← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

تفسير قوله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٣٩ - ٤١]. يخبر الله عن آياته العظيمة، فهو الذي خلق السموات والأرض وجعلهما آيتين للعباد، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، وهو الذي خلق كل شيء من أصغر الأشياء إلى أكبر وأعظم الأشياء، قال الشاعر: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ، ففي كل شيء إعجاز، في خلق أصغر شيء، وفي خلق أكبر الأشياء، قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:٢٧] وذكر من آياته العظيمة فيها: ﴿رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ [النازعات:٢٨ - ٣١]، فجعل هذه آيات للعباد لمن يتذكر ولمن له قلب. من آيات الله العظيمة الأرض هذه التي نسير عليها فهي من بعض آيات الله في هذا الكون العظيم، فأنت ترى الأرض خاشعة هامدة يابسة، وهذه الأرض الخاشعة إذا أنزل الله عليها الماء اهتزت وربت، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت:٣٩] كأنك تسير فوق الأرض في الصيف في حال الجفاف، وترى هذه الأرض ساكنة لا تهتز، وهي أمامك أرض يابسة لا نبت عليها إلا ما يشاؤه الله ، ثم إذا نزل عليها المطر من السماء جعل الله لكم آية حتى تقيسوا على ذلك إحياء وإخراج الموتى يوم القيامة فجأة تهتز الأرض وتربو الأرض ويخرج منها النبات، فالذي أحيا هذه الأرض أليس ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأحقاف:٣٣]. فمن آياته العظيمة أنك ترى الأرض اليابسة الخاملة الساكنة الساكتة ينزل الله عليها المطر من السماء فتهتز وتربو، والأرض فيها كائنات ومخلوقات لا تراها بعينك، والله يعلم عنها كل شيء، فهو الذي خلقها بداخل هذه الأرض، يقول العلماء: إن في الأرض أشياء كثيرة جداً من البكتريا والفطريات والطحالب والبذور والسيقان الأرضية والبصلات والبصيليات وحويصلات فيها ديدان وحشرات وجراثيم وأشياء موجودة بداخل الأرض وهي ساكنة ساكتة، هذه الأشياء تعيش تحت الأرض في سبات عميق لا توجد مياه نازلة عليها فهي لا تتحرك محافظة على أنفسها في هذه الحالة الساكنة، وتنخفض فيها العمليات الحيوية إلى أدنى معدل فيها، فلا حركة موجودة في هذه الأشياء، فالأرض هامدة ساكنة وما بداخلها كذلك هامد ساكن، بعد ذلك ينزل المطر من السماء على هذه الأرض، فتمتص الأرض هذه المياه النازلة من السماء، فتبدأ الحركة في الأشياء الموجودة بداخل هذه الأرض، الجراثيم تتحرك، والبكتريا والطحالب والديدان والحويصلات والبويصلات والبصلات والسيقان الأرضية والجذور وكل شيء بداخل هذه الأرض يتحرك، وتحصل عملية حيوية عظيمة جداً بداخل الأرض؛ لتنتفع أنت منها بعد ذلك مما يخرج الله من النبات، والبذور الموجودة بداخل الأرض ساكتة، ولما ينزل عليها الماء تهتز وتتحرك بداخل هذه الأرض، وتسري فيها الحياة وتهتز الأرض بحركة ما بداخلها، ملايين الملايين من الكائنات الموجودة داخل الأرض كل منها يأخذ رزقه ويبدأ في الحركة، فإذا بالأرض تهتز وتتحرك وتربو الأرض وتنتفخ وترتفع. يقول العلماء: تبدأ عمليات الانقسام بداخل الأرض، إذ إن الكائن الذي بداخلها ينقسم إلى اثنين وإلى ثلاثة وإلى أربعة انقسامات خلوية يعلمها الله سبحانه ويدبر أمرها، فيبدأ امتصاص الماء بداخل الأرض، وتحليل الغذاء الذي كان معقداً إلى مواد بسيطة ينتفع منها النبات. يقول العلماء: بعد ذلك تبدأ عملية التأين العجيبة في جزيئيات التربة، إذ تتجمع الجزيئيات في جزيئيات التربة، وتنشط الديدان الأرضية في شق الأنفاق الأرضية وتأكل تربة الأرض وتخرجه تربهً أخرى أقل تعقيداً مما كانت قبل ذلك، وتبتلع كميات هائلة من التراب المتناسق المعقد، وتخرجه تربة خصبة طيبة مفككة، وتزداد التربة في حجمها فإذا بالتربة الأرضية تعلو، والتراب المتحجر أخذتها هذه الديدان وأخرجتها تراباً نقياً، كان متجمعاً فصار مفتتاً؛ فربت الأرض وانتفخت وعلت، كما ترى في العجين حين تأخذ الدقيق وتسكب عليه الماء وبعد ذلك تغطيه وتتركه فيتخمر ويربو ويعلو، ولعله يفيض من الحلة وينزل، كذلك الأرض يجعلها الله فتربو وتنتفخ ثم تخرج ثمارها فينتفع الإنسان بذلك. قال : ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] (ربت) بمعنى: علت هذه قراءة الجمهور، وقراءة أبي جعفر: (وربأت) بمعنى: انتفخت وعلت. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [فصلت:٣٩] أي: كهذه الحياة التي دبت في الأرض بقدرة الله سبحانه ولم تتدخل أنت فيها، فالله على كل شيء قدير، كذلك يأمر من في القبور بالخروج إلى البعث والنشور فيحييهم الله للجزاء وللجنة أو للنار. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فصلت:٣٩] والله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

стр. 2942

تفسير قوله تعالى: (إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا) قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] لحد في الشيء بمعنى: مال، يَلْحد الإنسان بمعنى: يميل، يصير مائلاً عن هذا الشيء ويُلْحِدُ كذلك، فالمعنى نفسه في الفعل الثلاثي والرباعي، والأصل في الإلحاد: الميل والزيغ والعدول عن الشيء إلى غيره، وهذه تُقرأ بالفعل الثلاثي والرباعي، قرأها حمزة: (إن الذين يَلحِدون في آيتنا)، وقرأها الجمهور فعلاً رباعياً: ((إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا)) بمعنى: يميلون عنها ويزيغون عن الحق الذي أتيناهم به، يلحدون بالإعراض وبالتكذيب في آيات الله واتهام النبي ﷺ ، وبتأويل آيات الله على غير ما يريده الله . ولذلك العلماء يقولون في هذه الكلمة (يلحدون): نزلت في المشركين ومنهم أبو جهل وغيره من الذين كذبوا النبي ﷺ وكذبوا بما جاء به ومالوا عن الحق إلى الباطل، فهم يلحدون في دين الله ، ولما قالوا: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦] فإن هذا من الإلحاد والمشاقة والعناد، فهم يلحدون في آيات الله ، ويوصي بعضهم بعض باللغط إذا تكلم النبي ﷺ ، فيهجرون فلا يسمع أحد ما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، هؤلاء لا يخفون على الله، والمعنى فيه ما فيه من التهديد من الله والوعيد لهؤلاء، أي: انتظروا وسترون ما الذي نصنعه بكم! قال تعالى: ﴿لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ [فصلت:٤٠] أي: نحصي عليهم كل شيء يقولونه ويفعلونه، وليس هباءً ولا سدى، ولكن لنجازيهم يوم القيامة ونحاسبهم على ذلك. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت:٤٠] أي: الذي يُلقى ويقذف في نار جهنم والعياذ بالله لا قيمة له، بل هو بمنتهى الإهانة والتحقير، يؤخذ كالدابة ويلقى في نار جهنم، هل هذا خير أم الذي يأتي يوم القيامة ويؤمنه الله من العذاب الأكبر ومن الفزع الأكبر؟ قال النبي ﷺ : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فقوله: (فاصنع ما شئت)، فيه من التهديد ما فيه، يعني: انتظر العقوبة على ذلك واعمل الذي تريده، وسترى عقوبة الله التي تنزل بك، وكذلك هنا: (اعملوا ما شئتم) ليس المعنى: أن الله يدعوهم إلى الباطل حاشا له سبحانه! ولكن هم أصروا على الباطل، فالمعنى: استمروا فيما أنتم عليه، وسترون ما يأتيكم من عذاب الله ، وهذا تهديد من الله. قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠] إنه يراكم ويحصي عليكم، فلا تخفون عليه .

стр. 2943

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١] فالذين يلحدون في آيات الله وهم الكفار عبر الله عنهم بأنهم يلحدون في آيات الله ويعرضون عنها ويميلون عنها، ويدعون غيرهم إلى عدم سماع ما يأتي به النبي ﷺ ، وكذلك يكفرون بهذا القرآن، فيكذبون ما فيه من ذكر الله ، وأنه مستحق للعبادة وحده، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص:٥] فكذبوا وقالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية:٢٤] الذكر هنا بمعنى: القرآن، أي: إن الذين كفروا بهذا القرآن العظيم لما جاءهم من النبي ﷺ . ((وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ)) أي: كتاب الله العظيم العزيز، العزيز: الغالب الذي لا يغالب مهما أرادوا أن يأتوا بمثله ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقد غلبهم القرآن وقهرهم، ولما أرادوا أن يلحدوا فيه وأن يحرفوا الكلم عن مواضعه حفظه الله وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، ولما أرادوا أن يدخلوا على النبي ﷺ ويلبسوا عليه إذا بالله يعصمه ويحفظه، فالقرآن غالب مهما أرادوا أن يجادلوا بالباطل، قهرهم كتاب الله سبحانه وامتنع عليهم أن يدخلوا فيه شيئاً من باطلهم وإنه لكتاب عزيز، وكم أراد هؤلاء الكفار من عهد النبي ﷺ إلى أن تقوم الساعة أن يلحدوا في آيات الله سبحانه وأن يحرفوا وأن يبدلوه، ولا تزال طائفة من أمة النبي ﷺ على الحق ظاهرين ينصرهم الله بهذا القرآن العظيم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، وقد أراد المشركون تبديل كلام الله سبحانه، فالقرآن عزيز ممتنع ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، وفي كل عصر من العصور يوجد من يريد أن يلقي شيئاً في هذا القرآن العظيم ويرده الله سبحانه مدحوراً، حتى في زماننا أراد هؤلاء الكفرة الملاعين أن يلغوا آيات من كتاب الله، وأمروا المسلمين في بلادهم ومنافقيهم بإلغاء آيات الجهاد، وأنهم سينزلون مصحفاً جديداً مكان هذا المصحف ليس فيه هذه الآيات، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، بل قهرهم الله وأذلهم وأرانا فيهم الآيات. نسأل الله أن يخرب عليهم بيوتهم وديارهم كما خربوا ديار المسلمين، وأن يلعنهم الله وأن يأخذهم أخذ عزيز مقتدر. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2944

تفسير سورة فصلت [٤١ - ٤٤] يكذب الكفار بالقرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وفيه الدعوة إلى تحقيق كلمة لا إله إلا الله، وهي دعوة جميع الأنبياء، وقد أنزل الله هذا القرآن بلسان عربي مبين، وجعل فيه هدى وشفاء للمؤمنين، ومن أعرض عنه كان من الضالين التائهين.

