← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

تفسير قوله تعالى: (وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) قال الله : ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١]، وهذه المناقشة والعداوة تكون بين الإنسان الكافر والمنافق ونفسه، فيقول مخاطباً نفسه وأعضاءه، ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١]، فقد جعل الجماد ينطق، وجعل الحيوان ينطق، وجعل كل شيء يشهد على نفسه وعلى غيره، أنطق كل شيء ، ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [فصلت:٢١]، فأليس بقادر على أن يعيد الخلق مرة ثانية؟ بلى إنه على كل شيء قدير، ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت:٢١] أي: إليه المرجع يوم القيامة سبحانه. وهذه قراءة الجمهور، وقرأها يعقوب (وَإِلَيْهِ ترْجِعُونَ) أي: أن العود إلى الله سبحانه والمرجع إليه. والإنسان المؤمن يتفكر في هذا اليوم، الذي لا ينفعه فيه شيء إلا العمل الصالح الذي عمله في الدنيا، وفي الدنيا قد يلتمس الإنسان لنفسه الأعذار، فإذا جاء يوم القيامة لم تعذره نفسه، ونطقت عليه بما كان يصنع، لذلك العبد المؤمن عليه أن يعرف أنه مهما دافع عن نفسه وعن أعضائه في الدنيا فإنها ستشهد عليه يوم القيامة، فعليه أن يعمل في الدنيا العمل الصالح الذي ينتفع به يوم القيامة. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2907

تفسير سورة فصلت [٢٢ - ٢٣] إن الوقوف بين يدي الله مشهد عظيم حري بكل عاقل أن يستعد له، ففي ذلك الموقف لا يملك العبد سراً فكل سره علانية، حتى أعضاؤه التي كان ينافح عنها تشهد عليه إن عصى الله بها، فأين المفر؟ فلا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله تعالى.

стр. 2908

تفسير قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣]. يخبر الله سبحانه ﵎ عباده في هذه الآيات أنهم ما كانوا يستترون أن يشهد عليهم سمعهم ولا أبصارهم ولا جلودهم، والاستتار بمعنى: الاختباء، والاستخفاء، وللآية معنيان: المعنى الأول: ما كنتم تستخفون من أنفسكم، فهم حين رأوا أيديهم، وجلودهم، وأفخاذهم، وسمعهم، وأبصارهم تشهد عليهم، علموا أنهم ما كانوا يستخفون من هذه الأعضاء أن تشهد عليهم يوم القيامة. والمعنى الثاني: أن الإنسان إذا علم في الدنيا أن فلاناً لو دعي للشهادة لشهد عليه، فإنه إذا أراد أن يفعل شيئاً يوجب الشهادة، يحرص على التخفي والبعد عنه حتى لا يراه، أما هؤلاء فلا يستطيعون ذلك، ولذا ينكر الله عليهم مستفهماً: هل كنتم تستخفون من أنفسكم؟ وهذه الآية في الإنسان الذي يأتي يوم القيامة ويقول لله : لا أقبل على نفسي شاهداً إلا من نفسي! ألم تجرني من الظلم؟ فإني لا أقبل على نفسي شاهداً إلا منها، فرفض الملائكة الكرام شهوداً، ورفض أن يشهد عليه أحد، فإذا بالله يستدرجه من حيث يظن أنه أمن، فيختم على فيه وتنطق جوارحه بما عمل في هذه الدنيا، فيقول لنفسه: بعداً لكُنّ -يريد أعضاءه- فعنكن كنت أناضل. فقوله: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢] أي: تستخفون من أنفسكم أن تشهد عليكم، وقيل: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، أي: تستحيون من الله سبحانه ﵎، وأنتم تعلمون أن الله يرى، ويسمع ما تقولون، فما استحييتم وما اتقيتم ربكم سبحانه ﵎، وجهرتم بالمعاصي والذنوب بغير حياء، فما كنتم تستترون أن يجعل الله هذه الأعضاء التي وقعتم بسببها في المعاصي تشهد عليكم يوم القيامة، قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢]، فقد سمعوا السوء، وسمعوا الغيبة والنميمة، والتلصص والتجسس على الناس، وسمعوا ما حرم الله سبحانه من معازف وغيرها، ولم يستحيوا من الله سبحانه ﵎، فإذا بالله يجعل هذه الأعضاء التي تتلذذ بالمعصية تشهد عليهم يوم القيامة. قوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢]، كذلك الأبصار، فقد نظر إلى ما حرم الله سبحانه، فإذا بهذه الأبصار تشهد عليهم يوم القيامة، وقد تقدم حديث عن النبي ﷺ في أنه ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وأعضاء الإنسان تكفر اللسان، تكفر أي: تذل وتخضع له، وتحذره من الوقوع في المصائب والآثام، وتقول له: إذا أنت عصيت الله فسنكون معك في النار، فاحذر من معصية الله، ومع ذلك يقع الإنسان في المعصية، ويتكلم بما لا ينبغي أن يتكلم به، فيستحق عقوبة رب العالمين. وقوله: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢] أي: ظنوا بربهم ظن السوء، وهو: أن الله لا يعلم بأعمالهم، ولا يسمع أقوالهم، وأنهم يختبئون من الله فلا يعرف ما الذي يقولونه، وقد جاء في صحيح مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ أنه اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان، وثقفي، رجل قرشي وختناه من ثقيف، وكان ابن مسعود حينها مختبئاً من الكفار وراء أستار الكعبة، في الزمان الذي كان يؤذى فيه أصحاب النبي ﷺ ، فجاء هؤلاء الثلاثة ووقفوا أمامه، وهم لا يرونه وهو يسمع ما يقولون، قال ﵁ واصفاً هؤلاء: قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، أي: أجسامهم مليئة أسمع بعض كلامهم ويخفى علي أكثره، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا، أي: عند رفع أصواتنا يسمعنا، وعندما نتكلم سراً لا يسمعنا، فقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا، كأنه يريد: إن الله يطلع على ما نقول، قال ابن مسعود ﵁: فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢]، فكان ظنهم أن الله لا يسمع ما يقولون، هو ظن السوء بالله سبحانه ﵎، وظن السوء يمنع العبد من العمل؛ لأنه إن ظن أن الله لا يسمع ما يقول؛ قال ما شاء، وإذا ظن أن الله لا يراه؛ فعل ما شاء من المعاصي.

стр. 2909

تفسير قوله تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٣] أي: ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون أرداكم، وهكذا كل من يظن سوءاً بالله -كهذا الظن الذي ظنه هؤلاء- يرديه ظنه، ولذلك يعلم المؤمن أن الله يعلم كل شيء، ويطلع على كل شيء، ويحسن الظن بالله، فله المثل الأعلى، وله الأسماء الحسنى والصفات العلى، أما هؤلاء فهم يسيئون الظن بالله سبحانه ﵎، فقد أساءوا الظن حين قالوا للنبي ﷺ : ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١] أي: لماذا لم يختر الله للنبوة إلا أنت؟ فلو أنه نزل القرآن على أحد غيرك! وحسدوا النبي ﷺ ، وحقدوا عليه لا لشيء إلا لأن الله نزل عليه القرآن. وكأنهم يعرفون ما لا يعرفه الله سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراًَ! ومن سوء الظن كذلك ما قالت اليهود في الله سبحانه ﵎: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٦٤]، سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً. ومن سوء الظن كذلك ما قالت النصارى واليهود في الله : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة:٣٠]، فصرفوا عن توحيد الله سبحانه بهذا الذي اخترعوه من كلام باطل، وكذب على الله سبحانه أنه اتخذ صاحبة واتخذ الولد، حاشا له سبحانه، إنما يحتاج إلى الولد من هو ضعيف يموت ليبقى الولد ذكره بعده، والله حي لا يموت، فلا يحتاج إلى أحد، ويحتاج إلى الولد من يضعف في كبر سنه وتأتيه الشيخوخة، فيحتاج إلى من يعينه إذ المخلوق ضعيف بطبعه فقير بخلقته، يحتاج إلى المال، ويحتاج إلى البنين، ويحتاج إلى أنصار ليكونوا عونه في نوائبه، أما الله فهو الغني الحميد سبحانه ﵎. ومن ظن السوء ما ظنه المشركون بالله من أنه لا يقدر على الإرجاع مرة ثانية، قالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فأساءوا الظن بالله، ولذلك يعذبهم الله يوم القيامة على إساءتهم الظن فيه، وإساءتهم الاعتقاد فيه، أما المؤمن فهو يؤمن أن الله على كل شيء قدير، أليس الذي بدأ الخلق بقادر على أن يعيده مرة أخرى، ﴿بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣].

стр. 2910

حسن الظن بالله وأثره في الإنعام على العبد المؤمن حسن الظن بالله سبحانه ﵎، يعرف ربه على ما ذكر لنفسه من صفات عالية عظيمة حيث قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وهو إذ يحسن الظن بالله سبحانه يحسن العمل؛ لأنه يرجو من هذا العمل جنة الله سبحانه كريم، وهو يعلم أن الله ودود غفور، شكور، مجيد، رحمن رحيم، فيرجو رحمته وجنته سبحانه ﵎، وإذا وقع المؤمن في المعاصي لم ييئس من رحمة الله؛ لأنه يعلم أن الله غفور كريم رحمن رحيم فيحسن الظن في الله، ويرجو من الله أن يغفر له، فيتوب إلى ربه، ولذلك جاء عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله)، فالإنسان حين يحسن الظن بالله؛ يعطيه الله ما يؤمله وينجيه مما يخافه، ولذلك جاء في الحديث أن النبي ﷺ دخل على رجل وهو يجود بنفسه فقال له: (كيف تجدك؟ فقال: والله يا رسول الله! أني أرجو الله وأخاف ذنوبي)، فقوله: أجدني أرجو الله، حسن ظن في الله، فقال النبي ﷺ : (ما اجتمعا في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا وأمنه الله مما خاف، وأعطاه ما يرجو)، ولذلك فقد أوصى النبي ﷺ أمته فقال: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه).

