Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
تربية الله للرسول من صغره
وكانت حكمة الله أن يموت أبوه وأمه حبلى به ﵊؛ حتى لا يقال: إن أباه هو الذي رباه وشجعه وعلمه، وإن أباه هو الذي فعل وفعل، فربته أمه ﷺ سنيناً، ثم لما ماتت أمه كفله جده عبد المطلب بعد ذلك، فكان وحيداً يتيماً صلوات الله وسلامه عليه، ولكن كان ربه هو الذي يحميه ويعصمه ، ويعده على أكمل ما يكون من الأدب والخلق صلوات الله وسلامه عليه.
فكان ينظر إلى أصنامهم هذه أنها لا تستحق أن تعبد، وكان أصدق الخلق وأأمن الخلق ﵊، وكان أحب الخلق للخلق ﵊، حتى إن الكفار كانوا يلقبونه بالصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وكان لا يذهب إلى مكان إلا وأحبه أهل هذا المكان صلوات الله وسلامه عليه، وفي يوم من الأيام وهو صبي صغير صلوات الله وسلامه عليه كانوا يحملون الحجارة، فكان يحملها معهم على منكبه ﷺ ، فيقول له عمه أبو طالب: يا ابن أخي! ضع ثوبك على كتفك، يشفق عليه، أي: بدلاً من أن تلبس ثوبك إزاراً ضعه على كتفك، وضع الحجر عليه، حتى لا يؤذي الحجر كتفك، وقد كان لابساً لإزاره ﷺ ، وهو طفل صغير، وكان عند المشركين أن الكبير إذا تعرى فلا شيء في ذلك عندهم، فإذا به يخلع إزاره ﷺ ، ولم يكد أن يفعل حتى غشي عليه صلوات الله وسلامه عليه، وإذا بالملك يقول له: خذ عليك إزارك.
صلوات الله وسلامه عليه.
فكان ربه يربيه وهو صبي صغير على ألا يتكشف، فلما كبر ﵊ كان إذا أراد أن يبول جلس وبال، وكان من عادتهم أن يبولوا قائمين، فلما كان هو يجلس كانوا يتعجبون منه ويقولون: انظروا إليه، يبول كما تبول المرأة، لأنه كان يستتر صلوات الله وسلامه عليه.
وقد جاء الدين بذلك فكان هذا من سننه ﷺ ، فكان إذا أراد البول جلس ولم يقف؛ حتى لا يترشش عليه بوله، فيبول جالساً، فهذا مما علمه ربه وأدبه عليه.
ثم نزل عليه القرآن فكمله بذلك ، وقد سئلت السيدة عائشة عن خلق النبي ﷺ ؟ فقالت للسائل: (أما تقرأ القرآن؟ قال: بلى، ولكن أسأل عن خلق النبي ﷺ .
قالت: كان خلقه القرآن)، فكان كل ما في القرآن يطبقه صلوات الله وسلامه عليه، فكان خلقه القرآن صلوات الله وسلامه عليه.
وهو لم يجهز نفسه لأن يكون رسولاً يوماً من الأيام، وإنما ربنا سبحانه هو الذي جهزه وهو الذي أعده وهو الذي امتحنه لذلك، صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ [الضحى:٦]، أي: لا أب ولا أم، وإنما كفله جده، ثم مات جده فكفله عمه أبو طالب بعد ذلك، فكان وحيداً ﵊، ثم فتح الله عليه، وقد قال ﷺ : (بدأ الإسلام غريباً -أي: برجل واحد وهو هو ﵊ وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء)، فالذي علمه هو ربه وقال له: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]، أي: عندك عيال وتحتاج إلى المال، وكنت فقيراً، فهو لم يرث شيئاً من أهله ﵊، وكان أهله أصحاب شرف، وكان له هو أيضاً شرف ﷺ ، وله قدر، وأما المال فلم يكن لديه مال، فقال له ربه: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٨]، أي: أن الله سبحانه وجدك صاحب عيال فأغناك، فقد أغنى قلبك فكنت غنياً بالرضا والقناعة، وأغناك فأعطاك مالاً، فعمل بالتجارة فكان له مال صلوات الله وسلامه عليه، وعمل عند إحدى شريفات البلد، وهي السيدة خديجة ﵂، ثم اختارها لتكون زوجة له بعد ذلك، فكانت سيدة نساء العالمين، وسيدة نساء أهل الجنة ﵂.
فهذه التربية من الله للنبي ﷺ ، فهو يقول له: إن ربك وجدك يتيماً فآواك، فكن كذلك مع الأيتام، فآوهم وتحنن عليهم، وربت على ظهورهم، وأعطهم من المال، وبش لهم، ولا تجعلهم في بؤس وضيق، وكن لهم بمثابة الوالد صلوات الله وسلامه عليه، فعلمه من صغره، فما عانيت منه فأعن غيرك عليه إذا كان موجوداً فيه، فكان أرحم الخلق بالخلق صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، أي: كما هداك الله -والمنة له وحده- فاهدِ الناس ودلهم على دين الله .
وقال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى:٨]، أي: إنك قد ذقت الفقر ثم أغناك الله ، فإذا آتاك الله مالاً فأنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالاً.
فكان ينفق النفقات العظيمة، حتى إن الرجل ليأتي إليه ﷺ ويقول: (يا محمد! يا رسول الله! أعطني.
فيقول: انظر ما بين الجبلين، فيجد أغناماً، فيقول: خذها فهي لك)، فيذهب الرجل فرحاً يأخذ كل ما بين الجبلين، وينطلق بها إلى قومه من المشركين ويقول: يا قوم! أسلموا فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
صلوات الله وسلامه عليه، وكان إذا فتح الله عليه وقسم الغنائم على الناس كان له خمس الغنيمة، وله خمس الفيء، فكان يأخذ منها نفقة بيته صلوات الله وسلامه عليه، ثم ينفق الباقي على المسلمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3012
تفسير سورة الشورى [١٣ - ١٥]
أوجب الله تعالى على الأولين والآخرين إقامة الدين وهو توحيد الله تعالى وحده وعبوديته، وهذا ما شرعه بواسطة الأنبياء والمرسلين، ونهانا تعالى عن التفرق فيه كما تفرقت الأمم السابقة من اليهود والنصارى وغيرهم، وسبب التفرق في ذلك هو البغي والظلم والحسد وغير ذلك، وقد أمر الله تعالى نبيه محمداً ﷺ بأوامر ونهاه عن نواهٍ، وذلك في آية الشورى المشتملة على عشر جمل مشتملة على أحكام، كل حكم مستقل بذاته ومنفصل عما قبله.
