← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

تفسير قوله تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً لقوم يعلمون) قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: هذا الكتاب كتاب قد فصلت آياته، فسماه الله القرآن وسماه الكتاب، فهذا القرآن العظيم كتاب مكتوب جاء من عند رب العالمين سبحانه، حفظه النبي ﷺ وحفظه المؤمنون. قوله: (كتاب فصلت) أي: فيه التفصيل وفيه التبيين. قوله: (فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: نزل قرآناً عربياً على هذا الحال، حال كونه فصله وبينه وفسره ووضح لنا ما نحتاج إليه، فهو سبحانه بين فيه الحلال والحرام، وبين الطاعة من المعصية، وبين فيه الوعد والوعيد، وذكر فيه الجنة والنار، فكلما قرأت فيه استفدت منه ما يريده الله لك وبك. قوله: (كتاب فصلت آياته قرآناً عربياً) أي: في حال كونه قرآناً مقروءاً يقرأ، جمع في كتاب وجمع في الصدور، وأصل القرء بمعنى: المجموع، وقرأت الشيء يعني: جمعته فتلوته، وهذا القرآن المجموع في هذا الكتاب المحفوظ في صدور المؤمنين الذي يتلونه بلسان عربي مبين. قوله: (قرآناً) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير بالنقل: (قراناً عربياً)، كذلك إذا وقف عليها حمزة يقف كـ ابن كثير: (قراناً)، لكن مع الوصل لـ حمزة يقرأ: (قرآناً) وإن كان له السكت فيها أيضاً. قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [فصلت:٣] أي: نزل القرآن على العرب الذين يعرفون هذه اللغة، ولم ينزل على أعاجم لا يفهمون، فالعرب يعلمون ما في هذا القرآن من معان، وما فيه من فصاحة وبلاغة، وما فيه من أحكام الله ، ومع ذلك فهو معجز، ولا أحد من البشر يقدر أن يأتي بمثله، فيعلمون أنه لا يأتي بمثله إلا الله ، ولا يتكلم بهذا الكلام العربي المبين إلا الذي جاء به من عند رب العالمين . فقوله: (لقوم يعلمون) أي: يعلمون هذه اللغة العربية، ويعلمون أنه إله واحد لا يستحق العبادة غيره ، فنزلت هذه الآية تقريعاً وتوبيخاً لقريش، يعني: أنتم تفهمون ولستم جهلاء ولا أغبياء، فهذا كلام رب العالمين بلغتكم، عرفتم فصاحته وبلاغته فما الذي منعكم أن تؤمنوا به؟!

стр. 2872

تفسير قوله تعالى: (بشيراً ونذيراً فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) قال الله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤]. (بشيراً ونذيراً) أي: هذا حاله أنه فيه البشارة وفيه النذارة، والبشارة من البشر، بمعنى: الشيء السار الذي يغير وجه الإنسان وبشرة الإنسان، فالإنسان حين يأتيه الخبر السار يستبشر، وبشرته تتغير، فتجد أنه يتورد وجهه ويبدو عليه أثر الفرح، فهذه البشارة، أما النذارة: فهي الإنذار بالوعيد. إذاً: القرآن فيه البشارة، وفيه ما يسر المؤمنين، وفيه الوعيد الذي يخيف العصاة والكافرين. فلما جاءهم هذا القرآن العظيم أعرض أكثرهم، قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت:٤]، وهذه العادة أن يبعث الله الرسول فيؤمن به القلة من الناس، قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقال سبحانه: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام:١١٦] فكأن القليلين هم الذين يؤمنون، والأكثرين هم الذين يتولون ويعرضون. قال: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت:٤] أي: هناك فرق بين سماع وسماع، فإنسان يستمع فينتفع، وإنسان يسمع فلا يعي ولا يفهم، فهؤلاء كانوا يذهبون للنبي ﷺ وكان يكلمهم فيقولون: نسمع بآذاننا كلامك ولن يدخل قلوبنا، ولن نحاول فهم ما تقوله، فكانوا يخافون أن يدخلوا في دينه صلوات الله وسلامه عليه؛ حسداً للنبي ﷺ واستكباراً على الحق.

стр. 2873

تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥]. يعني: لا تحاول، فنحن نأتي ونسمع الكلام فقط، لكن هذا الكلام لن يدخل آذاننا، ولن يصل لقلوبنا. والأكنة: هي الأغطية الثقيلة، كأنهم جعلوا على قلوبهم أغطية ثقيلة، حتى لا يسمعوا كلام الله تعالى. وكانوا إذا جاءهم الرجل من خارج القبيلة يقولون له: احذر أن يسحرك محمد، احذر أن تسمع إليه وأن تذهب إليه، فهذا الرجل يخاف، فتجده حين يرى النبي ﷺ يغطي وجهه بثوبه؛ حتى لا يكلمه النبي ﷺ ، وإذا شاء الله أن هذا الإنسان يؤمن يذهب إليه ويقول للنبي ﷺ : لقد أتيتك وقد حلفت عدد هؤلاء ألا آتيك، يعني: عدد أصابعي العشر، ولكن يشاء الله أن يدخل الإيمان في قلب هذا الرجل، فيذهب ويسمع من النبي ﷺ ويؤمن بعد ذلك، فكان الكفار لا يريدون أن يدخلوا في دين النبي ﷺ ، ويحذرون الناس أن يدخلوا في دينه، فكان هذا قولهم. قوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥] يعني: قلوبنا بداخلها أغطية فلن نستمع إليك، ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت:٥] أي: في آذاننا صمم وثقل فهي لا تسمع ما الذي تقوله، ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥] أي: بيننا وبينك حجاب ومانع عظيم يمنعننا من أن ندخل في دينك، فالكبر والحقد والحسد جعل ذلك كله بينهم وبين النبي ﷺ مانعاً أن يتبعوه ﵊. قوله: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] أي: فاعمل بما يأمرك به ربك، إننا عاملون بما تأمرنا به أهواؤنا، فأنت اعبد ربك ونحن نعبد آلهتنا من دون الله، يعني: اعمل وكد لنا فإننا عاملون ونكيد لك، وهذا منهم منتهى الشر ومنتهى التبجح على النبي ﷺ ، أي: أنت الذي تريده اعمله، وسنعمل الذي نحن نريده، لن نؤمن ولن نستمع إلى ما تقول، وإذا سمعنا لن نفهم ما هذا الذي تقوله، فكانوا يطلبون من النبي ﷺ المعجزات والآيات، ومع ذلك يقولون له: وما نظن أنك لو فعلت سنؤمن، يعني: حتى لو أتيت بهذه المعجزات فإننا لا نؤمن، نقول: طالما أنكم تنوون من البداية عدم الإيمان فلماذا تطلبون المعجزات؟! هذا هو حال المشركين فقد فضحهم الله ووبخهم بذلك، وأخبر أنهم قوم خصمون، لا يجيدون إلا الجدل بالباطل، أما أنهم يجادلون من أجل أن يصلوا إلى الحق فلا، ليست هذه عادتهم.

стр. 2874

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦]. أي: هو بشر مثلكم ليس ملكاً من الملائكة، وليس نوعاً آخر من غير البشر، فهو بشر من البشر يوحى إليه من عند ربه، لا يأتيهم بما يريدونه هم، ولكن بما يريده الله أن ينزله على النبي ﷺ وأن يتلوه عليهم. فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦] خصيصة النبي ﷺ أن ميزه الله عن الخلق بالوحي، مع أنه بشر خلق من أبوين صلوات الله وسلامه عليه، وأصله من تراب كغيره من البشر، ولكن ميز على البشر بالوحي من السماء، ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] فهو سبحانه أمرهم بالاستقامة على دينه سبحانه، وحذرهم من الشرك. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2875

تفسير سورة فصلت [٥ - ٧] لقد لاقى النبي ﷺ من تعنت الكافرين وأذاهم الشيء الكثير، ولقد بالغوا في إيذائه والاستهزاء به بما أمكنهم، فقد كانوا من شدة عداوتهم له يرفضون مجرد سماع كلامه وتفهمه، وكانوا يتوعدونه ويتهددونه، ويطلبون منه الآيات الدالة على صدقه، ويبالغون في أوصافها تعنتاً واستهزاء به صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2876

تفسير قوله تعالى: (وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ * قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٥ - ٧]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات عن تكذيب المشركين للنبي صلوات الله وسلامه عليه، وعن جحودهم وإعراضهم عنه، فقد كانوا لا يسمعون ما يقول، ويعرضون عنه فلا يسمعون ولا يفهمون كلامه ﷺ ، إلا مجرد سماع لا ينتفعون به، فهم كالذين لا يسمعون ولا يفهمون، ومع ذلك كانوا يقولون للنبي ﷺ : ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥] وأكنة: جمع كنان وكن، وهو ما يغطي الإنسان. فقالوا: قلوبنا عليها أغطية مغطية عليها، فهي ﴿فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت:٥] أي: في أغطية مكنونة داخل هذا الغطاء، فلا تراك، ولا تسمعك، ولا تعقل عنك، فهي مغطاة وعليها أغشية ومطبوع عليها، فلا تفهم هذا الذي تقول. ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥]، فهي إذاً: ليست في أكنة من كل شيء، وإنما منك أنت وحدك، فنفهم أي شيء آخر إلا الذي تأتي به، فقلوبنا في أغطية ثقيلة عنك أنت بالذات. ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت:٥] فالقلب لا يفهم ولا يعي ما تقوله وما تريده، والآذان مسدودة، بحيث لا نسمع ما تقوله، ولا نريد أن نستمع إليك، وأما غيرك فسنسمعه. ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت:٥] أي: صمم، فهي مسدودة فلا نستمع إليك. ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت:٥] أي: هناك حاجز بيننا وبينك، فلا نفهم هذا الذي تقول، ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥]. وقد كانت هذه معاملة الكفار للنبي ﷺ ، فكم عانى وكم قاسى صلوات الله وسلامه عليه من هؤلاء؛ فقد كان يذهب إليهم ويخاطب عقولهم فيقولون له: لا نفهم، فيخاطب قلوبهم فيقولون له: نحن نغطيها فلا تعي هذا الذي تقول، ويخاطب أسماعهم فيسدون آذانهم بأصابعهم فلا يستمعون للنبي ﷺ ، فقد استغشوا ثيابهم وأسروا النجوى فيما بينهم بألا يسمعوا له، فكان إذا جاء أحد إلى مكة جاء إليه الكفار محذرين له قائلين: لا تذهب إليه -أي: الرسول- فإنه مجنون وكذاب، ونحن أعلم به، ويأخذون عليه العهود والمواثيق ألا يستمع إليه، فكان الرجل يضع ثوبه فوق وجهه، حتى لا يرى النبي ﷺ . وإذا كلمه النبي ﷺ سد أذنيه بأصابعه، حتى إن أحدهم ليقول للنبي ﷺ : لقد جئتك وقد حلفت عدد هؤلاء ألا أكلمك. يعني: أن الكفار أخذوا عليه اليمين عشر مرات ألا يسمع النبي ﷺ ، ولكن الله العظيم سبحانه يشاء أن يدخل الإيمان في قلبه، فيذهب ويستمع ويقول للنبي ﷺ : ما الذي تدعو إليه؟ فيقول له النبي ﷺ أو لغيره: (أدعو إلى الله الذي إن مسك الضر دعوته فكشف عنك، والذي إذا أصابتك سنة جدب دعوته فكشف عنك، والذي إذا أضللت راحلتك دعوته فردها عليك). أي: أدعوا إلى الله سبحانه الذي أنت تعرف قدرته، وتعرف ما يصنع بك من جميل الفعل سبحانه ﵎، والذي إذا أصابك عام جدب وسنة دعوته، فهذا هو الإله العظيم الذي أدعو إليه، وأدعوك لتعبده ولا تعبد أحداً غيره. وقد كان هذا الكلام يخاطب عقولهم ويفهمون منه، فهم يعرفون ذلك من أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٦٧]، فقد كانوا يعرفون هذا الشيء، وكان الواحد منهم يعبد الصنم والوثن ويعبد غير الله سبحانه في وقت الرخاء، فإذا نزل عليه البلاء رفع يده إلى السماء ويقول: يا رب يا رب. إذاً: فادع ربك في كل وقت، في وقت البلاء، وفي وقت الرخاء، وفي وقت الكرب، وفي وقت النفع والضر. فادع ربك دائماً، وادع إليه، فهذا الذي تدعوه في وقت ضرك أدعوك إلى أن تدعوه في كل وقت، وأن تعبده وحده لا شريك له. فقد كان النبي ﷺ يخاطب عقول هؤلاء لو كانوا يفهمون، وهم يبتعدون ويعرضون عنه ﷺ ، ويقولون له ما حكاه عنهم القرآن: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٥] أي: في أغطية مغطاة، وفي أغلفة مغشاة، فلا نفهم ولا نعي. قوله تعالى: ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] أي: اعمل بما تقول أنت، ونحن عاملون بما نقول وما نريد، فلن نتبعك واعمل لإلهك فإنا نعمل لآلهتنا، واعمل في إهلاكنا -متحدين له- فإنا نعمل في إهلاكك. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥] أي: الذي تقدر عليه اعمله، ونحن الذي نقدر عليه سنعمله، كد لنا فإننا سنكيد لك، صلوات الله وسلامه عليه. ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:٥].