стр. 2911

حديث معاوية القضيري روى الإمام أحمد بسند صحيح عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال: أتيت النبي ﷺ حين أتيته فقلت: والله ما أتيتك حتى حلفت أكثر من عدد هؤلاء ألا آتيك ولا آتي دينك، يعد له بيديه ثنتاهما، وكان قد حلف أكثر من عشر مرات للكفار أنه لن يأتي النبي ﷺ ، ولا يدخل في دينه، ولكن الله العظيم يشاء أن يسلم، ويدخل في دين الله ، ويذهب إلى النبي ﷺ ، قال: وقد جئت امرأ لا أعقل شيئاً، إلا ما علمني الله، رجل أتيتك لا أفهم شيئاً عن هذا الذي تقوله، ولا أعقل شيئاً مما تقوله، فعلمني وفهمني، ثم قال: وإني أسألك بوجه الله بم بعثك الله إلينا؟ يسأل النبي ﷺ بوجه الله، وهو أعظم شيء يقسم به، ولذا لا يجوز لإنسان أن يقسم على أحد طالباً دنيا بمثل هذا القسم العظيم، فقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، وقال: (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة)، أما الرجل فقد سأل النبي ﷺ عن دينه، فأقسم عليه بأغلظ ما يعرف من اليمين، وقال: أسألك بوجه الله: بم بعثك الله إلينا؟ قال النبي ﷺ : (بالإسلام، قال: قلت: وما آيات الإسلام)، يستفهم عن الإسلام، قال النبي ﷺ : (أن تقول: أسلمت وجهي لله وتخليت)، وهنا ندرك أن دعوة الرسل كلها دعوة التوحيد، وأن الرسل كلهم عليهم الصلاة والسلام يدعون إلى التوحيد يقولون: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، ويدعون إلى: لا إله إلا الله، التي تتضمن قول النبي ﷺ : (قل أسلمت لله وتخليت)، إذ إن معنى لا إله إلا الله: أنني أسلمت نفسي لله، فله أن يأمرني بما يشاء، وليس لي إلا أن أفعل ما أمر به، وأحقق عبادة الله سبحانه ﵎، قوله ﵊: (وتخليت) أي: عن كل معبود سوى الله سبحانه ﵎، فكان معنى لا إله إلا الله: أسلمت لله وتخليت عن كل شيء سواه سبحانه ﵎. ثم قال النبي ﷺ : (وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، كل مسلم على مسلم محرم أخوان نصيران)، وأخذ النبي يشرح له أركان الإسلام، لأنه من المتعذر أن يعلمه كل الإسلام في جلسة واحدة، ولكن يخبره عن أهم ما يكون في هذا الدين العظيم؛ حتى يستوعب معاوية ﵁، وقوله ﷺ : (كل مسلم على مسلم محرم: أخوان نصيران). بمعنى: المسلم أخو المسلم، ينصره على نفسه، وينصره على عدوه، ويأخذ له بحقه من ظالمه. ثم قال ﷺ : (لا يقبل الله من مشرك أشرك بعد ما أسلم عملاً) أي: أن الإنسان الذي يسلم ثم يرتد يحبط عمله كما قال الله سبحانه: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، ثم قال ﷺ : (وتفارق المشركين إلى المسلمين) أي: لا تعود إلى المشركين، فتكون أكيلهم وشريبهم؛ وإلا يصيبك ما يصيب هؤلاء، فإذا غزا المسلمون المشركين كنت أنت معهم، وحينها لا يميزون بينك وبينهم، فلذا ليس لك أن تقيم مع المشركين. ثم قال: (ما لي أمسك بحجزكم عن النار)، الحجز مكان معقد الحزام، والحجزة أقوى ما يمسك الإنسان منه الحزام، بحيث لا يتفلت، فكأن النبي ﷺ يقول: أنا أمسككم مسكاً قوياً، حتى لا تدخلوا النار، ومع ذلك تتفلتون وتهربون فتشركون بالله سبحانه، وتقعون في المعاصي. ثم قال: (ألا إن ربي سائلي: هل بلغت عباده، وإني قائل: رب إني قد بلغتهم فليبلغ الشاهد منكم الغائب، ثم إنكم مدعوون مفدمة أفواهكم بالفدام)، قوله: (ثم إنكم مدعوون) أي: يدعوكم ربكم، قوله: (مفدمة أفواهكم بالفدام) الفدام: الغطاء الذي يوضع على الوعاء؛ لكي لا يدخل فيه شيء يشوبه، وقد يربط على فوهة السقاء، والمعنى: أنه إذا جاء يوم القيامة يختم على أفواهكم، فلا تنطق الأفواه قبل أن تنطق الأعضاء شاهدة على الإنسان، قال ﷺ : (ثم إن أول ما يبين عن أحدكم لفخذه وكفه قال معاوية: قلت: يا نبي الله! هذا ديننا؟ قال: هذا دينكم وأينما تحسن يكفك)، يعني: في أي مكان تعمل العمل الحسن تتقرب به إلى الله ، فيكفيك هذا فضلاً عند الله سبحانه وثواباً من الله سبحانه.

стр. 2912

تفسير سورة فصلت [٢٢ - ٢٨] الإنسان قد يختفي عن غيره لكنه لا يستطيع أن يختفي عن نفسه، وبعض الناس يظنون أن الله لا يعلم كثيراً من أفعالهم وأعمالهم، وظنهم هذا هو الذي أرداهم وأهلكهم، وجعلهم يتمادون في المعاصي، واستحوذ عليهم الشيطان حتى خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وخسروا رضوان الله تعالى فاستحقوا النار والعياذ بالله.

стр. 2913

تفسير قوله تعالى: (وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ * وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٢ - ٢٥]. يخبر الله في هذه الآيات وما بعدها عن حال الكفار الذين جحدوا نعمة الله عليهم، وكذبوا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كيف سيكون حالهم يوم القيامة، فيخبر الله أنه يشهد عليهم أنفسهم فتشهد عليهم جلودهم وأيديهم وأرجلهم يوم القيامة بما كانوا يخفونه، وبما كانوا يريدون أن يكذبوا على الله فيه. قال سبحانه: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ [فصلت:٢٢] أي: تستخفون: ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ﴾ [فصلت:٢٢] أي: ما كنتم لتستطيعوا أن تستخفوا من ذلك، ومن يستطيع أن يخفي الشيء عن نفسه؟ قد تخفي عن غيرك أما عن نفسك فلا، قد ترى أن فلاناً سيشهد عليك إذا عملت كذا، فتختبئ منه وتعمل العمل من ورائه، ولكن أين تختبئ من نفسك؟! كذلك ما كنتم تستحيون من الله سبحانه أن تجاهروه وتبارزوه بالمعاصي، ولكن ظننتم بربكم ظن السوء، فقد ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون. وقد ذكروا أن رجلاً من ثقيف وختنيه من قريش ربيعة بن أمية وصفوان بن أمية التقوا عند البيت وابن مسعود مختبئ بأستار الكعبة فسمعهم يحدث بعضهم بعضاً يقول أحدهم للآخرين: أترون الله يسمع ما نقول؟ فيجيبه جاهل منهما فيقول: إن الله يسمع إذا جهرنا ولا يسمع إذا أسررنا، فيكذبون على الله ، فيخبر الله ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٢]. وهذا هو الظن السوء الذي أردى أصحابه وأهلكهم فقد ظنوا أنهم سيفعلون ما يشاءون وأن الله لا يسمع ما يقولون أو ينوون أو يعملون.

стр. 2914

تفسير قوله تعالى: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) قال الله سبحانه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣] أي: الذي أهلككم هو ظنكم السوء بالله ، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣]، والخسران هنا هو الخسران العظيم، فقد خسروا الآخرة، فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وخسروا رضوان الله سبحانه فاستحقوا عذابه سبحانه.

стр. 2915

تفسير قوله تعالى: (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم) قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤]. أي: فإن يصبروا على عذاب الله سبحانه فالنار هي محل إقامتهم فلن يخرجوا منها، ولذلك قال في آية أخرى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم:٢١] أي: ما لنا من مهرب ولا منجى ولا ملجأ من عذاب الله ، كذلك قال لهم هنا : ﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [فصلت:٢٤]، والصبر في الدنيا صبر عن محارم الله ، وصبر على طاعة الله سبحانه، وصبر على قضاء الله وقدره، ويؤجر العبد على قدر صبره، اصبر تؤجر في الدنيا، أما في الآخرة فلا تكليف، فإذا دخلوا النار سواء عليهم صبروا أو جزعوا وصرخوا ليس لهم إلا العذاب، فلن يخرجوا منه ولن يخفف عنهم قال الله: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ [فصلت:٢٤] أي: وإن يريدوا أن يرضوا ربهم سبحانه وأن يزيلوا ما أعتبه عليهم ، وما أغضبه عليهم؛ فليستقيلوا ربهم سبحانه، وليعتذروا إليه سبحانه. واستعتب أراد إزالة العتب، وإزالة ما يسخط ويغضب، تقول: استعتبني فلان، أي طلب مني أن أرضى عنه، وإن يريدوا أن يرضوا ربهم سبحانه فلن يقبل منهم سبحانه ولن يقبلهم، ولن يعيدهم إلى الدنيا مرة ثانية: ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت:٢٤] أي: ليسوا بالذين يرضون ربهم يوم القيامة ولن يقبل منهم ولن يقبلهم يوم القيامة.

