← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

ما تضمنته سورة الشورى الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى:١ - ٦]. هذه السورة الثانية والأربعون من كتاب الله ، وهي سورة الشورى، وهي واحدة من سبع سور بدأت بالفواتح المعروفة (حم) بهذين الحرفين، وهذه السورة زادت على باقي السبع بثلاثة حروف أخر وهي: (عسق)، وسور الحواميم أو آل حم من السور العظيمة التي نزلت في مكة، ونزلت كلها على التوالي بعضها وراء بعض. وهذه السورة هي السورة التاسعة والستون في ترتيب نزول القرآن من السماء، لكنها في ترتيب المصحف هي السورة الثانية والأربعون. وسور الحواميم كلها مكية، وفيها خصائص السور المكية، ففيها تربية المؤمنين، وفيها الدعوة إلى التوحيد، وفيها إقرار أمر العقيدة، وبيان توحيد الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وبيان قدرة الله العظيمة الباهرة، وبيان الآيات الكونية التي جعلها الله لأولي الأبصار يعتبرون بها، ويعلمون أن إلههم إله واحد لا شريك له، خلق السموات، وخلق الأرض، وخلق الجبال، وخلق البحار، قال الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر:٦٢]، وبيان نعم الله على العباد، وبيان المصائب التي يبتلي بها العباد، وأن العباد لا يبتليهم الله إلا بما كسبت أيديهم، قال تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] . وفي هذه السورة الإشارة إلى تحدي الطاعنين في القرآن العظيم، فقد قال الكفار يوصي بعضهم بعضاً: ﴿لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت:٢٦]، فالله تحداهم بأن يأتوا بكتاب مثله، وبأن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وبأن يأتوا بسورة من مثله، فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فقال الله سبحانه ﵎ يتحدى هؤلاء: ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى:١ - ٣] أي: الغالب سبحانه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣] ذو الحكمة العظيمة البالغة. فالقرآن من جنس هذه الحروف التي تقرءونها وتعرفونها، فائتوا بسورة مثل هذه السورة، أو كأقصر سورة من كتاب الله إن استطعتم إلى ذلك سبيلاً. والعرب قوم يقبلون التحدي، إذا تحداهم أحد سرعان ما ينبرون في قبول التحدي، وفي المخاصمة، ولكنهم هربوا ولم يقدروا أن يواجهوا، ولم يقدروا أن يأتوا بمثل هذا القرآن، ولا بمثل أقصر سورة منه. كذلك يستدل الله في هذه السورة على المعاندين للنبي ﷺ بأن هذا الوحي لم ينزل على النبي ﷺ فقط، وإنما أوحى الله إليه كما أوحى إلى الذين من قبله، وليس بدعاً من الرسل، وليس شيئاً جديداً غريباً على هؤلاء، فقد عرفوا أن قبلك أنبياء من البشر قد جاءوا إلى أقوامهم، فقال الله : ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣]. كذلك يذكر أنه خلق السموات والأرض، وأن هذه مخلوقات عرفت حق ربها سبحانه، فقال: ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٥]، أي: تكاد السموات ينفطرن من هول ما يقول هؤلاء الذين ادعوا لله الصاحبة والولد! ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [إبراهيم:٣٠]. ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، فهذا الكون كله لله سبحانه ﵎، ما علمته وما لا لم تعلمه، كل شيء يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم، فالله خلقك، وخلق لك هذه الآيات التي في الكون، وخلق ملائكة يستغفرون لك إذا آمنت بالله وعملت صالحاً، ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]. والمشركون لا حجة لهم إلا أنهم يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٢]، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣]، وقد حذرهم الله يوم القيامة، يوم الجزاء، يوم يرجعون فيه إلى الله فيجازيهم بما عملوا، تحذيراً لهم من شركهم، ومن وقوعهم فيما يغضب الله . كذلك يسلي الله نبيه ﷺ بأنه هو سبحانه الذي يتولى جزاء هؤلاء المكذبين، إذاً لا تحزن على هؤلاء، ولا تحزن مما يصنعونه بك، وقد أمره أن يتلطف معهم صلوات الله وسلامه عليه، فقال: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، ومع ذلك لم يراعوا قرابة ولا رحماً مع النبي ﷺ ، ووقفوا له بالمرصاد، فالله طمأنه أنهم راجعون إلى الله فيجازيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨]. كذلك يذكر الله نعمه على العباد، فمن آيات الله خلق السموات والأرض، وما بث فيهما من دابة، ومن آيات الله خلق هذا الإنسان مع ما أنعم عليه من نعم، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى:٣٢ - ٣٤] فيغرق أهلها بما كسبوا، ومع ذلك فهو يعفو عن كثير . وختم الله هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه: ﴿أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣]، إذاً لا تحزن على هؤلاء، فكل شيء راجع إلينا؛ لنجازي هؤلاء، ونحاسبهم على ما صنعوا.

стр. 2977

تفسير قوله تعالى: (حم . عسق) هذه السورة العظيمة بدأها الله بالحروف المقطعة في أولها: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وهذا إشارة إلى تحدي هؤلاء، فهذه الحروف من جنس ما تنطقون، ومن جنس ما تقولون، فأنتم تقرءون حروف: ألف باء، وحروف (أبجد هوز)، وتصيغون منها أشعاركم التي تتفاخرون بها، وتعلقونها على الكعبة، مثل المعلقات السبع والعشر، كلما وجدوا شاعراً مجيداً في قبيلة أخذوا قصيدة من أجمل قصائده وعلقوها على جدار الكعبة، فكان على جدار الكعبة عشر قصائد من أجمل ما قالت العرب. فقال لهؤلاء: أنتم تفتخرون بلغتكم هذه، فهل هذا القرآن من هذا الشعر؟ إنه شيء آخر لم يعتادوا عليه، وما سمعوا بمثله قبل ذلك، لقد عرفوا كيف يخطبون ويتكلمون بالنثر، وكيف يصيغون الشعر، وكيف يسجعون فيما يقولون، ولكن أن يتكلموا بمثل القرآن فهذا شيء لم يعهدوه من قبل ذلك، فإذا بالله يتحداهم به، ويجذب أسماعهم إلى هذا القرآن، فيستمعون وهم مستسيغون لهذا القرآن، مستمتعون به، ولكن في قلوبهم الحنق على النبي ﷺ : لماذا أنت بالتحديد أنزل عليك القرآن؟ ولماذا لا نكون نحن؟ فيدفعهم ذلك إلى الغيرة منه ﷺ ، وإلى الحسد له صلوات الله وسلامه عليه، فلا يقبلون أن يعملوا بمثل هذا القرآن، ولا يقبلون أن يسمعوا طوعاً من النبي ﷺ ، وإنما يستمعون من ورائه صلوات الله وسلامه عليه، يذهبون إليه وهو عند الكعبة يقرأ القرآن بالليل، فيذهبون متلصصين ليستمعوا، منهم: أبو سفيان، والوليد بن المغيرة، يذهبون ليستمعوا لبلاغة القرآن، حتى إن الوليد بن المغيرة -وهو من أشد الناس معاندة- لا يسعه إلا أن يقول: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول بشر! لم يستطع إلا أن يقول ذلك عن هذا القرآن العظيم. فما زال به أبو جهل -لعنة الله عليه وعلى أمثاله- يقول له: أغواك محمد؟ هل أعطاك مالاً؟ حتى رجع عن هذا الذي قاله، وقال لهم: ماذا أقول؟! دعوني أفكر، فذهب إلى بيته، واحتبس عنهم، وفكر وقدر، ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر:١٩ - ٢٥]، وهو نفسه الذي قال عن القرآن: إن له لحلاوة وكان يذهب ليستمع بالليل للنبي ﷺ وهو يقرؤه، ومع ذلك يقول: إنه قول البشر؛ خوفاً من طعن المشركين عليه، ومن تعييرهم له، وأنه يذهب إلى محمد من أجل أن يعطيه شيئاً، وحتى يجمع له مالاً، ومن أجل أن يطعمه، وقد كان من أغناهم، ومن أعزهم، فأصابته نعرة الجاهلية، وحمية الباطل، فإذا به يرفض أن يأتي إلى النبي ﷺ بعد ذلك، وقال عن كلام رب العالمين: هذا قول البشر، بعدما قال عنه: وما هو بقول البشر!

стр. 2978

عدد آيات سورة الشورى هذه السورة آياتها ثلاث وخمسون آية على العد الكوفي. وتسعة وأربعون آية على العد البصري. وخمسون آية على العد الحجازي. وإحدى وخمسون آية على العد الحمصي. وعد الآي مأخوذ من وقوف النبي ﷺ ، فيعتبرون وقف النبي ﷺ على رأس آية، فهذا سبب الخلاف، والآيات هي نفس الآيات وليست آيات أخرى، ولكن يختلفون أين وقف. فالكوفيون أكثرهم عداً، يقولون: (حم) آية، و (عسق) الآية الثانية، و (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ الله العزيز الحكيم) الآية الثالثة. وغيرهم يقولون: (حم عسق) آية واحدة، وجميع الذين يقولون: إنها آية أو آيتان، يقولون: لا تقف على هذه الحروف، ولكن أوصلها؛ لأنها حروف وليست كلمات تعطي أمراً أو نهياً، وإنما هي مجموعة من الحروف، فتوصل مثلما يوصل قوله: ﴿كهيعص﴾ [مريم:١] وكذلك هنا: (حم عسق). إذاً: سبب الخلاف: أين وقف النبي ﷺ ؟ وأين نقف؟ فإذا وقفوا يعدون رأس آية، فبعضهم يعتبرون (حم عسق) آية واحدة، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢] آية كما سنذكرها، وكذلك قوله: ﴿وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤] يقف عليها البعض، ولا يقف عليها البعض. وهذا علم اسمه: علم عد الآي، فالسورة هي نفس السورة بنفس الكلمات، وليس فيها زيادة أو نقصان، ولكن أين يوقف؟ فقد يقف هؤلاء هنا، ويقف الآخرون هنا، فيعتبرون هذه آية، وهذه آية، وقد لا يقف، فيعتبرون الآيتين آية واحدة. وهذه السورة كما قلنا: سورة مكية، ما عدا أربع آيات فيها الراجح من كلام العلماء أنها مدنية، وهي من قول الله سبحانه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] إلى نهاية أربع آيات، فهذه قالوا: نزلت بالمدينة، وعندما نأتي إليها سنتكلم عنها.

стр. 2979

كيفية قراءة (حم . عسق) تقرأ: (حم عسق) موصولة، وتمد الحاء حركتين فقط، ولا تمد مداً طويلاً، بل تمد المد الطبيعي. والميم وما بعدها تمد مداً طويلاً، والعين يجوز أن تمدها مداً طويلاً، ويجوز أن تمدها أربع حركات فقط. وتقول: حا، ولا تقل: حاء بهمزة في آخرها، وتمد الميم ست حركات مداً طويلاً، والحركة بمقدار ما تقبض الإصبع، والعين يجوز فيها المد أربع حركات، ويجوز فيها المد ست حركات، والسين والقاف تمدان مداً طويلاً.

стр. 2980

كلام العلماء في الحروف المقطعة الله سبحانه ﵎ يختار الحروف لحكمة منه ، والعلماء يقولون: الذي نفهم من هذه الحروف أن الله يتحدى العباد بهذه الحروف، وكأنه يقول: القرآن من جنس ما تتكلمون وتنطقون به من حروفكم، ولكن لماذا اختار هذا الحرف هنا؟ واختار هذا الحرف هنا؟ هذا لحكمة من الله ، ولا مانع أن يدلي العلماء بدلوهم في ذلك، ولكن لا نقول: هذه هي الحكمة الوحيدة التي من أجلها ذكر الله ذلك، فإن هذا مرجعه إلى الله . ينقل الحافظ ابن كثير عن الزمخشري وغيره كلاماً في هذه الحروف، يقول: هي حروف من حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها. وحروف اللغة العربية بعضهم يعدها: أبجد هوز حطي كلمن إلى آخره، ونحن نقرؤها: ألف، باء، تاء، ثاء، جيم، حاء، خاء هذا ترتيبنا، وهم يرتبونها بأبجد هوز. والحروف ثمانية وعشرون حرفاً، إذا لم نعد اللام والألف (لا) لأنهما حرفان: اللام والألف، فالحروف ثمانية وعشرون حرفاً، والسور التي هي مبدوءة بالحروف المقطعة ثمانية وعشرون سورة، وستجد هذه الحروف على النصف من عدد الحروف، وعندما نقول: ثمانية وعشرون سورة مبدوءة بحروف مقطعة، وإذا جمعنا هذه الحروف وحذفنا منها المكرر، فسنجد السورة بدأت بحرف واحد، مثل: حرف: نون، قاف، صاد، وقد تبدأ السورة بحرفين مثل: (حم)، وقد تبدأ بثلاثة مثل: (الم)، وقد تبدأ بأربعة مثل: (المص)، وقد تبدأ بخمسة مثل: (حم عسق) أو (كهيعص). إذاً: الحروف المقطعة قد تكون حرفاً واحداً، وقد تكون حرفين، أو ثلاثة أحرف، أو أربعة أحرف، أو خمسة، وكأنه يقول: كلماتكم تتكون من حرف، وحرفين، ومن ثلاثة أحرف، ومن أربعة أحرف، ومن خمسة أحرف. وعندما نجمع هذه الأحرف ثم نحذف منها الزيادة، نجد أنها أربعة عشر حرفاً من غير المكرر منها. إذاً: هذه السور ثمانية وعشرون سورة، والحروف التي في أوائلها من غير تكرار أربعة عشر حرفاً، وقد جمعوا الأربعة عشر حرفاً في جملة (نص حكيم قاطع له سر)، فهذه الحروف من أسرار القرآن، والغالب أن الحروف التي بدأها الله في السور إذا عددت هذه الحروف في نفس السورة وقورنت بباقي الحروف كانت أكثرها أو من أكثرها في العدد في السورة التي تذكر فيها. يقول الحافظ ابن كثير ﵀: هذه الحروف نصف الحروف عدداً، أي: نصف حروف المعجم، والمذكور منها أشرف من المتروك، أي: أهل العربية يقسمون الحروف إلى أقسام منها: حروف مهموسة، وحروف مجهورة، وحروف رخوة، وحروف شديدة، وحروف مطبقة، وحروف مفتوحة، وحروف مستعلية، وحروف منخفضة، وحروف قلقلة، وأشرف هذه الحروف ما ذكر في أوائل هذه السور. هذا الكلام ذكره الحافظ ابن كثير وكذلك ذكره الباقلاني في كتاب إعجاز القرآن، فذكر فيه أن القرآن بديع في نظمه، عجيب في تأليفه، متناه في بلاغته، إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه، وذكر الذي يشتمل عليه من البديع في كتاب كامل يتجاوز الثلاثمائة صفحة، وهو كتاب عظيم جداً، فيه نوع من أنواع الإعجاز، وهو الإعجاز اللغوي، يتكلم عن إعجاز اللغة بما يفهمه فصحاء الناس وليس جهال الناس، وقد أجاد وأبدع في كتابه، ونقل عن غيره كـ الرماني والجاحظ في فصاحة هذا القرآن وبلاغته. ومن ضمن ما ذكره أنه أتى بأبيات من شعر فحول العرب، من أصحاب المعلقات وغيرهم، وقال: إن البعض منهم يجيد الشعر في نوع ولا يجيده في غيره، فيجيده في الغزل ولا يجيده مثلاً في الحرب وفي القتال، أما القرآن فيتكلم في كل شيء، وهو فصيح بأعلى الدرجات في كل شيء. وذكر كلاماً كثيراًَ في ذلك، وذكر فواتح السور نحو: (الم)، و (حم) ونحو ذلك، فذكر عدد حروف المعجم، وقال: إن عدد السور المفتتحة بهذه الفواتح في أولها ثمانية وعشرون سورة، قال: والذي تنقسم إليه هذه الحروف على ما قسمه أهل العربية، وبنوا عليه وجوهاً نحن ذاكروها، فمن ذلك أنهم قسموها إلى: مهموسة، ومجهورة، والحرف المهموس حرف ليس معتمداً في مكانه، فعندما يخرج من الفم يخرج معه النفس، ويجمعها قولهم: (فحثه شخص سكت) الفاء والحاء والثاء والهاء والشين والخاء والصاد والسين والكاف والتاء، تسمى هذه: حروف الهمس، وغيرها حروف مجهورة، أي: يخرج الحرف ولا يخرج معه نفس. هذه الحروف التي ذكر العلماء أنها تنقسم في اللغة إلى هذه وهذه، جاء القرآن فأخذ من هذه الحروف أعلاها، وبدأ بها في فواتح السور. قال: عرفنا أن نصف الحروف المهموسة مذكورة في جملة الحروف المذكورة في أوائل السور، والحروف المهموسة هي: (فحثه شخص سكت)، فأخذ منها الحاء والهاء والصاد والسين والكاف، فكان نصف الحروف المهموسة في فواتح السور، ونصف الحروف المجهورة في أوائل السور، والحروف المهموسة عشرة أحرف، فذكر الله في كتابه النصف منها -أي: خمسة أحرف- والأحرف المذكورة في أوائل السور أربعة عشر حرفاً، فنصف المهموس هذه الخمسة، والباقي من الأربعة عشر: تسعة أحرف، إذاً مجموع الحروف المجهورة: ثمانية عشر حرفاً، ونصف الثمانية عشر في فواتح السور، أي: نصف المجهور ونصف المهموس. وهذا شيء عجيب لمن يتفكر فيه! فهذه الحروف نصف المهموسة ونصف المجهورة!! أخذ الله نصف المجهورة ونصف المهموسة فجعلها في فواتح السور، وقلنا: إن عدد السور ثمانية وعشرون بعدد الحروف الأبجدية، وعدد الحروف المقطعة من دون التكرار أربعة عشر حرفاً، على نصف عدد السور، وعلى نصف عدد الحروف، وهذه الحروف المذكورة في أوائل السور تتصف بوصفين: نصف مهموس، ونصف مجهور، فنصف الحروف المهموسة مذكورة في أول بعض هذه السور، ونصف الحروف المجهورة مذكورة في أول بعض هذه السور! وهذا شيء خاص باللغة العربية، ليس للرياضيات ولا الحساب ولا الإحصاء شأن في ذلك. وليس هذا فقط في المهموس والمجهور، بل هناك حروف حلقية، وهي ستة: الهمزة، والهاء، والعين، والغين، والخاء، والحاء، وباقي الحروف من غير هذا المخرج، فنصف الحروف الحلقية في فواتح السور! كأنه يقول: إن عدد الحروف المعجمة ثمانية وعشرون حرفاً، سنذكر نصفها؛ لندل على الباقي، ولن نذكر لك كل الحروف، وأنت اعرف الباقي. فنذكر لك نصف المهموس والنصف الآخر من المجهور في فواتح السور. كذلك الحروف تنقسم إلى: شديدة، وغير شديدة، والحروف الشديدة هي: (أجد قط بكت): الألف، والجيم، والدال، والقاف، والطاء، والباء، والكاف، والتاء، ثمانية أحرف، فنصفها في بعض السور والنصف الآخر في باقي هذه السور! وكأن أنواع الحروف التي تنطق بها القرآن يذكر من كل نوع نصفه ويضعه في أول كل سورة من هذه السور، ويقول لك: سنحضر لك من كل الحروف أشرفها ونضعها، ونأتي بهذا القرآن من مثلها، وحاول أنت أن تأتي بمثل ذلك، ولن تستطيع إلى ذلك سبيلاً.