стр. 2877

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) قال الله سبحانه مجيباً لهؤلاء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦]. وهذا من التلطف في الخطاب، وإلا فهم يعرفون أنه بشر مثلهم ﵊، وأنه مولود من أبوين منهم، وولد بينهم، فهم يعرفونه تماماً صلوات الله وسلامه عليه. وهنا يقول: ((أَنَا بَشَرٌ)) أي: مثلي مثلكم، فلا أتعالى عليكم، ولا أستكبر عليكم، ولا أقول: إنني من جنس آخر غير جنسكم، وإنما أنا بشر مخلوق من طين كما خلقتم أنتم من طين، وولدت من أبوين كما ولدتم أنتم أيضاً. وهذا يرد ما جاء كذباً على النبي ﷺ في الحديث أنه قال: (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر) فإن هذا كذب لا يصح عن النبي ﷺ ، وهو كلام موضوع عليه ﷺ ، فلم يخلق من نور وإنما خلق كغيره من البشر من طين ومن مني، فهو من أبوين ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت:٦] وإنما ميز عليهم بالوحي من السماء. ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ [فصلت:٦] أي: ينزل علي الوحي من السماء، وينزل علي الملك من عند رب العالمين؛ ليخبرني وينبئني بما يريده الله منكم، فأبلغكم رسالة الله سبحانه ﵎. إذاً: النبي ﷺ لم يميز على غيره في أصل الخلقة، وإنما ميز عليهم ﷺ بأن جعله الله نبياً رسولاً صلوات الله وسلامه عليه. ((يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) وهذه هي دعوة كل الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي دعوة التوحيد فاعلم أنه لا إله إلا الله، وكانوا يدعون قومهم ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٣٢]، فلا إله إلا الله هي دعوة كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك دعا النبي ﷺ إليها، فإنه إنما أوحي إليه ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ﴾ [فصلت:٦] أي: المعبود الوحيد الذي يستحق العبادة هو الله سبحانه ﵎. ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت:٦]، فلماذا تفرقون بين الرب وبين الإله، فتقولون: الرب واحد وهو الذي يخلق ويرزق، والآلهة التي نعبدها كثيرة متعددة؟ وأي مزية في هذه الآلهة حتى تعبدوها وتتقربوا إليها وتتركوا الذي خلقكم ورزقكم؟! فإن الإله والرب الواحد سبحانه، ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء:٧٨ - ٨٠]، إذاً: الله سبحانه هو الذي يفعل ذلك: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء:٨٢] وهو هذا الإله الذي أتوجه إليه بالعبادة سبحانه. ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٦] أي: استقيموا على دينه، وتوجهوا إليه بأقصر الطرق، وهي طريق الاستقامة، فلماذا تنحرفون عنه؟! ولماذا تقولون: نعبد الأصنام؛ لأنها تقربنا إلى الله؟! توجهوا إليه مباشرة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة:١٨٦]، فلا تبتعد عن ربك سبحانه، واستقم إليه، كما قال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٦] أي: استقيموا على طاعته، وخذوا أمره سبحانه عن طريق النبي ﷺ ، وليس عن طريق غيره، فاعملوا به، فإنه يدعوكم إلى التوحيد، وإلى الاستقامة على دينه سبحانه تبارك كما تعالى، كما قال: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٦] أي: أقيموا وجوهكم إلى الله واعبدوه وحده لا شريك له ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت:٦] أي: توجهوا إليه وحده، واستغفروه من شرككم ومن معصيتكم، ومن جهلكم ووقوعكم في الأخطاء تجاه ربكم وتجاه الخلق. ثم قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] ويل: وعيد شديد من الله سبحانه، قيل: ويل: واد في قعر جهنم للكفرة والمشركين والعياذ بالله، فهو تهديد لهم، أي: لكم الويل والهلاك، فلكم واد في قعر جهنم -والعياذ بالله- إذا أشركتم بالله، ودمتم على هذا حتى متم عليه.

стр. 2878

تفسير قوله تعالى: (الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٧]، (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) هنا ذكر صفة المشركين الذين أشركوا بالله سبحانه ﵎، وعبدوا غيره، وجعلوا له أنداداً وقرناء يعبدونهم معه . (وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) والزكاة: زكاة أبدان، وزكاة نفوس، وزكاة أموال، فكأنه عنى الجميع، وقد ذكر الذين لا يزكون أنفسهم في قوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:١٤ - ١٥] أي: زكى نفسه بالإيمان وطهرها. وقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] أي: من زكى نفسه بطاعة الله وتوحيده والإيمان به، ﴿وقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:١٠] أي: قد خاب الإنسان الذي نجس ودنس ودس نفسه فأبعدها عن طريق الله، وأشرك بالله . وهذه السورة مكية، والزكاة فريضة مدنية، ولم تكن قد فرضت في مكة، وإنما فرضت الزكاة في المدينة مع الصيام سواء قبله أو بعده، بعد العام الثاني من هجرة النبي ﷺ . فإذا قال الله في المشركين: ﴿لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧] فإن المعنى: أنهم لا يزكون أنفسهم، ولا يتصدقون، وقد ذكر الله الزكاة إجمالاً في سورة مكية أخرى وهي سورة الأنعام، في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:١٤١]، إذاً: فقد أمر الله تعالى بحق الزرع في يوم الحصاد في مكة، ثم أمر بأن تحصي الذي عليك يوم الحصاد، ثم أمر أن تعطى الفقراء العشر أو نصف العشر بعد أن تجفف هذه السنابل وتصير صالحة لأن تخزن وتقتات، إذاً قد وجدت في السور المكية إشارات إلى الزكاة من دون تحديد للمقادير، وقد ذكر البعض أن هذا منسوخ، ويرى البعض الآخر أنه ليس بمنسوخ، وإنما هو مجمل بين بعد ذلك وفصل، وهذا هو الصواب، فالصواب: أن الله أشار إلى فرضية الزكاة، وأما الآن فليست مفروضة، وإنما الواجب عليك أن تتصدق بأي شيء، وويل للمشركين الذين لا يتصدقون. والمعنى الأعم في الزكاة: أنها تزكية للنفس سواء بالإيمان أو بالبذل والعطاء والإنفاق، فأشار إليها، وكأن هذه الصفة - صفة العطاء - من أشق الصفات على الإنسان، أو من أشق ما يكون على قلب الإنسان، ولذلك يقولون: المال شقيق الروح، بل هو من ضروريات حياة الإنسان التي يدافع عنها وهي: دينه وروحه وعقله وماله وعرضه، وهذه الخمسة الأشياء يسمونها: الضروريات الخمس التي جاء الإسلام بحمايتها، وبتحريم كل شيء يؤذيها؛ فلا بد من حماية هذه الضروريات حتى يستطيع الإنسان العيش في هذه الدنيا، والإنسان له عقل يحمي به هذه الأشياء، فقد جاءت الشريعة بحماية هذه الضروريات للإنسان، فحمى روح الإنسان وبدنه بالقصاص، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة:١٧٩]، فجعل الله الحدود حماية لذلك، سواء بقتل القاتل إذا كان قتلاً عمداً وعدواناً، أو بقطع عضوه إذا كان قطعه من آخر عمداً وعدواناً، فيفعل به ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة:١٧٩]، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة:٤٥]؛ لأن من ضروريات حياة الإنسان: حماية روحه وبدنه وعقله. وكل ما يعترض الضروريات ويؤذيها فبابه التحريم، فلا تتعرض لبدن إنسان أو حياته إلا بما شرع الله ، لا تتعرض لعقلك ولا لعقل غيرك بما حرم الله، لأن حماية العقل ضرورة من ضروريات الحياة، ولذلك حرم الله المسكرات وحرم الخمر، وحرم على الإنسان كل ما يذهب عقله. وحمت الشريعة العرض، فجعلت حد القذف، فكل من قذف إنساناً ولم يأت بالبينة فإنه يجلد الحد الشرعي، ومن وقع في الزنا أقيم عليه الحد، فإن كان ثيباً رجم، وإن كان بكراً جلد. وحمت الشريعة المال بأن شرعت قطع يد السارق إذا توافرت فيه شروط السرقة المعروفة. إذاً: فهذه ضروريات لحياة الإنسان حمتها الشريعة بذلك. إذاً: فالمال من ضمن ضروريات الإنسان حتى يعيش، فهو محتاج إليه، وإنفاقه له قد يكون سخاء، وقد يكون لمصلحة، كأن يأخذ أكثر منه، أو من أجل أن يمدح كما كان يفعل أهل قريش، كما قال أبو جهل: لقد تنافسنا الشرف نحن وبنو عبد مناف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذا؟ والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه! فما صده إلا الحسد للنبي ﷺ ، فقال الله هنا: ويل لهؤلاء الذين لا يؤتون الزكاة، وليست أي نفقة فإن النفقة التي كان ينفقها هذا المجرم وغيره هي للتفاخر، وقد قال تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أي: التفاخر ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:٢]، وقد كان الفخر عندهم شيئاً كبيراً جداً، وأشعارهم مليئة بالفخر الذي كان بينهم، واستكبار بعضهم على بعض، ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:١] أي: التفاخر حتى ذهبتم إلى المقابر تعدون عظام الموتى، وتفتخرون بهم! ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، وهم لن ينفقوا؛ لأنهم أقسموا فيما بينهم ألا ينفقوا على أحد من أصحاب النبي ﷺ ، ولا يدفعوا لأحد منهم حاجة، فقال: فويل لهؤلاء الذين لا يؤتون الزكاة. إذاً: المشرك الكافر يعذب يوم القيامة على عدم دفع الزكاة، وهذه مسألة من مسائل الأصول التي يقول فيها أهل العلم: إن الكافر مخاطب بفروع الشريعة، وإن لم يأت بأصل الأصول وهو التوحيد ولا يقبل منه شيء من العبادات إذا أتى بها بوجود المانع وهو الشرك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2879

تفسير سورة فصلت [٦ - ٨] النبي ﷺ من البشر، لكن الله فضله بالرسالة، وأكرمه بالوحي، فيجب أن يطاع ويعظم، ولا يرفع فوق منزلته، فهو عبد فلا يعبد، ورسول فلا يكذب، وقد أمر الله رسوله ﵊ بالاستقامة على دينه وترك سبيل المشركين، وأمره بأداء الزكاة والإيمان والعمل الصالح.

стр. 2880

تفسير قوله تعالى: (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٦ - ٨]. يقول الله لنبيه ﷺ ويأمره أن يقول للخلق: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت:٦]، فالنبي ﷺ بشر من البشر، ومخلوق ممن خلق الله سبحانه ﵎، أبوه آدم كغيره من البشر، ولكن الله سبحانه ﵎ اختصه بهذه الرسالة العظيمة الخاتمة التي جعلها الله أكمل الرسالات وأفضلها وأشرفها، وأكمل بها دينه سبحانه ﵎. فهذا النبي الكريم وظيفته وصفته أنه بشر يوحى إليه، فيدعو إلى ربه سبحانه ويأمر الخلق بطاعة الله سبحانه، وبعبادته وحده، وبتوحيده، ويبشرهم وينذرهم صلوات الله وسلامه عليه؛ فإنه ﵊ بشير ونذير، يبشر من أطاع وينذر من عصى، يبشر من آمن وينذر من كفر، والنبي ﷺ يقول عنه ربه سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران:١٤٤]، فهو كغيره من الرسل: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ﴾ [الأحقاف:٩]، فليس شيئاً جديداً مخترعاً، ولكنه كمن تقدموا قبله من الرسل بشر من البشر يدعو إلى ربه ﵊. قال الله : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [فصلت:٦]، فالوحي من الله، يدعو الخلق إلى عبادة الله الإله الواحد سبحانه ﵎. قال : ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٦]، أي: توجهوا إلى الله بعبادتكم، وبدعائكم، وباستغاثتكم، توجهوا إلى ربكم سبحانه ﵎ بقلوبكم وأبدانكم ووجوهكم مستقيمين على دينه ولا تنحرفوا عنه، واستغفروا ربكم سبحانه. قال : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [فصلت:٦] عقاب شديد لمن أشرك بالله، وجعل لله نداً ونظيراً، وهؤلاء المشركون من صفاتهم أنهم لا يؤتون الزكاة: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧]، فهم أشركوا بالله سبحانه، وزادوا على ذلك أنهم لا يؤتون الزكاة، والزكاة إما تزكية القلوب، بمعنى: التطهر بالإيمان، أو أنهم لا ينفقون في سبيل الله سبحانه، بل يبخلون، وإنفاقهم محض الرياء، وإخراجهم المال طلباً للسمعة، أما لله سبحانه ﵎ فلا، فويل لهؤلاء المشركين الذين طلبوا الدنيا للدنيا، فلم ينفقوا لله سبحانه، ولم يؤتوا زكاة يطهرون بهم أبدانهم وأموالهم وأنفسهم، ولم ينفقوا، بل منع بعضهم بعضاً أن ينفقوا على الفقراء والضعفاء من أصحاب النبي ﷺ وتواصوا فيما بينهم بذلك. هذا فعل المشركين وكذلك فعل المنافقين، والمشركون في مكة دعا بعضهم بعضاً ألا ينفقوا على أصحاب محمد صلوات الله وسلامه عليه مهما كان بهم الفقر، بل اجتمعوا على أن يمنعوا عنهم الطعام الذي يأتيهم من خارج مكة، فحبسوا أصحاب النبي ﷺ مع النبي ﷺ في شعب أبي طالب، حبس النبي ﷺ ومن معه وكفار قريش يحيطون بهم، ويمنعون عنهم الطعام الذي يأتيهم من الخارج! هذا فعل المشركين معهم. وكهذا الفعل فعل المنافقون في المدينة، فالمنافقون قال بعضهم لبعض: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون:٧]، لكونهم يعلمون تأثير المال على الإنسان، فقالوا: امنعوهم من أجل أن يموتوا من الجوع، امنعوه من أجل أن يمد يده ويشحت، امنعوه من أجل أن يرجع إلينا، أما المؤمنون فامتلأت قلوبهم بالإيمان، فلم يأبهوا لذلك، وصبروا على أمر الله سبحانه، حتى فرج الله سبحانه ﵎ عنهم، وأما المنافقون فلا يصبرون على ذلك، والكفار لا يصبرون على ذلك، وقد دعا النبي ﷺ على كفار قريش بأن يعاقبهم الله سبحانه ﵎، ويؤدبهم بسنين كسني يوسف، فحبس الله عنهم المطر، ومنع عنهم غذاءهم، فهرعوا إلى النبي ﷺ مستغيثين به، يناشدونه الله والرحم، أن بيننا وبينك رحماً، فاتق الله فينا، فطلبوا من النبي ﷺ أن يسأل لهم ربه أن يرزقهم طعاماً وينزل عليهم ماءً، ويرفع عنهم الجدب والقحط الذي هم فيه. فالمؤمن يصبر لأمر الله ولا يلجأ إلا إلى الله سبحانه، والكافر تغره الدنيا، والكافر مستعد أن يعمل أي شيء في كفره، فيتوجه إلى الله أو إلى غير الله، ولا فرق عند الكافر في أن يتوجه إلى أحد، حتى يأخذ قوته ويأخذ طعامه، وينكشف عنه الضر. فلذلك المشركون كانوا إذا مسهم الضر في البحر يدعون الله سبحانه، فلما نجاهم إلى البر أعرضوا عن الله. ففي وقت رخائهم ووقت استراحتهم لا يعبدون الله ، وحين يأتي عليهم البلاء من السماء يرجعون لله ويقولون: يا رب! يا رب! إلى أن ينكشف، ويرجعون مرة أخرى إلى عبادة أوثانهم! فقد ساووا بين الله وبين غيره، يخادعون البشر ويخادعون رب البشر سبحانه ﵎؛ فإن هؤلاء الكفار يدعون الله ويدعون غير الله، والمنافقون كذلك، يخادعون الله وهو خادعهم، ولذلك كان من أسلم من هؤلاء يثبته النبي ﷺ على الدين بشيء من المال، فكان يعطي المؤلفة قلوبهم، وجعل الله لهم سهماً من الزكاة، حتى يثبتوا على الدين، فلا يغروا غيرهم، ولا يفتنوا غيرهم، فجعل لهؤلاء حظاً وشيئاً، فيثبتهم الله على دينه بهذا الذي يأخذونه، إلى أن يستقر الإيمان في قلوبهم بعد ذلك. فالمال يحبه الإنسان، وكلما ابتعد الإنسان عن ربه ازداد حبه للمال، وثقته في المال، فيرى أن المال يفتح له أي باب مغلق، وأن المال يعمل له الذي لا يمكن عمله، لذلك يكنز، والنبي ﷺ يخبرنا عن هذا المال وعن ابن آدم أنه يهرم ويشب منه اثنان: حبه للمال، وحبه الحياة في الدنيا، وأنه يعيش ويكبر في الدنيا، ومهما شاب الإنسان ازداد حباً للدنيا، وازداد حباً للبقاء فيها، وازداد حباً للمال، وكأن قلبه شباب دائم في حب الدنيا وفي حب المال، ولا يهرم قلبه عن حب الدنيا ولا عن حب المال، إلا من رحم الله سبحانه ﵎.