стр. 2945

تفسير قوله تعالى: (إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم وإنه لكتاب عزيز) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ * مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ * وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤١ - ٤٤]. يخبر الله سبحانه ﵎ عن الذين يكفرون بهذا القرآن العظيم ويلحدون في آيات الله سبحانه ﵎ فيكذبون ويشاقون ويميلون عن الحق الذي جاء من عند رب العالمين سبحانه، ويزيغون عنه، فهو عليم بهم، ولا يخفون على الله سبحانه ﵎، وقد أعد لهم العذاب الأليم يوم القيامة، فقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت:٤٠]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ [فصلت:٤١]. الذكر هو القرآن العظيم، فإن فيه ذكركم وشرفكم، وفيه ذكر الله سبحانه ﵎، وفيه ذكر ما يريده الله منكم من خير، وفيه ذكر الجنة وذكر النار، فهو الذكر الحكيم من عند الله سبحانه ﵎. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١] أي: كتاب أعزه الله سبحانه، وجعل له القهر على غيره، وجعله كتاباً مهيمناً على غيره من الكتب، وشاهداً عليها، وهو الكتاب الحق الذي يعمل به، ونسخ غيره من الكتب ولا ينسخ أبداً، ويعمل به حتى تأتي الساعة. وهو غالب لا يغلب، من جادل به نجا، ومن علم به أفلح، ومن تقرب به إلى الله سبحانه ﵎ نجح.

стр. 2946

تفسير قوله تعالى: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد) قال الله تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] أي: لا يأتيه ما يبطله مما تقدم قبله أو بعده، فلا كتب قبله تنسخه أو تدل على بطلانه، وإنما الكتب السابقة تدل عليه، فقد بشرت بالنبي صلوات الله وسلامه عليه وبما يأتي به من عند الله سبحانه، ولا ينزل كتاباً بعده ينسخه، بل إذا نزل المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام عند قرب قيام الساعة وهو من العلامات الكبرى لقيام الساعة فإنه يحكم بهذا القرآن العظيم، ويرفع الجزية ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا هذا الدين العظيم الذي يعمل فيه بكتاب رب العالمين. فلا يستطيع أحد أن يزيد فيه ولا أن ينقص منه، فإن الذي تكفل بحفظه هو الله سبحانه القائل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]. فهو كتاب عظيم وغالب لغيره، ومن أراد أن يجادل فيه غلبه هذا القرآن وقهره، فهو يتحدى الخلق أن يأتوا بمثله، كما قال الله سبحانه ﵎: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. وكذلك تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات فما استطاعوا، وتحداهم أن يأتوا بسورة واحدة فما استطاعوا أن يأتوا بسورة من مثله. فهذا القرآن العزيز الغالب المنيع الجانب الممتنع من أن يأتي إليه باطل، ومن أن يأتي أحد بمثله أو أن يعارضه بشيء، أنزله الله رب العالمين سبحانه، قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]. أي: نزل من عند الذي من أسمائه الحسنى وصفاته العلى أنه سبحانه الحكيم الحميد. فهو حكيم في أقواله وأفعاله وتقديراته وقضائه وقدره. وهو حميد مستحق للثناء، يحمد سبحانه لذاته ولصفاته ولعلوه سبحانه، ولأفعاله العظيمة الجميلة، فهو المحمود سبحانه ﵎، الذي أنزل هذا القرآن الذي فيه الهدى والنور والشفاء، والذي فيه الشريعة التي يحكم بها العباد ليتقربوا إلى الله فيستحقوا أن يكونوا من أهل جنته، فهو الحكيم فيما نزل سبحانه وفيما شرع. أنزل هذا القرآن مفرقاً لحكمة من الله سبحانه، ولو نزل مرة واحدة ما قاموا به، ولا استطاعوا أن يعملوا به، ولكن نزل شيئاً فشيئاً حتى اكتمل، ليعملوا بجميع ما فيه، وليربيهم به، فهو الحكيم في إنزال هذا القرآن على نبيه ﷺ ، وحكيم في وقت تقدير إنزاله، وحكيم في اختياره على من ينزل لأي أمة تصلح له ويصلح لها، وهو محمود على ما أنزل وعلى ما شرع وحكم سبحانه ﵎.

стр. 2947

تفسير قوله تعالى: (ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك) قال الله سبحانه لنبيه ﷺ : ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]. القول إما من الله لنبيه ﷺ ، أو من الخلق للنبي ﷺ ، فالذي قيل لك من الخالق والمخلوق هو الذي قيل للسابقين من قبلك. فمن الله قوله لك: هذا القرآن العظيم نزل من عنده، فادع الناس إلى ربهم سبحانه ﵎، أن يعبدوه وحده لا شريك له، وادعهم إلى التوحيد، وليس هذا بالشيء الجديد المبتدع، وكذلك الأنبياء والرسل السابقون فقد جاءوا بلا إله إلا الله، فما يقال لك إلا ما قد قيل للسابقين، أن قولوا: لا إله إلا الله وأن ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]. أي: اعبدوا إلهاً واحداً هو الذي خلق ورزق وربى، والذي أنزل هذا القرآن، وهو الله سبحانه ﵎. والرسل السابقون عليهم الصلاة والسلام دعوا الخلق إلى إله واحد، فأبى المشركون إلا أن يعبدوا غيره، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣]. فقالوا: الزموا آلهتكم وابتعدوا عن هؤلاء الأنبياء فلا تتبعوهم، وكذلك قيل للنبي ﷺ ، فقد وقف له عمه أبو لهب والمجرم أبو جهل وغيرهما من الكفار والمجرمين، يعارضونه صلوات الله وسلامه عليه، ويمنعونه من تبليغ رسالة الله سبحانه ﵎. فهي سنة الله في خلقه أن يقابل النبي الذي بلغ رسالة الله بالرفض والتكذيب والإعراض، قال الله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [فصلت:٤٣]. والله سبحانه ﵎ هو الرب القوي القادر على أن يغفر وأن يعذب العذاب الأليم، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ﴾ [فصلت:٤٣]. فالله يبسط يده في الليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، فالله ذو مغفرة، وهو الذي خلقك ورباك، فهو صاحب مغفرة، ونكرها على أنها مغفرة عظيمة جداً فهو يغفر الذنوب جميعاً سبحانه ﵎، إذا تاب العبد إلى الله، وتاب الله عليه. وأيضاً الله ذو عقاب أليم لمن أعرض عن الله وكذب وجحد وشاق ربه سبحانه وحاد عن دينه، فيستحق العذاب الأليم الموجع من الرب العظيم سبحانه ﵎.

стр. 2948

تفسير قوله تعالى: (ولو جعلناه قرآناً أعجمياً لقالوا لولا فصلت آياته) قال الله لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) [فصلت:٤٤]. تساءل الكفار فيما بينهم فقالوا: لماذا نزل القرآن على محمد ﷺ ، ولم ينزل على أحد آخر من الأعاجم؟ ولماذا لم ينزل على أحد من الملوك والأكابر؟ ((وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. فكأنهم استكثروا على النبي ﷺ أن ينزل عليه قرآن من عند رب العالمين، والله يصطفي من خلقه من يشاء، فيجعله رسولاً صلوات الله وسلامه عليه. فيقول الله لهؤلاء الجهلة: لو فرضنا نزول هذا القرآن بلسان أعجمي، أو انعكس الأمر فنزل قرآناً عربياً على إنسان أعجمي، فإن العقل سيرفض هذا الشيء، وستقولون: لسانه غير لساننا فلا نفهم ما يقول، فلا نريد إلا قرآناً عربياً نفهمه، فأنزل الله هذا القرآن: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]. أي: أنزل الله تعالى هذا القرآن باللغة العربية على العرب الفصحاء ليعجزهم به، فإنهم يفهمونه ويعلمون ما فيه، ومع ذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله مفتريات، أو بسورة واحدة. فلو جعلنا هذا القران قرآناً أعجمياً لكنتم تعجبتم وقلتم: كيف يكون قرآناً أعجمياً على إنسان عربي؟ وأيضاً: ﴿لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت:٤٤]. أي: بينت وميزت هذه الآيات للعرب بلسان عربي، وجعل القرآن الذي نزل بلسان أعجمي للعجم، فجعلناه كله قرآناً عربياً ليس أعجمياً، ونزل عليكم حتى تفهموه، وتبلغوه إلى غيركم من الأمم. ومعنى أعجمي يعني: بلسان آخر غير اللسان العربي، واللسان العربي أفصح الألسنة، وكأن غيره معه كلا شيء، فالإنسان العربي لسانه مبين، وفصيح، واللسان الأعجمي أقل منه بكثير، والعرب لا يفهمون هذا اللسان.

стр. 2949

القراءات في قوله تعالى: (أأعجمي وعربي) هذه الكلمة: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤] فيها خمس قراءات، لما كان النطق عند العرب بالهمزتين المتتاليتين ثقيلاً، سهلوا الهمزة الثانية، أو أدخلوا بينها وبين الهمزة الثانية ألفاً، أو أدخلوا بينهما ألفاً وسهلوا الثانية، وجاءت القراءات بحسب ما ينطق هؤلاء تسهيلاً عليهم، فيسر الله القرآن للذكر للتلاوة بلهجتهم وقراءتهم، فهذه القراءة الأولى: قراءة قالون ومعه أبو جعفر وقراءة أبي عمرو وقراءة ابن ذكوان بخلفه: ﴿آأعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤] فسهلوا الهمزة مع إدخال الألف. القراءة الثانية: قراءة حفص عن عاصم والبزي عن ابن كثير ويقرؤها أيضاً ورش وابن ذكوان بخلفه من وجه آخر: ﴿ءاعجمي وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤] فالهمزة الثانية مسهلة فلا تقرأ هاءً (أهجمي)، ولا تقرأ همزة واضحة، وإنما بين بين. القراءة الثالثة: قراءة الأزرق عن ورش: ﴿آعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، بالمد فيها. القراءة الرابعة: قراءة البزي ورويس بخلفهما: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، هذا وجه، ووجه آخر لهما: ﴿أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]، بهمزة واحدة. القراءة الخامسة: قراءة هشام وله ثلاثة أوجه فيها، فيقرؤها بالتسهيل ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. وبالتسهيل والإدخال ﴿آأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. ويقرؤها أيضاً: (أعجمي وعربي). وقراءة باقي القراء وهم: شعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. إذاً: فمجموع القراءات في الهمزة خمس قراءات: التسهيل فيها: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. والتسهيل والإدخال فيها: ﴿أَأَعْجَمِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. وبالمد الطويل، يقرؤها الأزرق عن ورش: ﴿آَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. ويقرؤها شعبة وغيره ﴿َأَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. ووجه آخر للبزي ورويس فيها بهمزة واحدة ﴿َأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. والمعنى في جميع القراءات واحد وهو الاستفهام للتعجب، أي: كيف ينزل قرآن عربي على رجل أعجمي أو قرآن أعجمي على عربي؟ فإما أن يكون عربياً على عربي، أو عجمياً على أعجمي، فلما جاء على الذي لا تريدونه تتضجرون من ذلك وترفضون وتقولون: لولا نزل هذا القرآن على رجل آخر أو لو جاء بلسان آخر، فقل مجيباً لهم: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤]. فالقرآن شفاء من عند رب العالمين، ولقد وصف الله سبحانه ﵎ هذا القرآن بأنه ذكر ونور وهدى وشفاء لما في الصدور. وهذا القرآن العظيم جاءكم الله به ليهديكم وينير لكم قلوبكم وطريقكم، ففيه النور من الله، وفيه الذكر، فتذكرون الله بتلاوته وبالعمل فيه، وفيه الشرف لكم، وفيه الشفاء للصدور من الشك، ومن ظلمات الكفر والضلال، أما الذين لا يؤمنون ففي آذانهم وقر وهو صمم وثقل فلا يسمعون ولا يفهمون، وهو عليهم عمى.