стр. 3013
تفسير قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ * وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٣ - ١٤].
ذكر الله هذه الشريعة العظيمة التي شرعها لنا، وجعلها لنا طريقاً ومنهاجاً ومسلكاً نسلك بها إلى جنة الله ، وشرع لنا من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحاه إلى النبي ﷺ ، (وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى)، فهي شريعة الله سبحانه ومنهجه ودينه الإسلام، الذي دعا إليه كل رسل الله وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام، فكلهم دعوا إلى توحيد الله، فقالوا: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩]، فكذلك نبينا ﷺ بعث بمثل ما بعث به السابقون، أن يدعو قومه ويدعو العالمين إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
وقوله تعالى: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ) أي: أقيموا توحيد الله وادعوا إليه، وانهوا عن الشرك بالله .
وقوله تعالى: (وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) أي: لا تتفرقوا في دين الله، كما تفرق الذين من قبلكم من بعد ما جاءتهم البينات، فأمرنا أن نتحد وأن نعتصم بدين الله وبشرع الله ، وأن ندعو إليه، وأسه وأساسه وأعظمه توحيد الله سبحانه.
قال النبي ﷺ : (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً) فالإسلام خمسة أركان، أعظمها وأعلاها توحيد الله ، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فشرع لنا هذا الدين الذي هو ملة إبراهيم ونوح وآدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكل الأنبياء على هذا التوحيد وهو لا إله إلا الله.
وقوله تعالى: (كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ) أي: عظم عند المشركين وكبر عليهم أن تدعوهم إلى إله واحد وهم مشركون به .
وقوله تعالى: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) كان الكفار يجادلون النبي ﷺ أن اختاره الله نبياً ورسولاً صلوات الله وسلامه عليه، فالله نهاهم أن يجادلوا في ذلك، فليس الأمر إليهم، إنما الأمر إلى الله فهو الذي يجتبي إليه من يشاء ويهدي من يشاء، فيجعله رسولاً أو خليلاً أو نبياً، ويوحي إليه أو ينزل عليه ملكاً من السماء، فهذا الأمر إلى الله .
فالله الذي فعل ذلك، وأغلق باب الجدل في ذلك، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، فالله هو الذي اختار محمداً ﷺ أن يكون رسولاً نبياً، فالله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
стр. 3014
معنى قوله تعالى: (الله يجتبي من يشاء ويهدي إليه من ينيب)
ومعنى قوله تعالى: (يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ): يصطفي ويختار من يشاء من عباده أن يكون رسولاً.
وقوله تعالى (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) ويهدي إليه أيضاً من يشاء، ولكن للهداية أسباب يأخذ بها الإنسان، أما الاختيار والاصطفاء في أمر الرسالة أو النبوة فلا أسباب لها، فلا يقول أحد: سآخذ بالأسباب لكي أكون رسولاً في يوم من الأيام، فالرسالة محض وهبة من الله ، وهي منحة من الله فلا يوجد فيها أخذ بالأسباب.
والذين أخذوا بالأسباب لكي يكونوا رسلاً في عهد النبي ﷺ لم يحدث أن أعطاهم الله شيئاً، بل كفروا ولم يدخلوا في دين الله ، فالله يختار من يشاء، ويهدي من ينيب إليه، قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [الزمر:٥٤]، فيأمر الله العباد أن يأخذوا بأسباب الهدى من أجل أن ينالوا الهداية من الله، فإذا أردت أن تدخل الجنة فخذ بأسبابها وآمن أن الله يدخل جنته من يشاء، وحقق الإيمان بالقضاء والقدر، وأعظم الأسباب لدخول الجنة هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ : (لن يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة).
فالأخذ بالأسباب فيما تنتج فيه الأسباب نتائجها، لكن الرسالة ليس لها أسباب حتى يقال: خذ بالأسباب لكي تكون رسولاً أو نبياً، ولذلك قطع الله هذا الأمر وقال: (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ)، أما الجنة والهداية فلها أسباب، فمن أخذ بالأسباب وصل في النهاية إلى الرب وإلى جنته، فخذ بأسباب الهداية يهدك الله، وخذ بأسباب التقى يجعلك الله تقياً، وخذ بأسباب الجنة يدخلك الله إياها.
وقوله تعالى: (وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) أي: من يرجع إلى الله ويتوب إليه ويستغفره فالله يغفر له ويتوب عليه، والله كريم تواب رءوف رحيم، يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه ثم يردهما صفراً، فالله إذا رفع العبد يديه إليه ودعاه أن يعطيه شيئاً فالله يعطيه، أو أن يهديه فالله يهديه، مع الاعتقاد أن الله هو الموفق لذلك ، وهو المعطي والهادي ، فله الفضل أولاً وآخراً، فيهدي من يشاء ويعطي فضلاً، ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلاً.
فالعبد أمامه طريقان: طريق السعادة وطريق الشقاء، والمؤمن يرى الطريقين وكذلك الكافر، وكل منهما بين الله لهما طريق السعادة وطريق الشقاء، ولكن المؤمن زاده الله بصيرة، فأنار له قلبه فاتبع هذا الطريق فسلكه، والكافر قلبه مظلم وممتلئ بالحقد والغل والحسد وبعدم حب الدين، فهو يرى أمامه ما ينفعه ومع ذلك يعاند ولا يريد أن يسلك هذا الطريق، فالله يهدي إليه من ينيب.
ومن ركن إلى الله وتاب إليه تاب الله عليه، ولذلك نرى ذلك في حكمة الله أن غفر لآدم ولم يغفر لإبليس، فآدم وقع في الخطيئة فراجع نفسه، واستشعر الذل والندم، فقال: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، فوفق الله آدم أن يقول ذلك، فتاب الله عليه.