стр. 2881

تفسير قوله : (الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) قال : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] أي: الذين لا ينفقون لهم الويل والعذاب الأليم عند الله سبحانه ﵎. ولاحظ أن هذه السورة سورة مكية، وأن الزكاة هنا ذكرت قبل أن تفرد بحدودها المعروفة وبمقاليدها المقدرة، فهذه إشارة إليها فقط، وكان مطلوب منهم أن ينفقوا شيئاً من أموالهم، أما تحديد النفقة وكم يكون مقدارها، وأنها في كل حصاد، ومتى تكون، فهذا حدد قدره بعد ذلك في المدينة، فهنا إشارة مجملة، والتفصيل والتبيين كان بعد ذلك في المدينة. يقول الله : ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، هذا بيان على أنهم يعذبون بالويل -وهو واد في قعر جهنم- على كفرهم وشركهم بالله، وعلى تركهم أصول الدين والإيمان والتوحيد، وعلى ترك فروع الدين أيضاً، كترك الصلاة وترك الزكاة، ولذلك حين يسألون: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر:٤٢]، ما أدخلكم في قعر جهنم؟ ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣]، والصلاة والزكاة من أركان هذا الدين، قالوا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر:٤٣]، ولو صلوا هل كانت تقبل منهم هذه الصلاة؟ لا تقبل منهم الصلاة كهيئة من الهيئات إلا أن يأتوا بالتوحيد، إلا أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أما لو قلدوا المسلمين ووقف الواحد منهم مع المسلم وركع مع المسلم وسجد مع المسلم، فهذا لا يقبل منهم إلا أن يأتوا بكلمة التوحيد: لا إله إلا الله، والشهادة برسالة النبي صلوات الله وسلامه عليه. إذاً قالوا: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٦]. فبدأ بالفروع فذكرها الله سبحانه ﵎، ذكر أنهم لم يكونوا يفعلونها، ثم كذبوا بأصل هذا الدين، فكانوا يكذبون بيوم الدين. قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧]، هم بالآخرة وبالمرجع إلى الله سبحانه ﵎ وبيوم القيامة هم كافرون، فكان الكفار يجادلون النبي ﷺ ويقولون: لا توجد آخرة، وقالوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، وقالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [الأنعام:٢٩]، ويقولون: فرضنا أن هناك آخرة، والذي أوجدنا في الدنيا أليس هو الله؟ فإذاً في الآخرة سيعطينا أيضاً كما أعطانا في الدنيا! فهم لا يؤمنون، وإذا جادلوا جدالاً قالوا: فرضنا أن هناك آخرة، فإن الله سيعطينا مثلما أعطانا في الدنيا. وقالوا: فرضنا أنه لا يعطينا، فنحن أقوياء، فيوم القيامة الذي تخوفنا منه حين يأتي ويقول الله لنا: ادخلوا جهنم، سنقف ونسد باب جهنم، ولن يدخل أحد منا! فقاسوا الآخرة على الدنيا بجهلهم، وبغبائهم وبكفرهم، فهذا كلامهم عن الآخرة، وكأن المعاملة مع الآخرة هي بهذه الصورة، وأنه لا يوجد آخرة، وإذا فرضنا وجود آخرة، فإذاً الله سيعطينا في الآخرة كما أعطانا في الدنيا، وإذا فرضنا أنه لن يعطينا، فسنقف على باب جهنم وسنمنع أي أحد يدخل فيها، هذا كلام هؤلاء المشركين. فسخروا من الآخرة، ولما هددهم الله بالزقوم في قوله: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ﴾ [الدخان:٤٣ - ٤٤]، إذا بهم يسخرون، ويقولون: الزقوم هو التمر بالزبدة، فهاتوا زبدة وهاتوا تمراً وتعالوا نتزقم، يخوفنا من الزقوم، فهذا الزقوم، فنحن نأكل الزقوم! وقال حاكياً عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، قالوا: لن ننتظر إلى يوم القيامة، فأت بهذا العذاب الذي تخوفنا منه الآن، يسخرون ويستهزئون، ولذلك يقول الله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الزخرف:٨٣]، وقال: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [الطور:٤٥] أي: اتركهم يلعبون ويخوضون، فإذا جاء وعد الله علموا الحق الذي جاء من عند الله سبحانه ﵎. أما المؤمنون فقد آمنوا بالإيمان كله بأصوله وفروعه، آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وعملوا لذلك، فإن الإيمان بالله يجعل العبد يعمل للآخرة، وعرفوا من ربهم سبحانه، وترى الواحد منهم عرف حق الله فوحده وتوجه إليه بالعبادة، وآمن برسل الله، وعرف فضل الرسول ﷺ ، وأن الرسالة نزلت عليه، وأنه أعلم هذه الأمة، فيذهب إلى النبي ﷺ فيتعلم من كتاب الله، ومن سنة نبيه ﷺ . فأصول الإيمان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]. فهذه خمسة أصول من أصول الإيمان، وأيضاً ذكر الله القضاء والقدر في مواضع كثيرة من كتابه، منها قوله سبحانه: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب:٣٧]، وقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب:٣٨]، فكل شيء يجري بتقدير الله سبحانه ﵎، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن.

стр. 2882

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) المؤمنون آمنوا بأصول الإيمان، فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله اليوم الآخر وبالقضاء والقدر، آمنوا بذلك فاستحقوا النجاة عند الله سبحانه ﵎، فقال عنهم سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨]، ولاحظ قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت:٨]، وكم تكرر في القرآن ذلك؟ فلابد من الإيمان والعمل الصالح، وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، فإذاً: الإنسان حين يقول: أنا مؤمن بالله، يقال له: أين العمل الذي تعمله؟ فالإيمان يكون في قلب الإنسان، والإيمان الذي نطق به اللسان في كلمة التوحيد وطاعة الله وذكر الله سبحانه ﵎. فإذاً: الإيمان نطق باللسان، وتصديق بالقلب والجنان، وعمل بالجوارح والأركان، هذه أصول الإيمان التي تدفع العبد إلى طاعة الله وإلى جنة الله سبحانه ﵎. قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [فصلت:٨]، صدقوا وأقروا وأيقنوا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨] أي: لهم أجر عظيم عند الله سبحانه ﵎، (غير ممنون) أي: غير منقطع، فلا ينقطع أجرهم عند الله أبداً، بل هو خلود في الجنة، فأجرهم عظيم دائم متصل، لا ينقطع عنهم أبداً، نسأل الله أن يجعلنا منهم ومعهم. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2883

تفسير سورة فصلت [٨ - ١٢] الله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وهو قادر على أن يخلقها في طرفة عين، ولكنه سبحانه خلقها في ستة أيام لحكمة عظيمة أرادها .

стр. 2884

تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:٨ - ١٢]. يخبرنا الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات العظيمة عن فضله على المؤمنين بعدما أخبرنا عما أعده للمشركين من عذاب أليم حيث قال: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:٦ - ٧] ثم ذكر المؤمنين وما أعد لهم سبحانه ﵎ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨]، وقد ذكرنا ذلك في الحديث السابق، وأن الله سبحانه ﵎ أمر الخلق بالإيمان بالله سبحانه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، أمرهم بالإيمان، وهو التصديق واليقين والإقرار بالقلب وباللسان، فالتصديق في القلب ويتبعه القول باللسان، ويتبع ذلك العمل بالجوارح والأركان. قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت:٨] لا بد من العمل الصالح؛ حتى يستحق الإنسان أن يدخل الجنة وينجيه الله من النار، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات يتفضل الله عليهم بكرمه الواسع وبرحمته التي وسعت كل شيء فيدخلهم جنته ويعطيهم الأجر العظيم الذي لا نهاية له. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت:٨] أي: غير مقطوع، فلا يقطع عنهم ولا نهاية له، فيعطيهم أجرهم بغير حساب، ليس محسوباً عليهم أنه من يوم كذا إلى يوم كذا فقط وينتهي هذا الشيء، فإذا كان كذلك فهو المقطوع وهو المحسوب، فالأجر لا ينقص منه شيء، ولا يقطع عنهم، بل هو أجر عظيم عند الله سبحانه، أجر بغير حساب. معنى آخر لقوله: (غير ممنون): أي: لا يمن عليهم به، فالإنسان في الدنيا قد يعطي لغيره المال ثم يمن عليه، فالإنسان إذا من عليه آخر يستشعر بهذا الشيء الذي يقوله له ويتحسر في نفسه، أما في الجنة فلا حسرة فيها، ولكن الله يمن على عباده سبحانه ولا يوبخهم ولا يبكتهم إذا دخلوا الجنة، بل لهم النعيم العظيم الذي لا يقطع عنهم، ولا يمن عليهم بشيء من ذلك، وهذا من فضل الله الواسع. وقد علمنا الله في القرآن أننا نعطي ولا نمن في العطاء، فقال لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] أي: لا تعطي العطاء مستكثراً لهذا الذي أعطيت، ولكن مهما أعطيت فانظر إليه على أنه قليل، فلا تمنن تستكثر: لا تعطي وتطلب من الناس أن يردوا إليك ذلك، فعلمه سبحانه الكرم العظيم الذي يليق به صلوات الله وسلامه عليه، الكرم العظيم الذي يليق بتأديب الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا أعطيت للخلق فلا تنتظر المقابل، ولا تنتظر الأكثر مما أعطيت، وإذا أعطيت للخلق فلا تمن عليهم بما أعطيت، ولذلك لما جاء رجل من الكفار إلى النبي ﷺ وسأله ﵊ شيئاً وأسلم الرجل فأعطاه غنماً بين جبلين، فرجع الرجل في غاية الفرح والسرور إلى قومه يقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر! يعني: الظاهر أن هذا عنده غنى كثير جداً لا يخاف من الفقر، أعطاني غنماً بين جبلين، فاذهبوا فسيعطيكم هذا. النبي ﷺ علمه ربه فقال: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر:٦] لا تعط عطاءً مستكثراً على من أعطيت هذا العطاء، ولا تعط وتطلب المقابل على ذلك، إلا أن تطلب منهم الإيمان والإسلام، قال : ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، أي: ولكن راعوا المودة التي بيني وبينكم، وراعوا القرابة التي بيني وبينكم، ولا أسأل أحداً من الخلق شيئاً، إنما أسأل ربي سبحانه ﵎ بهذا العطاء الغير ممنون. وقد وصف الله عطاءه سبحانه بأنه غير ممنون، ووصفه بأنه غير مجذوذ فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] غير مجذوذ من الجذاذ، والجذ: القطع، فعطاء الله سبحانه لا ينقطع عن عباده إذا أدخلهم جنته، فإنه يعطيهم من فضله ومن رحمته سبحانه، ولا يقطع عنهم هذا الفضل العظيم.