стр. 2950

الفرق بين المؤمن والكافر عند سماع القرآن الفرق بين المؤمن والكافر أن المؤمن حين يتلقى ويسمع القرآن يفتح قلبه فيحب القرآن فيشفيه الله به، وينير له قلبه وطريقه، والكافر المعاند المشاقق لربه ولرسوله صلوات الله وسلامه عليه، فإن القرآن عليه عمى فلا يفهم منه شيئاً، وكأنه ثقيل على أذنه، فهو لا يسمع ولا يفهم ولا يعقل، فهم ينادون من مكان بعيد في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا ففيه صمم، فالأصم هو الذي يناديه إنسان قريب منه فلا يسمعه كأنه بعيد عنه جداً، قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٤٤] والمعنى: كأنك تناديهم وأنت في بلد وهم في بلد أخرى، فلا يفهمون ولا يعقلون منك شيئاً، وهذا بسبب قسوة قلوبهم. فإذا جاءوا يوم القيامة عوملوا بمثل ذلك فينادون مفضوحين من مكان بعيد بشر أسمائهم وأقبحها، فإذا نودوا من مكان بعيد سمع جميع من في الموقف أسماء هؤلاء وما يقبحون به يوم القيامة، فكانت فضيحة لهم في الآخرة. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2951

تفسير سورة فصلت [٤٥ - ٤٦] إن طريق الدعوة إلى الله ومقارعة الكفار درب شاق يؤذى صاحبه، وقد يضيق ذرعاً من هذا الأذى، لكنه حين يتذكر سلفه وصبرهم يطمئن ويشتد عزمه على المضي؛ ولذا ذكر الله لنبيه ﷺ أنه سوف يصيبه مثل ما أصاب الأنبياء قبله، وسيجازي الله كلاً بعمله.

стр. 2952

تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ثم أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٥ - ٤٦]. في هذه الآيات يخبرنا الله سبحانه ﵎ أنه آتى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الكتاب، و (أل) في الكتاب هي العهدية، والمعنى: المعهود المعروف الذي هو التوراة. قوله: ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت:٤٥] فيه تسلية للنبي ﷺ ، إذ كان المشركون يؤذونه ولا يقبلون منه ويختلفون عليه صلوات الله وسلامه عليه بأكاذيبهم، فمنهم من يقول: هو مجنون، ومنهم من يقول: هو ساحر، ومنهم من يقول: هذا كذاب، فيواسيه ربه سبحانه ﵎: بأنك لست بدعاً من الرسل، وليس هؤلاء أول من قالوا لنبيهم هذا المقال، فقد آتينا من قبلك موسى الكتاب.

стр. 2953

الحكمة من تكرار ذكر موسى ﵇ في القرآن كثيراً ما يذكر ربنا سبحانه ﵎ لنبينا ﷺ موسى ﵇؛ ليتأسي به، فهو صاحب الشريعة قبل النبي ﷺ ، فقد أتى بكتاب من عند الله فيه الشرع، وأمر قومه أن يتبعوه على ذلك، وأوذي موسى أذى كثيراً فصبر، فأمر الله النبي ﷺ أن يأتسي به وبالأنبياء من قبله، قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وإن كان الذي قبل النبي ﷺ مباشرة هو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، لكن موسى صاحب كتاب تشريع، أما عيسى ﵊ فقد كان صاحب كتاب حكم ومواعظ وبشارة، وإنما جاء ليحكم بشرع من قبله، وهو شرع موسى ﵊. وقد تشابه موسى ونبينا ﷺ أن كلاً منهما صاحب كتاب شريعة، ومعنى شريعة: أحكام من الله يشرعها لعباده منهاجاً للحياة ليعملوا بها، وكذا كانت التوراة، ولذلك لما يذكر الله التوراة يقول: ﴿وَمِنْ قَبْلِه كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً﴾ [هود:١٧] أي: من قبل القرآن، فلما كان كتاب موسى كتاب تشريع؛ كان هو كتاب التشريع الذي قبل القرآن، إذ القرآن كتاب تشريع من الله ومنهج للحياة ختم الله به الكتب، ونسخ به ما قبله، فجاء مهيمناً على الكتب السابقة، شاهداً على أنها جاءت من عند الله، وشاهداً بأن الأقوام حرفوا ما جاءهم من عند الله سبحانه، وناسخاً لما كان فيها من أحكام، وجاء بشرع من الله سبحانه ليعمل الناس به إلى أن يأتي أمر الله وتقوم القيامة. ففي الآية يقول لنبينا ﷺ على وجه المواساة والتسلية وليدخل في قلبه الطمأنينة: اطمئن لست بشيءٍ غريب ولا بشيء جديدٍ، ولست بدعاً من الرسل، فقد كان من قبلك موسى، وقد أتاهم بالكتاب فأوذي، ولذا كان النبي ﷺ إذا أوذي يقول: (رحم الله أخي موسى! لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) صلوات الله وسلامه عليه وعلى نبينا، وإن كان النبي ﷺ قد أوذي أذاً شديداً لكن قوله يعد من باب التواضع.

стр. 2954

بيان كيفية اختلاف بني إسرائيل على موسى قال الله : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ [فصلت:٤٥] أي: اختلف الناس على موسى ﵊، وقد رأينا في مواطن سابقة من كتاب الله كيف كان اختلاف اليهود على موسى ﵊، فقد كان يأمرهم بالشيء فيعارضون، ويأمرهم فيرفضون تنفيذ هذا الأمر حتى تأتيهم من عند الله آية من الآيات فيخافون ويرجعون إلى الطاعة، وسرعان ما ينقلبون إلى المعصية، وظلوا على هذا الحال حتى مات موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهو يتعامل معهم معاملة الراعي مع غنمه، كلما تاهت جمع الراعي شأنها، وكذلك كانت بنو إسرائيل مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

стр. 2955

معنى قوله تعالى: (ولولا كلمة سبقت من ربك) قال الله : ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [فصلت:٤٥]، وبمعناها قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٢١]، قوله: (لولا) عدة من الله أي: وعد من الله سبحانه أن يؤخر عقوبة العباد إلى يوم المعاد، وأن يجازيهم يوم القيامة على أعمالهم ولا يستأصلهم في الدنيا، ولولا أنه سبق لفعل الله بهم ما يستحقون من العذاب في الدنيا قبل الآخرة، وإنما سبقت هذه الكلمة من الله لحكمة منه سبحانه ﵎، ولبيان أن هؤلاء المشركين أبا جهل وأمثاله يستحقون العقوبة في الدنيا، فالله يذكر أنه وعد أن يؤخر العذاب ليوم القيامة وإلا لاستحقت قريش كلها أن يستأصلها الله سبحانه ﵎ إلا من آمن منهم. إن الله بحكمته سبحانه، وبعلمه سبحانه، وبقضائه وقدره قدر أن يكون هؤلاء كفاراً وأن يخرج من أصلابهم من يعبد الله كما دعا النبي ﷺ ربه بذلك، فـ أبو جهل زعيم المشركين وفرعون هذه الأمة لعنة الله عليه كان ابنه عكرمة بن أبي جهل ممن آمن وأسلم ودخل في دين الله سبحانه ﵎، وابنته فاطمة بنت أبي جهل أيضاً أسلمت وقد أراد قومها أن يزوجوها من علي بن أبي طالب ﵁، فأبى النبي ﷺ وقال: (لا تجتمع فاطمة بنت النبي ﷺ مع بنت أبي جهل)، فعلم أنه لا يصح أن يجمع علي بين فاطمة بنت النبي وفاطمة بنت أبي جهل، وكان له الخيار أن يتزوج إحداهما؛ لأن ما تعرضت له فاطمة بنت الرسول ﷺ ﵂ من أذى طول حياتها مع النبي ﷺ كان كافياً، فقد كانت تؤذى وترى الأذى في أبيها صلوات الله وسلامه من قومه فتخرج لتدفع عنه أذاهم، وقد جاءوا ذات مرةٍ بسلا جزور ووضعوه على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد عند الكعبة، وظل على ظهره حتى أزالته فاطمة ﵂، وليس ذلك البلاء فحسب فقد ماتت أمها في حياتها، ومتن أخواتها في حياتها، ومات إخوانها في حياتها، وبقيت هي، أفبعد كل هذا الابتلاء تبتلى بأن يتزوج علي عليها؟! فمثل ذلك لا ينبغي أن يكون، ولا يصح أن تجتمع فاطمة بنت النبي ﷺ مع بنت أبي جهل عند علي رضي الله ﵎ عنه. والغرض بيان أن الرجل المجرم أبا جهل كان كافراً، وكان في صلبه بقضاء الله من كان بعد من المسلمين، ومثل أبي جهل الوليد بن المغيرة فإن ابناه خالد بن الوليد وهشام بن الوليد مؤمنان، ومثلهما: العاص بن وائل فقد كان ابنه عمرو بن العاص ﵁ مؤمناً، فالله قدر أن يخرج من أصلاب هؤلاء الكفرة المجرمين من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً، فقد سبق الوعد من الله أنه لا يستأصل هؤلاء جميعهم وذرياتهم، وإنما يحلم ويصبر سبحانه ﵎، وإن عاقب البعض ترك البعض ليكون من أصلابهم وذرياتهم من يعبد الله سبحانه.

стр. 2956

معنى قوله تعالى: (وإنهم لفي شك منه مريب) بعد أن بين الله للكافرين بأنه لا يهلكهم جميعهم لحكمة منه سبحانه، بين موقفهم من القيامة فقال: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت:٤٥] أي: إن هؤلاء الكفار لفي شك عظيم موقع للريبة في قلوبهم، فشكهم في يوم الدين وقيام القيامة والبعث شك عظيم، وكلما أخبرهم الله أن هناك يوم قيامة وفيه بعث وحساب يتشككون في ذلك شكاً عظيماً. وقوله: ﴿مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [فصلت:٤٥] أي: موقع للريبة وهي الشك العظيم في قلوبهم.

стр. 2957

تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] أي: إن العبد هو المستفيد من عمل نفسه، أما الله فلا يستفيد من عمل عبده شيئاً، إذ أن العبد مخلوق فقير بطبعه وبذاته وبأصل خلقته، والله الغني الحميد سبحانه ﵎، فمهما عمل العبد من عبادة فإنه هو المنتفع بها في النهاية، ولن ينتفع الله بشيءٍ منها؛ لأن الله غني لا يحتاج إليك ولا إلى عملك، وإنما خلقك لينفعك أنت، فأنت المنتفع أولاً وآخراً، وإذا عصى العبد ربه سبحانه لم يضر الله شيئاً بعصيانه؛ لأنه لا يبلغ أن يملك الضر لنفسه فكيف يضر ربه سبحانه؟! ولذلك جاء في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (قال رب العزة سبحانه: يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). والله لا يظلم أحداً قال سبحانه: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩]، وقال أيضاً: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وكررها في مواضع أخر من القرآن، فالله سبحانه لا يظلم أحداً شيئاً، أما الإنسان فتراه يظلم غيره بأخذ ما في يده أو غيرها من صور الظلم، وذلك بسبب الطمع في الدنيا، فمن أراد منصباً في الدنيا أو ذرية أو امرأة أو مالاً وغيرها من مطامع الدنيا تجاسر ليأخذ ما في يد الغير، ويقع من الإنسان هذا الظلم؛ لأنه محتاج إلى هذه الأشياء وغيرها من أسباب الدنيا، أما الله فإنه غني عن ذلك فكيف يظلم وهو يملك كل شيء سبحانه ﵎؟! وفي الحديث أخبر الله أنه حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرماً، وأخبرهم أنهم لو اجتمعوا جميعهم وسألوا الله سبحانه ﵎، فسأل كل مسألته، فأعطى الله الجميع، ما أنقص ذلك من ملك الله شيئاً! قال في الحديث: (يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط -الإبرة- إذا أدخل البحر). فالله سبحانه ﵎ غني، وغناه عظيم جداً، فلو أن كل خلق الله سألوا الله كل ما يتمناه كل واحد منهم، فأعطى الله الجميع مسائلهم، لما نقص ذلك مما عند الله إلا كما تضع إبرة في البحر، وانظر ما تخرج هذه الإبرة من ماء البحر! ثم يقول سبحانه لعباده: (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)، ومن ذا الذي يبلغ نفع الله لينفع الله أو يبلغ ضر الله فيضر الله؟! إن الله هو القوي القادر الغالب، وهو الغني الحميد سبحانه ﵎، يجازي العباد بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. قال سبحانه: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:٤٦] أي: هو المنتفع بعمله، فهو من يدخل الجنة، فمنفعة عمله تعود لنفسه، وكذا إساءته قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] أي: أنه يعذب في النار بسبب إساءته، فهو يستحق هذا العذاب ولم يظلمه ربه سبحانه ﵎ شيئاً؛ لأنه هو الذي أودى بنفسه إلى ذلك فاستحق العذاب بسبب ما اقترفت يداه، لا أن ربه ظلمه.

стр. 2958

البلاغة في قوله: (وما ربك بظلام للعبيد) قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، فالله لا يظلم أحداً. قد يقول قائل: هل التعبير ﴿بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت:٤٦] أفضل أم بظالم أفضل؟ للتفريق بينهما نقول: إن قولنا: فلان ليس ظالماً أي: لا يظلم الشيء القليل، أما قولنا: فلان ليس ظلاماً. أي: لا يظلم كثيراً؛ لأن ظلام صيغة مبالغة، فهل يمكن أن يظلم قليلاً؟! الصحيح أننا لا بد أن ننظر إلى الظلم من جهتين: كيفية الظلم، وكمية الظلم، فإننا سنجد أن هذا الباب من باب كم يظلم وليس من باب كيف يظلم، ونضرب لذلك مثلاً: لو أن رجلاً أمامه عشرة مليون جنيه ثم لم يمد يده إليها؛ لأنه لو مد يده إليها لكان ظالماً، ولو أن آخراً كان أمامه جنيه واحد ثم لم يمد يده عليه لأنه لو مد يده إليه لكان ظالماً، والفرق بين الاثنين: أن الثاني لم يمد يده على الجنيه؛ لأنه جنيه واحد، فربما تركه استحقاراً له، وربما لو وجد أمامه أكثر لمد يده، أما الأول فإنه إذا لم يمد يده إلى ملايين فإنه قطعاً لن يمد يده إلى جنيه واحد، وهذا معنى الكم الذي في قوله تعالى: ﴿مَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، سبحانه ﵎، وله المثل الأعلى، فإذا كان الله لم يظلم كثيراً فهل سيظلم القليل ؟! قال الله عن نفسه: ﴿مَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] أي: لا يظلم عبيده سبحانه، فهو لا ينتفع من وراء ذلك لا بالقليل ولا بالكثير حاشا له سبحانه ﵎، فكأن الحكمة في التعبير عن الكم: أن الذي يظلم كثيراً يريد أن ينتفع كثيراً، فإذا كان لا يريد النفع الكثير فهل يطلب النفع القليل حاشا لله سبحانه ﵎! ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2959

تفسير سورة فصلت [٤٦ - ٥٠] يخبر الله عن عدله المتمثل في مجازاة المحسن بأضعاف عمله، ومعاقبة المسيء بما يستحق من العذاب على قدر إساءته، فالله عالم بخفايا الأمور، وسيحاسب الإنسان يوم القيامة بما خفي وما ظهر من أعماله.

стр. 2960

تفسير قوله تعالى: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة فصلت: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ * وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ * لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٦ - ٤٩]. يخبرنا ربنا في هذه الآيات الكريمة أن كل إنسان يعمل شيئاً فهو مجزي به، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت:٤٦] أي: لنفسه يكون الجزاء الحسن من عند الله سبحانه ﵎، وقد عمل وهو المستفيد، ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت:٤٦] أي: فقد اجتلب الإثم والعذاب من الله سبحانه على نفسه، فهو المستحق لذلك بفعله، والله لا يظلم أحداً، قال سبحانه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، فهو يجزي عن الحسنة بعشر أمثالها، ويضاعف لمن يشاء أضعافاً عظيمة كثيرة، وعلى السيئة بمثلها، وقد يعفو ويتجاوز سبحانه ﵎، فالله لا يظلم أحداً شيئاً. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وهنا مقام العبودية ومقام العبد بين يدي سيده أنه يستجيب لربه وينفذ ما يؤمر به، وأنه لا يعصيه، وأنه لا يبعد عن سيده، فإذا فعل ذلك استحق عقوبة الله وهو الذي ظلم نفسه، والإنسان هو الذي يظلم نفسه، فالله لا يظلم أحداً. ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، فالغرض منها أن كل إنسان يؤمل رحمة الله فليعمل صالحاً، فإذا عمل صالحاً استحق رحمة الله واستحق الجزاء الحسن، وكل إنسان يخاف من عذاب الله فليحسن ولا يسيء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠] فإذا عصى العبد ربه سبحانه، فهو الذي جلب على نفسه الويل والعذاب فلا يظلم ربك أحداً.

стр. 2961

تفسير قوله تعالى: (إليه يرد علم الساعة) قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت:٤٧]، قرئت بالجمع، وهذه قراءة نافع وأبو جعفر وابن عامر وحفص عن عاصم، وباقي القراء يقرءونها: ﴿مِنْ ثَمَرة﴾ على الإفراد. ﴿إِلَيْهِ﴾ [فصلت:٤٧] أي: إلى الله ، ﴿يُرَدُّ﴾ [فصلت:٤٧] أي: يرجع، ﴿يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت:٤٧]، وكأنهم سألوا النبي ﷺ متى الساعة؟ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٤]، فمنتهى علم الساعة عائد إلى الله ، ولكن نعلمك أنت حتى تعلم الناس بعلامات الساعة؛ ولذلك لما جاء جبريل إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام وعن الإيمان وعن الإحسان ثم أجابه؛ لأن الله علمه ذلك، فلما سأله عن الساعة قال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) أي: مثلما أنت لا تعلم فأنا كذلك لا أعلم متى الساعة، ولكن أخبرك عن أماراتها، وعن علامات الساعة، فذكر من علامات الساعة: (أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان)، فللساعة علامات صغرى وعلامات كبرى، وما ذكر في الحديث السابق تعد من علامات الساعة الصغرى. ومن العلامات الكبرى ما بينه لنا ﷺ : من طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة، ومجيء الدجال، ونزول المسيح عيسى ابن مريم، وخروج الدخان، وخسوف ثلاثة: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وغير ذلك من العلامات التي ذكرها النبي ﷺ من العلامات والتي تحقق بعضها. فإذاًَ عند النبي ﷺ علم بأمارات الساعة، وبالأحداث التي ستحدث قبل الساعة لكن متى يكون وقت الساعة فهذا علمه عند الله سبحانه ﵎، وإن كان الله أعلمه أيضاً أنها تكون في يوم جمعة، ولكن أي جمعة من الجمعات؟ أي سنة من السنين؟ أي شهر من الأشهر؟ فالله وحده الذي يعلم بذلك، فإلى الله يرد علم الساعة. وهناك أشياء -ذكرها الله في كتابه- من ادعى علمها فقد أعظم الفرية، كما قالت السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها وهي قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]، فهذه أشياء لا يعلمها إلا الله سبحانه ﵎، فإذا ادعى إنسان أنه يعلم هذه الأشياء فقد أعظم الكذب على الله، وأعظم على الله الفرية. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت:٤٧]، فإذا سئلت عن الساعة فرد علمها إلى الله، قل: لا أعلم، الله أعلم.

стр. 2962

معنى قوله تعالى: (وما تخرج من ثمرات من أكمامها) قال تعالى: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت:٤٧]، وما تخرج من ثمرات، فالثمرة تخرج من الكم وهو الطلع أو وعاء الطلع، والوعاء القشرة التي تنشق وتخرج من داخله الثمرة، وتسمى بالكم أو بالكمة وجمعها الأكمام، وكذلك تسمى بالكفرة، وهي الطلع الصغير الذي إذا انشق خرجت منه الثمرة، فالله عنده علم خروج هذه الثمار، ومتى تنشق وتخرج، ومتى لا تخرج أو لا يخرج منها شيء ومتى تموت. ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت:٤٧]، فالله يرينا علمه العظيم المبدع، إذا تأملت في هذا الشيء فإنه تحار فيه العقول، والإنسان يذل ويخضع لرب العالمين سبحانه الذي أخضع كل شيء، والذي خلق كل شيء، والذي علم كل شيء سبحانه ﵎، ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٣ - ٥]، فالله هو العليم الخبير، وهذا من علم الله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فانظر إلى علم الله سبحانه ﵎. ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت:٤٧]، أخفاها الله سبحانه ﵎، وإن الساعة آتية لا محالة ولا شك في ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:١٥] أخفاها الله سبحانه ﵎، فلا يعلم متى تكون الساعة ولا أي مخلوق من مخلوقات الله سبحانه ﵎، فبالغ ربنا في إخفائها، والإخفاء يأتي بمعنى عدم الظهور والاستتار، ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] يعني: من شدة إخفائها أكاد أخفيها فلا يعلم أحد عنها شيئاً، ولكني أعلمت ببعض علاماتها، ولو شئت ما أخبرتكم شيئاً عنها، فتأتي الساعة فجأة على العباد من غير أن يعرفوا لها أمارة، ولكن الله برحمته بين علاماتها، لنأخذ حذرنا، فإذا وجدتم الحفاة العراة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان فإن الساعة آتية، وقال : ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١]، ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥]، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات:٤٢ - ٤٣]. إذاً أخفاها الله فلا يعلم أحد متى تكون، وهي قريبة جداً على وشك أن تظهر للعباد وعلم ما تخرج من ثمرات من أكمامها، فانظر إلى شجرة واحدة، ونخلة واحدة وانظر إلى عدد الثمار التي فيها، وتأمل في كل بلحة من الذي أحصى عدد هذا الذي في النخلة الواحدة؟ فكم يكون عدد البلح في البستان؟ وكم نخلة في العالم كله؟ فالله هو الذي يحصي كل ثمرة تخرج، بل ويعلمها قبل أن تخرج من الكفرة، ومن طلعها، فالله أعلم بخروجها أو عدمه، ويعلم ما يكون مذاقها، ويعلم أي شكل ولون ستصبح! وقس على ذلك كل خلق الله سبحانه ﵎؛ فتتعجب وتحتار في علم الله العظيم القهار سبحانه ﵎، فإليه يرد العلم كله، والإنسان لا يحوي على جزء بسيط من علم الله، ولو ظل يدرس شيئاً معيناً، فكلما ازداد علماً وازداد تخصصاً، يقول: أنا متخصص في الشيء الفلاني، ويحضر فيه الدكتوراة، ويحضر فيه ماجستير ويتخصص في جزئية واحدة، فمن المستحيل أن يحيط بهذه الجزئية علماً، ولكنه علم كثيراً عنها أما أن يحيط بها علماً فلا، فالله هو الذي أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً سبحانه ﵎. قال الله: ﴿وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا﴾ [فصلت:٤٧]، قد علمها الله سبحانه ﵎ ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ [فصلت:٤٧]، فهو يعلم سبحانه متى تحمل هذه الأنثى، وقد قدر الله ما يكون في ذلك، ومتى تضع هذه الأنثى، فالله يقدر ذلك، ويقدر هل تحمل بذكر أو بأنثى، فإلى الله علم ذلك، ويعلم متى تلد، وهل ينزل هذا الجنين حياً أو ميتاً، وهل ينزل فيعيش إلى أن يبلغ الشيخوخة أم يموت وهو شاب صغير، وهل يكون شقياً أم سعيداً، فإلى الله علم ذلك كله. يقول تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلا تَضَعُ﴾ [فصلت:٤٧] لا يكون حملها إلا بعلم الله سبحانه ﵎، فربنا يعلم كل شيء، ويحصي كل شيء، فإذا جئت يوم القيامة قال لك: عملت كذا وعملت كذا وعملت كذا، وأحصى عليك كل شيء تعمله، فإذا كان الله يراقبك، والله يحصي علينا كل ما نقوله وما نفعله فلنحذر من يوم اللقاء.