وإبليس استكبر وأبى أن يسجد لآدم، وقال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، أي: أنا في مدة عمري أعبدك مع الملائكة، والآن سنسجد لهذا الذي خلقته من طين، فاستكبر، وكان إبليس يعرف ربه حق المعرفة، وعبد الله سنين كثيرة مع الملائكة، ثم أقسم بعزة الله سبحانه: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فهو يعرف التوحيد ويعرف ربه أنه هو العزيز سبحانه فلجأ إلى ذلك، وقال: (فَبِعِزَّتِكَ) ثم قال: ﴿أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:١٤]، لأرى هذا الذي كرمت علي، كيف أصنع به؟ فلم تنفع إبليس معرفته بالله ، ولم تنفعه عبادته مع الملائكة زمناً طويلاً؛ لأنه استكبر والجنة لا يدخلها مستكبر، فلما استكبر على أمر الله، وتكبر على آدم واحتقره ورفض أن يسجد له، استحق عقوبة رب العالمين .
وأبى إبليس أن يسجد لآدم استكباراً بعبادته لله سبحانه، وحقداً وغيرة أن الله أكرمه وجعله أحسن منه وهو مخلوق من طين، وتناسى أن الله إليه الخيرة في ذلك، فيختار من يشاء، ويرفع درجات من يشاء.
стр. 3015
تفسير قوله تعالى: (وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [الشورى:١٤]، رأى النبي ﷺ أهل الكتاب في المدينة متفرقين، وهم اليهود، وإن كانوا يزعمون أمامه أنهم متوحدون، وأن بعضهم مع بعض، لكن حقيقتهم أوزاع متفرقون.
فلم يتفرقوا عن جهل، فالله بصرهم، وأرسل إليهم الرسل، وعلمهم وبين لهم، وأنزل عليهم الكتب وأقام عليهم الحجج، وقد أعذر من أنذر، وما قصر من بصر، وآتاهم الله التوراة، ثم أنزل على عيسى الإنجيل فتفرقوا وهم يعلمون.
فما تفرق أهل الكتاب إلا من بعدما جاءهم العلم، فتعلموا فكان منهم الأحبار والرهبان، وتفرقوا مع وجود العلم بسبب البغي فيما بينهم، فقد بغى بعضهم على بعض، وظلم بعضهم بعضاً، وعلا بعضهم على بعض، وغار بعضهم من بعض، وحسد بعضهم بعضاً على ما أعطاهم الله سبحانه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٥٤]، فطلبوا الدنيا بالدين فضاع منهم دينهم، وضاعت منهم دنياهم وأخراهم.
وتفرق أهل الكتاب شيعاً، قال النبي ﷺ : (افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة.
قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) وهو الدين الخالص الذي نزل من عند الله على النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر:٣]، وقال : ﴿أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠].
стр. 3016
الواجب عند الاختلاف
وأمر الله المؤمنين بدين واحد وهو الإسلام ونهاهم عن التفرق فيه من بعد ما جاءهم العلم والبينات، وما اختلفوا فيه من شيء فيرد إلى الله ورسوله، قال الله : ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:١٠]، وينظر أهل العلم في ذلك، يقول ربنا سبحانه: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا * وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:٨٢ - ٨٣].
فالمنهج الذي جعله الله للمؤمنين أنهم إذا اختلفوا ردوا الأمر إلى الله، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، فالطاعة لله وللرسول ﷺ ، فإذا حدث تنازع بين المؤمنين ردوا الأمر إلى الله ورسوله.
ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء:٨٣]، أي: إذا حدث خلاف، أو شاع إرجاف بين المؤمنين فليهرعوا إلى النبي ﷺ فيسألونه إذا كانوا في عهد النبي ﷺ ، أما إذا لم يكونوا في عهده فليلجئوا إلى أهل العلم ويسألونهم عن ذلك، فإنهم يستنبطون من الكتاب ومن سنة النبي ﷺ ما يدلهم على ذلك، فرجعوا فيه.
وليس كل أهل العلم يستنبطون الأحكام وإنما بعضهم، والاستنباط لغة: هو إخراج الشيء الخفي.
واصطلاحاً: استخراج الأحكام الشرعية من مفاهيم الكتاب وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فإذا تنازع المؤمنون في شيء فليردوه إلى كتاب الله وإلى سنة النبي ﷺ ، وأهل العلم يستنبطون حكمه ويستخرجونه من كتاب الله ومن سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، إما بالنص، أو بدلالة الإشارة أو بالعبارة، أو بالقياس على الشيء، فينظرون ويستخرجون حكم النازلة التي نزلت.
أما إذا تفرقوا إلى فرق، فقد قال النبي ﷺ فيها: (كلها في النار إلا واحدة) وهم الذين هم على ما كان عليه ﷺ وأصحابه، كان كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في اتباع من خلف.
والإنسان الذي يظن بنفسه أنه أفضل وأعلم وأحكم من أصحاب النبي ﷺ فإنه جاهل مغرور، إنما العلم نزل على النبي ﷺ ، وهؤلاء الصحابة الأفاضل تعلموا من النبي ﷺ حال نزول الوحي عليه، ثم أمرهم صلوات الله وسلامه عليه فقال: (بلغوا عني ولو آية) وأمروا بالبلاغ ليؤخذ منهم ذلك، فأخذ أهل العلم من الصحابة الأفاضل عقيدة الإسلام الصافية الخالدة، ودين رب العالمين الذي أنزله على سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه، واعتصموا بذلك ولم يختلفوا أو يتفرقوا، فإذا اختلفوا صاروا كالذين من قبلهم.
وقوله تعالى: (بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، بغياً: مفعول لأجله، أي: لأجل البغي، أو بسبب أنهم بغى بعضهم على بعض حدثت الفرقة بينهم.
стр. 3017
تأجيل الله تعالى القضاء بين العباد إلى يوم القيامة
وقال تعال: (وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ)، أي: لولا وعد الله أنه ينظر عباده ويمهلهم إلى يوم يبعثون، فإبليس قال لله : ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر:٣٦ - ٣٨] فأنظر إبليس إلى يوم القيامة، وكذلك وعد الله له ولأتباعه أنه يؤخرهم إلى يوم يبعثون ولا يعاجلهم بالعقوبة في الدنيا، ولولا وعد الله لاستحقوا العقوبة حالاً على ما يقولون وما يعلمون.