стр. 2981

قول بعض اليهود في الحروف المقطعة اليهود سمعوا هذه الحروف وهم في المدينة في عهد النبي ﷺ ، وحاء في أثر إسناده فيه ضعف: أن أبا ياسر بن أخطب في رجال من اليهود مروا برسول الله ﷺ وهو يقرأ فاتحة سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، فذهب أبو ياسر بن أخطب إلى أخيه حيي بن أخطب -وهما من أكابر اليهود- فقال: إني سمعت محمداً ﷺ يتلو فيما أنزل الله عليه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١ - ٢]، فقال: أنت سمعته قال ذلك؟ قال: نعم، فمشى إليه حيي بن أخطب، وهل يريد متابعة النبي ﷺ ؟ هذا مستحيل! فليس هناك يهودي من نفسه يريد أن يتابع النبي ﷺ إلا الندرة القليلة، فقد أسلم الكثيرون من النصارى، أما اليهود فلم يسلم منهم بعدد أصابع اليدين، فاليهود لا يسلمون إلا من رحم الله . وإذا بالرجل يتوهم شيئاً ويقول: هذا عمر أمة محمد ﷺ ؛ لأن لهم نوعاً من الحساب يحسبونه، فيعطي كل حرف من حروف (أبجد هوز) عدداً من الأعداد، فيقول: الألف: بواحد، والباء: باثنين، والجيم: بثلاثة، والدال بأربعة، والهاء: بخمسة، والواو: بستة، والزاي: بسبعة، وكل حرف يعطيه عدداً إلى أن يصل إلى رقم عشرة، ويبدأ الذي بعده يعد بالعشرات، فيكون الأول بعشرة والذي بعده بعشرين، ثم بثلاثين، إلى أن يصل إلى المائة، ثم بعد ذلك يعد بالمئات. مائة ثم مائتين، ثم ثلاثمائة، وأربعمائة وهكذا. فقال للنبي ﷺ : يا محمد! ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة:١ - ٢]؟ فقال النبي ﷺ : بلى، فقال: جاءك بها جبريل من عند ربك؟ فقال: نعم، قالوا: لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وأجل أمته غيرك، كأنه يريد أن يوهم النبي ﷺ أنه أقل الأنبياء مكثاً في قومه، فقال للنبي ﷺ : الألف: واحدة، واللام: ثلاثون، والميم: أربعون، فتكون مدة قومك إحدى وسبعين سنة! من أين أتى هذا الكذاب بهذا الشيء؟! وهو يريد إلقاء الشك في قلوب من حول النبي ﷺ ، وكأنه يقول له: أنت مدة دعوتك واحد وسبعون عاماً، ولن تمكث أكثر من ذلك، ونحن لا نريد هذه الدعوة التي عمرها إحدى وسبعون سنة! ثم قال: ماذا نزل عليك غير هذا؟ فقال النبي ﷺ : (المص) فقال: هذه أثقل وأطول، الألف: بواحد، واللام: بثلاثين، والميم: بأربعين، والصاد: بسبعين، فيكون مائة وواحداً وثلاثين، إذاً: ستمكث هذه الأمة مائة وواحداً وثلاثين عاماً، يريد أن يقول له: نحن قد مضى علينا أكثر من ألف سنة، وأنت ستجلس هذا العمر، إذاً لن يتبعك أحد؛ ليلقي الشك في قلوب الناس. فقال: ماذا أنزل عليك أيضاً؟ فقرأ النبي ﷺ : (الر)، فقال هذا أطول، وحسبها مائتين وواحداً وثلاثين. قال: هل نزل غيره؟ قال: (المر) قال: هذه أكثر، وحسبها مائتين وواحداً وسبعين. فقال شخص منهم: لعل الله جمع له هذا كله! فجمعوها فقالوا: سبعمائة وأربعة، وقالوا: لقد خلط علينا! والآن نعرف يقيناً كذب هؤلاء، فنحن الآن في سنة ألف وأربعمائة وستة وعشرين، وهم قالوا له: أقصى شيء يكون عمر أمتك هو سبعمائة وأربع سنين، وهذا كذب، ولا يجوز للمسلم أن يقول به. والكثير من الكهنة والعرافين يحسب هذا الشيء، فيقول لك: ما هو اسمك؟ فيحسب لك حروفك، ويقول: الاسم هذا يوافق العدد كذا، فيكون لك كذا من النحس أو من الشؤم، أو من كذا، وهذا من الكذب، فلا يجوز لمسلم أن يتعامل بمثل هذه العلوم التي يتعامل بها هؤلاء السحرة.

стр. 2982

اختلاف القراء في إمالة (حم) قوله سبحانه: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢] يقرؤها ابن ذكوان وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف بالإمالة: (حِم)، ويقرؤها أبو عمرو كـ الأزرق بالتقليل، وباقي القراء يقرءونها بالفتح. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2983

تفسير سورة الشورى [١ - ٥] سورة الشورى من السور المكية، وقد ابتدأها الله بذكر خمسة أحرف من الحروف المقطعة، وبين بعدها أنه سبحانه هو الذي يوحي إلى نبيه ﷺ ، وإذا كان الوحي هو من الله فيجب الإيمان به وتصديقه، والامتثال لأوامره ونواهيه.

стр. 2984

تفسير قوله تعالى: (حم . عسق. كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: فسورة الشورى بدأنا فيها في الدرس السابق، وذكرنا أن الله بدأها بخمسة حروف افتتح بها هذه السورة، وهي قوله سبحانه: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، ثم قال بعدها: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣]. فذكر العلماء أن الله حين يفتتح السورة بحروف من هذه الحروف لابد أن لها حكمة، وقد تكلم العلماء عن بعض هذه الحكم وإن كان في النهاية الحكمة الأساسية في سبب اختيار هذه الحروف لهذه السورة هي عند الله ، وهي من أسرار القرآن، ولكن من الأشياء الظاهرة أن الله يتحدى المشركين بهذه الكلمات وبهذه الحروف التي هي من جنس حروفهم التي ينطقون بها، فيتحداهم ويعجزهم هل يقدرون أن يأتوا بمثل هذا القرآن؟ وهم لا يقدرون على ذلك ولا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً، بل بلغ التحدي أعظمه حين يقول سبحانه: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]. ليس الإنس فقط، وليس القرشيون فقط، بل كل الإنس وكل الجن، فلو كان أحد يقدر أن يعارض القرآن بمثله لحاول ذلك، حتى الذي أراد أن يأتي بمثل هذا القرآن تكلم بكلام ضحك الناس منه، وعلموا منه أنه كذاب، حتى إن أحدهم ليقول لـ مسيلمة: والله إنك لتعلم أني أعلم أنك كاذب، أي: أنت عارف أننا نعرف أنك كذاب. فكان من تحدي هؤلاء أن يذكر لهم: ﴿ن﴾ [القلم:١]، ﴿ق﴾ [ق:١]، ﴿ص﴾ [ص:١]، ﴿الم﴾، ﴿حم﴾، ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، وكأنه يقول: كلامكم من جنس هذه الحروف، فهل تقدرون أن تصيغوا منها قرآناً مثل هذا القرآن؟ أو سورة كأقصر سور هذا القرآن؟ فما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً. وأيضاً حين يذكر: (الم) هذا فيه افتتاح السور، وقريش لم تكن معتادة على ذلك، فهذا مما يجذب انتباه الذي يستمع إلى ذلك، فحين يسمع الواحد منهم من يبتدئ كلاماً بأن يقول: ((الم)) أو ((الر)) وهي حروف لكنه لا يفهم ما المراد من ذلك، فإنه يحاول أن يفهم ذلك، فيصغي السمع لما يقوله النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان العرب أحياناً يتكلمون بحرف يعبر عن كلمة، كقول بعضهم: قلت لها قفي فقالت قاف لا تحسبينا قد نسينا الإيجاف فقوله: قاف، أي: وقفت، ولكن لابد أن يكون هناك شيء يدل على معناها قبل ذلك، وأما أن يبتدئ على طول فيقول: (الم)، (حم * عسق)، فهذا مما يشد الانتباه، وكأنهم يقولون: هذا خطاب غريب لا نفهمه، فيستمعون إلى ما يلي ذلك من كلام القرآن المعجز. قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:٣]، وما من أحرف تأتي إلا وغالباً أنه يكون بعدها إشارة إلى هذا القرآن، كقوله سبحانه: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١ - ٢]، وكقوله: ﴿الم * اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران:١ - ٣]، وقوله: ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى:١ - ٣]، فإنه إشار بعد ذكر هذه الحروف إلى هذا القرآن، وإلى هذا الوحي العظيم الذي جاء من عند رب العالمين، فقال: (كَذَلِكَ يُوحِي)، و (ذلك) اسم إشارة للشيء البعيد، أو للقريب الذي يعظم، فالذي يشير إلى البعيد يقول: ذلك، والذي يشير إلى القريب تعظيماً له يقول: ذلك، والكاف هنا حرف تشبيه، والمعنى: كهذا الشيء العظيم الذي أعطيناك إياه، وأنزلناه إليك، وأوحيناه إليك، وكما أوحينا إليك هذا الكلام أوحينا إلى الذين من قلبك، فلست بدعاً من الرسل. وقوله: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ)، من الذي يوحي؟ (اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، فذكر ثلاثة أسماء من أسمائه الحسنى: (الله) هو لفظ الجلالة أي: المعبود وحده لا شريك له، الإله الحق لا شريك له، ولا إله سواه، (العزيز): الغالب القوي، الذي لا يغالب، ولا يمانع: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، فلا يقدر أحد أن يمتنع منه، فإذا قال: كن إنساناً، كان إنساناً، وإذا قال: كن حيواناً كان حيواناً، كن صغيراً كن كبيراً كن حياً كن ميتاً فإنه يكون كما أمر ولابد أن يكون، فلا شيء يمتنع عليه . والله له مشيئتان: مشيئة كونية قدرية، ومشيئة شرعية، والمشيئة الكونية القدرية يستحيل أن يعارض أحد فيها، والمشيئة الشرعية كأن يخبر أنه يحب كذا، وأنه يريد لعباده الإيمان، يحب منهم ذلك فيأمرهم به، وهذا الأمر غير الأمر الأول الذي ذكرناه. فالمشيئة الشرعية: ما يحبه الله من عباده، فلم يكن أمراً من الله كونياً، ولكن جعل الله للعبد الاختيار، وإن كانت مشيئة الله غالبة، فنؤمن بقضائه وقدره، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولكن الله أعطاك في نفسك ما تستشعر به أنك مختار، وأنك تريد كذا أو لا تريده، وأنك تمسك أو تترك، وأنك تأخذ بهذا أو تترك هذا، وعلى هذا الاختيار يجازيك يوم القيامة، فإذا اخترت أن تصلي فإنه يثيبك بالجنة، وإذا رفضت ذلك واخترت متابعة الشيطان ومطاوعته فإنه يعاقبك. فالله له مشيئتان: مشيئة كونية قدرية، ومشيئة أخرى شرعية، وهي التي يأمر العباد بها من أوامر تدخل تحت مشيئته فيما يحبه من عباده سبحانه أن يفعلوه، وفيما يكره من عباده أن يأتوه، فجعل لهم اختياراً فيقولون: سنفعل، ويقولون: لن نفعل. فالمشيئة الشريعة مثل أن يقول: صل، صم، حج، اعتكف، افعل الخيرات، نكره كذا، لا تزن، لا تسرق، لا تعص، لا تفعل كذا، فهنا الله يأمرك ويترك لك خياراً، فتختار هذا فتثاب عليه، أو تترك وتختار الآخر فتعاقب عليه، قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:١٠]، أي: دللناه على الطريقين: طريق السعادة، وطريق الشقاوة، ولا يتعارض هذا مع علم الله السابق أن هذا سيختار الكفر ويترك الإيمان، فكتب عنده ذلك، وأن هذا سيختار طريق السعادة أو طريق الشقاوة، وأنه كتب ذلك عنده، قال : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠]. قوله: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ)، أي: الغالب سبحانه، القاهر الذي لا يمانع ولا يغالب، (الْحَكِيمُ) ذو الحكمة العظيمة البالغة، فكل شيء يرجع إلى حكمته سبحانه. وقوله: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ)، خص الله تعالى النبي ﷺ دون غيره، وهذه حكمة من الله ؛ فهو أعلم بمن خلق، والله يصطفي من يشاء، ويجتبي من يشاء، ويهدي من يريد، فاختار محمداً ﷺ وفضله على البشر، والاختيار إلى الله سبحانه وليس إلينا، كما قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]. إذاً: فالله بعلمه وحكمته اختار محمداً ﷺ ، وأنزل عليه الوحي من السماء في هذا الوقت، وفي هذا المكان، ومن بين هؤلاء الناس، وهذه حكمة من الله ، فالله تعالى أوحى إلى نبيه بهذا القرآن العظيم المحكم المتين، فالله سبحانه حكيم أنزل كتاباً محكماً، والله سبحانه قضى وقدر أمراً مبرماً محكماً، فالله حكيم سبحانه، والله الحاكم، والحكيم صيغة مبالغة منه، قال : ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١]، وهو ذو الحكمة، وهو الحكيم والحاكم والحكم ، الحكيم: الذي يحكم الأمور فيتقنها فلا يعتري ما أحكمه خلل ولا تلف ولا كساد. وقوله: (كَذَلِكَ يُوحِي)، هذه قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك)، أي: كهذا الذي أوحينا إليك في هذه السورة نوحي إليك أيضاً باقي هذا القرآن، وننزل عليك الوحي من عندنا من السماء، فيوحى إليك من عند الله ، وهذه الآية هي مثل قوله : ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وهنا يقول: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) وتمت الجملة بقوله: (اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، وقوله في سورة النور: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، فقوله: (رِجَالٌ) هو الفاعل هنا، وبه تمت الآية وتمت الجملة.