стр. 2963

معنى قوله تعالى: (ويوم يناديهم أين شركائي) الكفار كانوا يتبجحون في الدنيا فيشركون بالله حتى عند بيته المعظم، وكانوا يذهبون فيطوفون وقد علَّم الله من قبلهم أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. فينبهنا الله سبحانه ﵎ بأنه الإله وحده، فإذا بالمشركين يزيدون في شركهم، ويقولون: لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك، وهذا كلام فارغ يقولونه لعنة الله على المشركين! انظر إلى هذا الأحمق الجاهل المغفل حين يقول: لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك! فكيف يكون شريكاً لله الذي يملكه؟! فهو مخلوق يملكه الله، وإذا بهذا المشرك يقول: لك شريك، وهذا الشريك تملكه، وتملك الذي يملكه هذا الشريك! قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم:٢٨]، أي: هل تقبلون على أنفسكم هذا الشيء؟ وهل لكم شركاء مما ملكت أيمانكم؟ العبد الذي ذهبت إلى السوق واشتريته بمالك وأعطيت هذا العبد من مالك، هل يجرؤ العبد في يوم من الأيام أن يقول لسيده: شاركني؟! فلو قال هذا الشيء لقتله صاحبه، فإذا بهذا العبد يدعي لله الشريك، حاشا لله سبحانه ﵎! هؤلاء المتبجحون بالشرك إذا جاءوا يوم القيامة يقول لهم : ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي﴾ [فصلت:٤٧] أين هؤلاء الشركاء؟ ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت:٤٧]، ((آذَنَّاكٍَ)) أي: ما رأينا، ولا نعرف، وما لك شريك، فيوم القيامة يتبرءون، قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦]، ﴿قَالُوا آذَنَّاكَ﴾ [فصلت:٤٧] أي: أعلمناك ونشهد أمامك يا رب العالمين أنه ما كان لك شريك أبداً، ما لك شريك أبداً، ويذكرهم الله في الدنيا أنهم سيقولون هذا يوم القيامة، فارجعوا عن هذا الذي تشركونه في الدنيا قبل أن تنكروا يوم القيامة فلا ينفعكم الإنكار. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ [فصلت:٤٧]، هذه قراءة الجمهور، ((وَيَوْمَ يُنَادِيهُمْ)) قراءة يعقوب. ﴿أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا﴾ [فصلت:٤٧]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: ((أَيْنَ شُرَكَائِيَ قَالُوا آذَنَّاكَ))، أعلمناك، شهدنا أمامك يا رب العالمين، ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت:٤٧] أي: ما أحد أبداً يشهد بأن لك شريكاً، ولا نشهد بذلك، ولا نقول بهذا الشيء، وهذا يكون يوم القيامة حين لا ينفع الاعتراف.

стр. 2964

تفسير قوله تعالى: (وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل) قال تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت:٤٨]، ضل بمعنى: ضاع وتاه، فبحث المشركون عمن قالوا إنهم شركاء فلم يجدوهم ضاعوا، فعلموا أن الملك لله وحده لا شريك له، وأن الحق لله. ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ﴾ [فصلت:٤٨]، وقد كانوا يدعون أحجاراً فعبر بـ (ما). ﴿وظنوا﴾ [فصلت:٤٨] أي: أيقنوا، ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٨] أي: استيقنوا يوم القيامة أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ولا مهرب يهربون إليه، والمحيص هو: المهرب والمكان الذي يهربون إليه ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [فصلت:٤٨] أي: أيقنوا ذلك يوم القيامة أنهم لا مهرب لهم من الله سبحانه ﵎.

стр. 2965

تفسير قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) ثم يخبرنا الله عن حال هذا الإنسان المشرك بالله والكافر فقال: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ﴾ [فصلت:٤٩]، والإنسان جنس، وهذا من العموم الذي يراد به الخصوص، ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت:٤٩ - ٥٠]، هذه جملة من الصفات التي لا يمكن أن تكون في المسلم، ولكن قد تكون فيه بعض الصفات، ولكن لا يمكن أن تكون كلها لذلك يقول العلماء: إن هذا العموم الذي في قول الله سبحانه: ((الإِنْسَانُ))، والمقصود به شيء مخصوص وهو الكافر من الناس، الذي اجتمعت فيه هذه الصفات، وإن كان المسلم قد يكون فيه بعضها، ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ من دعاء الخير﴾ [فصلت:٤٩] قد يكون في المسلم، فلا يوجد أحد يسأم من دعاء الخير، والخير هنا بمعنى المال والصحة والعافية، ومتطلبات الإنسان في الدنيا، فكل إنسان يقول: يا رب! أعطني مالاً، أعطني صحة، أعطني عافية، أعطني عزاً، أعطني سلطاناً، فكل إنسان يطلب ذلك. ﴿وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] وهذه لا تكون في المؤمن فهو لا ييئس؛ لأن ربنا قال: ﴿لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧]، فيستحيل أن ييئس المسلم من روح الله. قال: ﴿وإن مسه الشر﴾ [فصلت:٤٩] والشر بمعنى: الضر، والبأساء بمعنى الشيء الذي يبتلى به الإنسان، من فقر يأتي عليه، أو مرض يصيبه، فهذا شر في نظر الإنسان وإن كان بتقدير الله كله خير للإنسان الذي يعقل ويفهم ذلك، فكأن الإنسان الكافر إذا جاء له الخير يدعو ويطلب الخير، وإذا مسه شيء من البأساء، ومن الضر، ومن الفقر والمرض، ﴿فيئوس قنوط﴾ [فصلت:٤٩]، وهنا صيغة مبالغة وتكرار، والمعنى أنه كثير اليأس، وإن كان يوجد فرق بسيط في المعنى، لكن المقصود شدة يأس الإنسان لما يجيء له شيء من البلاء. قال: ﴿وإن مسه﴾ [فصلت:٤٩] أي: شيء يأتيه من الشر، ﴿فيئوس﴾ [فصلت:٤٩] كأن يأسه في قلبه بأن يسيء الظن بالله سبحانه، وأن الله لن يكشف ما أصابه فييئس من رحمة الله سبحانه، ويسيء الظن في رحمة الله، ﴿قنوط﴾ [فصلت:٤٩] القنوط هو ظهور أثر اليأس على الإنسان من ذلةٍ وانكسار. فالله تعجب من هذا الإنسان، أصبناه بشيء من البلاء، وإذا به على هذه الحالة وييئس من روح الله ومن رحمته، ويقنط وينكسر!

стр. 2966

تفسير قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي) ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً﴾ [فصلت:٥٠] أي: شيء من رحمة الله ، بعد ما كان في مرض أعطيناه عافية، بعدما كان فقيراً أعطيناه من المال. قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ [فصلت:٥٠] يعني: كان فقيراً قبل وقت قريب، ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠]، أنا أستحق هذا الشيء، وتأخر عني كثيراً هذا الشيء، وكان واجب على ربنا أن يعطيني هذا الشيء، وقد أعطاني الآن لأني استحقه، ويزيد في تبجحه بقوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ [فصلت:٥٠]، فبعدما كان يئوساً قنوطاً الآن تكبر وقال: لا تقوم الساعة! قال تعالى عنه: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت:٥٠] أي: مثلما أعطاني في الدنيا فإنه سيعطيني ويدخلني الجنة! ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي﴾ [فصلت:٥٠]، هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع بخلف قالون: وقراءة أبي عمرو وأبي جعفر: ((وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّيَ إِنَّ لِي)) وقوله: ((فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ))، اصبروا وستنظروا ما الذي سيحصل، وسنريكم يوم القيامة ونخبركم، والنبوءة هي الإخبار بما غاب عن الإنسان، ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت:٥٠]، فينتظروا عذاب الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2967

تفسير سورة فصلت [٤٩ - ٥٤] جبل الله الإنسان على حب الخير والنعمة وطلبها، والسعي وراءها، وجبله كذلك على بغض ما يصيبه من بلاء ومصائب، ولذلك فهو يحذرهما ويتوقاهما ما استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ولذلك إذا ما أصابته نكبة أو بلية يتضرع إلى الله مخلصاً له الدين أن ينجيه ويخرجه منها، فإذا ما كشف الله عنه ما حل به إذا به يرتكس وينتكس، ويعود إلى ما كان عليه من ضلال، وكان الواجب عليه أن يشكر الله على نعمه ويزداد من طاعته.

стр. 2968

تفسير قوله تعالى: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة فصلت: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ * وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٤٩ - ٥٤]. هذه الآيات الأخيرة من هذه السورة الكريمة سورة فصلت، يخبر الله فيها عن طبيعة في كل إنسان، أنه لا يسأم، أي: لا يمل من دعاء ربه بالخير، فيدعوه طالباً للخير، وطالباً للمال، وطالباً للصحة والعافية، وطالباً للعز والسلطان، وطالباً ما يتمكن به في الأرض، وطالباً للأتباع والولد، وطالباً من الدنيا ما يريده ويشتهيه، فلا يمل أن يسأل ذلك ربه سبحانه، بل إنه يطلب منه المال والزوجة والمنصب والولد، وغير ذلك، فلا يمل من دعاء الخير، أي: من طلب المال ونعيم الدنيا، قال تعالى: ﴿لا يَسْأَمُ الإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت:٤٩] أي: أي شيء من الشر الذي يُرى أنه شر، وإن كان كل ما قضى الله لعباده من قضاء فهو خير، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٢١٦]؛ فالمقصود بالشر هنا هو ما يراه الإنسان شراً في زعمه ونظره، كأن يبتليه الله بالمرض، فهو يرى أن هذا شر أصابه، والله يبتلي العباد إما ليكفر عنهم سيئاتهم، أو ليرفع لهم درجاتهم سبحانه ﵎، فيبتليهم ربنا سبحانه بما قد يتألمون منه، رحمة بهم في الآخرة، سبحانه ﵎، والعبد لا يدري أنه رحمة به، وإنما إذا ﴿مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٩] ويئوس أي: كثير اليأس، وعظيم اليأس من رحمة الله، فهو سيئ الظن بالله سبحانه ﵎، وقد انقطع أمله في ربه سبحانه، فلا يطلب خيراً بعد ذلك، وقنوط أي: انكسر وظهر عليه أثر هذا اليأس، وأثر هذا الانكسار، والقنوط شدة اليأس، والتكرار هنا مع صيغة المبالغة بقوله: ﴿َيَئُوسٌ قَنُوطٌ﴾ أي: شديد اليأس، عظيم القنوط، وقد بدا أثر هذا اليأس على مظهر هذا الإنسان.

стр. 2969

تفسير قوله تعالى: (ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي) قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت:٥٠]، أي: إن كشفنا عنه هذا المرض وهذا البلاء، وأعطيناه صحة وعافية، وأعطيناه مالاً وولداً، وأذقناه شيئاً من رحمتنا من بعد هذا الضر الذي أصابه، فالمفروض أنه لا ينسى، بل يتذكر أنه كان مريضاً، فيرحم المرضى ويساعدهم، ويتذكر أنه كان فقيراً، فينظر إلى الفقراء ويواسهم، لا أن يتكبر على الله سبحانه ﵎، ويقول: هذا بفضلي وبجدي، وكنت مستحقاً له، وكان واجباً على الله أن يعطيني، وأنه قد منعني بالأمس ثم أعطاني اليوم ما أستحقه! فهذا من غباء من يقول ذلك ويتوهمه، وهذا قول من نسي الآخرة ونسي ربه، وقول من نسي كيف كان يجأر إلى الله بالدعاء، فلما كشف عنه البلاء إذا به يقول في الرخاء: هذا لي، وأنا أستحقه. قال تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ أي: أنه يتبجح الآن وينكر يوم القيامة، ويقول: ولا أظن بأنني سأرجع إلى الله، يقول: وإن فرضت بأنني سوف أرجع إلى الله فإن لي عنده الحسنى، قال تعالى عن قوله هذا: ((وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى)) أي: أنه سيعطيني كذلك يوم القيامة! (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي) هذه قراءة الجمهور، وقراءة قالون وأبي عمرو وأبي جعفر: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّيَ إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى). (فَلَنُنَبِّئَنَّ) هذا قسم، والمقسم به محذوف، والمعنى: والله لننبئنه، والذي دل على هذا القسم لام التوكيد في أول الفعل المضارع، والنون المثقلة في آخره. (فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا) أي: فلنجازيهم، ولنكبتنهم ولنوبخنهم على ما قالوا وما عملوا. ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾، أي: شديد لا يطيقونه يوم القيامة.

стр. 2970

تفسير قوله تعالى: (وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآى بجانبه) قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت:٥١]، وهذه طبيعة وخصلة في الإنسان إلا من ﵀ ، فإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجنبه، أي: مال بجانبه، وصرف وجهه، قال: ﴿أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت:٥١]، وكأنه للتأكيد على ذلك؛ لأن أعرض أي: مال بجانبه، ونأى أي: مال فأكثر من الإمالة، ونأى الإنسان أي: ابتعد ومال عن ربه ، وأعرض أي: أعطاه ظهره، فالمعنى: أنه مال بجانبه عن طاعة الله . وهذه الآية فيها قراءتان: ﴿َنَأى بِجَانِبِهِ﴾، وهذه قراءة الجمهور، بمعنى: مال بجانبه، و (نَاء بِجَانِبِه) بمعنى: بعد، وهذه قراءة ابن ذكوان وأبي جعفر، فعلى قراءة: ﴿نأى بِجَانِبِه﴾ [فصلت:٥١]، فيها التقليل والإمالات لأصحاب التقليل والإمالات، فيقرؤها الأزرق عن ورش بالفتح والتقليل، ويقرؤها خلف عن حمزة والكسائي بإمالة النون وبإمالة الهمزة أيضاً، ويقرؤها خلاد عن حمزة ﴿وَنَأى بِجَانِبِهِ﴾ [فصلت:٥١] والمعنى على ذلك: إن الإنسان يميل بجانبه، أو يبعد بجانبه، والمعنى: تأكيد إعراض الإنسان عن ربه عندما يرى نفسه في رخاء، فتأمل حال الكثيرين من الناس في وقت الرخاء تجدهم معرضين عن الله، وإن زعموا أنهم قريبون من الله ففي وقت البلاء تجده مقبلاً على الله يدعوه، مصلياً متقرباً إلى الله بأنواع الطاعات، وأما وقت الرخاء فإنه ينسى نفسه وينسى ربه، وإن زعم أنه قريب منه، فيترك الصلاة بالكلية، ويبطر فيما آتاه الله، ويجالس أصدقاء السوء، ويذهب إلى الملاهي، ويفعل ما حرم الله سبحانه ﵎؛ إعراضاً عن الله سبحانه، وينأى بجانبه عن ربه سبحانه. قال سبحانه: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾ [فصلت:٥١] أي: عندما نؤدبه بشيء من البلاء فإنه يرجع، كما قال الله: ﴿فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ﴾ [فصلت:٥١] أي: ينادي: يا رب يا رب، يا رب يا رب، ويرفع يديه إلى الله، ويطيل في الدعاء، وفي سؤال ربه سبحانه، أما في وقت الرخاء فإنه ينسى الله ويعرض عنه، فإذا أصابه البلاء دعا ربه سبحانه، وهذا قد يستجيب له ربه وقد لا يستجيب له. وإذا أردت أن يستجيب الله لك في وقت بلائك، فأكثر من الدعاء في وقت رخائك كما قال النبي ﷺ : (من سره أن يستجاب له في وقت البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء) فأكثر من دعاء الله في وقت الرخاء، وعود نفسك على أن تستمتع بالدعاء، وعلى أن تستشعر الذل بين يدي الله ، وأنك محتاج إليه، فإن الدعاء نعمة، فارفع يديك إلى الله، وادعه سبحانه ﵎ وإذا كان أكثر دعائك بالآخرة فقد من الله عليك من فضله وكرمه، فمن الناس من تشغلهم الدنيا، ومنهم: ﴿مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠] فكل همه سؤال الدنيا، وليس له نصيب في الآخرة. قال الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة:٢٠١ - ٢٠٢]. إذاً: على المؤمن أن يكثر من الدعاء في كل وقت، وأما الفاجر والشقي والكافر فإنه لا يذكر ربه إلا في وقت البلاء، فإنه يكون حينئذ ذا دعاء عريض وطويل، فهو يكثر منه في وقت البلاء.

стр. 2971

تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به) قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٥٢] قوله: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي: أخبروني، أرأيتم: انظروا، يعني: انظروا إلى أنفسكم، وأخبروني عن حالكم في هذا الوقت. و ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ))، يقرؤها نافع وأبو جعفر بالتسهيل، ويقرؤها ورش بالمد الطويل، فإذا وصل ورش فيها يقول: (قُلْ أَرَاَيْتُمْوآ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّه)، ويقرؤها الكسائي: (قُلْ أَرََيْتُمْ) بهمزة واحدة. قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ﴾ [فصلت:٥٢] أي: كيف يكون حالكم؟ يعني: فالإنسان لا بد أن يفكر في هذا الأمر، فيا أيها المشركون المعرضون عن الله سبحانه! أخبروني عن حالكم إذا كان هذا حقاً من عند الله وأنتم كافرون به، ماذا يكون ظنكم في الله ؟ فلقد زعمتم أنه ليس من عند الله وقلتم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤] وهذا فرض منكم، فافترضوا أنه حقيقة من عند الله، فماذا يكون حالكم إذا قابلتم ربكم سبحانه؟ ﴿ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت:٥٢] أي: من أشد ضلالاً من هذا الذي في شقاق بعيد، وشقاق: مأخوذ من الشق وهو الجانب، فجانب الدين في مكان وهم في شق آخر بعيدين عنه، فإذا كان هذا الشق يتسع ويبعد إلى ما لا نهاية، فإنه لن يرجع، ولا يتوقع لهذا الذي سار في شق بعيد أن يرجع إلى الحق في يوم من الأيام، فمن أضل من هذا الذي عرف طريق الله فأخذ طريقاً سواه، وسار فيه في بعد بعيد إلى أن هوى في النار والعياذ بالله، فمن أضل من هذا؟! و الجواب لا أحد أضل من هذا الذي هو في شقاق بعيد، وفي بعد عن دين الله ، وهو محارب ومعاد لله ولرسوله وللمؤمنين.

стр. 2972

تفسير قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) قال تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا) أي: سنري هؤلاء الكفار الآيات العظيمة، فيرونها في كتاب الله، وفي كون الله، وفي أنفسهم، والآفاق: جمع أفق، والأفق: البلاد البعيدة النائية، فامشوا في الأرض وانظروا إلى آيات الله سبحانه، وكيف صنع بالأمم السابقة، وانظروا في آيات الله سبحانه، في الأرض، والسماء، والنجوم، والجبال، والبحار، والأفلاك، والأنهار: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد ، وسنريهم هذه الآيات في أنفسهم، كيف يأكلون ويشربون، وكيف ينظرون ويسمعون، وكيف يشمون ويحسون الأشياء، وكيف يفكرون بعقولهم، فيرون آياتنا في أنفسهم وخلقهم، قال: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى:٢ - ٥]. وقال: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ٢٠]. فقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ أي: هؤلاء الكفار، والعجب أن أكثر من يظهر هذه الآيات ويطلع عليها هم الكفار، فتجد علماء الفلك منهم يطلعون على أشياء بعد أن تعبوا جداً حتى وصلوا إليها، وفي الأخير يجدونها مسطورة في كتاب الله !

стр. 2973

وعد الله يتحقق في العصر الحديث لعلكم سمعتم عن الذي كان يتكلم في انشقاق القمر، ولكنه كان مكذباً للقرآن، وكان كافراً معرضاً عن كتاب الله، وفي يوم من الأيام أهداه بعض المسلمين كتاب الله، فأخذ ينظر إليه، فكان أول شيء اطلع عليه في القرآن سورة القمر، إذ يقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، فإذا به يغلق الكتاب ويتركه ويكذب بذلك، فأعرض عن الله سبحانه، وهو الذي ذكر ذلك، كما ينقل ذلك الدكتور زغلول النجار أكرمه الله وبارك الله فيه. وقد نقل أن هذا الرجل أسلم بعد ذلك، بعد أن أعرض عن كتاب الله لما سمع هذه الآيات: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١]، وقال: إن القمر موجود كما هو، فمتى انشق؟ وأنكر ذلك، ثم بعد ذلك اطلع على برنامج تلفزيوني ورأى المذيع وهو يسأل رواد الفضاء ويقول لهم: أنتم أنفقتم ملايين الدولارات من أجل الصعود إلى القمر في أشياء لا تعود بأي فائدة على البشرية، وقد كان الأولى أن تطعموا بها المساكين والفقراء! فقال له رائد الفضاء: نحن أنفقنا ملايين ووصلنا إلى معلومة تساوي أكثر من الذي أنفقنا، لقد اكتشفنا أن القمر انشق في يوم من الأيام، فسأله المذيع: كيف عرفتم ذلك؟ فقال: لقد صورنا القمر فوجدنا فلقة في القمر تدل على أنه في يوم من الأيام في هذا المكان انشق القمر كله، والتحم مرة ثانية، فأعاد قول رائد الفضاء هذا لهذا الذي كفر صوابه، فإذا به يرجع إلى كتاب الله، ويقرؤه ويتأمل فيه بآية رآها الكفار ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ [فصلت:٥٣]. وكم من الآيات اطلع عليها هؤلاء الكفار وقالوها، فوجدوا مصداقها في كتاب الله سبحانه ﵎، ومن ذلك آيات خلق الإنسان من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة، فأخبر سبحانه أن الإنسان يكون مضغة، ولما ناقش الشيخ الزنداني بعض علماء الأجنة من الأجانب فيها، وقال له: ماذا تسمي هذا الطور الذي سماه ربنا مضغة؟ ولم يخبره أن الله سماه مضغة، وقد كانوا يسمون هذه المراحل أطواراً، ويقولون: الطور رقم واحد، والطور رقم اثنين، فلما سأله: إذا وصفنا هذه المرحلة فبماذا نصفها؟ فإذا بهذا الكافر يقول له: أقرب وصف لها أنها اللبانة التي تمتضغ، فقال له: وفي القرآن سماها الله مضغة! فتعجب الرجل وقال: وهل اطلع محمد على الجنين وهو في بطن أمه؟ نحن نصور هذه الأشياء بالمناظير، فأين رأيتموها أنتم؟ فهذا لا يكون إلا من عند الله سبحانه ﵎، يُري هؤلاء الكفار آياته فيطلعون عليها. ويخبر النبي ﷺ عن ماء الرجل وماء المرأة، وقد كان علماء الطب إلى نهاية العهد الحديث لا يعرفون ماء المرأة، والنبي ﷺ يقول ذلك، وهم يكذبون بهذا الحديث إلى أن اكتشف الكفار أن المرأة لها ماء، وقد قال النبي ﷺ : (إذا علا ماء الرجل أذكر بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة آنث بإذن الله) والذي اكتشف بعد ذلك علماء الكفار وليس علماء المسلمين. وكذلك في خلق الإنسان قال علماء الكفار: يخلق العظم أولاً، وبعده بقليل يكون اللحم، ويوجد هذا في كتاب الله، ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون:١٤]. وكم من الآيات في كتاب الله ولعل من أكثر الأشياء التي نعرفها ما قاله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن:١٩ - ٢٠]، أي: برزخ بين النهر وبين البحر، فلا يتملح ماء النهر ولا يحلو ماء البحر، فبين المائين منطقة وسط، لها كائناتها ولها طبيعتها ولها طعمها، خلاف هذه وخلاف هذه، ويخبر الله بذلك، ولم ير النبي ﷺ ذلك، وليس عنده نهر يصب في البحر من أجل أن يراه النبي ﷺ ، ويعرف هذا الشيء، وإنما يري الله الآيات لخلقه حتى يتبين لهم ويتأكدوا أن هذا كتاب الله وأنه الحق من عند الله كما قال تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣] وكفى بالله شهيداً، فهو يشهد على العباد بما في قلوبهم مما لا ينطقون بألسنتهم به، والله يشهد على ذلك فهم يعرفون أنه الحق ويكتمون أنه الحق، ويعرفون ذلك ولا يتكلمون به وقد عرف الكفار ذلك، وذهبوا ليسمعوا من النبي ﷺ ما يقرؤه من كتاب الله، ويرجع أبو جهل وأبو سفيان وغيرهم ويحلفون أن لا يرجعوا لسماع النبي ﷺ مرة أخرى، ثم يرجعون مرة ثانية ليستمعوا النبي ﷺ ، وقد شهد الوليد بن المغيرة أن القرآن ليس بقول بشر، فلما ضغطوا عليه ليرجع عن كلامه قال: ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر:٢٤] فكتموا ما عرفوا من أنه الحق من عند الله، فقال الله: كفى أننا نشهد عليهم بذلك، بأن هذا الحق من عند الله، ونشهد عليهم بما في قلوبهم، وإن كذبوا وأعرضوا ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت:٥٣]، بلى.

стр. 2974

تفسير قوله تعالى: (ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم) قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ﴾ [فصلت:٥٤] أي: في شك بعيد من دين الله سبحانه، ومن لقاء ربهم، فهم متشككون في يوم القيامة، ولا بد أن يكون. ﴿أَلا إِنَّهُ﴾ [فصلت:٥٤] أي: الله ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [فصلت:٥٤] أي: أحاط بكل شيء علماً، وأحاط بكل شيء قدرة، وأحاط وعلم عدد كل شيء سبحانه ﵎. ومحيط مأخوذة من الحيطة التي تحيط بالقوم، وتحيط بالبيت، فالله محيط، والإحاطة إحاطة علم وإحاطة قدرة، والمعنى: إنه يحيط بكم علماً وقدرة عليكم، فأين تذهبون من الله سبحانه ﵎؟! ففيها من التهديد ما فيها، فقد علم الله كل شيء عنكم، وقد أحاط بكم قدرة وعلماً، وسترجعون إلى الله، فترون ما يكون من عذاب الله. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2975

تفسير سورة الشورى - مقدمة سورة الشورى من الحواميم السبع، وهي سورة مكية، وفيها خصائص السور المكية، وقد امتازت عن غيرها ببدئها بقوله تعالى: (حم، عسق)، وقد تكلم العلماء عن هذه الحروف المقطعة في أوائل السور، واختلفوا في معانيها على أقوال كثيرة.

стр. 2976

ما تضمنته سورة الشورى الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى:١ - ٦]. هذه السورة الثانية والأربعون من كتاب الله ، وهي سورة الشورى، وهي واحدة من سبع سور بدأت بالفواتح المعروفة (حم) بهذين الحرفين، وهذه السورة زادت على باقي السبع بثلاثة حروف أخر وهي: (عسق)، وسور الحواميم أو آل حم من السور العظيمة التي نزلت في مكة، ونزلت كلها على التوالي بعضها وراء بعض. وهذه السورة هي السورة التاسعة والستون في ترتيب نزول القرآن من السماء، لكنها في ترتيب المصحف هي السورة الثانية والأربعون. وسور الحواميم كلها مكية، وفيها خصائص السور المكية، ففيها تربية المؤمنين، وفيها الدعوة إلى التوحيد، وفيها إقرار أمر العقيدة، وبيان توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان قدرة الله العظيمة الباهرة، وبيان الآيات الكونية التي جعلها الله لأولي الأبصار يعتبرون بها، ويعلمون أن إلههم إله واحد لا شريك له، خلق السموات، وخلق الأرض، وخلق الجبال، وخلق البحار، قال الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وبيان نعم الله على العباد، وبيان المصائب التي يبتلي بها العباد، وأن العباد لا يبتليهم الله إلا بما كسبت أيديهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] . وفي هذه السورة الإشارة إلى تحدي الطاعنين في القرآن العظيم، فقد قال الكفار يوصي بعضهم بعضاً: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، فالله تحداهم بأن يأتوا بكتاب مثله، وبأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وبأن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقال الله سبحانه ﵎ يتحدى هؤلاء: ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى:١ - ٣] أي: الغالب سبحانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣] ذو الحكمة العظيمة البالغة. فالقرآن من جنس هذه الحروف التي تقرءونها وتعرفونها، فائتوا بسورة مثل هذه السورة، أو كأقصر سورة من كتاب الله إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً. والعرب قوم يقبلون التحدي، إذا تحداهم أحد سرعان ما ينبرون في قبول التحدي، وفي المخاصمة، ولكنهم هربوا ولم يقدروا أن يواجهوا، ولم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولا بمثل أقصر سورة منه. كذلك يستدل الله في هذه السورة على المعاندين للنبي ﷺ بأن هذا الوحي لم ينزل على النبي ﷺ فقط، وإنما أوحى الله إليه كما أوحى إلى الذين من قبله، وليس بدعاً من الرسل، وليس شيئاً جديداً غريباً على هؤلاء، فقد عرفوا أن قبلك أنبياء من البشر قد جاءوا إلى أقوامهم، فقال الله : ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣]. كذلك يذكر أنه خلق السموات والأرض، وأن هذه مخلوقات عرفت حق ربها سبحانه، فقال: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥]، أي: تكاد السموات ينفطرن من هول ما يقول هؤلاء الذين ادعوا لله الصاحبة والولد! ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم:٣٠]. ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، فهذا الكون كله لله سبحانه ﵎، ما علمته وما لا لم تعلمه، كل شيء يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، فالله خلقك، وخلق لك هذه الآيات التي في الكون، وخلق ملائكة يستغفرون لك إذا آمنت بالله وعملت صالحاً، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]. والمشركون لا حجة لهم إلا أنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وقد حذرهم الله يوم القيامة، يوم الجزاء، يوم يرجعون فيه إلى الله فيجازيهم بما عملوا، تحذيراً لهم من شركهم، ومن وقوعهم فيما يغضب الله . كذلك يسلي الله نبيه ﷺ بأنه هو سبحانه الذي يتولى جزاء هؤلاء المكذبين، إذاً لا تحزن على هؤلاء، ولا تحزن مما يصنعونه بك، وقد أمره أن يتلطف معهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، ومع ذلك لم يراعوا قرابة ولا رحماً مع النبي ﷺ ، ووقفوا له بالمرصاد، فالله طمأنه أنهم راجعون إلى الله فيجازيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨]. كذلك يذكر الله نعمه على العباد، فمن آيات الله خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، ومن آيات الله خلق هذا الإنسان مع ما أنعم عليه من نعم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى:٣٢ - ٣٤] فيغرق أهلها بما كسبوا، ومع ذلك فهو يعفو عن كثير . وختم الله هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣]، إذاً لا تحزن على هؤلاء، فكل شيء راجع إلينا؛ لنجازي هؤلاء، ونحاسبهم على ما صنعوا.

стр. 2977

تفسير قوله تعالى: (حم . عسق) هذه السورة العظيمة بدأها الله بالحروف المقطعة في أولها: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وهذا إشارة إلى تحدي هؤلاء، فهذه الحروف من جنس ما تنطقون، ومن جنس ما تقولون، فأنتم تقرءون حروف: ألف باء، وحروف (أبجد هوز)، وتصيغون منها أشعاركم التي تتفاخرون بها، وتعلقونها على الكعبة، مثل المعلقات السبع والعشر، كلما وجدوا شاعراً مجيداً في قبيلة أخذوا قصيدة من أجمل قصائده وعلقوها على جدار الكعبة، فكان على جدار الكعبة عشر قصائد من أجمل ما قالت العرب. فقال لهؤلاء: أنتم تفتخرون بلغتكم هذه، فهل هذا القرآن من هذا الشعر؟ إنه شيء آخر لم يعتادوا عليه، وما سمعوا بمثله قبل ذلك، لقد عرفوا كيف يخطبون ويتكلمون بالنثر، وكيف يصيغون الشعر، وكيف يسجعون فيما يقولون، ولكن أن يتكلموا بمثل القرآن فهذا شيء لم يعهدوه من قبل ذلك، فإذا بالله يتحداهم به، ويجذب أسماعهم إلى هذا القرآن، فيستمعون وهم مستسيغون لهذا القرآن، مستمتعون به، ولكن في قلوبهم الحنق على النبي ﷺ : لماذا أنت بالتحديد أنزل عليك القرآن؟ ولماذا لا نكون نحن؟ فيدفعهم ذلك إلى الغيرة منه ﷺ ، وإلى الحسد له صلوات الله وسلامه عليه، فلا يقبلون أن يعملوا بمثل هذا القرآن، ولا يقبلون أن يسمعوا طوعاً من النبي ﷺ ، وإنما يستمعون من ورائه صلوات الله وسلامه عليه، يذهبون إليه وهو عند الكعبة يقرأ القرآن بالليل، فيذهبون متلصصين ليستمعوا، منهم: أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، يذهبون ليستمعوا لبلاغة القرآن، حتى إن الوليد بن المغيرة -وهو من أشد الناس معاندة- لا يسعه إلا أن يقول: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر! لم يستطع إلا أن يقول ذلك عن هذا القرآن العظيم. فما زال به أبو جهل -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- يقول له: أغواك محمد؟ هل أعطاك مالاً؟ حتى رجع عن هذا الذي قاله، وقال لهم: ماذا أقول؟! دعوني أفكر، فذهب إلى بيته، واحتبس عنهم، وفكر وقدر، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٩ - ٢٥]، وهو نفسه الذي قال عن القرآن: إن له لحلاوة وكان يذهب ليستمع بالليل للنبي ﷺ وهو يقرؤه، ومع ذلك يقول: إنه قول البشر؛ خوفاً من طعن المشركين عليه، ومن تعييرهم له، وأنه يذهب إلى محمد من أجل أن يعطيه شيئاً، وحتى يجمع له مالاً، ومن أجل أن يطعمه، وقد كان من أغناهم، ومن أعزهم، فأصابته نعرة الجاهلية، وحمية الباطل، فإذا به يرفض أن يأتي إلى النبي ﷺ بعد ذلك، وقال عن كلام رب العالمين: هذا قول البشر، بعدما قال عنه: وما هو بقول البشر!