قال تعالى: (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)، الأجل المسمى هو يوم الحساب وهو يوم القيامة، يوم الجمع ويوم النشور ويوم الجزاء، وأجلهم في ذلك وعد من الله، ووعد الله حق، ولولا هذا الوعد لقضى الله بين عباده.
قال تعالى: (وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ)، أي: تفرق الذين من قبلنا بسبب البغي فيما بينهم، وورثوا الكتاب للذين من بعدهم، فأخذوا بالتوراة وبالإنجيل وهم في شك في قلوبهم من هذا القرآن ومن النبي ﷺ ، مع أن الله بين لهم، فوقعوا في الشك في النبي صلوات الله وسلامه عليه وفي هذا القرآن ببعدهم عن الحق الذي كان عندهم في التوراة وفي الإنجيل، فقد حرفوا وأزالوا الحق عن مواضعه فصاروا في عمى لا يهتدون طريقاً، ووصفهم الله بأنهم ضالون ومغضوب عليهم، ولذلك يدعو المؤمن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، و (الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ): اليهود.
و (الضَّالِّينَ): النصارى.
وهم الذين تفرقوا في دينهم من بعد ما جاءتهم البينات ومن بعد ما جاءهم العلم، فصاروا في شك مريب، أي: موقع للريبة في القلوب.
стр. 3018
تفسير قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت)
قال تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
قوله: (فلذلك فادع) أي: فلذلك الدين القيم، ولهذه الشريعة ادع الخلق إلى دين ربك وادع إلى كتابه.
قال تعالى: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، أي: استقم على دين الله سبحانه وعلى شرعه بتوحيدك لله سبحانه، ونفذ أوامره واجتنب نواهيه.
وقد أمره في سورة هود بالاستقامة على دينه سبحانه، قال النبي ﷺ : (شيبتني هود وأخواتها)، فسورة هود فيها ذكر القيامة وفيها ذكر الأشقياء والسعداء، قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ * فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ * وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٥ - ١٠٨]، فشاب النبي ﷺ مما أمره الله في سورة هود، ومما أخبره بما سيكون في يوم القيامة من بعث العبيد وما يكون منهم من شقي وسعيد ومن حساب شديد.
وأخوات سورة هود هن السور التي مثلها في ذكر يوم القيامة والجزاء والجنة والنار، قال الله : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود:١١٢] فهو بصير وخبير بكم ، ففي سورة هود أمر بالاستقامة كما في هذه الآية.
وهنا أمره بالاستقامة فقال: (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، فأمره أن يستقيم على هذا الدين، وهو مستقيم على دين الله ، وهذا من باب: إياكِ أعني واسمعي يا جارة، فيؤمر بالاستقامة وهو عليها ﵊، فالمؤمنون أولى بأن يستقيموا على دين الله سبحانه، ولا يتفرقوا فيه، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٠٣]، ولا تزيغوا عن دين الله سبحانه.
стр. 3019
الجمل العشر في قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت)
وهذه الآية العظيمة اشتملت على عشر جمل في كل جملة حكم مستقل بذاته، وكل منها منفصلة عما قبلها، ولا نظير لها في القرآن كله إلا آية الكرسي، قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥]، والجمل هي: ١ - (فَلِذَلِكَ فَادْعُ).
٢ - (وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
٣ - (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).
٤ - (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ).
٥ - (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ).
٦ - (اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ).
٧ - (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ).
٨ - (لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ).
٩ - (اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا).
١٠ - (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ).
فهذه عشر جمل وفي كل جملة حكم قائم بذاته، ومعنى أراده الله وأمر به، ومثلها آية الكرسي، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] ١ - (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
٢ - (الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
٣ - (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ).
٤ - (لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ).
٥ - (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ).
٦ - (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).
٧ - (وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ).
٨ - (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ).
٩ - (وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا).
١٠ - (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وهذه عشر جمل وفي كل جملة حكم مستقبل بذاته.
وهذا من بلاغة وفصاحة القرآن إذ يأمر الله فيها بأمر أو ينهى عن شيء.
فالله أمر نبيه محمداً ﷺ بأن يدعو الخلق لهذا الدين ولهذه الشريعة العظيمة.
ثم أمره بأمر آخر وهو أن يستقم على دين الله سبحانه كما أمر الله ، والمعنى أن ينفذ جميع ما أمر الله به ويمتنع عن جميع ما نهى الله عنه، وهذا أمر بإقامة الدين كله، فمن حقه أن يشيب رأسه صلوات الله وسلامه عليه عندما يسمع ذلك.
стр. 3020
معنى قوله تعالى (ولا تتبع أهواءهم)
ثم نهاه عن اتباع الهوى فقال تعالى: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ)، فإن هؤلاء الكفار سيدعونك إلى البعد عن دين الله سبحانه، فاحذر أهواء هؤلاء الكفار، ومن ذلك أنهم قالوا للنبي ﷺ : إذا أردت أن نتبعك فلا يليق بنا أن نجلس مع هؤلاء الفقراء، فاجعل لنا مجلساً ولهم مجلساً، ولا يتحدث العرب أننا جلسنا مع هؤلاء الفقراء والصعاليك، فكاد ﷺ يميل لذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٥٢]، فالله يحذر نبيه صلوات الله وسلامه عليه: إذا طردت هؤلاء فستكون من الظالمين، وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يطردهم ظلماً وعدواناً واستكباراً، فهذا مستحيل، ولكن كونه يطردهم، أو يمنعهم، أو لا يقعد مع هؤلاء الذين يذكرون الله ، فإنه يعتبر في حق النبي ﷺ ظلماً.