стр. 2916

تفسير قوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) قال تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥]، (قيضنا لهم) أي: هيأنا، وسببنا لهم قرناء، والقرناء جمع قرين، وقرين الإنسان هو الذي يقترن به، ويكون معه، والقرناء من الإنس ومن الجن، وقرين الإنسان صاحبه الذي يكون معه، والشيطان الذي يغويه، وشياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وأمر الإنسان أن يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فالشيطان يغوي صاحبه فهو قرينه لأنه معه لا يتركه، وإذا أردت أن يتركك الشيطان فالجأ إلى الله قال الله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل:٩٨]، وقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:٩٧ - ٩٨]، فأمرك الله أن تلجأ إليه وحده سبحانه، ولا تلجأ إلى غيره، فهو الذي يجيرك، وهو الذي يعينك، وهو الذي يعيذك من الشيطان الرجيم، وقيضنا من المقايضة والمبادلة، وقايضته في البيع أي: أخذت منه وأعطيته، (فقيضنا لهم) أي: أبدلناهم بالناس الخيرين أناساً أشراراً وجناً أشراراً لا ينفعونهم بل يغوونهم ويضلونهم بما كسبت أيديهم. قال الله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥] أي: زين شياطين الإنس والجن لهؤلاء الغاوين الذين أغواهم الشيطان وأضلهم الله ما بين أيديهم، وما بين يديك هو ما أمامك أي: في الدنيا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥]، أي: ما لا يرونه من الدار الآخرة، فيقولون لهم: أنتم ستعيشون في هذه الدنيا، ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، اعملوا الذي تريدون، وخذوا الذي تريدونه في الدنيا، واظلموا من شئتم، واستمتعوا بالدنيا فليس غير الدنيا شيء، فزينوا لهم الظلم والإعراض عن الله سبحانه، والتكذيب لرسل الله، وزين شيطان الإنس وشيطان الجن لصاحبه أن يبتعد عن دين الله سبحانه في الدنيا. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [فصلت:٢٥]، بأن قالوا لهم: لن ترجعوا إلى الله ولن يحاسبكم فإذا بهم ينسون الدار الآخرة: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، وإذا بهم يعرضون عن الله ، ويوم القيامة يقول لهم الله: ﴿الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [الجاثية:٣٤] ويقولون لهم: ولو فرض أن هناك آخرة فإن الله سيعطيكم في الآخرة كما أعطاكم في الدنيا، فاستدلوا بأن الله قواهم، وأغناهم، وأعطاهم في الدنيا على أن لهم الفضل، فقالوا: إذا رجعنا إلى الدار الآخرة فإن الله سيعطينا مثلما أعطانا في الدنيا، فقد أعطانا لفضلنا في الدنيا فسيعطينا لفضلنا في الآخرة، فكان تفكيرهم في الدار الآخرة إما استهانة واستهزاء بعذاب الله سبحانه، وإما استكباراً ونظراً للنفس بنظرة افتخار، يقولون: مثلما أعطانا في الدنيا سيعطينا في الآخرة، وإما أنه لا توجد آخرة أصلاً، فزين لهم الشيطان السيئ من القول، والسيئ من الظن. قال الله : ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [فصلت:٢٥] وحق على هؤلاء أي: وجب عليهم ما قاله الله سبحانه: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩]، فحق عليهم قول الله ، ووجب عليهم أن ينفذ فيهم ذلك، ﴿فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فصلت:٢٥] أي: ليسوا لوحدهم، بل هم والذين من قبلهم من الجن والإنس استحقوا عذاب الله سبحانه لتكذيبهم وإعراضهم. وقوله: ((وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ)) فيها ثلاث قراءات: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِم الْقَوْلُ﴾ [فصلت:٢٥]، هذه قراءة أبي عمر: (وَحَقَّ عَلَيْهُمُ الْقَوْلُ)، هذه قراءة حمزة والكسائي وخلف ويعقوب: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ [فصلت:٢٥]، هذه قراءة باقي القراء. ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٥]، هذه وأمثالها من جمع المذكر السالم إذا وقف عليها يعقوب بخلفه فإنه يقف عليها بهاء السكت، كما ذكرنا قبل ذلك في: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] وقلنا: فإنه يقف عليها يعقوب بخلف عنه بهاء السكت.

стр. 2917

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن) قال الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] الله سبحانه يرينا مشهداً في الدنيا كانوا يعملونه وجزاءه في الآخرة، فهؤلاء كانوا يتعاملون مع القرآن ومع النبي ﷺ بعلو الصوت، وليس بالنظر في الحجة، وبالمناظرة للنبي ﷺ ، فقد تحداهم في كل المواطن فلما عرفوا أنهم عجزوا عن ذلك، كان الحل عند هؤلاء الأغبياء: رفع الصوت، واللغو واللغط، والصراخ، وإلهاء الناس عن النبي ﷺ ، فيذكر الله صورة من صور قذارة هؤلاء في معاملتهم النبي ﷺ ، وهو يدعوهم إلى الله سبحانه: يا قوم! قولوا: كلمة واحدة، أشهد لكم بها عند الله، كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم، قولوا: لا إله إلا الله! فيقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [فصلت:٢٦] أي: قال بعضهم لبعض: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] أي: الغطوا، واصرخوا، وهيجوا، وقولوا ما تصرفوا به الناس عن النبي ﷺ ، والهوا غيركم عن هذا القرآن: ﴿لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] بذلك، فهم لم يستطيعوا أن يغلبوا النبي ﷺ بالحجة، فأرادوا أن يغلبوه باللغط والصراخ والقول الباطل كلما قرأ القرآن صلوات الله وسلامه عليه. فكان كلما ذهب إلى مكان وجد وراءه من يقول: ابتعدوا عنه لا تسمعوا له إنه مجنون، إنه كذاب، إنه كذا، وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 2918

تفسير قوله تعالى: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً) قال الله سبحانه: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [فصلت:٢٧] أي: جزاءًَ بما صنعوا معه صلوات الله وسلامه عليه، فهم لم يسمعوا له، ولم ينتبهوا إليه، وأعرضوا عنه، وجعلوا غيرهم يعرض عنه صلوات الله وسلامه عليه، فسنذيقهم العذاب الشديد عذاب النار والعياذ بالله، ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٧] أي: أسوأ ما عملوا سيذوقونه يوم القيامة في نار جهنم، فيذوقون أسوأ ما كانوا ينتظرونه من عاقبة.

стр. 2919

تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاء أعداء الله النار) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ [فصلت:٢٨] أي: نار جهنم هي دار هؤلاء يوم القيامة خالدين فيها أبداً ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُون﴾ [فصلت:٢٨]، (يجحدون): الجحد هو الإنكار مع العلم، الإنسان قد ينكر الشيء لأنه يجهله، لكن إذا علم أن هذا يتكلم بالحق ومع ذلك يكذبه فإنه يكون جاحداً، والكفار يعلمون أن الله وحده هو الذي يستحق العبادة، ثم لا يعبدونه ويعرضون عن آياته سبحانه، وهذا هو الجحد، جحدوا بآيات ربهم سبحانه، وكذبوا النبي ﷺ مع علمهم بالحق الذي هو عليه. وللحديث بقية إن شاء الله، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2920

تفسير سورة فصلت [٢٦ - ٣٢] إن اللغو والعبث والسخرية والاستهزاء بآيات الله أسلوب من أساليب الصد عن تبليغ دعوة الله، وقد توعد الله من يستخدم هذا الأسلوب في مواجهة دعوته بالعذاب الأليم، ووعد الله من سمع بهذه الدعوة وبلغها واستقام عليها بأن يتولاه في الدنيا والآخرة.

стр. 2921

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ * إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٢٦ - ٣٠]. في هذه الآيات من هذه السورة الكريمة يبين الله مشاهد للكفار وللمؤمنين، فبين حال الكافر في الدنيا كيف كان يصنع، وفي الآخرة كيف جوزي، وكذلك المؤمن ما الذي صنع في الدنيا، وكيف جازاه الله يوم القيامة؟ هؤلاء الكفار قال بعضهم لبعض: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] نظروا إلى القرآن أنه معجز وعظيم فخافوا على أنفسهم أن تضيع منهم الدنيا باتباعهم للنبي ﷺ ، فكانوا في حماقة وجهل وغباء وبعد عن الله سبحانه، حيث فضلوا الدنيا على الآخرة، ونظروا إلى رئاستهم ومنازلهم في الدنيا ولم ينظروا إلى ربهم الذي أمرهم أن يعبدوه. فقوله تعالى عنهم: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت:٢٦] أي: تكلموا باللغو وبالكلام الباطل الفارغ، واللغو: كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ويلقى مهملاً، من الأقوال والأفعال، فكأنه نصح بعضهم بعضاً وتواصوا فيما بينهم أنه إذا تكلم النبي ﷺ أن يقولوا أي كلام أمامه ويرفعوا أصواتهم بحيث لا يقدر على أن يتكلم ولا يسمعه أحد، فإذا كان المجلس على هذا الحال خرج منه النبي ﷺ إلى مجلس آخر يدعوهم إلى الله فيقفون له بالمرصاد، باللغط واللغو والكلام الباطل حتى يشوشوا عليه فلا يقدر على إبلاغ رسالة ربه صلوات الله وسلامه عليه، يكيدونه ويكيد الله له ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠]، فحاولوا جهدهم أن يمنعوا النبي ﷺ من أن يبلغ رسالة الله ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].

стр. 2922

تفسير قوله تعالى: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً) قال الله : ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٧] فلنذيقن: الفاء للترتيب والتعقيب، وبيان النتيجة عند هذا السبب الذي ذكره الله سبحانه، واللام والنون المثقلة للتوكيد الذي يدل على وجود القسم، فكأنه يقول: والله لنذيقنهم العذاب الشديد، فسوف يرون ويذوقون العذاب ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. وقوله: ﴿عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [فصلت:٢٧] أي: عذاب النار. قال الله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت:٢٧] ولنجزينهم في الآخرة جزاء قبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا، وأسوأ الأعمال التي عملوها الشرك، فيجازيهم الله على شركهم فما دون ذلك من الأعمال، ويجزي على الأقبح ثم على غيره.