стр. 2978

عدد آيات سورة الشورى هذه السورة آياتها ثلاث وخمسون آية على العد الكوفي. وتسعة وأربعون آية على العد البصري. وخمسون آية على العد الحجازي. وإحدى وخمسون آية على العد الحمصي. وعد الآي مأخوذ من وقوف النبي ﷺ ، فيعتبرون وقف النبي ﷺ على رأس آية، فهذا سبب الخلاف، والآيات هي نفس الآيات وليست آيات أخرى، ولكن يختلفون أين وقف. فالكوفيون أكثرهم عداً، يقولون: (حم) آية، و (عسق) الآية الثانية، و (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم) الآية الثالثة. وغيرهم يقولون: (حم عسق) آية واحدة، وجميع الذين يقولون: إنها آية أو آيتان، يقولون: لا تقف على هذه الحروف، ولكن أوصلها؛ لأنها حروف وليست كلمات تعطي أمراً أو نهياً، وإنما هي مجموعة من الحروف، فتوصل مثلما يوصل قوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] وكذلك هنا: (حم عسق). إذاً: سبب الخلاف: أين وقف النبي ﷺ ؟ وأين نقف؟ فإذا وقفوا يعدون رأس آية، فبعضهم يعتبرون (حم عسق) آية واحدة، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢] آية كما سنذكرها، وكذلك قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤] يقف عليها البعض، ولا يقف عليها البعض. وهذا علم اسمه: علم عد الآي، فالسورة هي نفس السورة بنفس الكلمات، وليس فيها زيادة أو نقصان، ولكن أين يوقف؟ فقد يقف هؤلاء هنا، ويقف الآخرون هنا، فيعتبرون هذه آية، وهذه آية، وقد لا يقف، فيعتبرون الآيتين آية واحدة. وهذه السورة كما قلنا: سورة مكية، ما عدا أربع آيات فيها الراجح من كلام العلماء أنها مدنية، وهي من قول الله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] إلى نهاية أربع آيات، فهذه قالوا: نزلت بالمدينة، وعندما نأتي إليها سنتكلم عنها.

стр. 2979

كيفية قراءة (حم . عسق) تقرأ: (حم عسق) موصولة، وتمد الحاء حركتين فقط، ولا تمد مداً طويلاً، بل تمد المد الطبيعي. والميم وما بعدها تمد مداً طويلاً، والعين يجوز أن تمدها مداً طويلاً، ويجوز أن تمدها أربع حركات فقط. وتقول: حا، ولا تقل: حاء بهمزة في آخرها، وتمد الميم ست حركات مداً طويلاً، والحركة بمقدار ما تقبض الإصبع، والعين يجوز فيها المد أربع حركات، ويجوز فيها المد ست حركات، والسين والقاف تمدان مداً طويلاً.

стр. 2980

كلام العلماء في الحروف المقطعة الله سبحانه ﵎ يختار الحروف لحكمة منه ، والعلماء يقولون: الذي نفهم من هذه الحروف أن الله يتحدى العباد بهذه الحروف، وكأنه يقول: القرآن من جنس ما تتكلمون وتنطقون به من حروفكم، ولكن لماذا اختار هذا الحرف هنا؟ واختار هذا الحرف هنا؟ هذا لحكمة من الله ، ولا مانع أن يدلي العلماء بدلوهم في ذلك، ولكن لا نقول: هذه هي الحكمة الوحيدة التي من أجلها ذكر الله ذلك، فإن هذا مرجعه إلى الله . ينقل الحافظ ابن كثير عن الزمخشري وغيره كلاماً في هذه الحروف، يقول: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها. وحروف اللغة العربية بعضهم يعدها: أبجد هوز حطي كلمن إلى آخره، ونحن نقرؤها: ألف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء هذا ترتيبنا، وهم يرتبونها بأبجد هوز. والحروف ثمانية وعشرون حرفاً، إذا لم نعد اللام والألف (لا) لأنهما حرفان: اللام والألف، فالحروف ثمانية وعشرون حرفاً، والسور التي هي مبدوءة بالحروف المقطعة ثمانية وعشرون سورة، وستجد هذه الحروف على النصف من عدد الحروف، وعندما نقول: ثمانية وعشرون سورة مبدوءة بحروف مقطعة، وإذا جمعنا هذه الحروف وحذفنا منها المكرر، فسنجد السورة بدأت بحرف واحد، مثل: حرف: نون، قاف، صاد، وقد تبدأ السورة بحرفين مثل: (حم)، وقد تبدأ بثلاثة مثل: (الم)، وقد تبدأ بأربعة مثل: (المص)، وقد تبدأ بخمسة مثل: (حم عسق) أو (كهيعص). إذاً: الحروف المقطعة قد تكون حرفاً واحداً، وقد تكون حرفين، أو ثلاثة أحرف، أو أربعة أحرف، أو خمسة، وكأنه يقول: كلماتكم تتكون من حرف، وحرفين، ومن ثلاثة أحرف، ومن أربعة أحرف، ومن خمسة أحرف. وعندما نجمع هذه الأحرف ثم نحذف منها الزيادة، نجد أنها أربعة عشر حرفاً من غير المكرر منها. إذاً: هذه السور ثمانية وعشرون سورة، والحروف التي في أوائلها من غير تكرار أربعة عشر حرفاً، وقد جمعوا الأربعة عشر حرفاً في جملة (نص حكيم قاطع له سر)، فهذه الحروف من أسرار القرآن، والغالب أن الحروف التي بدأها الله في السور إذا عددت هذه الحروف في نفس السورة وقورنت بباقي الحروف كانت أكثرها أو من أكثرها في العدد في السورة التي تذكر فيها. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الحروف نصف الحروف عدداً، أي: نصف حروف المعجم، والمذكور منها أشرف من المتروك، أي: أهل العربية يقسمون الحروف إلى أقسام منها: حروف مهموسة، وحروف مجهورة، وحروف رخوة، وحروف شديدة، وحروف مطبقة، وحروف مفتوحة، وحروف مستعلية، وحروف منخفضة، وحروف قلقلة، وأشرف هذه الحروف ما ذكر في أوائل هذه السور. هذا الكلام ذكره الحافظ ابن كثير وكذلك ذكره الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن، فذكر فيه أن القرآن بديع في نظمه، عجيب في تأليفه، متناه في بلاغته، إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، وذكر الذي يشتمل عليه من البديع في كتاب كامل يتجاوز الثلاثمائة صفحة، وهو كتاب عظيم جداً، فيه نوع من أنواع الإعجاز، وهو الإعجاز اللغوي، يتكلم عن إعجاز اللغة بما يفهمه فصحاء الناس وليس جهال الناس، وقد أجاد وأبدع في كتابه، ونقل عن غيره كـ الرماني والجاحظ في فصاحة هذا القرآن وبلاغته. ومن ضمن ما ذكره أنه أتى بأبيات من شعر فحول العرب، من أصحاب المعلقات وغيرهم، وقال: إن البعض منهم يجيد الشعر في نوع ولا يجيده في غيره، فيجيده في الغزل ولا يجيده مثلاً في الحرب وفي القتال، أما القرآن فيتكلم في كل شيء، وهو فصيح بأعلى الدرجات في كل شيء. وذكر كلاماً كثيراًَ في ذلك، وذكر فواتح السور نحو: (الم)، و (حم) ونحو ذلك، فذكر عدد حروف المعجم، وقال: إن عدد السور المفتتحة بهذه الفواتح في أولها ثمانية وعشرون سورة، قال: والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليه وجوهاً نحن ذاكروها، فمن ذلك أنهم قسموها إلى: مهموسة، ومجهورة، والحرف المهموس حرف ليس معتمداً في مكانه، فعندما يخرج من الفم يخرج معه النفس، ويجمعها قولهم: (فحثه شخص سكت) الفاء والحاء والثاء والهاء والشين والخاء والصاد والسين والكاف والتاء، تسمى هذه: حروف الهمس، وغيرها حروف مجهورة، أي: يخرج الحرف ولا يخرج معه نفس. هذه الحروف التي ذكر العلماء أنها تنقسم في اللغة إلى هذه وهذه، جاء القرآن فأخذ من هذه الحروف أعلاها، وبدأ بها في فواتح السور. قال: عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور، والحروف المهموسة هي: (فحثه شخص سكت)، فأخذ منها الحاء والهاء والصاد والسين والكاف، فكان نصف الحروف المهموسة في فواتح السور، ونصف الحروف المجهورة في أوائل السور، والحروف المهموسة عشرة أحرف، فذكر الله في كتابه النصف منها -أي: خمسة أحرف- والأحرف المذكورة في أوائل السور أربعة عشر حرفاً، فنصف المهموس هذه الخمسة، والباقي من الأربعة عشر: تسعة أحرف، إذاً مجموع الحروف المجهورة: ثمانية عشر حرفاً، ونصف الثمانية عشر في فواتح السور، أي: نصف المجهور ونصف المهموس. وهذا شيء عجيب لمن يتفكر فيه! فهذه الحروف نصف المهموسة ونصف المجهورة!! أخذ الله نصف المجهورة ونصف المهموسة فجعلها في فواتح السور، وقلنا: إن عدد السور ثمانية وعشرون بعدد الحروف الأبجدية، وعدد الحروف المقطعة من دون التكرار أربعة عشر حرفاً، على نصف عدد السور، وعلى نصف عدد الحروف، وهذه الحروف المذكورة في أوائل السور تتصف بوصفين: نصف مهموس، ونصف مجهور، فنصف الحروف المهموسة مذكورة في أول بعض هذه السور، ونصف الحروف المجهورة مذكورة في أول بعض هذه السور! وهذا شيء خاص باللغة العربية، ليس للرياضيات ولا الحساب ولا الإحصاء شأن في ذلك. وليس هذا فقط في المهموس والمجهور، بل هناك حروف حلقية، وهي ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والغين، والخاء، والحاء، وباقي الحروف من غير هذا المخرج، فنصف الحروف الحلقية في فواتح السور! كأنه يقول: إن عدد الحروف المعجمة ثمانية وعشرون حرفاً، سنذكر نصفها؛ لندل على الباقي، ولن نذكر لك كل الحروف، وأنت اعرف الباقي. فنذكر لك نصف المهموس والنصف الآخر من المجهور في فواتح السور. كذلك الحروف تنقسم إلى: شديدة، وغير شديدة، والحروف الشديدة هي: (أجد قط بكت): الألف، والجيم، والدال، والقاف، والطاء، والباء، والكاف، والتاء، ثمانية أحرف، فنصفها في بعض السور والنصف الآخر في باقي هذه السور! وكأن أنواع الحروف التي تنطق بها القرآن يذكر من كل نوع نصفه ويضعه في أول كل سورة من هذه السور، ويقول لك: سنحضر لك من كل الحروف أشرفها ونضعها، ونأتي بهذا القرآن من مثلها، وحاول أنت أن تأتي بمثل ذلك، ولن تستطيع إلى ذلك سبيلاً.
следующие страницы →