وكذلك قالوا للنبي ﷺ : أتريد منا التوحيد؟ اعبد آلهتنا وادع إليها، ونحن نستجيب لك وندخل معك في هذا الدين، فيقول الله له: (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) فلا يوجد في الدين قاعدة اسمها (الغاية تبرر الوسيلة)، أي: لكي يدخل هؤلاء في الدين فلا مانع أن نشرك معهم اليوم لكي يسلموا معنا غداً، فالدين دين خالص لله ، فإن قبلوا فالحمد لله، وإن أعرضوا فعليهم الجزاء من الله ، والدين دين قيم، ودين قوي، ودين لا يحتاج إليكم، بل أنتم الذين تحتاجون إلى الله الغني الحميد، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، ، فهو مستغن عن العباد وعن عبادتهم، وأنزل الدين لتنتفعوا أنتم، لا لينتفع هو ، فلذلك يقول لنبيه ﷺ : (وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).
وأبو سفيان حين جاء إلى النبي ﷺ قبيل فتح مكة، مر مع أبي بكر ﵁ على مجموعة من المسلمين الذين كانوا مستضعفين قبل ذلك رضوان الله ﵎ عليهم، وإذا به ينظر إليهم وقد صاروا بعز في هذا الإسلام، فينظرون إليه ويقول أحدهم وهو بلال أو غيره ﵃: أما أخذت سيوف الله من رقاب أعداء الله؟ أي: أنه بقي من رقاب أعداء الله أمثال أبي سفيان، وكان شيخ الكفار في كفره، ثم أسلم وحسن إسلامه رضي الله تبارك تعالى عنه.
فلما قالوا ذلك غضب أبو بكر ﵁، وقال: أتقولون هذا لشيخ قريش؟! فـ أبو بكر، يريد أن يتألفه ليسلم ويدخل في دين الله ، فبلغ الأمر إلى النبي ﷺ فقال لـ أبي بكر: (ارجع إليهم فصالحهم، لعلك تكون أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك) أي: إن كنت أغضبت هؤلاء الفقراء من المسلمين الذين كانوا يؤذون في مكة وكان يؤذيهم أبو سفيان ومن معه فقد أغضبت ربك، فرجع أبو بكر ﵁ وهو ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ، ورفيق النبي ﷺ في الجنة، فقال لـ بلال ومن معه: لعلي أغضبتكم يا إخواني، فقالوا: لا، غفر الله لك.
فالله أمر النبي ﷺ أن يجلس مع هؤلاء الفقراء، وألا يتركهم ليذهب إلى هؤلاء الكفار حتى لو كان الثمن دخولهم في الدين، فأمره الله ألا يجعل لهؤلاء مجلساً ولهؤلاء مجلساً، وإذا أرادوا فليجلسوا مع هؤلاء الفقراء، وإذا لم يريدوا فلا يجلسوا فهم الذين يخسرون وليس المؤمنين.
стр. 3021
الإيمان بما أنزل الله من كتب على رسله
قال تعالى: (وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ)، أي: قل وعلم المؤمنين أن يقولوا: آمنت بكتب الله سبحانه التي أنزلت من السماء، والمؤمنون كلهم يؤمنون بكتب الله سبحانه ما أخبرنا بها وما لم يخبرنا بها، ونؤمن إجمالاً أن الله أرسل رسلاً وأنزل كتباً من السماء على هؤلاء الرسل.
فقال لنبيه: قل آمنت بما أنزل الله من كتاب، فالتوراة نؤمن أنها كتاب من عند الله ونزلت من عند الله، والإنجيل كتاب من عند الله، وكذلك صحف إبراهيم والزبور التي أنزلت على داود، فنؤمن بكتب الله التي أنزلها الله على الأنبياء السابقين إجمالاً، وأنها دعت الخلق إلى توحيد الله وإلى الإيمان بالله ، وأفضل هذه الكتب وخيرها وخاتمتها كلها هذا القرآن العظيم الذي جاء من عند رب العالمين.
قال تعالى: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)، أي: أمرت أن أحكم بينكم بالعدل، وهذا أمر للنبي صلوات الله وسلامه عليه وللمؤمنين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠].
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3022
تفسير سورة الشورى الآية [١٥]
لقد أمر الله رسوله الكريم في غير موضع من القرآن بالاستقامة، وأمر الرسول ﵊ أصحابه بها، وحثهم على فعل المأمور على أكمل وجه واجتناب المحظور، وبالاستقامة يحصل العبد على رضا سيده وعلى حب مولاه .
стр. 3023
تفسير قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
((فَلِذَلِكَ فَادْعُ)) يأمر الله سبحانه ﵎ نبيه صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة إلى دينه، هذا الدين القيم العظيم دين الإسلام دين التوحيد، ملة أبيكم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 3024
الأمر بالاستقامة على دين الله
قوله: ((وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ))، أي: استقم على هذا الطريق كما أمرك الله ونفذ كل ما أمرك الله أن تفعله، واجتنب كل ما منعك الله عنه، فكن مستقيماً على طريق الله منفذاً لكل ما يريده الله ، مجتنباً لكل ما نهاك الله عنه.
وأمر الله في سورة هود بالاستقامة أيضاً، وقال النبي ﷺ لرجل يسأله وهو سفيان بن عبد الله الثقفي كما في صحيح مسلم قال سفيان: (قلت: يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك أو أحداً غيرك، فقال النبي ﷺ : قل آمنت بالله فاستقم)، وفي رواية لـ أحمد: (قل آمنت بالله ثم استقم).
فأمر الله نبيه ﷺ بالاستقامة، وبهذا الأمر أمر النبي ﷺ المؤمنين بالاستقامة على دين الله ﵎، وفي رواية أخرى لـ أحمد:>أن سفيان قال بعد ذلك للنبي ﷺ : (فأي شيء أتقي؟ فأشار بيده إلى لسانه صلوات الله وسلامه عليه).
وتتقي غضب الله سبحانه بأن تنفذ أوامره وتجتنب محارمه، ومن أعظم ما تتقي الله فيه اللسان، فكن مستقيماً فلا تتكلم إلا بالحق؛ لا تتكلم بزور ولا تتكلم ببلاهة فيحاسبك الله عليه يوم القيامة ويعذبك عليه، فقل: آمنت بالله، ثم استقم على طريق الله وعلى دين الله ، واتق أن تقع بلسانك في شيء قد حذرنا الله سبحانه منه.