стр. 2985

تفسير قوله تعالى: (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم) ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى:٤]، فالله يسوق لنا دلائل ألوهيته وربوبيته ، فالله عزيز وحكيم سبحانه، والله يملك، وهذه صفات ربوبيته ، فمقتضى ربوبيته أنه الذي يخلق، والذي يرزق، والذي يملك، والذي يعطي، والذي يمنع، والذي يعز، والذي يذل، والذي يفعل بعباده ما يشاء سبحانه، هذا مقتضى أنه رب، والإله مقتضاه: أن عباده يتوجهون إليه بأفعال شرعها لهم، فأنت توحده فتعبده فتقول: لا إله إلا الله. فمقتضى ألوهيته أن العباد يتوجهون إليه بالعبادة ولا يشركون به شيئاً. والربوبية مقتضاها: صدور أفعال منه لا يقدر عليها غيره، فالله الرب الذي يخلق، والذي يربي، والذي يعطي ويمنع، والذي يملك كل شيء، والذي يشرع لعباده ، هذا مقتضى أنه رب. قال تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ)، خلق السماوات وخلق الأرض، ويملك السماوات ويملك الأرضين، وله كل ما فيهما من خلق. ثم قال: (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، وهذان اسمان له ﵎ أيضاً، فالله هو العلي، والله هو العظيم، وهنا في هاتين الآيتين ذكر سبحانه خمسة أسماء له ﵎، وهي: الله، العزيز، الحكيم، العلي، العظيم. وقوله: (الْعَلِيُّ) ذكر العلي وذكر المتعالي ، فهو له العلو فوق خلقه، وكل شيء تحته ودونه ، وهو فوق كل شيء، خلق السماوات وجعلها أعلى ما يكون، وجعل سمك السماء مسيرة خمسمائة سنة، وجعل بينها وبين التي تليها مسيرة خمسمائة سنة، ثم السماء الأخرى جعل سمكها مسيرة خمسمائة سنة، وجعل بينها وبين التي تليها مثل ذلك، وهذا شيء عظيم جداً جداً. فالسماء الدنيا لا نحصي ما تحتها من كواكب ونجوم وشموس وأقمار وغيرها، فكيف بالسماء نفسها؟ وكيف بمخلوقات الله التي في هذه السماء؟ فالله فوق سماواته ، قال لنا: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ [الملك:١٦ - ١٧]، والذي في السماء هو الله الذي ترفع إليه يديك وتقول: يا رب! يا رب! ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:١]، الذي ينزل الملائكة والروح من السماء ليكونوا مع الخلق في ليلة القدر، إنه الله الذي يفعل ما يشاء وهو الكبير المتعال . فالله له العلو المطلق، فله علو الشأن، فشأنه عظيم، ولا يحيطون بشيء من علمه، ولا يحيطون به علماً ، وله علو القهر، فقد غلب كل شيء، وقهر كل شيء، وعلا على كل شيء، وله علو الذات كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥]، فاستوى فوق عرشه، وعرشه فوق سماواته، كما جاء في الأثر عن النبي ﷺ : (ما السماوات السبع مع الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة، والكرسي بجوار العرش كحلقة في فلاه)، والله على عرشه استوى، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، يأمر سبحانه وينهى، ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥]. فهو العلي العظيم ، صاحب العظمة ، فلا تتكبر؛ فالكبر لا يليق بك، والكبر لا يليق إلا بالله وحده لا شريك له، الكبر لمن يملك صفات الجلال وصفات الكمال، وصفات العظمة، وهي لله وحده ، فلا يليق بمخلوق ضعيف أن يقول: أنا أتكبر فليس لك أن تتكبر، وليس عندك ما يجعلك تتكبر، فهذه الصفة ليست لك، وإنما هي لله هي وحده سبحانه، فإذا نازع إنسان ربه في صفة الكبر أدخله النار، ولذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ لأنه ينازع الله في صفة لا تكون إلا له سبحانه، كما قال: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية:٣٧]، وقال في الحديث القدسي: (الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما أدخلته النار)، فالذي ينازع ربه ويتعزز على ربه، ويرفض أمر ربه سبحانه، ويستكبر على دين الله، ويستكبر على خلق الله، فكأنه ينازع الله صفة من صفاته، ولذا قال: (أدخلته النار)، أي: يدخل هذا المتكبر النار والعياذ بالله، فالله له العظمة وحده لا شريك له، وله الكبرياء وهو العلي العظيم.

стр. 2986

تفسير قوله تعالى: (تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم) يقول الله : ﴿تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى:٥]. قوله: ((تَكَادُ السَّمَوَاتُ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة نافع والكسائي: (يكاد السموات) والتأنيث ليس تأنيثاً حقيقياً، فجاز فيه أن يأتي الفعل بتاء التأنيث وبياء التذكير فيها. وقوله: ((يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ)) هذه قراءة الجمهور، وقراءة البصريين: أبي عمرو ويعقوب وقراء شعبة عن عاصم: (ينفطرن من فوقهن)، أي: تكاد السماوات تتشقق، وتكاد تنفطر وتنهد، لماذا هذا كله؟ يذكر الله سبب ذلك فيقول: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٥]. فذكر الله أن السماوات تكاد تتفطر وتتشقق، وتسقط وتهوي من عظيم وشنيع ما قاله هؤلاء المشركون حيث قالوا: إن الله اتخذ ولداً: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة:٣٠]، وقال المشركون: الملائكة بنات الله، وجعلوا أصنامهم معبودات مع الله ، فالسماوات تكاد تتشقق من هيبة الله، ومن خوف الله, ومن عظيم وشنيع ما قاله هؤلاء المشركون، فإنهم أشركوا بالله ، وتبجحوا وقالوا ذلك. وقوله: (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، الملائكة خلقهم الله من نور، والإنسان خلقه الله من تراب، والجان من مارج من نار، فكان أشرفهم في الخلقة هم الملائكة؛ لأن الله خلقهم من نور، فكانوا أشرف المخلوقات، والإنسان خلقه الله من تراب، ولذلك استكبر عليه إبليس وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، أي: أأسجد لهذا المخلوق من الطين؟ فالإنسان خلقه الله ثم كرمه ، فالتكريم للإنسان ليس لأصل خلقته، قال : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠]، فالإنسان كجنس فضله الله على كثير ممن خلق تفضيلاً. وبعض العلماء يقولون: أيهما أفضل: هذا الإنسان الذي كرمه الله أو الملائكة؟ و الجواب أن الملائكة أفضل من الإنسان بأصل الخلق، ولكن الله بتكريمه يجعل من يشاء يتجاوز الملائكة، كما جعل محمداً صلوات الله وسلامه عليه يرقى ويتجاوز سدرة المنتهى التي حين وصل إليها جبريل ﵇ كان كالحلس البالي، والحلس: هو الكساء الذي يوضع على الدابة ليجلس عليها صاحبها، فجبريل هذا العظيم الذي خلقه الله وجعل له ستمائة جناح يسد الأفق، وهو رسول رب العالمين إلى أنبيائه، السفير بين السماء والأرض، ومع ذلك مقامه عند الله كان دون النبي ﷺ ، كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات:١٦٤]، فلما وصل إلى سدرة المنتهى لم يستطع أن يتجاوزها، وجازها النبي صلوات الله وسلامه عليه بإعانة الله له، وبفضله عليه . فالغرض: أن الله خلق الملائكة وشرفهم بأن جعل أصل خلقتهم من نور، وشرفهم بأنهم يعبدون الله ليل نهار، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وملك واحد من الملائكة نزل على قرى قوم لوط فرفعها وقلبها على أهلها، وأتبعها الله بحجارة من نار جهنم والعياذ بالله، ملك واحد فعل ذلك، فيا ترى كم تكون قدرة هؤلاء الملائكة؟! فالله أعلم بقدرتهم، ولكن جبريل كان يأتي للنبي ﷺ ليل نهار بأخبار السماء، ينزل من السماء إلى الأرض في وقت يسير، ويصعد إلى السماء في مقدار لو قطعه إنسان بأسرع ما يملكه فإنه يحتاج إلى ألف سنة مما تعدون، ولكن الله يسر عليه ذلك، فكم ينفق الإنسان ليصنع آلة يصعد بها إلى القمر؟ وكم ينفق من مليارات على ذلك؟ وكم يكلفه من احتياج لآلات قوية جداًَ من أجل أن يفعل هذا الشيء؟ وجبريل لا يحتاج إلى ذلك، وإنما أمر الله (كن) فيكون، فيأتي من السماء إلى الأرض في الوقت الذي يقدره الله ، ينزل على النبي ﷺ بكرة وعشياً ووقت ما يشاء الله . ولذلك سمي الصديق صديقاً رضي الله ﵎ عنه لتصديقه خبر السماء، فالكفار حين أخبرهم النبي ﷺ صبيحة الإسراء بأنه أسري به، تعجبوا من أمره ﵊ وكانوا مندهشين، وكانوا ما بين فاغر فاه، ومصدق، ومكذب وضارب رأسه بيده؛ لأنهم لا يصدقون منه صلوات الله وسلامه عليه، فيذهبون إلى أبي بكر الصديق ﵁ فيقولون: أما ترى إلى ما يقول محمد ﷺ ؟ أما تسمع قوله؟ قال: وماذا يقول؟ قالوا: يقول: إنه ذهب إلى بيت المقدس في الليل وصعد إلى السماء! قال: لقد صدقت، وصدقه الصديق ﵁، وقال: إني أصدقه في خبر السماء ينزل عليه ليل نهار، أفلا أصدقه في هذا؟ فسمي ولقب بـ الصديق رضي الله ﵎ عنه.

стр. 2987

تسبيح الملائكة بحمد الله واستغفارهم للمؤمنين قال تعالى: (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، فالملائكة يسبحون بحمد ربهم، وينزهون الله سبحانه، ويقدسون الله ، ويصلون لله ، روى الترمذي وابن ماجة عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (إني أرى ما لا ترون)، وحق له صلوات الله وسلامه عليه أن يرى ما لا نرى، قال: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطت السماء وحق لها أن تئط) أي: لا تلام السماء أن تئط، وكلمة أط معناها: هبط، أو أنه يكاد أن يسقط من ثقل ما عليه، فمثلاً: تقول إذا كان السقف عليه أحمال: السقف يئط، أي: أنه بدأ يهبط، ويكاد أن يقع من ثقل ما يحمله، فقوله: (أطت السماء)، لحملها شيئاً ثقيلاً، وما هو الحمل الذي جعل السماء تئط؟ قال النبي ﷺ : (ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله)، أي: ما فيها موضع شبر إلا وفيه ملك واضع رأسه لله ، وساجد لله ، وهناك ملائكة قيام لله منذ خلقهم يعبدون الله، وهناك ملائكة ركع منذ خلقهم الله سبحانه، وملائكة ساجدون لله منذ خلقهم، فإذا جاءت القيامة وجاءت الساعة قاموا فقالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك! قال الله : (وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ)، أي: ينزهونه ويقدسونه ويصلون مطيعين لله حامدين ربهم، يسبحون فيحمدون ويحمدون فيسحبون، فهم ما بين تسبيح وتحميد، فوراء التسبيح تحميد وهكذا فسبح باسم ربك، وسبح بحمد ربك ، وكن حامداً له سبحانه، فالملائكة دائماً يسبحون ويحمدون الله سبحانه، فهم بحمده يسبحون، وبتسبيحه يحمدون، فيحمدون الله على ما آتاهم من نعمة حبه وعبادته، ومن شرف مكانتهم. وقوله: (وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ) وهذا من نعم الله على عباده، ومن في الأرض هنا عموم يراد به الخصوص، فإن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]. إذاً: الملائكة تستغفر لمن يقبل الله استغفارهم له، فيستغفرون للمؤمنين، للمسلمين، للموحدين، وليس للمشركين، فلا يستغفرون للمشركين؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل، فإذا تاب إلى الله تاب الله عليه، وجعل الملائكة يستغفرون له إن أسلم. فالملائكة يستغفرون لعباد الله الموحدين المسلمين قائلين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر:٧]. واستغفار الملائكة للمؤمنين ذكره الله في سورة غافر، قال حاكياً عن الملائكة: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]، هذا الدعاء العظيم الجميل تدعو به الملائكة لكل إنسان مؤمن، فكل إنسان مؤمن يستغفر ربه ويتوب إليه الملائكة تدعو له، وتطلب من ربها سبحانه أن يغفر له، وأن يتوب عليه.

стр. 2988

معنى اسم الله الغفور والرحيم قال : (أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) ذكر هنا اسمين له، وقبل ذلك ذكر من أسمائه: الله العزيز الحكيم العلي العظيم، وذكر هنا: الغفور الرحيم . والغفور: العظيم المغفرة فهذه صيغة مبالغة، كما قال عن نفسه: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر:٣]، وذكر الغفار فقال: ﴿الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ [غافر:٤٢]، وذكر الله الغفور ، فالله الغافر للذنب، وهو الغفار الغفور . وغفر بمعنى: ستر وغطى، ومنه المغفر، وهو الدرقة التي يتقي بها الإنسان عدوه حتى لا يصيبه سهم أو سيف عدوه. فالله هو الغفور العظيم الستر على عباده الذي يمحو عنهم أثر ذنبوهم ليمحو عنهم الذنوب، بل قد يبدل ذنوبهم وسيئاتهم حسنات إذا تابوا وأصلحوا، فهو الغفور الرحيم، عظيم الرحمة، كما قال عن نفسه: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]. والرحمن والرحيم صيغة مبالغة من الرحمة، فالله هو الرحمن، والرحمن متضمن لصفة فيها عموم وخصوص، والرحيم متضمن لصفة فيها عموم وخصوص، فالرحمن متضمن لصفة الرحمة، وهي رحمة من الله عامة لكل خلقه، ففي الدنيا يتراحم الخلق: المسلمون يتراحمون، والكفار يتراحمون، والدواب تتراحم، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها حتى لا تؤذيه، فهذه من رحمته المأخوذة من اسمه الرحمن سبحانه التي جعلها في قلوب من يشاء من خلقه، ومن رحمته العامة أنه سبحانه أنزل الكتب هداية للخلق، فمنهم من يهتدي ومنهم من يضل، فالله قد أعذر إذ أنذر ، فأنذر خلقه وأعذر إليهم، وأقام عليهم الحجة ، فرحمة الله عامة لجميع الخلق. ولا يتسمى بالرحمن إلا الله وحده لا شريك له، كما قال : ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم:٦٥] أي: هل سمعت أحداً يتسمى بالرحمن قبل ذلك؟ فما أحد تسمى بذلك، إلا أن يكذب المشركون فيدعون أن باليمامة إنساناً اسمه الرحمن، فيكذبون، لكن أن أحداً يسمي نفسه رحماناً هذا لم يقع، فالرحمن ليس له سمي يتسمى باسمه ، والسمي: هو المقابل الذي يتسمى بهذا الاسم، يقال: اسمي فلان، وفلان سميي أي: اسمه مثل اسمي. فالخصوصية أن الله وحده هو الذي يتسمى بذلك، كما أنه وحده الذي يتسمى: (الله) . والرحيم: يتضمن صفة الرحمة، وفيها عموم وخصوص، فالعموم فيها: أنها صفة الرحمة التي يجوز للمخلوق أن يتصف بها، وأن يوصف بها، فيقال: فلان رحيم، والله كان بالمؤمنين رحيماً، والنبي ﷺ بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك الناس يقولون: فلان رحيم، وهذا عموم فيها، فالله هو الرحيم، وخلقه فيهم الرحماء. والخصوصية: أن الله بمقتضى أنه الرحيم يرحم المؤمنين فقط، فكأن الرحمة في الرحيم رحمة تختص بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٤٣]، فالله من أسمائه الحسنى: الله سبحانه، والعزيز، والحكيم، والعلي، والعظيم، والغفور، والرحيم، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). نسأل الله أن يعيننا على إحصائها، وأن يجعلنا من أهل جنته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2989

تفسير سورة الشورى [٦ - ٨] من اتخذ من دون الله ولياً فقد أمر الله نبيه أن يعرض عنه، وأخبره: أنك أيها النبي لست مراقباً لأعمالهم ومحصيها عليهم، بل الله حفيظ لأعمالهم وسيجازيهم عليها، إنما وظيفتك متعلقة بما أوحيناه إليك من قرآن عربي مبين، فأنذر به مكة ومن حولها، وحذر من يوم الجمع الذي لا شك في مجيئه، وسينقسم الناس في ذلك إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، وقد بين الله كمال قدرته وتصرفه في الناس، فلو شاء لجعلهم أمة واحدة إما على الإيمان أو أعلى الكفر، وذلك لا يعجزه، لكن اقتضت حكمته أن يدخل من يشاء في رحمته، أما الظالمون فليس لهم ولي ولا نصير يدفع عنهم ما استحقوه بكسب أيديهم.

