Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
تفسير قوله تعالى: (ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق)
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر:٧٥] أي: هذا الذي تذوقونه من العذاب بما كنتم تفرحون، فربنا ذكر لـ قارون نصيحة قومه له حين قالوا: ﴿لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص:٧٦] أي: لا تفرح أنه أعطاك، فكون الإنسان يصيبه شيء من الهناء ومن السرور لا مانع أن يفرح بنعمة الله، وأن يفرح بنصر الله، ويفرح بالإيمان والهدى، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [الروم:٤]، لكن كون الإنسان يفرح بالمعاصي، أو يفرح بكثرة الأتباع، ويأشر ويبطر ويبتعد عن الحق، وينظر لغيره باحتقار لأنه أعلى منهم؛ ولأنه أفضل منهم، فهذا المرح والفرح فيه إسراف وفيه تعد وغرور وهو الذي نهى عنه الله سبحانه فقال مبكتاً لهم: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر:٧٥].
стр. 2837
تفسير قوله تعالى: (ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فإلينا يرجعون)
قال تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر:٧٦] أبواب جهنم سبعة أبواب، لكل باب منهم جزء مقسوم، فيقول لهؤلاء: ادخلوا هذه الأبواب والعياذ بالله، ((فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ)) أي: بئس مقر ومأوى ومنزل ينزل فيه هؤلاء، فهذا هو مثوى للمتكبرين عن الحق، وللمستكبرين على الخلق.
ثم قال الله لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧] أي: اصبر على ما سيحصل من هؤلاء؛ فإن الدنيا قليلة وحقيرة، وسرعان ما تزول، فاصبر لأمر الله، واصبر على قضاء الله وقدره، واصبر على الأذى، واصبر على الدعوة إلى الله ، اصبر فإن الوعد من الله، ووعد الله حق، فهو الذي يعدك بالجنة، وهو الذي يعدك بالنصر .
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧] أي: نريك بعض الذي نعد هؤلاء ونتوعدهم به من العذاب في الدنيا، كما حدث لهم في بدر وغيرها، قال: ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [غافر:٧٧] سواء مكناك فنلت النصرة وغنمت من هؤلاء، أو أخذناك وقبضناك، فالكل إلينا راجع، وسنحاسب الجميع.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2838
تفسير سورة غافر [٧٧ - ٧٨]
تواجه الإنسان في هذه الدنيا المشاكل والأزمات، ويجد الصعوبات والعقبات، وما لم يتسلح بالصبر فإنه سيهون أمامها ويلين، ولا يقدر على المواجهة والوقوف أمامها، والمسلم يواجه في حياته أهل الكفر والنفاق والشقاق ومكرهم وكيدهم للدين وأهله، وما لم يكن على هذا الخلق العظيم فإنه لن يقدر على الثبات والمواجهة، وتجده يتزلزل ويتراجع؛ ولذلك أمر الله بالصبر، وأمر نبيه ﷺ به، وبينا عظيم أجره، وحسن عاقبته، من أجل أن يتمسك ويتخلق به المسلم في حياته، ويكون زاداً له أمام أهل الشقاق والكفر والنفاق.
стр. 2839
تفسير قوله تعالى: (فاصبر إن وعد الله حق)
أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة غافر: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٧ - ٧٨].
يأمر الله نبيه صلوات الله وسلامه عليه في هذه الآيات بالصبر، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧]، فإنه كما ابتلي ﷺ وهو في مكة ابتلي أيضاً وهو في المدينة صلوات الله وسلامه عليه، فأمره ربه سبحانه بأن يصبر ويأمر المؤمنين كذلك بالصبر، وإذا أمر النبي ﷺ أن يصبر فهو أمر بالتبع للمؤمنين؛ لأنه قدوتهم ﷺ ، فأمروا أن يصبروا وأن يصابروا وأن يرابطوا وأن يجاهدوا في سبيل الله ، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧]، أي: إن وعد الله لكم بإحدى الحسنين حق: إما النصر والتمكين، وإما الشهادة وقبض الروح فترجعون إليه ويجازي هؤلاء على ما فعلوا، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [يونس:٤٦] أي: فتبصر وترى ما توعدناهم وتهددناهم به، وما أخبرناك بأنه آتيهم من عذاب الله ، أو نقبضك إلينا ونتوفينك.
وكلا الأمرين خير للنبي ﷺ ، فإما أن يقبضه الله فيرجع إلى ربه الكريم سبحانه، فيدخله جنات النعيم فيكون خيراً له، أو أن الله يمكن له وينصره فيرى في أعدائه ما يشفي صدور المؤمنين، قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، وهذا من كرمه سبحانه، فإنه لما هددهم سبحانه علم أن فيهم من يتوب ويرجع إليه فقال: ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، وليس كل ما وعدهم الله سبحانه، فقد يعفو عن البعض وقد يعذب البعض، وقد يؤخر الجميع إلى يوم يرجعون إليه ويفعل الله ما يشاء.
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ [غافر:٧٧]، أي: بعض ما توعدناهم به من العذاب وما هددناهم به من نزول العقاب (أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ) أي: نرجعك إلينا ونقبضك، قال تعالى: (فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، أي: الجميع سيرجع إلى الله، ثم يكون الجزاء والحساب والثواب والعقاب والجنة والنار.
وقوله تعالى: (إِِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)، هذه قراءة الجمهور، وقرأ يعقوب (إلينا يَرجِعون)، أي: يرجع كل إنسان إلى ربه فيجازيه بعمله إن خيراً فخيراً وإن شراً فشر.
стр. 2840
تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك)
قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨] يخبر الله سبحانه في هذه الآية أنه أرسل رسلاً قبل النبي ﷺ ، وأن هؤلاء الرسل كانوا من البشر، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الرعد:٣٨] فالله أرسل الرسل وجعلهم من البشر، وجعل لهم أزواجاً وذرية، وابتلاهم في هذه الدنيا، وقد كان هؤلاء الرسل والأنبياء كثيرين، قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨] أي: أن الله قص لنبيه صلوات الله وسلامه عليه بعضاً من هؤلاء فقط، فالقرآن ليس كتاب تاريخ وسير حتى يسرد له أسماء جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنما القرآن كتاب شريعة، وفيه من الحكم والمواعظ التي يعظ الله بها نبيه ﷺ والمؤمنين.
стр. 2841
بيان أن الله لا يعذب قوماً إلا بعد إقامة الحجة
والله ما كان ليعذب قوماً حتى يقيم عليهم الحجج ويرسل إليهم الرسل وينزل عليهم الكتب، ثم بعد ذلك يجازيهم على أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥] أي: أننا نبعث الرسول ليقيم الحجة على الخلق، ثم بعد ذلك نعذب من عاند ومن جحد ومن شاق الله سبحانه.
стр. 2842
أكثر الرسل لم يذكرهم الله في كتابه
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، أي: أرسلنا كثيراً من الأنبياء والرسل، وقد ذكروا أن عدد رسل الله سبحانه الذين بعثهم ثلاثمائة وبضعة عشر رسولاً أو خمسة عشر رسولاً، وقد ذكر منهم في القرآن خمسة وعشرين بأسمائهم، وهم: آدم، وإدريس، ونوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وشعيب، وموسى، وهارون، ويونس، وداود، وسليمان، وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى، وعيسى، وذو الكفل -عند كثير من المفسرين- وخاتمهم وسيدهم محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولم يذكر بقيتهم وهم الأكثرون، وكذلك لم يذكرهم النبي ﷺ .
стр. 2843
تكذيب الأقوام لرسلهم وسؤالهم الآيات
قال تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨]، أي: لقد كانت عادة الأقوام الذين بعث إليهم الرسل التكذيب، فإذا جاءهم رسول من عند الله كذبوه وأعرضوا عنه وطلبوا منه آية على أنه رسول من عند الله، أو يشترطون عليه أن يعمل لهم ما اشترطوه، فقوم هود طلبوا من نبيهم آية، وكذلك قوم صالح، ومن قبلهم قوم نوح، وهكذا كل نبي بعثه الله إلى قوم كانوا يطلبون منه الآيات ويتعنتون معه، فيرسل الله لهم الآيات، ويريهم ما سألوا، ومع ذلك يعرضون ويكذبون إذا جاءتهم الآيات الحسية التي طلبوا أن يروها ولم يؤمنوا بها، فإذا كان السابقون لم يؤمنوا فهؤلاء لن يؤمنوا، وقد جعل الله الآية العظيمة والمعجزة الكبرى لرسوله ﷺ هذا القرآن العظيم، وتحدى به الخلق جميعهم أن يأتوا ﴿بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣].
ولما طلبوا من النبي ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً وأن يبعد عنهم الجبلين اللذين في مكة من أجل أن تتوسع أرضهم؛ لأن أرضهم ضيقة، وأن ينزل عليهم من السماء أمطاراً غزيرة، وينزل عليهم من السماء ذهباً وفضة وينزل عليهم كتاباً من السماء، وتعنتوا فيما طلبوا من النبي ﷺ ؛ لم يجبهم ربنا سبحانه إلى ما سألوا وطلبوا؛ لأن الذين من قبلهم لما طلبوا الآيات ورأوها لم يؤمنوا، فهؤلاء مثلهم، فكان من رحمة الله ألا يبعث هذه الآيات؛ فإن الله إذا أرسل آية من الآيات وكذب بها الخلق أتتهم العقوبة والاستئصال والإهلاك والتدمير، ولذلك من رحمة الله أنه لم يعطهم ما سألوا من الآيات؛ لأنه علم أن الذين يطلبون هذه الآيات سيموتون على كفرهم كـ أبي جهل وأبي لهب وغيرهم، فإذا أعطاهم الله آية وحول لهم الصفا ذهباً فسيقولون عن النبي ﷺ : ساحر، ويظلون على تكذيبهم، فيأتيهم العذاب من عند الله فيستأصلهم جميعاً، فمن رحمة الله أنه لم يعطهم الآية التي طلبوها؛ حتى لا يهلكهم ويبيدهم بعد ذلك، وهذا فضل منه ورحمة.
стр. 2844
تعذيب الله تعالى للمكذبين للرسل
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨] أي: إذا جاء وعد الله وجاء العذاب من عند الله قضى بين هؤلاء بالعدل وبالحق في الدنيا وفي الآخرة، فإذا كذبوا وأعرضوا جاء العذاب، فكان قضاء الله الحق أن يستأصلهم جزاء بما كانوا يعملون، وإذا أخرهم ليوم القيامة قضى الله بين عباده بالحق، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨] والمبطلون: جمع مبطل، والمبطل: المدعي الكذب، وهو الذي يتكلم بالباطل وهو يعرف أنه باطل ومع ذلك يجادل فيه، فهو يلعب في الدنيا ويلهو ويجادل في آيات الله، وكأنه يتكلم بالحق في هذا الذي يقول ويعتقده وهو يكذب، ولذلك فضحهم الله وقال لنبيه ﷺ : ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، وهناك فرق بين من يكذب وهو يعتقد أنه كاذب، وبين من يكذب وهو يعتقد أنه صادق، فهنا يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿فإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام:٣٣]، أي: لا يعتقدون أنك كاذب، وإنما هم مقرون بما تقول في أنفسهم، ولكنهم منكرون في الظاهر أمامك، وهذا هو الجحود، فهم يجحدون بآيات الله سبحانه مع اعترافهم وعلمهم أنها صواب وأنها من عند الله .