وفي رواية أخرى قال الرجل: (يا رسول الله! ما أخوف ما تخاف علي -أي: ما هي أشد الأشياء التي تخافها علي- فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: عليك هذا).
فأخوف ما يخاف النبي ﷺ على كل إنسان مؤمن هو اللسان الذي يقع فيما حرم الله ، واللسان بالكلام السيئ يثور فإذا به يستحق عذاب السعير، واللسان يتكلم بالحق فينجو صاحبه، ويتكلم بالباطل فيوبق صاحبه، واللسان قد يقع في الكذب، في الغيبة، في النميمة، في النفاق، في شهادة الزور، في قول الزور وغيرها من آفات اللسان، ولذلك أخوف ما يخاف على الإنسان من لسانه أن يقع في الحرام بأن يسيء بالكلام الظاهر.
أمر أصحابه بالاستقامة فقال ﵊: (استقيموا ولم تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ عليها إلا مؤمن)، فالصحابة طلبوا النصيحة، فدعاهم النبي ﷺ إلى الاستقامة، ولو أن النبي ﷺ حدثهم من بداية الأمر بكل شرائع الدين لشق عليهم، ولكنه قد أوتي جوامع الكلم صلوات الله وسلامه عليه، وبين الرسول ﷺ الاستقامة فقال: (قل آمنت بالله ثم استقم) فلا تشرك بالله شيئاً، واعبد الله ولا توجه عبادتك إلى أحد غير الله.
وقوله ﵊: (استقيموا ولن تحصوا) أي: لن تحصوا أعمال البر، فالبر كثير جداً، والله يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [البقرة:١٧٧] وهذه كلمات عظيمة، فقد كانت هناك أشياء يظنونها من البر وهي لا معنى لها، فقد كانوا إذا خرج أحدهم يريد الحج خرج من ظهر بيته، والحكمة من ذلك عندهم: أنه إذا خرج من ظهر البيت فسيرجع إليهم، فكانوا يعتقدون أن من البر أن يخرج من ظهر بيته، فقال تعالى: ((لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ))، إنما البر في هذه الأعمال الصالحة، وليست هذه كل الأعمال، ولكنه ذكر رءوس الأعمال، فقال النبي ﷺ : (لن تحصوا)، فأعمال البر كثيرة، قال النبي ﷺ : (الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق)، وما بين ذلك أعمال كثيرة من أعمال البر.
стр. 3025
الصلاة أفضل الأعمال
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
((فَلِذَلِكَ فَادْعُ)) يأمر الله سبحانه ﵎ نبيه صلوات الله وسلامه عليه بالدعوة إلى دينه، هذا الدين القيم العظيم دين الإسلام دين التوحيد، ملة أبيكم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 3026
فضل صلاة النافلة
قال ﷺ لأصحابه: (اعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فإذا نقبت عن أفضل الأعمال تجد أنها الصلاة، فهي من أعظم العمل الذي يتقرب به العبد إلى الله .
فذكر لنا النبي ﷺ في الحديث أن الصلاة أحب العمل إلى الله ، وأفضل ما يتقرب به العبد إلى الله ، مما افترضه الله عليك، وقد افترض عليك الصلاة والصيام والزكاة والحج، وأحب ما تتقرب إلى الله من الأعمال المفروضة هي الصلاة، قال الله : (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فتصلي الصلاة المفروضة كما أمرك الله ، وتواظب عليها، وتؤديها في أوقاتها، لا تسه عنها، ولا تغفل عنها، ولا تفرط فيها، ولا تجمع الصلوات بعضها إلى بعض، ولكن صل الصلوات على وقتها كما أمرك الله بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء:١٠٣] أي: فرض محدود بتوقيت، لا يجوز لك أن تخرجها عن وقتها فتصلي الصلاة في غير وقتها.
قال الله : ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون:٤ - ٧]، فهم كانوا يصلون ولكنهم كانوا يجمعون الصلوات بعضها إلى بعض، ويعطل أحدهم الصلاة عن معناها وعن مقصدها، ويدخل في الصلاة ولا يفهم كيف يصلي ولا ما الذي يلزم في صلاته، وينشغل في صلاته بعمل، أو بمال، أو بأصحاب، فإذا به في صلاته لا يعقل شيئاً منها، قال النبي ﷺ : (تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا اصفرت قام فنقرها أربعاً)، وهذه من سمات المنافقين، حيث يرقب الشمس حتى تكاد الشمس تغرب وقد اصفرت فيقوم فينقرها أربع ركعات، فهو ليس من الذين لا يصلون بالكلية، أما الذي لا يصلي كلية فهو أشد وأعظم.
قال النبي ﷺ : (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فتصلي الصلاة الصحيحة ويقبلها الله ، فيكفر عنك بهذه الصلاة من سيئاتك، قال ﵊: (الصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)، فإذا اجتنبت الكبائر فهذه الأفعال مكفرات، ومثله أن يسهو في صلاته.
وقال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت:٤٥]، فالصلاة التي يريدها الله وكانت أعظم أعمالك هي الصلاة التي تنهاك عن الفحشاء والمنكر، فتخرج من الصلاة ولا تؤذي أحداً من الخلق، وتعطي الفقير والمسكين، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتحب الصلاة وتنتظر وقت الصلاة التي تليها.
يقول ربنا كما في الحديث القدسي: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه) وهذا من فضل العمل الصالح، وأعظم العمل الصالح صلاة الفريضة، فتصلي الفريضة وتكثر من النوافل، قبل الفجر تصلي ركعتين وقبل الظهر أربعاً وبعده أربعاً، وقبل العصر أربعاً، وبعد المغرب تصلي ركعتين، وبعد العشاء ركعتين تتقرب بذلك إلى الله بالنوافل وترضي ربك، وهي محبة الله لك كما قال تعالى: (لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، فإذا وصلت إلى هذه الدرجة وهي محبة الله لك قال: (كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به)، كان الله سمعك الذي تسمع به، والمعنى: أن الله يحفظ سمعك، ويحفظ بصرك، ويحفظ لسانك، ويحفظ يدك ورجلك، وكان الله لك في كل هذه الأشياء حافظاً ووكيلاً وحفيظاً عليك: ﴿فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:٦٤]، فيحفظ سمعك فلا تسمع إلا ما يرضي الله ، فعندما يريد إنسان أن يحدثك بغيبة أو بنميمة أو بسخرية بالاستهزاء بكذا فلا تسمع، ولا تحب ذلك؛ لأن الله جعل سمعك سمعاً ربانياً، لا يسمع إلا ما يحبه ، ويكره إليك المعاصي فلا تحبها، فإذا أراد بصرك أن ينظر إلى ما حرم الله إذا بالواعظ في قلبك يزجرك وينهاك فتمتنع من ذلك محبة لله سبحانه وطاعة لله وحباً من الله لك، وكذلك اليد التي تبطش بها تجاهد في سبيل الله، فيسدد الله رميتك لعدوك، قال الله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فأنت تمسك بالسيف لتضرب، وأنت الذي ترمي بالرمح، ولكن الذي يعينك ويعطيك القوة هو الله.