стр. 2923

تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاء أعداء الله النار) قال سبحانه: عن الجزاء العظيم الفظيع الذي سيجازى به أعداء الله: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨] فالنار جزاء أعداء الله، أو ذلك الجزاء هو النار، ﴿لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْد﴾ لهم فيها دار الإقامة التي لا يخرجون منها أبداً، أدخلهم الله ناراً مؤصدة مغلقة عليهم، يدورون فيها فترتفع بهم وتنخفض، وتغلي بهم، وتندلق أقتاب بطونهم، حتى إنه يغلي دماغ الإنسان في النار -والعياذ بالله -. ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [فصلت:٢٨] جزاءً وفاقاً؛ لأنهم جحدوا في الدنيا وأنكروا مع اعترافهم في قلوبهم وفيما بينهم أن ذلك هو الحق الذي جاء من عند الله سبحانه، ولكن جحدوا أمام النبي ﷺ ، والجحود إنكار ما هو معلوم أنه حق وصواب.

стр. 2924

تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا اللذين أضلانا) ثم ذكر الله مشهداً من مشاهد يوم القيامة، فبعد أن فعل الكافرون ما فعلوا رجعوا سريعاً إلى الله؛ ليجازيهم على أعمالهم القبيحة السيئة، فانتقل من مشهد في الدنيا إلى مشهد آخر في يوم القيامة، وهو عقوبتهم في النار فقال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [فصلت:٢٩] فالكفار يطلبون من الله، ففي ذلك الوقت عرفوا ربهم، وما كانوا يدعونه في الدنيا إلا إذا نزل بهم الضر، فإذا كانوا في وقت الرخاء لم يطلبوا ربهم ولم يدعوه ، فذكر أنهم قالوا يوم القيامة - متوسلين إلى الله : ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ﴾ [فصلت:٢٩] شياطين الإنس وشياطين الجن الذين أضلونا وأبعدونا عن دين الله سبحانه، وأغوونا في هذه الدنيا عن كتاب الله وسنة الرسول ﷺ ، فأهل النار يريدون أن يفتكوا بمن ضلوهم، ويدوسوهم بأقدامهم في نار جهنم. قال الله عنهم: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾ [فصلت:٢٩] اللذين أي الاثنين، وقرأها ابن كثير بتشديد النون فيها، وبالقصر والتوسط والمد في الياء. وقوله: ﴿نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا﴾ [فصلت:٢٩] أي: ندوسهم بأقدامنا في نار جهنم، ﴿لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] في أسفل نار جهنم وفي قعرها تشفياً؛ بسبب ما صنعوا فيهم! هذا الكلام يقوله الذين كانوا يستضعفون في الدنيا عند الأكابر الذين كانوا يأمرونهم بفعل المنكر وارتكاب المعاصي ويعدونهم بالدفاع عنهم، فكان هؤلاء المستضعفون من الكفار يأمرهم كبراؤهم بالمنكر، وهم بما في قلوبهم من حقد على دين الله ، واتباع للهوى وللشيطان، وبما في قلوبهم من فتنة وحب لما هم فيه من مناصب وغيرها يطيعون هؤلاء الكبراء طاعة عمياء في معصية الله سبحانه ﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٢٦]، فالكفار يبحثون عمن أضلهم من الكبراء الذين اتبعوهم وأطاعوهم في الدنيا، فقالوا: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت:٢٩] هذا مشهد من حال الكفار في النار.

стр. 2925

تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) هنا مشهد آخر للمؤمنين الصالحين الذين دعوا إلى الله يصفهم الله بهذا الوصف الجميل وهو قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] فالمؤمنون الذين قالوا: لا إله إلا الله، وشهدوا لله بالتوحيد وبالرسالة للنبي ﷺ ، وأخلصوا ما في قلوبهم وأعمالهم وأقوالهم لله، وتحلوا بالمتابعة الإخلاص، فتابعوا دين الله ، واتبعوا النبي ﷺ وأخلصوا لله سبحانه، وتوخوا الحق واتبعوه، وقالوا بألسنتهم ووافقت قلوبهم أعمالهم، فاستقاموا على طريق الله سبحانه، ولم يروغوا روغان الثعالب، ولم يذهبوا يميناً وشمالاً، ولم يتحدوا لا مع شرق ولا مع غرب، ولم يطلبوا غير الإسلام، فهو -فقط- الذي يدعون إليه، ولم يتنازلوا عن شيء من أوامر الله سبحانه، وجعلوا الإسلام العظيم شريعة ومنهاجاً للحياة، فإذا فعل الإنسان ما يرضي الله كان مع هؤلاء الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، على دين الله. وإذا وقع في المعصية فالاستقامة أن يبادر إلى طاعة الله ، يقول ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) ولم يقل: إنهم لم يخطئوا، بل إنهم وقعوا في الذنوب، ولكن سرعان ما يفيئون ويعودون إلى ربهم تائبين. جاء سفيان بن عبد الله الثقفي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك، أو أحداً غيرك، فقال النبي ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم) ومقتضى هذه الآية العظيمة: ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت:٣٠] أنهم استقاموا على طريق الهدى. والطريق المستقيم أقصر الطرق إلى الجنة، وهو توحيد الله ، ومتابعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وإخلاص العمل لله. يقول الله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠]، لما استقاموا على الدعوة إلى الله سبحانه، فدعو الناس إلى توحيد الله، فاقتدى الناس بهم في أقوالهم وأفعالهم، متابعين لكتاب الله ولسنة رسول الله ﷺ ؛ قال الله عنهم: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ﴾ [فصلت:٣٠] عند الموت تتنزل عليهم الملائكة وتقول لهم: لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون. إن المؤمن تخرج روحه بعرق الجبين، فقد يشدد عليه عند الموت حتى يكفر عنه ما بقي عليه من سيئات، ولكن مع ذلك فالملائكة تطمئنه وتقول له: لا تخف ولا تحزن فإنك قادم على رب غفور رحيم، اخرجي أيتها النفس الطيبة في روح وريحان، إلى رب غير غضبان، فتخرج روح المؤمن بسهولة، وإن كان قد يعاني ويرشح جبينه عرقاً من شدة الموت فإن ذلك يكفر عنه سيئاته؛ وعندما تخرج الروح تتلقاها ملائكة الرحمة، وتصعد بها إلى السماء ثم تعاد إلى الأرض، ويثبت الله المؤمن بالقول الثابت وهو في قبره، فإذا سئل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك ﵊؟ قال: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلوات الله وسلامه عليه، لقد استقام على ذلك في الدنيا فثبته الله عليه في قبره، ففي الدنيا كان يقول: ربنا الله، فثبت على ذلك في قبره؛ لأنه استقام على دين الله، وأخذ بالدين كله بقوة، واتبع نبيه ﷺ ، فعرف الإسلام بحق، وعمل به، وعرف نبيه ﷺ ، فلما كان في قبره كان جزاؤه من جنس عمله، فقد عرف ربه وحده، فثبت الله لسانه وهو في قبره. قال تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] فالخوف دائماً من المستقبل، والحزن غالباً على الماضي، وهنا لا خوف ولا حزن، فالذي يموت وله عيال صغار تقول له الملائكة: لا تخف إن الله هو الولي الحميد.

стр. 2926

تفسير قوله تعالى: (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال : ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] أي: تولينا أمركم، ولن نترك من خلفتم بعدكم، ولذلك يقول الله : ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء:٩] فالذي يخاف على ذريته من بعده، فليبق لهم ما ينفعهم، وهو تقوى الله والقول السديد، فبصلاح الإنسان يصلح الله ذريته، وبحفظ الإنسان لتعاليم دين الله سبحانه يحفظ الله بيته وأهله وأولاده وذريته من بعده، ويحفظه من أن يفتن في قبره، أو يقع في غير ما يرجوه من عذاب الله . أما من كان فاجراً عاصياًَ لله إذا قيل له في قبره: من ربك؟ قال: هاه هاه لا أدري، وإذا قيل له: من نبيك؟ قال: لا أدري، وإذا قيل له: ما دينك؟ قال: لا أدري، فإذا بين له أن النبي محمد والدين الإسلام يقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فلم يكن يعرف معنى: لا إله إلا الله، محمد رسول الله ﷺ ، فكان بعيداً عن الله يسخر من عباده المؤمنين. هذا هو الفرق بين المؤمن التقي والفاجر الشقي، فالمؤمن يذكر الله أن الملائكة تثبته: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ [فصلت:٣٠] أي: لا تخافوا مما أنتم قادمون عليه، إنكم قادمون على رب غير غضبان عليكم، وعلى رب غفور رحيم سبحانه، ولا تحزنوا على ما تركتم في الدنيا، وعلى ما وقعتم فيها من معاص، فسيغفرها الله لكم باستقامتكم في الدنيا. ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت:٣٠] البشارة: الإخبار بما يسر الإنسان مما سيقدم عليه، فالمؤمن لا يخاف مما سيقدم عليه، ولا يحزن على ما مضى، ويبشر بما يسره وهي الجنة التي كان ربه يعده بها في الدنيا. قال الله : ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [فصلت:٣١] إن الله ولي الذين آمنوا، والملائكة تتولى من تولى الله ، فتطمئنه وتقول له: لا تخف فالله معك ، فتولت المؤمن في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ﴾ [فصلت:٣١] في الدنيا، وكذلك في الآخرة أي: في الآخرة، وما تشتهي أنفسكم أي: كل ما تتمنونه عند الله يعطيكموه. وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] أي: ما تطلبونه من الله يعطيكم إياه.

стр. 2927

ولاية الله للمؤمنين في الدارين قال الله تعالى: ﴿نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢] أي: ضيافةً وكرماً من الله ، والنزل: طعام الضيف النازل إكراماً له، فهؤلاء ضيوف الرحمن فلهم ضيافتهم عند الله، ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢] الذي يغفر فيستر الذنوب ويرحم ويتجاوز عن سيئات عبده، ويكرمه من فضله. نسأل الله أن يغفر لنا وأن يرحمنا، إنه هو الغفور الرحيم، وأن يجعلنا من أهل جنته وأن ينجينا من عذابه ومن ناره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2928

تفسير سورة فصلت [٣٠ - ٣٦] الإيمان والاستقامة سببان في تنزل ملائكة الرحمة على المؤمن عند موته، لتثبيته وتبشيره بالجنة، فهي نزل المؤمنين الصادقين، وليس هناك أفضل ممن دعا إلى الله مع العمل بما دعا إليه والاستسلام لأمر الله، وبالإحسان إلى المسيء يكسب الداعي قلوب العباد، ويضع الله له القبول في الأرض، والاستعاذة بالله من الشيطان حصن للمؤمن من كيده ومكره.