قال تعالى: ﴿فإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [غافر:٧٨] أي: في يوم القيامة أو في وقت مجيء العذاب، ﴿قُضِيَ بِالحَقِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [غافر:٧٨] أي: في دعواهم أن مع الله آلهة، وحاشا له ! وفي دعواهم أن النبي ﷺ ساحر أو كاذب أو مجنون، فيخسرون حين يرون العذاب.
стр. 2845
أمر الله تعالى نبيه بالصبر
وإذا كان الأمر كذلك فاصبر، كما قال تعالى: ﴿فاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، أي: كما صبر الرسل من قبلك فلست أقل منهم شأناً، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف:٣٥]، فهذه الدنيا التي يراها الإنسان طويلة عريضة، ويراها زمناً طويلاً، ويرى فيها التكذيب والمحاربة لله ولرسوله ﵊ فـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، أي: من العذاب، و ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥] أي: يوم الحساب، كأنهم ما لبثوا في هذه الدنيا إلا ساعة، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلاغٌ﴾ [الأحقاف:٣٥]، أي: هذا بلاغ وإنذار من الله .
﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف:٣٥]، أي: لا يهلك إلا الإنسان الفاسق الذي خرج عن الإيمان وعن طاعة الرحمن وعن دين ربه ، فهو الذي يستحق العذاب.
فطمأن الله نبيه ﷺ وأمره بالصبر، فصبر النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد أمره الله بالصبر في السور المكية وفي السور المدنية فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠] وهذه في سورة آل عمران وهي مدنية.
стр. 2846
فضل الصبر
وأما عن فضل الصبر فيقول النبي ﷺ في الحديث: (ما أعطي عبد عطاء خيراً له ولا أوسع من الصبر)، فالله يرزق العبد الكثير من فضله، ومن أعظم ما يعطيه الله للعبد الصبر، فيتجلد لما ينزل به من عند الله سبحانه ويصبر، ويطيع الله سبحانه ولا يعصيه ويصبر على الآلام والأوجاع، وعلى أذى الكفار والمشركين، وعلى الدفاع عن هذا الدين، فيدافع عنه ويجاهد أعداءه ويصبر في ذلك.
ومما جاء عن النبي ﷺ في فضل الصبر أيضاً.
قوله: (إذا أحب الله قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)، فيبتليهم الله بما يشاء ليرفع درجاتهم ويكفر خطاياهم ويعطيهم من فضله سبحانه، فإذا رضي الإنسان عن ربه سبحانه وصبر فله الرضا.
وقد كان نبينا ﷺ أعظم الراضين عن ربه ، فكان يصبر ويرضى، ففي يوم أحد لما هزم المسلمون هزيمة شديدة وصعبة وقتل فيها عمه حمزة وبقرت بطنه رضي الله ﵎ عنه، ورأى ﷺ في أصحابه قتلاً شنيعاً صعباً، فعندما انتهى القتال قال: (قوموا نحمد الله، فأقام أصحابه وراءه صفاً، وقام حامداً ربه بمحامد ذكرها صلوات الله وسلامه عليه، فقال: لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت)، وذكر كلاماً كثيراً صلوات الله وسلامه عليه، فحمد ربه ثم تعوذ بالله من الخوف يوم القيامة ومن الفزع الأكبر ومن يوم العيلة ومن غيرها.
فيحمد ربه وهو في موقف الضعف وهو في موقف الهزيمة، فقد كان يحمد الله على كل حال ليعلم المؤمنين ألا يتسخطوا على ربهم أبداً.
وقال ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)، وهذا كما في الحديث السابق: (فمن رضي فله الرضا).
فالإنسان إذا نزلت به المصيبة إما أن يصبر صبر الكرام، وإما أن يسلو سلو البهائم، فالبهيمة عندما تنزل بها المصيبة تصرخ مدة ثم تسكت، فإذا كان الإنسان يصرخ كذلك إذا نزلت به البلية ثم في النهاية يسكت فقد أشبه البهيمة، وأما إذا تصبر وانتظر أمر الله سبحانه وقال: يا رب يا رب، وطلب الفرج من الله فهذا صبر الكرام، فإما أن يصبر صبر الكرام وإما أن يسلو سلو البهائم، ومن رضي عن الله فله الرضا، أي: يرضى الله عنه، وإذا ﵁ جعل قلبه مليئاً بالرضا.
وكم رأينا من بلاء ينزل بالصالحين فيصبرون الصبر العظيم، وأعظم من صبر أيوب على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد أعطاه الله المال فصبر وحمد الله، ثم أخذ منه المال والصحة والولد فصبر وحمد الله ، واستمر ثمان عشرة سنة في البلاء، فجعله الله آية للخلق في الصبر العظيم، وقد أمر النبي ﷺ أن يقتدي بهؤلاء، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥]، وقال تعالى: ﴿اصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر:٧٧].
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2847
تفسير سورة غافر [٧٩ - ٨٥]
نعم الله سبحانه على عباده كثيرة، وآياته عظيمة ومشاهدة في خلقه، ولذلك أمر الله تعالى بالسير في الأرض والنظر في آثار من خلوا من قبل للعظة والعبرة، ومن أنكر آيات الله فلينظر في هلاك من قبله من الأمم الذين هم أشد قوة وآثاراً، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك لما جاءهم بأس الله سبحانه؛ لأنهم فرحوا بما آتاهم الله واستكبروا وجحدوا، وكفروا بالله سبحانه، وهكذا كل من كفر بالله وعصاه فعاقبته وخيمه في الدنيا والآخرة.
стр. 2848
تفسير قوله تعالى: (الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة غافر: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٧٩ - ٨٥].
في هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة سورة غافر يخبرنا الله عن دلائل قدرته ووحدانيته، وعن صنعه بالقرون السابقة، ما الذي صنعوه؟ وكيف صنع الله بهم؟ فيرينا هذه الآيات حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد ما بين ووضح في كتابه سبحانه.
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) آية من آيات الله سبحانه أن سخر لكم بهيمة الأنعام، وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج: من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، هذه بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، منها الذكور ومنها الإناث، تستفيدون منها من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، منها تأكلون وعليها تحملون، وعلى الفلك أيضاً تحملون.
قال الله: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ) أي: خلق لكم الله الأنعام وجعلها لكم لمنافعكم، ولمعايشكم، لتأكلوا منها، ولتركبوا عليها، فمن الأنعام ما تركبون عليها، وهي الإبل خاصة، قال تعالى: (وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ) أي: من الإبل وغيرها، فبهيمة الأنعام تأكلون منها، وتنتفعون بألبانها، وتنتفعون بلحمها وبنسلها.
стр. 2849
تفسير قوله تعالى: (ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم)
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [غافر:٨٠] فجعل الله لكم فيها منافع، تنتفعون للتجارة بها، وتنتفعون بأخذ أصوافها وأوبارها وأشعارها، وأخذ كسائكم من أصوافها وغير ذلك، وبأن تصنعوا بيوتاً ترحلون عليها في يوم ضعنكم وترحالكم، وتنتفعون منها منافع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤].
قال تعالى: (وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ) أي: لتقطعوا عليها مسافات واسعة وأراضي شاسعة، تريدون أن تسافروا من قطر إلى قطر لحاجة في نفوسكم وفي صدوركم، فتركبون عليها فتوصلكم، وتقطع بكم الفيافي والصحراء، وتسير بكم من بلاد إلى بلاد؛ لتبلغوا عليها ما تحتاجونه من أشياء، وما تهتمون لأمره وتكنونه في صدوركم، ولتبلغوا عليها حاجة قد لا تخبرون بها الناس، ولكن هي في صدوركم، والله يبلغكم بذلك.
قال تعالى: (وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) أي: ليست وحدها فقط التي تركبون عليها، ولكن أيضاً كما جعلها في البر جعل في البحر الفلك، وسخرها لكم، وصنعتم السفن وبنيتموها وركبتموها وانتقلتم عليها من مكان إلى مكان بفضل الله سبحانه، فهذه من نعم الله سبحانه.
والإنسان ضعيف، ومع ذلك سخر الله له هذا الحيوان القوي، ولو شاء الله لجعل الحيوان شرساً ليس أليفاً، ولجعله نافورة لا يطيع، ولكن الله سبحانه بفضله وبكرمه يسره لكم، وذلل لكم هذه الأشياء، ويرينا ربنا سبحانه في هذا الكون أشياء أخر، حتى لا يتطاول الإنسان ويقول: أنا أقدر على كل شيء، يريه من خلقه سبحانه ما لا يقدر الإنسان عليه، يريه الأسد، ويريه النمر فلا يستطيع الإنسان أن يركبه أو يسافر عليه من مكان إلى مكان، لا يقدر مهما روضه، فالإنسان لا يزال خائفاً منه، فتراه يأخذ الأسد ويخلع أسنانه، ويجعله في السرك ليلعب به، ويري الناس أنه قوي، وفجأة يأتي الأسد على رقبته ويعضها، أو يأكل الإنسان فيخيف صاحبه، ويرينا الله آياته.
فليس كل شيء في الكون تقدر عليه أو تقدر على ترويضه، ولكن الله سبحانه هو الذي يسخر ما يشاء، فسخر بهيمة الإنعام لكم لتأكلوا منها ولتركبوا عليها، وجعل لكم فيها من الحرث ومن الزرع ما تستفيدون به، فهذا من فضله .
стр. 2850
تفسير قوله تعالى: (ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون)
قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٨١] كما جعل لكم الفلك في البحر ويخلق ما يشاء ، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وعلمه كيف يصنع المركب، وكيف يصنع السيارة، وكيف يصنع الطائرة، وكيف يصنع الصاروخ، وكيف يصنع مركبة الفضاء، يعلم الله عباده ويفتح عليهم من فضله، ويريهم نعمه عليهم ﵎.
قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨]، فالذي خلق هو الله سبحانه، والذي خلقك هو الله سبحانه، والذي دلك على ما تصنعه وعلى ما تفكر فيه هو الله ، فلا تغتر بقوتك، ولا تغتر بأنك استطعت أن تصنع الصاروخ، وتصعد إلى الفضاء، فالذي أمكنك من ذلك هو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن:٣٣ - ٣٤]، فعندما يتطاول الإنسان ويقول: أنا أفعل، فربنا سبحانه يريه، ويحرق له مركبة الفضاء، فلا تصل إلى المكان الذي يريد.
قال تعالى: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) فهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فإذا علمكم من فضله فاحمدوه سبحانه واشكروه، ولا تنسبوا النعمة إلى أنفسكم، بل انسبوها إلى خالقها وصاحبها وهو الله سبحانه الذي يريكم آياته.
قال تعالى: (فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ) أي: ما الذي تنكرونه من آيات الله سبحانه؟ وما الذي تزعمون أن الله لم يخلقه ؟ أو أن غير الله شاركه في ذلك؟! حاشا له ، وأي نعمة من نعم الله تظنون أن الله جعلكم أنتم شركاء له فيها؟ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام:١٣٦].
هؤلاء المشركون بإفكهم وباطلهم وكذبهم وتخرصهم على الله سبحانه قسموا بهيمة الأنعام، قالوا: هذه لله بزعمهم وهذه لشركائنا، فالله هو الذي خلق الجميع، وهو الذي أباح لكم أن تأكلوا هذه الأشياء، وهو الذي حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، فمن الذي جعل هذه الميتة في هذه الحالة حلالاً وهذه الميتة حراماً؟ ومن الذي جعل ما في بطون هذه الأنعام حلالاً للذكور دون الإناث وهذه يشترك فيها الجميع؟ من الذي قسم هذه التقسيمات؟ من الذي شارك الله في ملكه حتى يحكم في هذه الأشياء؟ وأي آيات الله تنكرون أنه خلقها؟ ومن هذا الذي يخلق غير الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل:١٧ - ١٨].