قال: (ورجله التي يمشي بها) فيوفقك الله لطاعته والمشي إلى رضوانه، فتمشي في جنازة أو تعود مريضاً، فتجد نفسك كل مشي في طاعة الله يعينك الله عليه ويوفقك إليه، فكان الله لك معيناً في ذلك.
والمعنى: كنت له عوناً معيناً محافظاً حافظاً له مدافعاً عنه ناصراً له، وكل إنسان يحب الله ، قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١]، وإذا كان الأمر أنك تريد محبة الله سبحانه، وتريد أن يكون معك، إن كنت تحب الله حقاًً فيجب أن تتبع النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ((قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ))، وقال النبي ﷺ في الحديث: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)، وهذا هو الإيمان الأصل وأنه لا يتحقق إيمان أحد حتى يحب الله أعظم الحب، ولا يوجد شيء يستحق أن يصل إلى كامل المحبة من محبتك لله ، وكذلك حبك لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
والصلاة هي التي توصلك لحب الله، ولذلك في الحديث قال النبي ﷺ : (الصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء)، ذكر هنا النور والضياء، لكن النور أعظم؛ لأن النور لا يؤذي، تقول: مشيت في نور القمر، وهو نور هادئ لا يوجد فيه إحراق، وتقول: مشيت في ضوء الشمس، وكلما ازداد الشمس كلما ازدادت الحرارة، تشرق الشمس في أولها، فترتفع وترتفع، وكلما ارتفعت ازدادت حرارة، فيأتي الإنسان في وقت الظهر إذا كان في الصيف فيجد حراً شديداً، ولذا جاء في السنة أنك إذا كنت في الصيف في الأيام التي فيها حر قاتل فيجوز لك أن تؤخر صلاة الظهر وأن تبرد بها، فقد جاء أن النبي ﷺ كان في الحر يؤخر الظهر ليبرد بها، حتى يرجع الفيء فيخرج يصلي صلوات الله وسلامه عليه.
ويقول ﵊: (والصبر ضياء)، فالصبر يضيء لك الطريق، ولكن الصبر لا بد أن يكون على الأذى وعلى المشقة وعلى الكراهة، فالإنسان يصبر على مصيبة نزلت به فالصبر عظيم جداً.
والصلاة نور، فلا يوجد فيها أذى، فتستطيع أن تصلي قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب، فالصلاة سهلة.
стр. 3027
فضل الصبر على المصائب
والصبر يكون عندما تنزل بالإنسان مصيبة كالموت فليس له سبيل إلا أن يصبر ويعتصر قلبه ألماً ويصبر على أمر الله، فقد بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم وقال: (إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون)، فقد حزن النبي ﷺ ، ولا يتكلم إلا بالحق صلوات الله وسلامه عليه، وقد كسفت الشمس في يوم موته، فقالوا: كسفت الشمس لموت إبراهيم، وكان هذا قبل وفاة النبي ﷺ بأشهر يسيرة، فابتلى الله نبيه ﷺ بوفاة ابنه قبل موته ﵊؛ ليكون صبره على وفاة جميع أبنائه، ما عدا فاطمة فإنها توفيت بعد النبي ﷺ بستة أشهر؛ لتكون سيدة نساء الجنة مع أمها خديجة ومع مريم ومع آسية ﵅.
فالنبي ﷺ يبتليه الله ، بموت أولاده وبناته صلوات الله وسلامه عليه في حياته، ويصبر ﷺ على كل ذلك، وهل علم مثل هذا الصبر؟ فإنه في يوم بدر تموت ابنته صلوات الله وسلامه عليه امرأة عثمان، وكان النبي ﷺ في هذا اليوم مع المؤمنين في قتال حتى ينصر الله المؤمنين، والمؤمنون في فرح عظيم، فلا يحب أن يكدر عليهم فرحهم فيفرح معهم ﷺ ، فيريهم الفرح وهو يكتم حزنه صلوات الله وسلامه عليه، وهو أشرف الخلق، وأرحم الخلق بالمؤمنين ﷺ ، وعلى الرغم من وفاة ابنته إلا أنه يظهر أمام المسلمين الفرح بنصر الله وهو يبطن الحزن على ابنته، وهذا صبر عظيم.
ويبتليه الله بموت ابنه الصغير، وكان يحبه حباً شديداً، ولكنه ﷺ يقول: (وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزنون ولا نقول إلا ما يرضي ربنا) ويدفن ابنه فيرجع وإذا بالمؤمنين يتكلمون فيقولون: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فالشمس حزينة على موته، فإذا بالنبي ﷺ يتناسى حزنه ﷺ ويقول: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) انظروا إلى يقين النبي ﷺ العظيم وصبره العظيم؛ فقد مات ابنه ومع ذلك لا يترك أن ينصح الناس، ويبين لهم أن الشمس لم تنكسف لموت إبراهيم، فهي آية من آيات الله، وإذا كان الأمر كذلك فافزعوا إلى الصلاة، فيصلي بهم صلاة الكسوف صلوات الله وسلامه عليه.
وبهذا استشعر النبي ﷺ عظمة الصلاة، فقال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) وكان يقول لـ بلال إذا حزبه أمر: (أرحنا بها يا بلال!) أي: بالصلاة.