стр. 2885

تفسير قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) ثم قال تعالى بعد ذلك للخلق: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩] أي: إنكم تكفرون بالله سبحانه الذي خلق هذا العالم الذي ترونه وخلق العوالم الأخرى التي لا ترونها، ولكن يخبركم الله عنها وكيف خلقها وفي أي زمن خلق الله ذلك، وهذا يدلنا على قدرته العظيمة، قال : ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] والله سبحانه ﵎ هو الحليم الكريم الصبور سبحانه ﵎، فربنا يرينا قدرته ويرينا حلمه سبحانه ﵎، ويرينا الأشياء المتقنة؛ فإنه أتقن كل شيئاً خلقه سبحانه ﵎، وكل شيء مخلوق بإتقان ومخلوق في الموضع الذي يريده الله سبحانه، قال سبحانه: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى:٢ - ٣]، فيخلق كل شيء وهو الخالق البارئ المصور، قدر سبحانه وأعطى لكل شيء صورته، وهذا جليل في خلقه سبحانه ﵎ يرينا إياه حتى نعتبر، وحتى ننظر في قدرته العظيمة سبحانه ﵎. ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩] أنتم مقرون بأنه الذي خلق هذه الأرض، وهو الذي خلق هذه السماوات، فكيف تجعلون له أنداداً وشركاء؟ ماذا خلق هؤلاء الشركاء وهؤلاء الأنداد؟ خلق الله الأرض في يومين والله على كل شيء قدير، فهو سبحانه قادر أن يخلق الأرض وحدها في أيام كثيرة، وقادر على أن يخلقها في لحظة واحدة، ولكنه سبحانه أرانا حلمه وإتقانه، خلقها في يومين، فالله على كل شيء قدير: ﴿إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] فإذا قال للأرض: كوني أرضاً تكون أرضاً، وإذا قال للسماء: كوني سماءً تكون سماءً، وإذا قال: كوني جبالاً وبحاراً وأنهاراً وأشجاراً تكون كما يريده الله، ولكن أرانا أن هذه الأشياء خلقها في ستة أيام كما سيأتي التفصيل. قوله: (قل أئنكم) هنا همزتان في كلمة: الأولى مفتوحة والثانية مكسورة، وفيها قراءات للقراء كل على أصله، فيقرأ قالون عن نافع وأبو جعفر وأبو عمرو: (قل أأنكم) يعني: إدخال ألف بين الهمزتين مع تسهيل الهمزة الثانية، وقراءة ورش عن نافع، وقراءة ابن كثير، وقراءة رويس أيضاً عن يعقوب: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ﴾ [فصلت:٩]، وقراءة باقي القراء: (قل أئنكم) إلا أن هشاماً عن ابن عامر له ثلاثة وجوه فيها: فيقرأ (أَئِنَّكُمْ) كغيره، وبالإدخال (أآئنكم)، وبالإدخال مع التسهيل (قل أآنكم) هذه ثلاث قراءات له. قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩] يعني: أنه خلق الأرض وقال لها: كوني أرضاً، في يومين، فكيف تجعلون له أنداداً؟ والند: النظير والمثيل والشريك والشبيه، فكيف جعلتم لله أشباهاً ونظراء له تعبدونهم من دونه؟ وما الذي فعلوه حتى تعبدوهم؟ إن الخالق العظيم هو الله وحده لا شريك له رب العالمين الذي يقدر ويربي سبحانه ﵎ ويخلق ويرزق سبحانه، الرب الصاحب لكل شيء، المالك لكل شيء، مالك العالمين، ورب كل عالم: عالم الإنس، وعالم الجن، وعالم الدواب، وعالم الحشرات، وعالم السموات، وعالم الأرض، وعالم الملائكة، وكل عالم داخل تحت ربوبية رب العالمين سبحانه ﵎.

стр. 2886

تفسير قوله تعالى: (وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها) قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] هذا من قدرته سبحانه ﵎ وإتقانه لكل شيء، خلق هذه الأرض في يومين، وأوجد فيها ما فيها من أشياء في يومين، فخلق الأرض وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين، فهنا كأنه يقول لنا: إنه خلق الجبال الرواسي التي ترسو فوق الأرض وترسي هذه الأرض فتثبتها بأن لا تميل بكم، فجعل في الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها وأخرج منها النماء وجعل فيها البركة، وخلق فيها أرزاق العباد، وقدر فيها أقواتها، والأقوات: ما يحتاجه أهل الأرض، وكل ذلك بتقدير الله سبحانه ﵎، فقد قدر في كل زمان وفي كل مكان أرزاقهم وأقواتهم، وكلها محسوبة معلومة عند الله سبحانه ﵎ تامة غير ناقصة، ولو أنهم أحسنوا وعبدوا الله سبحانه لأتى كل إنسان رزقه من عند الله سبحانه ﵎. وقوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] جعل الله الرواسي في الأرض وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين، وفي اليومين الأولين خلق فيها الأرض، فيكون المجموع أربعة أيام سواءً للسائلين. وهل تلك الأيام متصلة؟ لا؛ كأنه فصل بين خلق الأرض وبين إيجاد الجبال فوقها والأقوات فيها بخلق السماوات في يومين، فخلق الأرض في يومين، وسوى السماوات في يومين، وجعل في الأرض الرواسي والأقوات في يومين، والمجموع ستة أيام، ففي هذه الآيات يخبرنا عن مجموع الأيام التي خلق فيها هذه الأرض وعن كون الأرض، وذكر الله سبحانه أنه خلقها وقدر فيها الأقوات والأرزاق في أربعة أيام سواءً للسائلين، لكن يخبرنا في آية أخرى عن هذه الأرض فيقول: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [النازعات:٣٠ - ٣٣]، وقال قبلها: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات:٢٧ - ٢٩]، ثم قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [النازعات:٣٠] دحاها: أي بسطها، وجعلها مبسوطة، والأرض خلقها الله سبحانه كروية، ولكن في نظر الناظرين وسع الأرض حيث جعلها أمام الناظر يراها مستوية، فيقدرون على العيش فوقها. فكأن الخلق للأرض في يومين، وخلق السماء في يومين، ثم دحو الأرض وإخراج الأقوات منها في يومين بعد ذلك، هذا ظاهر قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] ثم ذكر بعد ذلك: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠] أي: بعدما خلق السماوات وسع الأرض وبسطها للعباد، وجعل فيها الجبال الرواسي، وأخرج منها الأقوات، وقدر فيها ما شاء وبارك فيها سبحانه، فكان خلق الأرض في أربعة أيام سواءً للسائلين. والله جعل الجبال الراسية التي هي فوق الأرض لتثبتها ولترسي هذه الأرض من فوقها، وجعل فيها البركة والنماء، وما خلق الله عز جل لعباده من أشياء وقدر فيها من أقوات رزقاً للعباد إلى أن تقوم الساعة وتفنى الأرض ومن عليها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواءً للسائلين. وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] كأنه يقول لنبيه ﷺ : إذا سئلت عن ذلك فالذي قلناه لكم: خلقنا الأرض في أربعة أيام سواء، أي أربعة أيام مستوية تامة، فهذا الجواب لمن سأل، ومن لم يسأل فهذا موجود في كتاب الله . ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] أي: قدرنا ما في هذه الأرض من أقوات ومن أرزاق على قدر حاجة المحتاجين، فإذا جاء من يسأل: كيف خلق الله ؟ وفي أي شيء خلق الله سبحانه؟ فأجبه بذلك، ومن سأل الله: يا رب! ارزقني، يا رب! أطعمني، يا رب! اسقني، فقد جعل الله فيها لكل سائل حاجته، فجعلنا هذه الأشياء في هذه الأرض لمن يحتاج إليها، فمن يسأل الله شيئاً يجد ما رزقه الله سبحانه وما أعطاه الله سبحانه ﵎. وقوله: ﴿سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠] هذه قراءة الجمهور، وقرأها أبو جعفر (سواءٌ للسائلين) أي: هي سواء، وقرأها يعقوب: (سواءٍ للسائلين) على الوصف للأرض.

стр. 2887

تفسير قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] هنا استوى بمعنى: قصد وعمد وتوجه إليها ليفعل ما يريد سبحانه ﵎، وهذا غير استوى على العرش، فاستواء الله على العرش استواء معلوم؛ فالله سبحانه مستوٍ على عرشه، استواء كيف يشاء وكما يشاء سبحانه ﵎. وهنا استوى إلى السماء بمعنى: عمد إليها وقصد إليها بالفعل وبالخلق سبحانه ﵎. وقوله: ((وَهِيَ دُخَانٌ)) كانت دخاناً فأوجد الله منها السماوات، فسمكها وجعل لها كسفاً وجعل لها سمكاً، وجعل فيها أهلاً، فخلق ملائكة وسكاناً لكل سماء. قال سبحانه: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١] الله يأمر السماوات أن تطيع، ويقول لها: أطيعي أمري شئت أم أبيت، والأرض كذلك، هذا الجماد الذي خلقه الله جعل فيه ما ينطق ويجيب ربه، والله على كل شيء قدير، ولا عجب في ذلك أن تنطق السماء وأن تجيب الأرض، والإنسان مخلوق من تراب هذه الأرض، وجعل الله فيه ما ينطق ويتكلم ويجيب ربه سبحانه، كذلك السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾ [فصلت:١١] أطيعا ولبيا أمر الله سبحانه ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] الجماد أتى ربه طائعاً، والأرض تخرج أرزاقها كما يأمرها الله سبحانه، والسماء تنزل بركاتها، والكل أطاع الله وعبد الله طائعاً إلا الإنسان؛ فكثير من الناس حق عليهم العذاب. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]، خلق السماوات، هذه السماء العظيمة نرى فيها قدرة الله البديعة العظيمة، والأرض أصغر من السماء بكثير، فجعل سبحانه للأرض أربعة أيام، وجعل للسماوات التي هي أعظم بكثير يومين، ليرينا قدرته، وأنه لا يعجزه شيء، فالشيء العظيم يخلقه. كما أنه سبحانه يبعث عباده يوم القيامة وهو قادر في لحظة أن يحاسب الجميع، لكنه جعل للحساب يوماً طويلاً مقداره خمسون ألف سنة؛ ليحاسب فيه العباد، وهو قادر على أن يحاسبهم في لحظة كما أنه يفني الأرض ومن عليها في لحظة، ويحيي العباد في لحظة، والله على كل شيء قدير يرينا قدرته على أن يطيل علينا الأيام والليالي وعلى أن ينقصها ويقللها، والله على كل شيء قدير، قال: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢]. وللحديث بقية إن شاء الله. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2888

تفسير سورة فصلت [٩ - ١٢] كيف يكفر الإنسان بالله تعالى الذي خلق الأرض في يومين وجعل فيها الجبال الرواسي تثبتها، وقدر فيها أرزاق الخلائق في يومين آخرين، ثم خلق السماوات في يومين كذلك وأوحى في كل سماء أمرها وزين السماء الدنيا بالنجوم والكواكب زينة لها وحفظاً من كل شيطان يسترق السمع؟! فما أظلم من كفر بخالقه وعبد غيره!

стр. 2889

تفسير قوله تعالى: (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:٩ - ١٢]. يخبرنا الله في هذه الآيات عن قدرته العظيمة الباهرة، وعن خلقه المتقن العظيم الصنع في خلقه للسموات وللأراضين، وما جعل فيها من دواب ومن جبال راسيات، وما قدر فيها من أقوات وأرزاق للعباد وغير ذلك فيقول: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]. فبين سبحانه أنه خلق الأرض في يومين، ثم خلق السموات في يومين، ثم جعل في الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في يومين، فصار خلق الأرض وتقديرها في أربعة أيام، وخلق السماوات في يومين، وهنا مزيد اعتناء بهذه الأرض، التي يكون عليها هذا الإنسان الذي كرمه الله . وخلق الله آدم على نبينا وعليه الصلاة السلام، في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة، وجعل لآدم هذه الأرض سكناً ومتاعاً إلى حين، وخلق السموات العلى، وجعل ما فيها من زينة وما فيها من خلق في يومين اثنين، وهي أعظم بكثير من هذه الأرض، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧] فهذه السماء العظيمة خلقها الله في يومين، وهذه الأرض التي نحن عليها عظيمة واسعة متسعة وهي بجوار السموات شيء قليل لا قيمة لها، وجعل لها أربعة أيام ليسكن فيها آدم وذريته. وكرم الله ذرية آدم أنه خلق آدم بيده ، وسواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له هذه الأرض مستقراً ومتاعاً إلى حين، فسوى له هذه الأرض، ودحاها، وبسطها، وجعل فيها أرزاقها للعباد، وقدر فيها ما قدر ، حتى يستمتع الإنسان على هذه الأرض إلى حين فيعبد ربه ويعرف نعم ربه عليه. وزين الله السماء الدنيا بمصابيح ليهتدي بها الإنسان ويستمتع بالنظر إليها، وتكون له دليلاً في مسيره شمالاً أو يميناً أو جنوباً أو شرقاً أو غرباً، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥]، وجعلها حفظاً للسماء من الشياطين ودليلاً وهداية للإنسان. والإنسان قد اعتنى به ربه بأن هداه في سبيله وطريقه إلى الله في شريعته وفي دينه، وكرمه الله سبحانه وحمله في البر والبحر، فإذا عرف الإنسان رحمة ربه به ونعمته عليه وتكريمه له، عبد الله سبحانه, فكيف يكفر بعدما صنع به الله ذلك؟ وبعدما صنع له هذه النعم العظيمة أيكفر بالله الخالق القادر سبحانه، الذي خلق هذه الأشياء وهو قادر على أن يخلق الجميع في لحظة وعلى أن يفني الجميع في لحظة؟ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]. وقال : ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]. وذلك الخالق العظيم هو الذي خلقكم ورباكم بنعمه ، وهو مالككم ومالك كل شيء، وجعل في هذه الأرض رواسي من فوقها وبارك فيها، وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، وهذا التقدير في هذه الأرض من أرزاق وأقوات وجبال رواسي كان بعد خلق السماوات، فلقد استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ثم بسط الأرض لعباده، وقدر لهم فيها الأرزاق، وجعل الرواسي فوقها فكان جميع الأيام ستة أيام.

стр. 2890

تفسير قوله تعالى: (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. خلق الله تعالى السموات والأرض والجمادات التي خلقها الله من دخان، وبسط هذه الأرض، وكانت عدماً فجعل منها تراباً وطيناً، ثم أمر السماوات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وأمرهما الله سبحانه بطاعته سواء رفضتا أم أطاعتا. فالجماد عرف فضل الله وقدرته والإنسان كفر بالله وعصاه!

стр. 2891

تفسير قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) قال الله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢]. أي: انتهى من خلق السموات وفرغ منهن في يومين ومن الجميع في ستة أيام، وأوحى في كل سماء أمرها، فكل سماء فيها ملائكة وفيها من خلق الله مالا يعلمه إلا الله ، والأرض بجوار السموات كحلقة صغيرة ملقاة في فلاة، وهي: الصحراء الضخمة العظيمة، فلا وجه مقارنة أو نسبة بين الحلقة الصغيرة التي رميت في هذه الصحراء، فالصحراء شيء عظيم شاسع وواسع وهذه الحلقة صغيرة قليلة ليس لها قيمة بجوار ذلك، ولا موازنة أو نسبة بين قطرة وبحر عظيم، كذلك الأرض إذا قورنت بهذه السموات! والسموات كلها إذا كانت بجوار كرسي الله كانت كحلقة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كذلك، والله فوق العرش، قد أحاط بكل شيء، وهو فوق كل شيء ، فهو العلي الكبير ، وأكبر وأعظم من كل شيء لا إله إلا هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وقوله سبحانه: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت:١٢]. جعل الله النجوم في السماء مثل المصابيح الصغيرة التي تكون في السقف، كذلك زين الله السماء الدنيا بمصابيح، وجعلها زينة لأهل الأرض لينظروا إليها ويفرحوا بالنظر إليها، وجعلها هداية لابن السبيل فيعرف الشمال من الجنوب والشرق من الغرب، وتكون دليلاً في مسيره في الطريق، وجعل منها ما يقذف به الشياطين فيحرقهم بالشهب التي فيها. فهي حفظ للسماء من أن يخترقها الشياطين والجان لاستراق السمع، فالذي قدر ذلك هو الله العزيز العليم سبحانه، وذلك التقدير العظيم لا يخطئ أبداً، فكان على ما قدره الله ولا يشذ أبداً ولا يفلت منه شيء ولا يعجزه شيء ، فهو العزيز الغالب القاهر الذي لا يمانع ، ولا يقدر أحد أن يرد قضاء الله . وأظهر عزته وقدرته وجبروته وقهره لكل شيء سبحانه العليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء.

стр. 2892

الآيات التي توهم التعارض جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أن رجلاً قال له: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، أي: توهم أنها متعاكسة أو متناقضة وهي قوله تعالى: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]. كأن الرجل ظن أن فيهما تناقضاً، فإذا أشكل على رجل شيئاً فإنه يذهب إلى أهل العلم فيسألهم كما قال الله : ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٤٣]، وقال النبي ﷺ : (هلا سألوا جهلوا، إنما شفاء العي السؤال)، فالإنسان الذي يجهل الشيء ليس عيباً أن يسأل، إنما العيب أن يسكت على جهله أو أنه يفسر لنفسه أو يشرح لنفسه. قال: وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢]. وقوله: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]. وكذلك قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧]، إلى قوله سبحانه: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠]، مع قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]. إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، فالآية الأولى ذكرت أن خلق الأرض بعد خلق السماء، والآية الثانية ذكرت العكس. وكذلك في قوله سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفتح:١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء:١٥٨]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:١٣٤]. كأن الرجل لم يفهم اللغة جيداً فكأنه فهم أن الفعل الناقص (كان) يفيد الزمن الماضي فقط. فإذا بـ ابن عباس يجيبه ﵁، ويرفع عنه الإشكال في هذه الأسئلة، ببركة دعوة النبي ﷺ أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل، فقال ﵄: قوله تعالى: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١] ذلك في النفخة الأولى، قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:٦٨]. فكل الخلائق يموتون فلا تنفعهم أنساب ولا أحساب ولا أموال ولا غير ذلك، فإذا نفخ فيهم النفخة الأخرى قاموا من قبورهم فيسأل بعضهم بعضاً عن يوم الحساب، قال تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات:٢٧]. أما قوله سبحانه عن الكفار أنهم قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]. مع قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢]. فإن الله يغفر لأهل الإخلاص والتوحيد الذين عبدوا الله وكانوا مسلمين، فيغفر لهم صغائر ذنوبهم وكبيرها ويتجاوز عنها بسبب إخلاصهم وتوحيدهم أن قالوا: لا إله إلا الله، فلما رأى هؤلاء المشركون أن الله يغفر لأهل التوحيد قالوا: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]. أي: نحن كنا موحدين أيضاً، فكذبوا على الله فختم على أفواههم، وشهدت عليهم أعضاؤهم بأنهم كذبوا وأشركوا وكفروا، فتنطق على أنفسهم بالحق فلا يكتمون الله حديثاً. كذلك المنافقون يوم القيامة فإنهم يحلفون بالله أنهم كانوا مؤمنين ولم يكونوا مشركين: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [المجادلة:١٨]. فلما كذبوا أشهد عليهم جوارحهم فينطق على أحدهم جلده ويده وفخذه ورجله ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤٢]. فإذا بأحدهم يدعو على نفسه ويقول: سحقاً لكن! عنكن كنت أدافع، أي: كانت لسانه تدافع عن يده ورجله وأعضائه، فيكذبون أمام الله تعالى أنهم كانوا مؤمنين تم تشهد أعضاؤهم بخلاف كذبهم، فيستحقون العذاب بشهادتهم على أنفسهم. وجمع ابن عباس ﵄ قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا﴾ [فصلت:٩]. ثم ذكر الله : ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:١٠]. فذكر الأربعة الأيام ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت:١١]، وقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١٢]. مع قول الله : ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات:٢٧]. وبعدما ذكر السماء قال: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠]. فقال ابن عباس: خلق الله الأرض في يومين: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [فصلت:١١]، فسواهن سبع سموات ثم أكمل ما في الأرض من أشياء فهنا لا يوجد أي تعارض بين هذه وهذه، فبدأ بالأرض ثم السماء ثم رجع إلى الأرض مرة ثانية، فلم يقل في قوله تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:٣٠]: والأرض بعد ذلك خلقها، وإنما دحاها أي: بسطها للناظرين، وجعل فيها المعايش لمن كان عليها، فكان كل من الآيتين يعطي المعنى نفسه. فدحاها أي: أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والآكام وغير ذلك في يومين آخرين، فذلك قوله سبحانه دحاها، وقوله: ﴿خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩]. فخلقت الأرض وما فيها من أشياء في أربعة أيام وخلقت السماوات في يومين. وقال ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء:٩٦]. سمى الله نفسه الغفور الرحيم, فالتسمية من الأزل، ولا تزال هذه التسمية أبداً لله ، وكان هو الفعل الوحيد الذي يصلح أن يكون للماضي وللحاضر وللمستقبل، فالله غفور في الماضي والحاضر ولا يزال هكذا أبد الآبدين . وكان الله بأسمائه وصفاته منذ الأزل، ولم يحدث له شيء جديد، وإنما هو الله سبحانه العزيز الحكيم الغفور الرحيم في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل. فالله لم يرد شيئاً إلا أصاب به الذي أراد، فلا يختلف عليك القرآن فهو من عند الله. فـ ابن عباس ﵄ له قدر عظيم، فهو الذي جمع بين الآيات ورفع ما يشكل على الناس، فاستحق أن يكون ترجمان القرآن وحبر هذه الأمة ﵁ وعن أصحاب النبي ﷺ . أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2893

تفسير سورة فصلت [١٣ - ١٦] أهلك الله الأمم السابقة التي كذبت رسلها بأنواع شتى من العذاب، فمنهم من أهلكه الله بالريح كعاد، ومنهم من أهلكه الله بالصيحة كثمود، ولقد هدد الله كفار مكة إن أعرضوا عن دينه بعذاب كعذاب عاد وثمود.

стр. 2894

تفسير قوله تعالى: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٣ - ١٦]. يخبر الله سبحانه ﵎ في هذه الآيات عن قدرته العظيمة على تعذيب من كفر بالله، وجحد بآيات الله، وكذب رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين, وقبل هذه الآيات ذكر لنا قدرته العظيمة في الخلق والرزق والإبداع سبحانه ﵎، فقد خلق السماوات والأرض، وبث في الأرض الدواب، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها وجعل فيها الرواسي، وكان هذا الخلق في ستة أيام، فأرنا الله قدرته على الإيجاد، وعلى الخلق، وعلى رزق عباده، وأنه رب العالمين سبحانه، وأخبرنا أن الذي يقدر ذلك هو الله العزيز الغالب، الذي قال للسماوات والأرض: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]. فهو العزيز الغالب، الذي لا يمانع سبحانه ﵎، إذا قضى شيئاً فلابد أن يكون، وهو العليم سبحانه الذي يعلم كل شيء مما ظهر وما خفي، ويعلم ما في قلوب العباد ونياتهم، وما لم يعملوه ولم ينووه، وقد علم الله ما هم فاعلون. وهنا يقول لنا: إن أعرض هؤلاء الكفار عن طاعة رسول الله ﷺ فإنه ينذرهم بصاعقة وبعذاب شديد من عنده ، وكأن الصاعقة هي: الصيحة التي يكون من ورائها رجفة عظيمة تهد الناس، وتهزهم في أماكنهم فيغشى عليهم فيموتون بسببها. قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] أي: خوفتكم الهلاك كما أهلكنا عاداً وثمود. قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤] أي: جاءتهم الرسل أمامهم، فأرسل الله إلى عاد أخاهم هوداً. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤] أي: من قبل هؤلاء أرسل إلى قوم نوح نبيهم نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فكانت الرسل من قبلهم وقد علموا ذلك، ومن ورائهم أرسل الرسل، فكأنه يقول: بلغهم نبأ ما كان قبلهم، أي: أخبار قوم نوح من قبل، وجاءهم رسول إليهم. ولما أهلك الله عاداً جاءت ثمود بعد ذلك، وجاءهم خبر من كان قبلهم، أي: قوم نوح وقوم عاد، وكيف أهلكهم الله، ثم جاءهم رسولهم صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يدعوهم إلى الله، وكل قوم يهلكهم الله يحذرهم ما صنع بالذين من قبلهم. قال سبحانه: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤]، وما بين اليدين هو ما يراه الإنسان، وما خلفه ما لا يراه، فكأن المقصود بمن خلفهم أي: قبلهم من الرسل الذين سمعوا عنهم ولم يروهم، وأما الذين من بين أيديهم فكأنهم من يرونهم من رسل الله سبحانه. فسمعوا أخبار الرسل السابقين، وعرفوا أنهم دعوا إلى الله، وإلى توحيده سبحانه، فكذبوا فأهلك الله قومهم. وكذلك هؤلاء جاءتهم العظة والعبرة على لسان رسلهم، فإن الرسول الذي يرسله الله إلى قومه يخبرهم بأنباء من كانوا قبلهم، فكأن السابقين أنذروا قومهم، وتركوا النذارة لمن بعدهم أيضاً. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت:١٣] أي: يأتيكم عذاب يصعقكم على أي شكل من الأشكال، فقد تأتي صاعقة من السماء، وقد تأتي ريح شديدة فيها صرصر، أي: ذات صوت عاصف شديد تهد الناس وتميتهم ويغشى عليهم بسببها، أو يكون عذاب من نار من السماء يحرقهم، كما في هذه الآيات. قال تعالى: ﴿فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]، فعاد: أخذتهم الصيحة، وثمود: أخذتهم الرجفة من عند الله سبحانه ﵎. وكلهم كذبوا واستكبروا على رسل الله. فأما عاد فقالوا باستكبارهم: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، فأراهم الله بهذا العذاب هل هم أقوى أم هذه الصاعقة التي أرسلها الله سبحانه ﵎ عليهم؟

стр. 2895

تفسير قوله تعالى: (إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم) قال تعالى: ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:١٤] دعوة جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الدعوة إلى عبادة الله وحده، والمنع من عبادة أي شيء غيره. وهذا المعنى هو نفسه معنى: لا إله إلا الله أي: لا يستحق العبادة إلا إله واحد. لصفة الألوهية الحقة لأي أحد ولأي شيء، وإثباتها للإله الواحد سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت:١٤] أي: لا تتوجهوا بعبادتكم لأحد إلا لمن يستحق أن يكون إلهاً وهو الله سبحانه ﵎. فهو نفس معنى لا إله إلا الله، وكل الأنبياء والرسل قد دعوا أقوامهم إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، يعني: لا نعبد إلا الله. وكل الأقوام كانوا يقرون بأن الخالق هو الله، وبأن الرب هو الله، وأن الله هو الرب الذي يخلق ويرزق، سبحانه ﵎. وقد كانوا يعبدون غيره سبحانه ﵎، قال الله سبحانه: ﴿قَالُوا﴾ [فصلت:١٤]، أي: الأقوام، ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤] أي: ألم يجد الله غيركم؟ فلو أراد الله أن يرسل أحداً لأنزل ملائكة علينا. ولو شاهد الناس الملائكة لآمنوا، فيكون الإيمان قسراً وقهراً، ويجبرون على الإيمان. وهذا ما لا يريده الله ، وإنما يريد من عباده أن يختاروا هذا الدين العظيم الذي أرسل به الأنبياء. فقد كلفهم الله وهداهم النجدين، وبين لهم سبيل السعادة وسبيل الشقاء، وليختر كل منهم ما يريد، ولا يحاسب إلا على اختياره، وإن كنا نؤمن أنهم لا يشاءون إلا أن يشاء الله، ولن يفعل أحد شيئاً إلا وقد علمه الله وقدره قبل ذلك وكتبه عنده سبحانه ﵎، ولكن أمرنا أن نفكر وأن نختار، فاختار هؤلاء طريق الشقاوة، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:١٤] أي: لن نؤمن بكم ((فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)). فاستكبروا هؤلاء على الرسل الذين بعثهم الله، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤]، فأعرضوا عن رسلهم، وأعرضوا عن دين الله، ولم يعملوا عقولهم في ذلك، واستكبروا في الأرض. قال الله سبحانه ﵎: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:٦ - ١٣]. فأنزل عليهم عذاباً صبه عليهم من السماء، وكانوا يتوقعون من السماء الرحمة والمطر، فصبه عليهم من السماء، فمن حيث كانوا يأمنون وينتظرون الرحمة جاءهم العذاب، وصُب عليهم العذاب صباً. قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٣ - ١٤] أي: ليس هؤلاء فقط الذين أهلكوا، وإنما كل من سار على نهجهم ومن فعل فعلهم وكفر كفرهم فله الهلاك، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر:١٤] أي: يرصد كل إنسان يطغى على أمر الله سبحانه ويظلم الخلق، ويعطيه من العذاب ما يستحقه.

стр. 2896

تفسير قوله تعالى: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف:٦٥]. فالرسول الذي أرسل إلى عاد كان أخاهم هوداً، وقد كانت عاد من العرب، وكانوا في اليمن، وكانت عاد قبل ثمود، وهي عاد الأولى، وقد أهلكها الله سبحانه ﵎. قال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]. فدعاهم إلى الله سبحانه ﵎، وأنكر عليهم ما هم فيه من باطل ومن لعب. فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣١]. وهذا بعض صنيعهم، فكانوا قد استكبروا عندما وجدوا في أنفسهم القوة، قال تعالى: ﴿إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر:٧] يعني: بيوتهم عالية عظيمة، فقد نحتوا الجبال نحتاً، وصنعوا قصوراً بداخل هذه الجبال، فأعطاهم الله قوة لم يعطها لأحد من بعدهم من العالمين، فاستكبروا بقوتهم، واستطالوا على رسولهم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فلما فعلوا ذلك قال الله سبحانه ﵎: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [فصلت:١٥] أي: على الخلق، قال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨] أي: تلعبون، ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، أي: أماكن لجمع المياه على هيئات فيها افتخار، وظلم للخلق، وأنتم غير محتاجين إلى ذلك، وإنما كانوا يصنعونها ليروا الناس أنهم أقوياء بصنعها، فكانوا يصنعون هذه المصانع التي هي موارد للمياه على هيئات عظيمة -أحواض ونحوها- يجمعون فيها المياه، ويُروا من أنفسهم أنهم أقوياء قادرون، ويفاخرون الخلق بذلك. ويقولون لهم: هذه بيوتنا شققناها في الجبال وصنعناها فيها، وهذه عمداننا عالية طويلة؛ لأننا طوال الأجسام عريضها لا نسكن في بيوت مثلكم، وإنما ننحتها في الجبال. استكباراً على الخلق، وتعالياً عليهم. قال ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠] أي: بأقوام، ﴿بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] أي: وأنتم قاهرون لهم مستكبرون عليهم، ولم يكن في قلوبهم رحمة، قال: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٣٠] أي: قاهرين غالبين لهم لا رحمة في قلوبكم فانتظروا جزاء صنيعكم وعملكم. قال الله هنا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، وهذا هو الاستكبار في الأرض، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] فهم معترفون بالرب سبحانه، ومعترفون بأن الرب أقوى منهم، ودليل اعترافهم بالرب أنهم بعثوا وافدهم إلى مكة يستسقي هنالك فهم يعرفون أن الرب القادر هو الذي يرزقهم ويسقيهم.

стр. 2897

بعث عاد وافدهم للاستسقاء لهم جاء في الحديث كما في سنن الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث الحارث بن يزيد البكري أنه قدم على النبي ﷺ في قصة طويلة، وذكر الرجل: (أنه لما دخل على النبي ﷺ كانت معه امرأة من بني تميم حملها في الطريق معه، -وهذا الرجل كان من بني بكر، وكان بين قومه وقومها عداوة، فلما دخل على النبي ﷺ قال: يا رسول الله! اجعل الدهناء حاجزاً بيننا وبين بني تميم، -وكأنه يريد أن يأخذ الدهناء لبني بكر الذي هو منهم، ويجعلها حاجزاً بينهم وبين بني تميم، فاستوفزت المرأة، فقالت للنبي ﷺ : يا رسول الله! إلى أين تضطر مدركة؟ -أي: إذا أعطيتهم هذه الأرض التي فيها المياه ولنا فيها حاجة، فأين نذهب؟ - فنظر إليها الرجل وقال: أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد. وقال: إنما مثلي ومثلك كما قال الأول ماعز حملت حتفها يعني: أخذتك معي ولا أعلم ما الذي ستفعلينه معي؟ فأنت تهاجميني بعد أن عملت فيك هذا الجميل؟ فقد وضحت هي للنبي ﷺ أن هذه الدهناء أرض تحتاجها بنو تميم، أي: قومها، وفيها إبلهم ترعى، فعندما تجعلها لهؤلاء فأين نذهب نحن؟ وكلامها صدق، ولذلك صدقها النبي ﷺ في ذلك وامتنع من أن يعطيه هذا الذي طلبه. وهذا الحديث حديث حسن، وقال الحارث في حديثه: أعوذ بالله أن أكون كوافد عاد. وقد كان النبي ﷺ أعلم منه بالقصة، ولكنه لما لم يعطه الذي يريده قال له النبي ﷺ : (وما وافد عاد؟)، وهو أعلم منه صلوات الله وسلامه عليه، (فقال الرجل للنبي ﷺ : إن عاداً لما أقحطوا أرسلوا وافدهم، إلى مكة)، فكأن هذا الموضع معروف من القديم أنه موضع بركة، وإن كان الذي رفع البيت فيه هو إبراهيم بعدهم بآلاف السنين، ولكن الغرض أن هذا المكان من عهد آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام معلوم أنه مكان البركة في الأرض. فكان من أصابه شيء يذهبون به إلى هذا المكان، ويسألون الله سبحانه ﵎ له، فإذاً: كانوا يطلبون الرزق من الله، ويؤمنون بأن الذي خلق هو الله، ولا ينكرون هذا، وإنما يصدقون به، ويعلمون أن الخالق والرازق هو الله، وهذا هو إيمان الربوبية، وليس هو المطلوب من العباد؛ لأن الكل يعرف ذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، وإنما المطلوب هو التوجه بالعبادة إلى هذا الخالق العظيم سبحانه، وتوحيده في العبادة كما قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وقد أرسلت عاد وافدهم إلى هذا المكان، واسمه قيل. ولما توجه إلى مكان مكة في ذلك الزمان ذهب إلى رجل هنالك اسمه معاوية بن بكر ومكث عنده شهراً، يسقيه الخمر وتغنيه الجرادتان، ولما مر شهر سأله معاوية: إلى أين بعثك قومك؟ فتذكر أن قومه أقحطوا ثلاث سنوات، ويطلبون الطعام والماء والمطر، فذهب إلى موضع مكة، ودعا ربه هنالك وقال: اللهم إني لم آتك لأسير لأفاديه، ولا لمريض لأداويه، ولكن اسق عاداً ما كنت تسقيه، فأنشأ الله ثلاث سحابات سوداء، ونودي منها: اختر، فنظر إلى أشدهن سواداً وقال: هذه، فهي في نظره سوداء مظلمة، فهي مليئة بالماء، فكان فيها العذاب فقيل له: خذها رماداً رمدداً، لا تبق من عاد أحداً، فكانت عليهم ريحاً من السماء فأهلكهم الله بها. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، ونسوا الله سبحانه ﵎ الذي لما منع عنهم المطر رجعوا يطلبون منه الغيث، ولم يعبدوه سبحانه ﵎، ولكن استكبروا عن العبادة وطلبوا منه الرزق والماء. قال الله سبحانه: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥].

стр. 2898

تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] أي: أرسل الله عليهم الريح في: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧] فنزلت عليهم هذه السحابة بالعذاب من عند الله سبحانه ﵎، وكانت ريحاً شديدة ليس فيها مطر، وكانت أصواتها عالية، وكانت ريحاً صرصراً، أي: عظيمة البرودة، شديدة الهبوب، وفيها أصوات عالية منكرة من جنس كفرهم واستكبارهم، فقد استكبروا على الخلق، ورفعوا أصواتهم على نبيهم ﵊، ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] فجاءتهم هذه الريح شديدة الهبوب ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧]، فكانت الريح تأتي على أحدهم فتقلعه من الأرض، وترفعه فينزل على الأرض ميتاً، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ أي: كجذوع النخل الفارغة، فانظر إلى الريح وصنعها، وانظر إلى هؤلاء الذين شبههم الله بالنخل، فقد كانوا طوال الأجساد أقوياء، فصاروا صرعى على الأرض ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة:٧ - ٨] أي: هل ترى أحداً منهم موجوداً الآن؟ لقد ذهبوا كما ذهب من كان قبلهم؛ لأنهم كانوا يجحدون بآيات الله، فكان هذا العذاب في أيام نحسات في الدنيا، وبعد ذلك عذاب الآخرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2899

تفسير سورة فصلت [١٥ - ١٨] أهلك الله تعالى الأولين عندما كذبوا رسله، مثل عاد وثمود، فقد كذبوا واستكبروا في الأرض بغير الحق فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، وجعلهم آية وعظة لكل من جاء بعدهم.

стр. 2900

تفسير قوله تعالى: (فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٥ - ١٨]. يقول الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: إن أعرض هؤلاء المشركون فحذرهم وأنذرهم بعذاب من عند الله سبحانه كما حدث للسابقين لهم، فإن أعرضوا فقل: أنذرتكم، خوفتكم، وهددتكم بعذاب مهلك من عند الله سبحانه، وأنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، والصاعقة: هي كل أمر هائل رآه الإنسان أو عاينه حتى يصير من هول هذا الأمر ومن عظيم شأنه إلى هلاك وإلى عطب وإلى ذهاب عقل وإلى غمور فهم أو فقد بعض آلات الجسم، والصاعقة قد تكون ناراً محرقة تنزل من السماء عليهم، أو قد تكون رجفة وهدة شديدة على الإنسان حتى يغشى عليه أو حتى يهلكه الله بها، وقد تكون صوتاً عظيماً يفزع منه الإنسان، وقد يكون شيئاً من أمر الله ، فيطلق على هذا كله الصاعقة، والصاعقة: هي الشيء الذي يصعق بسببه الإنسان، فإما أن يغمى عليه وإما أن يهلك ويموت، قال الله سبحانه: ﴿مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣]. وقد ذكرنا قصة صاعقة عاد، وكيف أرسل الله عليهم الريح العقيم، وكيف جاءتهم الصيحة من السماء مما انتقاه صاحبهم الذي ذهب ليدعو لهم في السنين التي قحطوا فيها وأمحلوا فقيل له: خذها رماداً رمدداً، لا تبقي من عاد أحداً، فرأى سحابة سوداء مظلمة ظنها ممتلئة ماء فإذا بها العذاب من عند الله سبحانه، فقد أرسل الله عليهم من السماء عاصفة شديدة اقتلعتهم من الأرض فحملتهم ثم نزلت بهم على رءوسهم فصاروا كأعجاز نخل خاوية. وهنا يقول الله : ﴿إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت:١٤] من بين اليد ومن الخلف تطلق على الزمان وعلى المكان، فكأن المعنى في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ [فصلت:١٤] أي: من أمامهم، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤] أي: من بعدهم فلم يروهم، كذلك من بين اليد، أي: مما من يرونه في المكان، ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤]، أي: كأنه في البلاد المحيطة حولهم، إذاً: فقد كان قوم عاد قبل ثمود الذين كانوا في بلاد الشام، وعاد كانوا من خلفهم في بلاد اليمن، فكأنه في المكان وكذلك في الزمان، قال: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [فصلت:١٤]، والمعنى: أن الله لم يترك عباده مهملين من غير أن يبين لهم، بل أرسل إليهم رسلاً وجعل فيهم الأنبياء بوحي من السماء يدعون إلى الله ، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]، وأخبرنا عن الرسل فقال: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر:٧٨]، وقال: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان:٣٨]، إذاً: فهي قرون وأمم كثيرة قص الله علينا بعضاً من قصص هؤلاء، وسكت عن أشياء منهم، فذكر لنا ما نعتبر به، فليس القرآن بكتاب تسجيل للحوادث أو للتاريخ ولكنه كتاب تشريع وفيه من الحكم والمواعظ ما ينتفع به أولو الألباب. ودعوة الرسل جميعهم: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ [فصلت:١٤] بمعنى: لا إله إلا الله، أي: لا توجهوا عباداتكم إلا إلى الله الواحد الذي أقررتم بأنه خلقكم ورزقكم سبحانه، فاعبدوه وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء الكفرة أعرضوا وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤]، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ دليل على أنهم يعرفون ربهم ، كما قال سبحانه: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]. إذاً: فقد أقروا بأن الله هو الخالق، قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا﴾ [فصلت:١٤] أي: الذي خلقنا، ﴿لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤]، وهذا كلام صحيح، فلو شاء الله ذلك لفعله، ولكن لم يقل: إن الرسل لابد أن يكونوا ملائكة، وإنما اختار الله من عباده من ينزل عليه ملك من السماء ليكون نذيراً وبشيراً لقومه، فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلائِكَةً﴾ [فصلت:١٤]، والنتيجة: ﴿فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:١٤] أي: مكذبون بما تقولون، كافرون بما أرسلتم به. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [فصلت:١٥] أي: استطالوا على الخلق وكذبوا الرسل، قال الله سبحانه: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [فصلت:١٥]، فليس معهم فيما يصنعون بيان ولا برهان، ولا حجة من الله سبحانه، وإنما هي الاستطالة والعلو في الأرض والإفساد وإرادة الطغيان، فالله سبحانه يخبر أنهم قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥]، والمعنى: أننا نطغى ونعمل الذي نريده، فنحن أشد الناس قوة وأعظمهم أجساماً، ولن يقف أمامنا أحد، وهذا هو البغي والظلم في الأرض، وما من إنسان ولا أقوام يبغون في الأرض إلا وأخذهم الله سبحانه، وجعلهم عبرة وعظة لمن يعتبر ويتعظ. وكم من عال في الأمم السابقة طغى وتجبر فإذا بالله يهلكهم ويبيدهم، ومنهم من استضعفوا، كما قال سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص:٥ - ٦]. فالله جعل الأيام دولاً بين الناس، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]، فيرتفع الإنسان إلى ما يشاء الله ثم ينخفض حيث قدر له الله ذلك، قال هنا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ [فصلت:١٥] أي: قد عرفوا أن الله هو الخالق ، فهو الذي خلقهم وأعطاهم قوة، أفليس بقادر على أن يخلق أقوى منهم حتى يبيدهم على أيديهم؟ أليس قادراً أن يخلق لهم ما يهلكهم به من عاصفة أو رياح شديدة أو مطر سوء من السماء أو عذاباً مهيناً من عنده سبحانه؟! قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥]، إذاً: فلم يجحدوا ربوبية الله سبحانه، بل جحدوا آياته التي جعلها الله مع رسله عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:١٥]، فلما تطاولوا في أمرهم وبغوا كان لابد أن تأتيهم سنة الله في خلقه.

стр. 2901

تفسير قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] أي: لها صرير، بمعنى: صوت عال مزعج، ولها صرص أي: برد قاس شديد، فهي ريح هبوب تهب على هؤلاء هباً شديداً حتى اقتلعتهم كالنخل على الأرض من طول أجسامهم، وقوة أبدانهم، فاقتلعتهم هذه الرياح، وجاءتهم من حيث يظنون أنه يأتيهم الأمن ويأتيهم الرزق من السماء، فقد قالوا: نريد هذه السحابة، وهم لا يعلمون أنها سحابة لن تأتي بالمطر، بل ستأتي بصاعقة من السماء، فقد سمعوا صوتاً فظيعاً من السحابة التي في السماء وإذا بالرياح تهب عليهم، وإذا بشدة البرد تهلكهم، وإذا بالله تعالى يقتلعهم وينكسهم على رءوسهم، قال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦]، وفيها قراءتان: قراءة نافع وابن كثير وأبي عامر: ﴿أَيَّامٍ نَحْسَاتٍ﴾ [فصلت:١٦]، بالتسكين للحاء، وقراءة باقي القراء: ﴿فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾، وكأن الأصل فيها: أنها أيام نحس وشؤم، فجمعت على المصدر (نحْسات) بالتسكين، أو على أنها وصف فهي نحِسة، أي: أيام مشئومة، فجمعها (نحِسات)، وكأنها شؤم على هؤلاء بسبب تكذيبهم وإعراضهم عن ربهم سبحانه. وقد بين لنا سبحانه عدد هذه الأيام فقال: ﴿ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧]، جاءهم فيها العذاب ليل نهار، قال تعالى: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧]، تأديباً وتعذيباً لهؤلاء وموعظة لغيرهم، قال: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ [فصلت:١٦]، فقد أخزاهم الله سبحانه وأذلهم، وأهانهم وحقرهم، وجعل رءوسهم بعد أن كانت منتصبة القامات كأعجاز نخل خاوية، في: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة:٧]، فجعلهم الله فيها كأعجاز نخل خاوية. ثم قال سبحانه: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت:١٦]، وليس هذا العذاب فقط، بل ولعذاب الآخرة أشد وأخزى على هؤلاء، قال: ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت:١٦]، فالخزي الحقيقي والإهانة يكونان يوم القيامة في الآخرة أشد بكثير مما تعرضوا له في الدنيا، قال: ﴿وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:١٦] أي: في الدنيا ولا في الآخرة، فلم ينصرهم أحد من عذاب الله، ويوم القيامة لا ينجيهم أحد من عذاب الله، ولا يدفع عنهم أحد عذاب الله .

стр. 2902

تفسير قوله تعالى: (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) ثم جاءت ثمود من بعدهم، فقد كان عاد في جنوب الجزيرة وثمود في شمالها، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] أي: بينا، والله يهدي على وجهين وطريقتين: إما بمعنى الدلالة والإرشاد، وهذا من رحمته سبحانه، فهو الرحمن الذي يهدي خلقه كلهم ويدلهم، كما قال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠] أي: بينا للإنسان طريق السعادة وطريق الشقاوة، فلا عذر لأحد عند الله ، فالذين آمنوا زادهم الله هدى من فضله سبحانه، بمعنى: دلهم ووفقهم سبحانه للسير لطريقه ، وإذا أخذ بأيدي المؤمنين فهو مزيد فضل من الله ، ولا يلزم ربنا سبحانه أنه يأخذ بيد الجميع، بل يهدي من يشاء ويعصم ويعفو فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً ، فإذا هدى قوماً فهذا بفضله سبحانه، وإذا أضل أقواماً فهذا بعدله . قال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت:١٧] أي: دللناهم على طريق الله، وتوحيده وسنته في خلقه. قال: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] أي: فضلوا أن يعيشوا في كفرهم بالله سبحانه وعماهم وبعدهم عن دين الله على أن يهتدوا! قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧]، والصاعقة تكررت هنا، فحصلت الصاعقة للأوائل كما حصلت لهؤلاء، وهي العذاب المبيد المهلك، رجفة وصيحة تأتيهم من السماء، وإهلاك لهؤلاء بشر أنواع الإهلاك، وقد طلبوا آية من الله سبحانه، وطلبوا من رسولهم أن يخرج لهم من الجبل ناقة معها فصيلها، فلما جاءتهم هذه الآية التي رأوها وقيل لهم: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:١٥٥]، فلما رأوا هذه الآية كادوا يسلمون مع نبيهم، فإذا بالكبراء من القوم يخافون أن يضيع منهم منصبهم، فما زالوا بالقوم حتى رجعوا عن أمر الإيمان وكذبوا رسولهم ﵊، انتظروا على الناقة فترة وخافوا من إيمان القوم فتعاقد منهم مجموعة على قتلها، قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل:٤٨ - ٤٩]. إذاً: فالبداية من هنا: فقد قال رجل منهم اسمه قدار: أقتلها لسبب من الأسباب، فإذا بهم يحفزونه ويهيجونه ويعدونه بالزواج إذا فعل ذلك، فذهب فعقر هذه الناقة، وأراد قتل فصيلها فإذا بنبيهم صالح يحذرهم عقاب الله سبحانه، فتعاقدوا بينهم أن يلحقوه بها، بل وتقاسموا بالله فيما بينهم، فاجتمع هؤلاء التسعة النفر وأقسموا فيما بينهم بالله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ [النمل:٤٩]، والتبييت بمعنى: القتل في الليل، لنبيتنه هو وأهله قبل الصبح، وتوعدهم صالح بعذاب، فقال: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود:٦٥]، فأول يوم سيجعل الله لكم آية في أنفسكم: وهي أن تصفر وجوهكم، ثم في اليوم الثاني: تحمر وجوهكم، ثم في اليوم الثالث: تسود وجوهكم ويأتيكم العذاب، فقالوا: سنقتلك إذا لم يحصل ذلك، فإذا بالعذاب يأتيهم تدريجياً، اصفرت الوجوه فعرفوا العذاب، ثم احمرت الوجوه فانتظروا الأمر، ثم اسودت الوجوه فإذا بهم ينتظرون عذاب الله سبحانه، وهذا من أقسى ما يكون على الإنسان أن ينتظر عذابه من حيث لا يدري من أين يأتيه، هل من السماء أم من الأرض؟ فجاءتهم صاعقة بعذاب الله ، فسمعوا صيحة عظيمة ورجفت بهم الأرض فإذا بهم صرعى أهلكم ربهم . قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ [فصلت:١٧]، أي: العذاب المهين الذي أهانهم الله به وأخزاهم، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [فصلت:١٧]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] أي: بما كسبت أيديهم، وبأخذهم للسيئات وتركهم للحسنات، وتركهم لطاعة الله سبحانه، لكن المؤمنين ينجيهم الله سبحانه، كما قال: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٨]، فبفضل الإيمان والتقوى ينجي الله عباده الصالحين، فهو الذي دلهم على طريق الخير وأرشدهم إليه وأخذ بأيديهم إليه ونجاهم من العذاب. نسأل الله سبحانه أن ينجينا من عذاب الدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2903

تفسير سورة فصلت [١٩ - ٢١] أخبر الله سبحانه في كتابه أنه سيحشر الكفرة والمجرمين إلى نار جهنم يوم القيامة، وسوف تشهد عليهم جلودهم وأسماعهم وأبصارهم بما كانوا يعملون، فما أشد هذا الموقف على الكافرين!

стр. 2904

تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:١٩ - ٢١]. لما ذكر الله تكذيب الأمم السابقة بأنبيائهم عليهم وعلى نبينا الصلاة السلام وكيف أخذهم الله سبحانه بالعذاب في الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى من عذاب الدنيا، أخبرنا عن حال المؤمنين أنه سينجيهم في الدنيا وفي الآخر بفضل تقواهم، قال: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [فصلت:١٨]، فالمؤمن التقي يحبه الله ، وينجيه من الفتن، ومن العذاب في الدنيا وفي القبر وفي الآخرة. يقول سبحانه: ﴿وَيَوْمَ﴾ [فصلت:١٩]. كأنه يقول: اذكر هذا اليوم، وهو القيامة ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ [فصلت:١٩]، وقد عذبهم الله في الدنيا فقد أهلك قوم نوح وعاد وثمود، وأخبر أن عذاب الآخرة أخزى من عذاب الدنيا، وأشد إهانة فإنه في يوم القيامة يذلهم ويخزيهم ويدخلهم النار، ومعنى يحشرهم، أي: يجمعهم، وهذه قراءة الجمهور، وقرأها نافع ويعقوب ﴿وَيَوْمَ نحْشَرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾، بنون العظمة، فيأمر الله الملائكة بجمع هؤلاء من الموقف يوم القيامة، فيساقون إلى النار، وقبل أن يدخلوا النار يحبس أولهم حتى يجتمع إليهم آخرهم، ثم يقذفون جميعاً في نار جهنم ليلقى أكابرهم أولاً ثم أتباعهم والعياذ بالله.

стр. 2905

تفسير قوله تعالى: (حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم) قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠] هم في الموقف العظيم يحشرون ويجمعون وبعد ذلك يقادون إلى النار، وحين كانوا في المحشر بين يدي الله ورأوا النار ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور:١٤]، فيسألهم الله ماذا عملتم في الدنيا وسواء عليهم كذبوا على الله أو اعترفوا، وسواء عليهم صبروا أو لم يصبروا فهم في النار والعياذ بالله. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ [فصلت:٢٠] أي: جاءوا الموقف وحشروا وجمعوا ورأوا النار أمامهم قال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٠]، شهد سمع الإنسان عليه، وبصره، وشهد الله ، فالله الذي أقدر خلقه على أن يتكلموا بألسنتهم قادر على أن ينطق فيهم أسماعهم وأبصارهم بما كانوا يفعلون في الدنيا. روى الإمام مسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كنا عند رسول الله ﷺ فضحك -صلوات الله وسلامه عليه- فقال: هل تدرون مما أضحك؟ قلنا: الله ورسول أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه) يعني: يوم القيامة، يعني: يظن المنافق أنه يستطيع أن يكذب على الله وينجو بهذا الكذب، فأضحك الله النبي ﷺ على هؤلاء المجرمين، وكيف أنه يستدرجهم بحلمه وبكرمه، فإنهم لما ظنوا أنهم سيخدعون الله إذا بالله سبحانه يخدعهم فتشهد عليهم أعضاؤهم، يقول النبي ﷺ : (يقول يا رب! ألم تجرني من الظلم؟ فيقول الله : بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهداً مني)، لم يعترف أمام الله سبحانه، وظن أنه سيخدع ربه سبحانه، ووصل إلى أقصى درجات الغباء في مخاطبته لربه ، قال: (يقول الله : ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] وبالكرام الكاتبين شهودا)، فإن الله أكرمهم ونزههم أن يكذبوا أو يفتروا على أحد شيئاً، كما كرمهم بعلو منزلتهم عنده سبحانه، (فيختم على فيه، فلا يقدر على الكلام بلسانه، ويأمر الله أركانه فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، فتشهد عليه يده ورجله وفخذه، بما كان يصنع في الدنيا، قال: فإذا خلي بينه وبين الكلام دعا على نفسه بالسحق وبالبعد وبالعذاب، يقول: بعداً لكن وسحقاً عنكن كنت أناضل) يعني: أنتن تستاهلن أشد العذاب. في حديث آخر في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وقد سألوه: (هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال النبي ﷺ : هل تضارون في الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب؟) كأنهم يقولون: سيكون العدد ضخماً جداً وكبيراً وسيزدحم بعضنا مع بعض، فكيف سنرى ربنا يوم القيامة؟ وهذه عقيدة المؤمن أنه يرى الله يوم القيامة في الجنة، وأنهم في الموقف العظيم يسألهم الله فيسمعون ما يقول، ويردون ويجيبون على ربهم، نسأل الله العفو والعافية، في الدين والدنيا والآخرة. فضرب النبي ﷺ مثلاً ولله المثل الأعلى ، فحين ترون الشمس هل تزدحمون أو كل واحد ينظر إليها من مكانه فيراها؟ قالوا للنبي ﷺ : لا نزدحم، فقال: (هل تضارون؟) أي: هل يضر بعضكم بعضاً (في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا، قال: فوالذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكم إلا كما تضارون في رؤية أحدهما). فلا أحد يضر أحداً عندما ينظرون إلى الشمس، فكلهم ينظر إليها من مكانه ويراها، ولله المثل الأعلى، فالمؤمنون يرون ربهم يوم القيامة، لا يضر بعضهم بعضاً في النظر إليه سبحانه. قال: (فيلقى العبد فيقول: أي فل)، هذا ترخيم، وهو حذف الحرف الأخير وأصلها يا فلان، (أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع)، ألم أكرمك ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء:٧٠]، (وأسودك) أي: أجعلك سيداً ولم أجعلك عبداً من العبيد بل جعلتك سيداً حراً (وأزوجك)، أي: أعنتك على أن تزوجت (وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع) أي: تركتك تكون رئيساً في قومك وكبيراً، وتربع أي: لك رباع ودور وحقول وبساتين، وغيرها في الدنيا، (فيقول العبد: بلى، قال: أفظننت أنك ملاقي؟) أي: هل اعتقدت أن هناك بعثاً ونشوراً وجنة ونار يوم القيامة؟ قال: فيقول: لا، أخذت هذا كله ونسيتك يا رب ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيقول الله : (فإني أنساك كما نسيتني)، فكما نسيت ربك سننساك في النار أي: نتركك مهملاً، لا ننظر إليك والعياذ بالله، فنعاملك معاملة المنسي، ولا ينسى ربك أحداً، ولكن هذا من المشاكلة والمجانسة اللفظية، ومعنى: ننساك أي: نتركك كما يترك المنسي، أما أن الله يغفل عن شيء من عباده فحاشاه . قال النبي ﷺ : (ثم يلقى الثاني فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى أي رب، فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول له: فإني أنساك كما نسيتني، ثم يلقى الثالث: فيقول له مثل ذلك، فيجيب هذا العبد، فيقول: يا رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت ويثني بخير ما استطاع، فيقول الله : ههنا) أي: قف مكانك، ثم يقال له: (الآن نبعث شاهدنا عليك)، فيتفكر العبد في نفسه، من سيشهد علي، فيختم على فيه، ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي، فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، فهو كذب في الدنيا ويريد أن يكذب على الله يوم القيامة، خدع في الدنيا ويريد أن يخدع يوم القيامة فخدعه الله كما خدع الناس في الدنيا، وجعل أعضاءه تشهد عليه، قال: وذلك الذي يسخط الله عليه، والمنافق في الدرك الأسفل من النار، أي: في قعر جهنم، والعياذ بالله، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢]، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].

стр. 2906

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) قال الله : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، وهذه المناقشة والعداوة تكون بين الإنسان الكافر والمنافق ونفسه، فيقول مخاطباً نفسه وأعضاءه، ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١]، فقد جعل الجماد ينطق، وجعل الحيوان ينطق، وجعل كل شيء يشهد على نفسه وعلى غيره، أنطق كل شيء ، ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت:٢١]، فأليس بقادر على أن يعيد الخلق مرة ثانية؟ بلى إنه على كل شيء قدير، ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١] أي: إليه المرجع يوم القيامة سبحانه. وهذه قراءة الجمهور، وقرأها يعقوب (وَإِلَيْهِ ترْجِعُونَ) أي: أن العود إلى الله سبحانه والمرجع إليه. والإنسان المؤمن يتفكر في هذا اليوم، الذي لا ينفعه فيه شيء إلا العمل الصالح الذي عمله في الدنيا، وفي الدنيا قد يلتمس الإنسان لنفسه الأعذار، فإذا جاء يوم القيامة لم تعذره نفسه، ونطقت عليه بما كان يصنع، لذلك العبد المؤمن عليه أن يعرف أنه مهما دافع عن نفسه وعن أعضائه في الدنيا فإنها ستشهد عليه يوم القيامة، فعليه أن يعمل في الدنيا العمل الصالح الذي ينتفع به يوم القيامة. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2907

تفسير سورة فصلت [٢٢ - ٢٣] إن الوقوف بين يدي الله مشهد عظيم حري بكل عاقل أن يستعد له، ففي ذلك الموقف لا يملك العبد سراً فكل سره علانية، حتى أعضاؤه التي كان ينافح عنها تشهد عليه إن عصى الله بها، فأين المفر؟ فلا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله تعالى.

стр. 2908

تفسير قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣]. يخبر الله سبحانه ﵎ عباده في هذه الآيات أنهم ما كانوا يستترون أن يشهد عليهم سمعهم ولا أبصارهم ولا جلودهم، والاستتار بمعنى: الاختباء، والاستخفاء، وللآية معنيان: المعنى الأول: ما كنتم تستخفون من أنفسكم، فهم حين رأوا أيديهم، وجلودهم، وأفخاذهم، وسمعهم، وأبصارهم تشهد عليهم، علموا أنهم ما كانوا يستخفون من هذه الأعضاء أن تشهد عليهم يوم القيامة. والمعنى الثاني: أن الإنسان إذا علم في الدنيا أن فلاناً لو دعي للشهادة لشهد عليه، فإنه إذا أراد أن يفعل شيئاً يوجب الشهادة، يحرص على التخفي والبعد عنه حتى لا يراه، أما هؤلاء فلا يستطيعون ذلك، ولذا ينكر الله عليهم مستفهماً: هل كنتم تستخفون من أنفسكم؟ وهذه الآية في الإنسان الذي يأتي يوم القيامة ويقول لله : لا أقبل على نفسي شاهداً إلا من نفسي! ألم تجرني من الظلم؟ فإني لا أقبل على نفسي شاهداً إلا منها، فرفض الملائكة الكرام شهوداً، ورفض أن يشهد عليه أحد، فإذا بالله يستدرجه من حيث يظن أنه أمن، فيختم على فيه وتنطق جوارحه بما عمل في هذه الدنيا، فيقول لنفسه: بعداً لكُنّ -يريد أعضاءه- فعنكن كنت أناضل. فقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢] أي: تستخفون من أنفسكم أن تشهد عليكم، وقيل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، أي: تستحيون من الله سبحانه ﵎، وأنتم تعلمون أن الله يرى، ويسمع ما تقولون، فما استحييتم وما اتقيتم ربكم سبحانه ﵎، وجهرتم بالمعاصي والذنوب بغير حياء، فما كنتم تستترون أن يجعل الله هذه الأعضاء التي وقعتم بسببها في المعاصي تشهد عليكم يوم القيامة، قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢]، فقد سمعوا السوء، وسمعوا الغيبة والنميمة، والتلصص والتجسس على الناس، وسمعوا ما حرم الله سبحانه من معازف وغيرها، ولم يستحيوا من الله سبحانه ﵎، فإذا بالله يجعل هذه الأعضاء التي تتلذذ بالمعصية تشهد عليهم يوم القيامة. قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢]، كذلك الأبصار، فقد نظر إلى ما حرم الله سبحانه، فإذا بهذه الأبصار تشهد عليهم يوم القيامة، وقد تقدم حديث عن النبي ﷺ في أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وأعضاء الإنسان تكفر اللسان، تكفر أي: تذل وتخضع له، وتحذره من الوقوع في المصائب والآثام، وتقول له: إذا أنت عصيت الله فسنكون معك في النار، فاحذر من معصية الله، ومع ذلك يقع الإنسان في المعصية، ويتكلم بما لا ينبغي أن يتكلم به، فيستحق عقوبة رب العالمين. وقوله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] أي: ظنوا بربهم ظن السوء، وهو: أن الله لا يعلم بأعمالهم، ولا يسمع أقوالهم، وأنهم يختبئون من الله فلا يعرف ما الذي يقولونه، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ أنه اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان، وثقفي، رجل قرشي وختناه من ثقيف، وكان ابن مسعود حينها مختبئاً من الكفار وراء أستار الكعبة، في الزمان الذي كان يؤذى فيه أصحاب النبي ﷺ ، فجاء هؤلاء الثلاثة ووقفوا أمامه، وهم لا يرونه وهو يسمع ما يقولون، قال ﵁ واصفاً هؤلاء: قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، أي: أجسامهم مليئة أسمع بعض كلامهم ويخفى علي أكثره، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، أي: عند رفع أصواتنا يسمعنا، وعندما نتكلم سراً لا يسمعنا، فقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، كأنه يريد: إن الله يطلع على ما نقول، قال ابن مسعود ﵁: فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، فكان ظنهم أن الله لا يسمع ما يقولون، هو ظن السوء بالله سبحانه ﵎، وظن السوء يمنع العبد من العمل؛ لأنه إن ظن أن الله لا يسمع ما يقول؛ قال ما شاء، وإذا ظن أن الله لا يراه؛ فعل ما شاء من المعاصي.

стр. 2909

تفسير قوله تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣] أي: ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون أرداكم، وهكذا كل من يظن سوءاً بالله -كهذا الظن الذي ظنه هؤلاء- يرديه ظنه، ولذلك يعلم المؤمن أن الله يعلم كل شيء، ويطلع على كل شيء، ويحسن الظن بالله، فله المثل الأعلى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، أما هؤلاء فهم يسيئون الظن بالله سبحانه ﵎، فقد أساءوا الظن حين قالوا للنبي ﷺ : ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: لماذا لم يختر الله للنبوة إلا أنت؟ فلو أنه نزل القرآن على أحد غيرك! وحسدوا النبي ﷺ ، وحقدوا عليه لا لشيء إلا لأن الله نزل عليه القرآن. وكأنهم يعرفون ما لا يعرفه الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراًَ! ومن سوء الظن كذلك ما قالت اليهود في الله سبحانه ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. ومن سوء الظن كذلك ما قالت النصارى واليهود في الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]، فصرفوا عن توحيد الله سبحانه بهذا الذي اخترعوه من كلام باطل، وكذب على الله سبحانه أنه اتخذ صاحبة واتخذ الولد، حاشا له سبحانه، إنما يحتاج إلى الولد من هو ضعيف يموت ليبقى الولد ذكره بعده، والله حي لا يموت، فلا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إلى الولد من يضعف في كبر سنه وتأتيه الشيخوخة، فيحتاج إلى من يعينه إذ المخلوق ضعيف بطبعه فقير بخلقته، يحتاج إلى المال، ويحتاج إلى البنين، ويحتاج إلى أنصار ليكونوا عونه في نوائبه، أما الله فهو الغني الحميد سبحانه ﵎. ومن ظن السوء ما ظنه المشركون بالله من أنه لا يقدر على الإرجاع مرة ثانية، قالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فأساءوا الظن بالله، ولذلك يعذبهم الله يوم القيامة على إساءتهم الظن فيه، وإساءتهم الاعتقاد فيه، أما المؤمن فهو يؤمن أن الله على كل شيء قدير، أليس الذي بدأ الخلق بقادر على أن يعيده مرة أخرى، ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣].

стр. 2910

حسن الظن بالله وأثره في الإنعام على العبد المؤمن حسن الظن بالله سبحانه ﵎، يعرف ربه على ما ذكر لنفسه من صفات عالية عظيمة حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهو إذ يحسن الظن بالله سبحانه يحسن العمل؛ لأنه يرجو من هذا العمل جنة الله سبحانه كريم، وهو يعلم أن الله ودود غفور، شكور، مجيد، رحمن رحيم، فيرجو رحمته وجنته سبحانه ﵎، وإذا وقع المؤمن في المعاصي لم ييئس من رحمة الله؛ لأنه يعلم أن الله غفور كريم رحمن رحيم فيحسن الظن في الله، ويرجو من الله أن يغفر له، فيتوب إلى ربه، ولذلك جاء عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، فالإنسان حين يحسن الظن بالله؛ يعطيه الله ما يؤمله وينجيه مما يخافه، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ دخل على رجل وهو يجود بنفسه فقال له: (كيف تجدك؟ فقال: والله يا رسول الله! أني أرجو الله وأخاف ذنوبي)، فقوله: أجدني أرجو الله، حسن ظن في الله، فقال النبي ﷺ : (ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا وأمنه الله مما خاف، وأعطاه ما يرجو)، ولذلك فقد أوصى النبي ﷺ أمته فقال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه).
следующие страницы →