стр. 2990

تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى:٦]. في هذه الآية يقول لنا ربنا : (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ) أي: من دون الله سبحانه، (أَولِيَاءَ)، الولي: من يلي أمر الشيء، ومن يلي أمر الإنسان هو وليه، وقد يكون قريباً وقد يكون بعيداً. والولي يطلق في اللغة على القريب الذي يكون بين الإنسان وبينه نسب، كالعم وابن العم ونحو ذلك. ويطلق فيراد به ولينا ومولانا ربنا ، فهو نعم المولى ونعم النصير. يقول تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ)، الذين اتخذوا من دون الله أصناماً، اتخذوا من دون الله من ظنوا أنهم يقومون بأمرهم عند ربهم، فيوصلون أدعيتهم إلى الله فعبدوهم من دون الله، وادعوا أنهم يرفعون الأعمال إلى الله ، فقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣]، فهؤلاء الذين عبدوا أصناماً من دون الله، وجعلوها أقرب إليهم من الله سبحانه، وجعلوها وسائط بينهم وبين الله سبحانه بغير دليل في ذلك أو سلطان، قال تعالى: (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ)، فالله مراقب لهم، والله محصي عليهم أعمالهم وأقوالهم، والله شاهد عليهم ، والله يحفظ عليهم أعمالهم، ويحكم عليهم يوم القيامة بهذا الذي صنعوه وفعلوه، بعلمه وقدرته. فـ (اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ) أي: شاهد ورقيب سبحانه. قال تعالى: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) الخطاب للنبي ﷺ ، كما قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢]، فليس أمرهم موكولاً إليك فتصير وكيلاً عنهم في هذا الذي يفعلونه، إنما أمرهم إلى الله رب العباد ، وليس إلى النبي ﷺ : إن آمنوا فبفضل الله سبحانه، وإن كفروا فبعدل الله سبحانه والله عليهم قدير. فالأمر موكول إلى الله يحكم فيه بما يشاء، ولذلك قال للنبي ﷺ : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢١ - ٢٢]، فأمره أن يذكر هؤلاء، وأنه لا يملك هدايتهم كما قال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]. فهو ليس وكيلاً عليهم صلوات الله وسلامه عليه، وليس حفيظاً عليهم، وإنما هو مبلغ رسالات ربه . أما الهداية المضافة إليه فمعناها: أنه يدلهم على الخير وعلى طريق السعادة، ويحذرهم من طريق الشقاوة، والأمر راجع إلى الله فهو الوكيل .

стр. 2991

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. قوله: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً) أي: هذا القرآن العظيم الذي نزل بلسان عربي مبين من عند رب العالمين. والوحي من الله بأن أنزل على النبي ﷺ جبريل سفيراً بين السماء والأرض ينقل إلى النبي ﷺ من أمر الله ما يشاء سبحانه من قرآن ومن سنة. وقد نزل بهذه اللغة التي هي أشرف اللغات، فهذا القرآن أعظم الرسالات، نزل بسفارة أشرف ملائكة الله وهو جبريل، ونزل في أشرف وأفضل شهر وموسم في رمضان في ليلة القدر من عند ربنا سبحانه إلى بيت العزة في السماء، ونزل على النبي ﷺ في أشرف بقعة في الأرض وهي مكة المكرمة. فكان القرآن أعظم كتاب نزل من السماء بأفضل لغة وهي اللغة العربية، على أشرف وأفضل الخلق النبي صلوات الله وسلامه عليه. وهذا القرآن ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، أي: مبين مفصح معبر، فهو بين واضح فصيح بليغ، وهنا يذكر الله أنه نزل من السماء إلى النبي ﷺ قرآناً، والقرآن بمعنى: الكلام المجموع المقروء الذي يقرأ ويتلى. فهذا القرآن كتاب واحد نزل من السماء إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ثم نزل منجماً على النبي ﷺ في ثلاث وعشرين سنة، وحياً من الله مع جبريل الملك ﵇. وفي أول السورة قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى:٣] أي: بمثل هذا الوحي ينزل جبريل ﵇ من السماء على النبي ﷺ وعلى الذين من قبله. لما أراد اليهود أن يختبروا النبي ﷺ ليعلموا أنه على حق أم لا سألوه أسئلة فأجابها، فلما أجابها قالوا: إنك نبي والآن نتابعك أو نفارقك، من وليك من الملائكة؟ قال: جبريل وليي وولي من قبلي، وهو الذي نزل علي، ونزل على كل من كانوا قبلي. قالوا: لا نتبعك، ولو كان وليك من الملائكة ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والذي ينزل بالقطر لاتبعناك، ولكن جبريل ينزل بالعذاب. فهذا كلام اليهود لعنة الله عليهم للنبي ﷺ ، وهم يعرفون النبي ﷺ بصفاته، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة:١٤٦]، فلم يغب عنهم أنه حق صلوات الله وسلامه عليه، ولكنهم أرادوا المفارقة، وأرادوا عدم الاتباع، وغيرهم قالوا للنبي ﷺ : نخاف أن نتبعك فتقتلنا يهود. فالعلة الصحيحة أنهم هم خائفون أن يقتلهم اليهود لو اتبعوا النبي ﷺ . وغيرهم يخافون على ما عندهم من كراس وأموال، فلا يريدون أن يفقدوها، وظنوا بالآخرة وطمعوا في الدنيا فرفضوا أن يدخلوا دين النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومنهم من يقول: إن داود ﵇ دعا ألا يزال من ذريته نبياً، فنحن ننتظر نبياً من ذرية داود، وقالوا للنبي ﷺ : أنت نبي ولكن نبي إلى الأميين ولست إلينا. فشهدوا له بالنبوة، وكونهم يشهدون له بالنبوة هذه شهادة له أنه معصوم صلوات الله وسلامه عليه من الكذب، إذ كيف يكون نبياً من عند رب العالمين ثم يكذب ﵊؟ فشهدوا له بالنبوة ثم رجعوا فرفضوا، فهو يقول: أنا رسول للخلق أجمعين، وهم يقولون: أنت نبي إلى العرب فقط.

стр. 2992

مكة هي أم القرى قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى) وقد ذكرنا أن في كلمة (قرآن) قراءتين: قراءة ابن كثير: (قراناً عربياًً)، وقراءة باقي القراء: (قرآناً) بالهمزة. قال تعالى: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى) أم القرى مكة، وكأن مكة أصل، وأم الشيء أصله، كما تقول: أم الدماغ، أي: أصل الدماغ، وأم الكتاب: أصل الكتاب. فأم الشيء أصله، وكذلك مكة كأنها أصل القرى، وأفضل القرى، وأحب البلاد إلى الله ، ومركز الدنيا جميعها. وقد سماها الله في القرآن مكة وسماها بكة؛ لأنها تبك أعناق الجبابرة، وتمك بمعنى: قليلة المياه. أما لماذا سميت أم القرى؟ فقد ذكر المفسرون أن الأرض دحيت من عندها، أو من تحتها، فكانت كالأصل وباقي البلاد حولها. وهذا الكلام الذي يقوله المفسرون في الماضي يؤيده العلماء في الحاضر، فيقولون: إن سرة الأرض وأوسطها هي مكة. فقبل أن تكتشف الأمريكتان، وبعد أن اكتشفت أمريكا وأستراليا، فمكة هي مركز الدنيا وأصل الأرض. وهنا تتعجب عندما أن تسمع كلام هؤلاء العلماء في أمر مكة، فهذا عالم من العلماء المصريين اسمه: الدكتور حسين كمال الدين؛ يثبت هذا الشيء من غير قصد، فبينما هو يعمل خريطة من الخرائط من أجل أن يوضح القبلة في كل بلد من بلدان المسلمين، وخاصة المغتربين الذين يخرجون من بلادهم ويذهبون إلى بلاد أوروبا وأمريكا وغيرها، ويريدون أن تحدد لهم القبلة، وفجأة يحط البرجل على مكة ثم حركه إلى الطرف الثاني، وإذا به يدور ومركز البرجل في مكة، ويحيط بالدول جميعها. ثم رجع بعد ذلك يرسم الخريطة ثانية من غير أن يحط فيها أستراليا، وقبل اكتشاف أستراليا وأمريكا رسم خريطة الماضي، ووضع البرجل في مكة وحركه فوجد مكة هي منطقة الوسط ومركز العالم كله، العالم القديم والعالم الحديث. فهي أم القرى هذه البلدة العظيمة التي أنزل الله القرآن فيها على النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه؛ لينتشر النور من مركز الأرض إلى جميع أنحاء الدنيا. وكالة (ناسا) كانت قد نشرت صورة في وقت من الأوقات، وبعد مدة لم تظهر هذه الصورة مرة ثانية، وفي هذه الصورة يرى من الفضاء أنه أكثر مكان في الأرض يشع نوراً سواء بالليل أو بالنهار كانت مكة والمدينة. وقال عالم مسلم: إن أحد العلماء الأمريكان في علم الجغرافيا يحقق في وجود هذه البلدة ومطلعها الجغرافي من غير أن يدفعه شيء عقدي، إذ ليس مسلماً، ومن المعلوم أن كل كوكب خلقه الله يخرج منه إشعاع إلى الكوكب الآخر ثم من الكواكب المحيطة إلى الأرض. فتوصل هذا العالم الأمريكي في أبحاثه إلى أن مركز تلاقي الإشعاعات الكونية التي تخرج من النجوم ومن الأفلاك المحيطة بنا في مكة. وهذا شيء عجيب جداً أن تكون مركز تلاقي النور من السماء، وينزل القرآن في هذا المكان ليشع نوراً إلى بلاد الدنيا؛ ليكون النبي ﷺ للعالمين نذيراً، ويتعجب هذا الرجل وهو يذكر أن هذه البلدة عجيبة، فالذي يذهب إليها يتعلق قلبه بها، وينجذب إليها، فهي مركز جذب يجذب إليه الكواكب الآخر، ويجذب إليه قلوب المؤمنين. يقول الله : (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا) يبدأ في الإنذار بأم القرى، ثم تتسع الدائرة إلى أن يشمل الدنيا كلها فيدخلها دين الله ﵎ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله الإسلام وأهله، وذلاً يذل الله به الكفر وأهله. ومن الأحاديث الصحيحة التي جاءت عن النبي ﷺ ما رواه الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك). وروى الترمذي وأحمد وغيرهما عن عبد الله بن عدي بن حمراء قال: (رأيت رسول الله ﷺ واقفاً على الحزورة فقال: والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله). فهي أحب البلاد إلى الله، وأحب البلاد إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه، ولولا أنه أوذي فيها الأذى الشديد فأمره الله بالهجرة إلى المدينة لما خرج صلوات الله وسلامه عليه وما تركها، وإنما هي الدعوة إلى الله، فحيث يأمره الله بالتوجه ليدعو إليه يمتثل.

стр. 2993

إنذار النبي ﷺ للناس يقول ربنا سبحانه: (لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)، هو هنا نذير، وأخبر في غير هذه الآية أنه بشير وأنه نذير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:٢٤]. إذاً: النذير من النذارة، وينذر: يخوف ويهدد بعذاب الله من يكفر بالله ويشرك به سبحانه. قال تعالى: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ)، أي: تنذر يوم القيامة، فتحذر الناس من هول المطلع في ذلك اليوم. ففي يوم القيامة يأمر الله إسرافيل ﵇ فينفخ في الصور ويهلك جميع من على الأرض، وجميع من يشاء الله . ثم يأمره الله فينفخ في الصور مرة ثانية، فإذا بالناس يقومون للحساب والجزاء عند رب العالمين ، يقول الله سبحانه: (وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ)، أي: تهدد وتخوف من يكفر ويشرك بالله بهذا اليوم الموعود يوم القيامة الذي فيه الحساب الشديد من رب العبيد ، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]. يوم القيامة يوم تدنو الشمس من الرءوس، ويعرق كل إنسان بحسب ما كان يضيع في الدنيا ويفرط، ولا يبذل الجهد في طاعة الله ، فالعرق الذي لم يبذله في الدنيا سوف يبذله يوم القيامة حين تدنو الشمس من الرءوس. من كان لاهياً غافلاً في الدنيا، تاركاً لدين الله وراء ظهره يلجمه العرق، أو يغطي رأسه عرق وشمس محرقة، وموقف عظيم بين يدي الله ؛ حتى إن الإنسان يقول: يا رب! اصرفني ولو إلى النار، يظن أن النار أهون من هذا الموقف الذي يقف فيه، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج:٤]. فهو ينذر ويخوف العباد من هذا اليوم، يقول: احذروا أنا نذير، أحذركم عذاباً قريباً سيأتيكم، وأحذركم من الموقف بين يدي الله . وقوله تعالى: (يَوْمَ الْجَمْعِ) أي: يوم يجمع الله الخلق، ويجمع الرسل، فهذا اليوم لا شك فيه. وفي قوله تعالى: (لا رَيْبَ فِيهِ)، قراءتان: فيقرؤها الجمهور: (لا رَيْبَ فِيهِ)، ويقرؤها حمزة بالتوسط في المد في قوله: (فيه)، والمقصود من المد هنا كأنه تأكيد للنفي، كما أنك تقول: لا إله إلا الله، فتمدها، ويمدها حتى من يقصر المد المنفصل لتأكيد هذا النفي. وهنا أيضاً كان المد لتأكيد النفي في معنى الشك في يوم القيامة، فلا شك أبداً، فهو يوم لا بد أن يأتي. فإذا جاء يوم القيامة وانتهى الحساب توجه البعض إلى الجنة، قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ﴾ [الشورى:٧] والبعض الآخر إلى النار كما قال تعالى: ﴿وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى:٧]. وكما ذكر النبي ﷺ في الحديث أن الله قال قبل ذلك: (هؤلاء في الجنة ولا أبالي، وهؤلاء في النار ولا أبالي) فالله خلق خلقه فجعل فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، ويدخلون السعير بأعمالهم التي يحصيها لهم ويحاسبهم عليها، فإذا أوبقتهم أعمالهم قال لهم: لوموا أنفسكم، أنتم الذين قصرتم في ذلك، كما قال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤] فيقال للعبد يوم القيامة: اقرأ أنت عملت كذا، ولا يقال: إنا قدرنا عليك أن تدخل النار، فنحن نحاسبك على القدر. إنما يقال: أنت فعلت هذا الشيء، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً وشهيداً، فالإنسان يوم القيامة يشهد على نفسه بما فعله في الدنيا.