стр. 2929

تفسير قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٠ - ٣٦]. في هذه الآيات يأمر الله عباده بالتخلق والاتصاف بصفات كريمة وعظيمة، أول هذه الصفات: توحيد الله سبحانه والاستقامة على دين الله رب العالمين، والله هو الذي خلق العبد، فلا يكون للعبد أن يعبد إلهاً غيره ، كيف يكون ربه هو الذي خلق والذي رزق والذي أعطى والذي منح والذي أدب وربى، ثم بعد ذلك يعرض عنه ويعبد غيره؟! هذا لا يليق في المنطق العقلي، فلذلك أخبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٣٠] أي: عرفوا أن الرب هو الخالق وهو الإله المعبود وحده الذي يستحق أن يعبد ليس غيره، وكان المشركون يعرفون أن الرب هو الخالق؛ ولذلك إذا سئلوا: من الذي خلق؟ يقولون: الله الذي خلق، وإذا سئلوا: من تعبدون؟ يقولون: نعبد غيره ، لم لا تعبدون الله؟ قالوا: ما نعبد هؤلاء إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فيزعمون أنهم لا يتوجهون مباشرة إلى الله؛ لأنهم ليسوا أهلاً لذلك، وحقيقة الأمر أنهم لا يعبدون الإله الواحد الذي خلقهم سبحانه؛ لكونهم يعرفون أنهم إذا عبدوا إلهاً واحداً وهو الله سبحانه سيتوجهون عن طريق النبي ﷺ إلى ربهم سبحانه، فيعرفون ما الذي شرعه لهم عن طريق النبي ﷺ ، فيقول لهم: هذا أحله الله، وهذا حرمه الله، افعلوا كذا، ولا تفعلوا كذا، فصارت القيادة في زعمهم وظنهم للنبي ﷺ ، وهم لا يريدون ذلك، فقد كان في قلوبهم الحسد للنبي ﷺ ؛ لأن الله اصطفاه واختاره نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه، فبعدهم عن التوحيد سببه من هذا الباب. فكل إنسان بمزاجه وبحسب ما يريد يعبد الإله الذي يريد، فيصنع تمثالاً من حجر، أو تمثالاً من شجر، أو تمثالاً من مدر، فيعبدون غير الله، حتى لا يتحكم فيهم بزعمهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، أما المؤمنون فعرفوا طريق الله سبحانه وعرفوا كيف يرضون الله عن طريق النبي ﷺ الذي يأتيه الوحي من السماء، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء:٢٦]، فيعرفون ما الذي يريده الله بأمره، فينبئهم ويخبر الخلق فيتبعون هدي النبي ﷺ فيعبدون الله على بصيرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨] أي: أنا والمؤمنون على بصيرة أتت من عند الله ، فهو الذي يهدي وهو الذي يبين . فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فصلت:٣٠] فعبدوا الله واستيقنوا في قلوبهم أنه وحده الذي يستحق أن يعبد، ففعلوا ذلك توجهوا إليه من أقصر، طريق، وهو الطريق الذي يريده الله طريق الاستقامة على هذا الدين، الذي جاءنا عن طريق النبي ﷺ ، فأخلصوا لله سبحانه ووحدوه بالعبادة، وتابعوا هدي النبي ﷺ في هذه العبادة، فهم مؤمنون مستقيمون لم يروغوا ولم يلتفتوا عن دين الله إلى غيره، فهؤلاء يستحقون من الله أن يكرمهم في الدنيا، وأن يعلمهم وأن يهديهم وأن يوفقهم لطاعته، وأن يدلهم على سبيله وطريقه، وأن يثبتهم عليه ؛ ولذلك في وقت وفاتهم تتنزل عليهم الملائكة وتقول: لا تخافوا ولا تحزنوا نحن كنا معكم في الدنيا بأمر الله ، والآن نعينكم في هذا الوقت الذي أنتم فيه، فيثبتكم الله بالقول الثابت وينور لكم قبوركم، كما نور لكم قلوبكم في هذه الدنيا. قال تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت:٣٠] إن المؤمن وهو في قبره يثبته الله ، إذ يأتيه عمله الصالح فيحيط به من صلاة وصوم وغير ذلك، فإذا بملائكة العذاب لا يقدرون له على شيء، فإن الله قد عصمه وقد عافاه وقد نجاه سبحانه، فإذا بملائكة الرحمة تقول له: انظر هذا منزلك في الجنة، يقول: يا رب أقم الساعة كي أعود إلى أهلي ومالي، يقول ذلك من فرحته، فيقال له: نم نومة العروس التي لا يوقظها إلا أحب الناس إليها، فيطمئن في قبره، كما يكون قبره روضة من رياض الجنة، فالله ثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وبشرته الملائكة بجنة الله .

стр. 2930

تفسير قوله تعالى: (نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾ [فصلت:٣١] أي: لكم في الآخرة ما تشتهي أنفسكم في الجنة، فيها مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة! إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، فينعمون بالجنة.

стр. 2931

تفسير قوله تعالى: (نزلاً من غفور رحيم) من فضل الله سبحانه وكرم الله سبحانه أنه يعد لهم نزلهم، قال تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:٣٢] يعد لهم ضيافتهم، فيصيرون إلى الجنة جنة الخلود، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.

стр. 2932

تفسير قوله تعالى: (ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً) ثم يذكر الله لنا صفات هؤلاء الذين وحدوا الله سبحانه وعبدوه واستقاموا على دينه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] قول بعد اعتقاد في القلب اعتقاد توحيد الله ، وفي اللسان: قول لا إله إلا الله والتوكل على الله ، والإحسان إلى الخلق، فأحسنوا باعتقادهم وأحسنوا في معاملتهم فاستحقوا من الله الإحسان، بل الحسنى وزيادة. قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي: كل من دعا إلى الله ، ولذلك المفسرون من الصحابة ومن بعدهم اختلفوا في ذلك، لكن الخلاف الذي بينهم خلاف تنوع وليس خلاف تضاد، فمنهم من يقول: الداعي هو محمد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا صحيح ولا يمنع أن يكون غيره يدعو إلى الله ، ومنهم من يفسر ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت:٣٣] أنه المؤذن، يدعو إلى الله، فينادي الناس للصلاة، وهذا صحيح ولا يمنع أن يكون غيره كذلك داعياً إلى الله، والصواب في ذلك: أنه كل من دعا إلى الله ، وإمام الدعاة وسيدهم نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فهو خير من دعا إلى الله ، وكذلك أصحابه جاهدوا في سبيل الله، فدعوا الخلق إلى الله، وكذلك من يدعو الناس إلى الصلاة ويدعو الناس إلى الزكاة ويعلم الناس دينهم، فكل من يدعو إلى طريق الله داخل تحت هذه الآية ((وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ)) أي: أحسن الأقوال وأحسن الفعال ما كان نتيجته استجابة لدين الله ودخول في دين الله ؛ ولذلك يقول النبي ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لكم من حمر النعم، وخير لك مما طلعت عليه الشمس) فإذا دعوت إلى الله سبحانه لا تطلب دنيا، وإنما تطلب الآخرة، فلك أجر عظيم عند الله، فالداعي إلى الله يطلب الآخرة، وجنة الرضوان أعظم ما يطلبه الإنسان، وإذا طلب رضا الله أعطاه الله الدنيا والآخرة، وإن لم يعطه فيها ملكاً أعطاه رضاً في قلبه عن دين الله سبحانه وعن أمره، وأعطاه من يحبه من خلق الله ، وإذا أحب الله عبداً نادى جبريل فقال: (إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبونه ويوضع له القبول في الأرض)، هذا جزاء في الدنيا قبل الآخرة. فلابد من الاعتقاد أن التوحيد هو قول لا إله إلا الله، والدعوة إلى الله في كل وسيلة وكل طريق والعمل الصالح، فلا يقول: أنا أدعو الناس يعملون ويكفي، بل لابد أن يكون عمله مؤيداً ما يقول لسانه ويعتقده قلبه. قال تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣] سمانا الله هذه التسمية الجميلة العظيمة المباركة: مسلم، فلا نبتغي بديلاً عن هذه التسمية العظيمة، نحن من المسلمين، ملة أبينا إبراهيم، والله سمانا المسلمين من قبل، فأجمل ما تتسمى به قولك: أنا مسلم، أي: مستسلم لله ، مسلم نفسي وقلبي وبدني، وموجه وجهي إليه ، هو يأمرني وأنا أطيعه، هو ينهاني وأنا أفعل ما يقوله ، فأجتنب ما حرم وأفعل ما أمرني أن أفعله. إذاً: الذي يدعو إلى الخالق وإلى دينه يستشعر أنه عبد وأنه من المسلمين، فلا يستشعر أنه متطاول على الخلق، يدعوهم لأن له عليهم سلطان، فهو يستشعر في العبودية لله سبحانه أنه عبد يطيع ربه سبحانه، فيدعو الخلق إلى الله لينجو هو وينجو الخلق من عذاب الله يوم القيامة.

стр. 2933

تفسير قوله تعالى: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أعظم الحسنات التوحيد، وأقبح السيئات الشرك، ولا يستوي التوحيد مع الشرك بالله ، ولا تستوي الطاعة مع المعصية، ولا يستوي الإيمان مع الكفر، ولا يستوي العمل السيئ مع العمل الصالح، ولا يستوي المؤمنون مع الكافرين. قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت:٣٤] يأمرك الله سبحانه أن تدفع خصمك ومن يعاديك بالحسنى، فأحسن إلى الخلق كي تستجلب مودتهم، فالإنسان يستعبده الإحسان إليه، قد يسيء إليك فتحسن إليه فتقل إساءته، ثم تحسن إليه فيستحي منك، فالإحسان إلى الخلق يستعبد الخلق، وهذا الذي يأمرنا الله . فالله خالق كل شيء، خلق الشياطين وخلق الإنس وخلق الجان وخلق غيرهم، لك أعداء من الإنس، ولك أعداء من الجن، وعدوك من الإنس أنت تراه، وعدوك من الجن أنت لا تراه، فالله يعلمك: كيف تتعامل مع أعدائك، وكيف تدفع هؤلاء الأعداء من الإنس، يقول: ((ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)) وليس المعنى: أنك تترك الجهاد في سبيل الله ، ولكن ابدأ بذلك فأَحسِن وتَأَّلف الخلق لعلهم يدخلون في دين الله ، فتألف عدوك لعله يستجيب يوماً من الأيام، فتكسب بذلك إنساناً دخل في طاعة الله ، والإنسان بالرفق في دعوة الخلق يجذب إلى دين الله أكثر بكثير ممن يدعو بالقوة وبالبطش وبالعنف؛ ولذلك ما كان الإحسان في شيء إلا زانه، وما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه. قال تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] إن صفة الدفع بالتي هي أحسن أن تتعامل مع خصمك الذي يسيء إليك بالإحسان لا المكافأة، وإلا فمن أين يكون الفضل لما يكون الأمر على ذلك؟! ولكن عامل الناس بخلق حسن كما قال النبي ﷺ : (أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن) وهذا من أجمل ومن أعظم الأخلاق أنك تكون كريماً حليماً في أخلاقك، إذا أساء إليك إنسان لا تدفع السيئة بالسيئة ولكن ادفع السيئة بالحسنة، وعود نفسك العفو والصبر على الإساءة إليك. فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] هذه النتيجة، والذي يخبر عن السبب وعن النتيجة هو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] فالله أعلم بقلوب الخلق، وما الذي يجذبها وما الذي ينفرها، ولذلك قال لنبيه ﷺ ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩] والأصل: فبرحمة من الله، ولكن لتعظيم هذه الرحمة قال: (فبما) أي: بأي شيء؟! برحمة عظيمة من الله أعطاكها فصرت طيباً مع الخلق ليناً هيناً صلوات الله وسلامه عليه. قال: ((وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ)) هذا يقال للنبي ﷺ ، لو كان فضاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله، فكيف بغيره ﵊؟! فيتعلم العبد المؤمن اللطف واللين ولو مع من أساء إليه، حتى لو قال الناس: إنك ضعيف، فلابد أن تعود نفسك الصبر والحلم إلا إذا كان في حد من حدود الله، فقد كان النبي ﷺ يحلم ويصبر إلا في حد من حدود الله، فكان يقيم حدود الله صلوات الله وسلامه عليه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ﵊. فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] أي: ما كان بينك وبين مسلم، وبينك وبين فاجر، وبينك وبين إنسان عداوة إذا أحسنت إليه يصير في النهاية كالولي الحميم، والولي: من الولاية والقرابة، أي: القريب، يعني: كأنه قريبك بعد ما كان بعيداً عدواً صار قريباً منك وقريباً لك وحميماً محباً.

стр. 2934

تفسير قوله تعالى: (وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [فصلت:٣٥] أي: ما يلقى هذه الخصلة الطيبة إلا الإنسان الذي تعلم وتمرن على الصبر والحلم، وما يلقى هذه الخصلة العظيمة وهي العفو عن الإساءة إلا الإنسان الصابر. قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥] أي: الذي تعلم أنه يعفو ويصفح ويدفع بالتي هي أحسن هو الإنسان الذي له حظ وقدر عظيم عند الله سبحانه، وأجر عظيم جميل عنده سبحانه.

стр. 2935

تفسير قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] هذا عدوك من الجن الذي لا تراه كيف تتعامل معه وأنت لا تراه؟ ففي هذه الحالة ليس لك إلا سبيل واحد وهو أن تلجأ إلى ربك سبحانه، بأن تتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهذا أقصر طريق تدفع به ذلك، ويضربون المثل بذلك: أن الكلب يهجم عليك كلما مررت من عنده، فأفضل طريقة لدفع الكلب أن تذهب إلى صاحبه وتطلب منه أن يحبسه، كذلك الشيطان ما لك طريق معه وأنت لا تراه حتى تقاومه، ولكن تلجأ إلى ربك الذي خلقه وتقول: يا رب أجرني منه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فهذه هي الوسيلة حتى تدفع عنك شر الجن، وهي بأن تتعلم ذكر الله سبحانه وتتعوذ بالله! فتقول أعوذ بالله أي: ألوذ وألجأ وأستغيث وأستعصم وأستنصر بالله حتى يمنع هذا الشيطان عني. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2936

تفسير سورة فصلت [٣٦ - ٣٨] خلق الله الكون بما فيه بقدرته العظيمة القاهرة، وأخضع كل شيء له سبحانه ﵎، وخلق هذا الإنسان وشرفه وكرمه على سائر مخلوقاته، وأمره بعبادته سبحانه وحده، وأخبر أنه إن استكبر الإنسان فإن لله ملائكة لا يحصيهم عد لا يستكبرون عن عبادته، ويعبدونه حق عبادته، ولا يعصونه .

стр. 2937

تفسير قوله تعالى: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعد بالله) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٦ - ٣٨]. في هذه الآيات يخبر الله سبحانه ﵎ العباد عن كيفية مدافعة الشيطان وطرد وسوستة عن أنفسهم بعد أن ذكر كيف ندفع بالتي هي أحسن السيئة، في قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]، فأخبر أنك تدفع الإنسان العدو بالحسنى؛ لعل الله يؤلف قلبه، والنبي ﷺ علمنا بحسن خلقه وبما علمه من ربه سبحانه ﵎ أن ندفع كيد الإنسان بالتي هي أحسن، قال الله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون:٩٦]، وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤] فيتعامل المؤمن مع غيره بالرفق قدر المستطاع، ولعله يؤجر على الرفق الأجر العظيم من الله سبحانه ﵎، وليس المعنى أن الإنسان يذل نفسه أو يتنازل عن حقه إذا كان مظلوماً ولا يقدر أن يأخذ حقه، ولكن المعنى: أن الإنسان يحسن إلى من أساء إليه، فإذا أساء إليك إنسان في وقت وقدرت أن تنتصف منه وأن تنتصر عليه فلك خياران: إما أن تفعل وتنتصر ولا شيء عليك، وليس عليك من سبيل في ذلك، وإما أن تعفو وتصفح مع قدرتك عليه، فهذا أعظم لك في الأجر عند الله سبحانه ﵎. فإذا انتصرت فإن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١]، فإذا ظلمت فانتصرت من الذي ظلمك فلا سبيل عليك ولا حرج ولا إثم، ولكن إذا عفوت فالعفو أعظم في الأجر عند الله سبحانه ﵎ قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [آل عمران:١٨٦]، وقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣]. إذاً: معاملتك للإنسان الذي هو خصم لك إن لم يكن في حد من حدود الله لك أن تعفو ولك أن تنتصر فإذا كان في حد من الحدود فليس لك أن تعفو عن حد من حدود الله سبحانه ﵎، وعليك أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، ولا تسكت على منكر, ولا تسكت على باطل. وإذا كان الشيطان ينزغ ويوسوس للإنسان، فقد علمنا الله أن نتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال هنا سبحانه: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] وقال: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف:٢٠٠]، ومعنى قولنا: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أي: ألجأ وألوذ وأستغيث وأستعصم بالله سبحانه من كيد الشيطان. ومن أعظم الأشياء التي تؤلف بين قلوب المؤمنين أن تسلم على صاحبك، فإذا كان بينك وبين إنسان شيء ومررت عليه فالق ﵇، فهذا خير عظيم وتؤجر عليه، فإذا قلت له: السلام عليك فتؤجر عشر حسنات، وإذا قلت: السلام عليك ورحمة الله، فتؤجر عشرين حسنة، وإذا قلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته فتؤجر ثلاثين حسنة. وكذلك التسليم مع المصافحة تؤجر عليه هذا الأجر وأيضاً تتساقط الذنوب من بين أيديكما فقد جاء في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجة من حديث البراء ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان، يعني: يأخذ أحدهما بيد صاحبه، قال: فلا يتفرقان إلا وقد غفر الله لهما، أو قال: فتتساقط الذنوب من بين أيديهما). فإذا سلمت على صاحبك ومددت يدك إليه مسلماً مصافحاً محباً له، فقد بدأت بالحسنى، فتكون النتيجة كما ذكر النبي ﷺ أن الذنوب تتساقط من بين أيديكما. وقال ﷺ : (ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينك) فالسلام يجلب المودة والمحبة بين المسلمين، والتسليم يرفع الشحناء والعداوة والبغضاء التي في القلوب، والإنسان الذي يمر على الآخر ولا يسلم عليه قد يُحدث في نفسه شيئاً فيعامله بالمثل. فالتسليم يرفع عن قلب الإنسان ما فيه من شحناء وغضب وبغض وكراهية كما قال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. فإذاً: من ضمن الدفع بالتي هي أحسن أن تسلم على أخيك. وقد أمرنا النبي ﷺ بإفشاء السلام، وأخبرنا بأن من علامات الساعة أن الإنسان يدخل المسجد ولا يصلي فيه، ولا يسلم إلا على من يعرف، فمن علامات الساعة أن الإنسان يدخل المسجد يتحدث، كما تجد الكثير من الناس اليوم يدخلون المسجد يسألون بعض الأسئلة ثم يخرجون ولا يصلون. أو يدخلون الجنازة إلى المسجد ويخرجون ينتظرون إلى أن ينتهي الناس من الصلاة عليها ويمشون مع الجنازة إرضاء لأهلها، ولا يرضون ربهم سبحانه ﵎ في ذلك. فمن علامات الساعة: أن يمر الرجل بالمسجد ولا يصلي فيه، ومن علاماتها: ألا يسلم إلا على من يعرف، ومن لا يعرفه لا يسلم عليه، فيجلس المسلمون متنافرين، ولا يعرف أحد أخاه، وقد خلق الله العباد وجعلهم شعوباً وقبائل ليتعارفوا فيما بينهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. والغرض: أن النبي ﷺ علمنا أن من مقومات وجود المحبة بين قلوب المؤمنين: الصفح والعفو وإفشاء السلام بينهم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت:٣٦]، النزع: أدنى الحركة، فنزغ بمعنى: تحرك حركة بسيطة جداً، فيكون معنى الآية: إما يستفزنك من الشيطان شيء ولو كان شيئاً بسيطاً جداً من وسوسة الشيطان، ليصدك بها عن أن تعفو عن صاحبك، كأن يدخل في نفسك ويقول لك: ولماذا تعفو عنه؟ وهل أنت ضعيف؟ فاذهب واضربه وافعل فيه كذا وكد له، فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وتعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وأتى سبحانه هنا بهذين الاسمين السميع والعليم، أي: أنه يسمع ما تقول، ويعلم ما تخفيه في قلبك من ناحية أخيك، ويعلم ما ألقاه الشيطان من وسوسة في قلبك حتى تنتقم ممن أساء إليك، وتبتعد عن مقام العفو عنهم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ [فصلت:٣٦]، أي: أدنى وسوسة من الشيطان فأعرض عنه، والجأ إلى من خلقك وهو الله سبحانه، وقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت:٣٦] أي: السميع الذي يسمع كل شيء، والعليم الذي يعلم كل شيء من أقوال وأفعال ونوايا.

стр. 2938

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته الليل والنهار) قال الله سبحانه ﵎: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧]، فالله سبحانه ﵎ هو الذي علمك العفو، وهو يقول لك سبحانه: إنه يعفو عن خلقه مع إجرامهم في حقه سبحانه ومع ذنوبهم العظيمة وكثرة خطاياهم إلا أنهم إذا تابوا إلى الله فإن الله يتوب عليهم سبحانه ﵎، والله هو السميع الذي يسمع ما يقوله العباد، وهو العليم الذي يعلم ما يفعلون، وهو القادر على أن يعاقبهم، ومن آيات قدرته سبحانه ﵎ أنه خلق السموات والأرض، أفليس بقادر على أن يعاقب هؤلاء، وقد سمع ما قالوا، وعلم ما نووا وفعلوا؟! ومع ذلك يتجاوز ويعفو ويصفح عنهم، فاعف أنت أيضاً، وهذا من جمال الترتيب في هذه الآية، فقد ذكر لك مقام العفو، وأنك إذا عفوت لم ينقص ذلك من قدرك، وقد قال النبي ﷺ : (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله) فلما ذكر مقام العفو، وأن الشيطان إذا نزغ فاستعذ بالله القادر الذي يسمع ويعلم ويقدر عليك وعلى خصمك وعلى الشيطان، عقبها بذكر قدرته على خلق السموات والأرض، فهو الذي خلقهما، فانظر في آياته لتعرف قدرته سبحانه ﵎ العظيمة. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [فصلت:٣٧] أي: ومن علامات قدرته ومعجزاته سبحانه، ﴿اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت:٣٧] فقد خلق الليل وخلق النهار كل منها عكس الآخر، وخلق الشمس والقمر بحسبان، أي: يجريان بحساب. قال سبحانه: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾ [فصلت:٣٧] أي: احذروا أن تسجدوا للشمس والقمر كما فعل الكفار ذلك، فسجدوا للشمس، وقالوا عنها: إنها إله تستحق العبادة، وهي مخلوق خلقها الله سبحانه ﵎، وكذلك القمر آية من آيات الله، خلقه سبحانه لتعرفوا قدرة الله سبحانه ﵎، لا لتعبدوها من دونه سبحانه. قال تعالى: ﴿لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت:٣٧] فإن الشمس مخلوقة مسخرة، والقمر كذلك. قال تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت:٣٧] أي: الإله المعبود الحق سبحانه ﵎، فهو الذي خلقهن، وخلق السموات والأرض وخلق الليل والنهار، وخلق البلاد والعباد، وخلق كل شيء. قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت:٣٧] أي: إن كنتم تبعدون الله حقاً، وإذا عرفتم أنه الرب الخالق الذي يستحق أن يعبد وحده، فهو الرب، وهو الإله سبحانه ﵎، فإذا عبدتموه فوحدوه وحده ولا تشركوا به أحداً.

стр. 2939

تفسير قوله تعالى: (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له) قال تعالى: ﴿فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] أي: عن ذلك، وعن عبادة الله سبحانه، ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] الإنسان مخلوق ضعيف حقير، خلقه الله من تراب ومن نطفة، ثم كرمه الله لا لأصل خلقته، ولا لأنه أصلاً شريف، فهو مخلوق من طين ومن تراب ومن شيء يستقذره الإنسان، ويطأه بقدميه، فقد خلق من نطفة يستقذرها فيغسلها، فهو ليس شريفاً بأصل خلقته، وإنما الله سبحانه ﵎ هو الذي شرفه وكرمه، فإذا أبى أن يعبد الله حقره الله ورده إلى أسفل سافلين والعياذ بالله بعد أن كرمه وسواه وعدله، فإن استكبر عن عبادة الله ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت:٣٨] يعني: الملائكة، والخلق الذين عند الله سبحانه، ﴿يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [فصلت:٣٨]. وعدد ملائكة الله سبحانه ﵎ لا يحصى، قال النبي ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا فيها ملك قائم أو راكع أو ساجد). قوله: (أطت السماء) من: أط السقف، بمعنى: أنه كاد يهوي من الثقل الذي عليه، فقد بدأ يهتز ويكاد أن يقع وينشق، (أطت السماء) أي: كادت السماء أن تهوي، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، فالسموات ثقيلة، وفيها ملائكة لا يحصي عددهم إلا الله سبحانه ﵎، فمن ثقل الملائكة تئط السماء مثل السقف الذي يهتز ويكاد أن يهوي، ولكن الله يمسكها أن تزول من ثقلها، وقد خلقها الله، ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، وكذا الملائكة يعبدون الله سبحانه بالليل وبالنهار ويسبحونه وينزهونه ويقدسونه سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت:٣٨] أي: لا يتعبون، ولا يملون من عبادة الله سبحانه ﵎، وخلقهم الله وكرمهم، وهم مخلوقون من نور بأصل خلقتهم، فهم مكرمون عند الله سبحانه ﵎. وهذه الآية إشارة إلى أنه ينبغي ويجب على العباد أن يسجدوا لله سبحانه ﵎، كما تعبده الملائكة ويسجدون له، وأن يخشعوا لله سبحانه كما أن الملائكة تسجد وتخشع، والسموات والأرض كذلك، ولذلك عقبها بقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت:٣٩]، فخشعت السموات وخشعت الأرض لله سبحانه ﵎، وسجد كل شيء كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج:١٨]. وهذه الآية إحدى سجدات القرآن، وسجدات القرآن كلها متأكدة الاستحباب، مع الاختلاف الذي في سورة ص بين الشافعي والجمهور، والغرض: أن هذه إحدى السجدات التي في القرآن، والتي يستحب لمن قرأها أن يسجد إذا كان في وقت سجود، وليس في أوقات الكراهة أو التحريم، سواءً كان في الصلاة أو في غير الصلاة والله أعلم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2940

تفسير سورة فصلت [٣٩ - ٤١] من آيات الله سبحانه إحياء الأرض بعد موتها، وكذلك يحيي الله الموتى ويبعثهم، والذين ينكرون آيات الله لا يخفون على الله، بل لقد أعد لهم عذاباً أليماً يوم القيامة؛ لأنهم كذبوا بالله وبرسوله وبكتابه.

стр. 2941

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٣٩ - ٤١]. يخبر الله عن آياته العظيمة، فهو الذي خلق السموات والأرض وجعلهما آيتين للعباد، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، وهو الذي خلق كل شيء من أصغر الأشياء إلى أكبر وأعظم الأشياء، قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ، ففي كل شيء إعجاز، في خلق أصغر شيء، وفي خلق أكبر الأشياء، قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] وذكر من آياته العظيمة فيها: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٢٨ - ٣١]، فجعل هذه آيات للعباد لمن يتذكر ولمن له قلب. من آيات الله العظيمة الأرض هذه التي نسير عليها فهي من بعض آيات الله في هذا الكون العظيم، فأنت ترى الأرض خاشعة هامدة يابسة، وهذه الأرض الخاشعة إذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت:٣٩] كأنك تسير فوق الأرض في الصيف في حال الجفاف، وترى هذه الأرض ساكنة لا تهتز، وهي أمامك أرض يابسة لا نبت عليها إلا ما يشاؤه الله ، ثم إذا نزل عليها المطر من السماء جعل الله لكم آية حتى تقيسوا على ذلك إحياء وإخراج الموتى يوم القيامة فجأة تهتز الأرض وتربو الأرض ويخرج منها النبات، فالذي أحيا هذه الأرض أليس ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. فمن آياته العظيمة أنك ترى الأرض اليابسة الخاملة الساكنة الساكتة ينزل الله عليها المطر من السماء فتهتز وتربو، والأرض فيها كائنات ومخلوقات لا تراها بعينك، والله يعلم عنها كل شيء، فهو الذي خلقها بداخل هذه الأرض، يقول العلماء: إن في الأرض أشياء كثيرة جداً من البكتريا والفطريات والطحالب والبذور والسيقان الأرضية والبصلات والبصيليات وحويصلات فيها ديدان وحشرات وجراثيم وأشياء موجودة بداخل الأرض وهي ساكنة ساكتة، هذه الأشياء تعيش تحت الأرض في سبات عميق لا توجد مياه نازلة عليها فهي لا تتحرك محافظة على أنفسها في هذه الحالة الساكنة، وتنخفض فيها العمليات الحيوية إلى أدنى معدل فيها، فلا حركة موجودة في هذه الأشياء، فالأرض هامدة ساكنة وما بداخلها كذلك هامد ساكن، بعد ذلك ينزل المطر من السماء على هذه الأرض، فتمتص الأرض هذه المياه النازلة من السماء، فتبدأ الحركة في الأشياء الموجودة بداخل هذه الأرض، الجراثيم تتحرك، والبكتريا والطحالب والديدان والحويصلات والبويصلات والبصلات والسيقان الأرضية والجذور وكل شيء بداخل هذه الأرض يتحرك، وتحصل عملية حيوية عظيمة جداً بداخل الأرض؛ لتنتفع أنت منها بعد ذلك مما يخرج الله من النبات، والبذور الموجودة بداخل الأرض ساكتة، ولما ينزل عليها الماء تهتز وتتحرك بداخل هذه الأرض، وتسري فيها الحياة وتهتز الأرض بحركة ما بداخلها، ملايين الملايين من الكائنات الموجودة داخل الأرض كل منها يأخذ رزقه ويبدأ في الحركة، فإذا بالأرض تهتز وتتحرك وتربو الأرض وتنتفخ وترتفع. يقول العلماء: تبدأ عمليات الانقسام بداخل الأرض، إذ إن الكائن الذي بداخلها ينقسم إلى اثنين وإلى ثلاثة وإلى أربعة انقسامات خلوية يعلمها الله سبحانه ويدبر أمرها، فيبدأ امتصاص الماء بداخل الأرض، وتحليل الغذاء الذي كان معقداً إلى مواد بسيطة ينتفع منها النبات. يقول العلماء: بعد ذلك تبدأ عملية التأين العجيبة في جزيئيات التربة، إذ تتجمع الجزيئيات في جزيئيات التربة، وتنشط الديدان الأرضية في شق الأنفاق الأرضية وتأكل تربة الأرض وتخرجه تربهً أخرى أقل تعقيداً مما كانت قبل ذلك، وتبتلع كميات هائلة من التراب المتناسق المعقد، وتخرجه تربة خصبة طيبة مفككة، وتزداد التربة في حجمها فإذا بالتربة الأرضية تعلو، والتراب المتحجر أخذتها هذه الديدان وأخرجتها تراباً نقياً، كان متجمعاً فصار مفتتاً؛ فربت الأرض وانتفخت وعلت، كما ترى في العجين حين تأخذ الدقيق وتسكب عليه الماء وبعد ذلك تغطيه وتتركه فيتخمر ويربو ويعلو، ولعله يفيض من الحلة وينزل، كذلك الأرض يجعلها الله فتربو وتنتفخ ثم تخرج ثمارها فينتفع الإنسان بذلك. قال : ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] (ربت) بمعنى: علت هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: (وربأت) بمعنى: انتفخت وعلت. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] أي: كهذه الحياة التي دبت في الأرض بقدرة الله سبحانه ولم تتدخل أنت فيها، فالله على كل شيء قدير، كذلك يأمر من في القبور بالخروج إلى البعث والنشور فيحييهم الله للجزاء وللجنة أو للنار. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

стр. 2942

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] لحد في الشيء بمعنى: مال، يَلْحد الإنسان بمعنى: يميل، يصير مائلاً عن هذا الشيء ويُلْحِدُ كذلك، فالمعنى نفسه في الفعل الثلاثي والرباعي، والأصل في الإلحاد: الميل والزيغ والعدول عن الشيء إلى غيره، وهذه تُقرأ بالفعل الثلاثي والرباعي، قرأها حمزة: (إن الذين يَلحِدون في آيتنا)، وقرأها الجمهور فعلاً رباعياً: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)) بمعنى: يميلون عنها ويزيغون عن الحق الذي أتيناهم به، يلحدون بالإعراض وبالتكذيب في آيات الله واتهام النبي ﷺ ، وبتأويل آيات الله على غير ما يريده الله . ولذلك العلماء يقولون في هذه الكلمة (يلحدون): نزلت في المشركين ومنهم أبو جهل وغيره من الذين كذبوا النبي ﷺ وكذبوا بما جاء به ومالوا عن الحق إلى الباطل، فهم يلحدون في دين الله ، ولما قالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] فإن هذا من الإلحاد والمشاقة والعناد، فهم يلحدون في آيات الله ، ويوصي بعضهم بعض باللغط إذا تكلم النبي ﷺ ، فيهجرون فلا يسمع أحد ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء لا يخفون على الله، والمعنى فيه ما فيه من التهديد من الله والوعيد لهؤلاء، أي: انتظروا وسترون ما الذي نصنعه بكم! قال تعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] أي: نحصي عليهم كل شيء يقولونه ويفعلونه، وليس هباءً ولا سدى، ولكن لنجازيهم يوم القيامة ونحاسبهم على ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت:٤٠] أي: الذي يُلقى ويقذف في نار جهنم والعياذ بالله لا قيمة له، بل هو بمنتهى الإهانة والتحقير، يؤخذ كالدابة ويلقى في نار جهنم، هل هذا خير أم الذي يأتي يوم القيامة ويؤمنه الله من العذاب الأكبر ومن الفزع الأكبر؟ قال النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فقوله: (فاصنع ما شئت)، فيه من التهديد ما فيه، يعني: انتظر العقوبة على ذلك واعمل الذي تريده، وسترى عقوبة الله التي تنزل بك، وكذلك هنا: (اعملوا ما شئتم) ليس المعنى: أن الله يدعوهم إلى الباطل حاشا له سبحانه! ولكن هم أصروا على الباطل، فالمعنى: استمروا فيما أنتم عليه، وسترون ما يأتيكم من عذاب الله ، وهذا تهديد من الله. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] إنه يراكم ويحصي عليكم، فلا تخفون عليه .

стр. 2943

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١] فالذين يلحدون في آيات الله وهم الكفار عبر الله عنهم بأنهم يلحدون في آيات الله ويعرضون عنها ويميلون عنها، ويدعون غيرهم إلى عدم سماع ما يأتي به النبي ﷺ ، وكذلك يكفرون بهذا القرآن، فيكذبون ما فيه من ذكر الله ، وأنه مستحق للعبادة وحده، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فكذبوا وقالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] الذكر هنا بمعنى: القرآن، أي: إن الذين كفروا بهذا القرآن العظيم لما جاءهم من النبي ﷺ . ((وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)) أي: كتاب الله العظيم العزيز، العزيز: الغالب الذي لا يغالب مهما أرادوا أن يأتوا بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقد غلبهم القرآن وقهرهم، ولما أرادوا أن يلحدوا فيه وأن يحرفوا الكلم عن مواضعه حفظه الله وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولما أرادوا أن يدخلوا على النبي ﷺ ويلبسوا عليه إذا بالله يعصمه ويحفظه، فالقرآن غالب مهما أرادوا أن يجادلوا بالباطل، قهرهم كتاب الله سبحانه وامتنع عليهم أن يدخلوا فيه شيئاً من باطلهم وإنه لكتاب عزيز، وكم أراد هؤلاء الكفار من عهد النبي ﷺ إلى أن تقوم الساعة أن يلحدوا في آيات الله سبحانه وأن يحرفوا وأن يبدلوه، ولا تزال طائفة من أمة النبي ﷺ على الحق ظاهرين ينصرهم الله بهذا القرآن العظيم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وقد أراد المشركون تبديل كلام الله سبحانه، فالقرآن عزيز ممتنع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وفي كل عصر من العصور يوجد من يريد أن يلقي شيئاً في هذا القرآن العظيم ويرده الله سبحانه مدحوراً، حتى في زماننا أراد هؤلاء الكفرة الملاعين أن يلغوا آيات من كتاب الله، وأمروا المسلمين في بلادهم ومنافقيهم بإلغاء آيات الجهاد، وأنهم سينزلون مصحفاً جديداً مكان هذا المصحف ليس فيه هذه الآيات، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل قهرهم الله وأذلهم وأرانا فيهم الآيات. نسأل الله أن يخرب عليهم بيوتهم وديارهم كما خربوا ديار المسلمين، وأن يلعنهم الله وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2944

تفسير سورة فصلت [٤١ - ٤٤] يكذب الكفار بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه الدعوة إلى تحقيق كلمة لا إله إلا الله، وهي دعوة جميع الأنبياء، وقد أنزل الله هذا القرآن بلسان عربي مبين، وجعل فيه هدى وشفاء للمؤمنين، ومن أعرض عنه كان من الضالين التائهين.

стр. 2945

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٤]. يخبر الله سبحانه ﵎ عن الذين يكفرون بهذا القرآن العظيم ويلحدون في آيات الله سبحانه ﵎ فيكذبون ويشاقون ويميلون عن الحق الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، ويزيغون عنه، فهو عليم بهم، ولا يخفون على الله سبحانه ﵎، وقد أعد لهم العذاب الأليم يوم القيامة، فقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت:٤١]. الذكر هو القرآن العظيم، فإن فيه ذكركم وشرفكم، وفيه ذكر الله سبحانه ﵎، وفيه ذكر ما يريده الله منكم من خير، وفيه ذكر الجنة وذكر النار، فهو الذكر الحكيم من عند الله سبحانه ﵎. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١] أي: كتاب أعزه الله سبحانه، وجعل له القهر على غيره، وجعله كتاباً مهيمناً على غيره من الكتب، وشاهداً عليها، وهو الكتاب الحق الذي يعمل به، ونسخ غيره من الكتب ولا ينسخ أبداً، ويعمل به حتى تأتي الساعة. وهو غالب لا يغلب، من جادل به نجا، ومن علم به أفلح، ومن تقرب به إلى الله سبحانه ﵎ نجح.
следующие страницы →