стр. 2851
تفسير قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم)
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [غافر:٨٢] يأمر الله عباده أن يتفكروا ويمشوا في الأرض، ويسيروا فيها، قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] وتفكروا في نعم الله وفي آياته سبحانه.
قال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أي: كيف كانت نهاية السابقين، وهؤلاء كانت آخرتهم ماذا؟ كيف كانت العاقبة والنهاية لهؤلاء المكذبين؟ قال تعالى: (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً) أي: كانوا أكثر من هؤلاء القرشيين الذين كذبوا النبي ﷺ ، فمن السابقين قوم عاد، وقوم نوح، وقوم صالح، فأين ذهب هؤلاء الذين كانوا كثرة كاثرة؟ أين ذهب فرعون وجنوده وقومه؟ قال سبحانه: (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ) أي: كانوا عدداً ضخماً جداً، قال تعالى: (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ) [غافر:٨٢]، أي: كانت قوتهم أشد، وانظر إلى عاد ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:٧ - ٨] فقد كانوا طوال الأجساد عراضها، أقوياء في بنيانهم، قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:٩] أي: نحتوا الصخر فصنعوا منه بيوتاً، وكانت بيوتهم داخل الجبال منحوتة، فضاعت هذه البيوت وتهدمت، وأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم، وترك الله المساكن آية وعبرة حتى يقال: هنا كان قوم ثمود الذين صنعوا هذه البيوت من الجبال، فذهب قوم ثمود، وبقيت البيوت لتدل على أن الله أفنى هؤلاء وأذهبهم، ولتدل على قوته وفعله بمن عصى.
قال تعالى: (كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ) أي: جعلوا الآثار في الأرض وهم يتكبرون على الخلق، قال الله سبحانه في قوم عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣١].
فقوله تعالى: (أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً) أي: في كل مكان من أماكن بلدانكم وعلى كل طريق تبنون قصراً شاهقاً عظيماً لا تحتاجون إليه، ولكن ليرى الناس قوتكم وقدرتكم على ذلك، زخارف وزينة، وإظهار القوة والاستكبار، تبدون شيئاً عظيماً، نصباً عالياً؛ ليرى الناس أنكم على قدرة عظيمة.
وقوله تعالى: (تَعْبَثُونَ) أي: عبثاً ولعباً ولهواً، ليس لاحتياجهم لهذه القصور، ولا لهذه الأعمدة العالية، ولكن عبثاً، فقوله: (تَعْبَثُونَ) أي: تلعبون.
قال تعالى: (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) أي: قصوراً عظيمة، أو منابع للمياه عظيمة تجمعون فيها المياه، حتى تروا الناس قدرتكم على ذلك، فتقولون: نحن الذين عندنا الماء، ونحن الذين نفعل هذا الشيء، فمن الذي أعطاكم هذه القدرة سوى الله سبحانه الذي أوجب عليكم أن تعبدوه، فقوم عاد تركوا عبادته، وعبدوا غيره، وأشركوا بالله سبحانه، ورفضوا كلام رسله، فعاقبهم الله سبحانه.
قال تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) إنها دعوة للتفكر في آثار السابقين، فهؤلاء تركوا هذه الآثار التي صنعوها بطراً وأشراً، وارتفاعاً وكبراً، فأذاقهم الله العذاب في الدنيا فضلاً عما يذوقونه في الآخرة، قال تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (ما) إما نافية بمعنى: الجحد، أي: لم يغن عنهم ما كانوا يكسبون، أو بمعنى: الاستفهام فيها، (فما أغنى عنهم) أي: فأي شيء أغنى عنهم هذا الذي كانوا يكسبونه؟ بمعنى: ماذا أغنى عنهم هذا الذي صنعوه؟ فما كانوا يكسبون من أموال، ومن عتاد، ومن قصور، ومن أعمال، ومن أولاد، ومن أتباع، أين ذهبت هذه الأشياء؟ هل انتفعوا بها؟ فأي شيءٍ أغنت عنهم هذه التي كسبوها؟
و
الجواب
ما أغنى عنهم، أي: لم يغن عنهم ذلك شيئاً، بل لما جاءهم الهلاك أهلكهم الله وعذبهم سبحانه، وذهبوا ولم يرجعوا.
стр. 2852
تفسير قوله تعالى: (فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم)
قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [غافر:٨٣] أي: لما جاءت الرسل هؤلاء المكذبين؛ قوم لوط، وقوم عاد، وقوم ثمود، وأصحاب الأيكة، وفرعون وجنوده، وغيرهم ممن خلق الله سبحانه، فرحوا بما عندهم من العلم، وعلم هؤلاء إنما هو الجهل، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧] هذا هو ما عندهم من العلم، فهم لا يعلمون شيئاً عن الدار الآخرة، ولا يعلمون شيئاً عن ربهم إلا ما يفترونه ويكذبونه، أما أن تأتيهم الرسل وتنبئهم وتخبرهم فيرفضون ويفرحون، ويقولون: نحن الذين عندنا العلم، تحذرهم الرسل من الموت ومن البعث فيقولون: لا يوجد بعث، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية:٢٤]؛ لذلك ذكر الله هؤلاء أنهم عن الآخرة هم غافلون، وأنهم لا يعلمون فهم (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ولا يعلمون شيئاً عن الآخرة، إنما غاية علمهم في الدنيا، يعلمون في الدنيا ما يصنعونه ويأكلونه ويشربونه، ولا يتجاوز علمهم الحياة الدنيا، فهذا علمهم الذي هو جهل فيهم، لا يعلمون شيئاً عن ربهم، ولا عن قدرته سبحانه، فيكذبون رسلهم؛ ولذلك أخبر سبحانه أنهم فرحوا بما عندهم من العلم، كالإنسان الجاهل إذا أتاه عالم يعلمه شيئاً يقول له: أنا أعلم كل شيء، تقول له: تعال أحفظك القرآن أو تعال أعلمك أن تقرأ القرآن، فأنت لا تعرف أن تقرأ القرآن، فيقول لك: أنا أقرأ أفضل منك، وكل إنسان يجهل شيئاً يعادي هذا الذي يجهله، وقد قيل: ومن جهل شيئاً عاداه.
كذلك هؤلاء ليس عندهم علم، فالذي عندهم هو الجهل؛ ولذلك عادوا أنبياءهم عليهم الصلاة والسلام، وفرحوا بما عندهم من العلم في زعمهم من علم الدنيا، وهو الجهل بالله .
قال تعالى: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون)، لقد كانوا يستهزئون بعذاب الله سبحانه وبقدرته، فحاق بهم أي: نزل بهم نزولاً وإحاطة، فقوله: (وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) أي: أحاط بهم العذاب فلم يفلتوا من عذاب الله سبحانه، ونزل بهم قدر الله سبحانه، فلم يقدروا على الهروب من ذلك.
стр. 2853
تفسير قوله تعالى: (فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر:٨٤] أي: لما جاء العذاب من عند رب العالمين سبحانه على هؤلاء ورأوا بأسنا، والبأس: هو العذاب، وقدرة الله عليهم، خافوا ورجعوا إلى أنفسهم فتابوا، قال تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ) قالوا مثل فرعون لما جاءه الهلاك والعذاب وهو فرح بنفسه وبجنوده، ولما دخل في اليم وانطبق عليه البحر قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:٩٠]، فقال تعالى: ﴿آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٩١] فلا تنفعه التوبة الآن، وكذلك هؤلاء، قال تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس:٩٨]، فالقرية الوحيدة والقوم الوحيدون الذين نفعتهم توبتهم عند الله هم قوم يونس، أما غيرهم من الأقوام فلن تنفعهم توبتهم، وقوم يونس لما خرج نبيهم من بلدهم وظنوا أن العذاب آتيهم رجعوا إلى الله قبل أن يأتي العذاب، فلم يأت العذاب، فقد وجدوا أن نبيهم خرج وتركهم فقالوا: سوف ينزل العذاب علينا، سنتوب إلى الله ، فتابوا فنفعتهم توبتهم.
فالإيمان إنما يكون غيباً، أما إذا كان العذاب مشاهداً ثم يقول: آمنت الآن، فلا ينفعه إيمانه الآن، فالله سبحانه يقول: (فَلَمَّا رَأَوْا) أي: عاينوا، (بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) أي: رجعنا إلى التوحيد، وكفرنا بما كنا به مشركين، كفرنا بالأصنام وبالأوثان، وبالآلهة التي عبدناها من دون الله.
стр. 2854
تفسير قوله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا)
قال الله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٥] أي: لما جاء البأس وجاء العذاب من عند الله لم ينفعهم الإيمان الآن.
قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ) أي: سن الله سنة وجعلها عادة مطردة من عوائده سبحانه، ومن سيرته في خلقه وحكمه وأمره فيهم سبحانه.
قال سبحانه: (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ) والتقدير: سن الله سنته سبحانه، فنصبت على المصدرية، أو نصبت على التحذير، أي: احذروا سنة الله في خلقه .
إذاً: هذه كانت سنة الله وعادته المطردة في خلقه أنه يملي، فإذا أخذ لم يفلت، قال تعالى: (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ) وسنته أنه إذا جاء العذاب لا ينفع الإيمان بعد مجيء العذاب لمن كان يكفر قبل ذلك.
قال تعالى: (الَّتِي قَدْ خَلَتْ) أي: مضت في عباده.
قال تعالى: (وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ) أي: حين نزول العذاب خسر هنالك الكافرون، أي: هلك من جحدوا ربهم سبحانه، ومن أشركوا بالله سبحانه، فأهلكهم فلم ينفعهم إيمانهم.
نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2855
تفسير سورة فصلت الآية [١]
سورة فصلت من السور المكية، وفيها التنويه بمنزلة القرآن الكريم، وأنه منزل من عند رب العالمين سبحانه، وأن العرب عجزوا عن أن يأتوا بسورة من مثله، وفي هذه السورة ذكر عاقبة المكذبين يوم القيامة، وذكر عاقبة أهل الإيمان.
стр. 2856
مقدمة بين يدي سورة فصلت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة فصلت بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:١ - ٨].
هذه السورة هي الحادية والأربعون من كتاب الله ، وهي سورة فصلت، وسورة فصلت واحدة من سبع سور بدأت بالحرفين (حم) أولها سورة غافر التي ذكرناها قبل ذلك، وآخرها سورة الأحقاف، وهذه السورة من السور المكية، ومجموعة السورة الحواميم يطلق عليها عرائس القرآن؛ لما فيها من جمال، وما فيها من حكم، وما فيها من آيات تخاطب المشركين بأمور تدل على وجود الله سبحانه، وأنه الخالق الذي يستحق وحده أن يعبد، وتناقش هؤلاء وتذكرهم ما حل بالسابقين من عذاب، وتذكرهم بالدار الآخرة وما فيها من نعيم مقيم أو من عذاب أليم وغير ذلك.
وتسمى هذه السورة بسورة فصلت، لأن الله ذكر في أولها: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣]، وتسمى بسورة السجدة أو سورة (حم السجدة) يعني: السورة التي في أولها الحرفان (حم) والتي فيها السجدة، فهي الوحيدة من الحواميم التي فيها سجدة، كذلك تسمى بسورة المصابيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢] وكذلك ذُكر أنها تسمى بسورة (الأقوات) لأن الله ذكر فيها: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت:١٠] يعني: قدر في هذه الأرض الأقوات لأهلها فيها، كذلك هذه السورة تسمى بسجدة المؤمن، وسورة المؤمن هي سورة غافر، وكأنها السجدة التي بعد سورة المؤمن.
هذه أسماء هذه السورة.
وهذه السورة عدد آياتها اثنان وخمسون آية على العد البصري والشامي، وثلاثة وخمسون على العد الحجازي، وأربعة وخمسون على العد الكوفي، وكما ذكرنا قبل ذلك أن الخلاف في العد إنما هو بحسب الوقوف، فالبعض يعتبر هذه رأس آية فيقف عليها.
فيعدها، فالخلاف سيكون في الآية الأولى منها (حم) فسيعد الكوفيون هنا أن هذه رأس آية، فعند الكوفيين أن هذه السورة أربعة وخمسون، فيعتبرون (حم) هذه رأس آية، وعند غيرهم تعتبر هي وما بعدها آية واحدة، وكذلك قول الله : ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فالوقف هنا عده الكوفيون رأس آية، وكذلك عده الحجازيون، وغيرهم اعتبر هذه وما بعدها آية واحدة، فالخلاف في العد هو خلاف في موضع الوقف هل هنا رأس آية أو ليس رأس آية؟ وقد قدمنا قبل ذلك أن سور الحواميم نزلت على ترتيب وجودها في المصحف، فأول ما نزلت من الحواميم سورة غافر وآخر ما نزل من الحواميم سورة الأحقاف، وكلها من السور المكية كما قدمنا قبل ذلك، فهذه السورة على الترتيب في النزول تعتبر السورة الحادية والستون، لكن في ترتيبها في عد المصحف تعتبر الحادية والأربعين.
стр. 2857
أغراض سورة فصلت
وهذه السورة لها أغراض، والسور المكية أهم أغراضها: إثبات توحيد الله سبحانه ﵎، ومناقشة أمر العقيدة والاستدلال على ذلك بما يراه الإنسان في هذا الكون العظيم من آيات تدل على الله سبحانه ﵎، وعلى أنه وحده الذي يخلق فلا يستحق أن يعبد أحد سواه سبحانه ﵎.
فأغراض هذه السورة منها التنويه بشأن القرآن العظيم، كما في قوله : ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:١ - ٣] فذكر أن هذا القرآن نزل من عند رب العالمين الذي فصله سبحانه، فالله الرحمن الرحيم العزيز الحكيم سبحانه ﵎ هو الذي فصل لنا هذا القرآن، وذكر أنهم يعجزون عن معارضة هذا القرآن العظيم، وذكر في هذه السورة هدي هذا القرآن العظيم، وأنه هدىً للناس، وأنه معصوم من أن يتخلله الباطل، وأن الله يؤيد النبي صلوات الله وسلامه عليه بما أنزله عليه من هذا القرآن العظيم الذي يبين للناس الشريعة والمنهاج.
كذلك يذكر لنا كيف تلقى المشركون هذا القرآن، قال : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] فتلقوا هذا القرآن بالرفض؛ ورفضوه لأنهم خافوا من النبي ﷺ ، وحسدوا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وقد رأوا أمامهم الآيات البينات، ولكن لم يعتبروا ولم يتعظوا غيرة وحسداً، كما قال عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] فحسدوا النبي ﷺ وقالوا: لماذا أنت ينزل عليك القرآن؟! فكان الرد من هذا الباب ليس بكونهم لم يفهموا القرآن، بل فهموا وعلموا، ولذلك قال الله : ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] فهم يعلمون، وهم يفهمون لغة هذا القرآن، ويعلمون ما هي الفصاحة، وكيف تكون، وما هي البلاغة، وكيف تكون، فإن هذا اللسان العربي لسان واضح مبين، لذلك لم يريدوا أن ينقضوا شيئاً من هذا القرآن في بلاغته وفصاحته وجماله وحلاوته، وإنما كان أقصى ما يقولونه: ما معنى أنه نزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه دون غيره؟ كذلك يخبرنا الله عن إبطال مطاعن هؤلاء المشركين في هذا القرآن العظيم، ويذكرهم ربنا سبحانه بأنه نزل بلغتهم، فإنهم قالوا: إن القرآن تعلمه النبي ﷺ من بشر آخر، فأخبرنا الله أن هذا الذي يزعمون أن النبي ﷺ تعلم منه لسانه أعجمي، وهذا القرآن لسان عربي مبين، فلو نزل هذا القرآن بلسان أعجمي لقالوا: أأعجمي وعربي؟! أي: كيف يكون القرآن بلسان أعجمي ونحن عرب نتكلم باللغة العربية، نريده عربياً، فلما نزل لهم باللسان الذي يفهمونه إذا بهم يعرضون، فأي عقول هذه؟ وهم شهدوا على أنفسهم فقالوا: في آذاننا وقر، وقلوبنا فيها أكنة مما تدعونا إليه، كما قال حاكياً عنهم: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥].
كذلك يذكر الله في هذه السورة بما يكون في هذه الدنيا من عذاب وعقوبة، كالذي حدث لقوم عاد وثمود، فقال: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] وهم عرفوا ما الذي حدث بهؤلاء الأقوام السابقين، فكانوا يخافون من ذلك فيناشدون النبي ﷺ الله ويناشدونه الرحم ألا يصنع بهم ذلك، ومع ذلك لم يدخلوا في دينه صلوات الله وسلامه عليه! وذكرهم بيوم القيامة وكيف أنهم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، وتشهد عليهم جلودهم يوم القيامة، وأنهم يقولون لجلودهم ولأعضائهم: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١].
كذلك يذكر لنا سبحانه ما يكون في يوم القيامة من مناقشات بين الكفار وبين من طلبوا من الله أن يريهم هؤلاء الذين أضلوهم في هذه الدنيا وأضل بعضهم بعضاً، فلما أفاقوا على الموت وأفاقوا على القيامة وأفاقوا على النار قالوا: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] يقولون ذلك يوم القيامة وهم في النار، يقولون لله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت:٢٩] أي: ندهسهم بأقدامنا، وندوس عليهم بأقدامنا مثل ما عملوا فينا وورطونا في الدنيا وأدخلونا النار، فيبكون وهم في جهنم ويتمنون العودة إلى الدنيا، ولكن لا رجوع ولا إجابة لهؤلاء، ويتمنى بعضهم لبعض عذاب الضعف، فيقول الله: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ [الأعراف:٣٨] أي: كلكم تستاهلون المضاعفة من العذاب، والعياذ بالله! كذلك ذكر لنا كيف كانوا في الدنيا يعرضون، ويوم القيامة يتبرأ بعضهم من بعض، كانوا في الدنيا يقولون: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] أي: لا تسمعوا لهذا القرآن، وحين يقرأ عليكم القرآن الغوا وتكلموا وباعدوه؛ بحيث ما أحد ينتبه له.
كم كادوا للنبي ﷺ ، ورد الله كيدهم في نحورهم، ونشر دينه، ونصر نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأخزى هؤلاء الكافرين.
كذلك يخبرنا عن المؤمنين السعداء نسأل الله أن يجعلنا منهم فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] انظر الفرق بين المؤمن وبين الكافر، فالكافر في النار وفي العذاب وفي الهوان وفي الذل، والمؤمن تتنزل عليه الملائكة في حال وفاته، وتطمئنه وتقول له: لا تخف؛ فأنت راجع إلى رب غفور رحيم، لا تحزن أنت مكانك في الجنة ولن تدخل النار، قال : ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٢] إلى غير ذلك مما ذكر الله من الآيات وما يسر الله في هذه السورة الكريمة.
стр. 2858
معنى الحروف المقطعة
بدأ الله سبحانه ﵎ هذه السورة بالحرفين ﴿حم﴾، وهناك سور كثيرة في القرآن بدأت بهذه الأحرف، وتسمى الحواميم، وهي سبع سور، وغيرها من السور ذكر الله : (الم، الر، المر، المص، كهيعص)، وذكر (ن، ق، ص)، فيذكر الله آيات يبدؤها بهذه الحروف التي يقيناً لها حكمة من الله سبحانه ﵎، وهي سر من أسرار هذا القرآن العظيم، وهي من حكم القرآن أن ينزل فيه في أوائل السور ذلك، والعلماء كل منهم يدلي بدلوه في ذلك، وإن كان في النهاية هذه من أسرار القرآن، ولكن يذكرون أشياء من الحكم التي يصلون إليها فيقولون مثلاً: إن هذه الحروف المكررة في أوائل السور تبلغ أربعة عشر حرفاً، وحروف العربية ثمانية وعشرون حرفاً، قالوا: نصف حروف اللغة العربية موجودة في أوائل هذه السورة، وهذه الحروف المذكورة هي أشرف من الحروف المهجورة غير المذكورة، ولذلك يقولون: هذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف، ونحن في نظرنا أن الحروف كلها حروف، ولكن علماء اللغة العربية وعلماء التجويد وغيرهم يفرقون بينهما، فيقولون: الحروف منها الحرف المهموس ومنها المجهور، ومنها حروف اللين ومن الحروف الشديدة، ومنها الحروف المطبقة ومنها الحروف المفتوحة، والمستعلية والمنخفضة، وحروف القلقلة.
بدأ الله في هذه السور بهذه الحروف، فمنها ما هو مهموس ومنها ما هو مجهور ومنها ما هو من حروف الرخاوة، وغير ذلك، فالله انتقى من هذه الحروف نصف حروف اللغة العربية فوضعها في أوائل بعض سور القرآن؛ لحكمة من الحكم.
وهذه الحروف من العلماء من قال: لو جمعناها وكونا منها جملة بعد أن نأخذ المكررات منها، فنظروا وكونوا جملة عجيبة وهي: (نص حكيم قاطع له سر)، هذه الحروف التي تكررت أخذوا منها المكرر وأخذوا الحروف الغير مكررة فطلعت منها هذه الجملة التي تدل على هذا المعنى: أن هذا نص حكيم قاطع له سر، فهي من أسرار هذا القرآن! والعلماء يذكرون أنه بدأ بهذه الحروف حتى يري هؤلاء الكفار أن هذا القرآن من جنس هذه الحروف التي تتكلمون بها، من جنس اللغة العربية التي أنتم تنطقون بها، فأتوا بمثل هذا القرآن الذي هو من هذه الحروف، فعجزوا عن ذلك، والعرب قوم إذا تحداهم إنسان يقبلون التحدي ويعاندون، فلما جاءهم النبي ﷺ الذي هم يحسدونه وتحداهم ﷺ عجزوا، وما عرفوا كيف يردون عليه ﷺ ، وهذا دليل على أنهم عجزوا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولم يقدروا على أن يأتوا بمثله.
وهذا التحديث كان للعرب الذين هم أهل اللغة العربية وأهل البلاغة وأهل الفصاحة، وأما الجهلة الحمقى من النصارى والمجرمين وغيرهم فهم يجهلون اللغة العربية، ويجيء الجاهل الأحمق الغبي منهم ويقول: أنا سآتي بمثل هذا القرآن، ويتكلم بكلام تافه ليس له معنى، ويقول: أنا قلت هذا الشيء مثل هذا الشيء، فيلقى هو وكلامه في مزبلة؛ فلا ينظر إليه أحد؛ لأنه أصلاً ليس من أهل العربية حتى يتكلم بذلك، وليس هذا الذي أتى به مثل هذا القرآن، بل هو كلام فارغ، لكن العرب قوم يعلمون كما وصفهم الله بذلك، فهم يعلمون ما هي اللغة العربية، وما هي الفصاحة، وما هي البلاغة، وكان أحدهم إذا سئل: عرف الشيء الفلاني، يعرفه تعريفاً وجيزاً في كلمات قليلة تأتي بالمعنى الكبير، ويمكن أن البعض من الناس ينقده في هذا، فيقول: أقلني، لا أقصد كذا، فيلغي الذي قاله ويأتي بشيء ثان أقصر منه؛ لأنه يفهم اللغة العربية ويعرف ماهية البلاغة في الكلام، وماهية الفصاحة، أما الجاهل الذي لا يفهم ذلك مثل تلميذ في الابتدائي لا يفهم شيئاً، ولا يفهم اللغة العربية، لكن مثل أستاذ في اللغة العربية أو دكتور فيها فإنه حين ينظر يقول: مستحيل أن يقول إنسان: أنا سآتي بمثل هذا القرآن.
ولو يحبس نفسه في البيت ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر فإنه بعد ذلك سيخرج على الناس عاجزاً لم يأت بشيء، ولما يتطاول بعضهم ويقول شيئاً يقول كلاماً يضحك الناس عليه فيما يقوله، فهو من أهل الفصاحة ومن أهل اللغة ولكنه عجز أن يأتي بمثل هذا القرآن، ولذلك قالوا: لن نأتي بمثله، ولكن سنقول فيه: هذا شعر، ويقوم يكذب بعضهم بعضاً: أين أوزان الشعر؟ وأين التفعيلات التي فيه؟ هذا ليس شعراً، فيقولون: سنقول: هذا سحر، فيقال: ما هو السحر الذي في هذا الذي تلاه؟ أقصى شيء يصلون إليه أنهم يقولون: هو يفرق بين الولد وبين أبيه، فأبوه يبقى كافراً والابن يصير مسلماً، فيفرق بين الولد وأبيه، هذا هو الذي يقولونه في القرآن وهم يعرفون أنهم كذابون فيما يقولون، لذلك ربنا سبحانه ﵎ أخبر عن هذا القرآن أنه كتاب حكيم فقال: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٢] أي: نزل من عند رب العالمين من لدن حكيم حميد سبحانه ﵎.
واليهود كانوا ينظرون نظرة أخرى إلى القرآن وإلى هذه الحروف التي في أول القرآن، فيذهبون إلى النبي ﷺ ويقولون: ماذا نزل عليك من القرآن؟ فيقرأ لهم: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢] وعندهم حساب يسمونه بحساب الجمل، يأتون بالحروف ويجعلون لكل حرف رقماً، ويقسمونها على نسق: أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت إلخ ويقولون: الألف: واحد، والباء: اثنان، والجيم: ثلاثة، والدال: أربعة، والهاء: خمسة، والواو: ستة، والزاي: سبعة، ويجعلون لكل حرف رقماً؛ يعملون هذا الشيء من أجل أنهم يفترضون أنهم يعلمون الغيب، فيقولون: بناءً على كذا سنعرف العدد ونعرف أشياء من الغيب، وهذا من العلم المحرم، وهذا شيء حرام.
فاليهود ذهبوا إلى النبي ﷺ فقرأ عليهم: ﴿الم﴾ فقالوا: الألف هذا حرف بواحد، واللام بثلاثين، والميم بأربعين، فنجمع واحداً وثلاثين وأربعين ينتج واحداً وسبعين، إذاً: عمر دعوتك سيكون واحداً وسبعين سنة، فيقول بعضهم لبعض: كيف نتبع رجلاً دعوته عمرها واحد وسبعون سنة؟ فيأتون يسألونه مرة أخرى: ماذا نزل عليك؟ فيقول لهم: ﴿المص﴾ [الأعراف:١] فيقولون: الألف بواحد واللام بثلاثين والميم بأربعين والصاد بسبعين فيكون المجموع مائة وواحداً وثلاثين، إذاً: لا نريد أن نتبعك؛ لأن عمر دعوتك قليل، وإذا قرأ عليهم: (الر) يقولون أيضاً: الألف بواحد واللام بثلاثين والراء بمائتين، فيكون المجموع مائتين وواحداً وثلاثين سنة، فمن أين أتوا بالمائتين وواحد وثلاثين؟ هذا كذب، ولا يحل أن يتكلم بهذا الشيء لا في دين ولا في دنيا.
فقالوا في النهاية: لبس علينا، واليهود يعرفون يقيناً أنه نبي من عند رب العالمين، وشهد عليه ربنا سبحانه فقال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ [الأنعام:٢٠] أي: يعرفون النبي ﷺ ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [الأنعام:٢٠] فكما أن أحداً لا يغلط بابنه فإنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٤٦].
والمؤمنون يعرفون أن هذه الأحرف لها سر من الأسرار، وأن الله أنزلها لحكمة من الحكم، فلا مانع أن يعرفوا البعض من هذه الحكم، ومنها أن هذا القرآن من جنس الحروف التي تتكلمون بها، فنتحداكم أن تأتوا بمثله، ولذلك الغالب أنه إذا ذكر شيئاً من هذه الحروف يذكر بعدها إشارة إلى القرآن، كما قال في أول البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]، أي: القرآن، وقال: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وهنا قال: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:١ - ٣].
نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2859
تفسير سورة فصلت [٢ - ٤]
لقد أنزل الله القرآن على نبيه ﷺ ليكون حجة على الكافرين والمعرضين عن الحق، فقد أنزله بلسان العرب ولغتهم، وتحداهم أن يأتوا بمثله فما استطاعوا، وسورة فصلت بدأها الله بـ (حم) مثل بقية الحواميم، ليبين عظمة كتابه، وقوة تعبيره، وجودة بلاغته، التي شهد لها أفصح العرب ممن عايش النبي ﷺ من كفار قريش وغيرهم، ومع ذلك كذبوا وأعرضوا، وكأنهم لم يسمعوا ولم يعلموا.
стр. 2860
تفسير قوله تعالى: (حم .
تنزيل من الرحمن الرحيم)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة فصلت: بسم الله الرحمن الرحيم.
﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥].
بدأنا قبل ذلك في هذه السورة الكريمة سورة فصلت، وذكرنا كيف أن الله بدأها مع سبع سور من كتاب الله متوالية، من أول سورة غافر وحتى سورة الأحقاف، كلهن يبدؤهن الله بحرفي حاء وميم (حم)، وهذه الحروف في هذا القرآن العظيم ذكر العلماء أن لها حكماً، وهذه الحروف سر من أسرار هذا القرآن العظيم، ولكن لا يذكر الله في افتتاح السور حروفاً أو حرفاً أو حرفين إلا والغالب بعدها أن يشير إلى هذا القرآن العظيم، كما يقول تعالى هنا: ﴿حم * تَنزِيلٌ﴾ [فصلت:١ - ٢] يعني: هذا القرآن نزله الله من عنده.
فقوله تعالى: ((تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)) أي: نزل القرآن من السماء.
وكما جاء عن ابن عباس ﵄ بإسناد صحيح: أن القرآن نزل جملة إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ونزل منجماً على النبي ﷺ بواسطة جبريل الأمين، كلما نزل على النبي ﷺ أمر أو نزلت به حادثة أو احتاج إلى حكم من الأحكام نزل القرآن عليه يبين له ويفصل له ما يحتاج إليه؛ ولذلك قال تعالى هنا: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣]، فقوله تعالى: ((فُصِّلَتْ)) أي نزل على النبي ﷺ منجماً، يعني: مقطعاً، آية آية، سورة سورة، فهي آيات تنزل على النبي ﷺ ثم تنزل آيات غيرها وهكذا، وهذا معنى التنجيم، أي: نزل مقطعاً على حسب ما يحدث للنبي ﷺ من حوادث.
قال الله : ((تَنزِيلٌ)) لأنه نزل من السماء.
وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢] أي: من عند الله سبحانه الرحمن الرحيم، بمعنى: نزلت هذه الآيات من السماء التي تفيد علو الله ، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فهو العلي العظيم سبحانه، والكبير المتعال ، وهو الذي استوى على العرش، وهو الذي فوق السموات، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ [الملك:١٦]، وهو الذي ترفعون إليه أيديكم في الدعاء، كما ثبت في أحاديث كثيرة عن النبي ﷺ أنه: (كان يدعو فيرفع يديه إلى السماء فيدعو ربه ، فأخبر الله أنه نزل الكتاب العظيم من عنده، وذكر صفتين له في اسمين من أسمائه الحسنى: الرحمن الرحيم.
стр. 2861
من أسماء الله الحسنى الرحمن والرحيم والفرق بينهما
الرحمن اسم من أسماء الله الحسنى التي اختص بها، قال الرحمن: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥]، فلن تجد أحداً اسمه الرحمن مع الله ، فهو الرحمن وحده لا شريك له، ولذلك فإن الكفار أرادوا أن يفتروا على النبي ﷺ فقالوا: إنه يُعلم رجل من اليمامة اسمه: الرحمن، وقالوا: يأتي بالقرآن رحمان اليمامة، فكذبوا في ادعائهم، إنما الرحمن الواحد سبحانه، وما تسمى بهذا أحد سواه ، فاختص بأنه الله، واختص بأنه الرحمن.
أما الرحيم فهو اسم من أسمائه الحسنى سبحانه، وهي صفة جعل لخلقه أن يتصفوا بها، فالله يرحم من عباده الرحماء، كل إنسان رحيم من عباد الله يرحمه الله، والراحمون يرحمهم الرحمن، قال رسول الله ﷺ : (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).
وأخبرنا الله سبحانه عن نبيه الكريم ﵊ أنه جعله رءوفاً رحيماً ﵊، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] ولكن الله أعطاه رحمة من عنده، فقال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩].
فقوله: ((فَبِمَا)) يعني: فبرحمة عظيمة من الله جعلها في قلبك ((لِنْتَ)) أي: للمؤمنين، فأي رحمة عظيمة نزلت عليك وجاءتك من الله يتعجب من أمرها! فقد كان غاية في الرحمة والحنان صلوات الله وسلامه عليه، ولشدة شفقته على أمته ﷺ جميعهم كاد يهلك ﵊ من جزعه على كفرهم؛ ولذلك عاتبه الله فقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أي: ستهلك نفسك من الأسف ومن الحزن عليهم بسبب عدم إيمانهم والله تعالى يقول: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وأرسله الله نذيراً ﵊، قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ * إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٣ - ٢٤].
فالنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨].
وأخبر عن نفسه سبحانه فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
إذاً: الله هو الرحمن الرحيم، والرحمن: صفة يختص بها ، وهي صيغة مبالغة من الرحمة، ورحمة الله رحمة واسعة عظيمة؛ ولذلك قال النبي ﷺ في الحديث: (الله قسم رحمته مائة قسم، أنزل منها قسماً في الأرض، وترك عنده تسعة وتسعين قسماً من رحمته يرحم بها عباده يوم القيامة)، وهذا القسم الذي أنزله الله في الأرض يتراحم به الخلق جميعهم، كلهم يرحم بعضهم بعضاً، فيجعل الرحمة في قلب الوالدة، وفي قلب الوالد على ولده، باختلاف خلقه من الإنس ومن الجن ومن الحيوان ومن الطيور، فجعل في قلوبهم رحمة يرحم الأب ولده بهذا الجزء من الرحمة التي أنزلها الله ، حتى إن الحيوان ذا الحافر ليرفع حافره عن ولده لئلا يصيبه، وهذا من الرحمة التي جعلها الله .
فإذا جاء يوم القيامة أضاف هذه الرحمة إلى تسعة وتسعين قسماً من رحمته، ورحم بها عباده يوم القيامة، فهو الرحمن الرحيم .
والرحمن صيغة مبالغة والمعنى: ذو الرحمة العظيمة الواسعة العامة التي تعم جميع خلقه سبحانه ﵎.
فالرحمن فيها عموم وخصوص.
والرحيم فيها عموم وخصوص أيضاً.
فالرحمن: صيغة مبالغة من الرحمة العامة التي تعم الخلق جميعهم، فجعل في قلب كل واحد من خلقه شيئاً من الرحمة زادت أو قلت، في قلوب المؤمنين، وفي قلوب الكفار، وفي قلوب الحيوانات، وفي قلوب كل خلق خلقه الله .
كذلك يرحم الله عباده سبحانه، فالإنسان يرفع يديه إلى الله: يا رب يا رب، فيستجيب الله له، يظلم الإنسان نفسه وغيره، فيقول المظلوم: يا رب -وقد يكون المظلوم كافراً- ويقول: يا رب فينتصر الله له ممن ظلمه، والنبي ﷺ يقول: (دعوة المظلوم تصعد إلى السماء كالشرر ليس بينها وبين الله حجاب حتى وإن كانت من كافر).
فالله هو الرحمن الذي رحم خلقه فأقام عليهم الحجة حتى يعرفوا الحق، فأرسل الرسل وأنزل الكتب لجميع خلقه، ليهديهم ، وجعل فيهم العقول، وجعل فيهم الفطر، وجعل فيهم القلوب، فهذه صفة الرحمن ﵎، فجعل للجميع ما يظهر لهم أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة لا شريك له حتى يؤمنوا به؛ لأنه الرحمن.
والرحيم: صيغة مبالغة فيها عموم وخصوص، فالعموم في الرحيم أن الله جعل الرحيم لنفسه اسماً له، وجعله صفة لخلقه.
إذاً: الله هو الرحيم، ومن خلقه من يكون رحيماً أيضاً، ولكن هناك فرق بين الله الذي سمى نفسه الرحيم وهي صفة تليق بعظمته سبحانه وبين من يتصف من خلقه بأنه رحيم، فالنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، وفرق بين رحمة الله العظيمة الواسعة ورحمة المخلوق المحدودة.
والخصوص: أن الله رحيم بالمؤمنين، فقال عن نفسه سبحانه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣].
إذاً: هي صفة لله يختص بأنه يرحم بها المؤمنين، وفي يوم القيامة إذا حشر الناس قنط الكافرون من رحمته سبحانه، وفتح الله للمؤمنين رحمته ، فالرحيم اسم من أسمائه سبحانه، وصفة يرحم بها عباده المؤمنين.
стр. 2862
تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته)
ثم قال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] هذا الكتاب العظيم هو القرآن الذي بين أيدينا وكتاب الله ، فقوله تعالى: ((كِتَابٌ فُصِّلَتْ)) التفصيل: التبيين، أي: البيان الواضح الجلي، فالمجمل الذي قد لا يفهمه الإنسان يحتاج إلى تبيين، فهذا القرآن يبين ما يشكل على الناس، ويفصل لهم ما يحتاجون إليه، بحيث لا يبقى عندهم إشكال ولا غموض في شرع الله ، فهو المنزل كما قال تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥] أي: نزل على قوم يعلمون هذا اللسان، ويعقلون اللغة العربية، ويعقلون عن ربهم ما يريده منهم، فقال: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٣] أي: بينت الآيات التي فيه.
قوله: ﴿قُرْآنًا﴾ [فصلت:٣] أي: نزل قرآناً، وفيها قراءتان: قراءة الجمهور: ((قُرْآنًا)) بالهمزة، وقراءة ابن كثير المكي: ((قُرْآنًا عَرَبِيًّا)) [فصلت:٣]، وكذلك إذا وقف عليها بالهمزة.
وقوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] يعني: نزل القرآن باللغة العربية، وهذا تشريف للغة العربية أن ينزل القرآن بهذه اللغة.
فجاء هذا القرآن على قوم يعلمون أن الخالق هو الله سبحانه، وأنه لا يستحق العبادة إلا هو، وهم يعترفون بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧].
ولئن سألتهم: لماذا لا تعبدون الله؟ أليس هو الذي خلقكم؟ ألا يستحق العبادة؟ قالوا: يستحق العبادة، ولكننا نعبد أصناماً حتى تقربنا إليه، نحن أقل شأناً من أننا نعبده مباشرة، فهذه واسطة بيننا وبين الله حتى تقربنا، قال تعالى مبيناً قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] فافتروا الكذب.
ومن الذي قال لكم: اعبدوا هذه الأصنام وهي تقربكم إلى الله سبحانه؟ قال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٨].
قوله سبحانه: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣]، إذاً: يعلمون أنه خالقهم، وأنه الذي يستحق العبادة وحده، ومع ذلك أعرضوا، ويعلمون أيضاً أن هذا القرآن معجز، وأنهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله، فقد علموا ذلك، وكانوا يستمعون للنبي ﷺ وهو يقرأ القرآن ويمشون وراءه وهو يذهب ليصلي عند الكعبة، ويقفون يتنصتون عليه في الليل؛ حتى يستمعوا إلى هذا القرآن، ويقول قائلهم وهو الوليد بن المغيرة: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة.
هذا القرآن العظيم ما هو بقول البشر، بل كلام عظيم فيه حلاوة وعليه طلاوة، هكذا يقول الوليد بن المغيرة، ومع ذلك لم يسلم هذا الرجل، فقد علموا أن هذا القرآن قرآن عظيم، وأنه معجز، وأنه ليس من قول البشر، وأنه لقوم يعلمون.
стр. 2863
تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] أي: جاء القرآن بالبشارة وجاء بالإنذار، يبشر المؤمنين ويخبرهم بما يسرهم وبما يفرحهم، فتظهر أثر الفرحة على وجوههم، يفرحون ويسرون بما يقوله الله وبما يعدهم من جنات ونعيم.
ونذيراً لقوم يكفرون ويعرضون عن النبي ﷺ ولا يستجيبون له صلوات الله وسلامه عليه، فالقرآن ينذر من أعرض عن الله، ومن أشرك به، ومن عبد غيره، ومن عاند النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت:٤] أي: أكثر هؤلاء الذين استمعوا للنبي ﷺ أعرضوا عنه، وهذه عادة الأقوام مع رسلهم، فأول ما يواجه الأقوام المرسلين بالإعراض والإنكار والتوبيخ والتسفيه والرمي بالكذب، كذا فعلوا مع النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤]، صحيح أنهم قالوا: إن له لحلاوة، وعليه لطلاوة، ولكنهم سمعوا سمعاً لا ينتفعون به، فهم بلا سمع، كما أن الإنسان الذي يعلم علماً لا ينتفع به، كأنه لا علم عنده، فأخبر الله عن المشركين فقال: ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة:٩٣]، لكنهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا؛ لأن علمهم لا يتعدى الدنيا إلى ما عند الله من جنة ونار، ولا يتعدى إلى إيمان ويقين، كأنهم لا علم عندهم كذلك، قال الله تعالى هنا: ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] أي: لا يستمعون استماعاً ينتفعون به، وإنما مجرد سماع كلمات تدخل في آذانهم، وهم يعلمون أنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثلها، ومع ذلك يعرضون ويكذبون، فسمعوا ولم يفهموا ما يقوله النبي ﷺ ، كما ستأتي في قصة عتبة بن ربيعة الذي جاء إلى النبي ﷺ ليستمع إليه فتلا عليه هذه الآيات، ومع ذلك لم يفهم منها إلا التخويف فناشده الله والرحم ألا ينزل الله عليهم عذاباً، ومع ذلك أعرض عن النبي ﷺ وكذب! أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2864
تفسير سورة فصلت [٣ - ٤]
للقرآن الكريم خصائص وسمات تميزه عن غيره من الكتب، فهو منزل من عند الله تعالى، وهو كتاب مفصل مقروء نزل باللسان العربي لكي يعلم ويفهم، وجاءت فيه البشارة للمؤمنين بالجنة والنعيم، والنذارة للعصاة الكافرين بنار الجحيم، فإذا كان هذا الكتاب له هذه الأوصاف فحري بكل إنسان أن يتبعه، لكن عمى البصائر جعل بين الكفار وبينه حاجزاً من الران على القلوب والصمم في الأسماع والعمى في الأبصار، فصدوا عن اتباعه والاهتداء بهديه.
стр. 2865
تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٣ - ٤].
في هذه الآيات يخبرنا ربنا أن هذا القرآن العظيم نزل من عنده، وهو أرحم الراحمين سبحانه، وأنه كتاب فصلت آياته، أي: بينت ووزعت هذه الآيات، ونزلت منجمة على النبي ﷺ بحسب ما يحتاج إليه الخلق.
فأنزل الله سبحانه هذا القرآن على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، وبين في آياته الأحكام والأوامر والنواهي والمواعظ وقصص السابقين وما يكون في يوم الدين.
وبين للناس شريعة النبي ﷺ تلك الشريعة الكاملة الخاتمة التي أكمل الله بها هذا الدين العظيم ورضيه للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
قال تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت:٣] أي: نزل من عند الله كتاباً مقروءاً مجموعاً إلى السماء الدنيا ثم نزلت الآيات على النبي ﷺ والسور بحسب الحوادث خلال ثلاثة وعشرين سنة، وهذا القرآن قرآن عربي نزل بلغة العرب.
وقد ادعى المشركون أن رجلاً من اليمامة يقال له: رحمن اليمامة، هو الذي يعلمه ﷺ ، وكان رجلاً أعجمياً.
فعجب الله من أمر هؤلاء! فلو نزل القرآن بلسان العجم لقالوا: لماذا لم يأت بلغتنا؟ فقال تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: أنزل هذا القرآن باللسان العربي الذي هو أشرف لسان وأشرف اللغات وأعلاها وأفصحها وأجملها، فاللغة العربية استوعبت هذا القرآن العظيم، وأنزل الله سبحانه القرآن أعظم كتبه وأشرف الكتب بأشرف اللغات وهي اللغة العربية على أشرف الخلق النبي ﷺ بسفارة أشرف الملائكة جبريل ﵇ في أشرف بقاع الأرض وهي مكة في أشرف الأشهر والأزمنة في شهر رمضان.
فكان القرآن في نزوله على النبي ﷺ الشيء العظيم الذي أكرم الله به هذه الأمة، فكانوا يزدادون شرفاً فوق شرف بهذا الكتاب الذي جعله الله لخلقه شريعة ومنهاجاً.
قال الله سبحانه: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] وذكر الله سبحانه في سورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف:٢] أي: لعلكم تفهمون عن الله ما يريده بكم من خير وتعقلون هذه الشريعة العظيمة التي جاءتكم بلسانكم فتفهمون حدود الله سبحانه وأصول هذا الدين وفروعه.
فإذا عقلتم ذلك وفهمتموه ازدادت عقولكم وازدادت أفهامكم، ونور الله بهذا القرآن قلوبكم، فأثمر بذلك عمل الجوارح فعملتم لتستحقوا أن تكونوا من أهل الجنة بانقيادكم إلى الله .
وهنا أخبر أنه نزل بهذا اللسان العربي لقوم يعلمون، أي: يعلمون أن هذا القرآن لم يقله النبي ﷺ من عند نفسه، وإنما نزل من عند رب العالمين .
لقوم يعلمون فيفهمون أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله الذي اعترفوا به أنه الخالق وحده.
ولقوم يعلمون أن هذا القرآن أعجزهم فلم يقدروا أن يأتوا بقرآن مثله، ولا بعشر سور مثله مفتريات ولا حتى بسورة واحدة.
стр. 2866
تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
قال تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] جاء القرآن ببشارة من الله بالجنة لمن أطاع واتبع الرسول الكريم ﵊، ونذير ينذرهم ويخيفهم من عذاب يوم أليم يوم يرجعون إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
فهو نذير ينذرهم بالموقف بين يدي الله ، وبالعذاب الأليم لمن عصى الرسول ﵊، قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت:٤] أي: أعرض أكثرهم مع ما ذكر الله ومع ما فهموا من ذلك، قال تعالى: ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤]، وقد ذكرنا في الحديث السابق أنهم كانوا يسمعون، ولكن الله أخبر أن سمعهم كلا سمع، كما أن علمهم كلا علم، لكونهم يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ولم يتجاوز علمهم الدنيا إلى الآخرة، فكأنهم لا علم لهم، والدنيا قليلة حقيرة صغيرة مقابل الآخرة الكبيرة العظيمة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت:٦٤] فالدار الآخرة دار الحياة الدائمة ودار الخلود، فالذي لم يتجاوز علمه هذه الدنيا القصيرة الحقيرة، ولم ينظر في هذه الدار العظيمة الباقية الكبيرة فهو كالذي لا علم عنده، ولذلك قال الله سبحانه: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم:٧].
وقد ذكرنا أن الكفار استمعوا لهذا القرآن، ولم ينتفعوا بما استمعوا بل عاندوا وأعرضوا كما قال الله سبحانه: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] أي: لا ينتفعون بما استمعوا من النبي ﷺ ، بل كانوا يهربون منه حتى لا يسمعوا هذا القرآن العظيم، وقد استمعوا للنبي ﷺ وعرفوا حلاوة هذا القرآن.
قال ابن إسحاق: ذكر عن الزهري قال: حدث أن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق خرجوا ليلة يستمعون من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في جوف بيته ﵊، فجلس كل واحد منهم مختبئاً في مكان لا يراه صاحباه، ولا يراه النبي ﷺ ليستمع لجمال هذا القرآن وحلاوته، فلما رجعوا إلى بيوتهم جمعهم طريق واحد، فاستحيا كل واحد منهم من الآخر، ثم تعاهدوا ألا يعودوا، ثم قال بعضهم لبعض: لو رآنا بعض السفهاء لوقع في نفسه شيء، وكأن هذا الشيء لم يقع في نفوسهم، وهكذا فعلوا في الليلة الثانية وفي الثالثة كذلك، ثم أصبحوا فجمعتهم الطريق فتعاهدوا أن لا يعودوا، ثم أتى الأخنس بن شريق أبا سفيان في بيته فقال: أخبرني عن رأيك في هذا القرآن الذي سمعناه من محمد، فقال أبو سفيان: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، أي: أعلم أنه يدعونا إلى التوحيد، والذي يمنعنا من اتباعه جعله الآلهة إلهاً واحداً.
ولم يزد على ذلك وهو يعلم أن هذا الكلام ليس كلام كهانة ولا عرافة.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به فهمت هذا القرآن وعرفت الذي يراد منا.
ثم أتى أبا جهل فقال: ما رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال أبو جهل فرعون هذه الأمة: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا حتى إذا كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه، فمتى ندرك ذلك؟ والله لا نؤمن به ولا نصدقه! ومعنى كلامه: أنهم تنازعوا على الشرف في الدنيا على السمعة، وكل فريق منا على قدر عظيم من إظهار النفس والفخر بين العرب، فإذا صدقنا نبيهم حازوا شرف السبق.
فقام الأخنس عنه وكأنه كان أطيبهم قلباً ينتظر من أحدهم أن يقول: إن هذا حق؛ لكي يظهر ما في قلبه، ولكنهما لم يفعلا، فـ أبو سفيان كتم وأبو جهل أظهر ما في قلبه من الحقد، وكان أشد الناس عداءً للنبي ﷺ ، وقد كانت كنيته عندهم أبا الحكم ثم غيرها النبي ﷺ فكناه بـ أبي جهل؛ لأنه عرف الحق وتنكب طريقه، ولم يرض بقضاء الله وقدره، بل حسد النبي ﷺ وهو يعرف فضله.
وأبو جهل الملعون صد الناس عن هذا الدين، وممن صده الوليد بن المغيرة إذ كاد أن يدخل في الدين لما سمع القرآن الكريم وقال: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوه، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
فقال له أبو جهل: قد أعطاك محمد مالاً لتتبعه! فإذا بالرجل يرجع عما قال فقال له: والله لا نسكت عنك حتى ترجع عما قلت وتشتم محمداً أو تقول فيما جاء به.
فكان من الوليد ما قصه الله تعالى في سورة المدثر فقال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ [المدثر:١٨ - ١٩] أي: لعنة الله عليه كيف قدر! ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ [المدثر:٢٠ - ٢٣] أي: بعدما أقبل على القرآن؛ إذا به يدبر ويستكبر عن الحق.
﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:٢٤ - ٢٥]، فأغضب بقوله رب العالمين وأرضى أبا جهل لعنة الله عليهما وعلى أتباعهما، فغضب الله عليه وقال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر:١١] أي: اتركني وهذا الإنسان الذي جعلته وحيداً في قومه معه المال والولد في قومه بالرئاسة والشرف وبغير ذلك فسيأتيني وحيداً ليس معه شيء من ذلك.
والله قد أخبر عن هذا وأمثاله بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] وقد جاء في الأثر عن جابر بن عبد الله وعن عبد الله بن عمر ﵃ أنهم ذكروا هذه القصة: قال الملأ من قريش وعلى رأسهم أبو جهل لعنة الله عليه: قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلاً عالماً بالشعر والكهانة والسحر فكلمه ثم أتانا ببيان أمره.
فقال عتبة بن ربيعة وهو أحد شيوخهم: والله لقد سمعت الكهانة والشعر والسحر، وعلمت من ذلك علماً لا يخفى عليّ إن كان كذلك، فقالوا: اذهب فحدثه، فأتى النبي ﷺ فقال: يا محمد أنت خير أم قصي؟ يقول للنبي ﷺ ذلك كعادة العرب أن الشخص منهم إذا قيل له: أنت أحسن أم جدك؟ يستحي أن يقول: إنه أحسن ثم قال: فبم تشتم آلهتنا وتضلل آباءنا وتسفه أحلامنا وتذم ديننا؟ إن كنت إنما تريد الرياسة عقدنا لك ألويتنا فكنت رئيسنا ما بقيت.
وتأمل الفتنة بهذا الإغراء، إنه يعرض عليه رياسة قومه حتى يموت، مع أن عادة العرب أن في كل فترة يكون لهم رئيساً، لكنهم وجدوا الأمر أعظم من قدرتهم، وإلا فهم أبداً لا يعترفون لإنسان أن يكون وحده المتفرد فيهم بالرياسة.
ولذلك كان العرب يعيرون الفرس والروم ويقولون: إن الملك لا يصلح فيكم إلا لبيت واحد، أما نحن العرب فكل بيت فينا يصلح أن يكون الملك فيه؛ ولذلك ليس لدينا رئيس، وكل قوم منا لهم رئيس وحدهم، وقال قائلهم: إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا وقال آخر: وليس يهلك فينا سيد أبداً إلا اشتلينا غلاماً سيداً فينا ثم قال عتبة للنبي ﷺ : وإن كنت تريد الباءة زوجناك عشر نساء من أي بنات قريش شئت أي: إن كنت تعمل هذا تريد النساء فاخترلك عشر من خير نسائنا نزوجك بهن.
ثم قال: وإن كنت تريد المال جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك، وإن كان هذا الذي يأتيك رئي من الجن بذلنا أموالنا في طلب ما تتداوى به أو نغلب فيك.
أي: إن كان ذلك رئي، أي: جليس من الجن بينك وبينه محبة داويناك أو غلبنا عن علاجك بعد بذل وسعنا، فلما انتهى من كلامه والنبي ﷺ ساكت قال: أفرغت يا أبا الوليد؟ فقال: نعم.
قال: اسمع.
فقرأ عليه النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:١ - ٤] إلى أن وصل النبي ﷺ إلى قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فلما سمع ذكر الصاعقة وضع يده على فم النبي ﷺ وقال: أناشدك الله والرحم لا نريد صاعقة؛ خاف لأنه كان يعلم أن النبي ﷺ الصادق الأمين ولا يكذب أبداً، فإذا خوفهم بشيء لابد أن يحدث، فقد انتفع بما سمع ثم رجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش وكاد الرجل أن يسلم لكن الملعون أبا جهل وقف له حجر عثرة فذهب إليه فقال: أصبوت إلى محمد أم أعجبك طعامه؟! كأنه يعيره بذلك، وهو رجل غني من الأغنياء فيقول: كنت جائعاً حين ذهبت إليه.
يعرف اللعين كيف يدخل عليهم من حيث لا يقدرون على الرد فيحرجهم، وغضب وأقسم أن لا يكلم النبي صلوات الله وسلامه عليه.
وكان من المفترض أن يقسم
стр. 2867
تفسير سورة فصلت [١ - ٦]
القرآن منزل من الرحمن الرحيم، والرحمن ذو الرحمة العامة لجميع الخلق، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الدار الآخرة، والله سبحانه فصل في هذا القرآن آياته ووضحها، لكن من أعرض فإنه لا ينتفع بهذا القرآن ولا يتعظ بما فيه.
стр. 2868
مقدمة بين يدي تفسير سورة فصلت
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥].
هذه السورة كما ذكرنا في حديث سابق هي السورة الحادية والأربعون من كتاب الله ، وسورة فصلت هي واحدة من سور الحواميم السبعة في كتاب الله ، واختصت بسجدة فيها، ولذلك تسمى بسورة حم السجدة؛ لأن فيها سجدة.
سورة فصلت سورة مكية، ويبدأ الله هذه السورة كغيرها من سور الحواميم بالحرفين: (حم)، إشارة إلى أن هذا القرآن مؤلف من مثل هذه الحروف العربية التي تتكلمون بها، وتصيغون بها خطبكم وشعركم ونثركم وغير ذلك، فيتحداكم ربكم سبحانه أن تأتوا بسورة من مثله.
стр. 2869
تفسير قوله تعالى: (حم)
قال الله تعالى: ﴿حم﴾ [فصلت:١].
هذان حرفان: حرف الحاء وحرف الميم، ولا شك أن هذه الحروف في فواتح السور من أسرار كتاب الله ، ومهما قال العلماء من أسباب أو ما يبدو لهم من أسباب وحكم فقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن ليس معناه: أن هذا هو السبب الذي من أجله جعل الله ذلك؛ لأن السبب لا يقال إلا بنص حديث للنبي ﷺ ، فطالما أنه لم يأت عن النبي ﷺ ما يدل على ذلك، فغايته أن يجتهد العلماء فيبينون شيئاً من الحكم في ذلك.
قوله: (حم) يقرؤها الجمهور: (حم)، تمد الحاء مداً طبيعياً حركتين، والميم تمد مداً طويلاً ست حركات، أما أبو جعفر فيقرؤها بالتفريق بين الحاء والميم، فهو يفصل: حاء، ميم، ويسكت بينهما سكتة بغير تنفس؛ لبيان أنها ليست كلمة وإنما هما حرفان، وفي كل فواتح السور التي في أول السور من الحروف يقرؤها بالفصل وبالسكت بينها بسكتة بغير تنفس؛ لبيان أن هذه ليست كلمة، فيقرأ: ﴿الم﴾ [البقرة:١] ألف، لام، ميم؛ لبيان أن هذه ليست كلمة واحدة، وإنما هي ثلاثة أحرف، كذلك قوله تعالى: ﴿طه﴾ [طه:١] يسكت بينهما سكتة؛ لبيان أن هذا ليس اسماً وليس كلمة، ولكنهما حرفان: طاء وهاء، وغير ذلك من الحروف في فواتح السور.
стр. 2870
تفسير قوله تعالى: (تنزيل من الرحمن الرحيم)
قال الله تعالى: ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:٢].
كأن هذا خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل من الرحمن الرحيم، وذكروا غير ذلك.
والتنزيل هو مصدر من نزل تنزيلاً، فنزل القرآن من عند الله ، نزله تنزيلاً عظيماً، فيه عظمة ربنا في إنزال هذا القرآن من السماء إلى بيت العزة، ثم مع جبريل على النبي ﷺ ينزل ليلاً وينزل نهاراً، وينزل في مكة وينزل في المدينة، وينزل على النبي ﷺ بحسب ما يحتاج إليه الخلق، وبحسب ما يجد من أحداث.
قوله: (تنزيل) أي: نزل هذا القرآن من عند رب العالمين الذي في السماء ، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك:١٦ - ١٧] فنزل هذا القرآن من السماء من عند رب العالمين سبحانه الذي هو الرحمن الرحيم.
والرحمن الرحيم اسمان لله فيهما وصف الرحمة له ، وكلاهما على صيغة مبالغة.
(الرحمن) على وزن فعلان، و (الرحيم) على وزن فعيل، فالله الرحمن العظيم الرحمة، وكذلك الرحيم العظيم الرحمة، والرحمن ذو الرحمة العامة بخلق الله ، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، والرحمن لا يوصف به غير الله سبحانه، فهو عام في الإطلاق خاص في المسمى، فالله وحده سبحانه الذي له هذا الاسم، والرحيم صفة لله وقد يوصف بها خلقه، فيقال: فلان رحيم، والنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم، أما الرحمن فيقول: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] يعني: لا يوجد أحد اسمه الرحمن غير الله ، لا إله إلا هو، فهو الله وهو الرحمن سبحانه لا يتسمى بذلك سواه .
ولذلك المشركون قالوا مغالطين للنبي ﷺ : (أنت تزعم أنك تدعونا إلى التوحيد وأنت تشرك فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم فتذكر الله وتذكر الرحمن؛ فقال الله : ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠])، وقال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة) أي: من حفظها وعرف معانيها واستعملها فيما ينبغي فهذا يدخل الجنة.
إذاً: الرحمن العظيم الرحمة بخلقه جميعهم، والرحيم هو الذي اختصت رحمته بالمؤمنين في الآخرة، والرحمة تكون لمن مات على التوحيد ولمن لم يشرك بالله ، قال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٦ - ١٥٧].
والقرآن نزل من عند الرحمن سبحانه العظيم الرحمة بجميع خلقه، لذلك أنزل الله القرآن هداية لخلقه جميعهم، ولم يجعله مخصوصاً لطائفة دون طائفة، وإنما نزل للعالمين، وأرسل النبي ﷺ للعالمين للناس كافة، وهو الرحيم سبحانه الذي يرحم عباده المؤمنين ويدخلهم جنته .
стр. 2871
تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون)
قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: هذا الكتاب كتاب قد فصلت آياته، فسماه الله القرآن وسماه الكتاب، فهذا القرآن العظيم كتاب مكتوب جاء من عند رب العالمين سبحانه، حفظه النبي ﷺ وحفظه المؤمنون.
قوله: (كتاب فصلت) أي: فيه التفصيل وفيه التبيين.
قوله: (فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: نزل قرآناً عربياً على هذا الحال، حال كونه فصله وبينه وفسره ووضح لنا ما نحتاج إليه، فهو سبحانه بين فيه الحلال والحرام، وبين الطاعة من المعصية، وبين فيه الوعد والوعيد، وذكر فيه الجنة والنار، فكلما قرأت فيه استفدت منه ما يريده الله لك وبك.
قوله: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: في حال كونه قرآناً مقروءاً يقرأ، جمع في كتاب وجمع في الصدور، وأصل القرء بمعنى: المجموع، وقرأت الشيء يعني: جمعته فتلوته، وهذا القرآن المجموع في هذا الكتاب المحفوظ في صدور المؤمنين الذي يتلونه بلسان عربي مبين.
قوله: (قرآناً) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير بالنقل: (قراناً عربياً)، كذلك إذا وقف عليها حمزة يقف كـ ابن كثير: (قراناً)، لكن مع الوصل لـ حمزة يقرأ: (قرآناً) وإن كان له السكت فيها أيضاً.
قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: نزل القرآن على العرب الذين يعرفون هذه اللغة، ولم ينزل على أعاجم لا يفهمون، فالعرب يعلمون ما في هذا القرآن من معان، وما فيه من فصاحة وبلاغة، وما فيه من أحكام الله ، ومع ذلك فهو معجز، ولا أحد من البشر يقدر أن يأتي بمثله، فيعلمون أنه لا يأتي بمثله إلا الله ، ولا يتكلم بهذا الكلام العربي المبين إلا الذي جاء به من عند رب العالمين .
فقوله: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون هذه اللغة العربية، ويعلمون أنه إله واحد لا يستحق العبادة غيره ، فنزلت هذه الآية تقريعاً وتوبيخاً لقريش، يعني: أنتم تفهمون ولستم جهلاء ولا أغبياء، فهذا كلام رب العالمين بلغتكم، عرفتم فصاحته وبلاغته فما الذي منعكم أن تؤمنوا به؟!
стр. 2872
تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون)
قال الله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤].
(بشيراً ونذيراً) أي: هذا حاله أنه فيه البشارة وفيه النذارة، والبشارة من البشر، بمعنى: الشيء السار الذي يغير وجه الإنسان وبشرة الإنسان، فالإنسان حين يأتيه الخبر السار يستبشر، وبشرته تتغير، فتجد أنه يتورد وجهه ويبدو عليه أثر الفرح، فهذه البشارة، أما النذارة: فهي الإنذار بالوعيد.
إذاً: القرآن فيه البشارة، وفيه ما يسر المؤمنين، وفيه الوعيد الذي يخيف العصاة والكافرين.
فلما جاءهم هذا القرآن العظيم أعرض أكثرهم، قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت:٤]، وهذه العادة أن يبعث الله الرسول فيؤمن به القلة من الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فكأن القليلين هم الذين يؤمنون، والأكثرين هم الذين يتولون ويعرضون.
قال: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] أي: هناك فرق بين سماع وسماع، فإنسان يستمع فينتفع، وإنسان يسمع فلا يعي ولا يفهم، فهؤلاء كانوا يذهبون للنبي ﷺ وكان يكلمهم فيقولون: نسمع بآذاننا كلامك ولن يدخل قلوبنا، ولن نحاول فهم ما تقوله، فكانوا يخافون أن يدخلوا في دينه صلوات الله وسلامه عليه؛ حسداً للنبي ﷺ واستكباراً على الحق.
стр. 2873
تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه)
قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥].
يعني: لا تحاول، فنحن نأتي ونسمع الكلام فقط، لكن هذا الكلام لن يدخل آذاننا، ولن يصل لقلوبنا.
والأكنة: هي الأغطية الثقيلة، كأنهم جعلوا على قلوبهم أغطية ثقيلة، حتى لا يسمعوا كلام الله تعالى.
وكانوا إذا جاءهم الرجل من خارج القبيلة يقولون له: احذر أن يسحرك محمد، احذر أن تسمع إليه وأن تذهب إليه، فهذا الرجل يخاف، فتجده حين يرى النبي ﷺ يغطي وجهه بثوبه؛ حتى لا يكلمه النبي ﷺ ، وإذا شاء الله أن هذا الإنسان يؤمن يذهب إليه ويقول للنبي ﷺ : لقد أتيتك وقد حلفت عدد هؤلاء ألا آتيك، يعني: عدد أصابعي العشر، ولكن يشاء الله أن يدخل الإيمان في قلب هذا الرجل، فيذهب ويسمع من النبي ﷺ ويؤمن بعد ذلك، فكان الكفار لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، ويحذرون الناس أن يدخلوا في دينه، فكان هذا قولهم.
قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥] يعني: قلوبنا بداخلها أغطية فلن نستمع إليك، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت:٥] أي: في آذاننا صمم وثقل فهي لا تسمع ما الذي تقوله، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥] أي: بيننا وبينك حجاب ومانع عظيم يمنعننا من أن ندخل في دينك، فالكبر والحقد والحسد جعل ذلك كله بينهم وبين النبي ﷺ مانعاً أن يتبعوه ﵊.
قوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] أي: فاعمل بما يأمرك به ربك، إننا عاملون بما تأمرنا به أهواؤنا، فأنت اعبد ربك ونحن نعبد آلهتنا من دون الله، يعني: اعمل وكد لنا فإننا عاملون ونكيد لك، وهذا منهم منتهى الشر ومنتهى التبجح على النبي ﷺ ، أي: أنت الذي تريده اعمله، وسنعمل الذي نحن نريده، لن نؤمن ولن نستمع إلى ما تقول، وإذا سمعنا لن نفهم ما هذا الذي تقوله، فكانوا يطلبون من النبي ﷺ المعجزات والآيات، ومع ذلك يقولون له: وما نظن أنك لو فعلت سنؤمن، يعني: حتى لو أتيت بهذه المعجزات فإننا لا نؤمن، نقول: طالما أنكم تنوون من البداية عدم الإيمان فلماذا تطلبون المعجزات؟! هذا هو حال المشركين فقد فضحهم الله ووبخهم بذلك، وأخبر أنهم قوم خصمون، لا يجيدون إلا الجدل بالباطل، أما أنهم يجادلون من أجل أن يصلوا إلى الحق فلا، ليست هذه عادتهم.
стр. 2874
تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد)
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦].
أي: هو بشر مثلكم ليس ملكاً من الملائكة، وليس نوعاً آخر من غير البشر، فهو بشر من البشر يوحى إليه من عند ربه، لا يأتيهم بما يريدونه هم، ولكن بما يريده الله أن ينزله على النبي ﷺ وأن يتلوه عليهم.
فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦] خصيصة النبي ﷺ أن ميزه الله عن الخلق بالوحي، مع أنه بشر خلق من أبوين صلوات الله وسلامه عليه، وأصله من تراب كغيره من البشر، ولكن ميز على البشر بالوحي من السماء، ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] فهو سبحانه أمرهم بالاستقامة على دينه سبحانه، وحذرهم من الشرك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 2875
تفسير سورة فصلت [٥ - ٧]
لقد لاقى النبي ﷺ من تعنت الكافرين وأذاهم الشيء الكثير، ولقد بالغوا في إيذائه والاستهزاء به بما أمكنهم، فقد كانوا من شدة عداوتهم له يرفضون مجرد سماع كلامه وتفهمه، وكانوا يتوعدونه ويتهددونه، ويطلبون منه الآيات الدالة على صدقه، ويبالغون في أوصافها تعنتاً واستهزاء به صلوات الله وسلامه عليه.
следующие страницы →