стр. 2994

تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٨] فكما جعل للملائكة وهم أكثر عدداً من الخلق السماء قال لنا النبي ﷺ : (أطت السماء)، أي: صوتت من ثقل الملائكة الذين عليها، والسماء أعظم من الأرض بكثير، وإذا قورنت الأرض بالسماء كانت كقطرة في بحر وكحلقة في فلاة، والمخلوقات التي في الأرض لا يبلغون أن يكونوا كعدد ملائكة السماء ففي كل أربع أصابع يوجد ملك، فالسماء امتلأت بملائكة الله سبحانه الذين يطيعونه ولا يعصونه سبحانه كما قال ﷺ : (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيها ملك ساجد لله وكما قال الله : ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]. وبنو آدم في هذه الكرة الصغيرة التي لا تكاد ترى في هذا الكون العظيم منهم من يعبد الله ومنهم من يشرك بالله. وربنا كان قادراً أن يجعلهم كلهم في الجنة؛ فالله على كل شيء قدير، ولكن أراد أن يكلف هؤلاء العباد وأن يختبرهم: إذا ترك لهم الخيار هل يختارون طريق الله سبحانه والجنة أم أنهم يختارون غير ذلك؟ فالله خلق الإنسان ليبتليه، كما قال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢] فجعلكم مكلفين، وجعل لكم عقولاً هي مناط هذا التكليف، يكلفكم ويختبركم ثم يجازيكم يوم القيامة، ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة، ولكن الله سبحانه يدخل من يشاء في دين الإسلام ليستحق الرحمة ويستحق رضوان الله وجنته يوم القيامة. قال تعالى: (وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)، وأعظم الظلم هو الشرك بالله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، فمن ظلم نفسه فكفر بالله وأشرك بالله سبحانه وقع في هذا العذاب، فالظالمون ليس لهم من دون الله ولي ولا نصير، والولي: هو القريب، أي: ليس لهم من يحن عليهم يوم القيامة من قريب، كابن عم أو ابن أخ، أو يرحمهم ويقف بجوارهم ليدافع عنهم، وليس لهم نصير يدافع عنهم أمام الله، فلا يوجد محامٍ يوم القيامة يحامي على الإنسان، ولا مناصر يمسك السيف ويدافع عنه. وإن كان الكفار بجهلهم وغبائهم زعموا ذلك، فوقفوا للنبي ﷺ معاندين، فخوفهم وحذرهم من بطش الله سبحانه، فإذا بهم يصرون على ما هم فيه، وقالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]، فلما ابتلاهم الله في الدنيا إذا بهم يهرعون للنبي ﷺ يجأرون بالدعاء ويقولون للنبي ﷺ : (ادع لنا ربك يرفع عنا ما نحن فيه)، ويناشدونه الله والرحم يوم أن دعا عليهم وهم في مكة بسنين كسني يوسف في شدة القحط؛ ليذيقهم عذاباً في الدنيا. فلما حدث بهم ذلك جاءتهم سنة فأكلوا الميتة، وأكلوا الجلود، وأكلوا الكلاب وكل ما وجدوه، فإذا بهؤلاء الكفار يقولون للنبي ﷺ : نناشدك بالله وبالرحم. عرفوا الرحم في هذا الوقت وقد قال لهم: عرفتم الآن الرحم؟ لقد قال لهم من قبل: لا تقطعوا الرحم الذي بيني وبينكم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] لكنهم رفضوا. فلما ابتلاهم الله أتوا إلى النبي ﷺ يناشدونه بالله وبالرحم أن يدعو الله ليرفع عنهم ما هم فيه، فحن لهم صلوات الله وسلامه عليه وأشفق عليهم، فدعا ربه فرفع عنهم ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ [الدخان:١٥]، أي: سيرجعون مرة ثانية إلى عدم الإيمان وقد رأوا الآيات والمعجزات وكذبوا بيوم القيامة، وأعرضوا عن النبي ﷺ وقالوا ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:٢٤]. ثم جادلوا فقالوا: وعلى فرض حصول يوم القيامة فمثلما أعطانا في الدنيا سيعطينا يوم القيامة، ونكون نحن المقربين عنده وقد جعلكم في الدنيا فقراء وضعافاً، أما نحن فقد أغنانا وكذلك في يوم القيامة، وعلى افتراض أنه سيعذبنا، فسنتجمع وندافع عن نفسنا. وقد كان فيهم رجل اسمه أبو الأشدين كان شديداً، فبلغ من قوته أنهم كانوا يضعون جلداً على الأرض، ويضع رجله عليه ثم يشده عشرة منهم حتى يتمزق الجلد ولا يستطعيون سحبه من تحته. فقال لهم: يوم القيامة علي من التسعة عشر ملكاً الذين هم على النار عشرة، وأنتم عليكم من تبقى وهم تسعة. انظروا إلى الجهل والحماقة والغفلة! هذا هو تفكيرهم في يوم القيامة، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩]، حتى قتلهم الله فصاروا جيفاً في يوم بدر، وألقوا في القليب، فوقف النبي ﷺ على القليب فناداهم: (هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟). فيقول عمر ﵁ للنبي ﷺ : ما تنادي من جثث قد جيفت. فقال النبي ﷺ : (والله ما أنتم بأسمع لما أقول منهم). فعرفوا الحق ويوم القيامة سوف يجمعهم الله ليجازيهم على أعمالهم. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2995

تفسير سورة الشورى [٨ - ١٢] يخبر الله تعالى أنه قادر على أن يهدي الخلق كلهم أو يضلهم كلهم، لكنه تعالى هدى من يشاء إلى الحق وأضل من يشاء، وله الحكمة والحجة البالغة، وكذلك أخبر سبحانه منكراً على المشركين اتخاذهم آلهة من دون الله، مع أنه هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فإنه القادر على كل شيء، فقد خلق الخلق كلهم وخلق السماوات والأرض وما بينهما وغير ذلك على غير مثال سابق، ففطر هذه المخلوقات وأبدعها وأتقنها سبحانه، فلماذا يعبد سواه إذن؟!

стр. 2996

تفسير قوله تعالى: (ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة وهو على كل شيء قدير) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٨ - ٩]. يخبر الله في هذه الآية أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولكن الله له حكمة عظيمة بالغة أن يخلق العباد فمنهم مؤمن ومنهم كافر، كما قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] فهو خلقهم لحكمة منه سبحانه، فالله عنده ملائكة يعبدونه ليل نهار، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فأراد أن يخلق خلقاً يختبرهم ويبتليهم، قال الله : ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فعرضت أمانة التكاليف على السماوات فأبت وخافت من الحساب يوم القيامة، وعرضت على الأرض فأبت، وعرضت على الجبال فرفضت، وعرضت على الإنسان فقبل وتحمل ذلك، قال الله : ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، كأن المعنى هنا: جنس الإنسان الذي أخذ والذي قبل وهو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، ففي ذرية آدم الظلم وفيهم الجهل، فوصف الجميع بهذه الصفة، فقال: (إِنَّهُ) أي: الإنسان: (كَانَ ظَلُومًا)، أي: فيه ظلم وفيه بغي، (جهولاً) أي: لا يدري مصلحة نفسه، فيجهل فيقع في الخطأ. قال الله تعالى هنا: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)، فالله تعالى يرحم من عباده الرحماء، يرحم من عباده من يعبده ولا يشرك به شيئاً، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] لكن من عبد غير الله فهذا هو الذي ظلم نفسه، وهذا هو الذي يستحق العذاب، وهذا الذي يعبد غير الله هل وجد في غير الله سبحانه صفات هو بسببها يستحق أن يعبد؟! هل هذا يصلح أن يتولى أمره هذا الصنم الذي يعبده، أو الجني الذي يتقرب إليه؟! هل يصلح أن يتولى أمره وأن يرزقه وأن يعطيه وأن يمنعه وأن يرفعه وأن يضعه؟! هل يصلح لذلك؟! قال سبحانه: ((أَمِ اتَّخَذُوا))، هذه (أم) الإضرابية المقدرة ببل والهمزة، والمعنى: اضرب عن هذا وانظر فيما يقول هؤلاء: هل اتخذوا من دون الله من يصلح لهذه الصفة أن يكون إلهاً، أم أنهم صنعوا من الأحجار آلهة فعبدوها وهم موقنون أنها لا تنفع ولا تضر؟! قال تعالى: (فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)، أي: الله هو الولي وحده الذي يتولى أمر خلقه ويدبر الأمر، قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد:٢]، أي: الله يدبر أمر كونه، فهو القائم والقاهر فوق عباده، وهو الحي القيوم الذي يقوم بكل شيء، وكل شيء لا يقوم إلا به ، فهو يتولى أمرك، ويصلح لك حياتك ومعيشتك، قال تعالى: ((فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ))، هذه صفة فعل من أفعاله ، فهو الرب يفعل ما يشاء . فهل هذه الآلهة تحيي الموتى؟ الله وحده هو الذي يحيي الموتى لا شريك له، وهو على كل شيء قدير، وكل ما يكون من شيء فالله هو الذي يوجده ويكونه ، وهو القادر على أن يبيده ويهلكه، فهو كما أنشأه من عدم قادر أن يرده إلى العدم مرة ثانية، فهو على كل شيء قدير .

стр. 2997

تفسير قوله تعالى: (وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) قال الله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشورى:١٠]، أي: فمهما اختلفتم فيه من شيء فردوا الأمر إلى الله، فهو الذي يحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون، ولو ترك الإنسان ونفسه وجنسه لظلم الناس بعضهم بعضاً، الإنسان من طبيعته فيه الظلم، فلا يصلح أن يحكم غيره بشريعته وبهواه هو، وبما يريده، فهو مهما ادعى الحق والعدالة والمساواة والحرية وغير ذلك من الكلام الباطل الذي تطلقه عصبة الأمم وتقول: نريد المساواة ونريد الإخاء ونريد ونريد فهذا كلام باطل، صاغه اليهود حتى يلعبوا بالأمم جميعها، يقولون: نحن الذين نقول وأنتم الذين تنفذون، ونحن الذين نحكم وأنتم الذين تكونون وراءنا، نحن لنا الدنيا كلها وليس لكم منها شيء، فصاغوا للناس ما يشتغل الناس به، يريدون الحرية، ويريدون مساواة، ويريدون ديمقراطية، ويريدون كذا ويريدون كذا، وهم بعيدون عن الحق والعدل.

стр. 2998

المفاسد المترتبة على تحكيم غير شرع الله سبحانه إن حكم الله هو الشريعة والمنهاج الذي لا يظلم أحداً أبداً، يقولون: نريد أن يحكم الشعب نفسه بنفسه، لا نريد الدين، دعه وراء ظهرك، فالديمقراطية معناها: حكم الشعب نفسه بنفسه، بينما الدين يقول: الحكم إلى الخالق ، هذا دين الله : ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف:٤٠]، وهم يقولون: لا نريد الدين، ويقولون: لماذا الله هو الذي يشرع لنا هذا الدين؟ ويقولون: العبادة دعها لله والدنيا دعها للناس، ما لله لله وما لقيصر لقيصر، أي: لا يتدخل أمر الله في أمر البشر. ونقول لهم: يقول الله: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، أي: هو الذي خلقكم، فهو أعلم بنفوسكم وبطبائعكم، وهو الذي يشرع لكم حتى لا يظلم بعضكم بعضاً، يقولون: لا نريد هذا الشيء، نريد أن نكون نحن الذين نحكم أنفسنا بما نريد، فيحكمون بما يريدون، ويضعون القوانين، ومن ثم القوي يقول: لا يطبق علي هذا القانون، وإنما يطبق عليكم وإن خربت الدنيا كلها، فمثلاً: يقولون: إن ثقب الأوزون الذي في السماء يتخرم بسبب الآلات الكثيرة الموجودة في البلاد، وبسبب العلوم الحديثة والاختراعات الكثيرة والطاقة المستهلكة الكبيرة، والأوزون هو الذي يحمي الكرة الأرضية من أشعة الشمس ومن الإشعاعات الكونية الآتية من الخارج، فيقولون للدول: قللوا من استهلاك الطاقة، وكلكم يوقع على ذلك، أما أمريكا، فيقولون: لا تدخل في هذا الشيء، وكلكم عبيد لها، وهي وحدها التي تحكم. هذه هي الديمقراطية التي تريدها، القوي يحكم الدنيا كلها، والضعيف ليس له شيء، إلا أن يقول: سمعنا وأطعنا، هذا حكم العبد للعبد، وحكم الإنسان للإنسان أن القوي يشرع وتعمل أنت بالذي يقوله، ويقولون: نحن نملك أسلحة نووية وأسلحة ذرية، وأنتم لا؛ لأنكم أقل في العقول من أن تملكوا، هذه الأسلحة، بل أنتم مثل الطفل الصغير الذي يمسك النار ويحرق به نفسه، لكن نحن كبار، نأخذ النار ونعرف ماذا نعمل بها. لو فكرت دولة من هذه الدول المستضعفة أن تصنع شيئاً لقالوا: لا، القانون يمنعكم من هذا الشيء، فإن أبيتم الامتناع غزوناكم في دياركم من أجل أن نمنعكم من أن تصنعوا هذا الشيء الممنوع عليكم؛ لأنكم ستكونون الند لنا، وستخوفوننا في يوم من الأيام، إذاً لا تفعلوا شيئاً من ذلك، بل نحن فقط الذين نعمل؛ لأننا بلغنا سن الرشد! والمساواة عندهم أن تلغي الدين وأن تجعله وراء عقلك، والمساواة التي ينادون بها هي أن تساوي بين الرجال والنساء، فلا يوجد عندهم فرق بين الرجل والمرأة، فالرجل عندما يطلق المرأة عليه أن يعطيها نصف ما يملكه، هذه شريعتهم الكفرية التي يريدون أن يحكموا بها الدنيا كلها، يريدون أن يحكموا الناس بحديد ونار، يضعون الأغلال في أعناقهم ويقولون: اعملوا ما نقوله لكم وإلا خربنا عليكم بيوتكم. هذا الذي يريدونه من المساواة المثلية، أن يكون الرجل مثل المرأة، فما المانع عندهم أن يتزوج الرجل الرجل والمرأة المرأة، هم يريدون السحاق بين النساء، ويريدون الشذوذ بين الرجال، ويسنون القوانين بذلك، ففي إيران يعدمون رجلين لوطيين وقعا في اللواط فأقاموا عليهما شرع الله بالإعدام، فإذا بالمظاهرات في بلاد الكفر تستنكر إقامة الحدود الشرعية، ويصورون امرأة في مجلة خنقت نفسها ومنظرها منظر قبيح شنيع استنكاراً على المسلمين أن يقيموا شرع الله في أن يقتلوا اللوطي، هذه هي الحرية التي يريدونها، حرية إباحة الفاحشة، إباحة الزنا والدعارة واللواط والجنس في بلاد المسلمين، عرفوا أن بلاد المسلمين محفوظة بهذا الدين، فأرادوا أن يخربوا العقول بإدخال المخدرات إليها، فإذا ظهر في أفغانستان من يمنع ذلك كطالبان فإنها منعت زراعة المخدرات، فماذا فعل الغرب وعلى رأسهم أمريكا؟ لقد قاموا بضرب أفغانستان من أجل أن تستمر زراعة المخدرات وتخرج من هنالك. كذلك البترول الموجود هنالك سيطروا عليه، ولما كان في العراق مخزون البترول الذي سينفعهم في يوم من الأيام حين ينفد بترولهم، قاموا بغزوهم العراق حتى يأخذوا بترول العراق، وتؤخذ أرض العراق، وهكذا في كل بلاد المسلمين، والدعوى التي يتشدقون بها هي نشر الديمقراطية، ونشر الحرية، وإزالة الناس الذين يحكمون بلاد المسلمين؛ لأن هؤلاء الحكام لا توجد عندهم حرية، وفيهم ديكتاتورية وفيهم كذا وكذا، وما هو الذي يريدون أن يأتوا به إلى بلاد المسلمين؟ أمركة جميع بلاد المسلمين، حتى تصير هذه البلاد تابعة لهؤلاء في كل شيء، وأول الأشياء هو إلغاء دين الله . ألم تسمعوا لهم كيف تبجحوا وقالوا: نريد إخراج مصحف للمسلمين محذوفة منه آيات الجهاد! إنه لما ضعف المسلمون سكتوا لهؤلاء وجعلوهم يتحكمون فيهم بما يشاءون، وتركوهم يشرعون لهم ما يريدون، حتى إنهم يتدخلون في مناهج التدريس في بلاد المسلمين: درسوا كذا ولا تدرسوا كذا، وإذا ذهب المسلمون إلى بلادهم ليتعلموا علموهم فقط الأشياء التي سينتفعون من ورائها من المسلمين، أما أن المسلم يصل لدرجة عالية ويكون خادماً لبلاده فلا، بل يؤخذ لبلادهم هم، ويخدمهم هم، ولا يخدم بلاده إذا كان عالماً في الذرة، إذا كان عالماً في علوم عالية تصلح لها البلاد، هذا يستقطبونه ويأخذونه إليهم ولا يتركونه في بلاد المسلمين.