هذه الصلاة العظيمة التي أمرنا الله وأمرنا بها النبي صلوات الله وسلامه عليه في سنته، وأمرنا بأن نعجل هذه الصلاة وأن نستقيم بها وأن نصلي صلاة تقرب إلى الله ، فالوضوء شرط في صحة الصلاة، والشرط هو شيء خارج عن العمل، أما أركانها فهي: تكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والقيام في الصلاة، والركوع، والسجود والركن يكون متعلقاً بالعمل وجزءاً منه، وأيُّما امرئ صلى بدون وضوء فلا تصح صلاته، يقول النبي ﷺ : (ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) وهو جزء من حديث الاستقامة: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، فتحافظ على الوضوء لأنك تحب الصلاة، فتصلي الصلاة التي كتبها الله وافترضها عليك، وتحافظ على الوضوء، والمحافظة على الوضوء شيء عظيم جداً، فالنبي ﷺ ذكر أنه دخل الجنة ورأى بلالاً المؤذن، وبلال كان يخدم النبي ﷺ ، وكان يؤذن للنبي ﷺ ، وكان حاملاً نفقة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقال له: (إني سمعت خشخشة نعليك أمامي في الجنة) فهو في الدنيا بجوار النبي ﷺ وأمامه في قضاء الحاجات وكذلك في الجنة؛ فهو خادم النبي ﷺ ، قال: (فأخبرني ما تصنع؟ قال: ما توضأت وضوءاً إلا وصليت بعده ما كتب لي) فالرجل يصلي ركعتين بهذا الوضوء، وليس الوضوء للفريضة؛ فإن كل الناس يفعلون ذلك، ولكن زاد بلال عليهم في أنه ما توضأ في أي وقت إلا وصلى خلفه ركعتين.
فالوضوء لا يحافظ عليه إلا مؤمن، فالمؤمن يحب الوضوء، يحب أن يجلس طاهراً متوضئاً، والمؤمن في باله أن يكون دائماً على وضوء.
فالوضوء نور للإنسان، والوضوء يجلب الوقار للإنسان، والوضوء نور المؤمن يوم القيامة، حتى لو دخل إنسان من الموحدين النار سبقت معصيته وسيئاته واستحق النار، فإن النار تأكل من بني آدم كل شيء إلا مواضع الوضوء؛ لأنه لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن، فالمؤمن يتوضأ فيصلي، ويجلس لطلب العلم وهو على وضوء، ولا يكون في مجلس إلا وهو على وضوء؛ لأنه علم أن من انتظر الصلاة وهو على وضوء فهو في صلاة، فإذا كنت جالساً من العصر إلى المغرب تنتظر صلاة المغرب فأنت في صلاة.
стр. 3028
تفسير سورة الشورى (تابع) الآية [١٥]
الدعوة إلى الله سبحانه والاستقامة على الدين من صفات الأنبياء والصالحين، وقد نهى الله تعالى عن اتباع أهواء أهل الباطل، وأمر بالإيمان والتمسك بكتابه وتطبيقه بين خلقه، فلا حجة بعد ظهور الحق ونزول القرآن من عند الله، فإليه سبحانه المرجع والمآب ليحكم بين خلقه بالعدل والقسط.
стр. 3029
تفسير قوله تعالى: (فلذلك فادع واستقم كما أمرت)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى:١٥].
стр. 3030
فضل الدعوة إلى الله والاستقامة على الدين
ذكرنا في الحديث السابق والذي قبله هذه الآية العظيمة من هذه السورة، وذكرنا أنها عبارة عن عشر جمل كل جملة منها حكم قائم برأسه مستقل بذاته، وقد اجتمعت العشرة في هذه الآية الواحدة لتعطي معنى إجمالياً باتباع دين الله ، قال تعالى: ((فَلِذَلِكَ فَادْعُ))، أي: لتلك الشريعة العظيمة، ولذلك الدين القيم الذي ذكره قبل ذلك في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الشورى:١٣].
وفي سورة يوسف أمر الله نبيه ﷺ بأن يدعو إلى سبيل الله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، وقال الله في سورة النحل: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فأمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إليه، وبين له طريقه، وبين له كيف يدعو إليه، فالطريق هو دين الإسلام دين التوحيد، يدعو إليه النبي ﷺ على بصيرة هو ومن اتبعه.
والمؤمن يدعو إلى الله بعد أن يتعلم، فإذا أردت أن تدعو إلى الله فتعلم، والعلم الشرعي: هو العلم بهذه العقيدة الإسلامية العظيمة، العلم بشرع الله ودينه وفقه هذا الدين العظيم، فتدعو إلى الله على بصيرة وأنت تعلم إلام تدعو، وعلى أي طريق تقف وتثبت، فتدعو إلى الله ، وتستقيم على هذا الدين كما أمر الله سبحانه، وكما أمر النبي صلوات الله وسلامه عليه، قال تعالى: ((وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ))، وقال النبي ﷺ : (قل آمنت بالله ثم استقم)، وقال النبي صلوات الله وسلامه عليه لأصحابه: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن).
ففي هذا الحديث أمر النبي ﷺ بالمحافظة على الصلاة، وأخبر أن الدين عظيم، ولن تحصي أنت أعمال البر وأعمال الخير التي أنت مطالب بأن تأتي بها، ولكن سدد وقارب، كما قال النبي ﷺ : (سددوا وقاربوا)، فتعمل عمل الخير، ولا تحصي؛ لأن الثواب يحصيه الله سبحانه، وأنت لا تعرف قدر هذا الثواب العظيم عند الله سبحانه.
والأعمال كثيرة، فخذ بقدر طاقتك، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، فاعملوا أعمال الخير، ولن تحصوها لكثرتها، فما استطعتم فافعلوا، والثواب عند الله أعظم مما تتخيلون.
قال النبي ﷺ : (ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، بعدما قال: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة)، فأخبرنا أن المحافظ على الوضوء إنسان مؤمن، وكما ذكرنا المحافظة على الصلاة ذكرنا المحافظة على أهم شرط في الصلاة وهو الوضوء.
فلا بد أن تحافظ على الوضوء وتكون على طهارة، فإذا ذكرت الله سبحانه كنت على وضوء، وقد كان النبي ