلك فلا يقول الإنسان: إذا كان الله قد كتب لي رزقي فسأجلس في البيت حتى يأتيني رزقي، ولا يوجد أحد يقول ذلك، وإنما يقول: سأخرج وأعمل؛ لأن رزقي لن يأتي إلا بالعمل، فلابد أن يكون كذلك في جميع القضاء والقدر، فالإنسان مكتوب عليه أن يموت، فمن الناس من يموت بحادثة، ومنهم من يموت بكذا، ومنهم من يموت بكذا، ولا يجلس الإنسان في بيته ينتظر الموت ويقول: كل ما هو مكتوب فسيأتي هذا صحيح، ولكن لم تؤمر أن تمكث في بيتك، بل سر في الأرض وامش في مناكبها وابتغ من فضل الله ومن رزق الله سبحانه، ودع أمر القدر ينفذ فيك كما يريد الله ، فكما أنه إذا جاع الإنسان لا يجلس ينتظر الأكل ويقول: إن الله قد كتب أني سآكل وسيدخل الأكل إلى فمي، ولو قال إنسان ذلك لقيل عنه: مجنون، فربنا كتب لك الأكل وجعل له أسباباً، فمد يدك إلى الأكل وكل، ولا تعمل كهذا الذي سخر منه القرآن بقوله تعالى: ﴿كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد:١٤]. وهذا المثل للذي يدعو الأصنام، فالقرآن يستهزئ من هذا الداعي للأصنام بقوله: أنت عندما تدعو الصنم وتمد يدك له وتسأله كهذا المغفل الذي يمد يديه إلى الماء وينتظر أن يأتي الماء إلى فمه لأنه عطشان، والماء لن يأتيه ولن يروى هكذا، وهكذا الذي يحتج بالقضاء والقدر، فإن الناس يسخرون منه، فالقضاء والقدر ينفذ فيه، ولكن الله لم يطلعه عليه، ولم يقل له ماذا سيأكل أو سيشرب في هذا اليوم، ولا ما الذي سيحصل له، إذاً: فلا يجلس ينتظر القضاء والقدر، وإنما يؤمن به فقط، ويعمل ويطلب رزقه، وما قدره الله له سيأتيه، وليذهب إلى عمله وما قدره الله له من رزق سيكسبه من هذا العمل أو سيفقده في غيره بحسب ما قدر الله له، فنؤمن بالقدر ولا نتواكل ولا نناقش في هذا الأمر.

стр. 2823

بيان أن الأعمال بالخواتيم يقول ﷺ في الحديث: (والله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها)، وفي رواية أخرى: (فيما يراه الناس)، فقد ترى أنت إنساناً صالحاً ثم تراه قد انقلب فجأة، فتتعجب وتتساءل: ما الذي قلب هذا الإنسان؟ والله أعلم بنفس هذا الإنسان، فأنت ترى الظاهر فقط، وكم من إنسان تراه في ظاهره مؤمناً ومهذباً وفيه من خصال الخير، ولكن الله يعلم خبث باطنه، فتجده ينقلب ويتغير حاله بعد أن كان متديناً وملتزماً بأمر الله ، نسأل العفو والعافية. فالله أعلم بمن يستحق الثواب ومن يستحق العقاب، فنؤمن ونتعظ بغيرنا ولا نكون نحن عظة لغيرنا، وهذا معنى قول ابن مسعود: (السعيد من وعظ بغير)، ولم يجعله الله هو العبرة لغيره، وإنما اتعظ فانتفع بالموعظة. يقول في بقية الحديث: (وإن أحدكم لعمل بعمل أهل النار)، وفي رواية: (فيما يبدو للناس حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)، إذاً: فلا ييأس أحد من رحمة الله سبحانه، فقد يعمل الإنسان الأعمال الباطلة الكثيرة، حتى يقال عنه: إنه من أهل جهنم، كما يقول الناس: فلان شرير، وستكون آخرته سوداء، ولعله يختم له في النهاية بخير، فيتوب إلى الله ويراجع نفسه. مثل الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً ثم تاب إلى الله فكان من أهل الجنة، ولذلك لا يحكم على إنسان بجنة ولا بنار حتى يرى بماذا يختم له. نسأل الله أن يجعلنا من أهل السعادة، وألا يجعلنا من أهل الشقاوة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2824

تفسير سورة غافر [٦٧ - ٦٨] لقد أنزل الله تعالى القرآن الكريم وفيه علمه الواسع المحيط بكل شيء، وكلما تقدمت البشرية شيئاً وعلمت بعض ما كان مخفياً عنها وجدت أن القرآن الكريم قد تحدث عن هذا الذي اكتشفته قبل أربعة عشر قرناً، ومن ذلك كيفية خلق الإنسان في بطن أمه، والمراحل التي يمر بها، فقد فصلها القرآن الكريم في بعض سوره تفصيلاً دقيقاً، شاهداً على أنه من عند الله .

стр. 2825

تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة غافر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٧ - ٦٨]. يخبرنا الله الخالق العظيم في هاتين الآيتين وفي غيرهما من كتاب الله في سورة الحج وفي سورة المؤمنون عن خلق هذا الإنسان، هذا الخلق العجيب الذي كلما قرأه المؤمن أو غير المؤمن وتأمل فيه علم أن هذا هو الحق من عند رب العالمين ، وأنه ليس من عند النبي ﷺ ، فإنه ﷺ لم يكن له علم بعلم التشريح حتى يعرف الأجنة التي في بطون أمهاتها، وكيف تتكون في اليوم الأول والثاني، وفي اليوم الثاني والأربعين، وكيف تتكون في الأسبوع الأول، وفي الأسبوع الثاني، وفي غيرهما، فلم يكن عند النبي ﷺ علم بذلك، لا علماً نظرياً اكتشافياً ولا تجريبياً، وإنما كان ينزل عليه ﷺ الوحي من السماء فيخبرهم بما أوحي إليه، وقد كان يُسأل النبي ﷺ عن الشيء الذي لا يعرفه فكان ينتظر الوحي من السماء، فينزل عليه القرآن فيخبره، أو ينزل عليه جبريل من عند الله سبحانه فينبئه أن هذا كذا وكذا، فكان يقول لأصحابه ﷺ : (لقد سألني هذا وما لي بذلك من علم، فأتاني جبريل فقال لي: كذا وكذا) صلوات الله وسلامه عليه، فلم يكن يدعي أنه هو الذي يعلم ذلك ﵊، وإنما كان يرد العلم إلى الله سبحانه. وكان الله تعالى يخبر النبي ﷺ بهذه الأشياء العجيبة المعجزة للخلق فلا يسع من يتأمل ذلك إلا أن يعترف أن هذا وحي من عند الله ، وأنه مستحيل أن يكون قاله النبي ﷺ من عند نفسه. يذكر الشيخ الزنداني عن أحد الأطباء المشهورين في علم الأجنة واسمه كيث مور، وهو من أشهر علماء الأجنة في العصر الحديث، وله مؤلفات تعتبر من المراجع في علم الأجنة، أنه تناقش هو ومجموعة من المسلمين في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٤]، وعن هذه الأطوار التي يذكرها الله ، وهل كان يمكن أن يعلمها النبي ﷺ بغير وحي من السماء؟ فتناقشوا معه حتى أقر الرجل بأن هذا علم من السماء، وأنه ليس من عند النبي صلوات الله وسلامه عليه. وكان قد طبع من كتابه المؤلف علم الأجنة -وهو مرجع من المراجع- في سنة خمس وتسعين طبعتين، منها طبعة ذكر فيها هذه الآيات، وهذا المعنى الذي في القرآن، وقال: إنه شيء عجيب جداً أن يذكر القرآن منذ ألف وأربعمائة سنة ما لم يعلموه هم إلا في هذه السنوات المتأخرة!

стр. 2826

مراحل خلق الإنسان قال الله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [غافر:٦٧]، وذكر في سورة المؤمنون العجب العجاب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٣]، فقد كانت النطفة في صلب الرجل واستقرت في رحم المرأة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾ [المؤمنون:١٤] من جزء واحد من ملايين الحيوانات المنوية، وهو الذي ينجح في أن يصل إلى البويضة فيلقحها، والله يجعل من يشاء عقيماً فلا يصل شيء من ملايين الحيوانات المنوية إلى بويضة المرأة، والمرأة تفرز بويضة واحدة في كل شهر، وأما الرجل ففي دفقة من دفقات المني تخرج منه ملايين الحيوانات المنوية، التي قد تلقح البويضة وقد لا تلقحها، والذي يلقح البويضة هو حيوان واحد منها فقط، ثم يحدث التخليق والانقسام، أي: كل واحد ينقسم إلى اثنين، حتى يصير في النهاية جنيناً في بطن أمه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]، وهذا الترتيب ترتيب سريع، ولذلك أتى بالفاء التي تفيد الترتيب والتعقيب مباشرة، ففي خلال اثنين وأربعين يوماً يتكون الجنين في بطن الأم، ويتخلق في خلال هذه المدة، ثم يبعث الله إليه الملك ليصور سمعه وبصره، ويصور جنسه ذكراً أو أنثى، ويكتب عليه شقي أو سعيد، ويكتب ما يكون عليه هذا الإنسان في هذه الدنيا من عمل، ويكتب رزقه، ومصيره، يقول سبحانه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]. وهذه التصويرات الدقيقة العجيبة من نطفة واحدة في القرار المكين، فإن الرحم عندما تدخل النطفة فيه فإنها تنقسم وتتحول إلى علقة كشكل الدودة، وتتعلق في جدار الرحم وتستقر فيه، ثم تتحول هذه العلقة إلى مضغة، فتصبح وكأنها قطعة من اللحم الممضوغ بالأسنان، والذي تكون فيه علامات الأسنان، فتكون على هذه الهيئة، ويكون طولها وهي في بطن الأم مضغة حوالي عشرة سنتيمترات. قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: فخلق الله هذه القطعة الصغيرة المضغة عظاماً، قال تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٤]، يقول الشيخ الزنداني: إنه سأل بعض علماء المسلمين: أيهما يتكون أولاً العظام أم اللحم؟ قال: فكان جوابه سريعاً وقال: اللحم. قال: فرجعنا إلى القرآن فإذا هو يقول: إن العظام تخلق أولاً، قال تعالى: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٤]، فراجع الأمر ثم قال: إنه أخطأ في كلامه، وإن العظم يتكون أولاً وبعد ذلك اللحم. قال: وسألت بعض العلماء الأجانب في ذلك فكان جواب الجميع: أن العظم يتكون أولاً وبعده اللحم. وصدق الله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]. قال الله سبحانه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: خرج من مرحلة التخليق إلى مرحلة تصوير السمع والبصر والجنس، فخرج خلقاً آخر، وهو هذا الإنسان العجيب، ثم ختم سبحانه بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: تعالى وتمجد . قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: أحسن المقدرين والمنشئين للشيء، والموجدين له من العدم إلى الوجود. وهنا يأتي سؤال وهو: هل هناك خالق غير الله حتى نقول: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]؟ و الجواب أن الخلق له معانٍ، فمن معانيه: الإيجاد، نقول: هذا مخلوق أي: موجود أوجده الله . ومن معاني (خلق): فطر، أي: أنشأ على غير مثال سابق. ومن معاني (خلق): قدر، فقولنا: هذا مخلوق، أي: مقدر قد قدره الله سبحانه، ولذلك يقول بعضهم: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ض الناس يخلق ثم لا يفري فهو يقول: إن الله يقدر ما خلق، فيخلقه كما قدره، وبعض الناس قد يقدر الشيء ثم لا يستطيع عمله كما قدر. إذاً: فقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤] أي: أحسن المقدرين، الذي يقدر فيوجد الشيء على ما يريده، وهذا من معاني الخلق، وقد يكون في الناس شيء من هذا الوصف كما نقول: الله الرحمن الرحيم، فمن صفته تعالى الرحمة، وجعل في الناس الرحمة، وفرق بين رحمة المخلوق ورحمة الخالق ، فرحمة الله تليق به ﷻ ، ورحمة المخلوق تليق به كمخلوق لله، وكذلك صفة الحياة، فحياة الله لائقة به، وللمخلوق حياة لائقة به. وكذلك الخلق على معنى التقدير، فإن الإنسان يقدر ويفكر في كيفية عمل الشيء ثم قد يكون وقد لا يكون، وأما الله فلا يقدر شيئاً إلا ويوجد على الهيئة التي قدره عليها ، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، أي: أحسن من يقدر ومن يوجد ومن يخلق، ويدبر.

стр. 2827

متى يشبه الولد أباه وأمه ؟ روى مسلم في حديث طويل عن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: (كنت قائماً عند رسول الله ﷺ فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليكم يا محمد! قال: فدفعته دفعة كاد يصرع منها)، أي: أنه غضب من هذا اليهودي المتطاول الذي نادى النبي ﷺ بقوله: يا محمد، ولم يقل: يا رسول الله، ولا: يا نبي الله، يكلمه وكأنه أحد أصحابه، فدفعه دفعة كاد يلقيه على الأرض منها، (فقال اليهودي: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟! فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله، فقال رسول الله ﷺ : إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، وهذا من تواضعه صلوات الله وسلامه عليه، وأما كلام اليهودي فإنه من إجرام اليهود ومن محاولتهم إهانة النبي ﷺ في قولهم، فكان أن دفعه هذا الصحابي، فأراد النبي ﷺ ألا تقع فتنة فقال ﷺ : (إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)، وهذا تواضع منه ﵊، وقد منع الله المؤمنين أن ينادوه بذلك فقال: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣]، أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً، وتقولون له: يا محمد! بل نادوه بالتشريف والتعظيم وبما يستحقه صلوات الله وسلامه عليه، فنادوه بـ: يا رسول الله! يا نبي الله! ﵊. فينادى بهذا اللفظ الذي جعله الله لقباً له ﵊. قال: (فقال اليهودي: جئت أسألك -أي: أنه جاء يسأل ويتعالم في كلامه- فقال النبي ﷺ : أينفعك شيء إن حدثتك؟ فقال اليهودي: إنما أسمع بأذني)، وهذا فيه قلة أدب وسوء وتطاول في الكلام، يعني: كلامك لن يتجاوز أذني إلى قلبي وسأفكر فيه، قال: (فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض؟ -وكان هذا اليهودي حبراً من أحبار اليهود، وقال: إنه لا يعرف الجواب إلا نبي- فقال النبي ﷺ : هم في الظلمة دون الجسر -فتعجب اليهودي أن عرف النبي ﷺ ذلك- ثم سأله: من أول الناس إجازة؟ -أي: من أول من يعبر الجسر ويطأ أرض الجنة؟ - قال: فقراء المهاجرين. قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: زيادة كبد النون)، نسأل الله أن يجعلنا منهم. قال: (فما غداؤهم على إثرها؟ فقال: ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)، فثور الجنة الذي تربى في الجنة وأكل من أطرافها ينحر لهؤلاء الذين هم أول الخلق دخولاً الجنة. نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم. قال: (فما شرابهم عليه؟ قال: من عين فيها تسمى سلسبيلاً)، وكان اليهودي يقول للنبي ﷺ في كل الجواب صدقت. وهو ﷺ لم يأت بهذا الجواب من كلام العرب ولا من كلام الناس، وإنما أتى به من عند رب العالمين سبحانه. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان. أي: إنه لا يوجد في الدنيا أحد يعلمه إلا رجل أو رجلان، يقصد نفسه ومعه رجل آخر من اليهود، فإذا علمه ثالث فلا يكون إلا من الأنبياء، فقال ﵊: (أينفعك إن حدثتك؟ فقال: أسمع بأذني)، نفس الجواب الذي قاله قبل ذلك. قال: جئت أسألك عن الولد -وهذا هو الشاهد من الحديث- فقال النبي ﷺ : (ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر)، فماء الرجل مني أبيض وكلهم يعرفونه، وأما أن ماء المرأة أصفر فلم يكن أحد يعرفه، ولا حتى الأطباء كانوا يعرفون ذلك، وإنما كانوا يقولون: إن المرأة ليس لها ماء أصلاً، وإنما هذا يقوله النبي ﷺ ، وبناء عليه كانوا يكذبون بهذا الحديث، قال ﷺ : (فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله -أي: كان الجنين ذكراً- وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله -قال اليهودي: لقد صدقت وإنك لنبي)، ثم انصرف، ولم يؤمن، ولم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : (لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به). هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث ثوبان، وقد ذكر فيه أن ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر.

стр. 2828

القرآن الكريم يسبق العلم الحديث في علم الأجنة يقول علماء الطب في العصر الحديث: إن البشرية لم تعلم بواسطة علومها التجريبية أن الجنين الإنساني يتكون من نطفة الرجل ونطفة المرأة إلا في القرن التاسع عشر الميلادي، أي: بعد النبي ﷺ باثني عشر قرناً عرفت البشرية أن الجنين يتكون من ماء الرجل ومن ماء المرأة، وتأكد ذلك لديها بما لا يدع مجالاً للشك في القرن العشرين، وأما في القرن التاسع عشر فقد بدءوا يكتشفون أن المرأة لها ماء، وفي القرن العشرين تأكد لديهم أن الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة، فقد تضمن هذا الحديث معجزة من معجزات النبي ﷺ . يقول علماء الطب: ماء المرأة في المهبل وفي حويصلة جراف في المرأة، وهذا الماء يميل إلى الصفرة، والبويضة تخرج من هذه الحويصلة التي تسمى: حويصلة جراف في المرأة، ولونها أصفر، ويسميها علماء الطب: الجسم الأصفر، وهذا هو الذي قاله النبي ﷺ وأنكره الأطباء في الماضي ثم اعترفوا به الآن. وقد اكتشف العلم الحديث أيضاً أن إفرازات المهبل لها تأثير في الذكورة والأنوثة، ولذلك يقولون: إن إفرازات المبيض الذي تخرج منه البويضة حمضية وقاتلة للحيوانات المنوية، فلو وصل الحيوان المنوي إليه وهو على هذه الصورة لقتله، وحتى لا يقع ذلك فإنه عندما تخرج البويضة وتصل إلى حويصلة جراف وإلى عنق الرحم تتحول الإفرازات التي تأتي إليها إلى قلوية، لتعين الحيوان المنوي للمجيء إلى هذا المكان، وعلى أن يعيش، ثم هو قد يضعف قليلاً، وقد يقوى قليلاً في هذا المكان، فمكان الإفراز نفسه له تأثير بأن يضعف الحيوان المنوي أو يقويه، فلذلك قال النبي ﷺ : (إذا علا ماء الرجل)، أي: غلب ماء الرجل وكان أقوى من هذه الإفرازات، كان ذكراً بإذن الله، وأما إذا كان أضعف منها كان أنثى بإذن الله.

стр. 2829

أطوار حياة الإنسان في الدنيا قال الله سبحانه ﵎: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر:٦٧]، أي: يخرجكم من بطون أمهاتكم بعد أن كنتم أجنة، والجنين: من جن أي: اختفى، فهو خفي في بطن أمه، فإذا نزل من بطن أمه صار طفلاً. قال تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر:٦٧]. أي: عندما يأذن الله ، فقد يخرجه خلال تسعة أشهر، أو خلال ستة أشهر، أو خلال سبعة أشهر، وقد يخرجه كاملاً أو قاصراً، فالله يصنع ما يشاء، فهو الذي يخرجكم، وأنتم إنما تنتظرون أمر الله ، ثم تعيشون في هذه الدنيا. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [غافر:٦٧]. وهذا هو وقت البلوغ والرشد والقوة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧]، وهذا هو الخط الذي يسير فيه الإنسان في الدنيا: فيكون أولاً جنيناً، ثم يخرج طفلاً صغيراً، ثم يكبر كلما تقدم به السن والزمن إلى أن يصير شاباً قوياً مكتملاً راشداً، ثم يدخل في زمن الكهولة، ثم يدخل في زمن الشيخوخة، ويرجع إلى مرحلة الصفر التي أتى منها، فقد كان ضعيفاً ثم رجع مرة ثانية إلى الضعف، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم:٥٤]، وقال هنا: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧]. يقول علماء اللغة: الشيخوخة: مرحلة ما بعد الأربعين، فعلى الإنسان أن يجهز نفسه بعد الأربعين، فلم يبق من عمره إلا قليل مقارنة بما مضى منه، فقد بلغ أشده واكتمل، وأخذ من الدنيا ما أخذ، فليعد نفسه الآن ليقابل الله ، ولا يسرف على نفسه ولا يضيع دنياه، فليس بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى أعلى منها، وإنما تبدأ مرحلة النزول، فعليه بالرجوع إلى الله سبحانه ﵎. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ [غافر:٦٧]. هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن كثير وابن ذكوان والكسائي وشعبة وخلف: ((شيوخًا))، بالكسر، ففيها قراءتان: (شُيُوخًا)، و ((شِيُوخًا)) بكسر الشين فيها، ومن قرأها بالكسر راعى فيها الياء، فقرأها على الاتباع، فكسر الشين إتباعاً للياء، وقراءة الجمهور: (شُيُوخًا) على الأصل. قال تعالى: (وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ) أي: ليس كل الناس سيمرون بهذه المراحل، فإن من الخلق من يصل في بطن أمه إلى مرحلة معينة ثم يسقط، ومنهم من ينزل ميتاً، ومنهم من ينزل حياً ويعيش فترة ثم يموت بعد ذلك، فمنكم من يتوفى من قبل الاكتمال، ومنكم من يكتمل به العمر إلى الشيخوخة.

стр. 2830

أجل الإنسان محدد لا يزيد ولا ينقص قال تعالى: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ [غافر:٦٧] أي: أجلاً قد قدره الله فلا تتجاوزونه أبداً، ومهما قال الإنسان: لقد وصلنا إلى العلاج وإلى الأغذية التي تطيل عمر الإنسان، فإن هذا كله تقدير الله ، فاعمل ما شئت فإنك لا تستطيع أن تطيل من عمر إنسان شيئاً، فالأعمار قد قدرها الله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤]، فقوله: ﴿وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى﴾ [غافر:٦٧]، أي: مكتوباً عند الله سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [غافر:٦٧]، أي: تفهمون، وتتدبرون، وتعقلون، وتفهمون ما يمر بكم، وتفهمون هذه الآيات التي يذكرها ربكم سبحانه، فتتوبون إلى الله وتعبدونه .

стр. 2831

تفسير قوله تعالى: (هو الذي يحيي ويميت) قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٨]، أي: هو وحده سبحانه لا شريك له، فهو الذي يخلق ويرزق، وهو الذي يحيي ويميت ، وهو الحي الذي لا يموت، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [غافر:٦٨] أي: دبر أمراً وأراده ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [غافر:٦٨]، فيكون هذا الشيء على ما أراده ودبره وقضاه الله سبحانه. وهذه الآية قد قرأها الجمهور (فَيَكُونُ) على أن الفاء في قوله: (فَيَكُونُ)، عاطفة، أو على أنها جواب الأمر؛ لأنها سببية، أي: بسبب ذلك، وقرأها ابن عامر بالفتح: (فَيَكُونَ)، ولذلك استحب الجمهور لمن قرأها أن يقف عليها بالروم، أي: أن يضم شفتيه عندها كأنه يضع عليها ضمة بسيطة، والفرق بين قراءة الجمهور وقراءة ابن عامر أنه ليس في قراءة ابن عامر روم ولا إشمام في الفتح، وإنما يكون الروم والإشمام عنده في الضم وفي الكسر، وأما على قراءة الجمهور فيجوز الوقف عليها بالسكون فقط، ويجوز الوقف عليها بالروم بياناً لأنها مضمومة، والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2832

تفسير سورة غافر [٦٩ - ٧٧] العجب كل العجب من أولئك الذين يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ويجادلون أنبياء الله تعالى ورسله بالباطل، ومن جاء بعدهم يجادلون أهل الحق، ويزعمون أنهم على حق كذباً وزوراً وبهتاناً، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم أنهم على باطل، وإنما دفعهم إلى ذلك التكبر على الحق وعلى الخلق، لكنهم سيعملون غداً من الكذاب الأشر.

стр. 2833

تفسير قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله فسوف يعلمون) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة غافر: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٦٩ - ٧٢]. يعجب الله نبيه ﷺ والمؤمنين ممن يجادل في آيات الله بغير حق وبغير علم، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:١٢١] أي: يوحي الشياطين إلى أوليائهم من المشركين والمنافقين والكاذبين والجاحدين بأن يجادلوا النبي ﷺ والمؤمنين بالباطل ليصرفوهم عن الحق. يقول تعالى: ألا تعجب يا محمد من هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله وقد سمعوا كتاب الله وما فيه من الآيات المحكمة العظيمة، والمعجزات الباهرة أنى يصرف هؤلاء عن التفكر في آيات الكتاب، وفي المعجزات التي جاء بها النبي ﷺ ، وفي آيات الله في الكون التي تدل على أنه إله واحد يستحق العبادة؟! فكيف صرف هؤلاء عن التفكر؟! أين ذهبت عقولهم وقلوبهم؟! لم لا يتفكرون؟! ما هذه الغفلة التي هم فيها؟! ألا تعجب من هؤلاء الذين لا يفهمون ولا يتعظون بما تقول؟! كيف صرفوا عن الحق ودلائله وعن التوحيد؟! وكيف فتنوا وانصرفوا عن التفكر في آيات الله؟! هؤلاء المجادلون بالباطل ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر:٧٠]، أي: الذين كذبوا بما نزل من القرآن من عند رب العالمين، وكذبوا بما أرسلنا به رسلنا، فهؤلاء جاءهم النبي ﷺ فكذبوه، وقد جاءهم بقصص الأنبياء السابقين مع قومهم، فهذا نوح أرسل إلى قومه فأمرهم بالتوحيد، وقال: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، وهود أرسل إلى قومه فأمرهم بالتوحيد، وصالح أرسل إلى قومهم فأمرهم بالتوحيد، ولوط أرسل إلى قومه فأمرهم بالتوحيد، وإبراهيم وغيرهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أمروا قومهم بالتوحيد فانصرفوا عنه إلى الشرك بالله ، فكأن من كذب نبياً واحداً فقد كذب كل المرسلين؛ لأن الجميع جاءوا بهذه الدعوة دعوة التوحيد: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره). إذاً: هؤلاء المشركون كذبوا النبي ﷺ ، وكذبوا دعوة التوحيد، وكذبوا بالكتاب وهو القرآن الذي نزل من عند رب العالمين، وكذبوا رسلنا الذين أرسلنا من قبل ذلك، وهو دين الإسلام دين التوحيد. وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [غافر:٧٠] فيه التهديد والوعيد من رب العالمين سبحانه، أي: انتظروا فسوف ترون ما يسوءكم، سوف ترون العذاب الشديد، وذلك بأن نجعل الأغلال في أعناقكم والسلاسل تسحبون بها إلى النار والعياذ بالله.

стр. 2834

تفسير قوله تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون) قال تعالى: ﴿إِذْ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧١]. قوله: (إذ) ظرفية فيها توقع حدوث الشيء، فسوف يعلمون في زمن كذا وفي وقت كذا إذ يحدث لهم كذا. قوله تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر:٧١] الأغلال: جمع غل، والغل: هو القيد الذي تربط به اليدان إلى رقبة الإنسان، فتغل يد الأسير وتربط بسلسلة إلى رقبته، فكذلك يصنع بهؤلاء، بحيث تربط أيديهم فتغل في أعناقهم فلا يقدرون على الفكاك ولا الهرب. وقوله: (والسلاسل يسحبون) أي: السلاسل يسحبون بها، قال تعالى: ﴿فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة:٣٢]، فهي سلاسل يسحبون بها وسلاسل يسلكون فيها والعياذ بالله، كما تسلك حبات السبحة في الخيط، فتدخل من أفواههم وتخرج من أدبارهم، كالشيء المشوي على سيخ والعياذ بالله! قال تعالى: ﴿إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر:٧١] أي: يسحبون بهذه السلاسل، إلى أين؟ قال: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] والعياذ بالله! يؤخذون بأغلالهم وسلاسلهم فيسحبون على وجوههم إلى الحميم، والحميم: هو السائل الذي بلغ الغاية النهائية القصوى من درجات الحرارة، وفي الدنيا يبلغ الماء أقصى درجة الحرارة مائة درجة مئوية، وهذا في الدنيا، أما في الآخرة فالسائل يبلغ أكثر من ذلك؛ فالذي يوقد عليه هو نار جهنم والعياذ بالله، ولو تخيلنا أن هذه الشمس قريبة منا بمقدار ثمان دقائق، وهذه الشمس درجة حرارتها الخارجية تصل إلى ستة آلاف درجة مئوية، أما في نواة الشمس وداخلها فتصل درجة الحرارة إلى ستة ملايين درجة مئوية، فحرارة هذه الشمس ليست كنار جهنم، فكيف تكون نار جهنم؟! وكم تكون درجة الحرارة التي تبلغ فيها وهي سوداء مظلمة تصل إلى أقصى ما يكون من درجات الحرارة والعياذ بالله؟! وفي هذه النار سائل ينضج عليها النار، وهو من صديد أهل النار والعياذ بالله، مما يسيل من جلودهم، فهؤلاء يسحبون على ذلك الحميم السائل الذي بلغ أقصى درجات الحرارة، ثم يؤخذون فتوقد بهم نار جهنم والعياذ بالله، قال تعالى: ﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر:٧٢] أي: يصيرون وقوداً للنار والعياذ بالله.

стр. 2835

تفسير قوله تعالى: (ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون كذلك يضل الله الكافرين) قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤]، هذه النار لا يطيقها أحد أبداً، نسأل الله العفو والعافية وأن يجيرنا من النار، وأن يجعلنا من أهل الجنة، اللهم أجرنا من النار، واجعلنا من أهل جنتك، هذه النار التي في الآخرة يجعل الله فيها هؤلاء، فهم لا يحيون حياة كريمة، ولا يموتون فيستريحون، ثم قيل لهم لما عاينوا ورأوا العذاب وأدخلوا فيه: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٣ - ٧٤]؟ أين ذهبت الأنداد والأصنام التي كنتم تتخذونها آلهة من دون الله؟ فأجابوا (قالوا ضلوا عنا) أي: غابوا عنا وتاهوا، وذهبوا في مكان آخر، فلما تفكروا قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر:٧٤] أي: استدركوا على أنفسهم فقالوا: لقد كنا في الدنيا في تيه وفي ضلال، بل لم نكن ندعو شيئاً ننتفع به، ولا شيئاً يملك لنفسه نفعاً فضلاً عن غيره، وإنما كنا ندعو أشياء لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع. إذاً: كانوا في الدنيا يعرفون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، ويدعونها من دون الله سبحانه، لكن دفعهم الكبر والأشر والبطر لذلك، فالكبر جعلهم يتعالون على دين الله وعلى النبي ﷺ ، فيجادلون بالباطل فيما يعرفون أن الحق معه ﷺ ، فيقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. أي: كل هذه الآلهة والأصنام التي نعبدها يريد أن يوحدها بواحد فقط، هذا شيء عجيب! وما هو وجه العجب في ذلك؟ فهم يقولون ذلك قولاً فقط، وهم يعرفون أن هذه الأصنام لا تنفع ولا تضر، فهم يرون أحدهم يصنع الصنم والآخر يكسره، ويرون الذي يصنع الصنم ثم هو الذي يأكله بعد ذلك، فهذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله قد عبدوها وهم يعرفون أنها لا تنفع ولا تضر، وقد قال ﵊ لأحدهم: (كم تعبد من إله؟ فقال: أعبد سبعة، واحداً في السماء وستة في الأرض، فقال له: من الذي ترجوه لنفعك؟ فقال: الذي في السماء). إذاً: الآلهة التي في الأرض لا تنفع ولا تضر، وهذا باعترافهم، فنقول لهم: لماذا تعبدونها؟ قالوا: إنها تقربنا إلى الله، فالشيطان يوحي إليهم ألا تعبدوا الله مباشرة، ولكن اعبدوا هذه الآلهة فإنها تقربكم إلى الله زلفى، ومع أنهم غير مقتنعين بذلك، ولكن منعهم الكبر على الحق، والكبر على النبي ﷺ ، كيف يكون نبياً من بني هاشم؟! إذاً: الكبر يمنعهم من اتباع الحق، ويدفعهم لعبادة ما لا ينفع ولا يضر، فلما جاءوا يوم القيامة ما استطاعوا أن يكذبوا كما كانوا يكذبون في الدنيا، ولكن قالوا: ﴿لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ [غافر:٧٤] أي: اعترفوا بالحقيقة، وندموا حين لا ينفع الندم، وطلبوا الاستدراك في وقت لا ينفع فيه الاستدراك، ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥]. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٤] أي: كذلك الضلال الذي ضل فيه هؤلاء حتى وصلوا إلى النار يضل الله مثله كل كافر يجادل بالباطل، فكل من يجادل بالباطل لم يضر إلا نفسه، فمن يتبع الباطل ويترك الحق ويظن أنه أتى بشيء فالله يختم على قلبه، ويتركه في غفلته هكذا، ويذكر ربنا سبحانه المؤمنين كأنه يقول لهم: أيها المؤمنون! انظروا إلى الضلال الذي كان في هؤلاء حتى وصلوا إلى النار، فإنا سوف نضل هذا الإنسان المجادل بالباطل، حتى يظل في تيه وفي غفلة، عابداً غير الله حتى يصل إلى مثواه في نار جهنم كما فعل الله بالسابقين ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر:٧٤].

стр. 2836

تفسير قوله تعالى: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر:٧٥] أي: هذا الذي تذوقونه من العذاب بما كنتم تفرحون، فربنا ذكر لـ قارون نصيحة قومه له حين قالوا: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] أي: لا تفرح أنه أعطاك، فكون الإنسان يصيبه شيء من الهناء ومن السرور لا مانع أن يفرح بنعمة الله، وأن يفرح بنصر الله، ويفرح بالإيمان والهدى، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٤]، لكن كون الإنسان يفرح بالمعاصي، أو يفرح بكثرة الأتباع، ويأشر ويبطر ويبتعد عن الحق، وينظر لغيره باحتقار لأنه أعلى منهم؛ ولأنه أفضل منهم، فهذا المرح والفرح فيه إسراف وفيه تعد وغرور وهو الذي نهى عنه الله سبحانه فقال مبكتاً لهم: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥].

стр. 2837

تفسير قوله تعالى: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فإلينا يرجعون) قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر:٧٦] أبواب جهنم سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فيقول لهؤلاء: ادخلوا هذه الأبواب والعياذ بالله، ((فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) أي: بئس مقر ومأوى ومنزل ينزل فيه هؤلاء، فهذا هو مثوى للمتكبرين عن الحق، وللمستكبرين على الخلق. ثم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧] أي: اصبر على ما سيحصل من هؤلاء؛ فإن الدنيا قليلة وحقيرة، وسرعان ما تزول، فاصبر لأمر الله، واصبر على قضاء الله وقدره، واصبر على الأذى، واصبر على الدعوة إلى الله ، اصبر فإن الوعد من الله، ووعد الله حق، فهو الذي يعدك بالجنة، وهو الذي يعدك بالنصر . قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧] أي: نريك بعض الذي نعد هؤلاء ونتوعدهم به من العذاب في الدنيا، كما حدث لهم في بدر وغيرها، قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧] سواء مكناك فنلت النصرة وغنمت من هؤلاء، أو أخذناك وقبضناك، فالكل إلينا راجع، وسنحاسب الجميع. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2838

تفسير سورة غافر [٧٧ - ٧٨] تواجه الإنسان في هذه الدنيا المشاكل والأزمات، ويجد الصعوبات والعقبات، وما لم يتسلح بالصبر فإنه سيهون أمامها ويلين، ولا يقدر على المواجهة والوقوف أمامها، والمسلم يواجه في حياته أهل الكفر والنفاق والشقاق ومكرهم وكيدهم للدين وأهله، وما لم يكن على هذا الخلق العظيم فإنه لن يقدر على الثبات والمواجهة، وتجده يتزلزل ويتراجع؛ ولذلك أمر الله بالصبر، وأمر نبيه ﷺ به، وبينا عظيم أجره، وحسن عاقبته، من أجل أن يتمسك ويتخلق به المسلم في حياته، ويكون زاداً له أمام أهل الشقاق والكفر والنفاق.

стр. 2839

تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق) أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة غافر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٧ - ٧٨]. يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه في هذه الآيات بالصبر، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧]، فإنه كما ابتلي ﷺ وهو في مكة ابتلي أيضاً وهو في المدينة صلوات الله وسلامه عليه، فأمره ربه سبحانه بأن يصبر ويأمر المؤمنين كذلك بالصبر، وإذا أمر النبي ﷺ أن يصبر فهو أمر بالتبع للمؤمنين؛ لأنه قدوتهم ﷺ ، فأمروا أن يصبروا وأن يصابروا وأن يرابطوا وأن يجاهدوا في سبيل الله ، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧]، أي: إن وعد الله لكم بإحدى الحسنين حق: إما النصر والتمكين، وإما الشهادة وقبض الروح فترجعون إليه ويجازي هؤلاء على ما فعلوا، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس:٤٦] أي: فتبصر وترى ما توعدناهم وتهددناهم به، وما أخبرناك بأنه آتيهم من عذاب الله ، أو نقبضك إلينا ونتوفينك. وكلا الأمرين خير للنبي ﷺ ، فإما أن يقبضه الله فيرجع إلى ربه الكريم سبحانه، فيدخله جنات النعيم فيكون خيراً له، أو أن الله يمكن له وينصره فيرى في أعدائه ما يشفي صدور المؤمنين، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، وهذا من كرمه سبحانه، فإنه لما هددهم سبحانه علم أن فيهم من يتوب ويرجع إليه فقال: ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، وليس كل ما وعدهم الله سبحانه، فقد يعفو عن البعض وقد يعذب البعض، وقد يؤخر الجميع إلى يوم يرجعون إليه ويفعل الله ما يشاء. قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، أي: بعض ما توعدناهم به من العذاب وما هددناهم به من نزول العقاب (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي: نرجعك إلينا ونقبضك، قال تعالى: (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، أي: الجميع سيرجع إلى الله، ثم يكون الجزاء والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار. وقوله تعالى: (إِِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، هذه قراءة الجمهور، وقرأ يعقوب (إلينا يَرجِعون)، أي: يرجع كل إنسان إلى ربه فيجازيه بعمله إن خيراً فخيراً وإن شراً فشر.

стр. 2840

تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك) قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨] يخبر الله سبحانه في هذه الآية أنه أرسل رسلاً قبل النبي ﷺ ، وأن هؤلاء الرسل كانوا من البشر، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٣٨] فالله أرسل الرسل وجعلهم من البشر، وجعل لهم أزواجاً وذرية، وابتلاهم في هذه الدنيا، وقد كان هؤلاء الرسل والأنبياء كثيرين، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] أي: أن الله قص لنبيه صلوات الله وسلامه عليه بعضاً من هؤلاء فقط، فالقرآن ليس كتاب تاريخ وسير حتى يسرد له أسماء جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما القرآن كتاب شريعة، وفيه من الحكم والمواعظ التي يعظ الله بها نبيه ﷺ والمؤمنين.
следующие страницы →