стр. 2999

وجوب التحاكم إلى شرع الله عند الاختلاف يقول الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠] إذا اختلفتم في شيء بعضكم مع بعض، أو أنتم مع الكفار فردوا الحكم إلى الله سبحانه، واحذروا أن تطيعوا الكفار؛ لأنكم إذا أطعتموهم فالنار مثواكم. قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، أي: الله المتفرد بأن يعبد وحده لا شريك له، وهو الرب المتفرد بالخلق ، فمن خلق فهو الذي يستحق أن يعبد وهو الذي يستحق أن يشرع، فإذا اختلفت مع أحد في شيء فتحاكموا إلى دين الله لا إلى الناس، فالناس يظلم بعضهم بعضاً، ويتطاول بعضهم على بعض، وربنا سبحانه يذكرنا بشيء في طبائع نفوس الناس فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء:١٣٥]، قوله: (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ)، أي: قم لله في أمرك في دينك ودنياك بالعدل، كن عادلاً مع المسلمين ومع الكفار، اعدل مع الخلق جميعهم. قوله: (شُهَدَاءَ لِلَّهِ) أي: أقيموا الشهادة ابتغاء وجه الله حتى ولو كانت على أنفسكم، ولو كانت على الوالدين، ولو كانت على الأقربين، اشهد بالحق ولا تجامل أحداً، ولا تكتموا الشهادة؛ فالله هو العليم بالنفوس، يقول: ((إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا)) أي: الذي ينحرف في الشهادة إما لأن هذا غني ينتفع منه، فيقول: فلان غني سيعطيني كذا لو لم أشهد، وسيعطيني كذا لو شهدت معه، أو يقول: فلان هذا مسكين وفقير فلن أشهد عليه لئلا يؤذوه. فيقول الله : إن كان غنياً وأنت تريد نفعاً من ورائه أو تخاف سطوته، أو كان فقيراً وأنت ترحمه فالله أولى بهما ، والله رحيم بعباده، وهو الذي أمرك بذلك أن تشهد، هذا الدين هو الذي يجردك عن النظر لفلان لكونه فلاناً ولعلان لكونه كذا، ويجعلك تنظر إلى الله فقط ، فهو يراقبك وهو أولى بخلقه . إذاً: المسلم الحق لا يخاف في الله لومة لائم، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وينصح متجرداً ومخلصاً لله ، هذا دين الله ، الذي يقول لنا في كتابه العظيم: (فَحُكْمُهُ إِلَى الله)، أي: حكم كل أمر مرده إلى الله سبحانه، (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ)، أي: توكلت على الله، ووكلت أمري وفوضت أمري إلى الله ، لا أقدر على القيام بأمري؛ لأني أضعف عن ذلك، فأكل الأمر إلى الله سبحانه، فترجو من الله أن يعينك، وأن ينصرك، ولا تقل: أنا أستطيع، أنا سأعمل كذا وأفعل كذا، فأنت لا تقدر إلا أن يعينك الله، هذا معنى التوكل، أن تتوكل على الله وترجو منه الإعانة وتأخذ بالأسباب، ولا تنسب الفضل لنفسك، فليس لك فضل، فالإنسان الذي يذهب إلى عمله، من الذي أيقظك من منامك، وجعلك تقول: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور؟ إنه الله الذي أحياك ، وهو الذي رد عليك سمعك وبصرك، وهو الذي وجهك بعقلك أن تتوجه إلى شغلك فلا تضل السبيل، والله هو الذي مكن يديك ورجليك في العمل أن تعمل وتنتج، والله هو الذي جعل عملك جيداً حيث أعانك عليه، وأنت عندما تنسب الفضل لنفسك وتقول: هذا بجهدي وبتعبي، وهو الذي وفقك ، ألا تنسب الفضل لصاحبه، فتقول: الحمد لله الذي وفقني، وإنما أنا سبب من الأسباب، والله هو الذي يدبر الأمر. قوله: (وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، أي: أرجع إليه وأتوب إليه سبحانه؛ لأن مرجعي إليه في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا أرجع إليه تائباً، وفي الآخرة مرجعي إليه ليحاسبني سبحانه.

стр. 3000

تفسير قوله تعالى: (فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) قال الله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنْ الأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]. قوله: (فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: هو فاطر مبدع ومنشئ على غير مثال سابق سبحانه، فطر السماوات وأنشأها أول إنشاء، فلم يكن هناك سماء قبل هذه السماء التي خلقها الله، ولم يكن هناك أرض قبل الأرض التي خلقها الله ، فهو فاطرها ومنشئها أول مرة على غير مثال سابق، لا يقلد، وعادة المخترعين في الدنيا أن يقلد كل منهم الآخر، فيطور شيئاً فشيئاً، فتجد الآلة كان لها أصل، فهم لما فكروا في صناعة الطائرة هذه التي تطير في السماء، كان ذلك في زمان عباس بن فرناس، فقد قام وصنع جناحين، وحاول أن يقلد الطيور، فهو لم يأت بفكرة الطيران من رأسه، وإنما وجد أمامه طيراً فحاول أن يقلده وأن يطير، فهذا لم يفطر هذا الشيء وإنما قلد ما خلقه الله ، ثم طور شيئاً فشيئاً حتى وصل إلى هذا الشيء، لكن الله سبحانه خلق السماوات على غير مثال سابق، فلم تكن سماوات قبل ذلك. قوله: (جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا)، أي: جعل حلائلكم ونساءكم من أنفسكم. وقوله: (مِنْ أَنْفُسِكُمْ) فيها معنيان صحيحان: الأول: من أصلكم وهو آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، خلقه الله ، وخلق حواء من ضلع من أضلاع آدم، فـ حواء من آدم من جنسه. الثاني: جعل لكم من جنسكم من الإنس من البشر النساء، ولم يجعل لكم النساء من الجن، بل جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ، ولذلك لما خلق الله بقدرته سبحانه وبرحمته لآدم حواء، آنس شيئاً بجواره وركن إليها ومال إليها؛ لأنها منه ومن بعضه، فكذلك الإنسان يكون في بيته مع أهله يستشعر المحبة والمودة، ويستشعر الرحمة؛ لأنها من الجنس الذي هو منه، هي من البشر وهو من البشر. قوله: (وَمِنَ الأَنْعَامِ أَزْوَاجًا)، أي: ملككم هذه الأنعام وجعل للأنعام من أنفسها أزواجاً، وهي أصناف وأنواع وأشكال، وجعل منها الذكر والأنثى. وبهيمة الأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، فجعلها أصنافاً ذكوراً وإناثاً، وملككم ذلك. قال سبحانه: (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ)، أي: يبث وينشر ويخلق ويكثر، فيجعلكم كثيرين في هذا الخلق الذي خلقه، كثيراً من الناس، كثيراً من الدواب والحيوان والطيور، فهو سبحانه يبثكم وينشركم ويجعلكم في هذه الدنيا كثيرين. قال : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: ليس مثل الله شيئاً، ولا شيء في خلق الله سبحانه يشبه ربه سبحانه في صفاته وفي قدرته ، وفي ذاته. وكلمة (مثل) هنا من أدوات التشبيه، وكذلك الكاف من أدوات التشبيه أيضاً، وهنا جمع الاثنين فقال: (ليس كمثله). فالكاف كأن تقول: محمد كأحمد، فتشبهه، وتقول: يده كيدي ورجله كرجلي وعينه كعيني، وتقول: فلان مثلي. فهنا جمع الاثنين لتأكيد النفي أنه لا يشبهه شيء أبداً، ولا يشبه هو شيئاً أبداً، فإذا حذفت أحد الاثنين قلت: ليس هو كشيء من الأشياء، لأن الله لا يشبه شيئاً من خلقه، ولا شيء من خلقه يشبهه، حاشا لله . والكاف لتشبيه العوارض والصفات، تقول: صفاته كصفاتي، وهنا ليس كصفات الله شيء، وكذلك لا يشبه ذات الله ذات من الذوات، فالله ليس كمثله شيء، لا يشبهه شيء لا في ذاته سبحانه ولا في صفاته، وإن اشترك معه المخلوق في شيء من الصفات في المسمى فهو اشتراك في التسمية نفسها، فالله حي ، والمخلوق حي، وحياة المخلوق حياة ضعيفة ومحدودة بهذا المخلوق، والله الحي سبحانه الذي لا يموت، والمخلوق يعتريه الموت. والله هو السميع البصير، له الأسماء الحسنى وله الصفات العلى، لا يشبهه فيها شيء أبداً، والإنسان يسمع ويبصر، فإذا قلنا: فلان هذا بصير، ينظر بعيداً، فلان هذا نظره طويل، ولكن الإنسان يعتريه العشا ويعتريه العمى، وتعتري الإنسان الغفلة، ويعتريه النوم، والله سبحانه هو البصير الذي لا يعتريه شيء . والإنسان يبصر فيحتاج إلى نور حتى يبصر فيه، والله يرى كل شيء سبحانه، الإنسان يرى ما ظهر، أما ما خفي فلا يراه، والله يرى كل شيء ما دق وما قل، وما خفي وما ظهر، وقس على ذلك كل صفات الله التي يجوز أن يوصف مخلوق بشيء منها، فالمخلوق يسمع ويرى ويتكلم، فهذه الصفات للمخلوق هي محدودة تليق بضعفه وعجزه، أما الله فله الصفات التي تليق به سبحانه، فهو الحي القيوم وهو الرب ، ولذلك هنا نفى وأثبت فقال: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، أي: لا شيء يشبه الله ، ثم حتى لا تقدم على النفي المطلق فتنفي كل شيء عن الله قال: (وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ)، أي: له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولكن لا يشبهه شيء في سمعه ولا في بصره ، ولا في صفات أفعاله ولا في صفات ذاته سبحانه.

стр. 3001

تفسير قوله تعالى: (له مقاليد السموات والأرض) قال الله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الشورى:١٢]. قوله: ((لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ))، أي: يملك مفاتيح السماوات والأرض، فلا يقدر أحد أن يفتح خزائن الله إلا أن يشاء الله، له الخزائن كلها، وخزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، العباد يسألونه سبحانه وينزل خيره إلى العباد، لكن لا يتخيل الإنسان أنه سوف ينزل من عند الله ما يشاء بمشيئته هو، فمشيئة البشر مفاتيحها عند الله ، يملكها فلا يعطيها أحداً من خلقه، فلا يأخذون شيئاً إلا بما يشاء سبحانه، ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر:٢]، ينزل رحمته فلا يقدر أحد أن يمسك هذه الرحمة ويمنعها، ﴿وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]. إذا قدر وضيق وأمسك من الذي يترك هذا وينزله؟ لا أحد، فالمفاتيح عند الله ، (لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) والمعنى: أنه يملك مفاتيح كل شيء، ويملك خزائن كل شيء. قوله: ((يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ)) أي: يعطي ويفتح سبحانه الرزق لمن يشاء من خلقه، ((وَيَقْدِرُ)) أي: يضيق، فهو الذي يبسط وهو الذي يضيق، وهو الذي يفتح وهو الذي يغلق ، ((إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) أي: كل شيء تتخيله الله يعلمه ، فكر في الشيء القليل ثم قس على ذلك الكثير، انظر إلى النخلة المثمرة، خرجت من نواة الله أعلم بها ، هذه النواة ألقاها من أكلها، والله أعلم أين ستذهب هذه في الأرض، وينزل لها الماء الذي ينفعها، وأخرجت نبتاً، وجعل لها ساقاً، وجعل لها جذوراً، وغذاها من الأرض، ثم أخرج منها الجذوع وأخرج منها الثمار، كم عدد هذا البلح الذي في هذه النخلة؟ فالله يعلم أي بلح من هذا البلح يصير تمراً، وأي شيء منه يكون رطباً، وأي شيء منه يكون بسراً، الله أعلم بذلك . وقس جميع ما خلق الله على ذلك من دواب بثها في الأرض، وجعل لها رزقها، وجعل فيها عقولاً تفهم كيف تأتي بهذا الرزق الذي قدره الله ، فالنمل هذا المخلوق الصغير الذي جعله الله أمماً أمثالكم، كيف تأتي إلى الحبة وتأخذها لتخزنها للشتاء، فإذا خافت عليها من أمطار السماء إذا بها تثقبها، تثقب الحبة من أجل ألا تنبت إذا جاء عليها ماء، من الذي علمها ذلك؟ إذاً: النمل يجمع هذه الحبوب للشتاء، وفي نيجيريا لما حصلت عليهم المجاعة التي هم فيها، ذهبوا ليبحثوا عن الغذاء في جحور النمل، ذهبوا من أجل أن يأخذوا من جحورها الحبوب التي جمعها النمل ليأكلها البشر، سبحان من قدر الأرزاق لمن يشاء من خلقه ! فاحذروا من غضب الله أن تعصوه، فيمنع عنكم القطر من السماء، أو يرسل عليكم طوفاناً من الأرض. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3002

تفسير سورة الشورى الآية [١٣] لقد أرسل الله رسله من أجل الدعوة إلى عبادته وتوحيده، فكل الرسل دعوا إلى توحيد الله ، وليست هذه الشريعة بدعاً عما قبلها، فقد دعت إلى ما دعت إليه سائر الشرائع، فكلها دعت إلى توحيد الله ، وإن كانت هذه الشرائع قد اختلفت في أحكامها، وقد جاءت هذه الشريعة بكل ما يحتاجه الناس في حياتهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأنها خاتمة الشرائع كلها، وقد نفس المشركون النبي ﷺ وحسدوه على هذه الشريعة، فلم يؤمنوا به كفراً وعناداً، وإن استيقنوا صدقه في قرارة أنفسهم.

стр. 3003

تفسير قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: قال الله في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣]. ذكر الله سبحانه ﵎ لنا في هذه الآيات وما قبلها أنه الرب ، الذي ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى:١٢ - ١٣] إلى آخر ما ذكره سبحانه. و (الله): هو الإله المعبود ، وهو الرب الخالق الموجود المعطي ، وقد اجتمع له الأمران: الربوبية والألوهية، ولا يوجد معبود من دون الله يجتمع له ذلك، فقد يتخذ الناس إلهاً من دون الله فيتوجهون إليه بالعبادة، ولكن هذا الذي يعبدونه لا يملك أن يخلق، ولا يملك أن يرزق وأن يعطي، ولا يملك أن يحيي وأن يميت، ولا يملك السموات والأرض، والله هو الذي له ملك السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك:١]، وقال هنا: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:١٢]، أي: يملك مفاتيح خزائن السماوات ومفاتيح خزائن الأرض، فمفاتيح الخزائن بيده، فهو الذي خلقها، وخزائنه لا تغيض بل تفيض، فإن خزائنه ملأى لا تغيضها نفقة، ولا ينقصها عطاء، والله هو الذي يعطي ويرزق من فضله ومن كرمه سبحانه، فإنه يقول للشيء: كن فيكون. هذا الإله العظيم الرب الخالق يقول: ((شرع لكم))، أي: جعل لكم شريعة. و ((شرع)): سلك بكم طريقاً، ونهج لكم منهاجاً، وسنّ لكم سنناً، فجعل لكم هذا الطريق، وشرع لكم شريعة. و (شرع) مأخوذ من الشارع، والشارع يطلق على الطريق الأعظم، والطريق الأعظم هو الطريق الواسع الذي يمر فيه الجميع، فالله شرع لكم، أي: جعل لكم طريقاً موصلة إليه، ومنهجاً تسلكونه؛ حتى تسيروا على طريق الله بعبادته، فتصلون إلى جنته . قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ) أي: شرع لكم ديناً، وجعل لكم شريعة ومنهاجاً تعملون بها فتسلكون بها إلى الجنة، والذي شرع لكم هو الله ، الذي قال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، فالله كما أنه يخلق -وهذه من صفات ربوبيته- كذلك يحكم ويشرع، وهذه من صفات ألوهيته ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:٦٢]، فالحكم لله، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠]. فدين الله واحد، وهو دين عقيدة وتوحيد، ودين لا يتوجه فيه الإنسان بقلبه إلا إلى إله واحد ، وهو الإله الحق وحده لا شريك له.

стр. 3004

الفرق بين النبي والرسول قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) [الشورى:١٣] وقد ذكر هنا خمسة من رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وأول الرسل كان نوحاً عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولا يمنع أن يكون قبله آدم نبياً، وأوحى الله إليه مما يشاء . فإن النبي: كل من يوحي إليه الله . والنبوءة: الإخبار بالغيب، والإخبار بما غاب عنا، وقد كان آدم ﵊ نبياً، يوحي إليه الله، ويأمره ويعلمه وحياً منه . وأما الرسول: فهو الذي معه شريعة يبلغها، فيكون رسولاً مرسلاً من الله ، كما تقول: أرسلت فلاناً برسالة، أي: أنك أعطيته رسالة أو شيئاً ليوصله إلى آخر، فالرسول ينزل الله إليه شريعة وكتاباً من السماء، ويأمره بأن يبلغ إلى الناس هذه الرسالة من ربهم ، وهذه الرسالة فيها شريعة من رب العالمين .

стр. 3005

بيان اتحاد رسالة الرسل في التوحيد واختلافها في الأحكام والدين المذكور في هذه الآية هو توحيد الله ، وعبادة الله ، فالتوحيد هو أصل الدين، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٧]. إذاً: فقد أرسل الله كل الأنبياء والرسل بدعوة واحدة، وهي: أن يدعوا إلى دين الله سبحانه، وإلى التوحيد، وقد كانت دعوة الرسل لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، قال تعالى عن نوح: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون:٢٣]، وقال عن هود: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٦٥]، وقال عن صالح: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٧٣]، وهكذا جميع الأنبياء يدعون قومهم: (اعْبُدُوا اللَّهَ)، فهي رسالة واحدة، وهي التوحيد. وأما النظر فيما يصلح لكل أمة من أحكام شرعية، فهذه يختلف فيها الأنبياء، فهؤلاء يضيق الله عليهم، فيحرم عليهم أشياء، ويضع عليهم آصاراً، وأولئك يخفف عنهم وينسخ عنهم، وهذا في أحكام التعبد لله ، وإن كان الجميع يتوجهون إليه بالعبادة . إذاً: هنا تختلف الشرائع، ولا تختلف الأديان، فأصل الدين واحد، وهو توحيد الله ، فإنك تدين لربك سبحانه أنه هو الإله الواحد الذي يستحق أن يعبد، ولا يعبد إلا بما شرع، فإذا أمرك بالصلاة فصل كما أمرت، وقد أمر الله نبيه ﷺ في ليلة المعراج بأن يصلي خمسين صلاة، وإذا بموسى الكليم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يقول لنبينا ﷺ : (ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تقدر على ذلك، فيرجع إلى ربه فيسأله التخفيف، فخفف عنه ربنا ووضع عنه، حتى وصل الأمر إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال موسى لنبينا ﷺ : ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك. قال: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت، فقال الله : أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، هن خمس وهن خمسون). إذاً: فموسى أمر قومه بالصلاة، وقد كانوا يصلون بطريقة معينة، وقد علم موسى كيف أمرهم بذلك، ولم يطيقوا، وأمرنا الله بالصلاة على هذه الهيئة التي نعرفها، وهي أشرف وأفضل الهيئات، أن نسجد فيها لله . إذاً: فقد تختلف الشرائع بحسب مصالح العباد، وبحسب ما يصلح لهم، وبحسب حاجاتهم، ولكن الدين واحد، وهو دين الإسلام، قال الله سبحانه: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] وقال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج:٧٨] وملة إبراهيم هي دين الإسلام ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الحج:٧٨]، فهذا دين الإسلام، وهو: أن تسلم نفسك لله سبحانه، وتوجه قلبك إليه سبحانه، وتعمل بطاعته، وتنتهي عن معصيته، وتكون عبداً له تستشعر العبودية بين يديه . هذا هو ديننا دين الإسلام، ودين الأنبياء والمرسلين قبل محمد ﷺ .

стр. 3006

أولو العزم من الرسل وقد كان الرسل كثيرين يزيدون على الثلاثمائة رسول عليهم الصلاة والسلام، وكان الأنبياء ألوفاً كثيرة عليهم الصلاة والسلام، وقد اختص الله هؤلاء الخمسة الذين يوصفون بأنهم أولو العزم من الرسل، أي: أصحاب العزيمة والقوة في أمر الدين، وإن كان كل الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام أخذوا أمر الله بقوة، ولكن الله يفضل من يشاء ، ففضل هؤلاء على غيرهم، بشدتهم في دينهم، وبتمسكهم بأمر الله ، وبتبليغهم للدين أفضل من غيرهم، فكان هؤلاء الخمسة أولي العزم عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام. قال تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ)، أي: وأنت يا محمد، (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى) فهؤلاء الخمسة هم أولو العزم عليهم الصلاة والسلام.

стр. 3007

الأمر بإقامة الدين والنهي عن التفرق فيه وقد وصاهم الله بقوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ)، أي: أقيموا دين الله في أنفسكم وفي أهليكم على الأرض، وأقيموا دين الله بين الخلق، وبلغوا رسالات الله ، واعملوا بشرع الله ، فأقيموا دين ربكم سبحانه بتبليغه، وبالعمل بما فيه، وبأخذ الناس إليه، وبهداية الناس إلى دين الله ، واستقيموا عليه، وأمروا قومكم بالاستقامة عليه. ومن معنى: ((أقيموا)) هنا نفهم معنى قوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، أي: استقيموا عليها، وواظبوا عليها، وتوجهوا بها إلى الله ، واجعلوها مستقيمة لا عوج فيها، فلا تعوجوا فيها، ولا تتركوها وتسرحوا عنها، ولا تغفلوا عنها، وإنما أقيموا الصلاة كما أمركم الله . فنفهم الفرق بين قوله : ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وبين أن نقول: صلوا؛ فإن المطلوب هو إقامة الصلاة والاستقامة عليها وتقويمها وتعديلها على الوجه الذي يحبه الله ، وأيضاً الإخلاص فيها، وأن نكون بها بعيدين عن الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥]. وهنا قال: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ)، فأمر الله الأنبياء والرسل بإقامة هذا الدين، ونحن أتباع الرسل عليهم الصلاة والسلام، فأمرنا بذلك معهم، فيلزمنا ذلك بأن نقيم دين الله في أنفسنا، ونحتكم إليه، ونعمل بشرعه، ونقيمه على أهلينا وعلى الناس، وندعو الخلق إلى دين الله ، ونعلمهم ما هو هذا الدين الذي تركه الناس وراءهم ظهرياً. وأنت إذا سألت إنساناً اليوم عن دين الله سبحانه لا يعرف أكثر من أنه يصلي ويصوم، ولا يعرف كثيراً عن دين الله ﵎، وأما شرع الله وحدوده ﵎ فإنه غافلا عنها ناسٍ لها، بل لعله يزعم أن هذا كان في الماضي، وأما الآن فلا يوجد هذا الأمر، قال تعالى: ((أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه))، أي: في دين الله سبحانه، وإذا كان الحكم لله فكيف نتفرق ونحن نحتكم إليه؟ إذاًً: فلنأخذ دين الله ونُرجع الأمر إليه، ونَرجع إليه في جميع أمورنا، ونتحاكم إليه، فإنه الرب الواحد لا شريك له. وقوله: ((ولا تتفرقوا فيه))، أي: في هذا الدين العظيم.

стр. 3008

بيان نفرة المشركين من دعوة التوحيد قال تعالى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) (كَبُرَ) أي: كان شيئاً عظيماً عندهم إذا دعوا إلى التوحيد؛ لأنهم يرفضون هذا الشيء، فكبر عليهم في أنفسهم هذا الشيء؛ لأنهم اعتادوا أن يعبدوا آلهةً متعددة، فكان لكل قبيلة إله، بل كل إنسان كان يعبد إلهاً، بل قد يعبد الواحد عدة آلهة، كـ عمران بن الحصين الذي سأله النبي ﷺ : (كم تعبد اليوم من إله؟ قال: ستة -أي: ستة آلهة يعبدهم من دون الله- فقال: أين هم؟ قال: خمسة في الأرض وواحد في السماء. قال: فمن الذي ترجوه لنفعك وضرك؟ قال: الذي في السماء) وهذا الكلام منه صريح وجد؛ لأن الذي في السماء هو الذي يعطيه، وهو الذي ينفعه ويضره، وأما عبادته الباقين مع أنه لا يرجو منهم شيئاً فكما قال تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] أي: إنهم يعبدونهم لأنهم بزعمهم وبكذبهم يقربونهم إلى الله زلفى، ولذلك عندما جاء النبي ﷺ يدعوهم إلى إله واحد تعجبوا منه، وتعجب الحمقى والمجانين فقالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]، استغربوا وقالوا: انظروا إليه، يقول لكم: اعبدوا إلهاً واحداً، وأنا أعبد ستة آلهة، وذاك يعبد عشرة آلهة، وذاك يعبد كذا، أفنرجع كلنا نعبد إلهاً واحداً؟ فقد انغلقت عقولهم فلم يفهموا ذلك، وقالوا: هذا شيء عجيب! والإنسان الأحمق هو الذي يعجب من غير عجب، والذي يعجب من أمر ليس فيه عجب. فهؤلاء يتعجبون من عبادة إله واحد، ودارت الأيام ومات منهم من مات، وقتل منهم من قتل، وأسلم منهم من أسلم، فكانوا يضحكون على أنفسهم بعد ذلك، فكانوا يجلسون مع النبي ﷺ في المسجد بعد أن يصلوا معه الفجر يذكرون الله ، وذكر الله بعد الفجر والجلوس في المسجد لمن استطاع ذلك له فضيلة عظيمة، قال النبي ﷺ : (من صلى الفجر في جماعة ثم جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين إلا كتب له أجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة)، فالذي يجلس في المسجد بعد أن يصلي الفجر في جماعة، ثم يجلس يذكر الله إلى أن تطلع الشمس وترتفع حوالي ربع ساعة أو ثلث ساعة، ثم يصلي ركعتي الضحى، كتب له أجر حجة وعمرة، تامة تامة تامة. فكان النبي ﷺ يجلس بعد الفجر في المسجد، وكان أصحابه يجلسون حوله يذكرون الله سبحانه، وكل يذكر الله في نفسه إلى أن تطلع الشمس، ثم يصلون ركعتي الضحى، ثم يتكلمون مع بعضهم، ويذكرون ما كانوا عليه في الجاهلية، من أنهم كانوا يعملون كذا وكذا، فيقول أحدهم: كنت أصنع صنماً من عجوة فإذا جعت أكلته! فيضحكون ويتبسم النبي ﷺ مما يقولون. وهؤلاء هم الذين كانوا في الجاهلية يقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [:ص٥] أي: شيء بالغ في العجب، فإنا ما سمعنا قبل هذا بهذا الكلام، فكان عندهم أولاً عجيباً، ثم أصبح الآن صواباً؛ لأن العقول عندما يهديها الله تفكر تفكيراً سليماً منطقياً، وعندما يضلها لا تفهم شيئاً فتخوض فيما لا تفهمه، وتهرف بما لا تعرفه، وتتكلم فيما لا تجيده. وقد يكون الإنسان رجلاً وصل إلى علم عظيم من علوم الدنيا، أو وصل إلى علم عالٍ بالذرة أو بالفلك، ومع ذلك يشرك بالله ، ويفعل أفعالاً عجيبة، فتجده يعبد حجارة أو ناراً أو أشجاراً أو أنهاراً أو غيرها من دون الله . يقول أحد الدكاترة: أنه كان يدرس علم المخ والأعصاب في اليابان، وفي يوم الإجازة ذهب أستاذه وغيره إلى المعبد، وكل واحد منهم أخذ معه جرساً، فسألهم: ماذا تعملون بهذا الجرس؟ فقالوا: نوقظ به الإله حتى ندعوه فيستجيب لنا! والنوم في الإنسان دليل على ضعفه وعلى أنه محتاج إلى الراحة وإلى النوم، وهؤلاء إلههم نائم، فهم يذهبون إليه في المعبد ليوقظوه حتى يرزقهم، ويعطيهم الطعام والشراب! هذا هو إلههم، والذي يفعل هذا عالم بالمخ والأعصاب، ومع ذلك إذا ذهب إلى هذا المعبد نسي وذهب عنه عقله، فيذهب يوقظ إلهه الذي أعطاه صفة من صفات البشر وهي النوم والغفلة، فالإله نائم، حتى يأتي هو ليوقظه ويطلب منه ما يريد. وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥]، فهو إله واحد لا شريك له ، ((لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ)) وهي الغفوة البسيطة، فلا تعتريه أبداً سبحانه، ((وَلا نَوْمٌ)) ولا ينام، وفي الحديث: (إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه). فالله لا يغفل ولا ينام .

стр. 3009

الحث على الجماعة ونبذ التفرق وقد شرع الله لكم هذا الدين قيماً لتعبدوه وحده ولا تشركوا به شيئاً، قال تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ)، وقد أمرنا الله جميعاً بالاعتصام بحبله فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣]، أي: لا تتفرقوا، بل اعتصموا، فإن العصمة في دين الله، فاجتمعوا على هذا الدين، يجمع الله قلوبكم وأبدانكم، وينصركم على أعدائكم بتمسككم بهذا الدين العظيم.

стр. 3010

اصطفاء الله تعالى لنبيه ﷺ قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى:١٣] أي: الله سبحانه يجتبي ويصطفي من خلقه من يشاء. فإن الكفار غاروا من النبي ﷺ ، وحاروا في أمره ﵊، ونفسوا عليه ما هو فيه من رسالة ربه سبحانه، وأبوا أن يدخلوا معه في هذا الدين، كما قال تعالى: ((كبر على المشركين ما تدعوهم إليه))، من الدخول في دين التوحيد، فحسدوه على أن آتاه الله ذلك، مع أن هذا لم يكن بيده، ولم يكن يمن عليهم به، وإن كان فيه المن، وإنما كان يقول عن نفسه: إنه رسول من رب العالمين . قال تعالى عن نبيه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، أي: لا تعرف هذا الدين، وليس عندك أي فكرة عنه، وإن كان قبل أن يبعث وقبل أن ينزل عليه الوحي على غاية عظيمة من مكارم الأخلاق ﵊، فكان لا يذهب إلى أصنامهم كما يذهبون، وإنما كان يبتعد عنها، ويعرف أنها لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك كان لا يعرف ما هو دين الله سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: عن دين الله، والذي دلك على هذا الدين هو الله؛ بخلاف البعض منهم كـ ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل، اللذين ذهبا يبحثان عن الدين الحق، فأما ورقة بن نوفل فتعلم النصرانية ودخل فيها. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فقال: والله يا رب! إني لا أعرف أي الطريق أحب إليك، ولو أني أعرفها لتوجهت إليك بها، فكان هذا على دين، وهذا على دين. وأما النبي ﷺ فلم يفعل مثلهما، وما كان يعرف ذلك، قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ وكان غيره قد سمع من اليهود والنصارى أن هذا العصر وهذا الزمان وهذه السنين التي نحن فيها سيظهر فيها نبي، وتنزل عليه الرسالة، وقد كان اليهود يقولون ذلك، ويستفتحون على الذين كفروا، فكانوا يقولون لهم: سيأتي نبي وسنقاتلكم معه، وكان المشركون يتساءلون: هل سيظهر نبي أم لا؟ وهل اليهود سيصدقون أم يكذبون؟ وبعض هؤلاء مثل أبي عابد الراهب لما سمع ذلك قال: لماذا لا أكون أنا هذا النبي؟ فذهب يتعبد وينتظر أن تنزل عليه الرسالة، وأما النبي ﷺ فما كان يجهز نفسه لشيء من ذلك، ولكن كان الله هو الذي يجهزه. فلما نزلت الرسالة على محمد ﷺ كفر أبو عابد الراهب واشتد كفره، وفسق في هذا الدين أشد الفسق، وبعد عنه أشد البعد، فسماه النبي ﷺ بـ أبي عامر الفاسق؛ لأنه كان يتعبد في الجاهلية ويبحث عن الدين، فلما جاء الدين الحق نفس على النبي ﷺ ما آتاه ربه ، وغار وتغيظ عليه وأبى أن يدخل في دينه. وآخر كان ينتظر أن تنزل عليه الرسالة -وهو أمية بن الصلت - ويظن أن يكون هو الرسول، وكان يقول لمن حوله: أنا الذي سوف أكون رسولاً في هذا الزمان. فقابله أبو سفيان بعد أن بعث النبي ﷺ ، فقال له: ما تقول في محمد؟ وقد كان أبو سفيان كافراً. فقال: أما الرسالة فهي، وأما هو ففي نفسي شك منه. يعني: هذه الرسالة هي من رب العالمين فعلاً، وهذا هو الناموس فعلاً، وأما أن يكون هو النبي ففي قلبي شيء منه. سبحان الله! وهل ستنزل الرسالة على غير مرسل؟ فإذا كان قد عرف أن الرسالة صحيحة، وأنها قد جاءت من رب العالمين، فقد كان الأولى به أن يصدق أن محمداً هو رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه، وعندما جاءته الوفاة قال لمن حوله: أما الرسالة فهي، وأما أنه هو ففي قلبي منه شيء. ومات الرجل على ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وقد كان شعره ممتلئاً بالتوحيد، وكان يتكلم بالتوحيد في أشعاره، وكان النبي ﷺ يحب أن يسمع أشعاره وقال عنه (آمن شعره وكفر قلبه)، والله يهدي من يشاء، ويضل من يشاء ، بيده مقاليد كل شيء. فالمقصود: أنه غار المشركون من النبي ﷺ وحسدوه، فأمر الله المؤمنين بأن يتجمعوا حول هذا الدين، ولا يتفرقوا عنه، فالمشركون إنما فعلوا ذلك بغياً منهم على المؤمنين، وليس لشيء آخر. قال الله : ((اللَّهُ يَجْتَبِي)) أي: يختار ويصطفي وينتقي ويأخذ من يشاء من عباده، فيجعله رسولاً ونبياً، فالخيرة لله ، وليس لكم الخيرة، وليس الاختيار إليكم أنتم، وإنما الخيرة إلى الله ، فهو (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)، وقد اجتبى نبيه صلوات الله وسلامه عليه، واختاره لأن يكون رسولاً من صغره ﵊، فرباه ليعرف أن الفضل من الله وحده عليه، وليس لأحد فضل عليه، صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 3011

تربية الله للرسول من صغره وكانت حكمة الله أن يموت أبوه وأمه حبلى به ﵊؛ حتى لا يقال: إن أباه هو الذي رباه وشجعه وعلمه، وإن أباه هو الذي فعل وفعل، فربته أمه ﷺ سنيناً، ثم لما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب بعد ذلك، فكان وحيداً يتيماً صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كان ربه هو الذي يحميه ويعصمه ، ويعده على أكمل ما يكون من الأدب والخلق صلوات الله وسلامه عليه. فكان ينظر إلى أصنامهم هذه أنها لا تستحق أن تعبد، وكان أصدق الخلق وأأمن الخلق ﵊، وكان أحب الخلق للخلق ﵊، حتى إن الكفار كانوا يلقبونه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يذهب إلى مكان إلا وأحبه أهل هذا المكان صلوات الله وسلامه عليه، وفي يوم من الأيام وهو صبي صغير صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحملون الحجارة، فكان يحملها معهم على منكبه ﷺ ، فيقول له عمه أبو طالب: يا ابن أخي! ضع ثوبك على كتفك، يشفق عليه، أي: بدلاً من أن تلبس ثوبك إزاراً ضعه على كتفك، وضع الحجر عليه، حتى لا يؤذي الحجر كتفك، وقد كان لابساً لإزاره ﷺ ، وهو طفل صغير، وكان عند المشركين أن الكبير إذا تعرى فلا شيء في ذلك عندهم، فإذا به يخلع إزاره ﷺ ، ولم يكد أن يفعل حتى غشي عليه صلوات الله وسلامه عليه، وإذا بالملك يقول له: خذ عليك إزارك. صلوات الله وسلامه عليه. فكان ربه يربيه وهو صبي صغير على ألا يتكشف، فلما كبر ﵊ كان إذا أراد أن يبول جلس وبال، وكان من عادتهم أن يبولوا قائمين، فلما كان هو يجلس كانوا يتعجبون منه ويقولون: انظروا إليه، يبول كما تبول المرأة، لأنه كان يستتر صلوات الله وسلامه عليه. وقد جاء الدين بذلك فكان هذا من سننه ﷺ ، فكان إذا أراد البول جلس ولم يقف؛ حتى لا يترشش عليه بوله، فيبول جالساً، فهذا مما علمه ربه وأدبه عليه. ثم نزل عليه القرآن فكمله بذلك ، وقد سئلت السيدة عائشة عن خلق النبي ﷺ ؟ فقالت للسائل: (أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، ولكن أسأل عن خلق النبي ﷺ . قالت: كان خلقه القرآن)، فكان كل ما في القرآن يطبقه صلوات الله وسلامه عليه، فكان خلقه القرآن صلوات الله وسلامه عليه. وهو لم يجهز نفسه لأن يكون رسولاً يوماً من الأيام، وإنما ربنا سبحانه هو الذي جهزه وهو الذي أعده وهو الذي امتحنه لذلك، صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضحى:٦]، أي: لا أب ولا أم، وإنما كفله جده، ثم مات جده فكفله عمه أبو طالب بعد ذلك، فكان وحيداً ﵊، ثم فتح الله عليه، وقد قال ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً -أي: برجل واحد وهو هو ﵊ وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فالذي علمه هو ربه وقال له: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، أي: عندك عيال وتحتاج إلى المال، وكنت فقيراً، فهو لم يرث شيئاً من أهله ﵊، وكان أهله أصحاب شرف، وكان له هو أيضاً شرف ﷺ ، وله قدر، وأما المال فلم يكن لديه مال، فقال له ربه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، أي: أن الله سبحانه وجدك صاحب عيال فأغناك، فقد أغنى قلبك فكنت غنياً بالرضا والقناعة، وأغناك فأعطاك مالاً، فعمل بالتجارة فكان له مال صلوات الله وسلامه عليه، وعمل عند إحدى شريفات البلد، وهي السيدة خديجة ﵂، ثم اختارها لتكون زوجة له بعد ذلك، فكانت سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة ﵂. فهذه التربية من الله للنبي ﷺ ، فهو يقول له: إن ربك وجدك يتيماً فآواك، فكن كذلك مع الأيتام، فآوهم وتحنن عليهم، وربت على ظهورهم، وأعطهم من المال، وبش لهم، ولا تجعلهم في بؤس وضيق، وكن لهم بمثابة الوالد صلوات الله وسلامه عليه، فعلمه من صغره، فما عانيت منه فأعن غيرك عليه إذا كان موجوداً فيه، فكان أرحم الخلق بالخلق صلوات الله وسلامه عليه. وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، أي: كما هداك الله -والمنة له وحده- فاهدِ الناس ودلهم على دين الله . وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٨]، أي: إنك قد ذقت الفقر ثم أغناك الله ، فإذا آتاك الله مالاً فأنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً. فكان ينفق النفقات العظيمة، حتى إن الرجل ليأتي إليه ﷺ ويقول: (يا محمد! يا رسول الله! أعطني. فيقول: انظر ما بين الجبلين، فيجد أغناماً، فيقول: خذها فهي لك)، فيذهب الرجل فرحاً يأخذ كل ما بين الجبلين، وينطلق بها إلى قومه من المشركين ويقول: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. صلوات الله وسلامه عليه، وكان إذا فتح الله عليه وقسم الغنائم على الناس كان له خمس الغنيمة، وله خمس الفيء، فكان يأخذ منها نفقة بيته صلوات الله وسلامه عليه، ثم ينفق الباقي على المسلمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3012

تفسير سورة الشورى [١٣ - ١٥] أوجب الله تعالى على الأولين والآخرين إقامة الدين وهو توحيد الله تعالى وحده وعبوديته، وهذا ما شرعه بواسطة الأنبياء والمرسلين، ونهانا تعالى عن التفرق فيه كما تفرقت الأمم السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم، وسبب التفرق في ذلك هو البغي والظلم والحسد وغير ذلك، وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بأوامر ونهاه عن نواهٍ، وذلك في آية الشورى المشتملة على عشر جمل مشتملة على أحكام، كل حكم مستقل بذاته ومنفصل عما قبله.

стр. 3013

تفسير قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٣ - ١٤]. ذكر الله هذه الشريعة العظيمة التي شرعها لنا، وجعلها لنا طريقاً ومنهاجاً ومسلكاً نسلك بها إلى جنة الله ، وشرع لنا من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحاه إلى النبي ﷺ ، (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى)، فهي شريعة الله سبحانه ومنهجه ودينه الإسلام، الذي دعا إليه كل رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فكلهم دعوا إلى توحيد الله، فقالوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فكذلك نبينا ﷺ بعث بمثل ما بعث به السابقون، أن يدعو قومه ويدعو العالمين إلى عبادة الله وحده لا شريك له. وقوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أي: أقيموا توحيد الله وادعوا إليه، وانهوا عن الشرك بالله . وقوله تعالى: (وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي: لا تتفرقوا في دين الله، كما تفرق الذين من قبلكم من بعد ما جاءتهم البينات، فأمرنا أن نتحد وأن نعتصم بدين الله وبشرع الله ، وأن ندعو إليه، وأسه وأساسه وأعظمه توحيد الله سبحانه. قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً) فالإسلام خمسة أركان، أعظمها وأعلاها توحيد الله ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فشرع لنا هذا الدين الذي هو ملة إبراهيم ونوح وآدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكل الأنبياء على هذا التوحيد وهو لا إله إلا الله. وقوله تعالى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي: عظم عند المشركين وكبر عليهم أن تدعوهم إلى إله واحد وهم مشركون به . وقوله تعالى: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) كان الكفار يجادلون النبي ﷺ أن اختاره الله نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه، فالله نهاهم أن يجادلوا في ذلك، فليس الأمر إليهم، إنما الأمر إلى الله فهو الذي يجتبي إليه من يشاء ويهدي من يشاء، فيجعله رسولاً أو خليلاً أو نبياً، ويوحي إليه أو ينزل عليه ملكاً من السماء، فهذا الأمر إلى الله . فالله الذي فعل ذلك، وأغلق باب الجدل في ذلك، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فالله هو الذي اختار محمداً ﷺ أن يكون رسولاً نبياً، فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

стр. 3014

معنى قوله تعالى: (الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب) ومعنى قوله تعالى: (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ): يصطفي ويختار من يشاء من عباده أن يكون رسولاً. وقوله تعالى (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) ويهدي إليه أيضاً من يشاء، ولكن للهداية أسباب يأخذ بها الإنسان، أما الاختيار والاصطفاء في أمر الرسالة أو النبوة فلا أسباب لها، فلا يقول أحد: سآخذ بالأسباب لكي أكون رسولاً في يوم من الأيام، فالرسالة محض وهبة من الله ، وهي منحة من الله فلا يوجد فيها أخذ بالأسباب. والذين أخذوا بالأسباب لكي يكونوا رسلاً في عهد النبي ﷺ لم يحدث أن أعطاهم الله شيئاً، بل كفروا ولم يدخلوا في دين الله ، فالله يختار من يشاء، ويهدي من ينيب إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]، فيأمر الله العباد أن يأخذوا بأسباب الهدى من أجل أن ينالوا الهداية من الله، فإذا أردت أن تدخل الجنة فخذ بأسبابها وآمن أن الله يدخل جنته من يشاء، وحقق الإيمان بالقضاء والقدر، وأعظم الأسباب لدخول الجنة هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ : (لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة). فالأخذ بالأسباب فيما تنتج فيه الأسباب نتائجها، لكن الرسالة ليس لها أسباب حتى يقال: خذ بالأسباب لكي تكون رسولاً أو نبياً، ولذلك قطع الله هذا الأمر وقال: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ)، أما الجنة والهداية فلها أسباب، فمن أخذ بالأسباب وصل في النهاية إلى الرب وإلى جنته، فخذ بأسباب الهداية يهدك الله، وخذ بأسباب التقى يجعلك الله تقياً، وخذ بأسباب الجنة يدخلك الله إياها. وقوله تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي: من يرجع إلى الله ويتوب إليه ويستغفره فالله يغفر له ويتوب عليه، والله كريم تواب رءوف رحيم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم يردهما صفراً، فالله إذا رفع العبد يديه إليه ودعاه أن يعطيه شيئاً فالله يعطيه، أو أن يهديه فالله يهديه، مع الاعتقاد أن الله هو الموفق لذلك ، وهو المعطي والهادي ، فله الفضل أولاً وآخراً، فيهدي من يشاء ويعطي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً. فالعبد أمامه طريقان: طريق السعادة وطريق الشقاء، والمؤمن يرى الطريقين وكذلك الكافر، وكل منهما بين الله لهما طريق السعادة وطريق الشقاء، ولكن المؤمن زاده الله بصيرة، فأنار له قلبه فاتبع هذا الطريق فسلكه، والكافر قلبه مظلم وممتلئ بالحقد والغل والحسد وبعدم حب الدين، فهو يرى أمامه ما ينفعه ومع ذلك يعاند ولا يريد أن يسلك هذا الطريق، فالله يهدي إليه من ينيب. ومن ركن إلى الله وتاب إليه تاب الله عليه، ولذلك نرى ذلك في حكمة الله أن غفر لآدم ولم يغفر لإبليس، فآدم وقع في الخطيئة فراجع نفسه، واستشعر الذل والندم، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فوفق الله آدم أن يقول ذلك، فتاب الله عليه. وإبليس استكبر وأبى أن يسجد لآدم، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، أي: أنا في مدة عمري أعبدك مع الملائكة، والآن سنسجد لهذا الذي خلقته من طين، فاستكبر، وكان إبليس يعرف ربه حق المعرفة، وعبد الله سنين كثيرة مع الملائكة، ثم أقسم بعزة الله سبحانه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فهو يعرف التوحيد ويعرف ربه أنه هو العزيز سبحانه فلجأ إلى ذلك، وقال: (فَبِعِزَّتِكَ) ثم قال: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤]، لأرى هذا الذي كرمت علي، كيف أصنع به؟ فلم تنفع إبليس معرفته بالله ، ولم تنفعه عبادته مع الملائكة زمناً طويلاً؛ لأنه استكبر والجنة لا يدخلها مستكبر، فلما استكبر على أمر الله، وتكبر على آدم واحتقره ورفض أن يسجد له، استحق عقوبة رب العالمين . وأبى إبليس أن يسجد لآدم استكباراً بعبادته لله سبحانه، وحقداً وغيرة أن الله أكرمه وجعله أحسن منه وهو مخلوق من طين، وتناسى أن الله إليه الخيرة في ذلك، فيختار من يشاء، ويرفع درجات من يشاء.

стр. 3015

تفسير قوله تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]، رأى النبي ﷺ أهل الكتاب في المدينة متفرقين، وهم اليهود، وإن كانوا يزعمون أمامه أنهم متوحدون، وأن بعضهم مع بعض، لكن حقيقتهم أوزاع متفرقون. فلم يتفرقوا عن جهل، فالله بصرهم، وأرسل إليهم الرسل، وعلمهم وبين لهم، وأنزل عليهم الكتب وأقام عليهم الحجج، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، وآتاهم الله التوراة، ثم أنزل على عيسى الإنجيل فتفرقوا وهم يعلمون. فما تفرق أهل الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم، فتعلموا فكان منهم الأحبار والرهبان، وتفرقوا مع وجود العلم بسبب البغي فيما بينهم، فقد بغى بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضاً، وعلا بعضهم على بعض، وغار بعضهم من بعض، وحسد بعضهم بعضاً على ما أعطاهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤]، فطلبوا الدنيا بالدين فضاع منهم دينهم، وضاعت منهم دنياهم وأخراهم. وتفرق أهل الكتاب شيعاً، قال النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وهو الدين الخالص الذي نزل من عند الله على النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال : ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠].
следующие страницы →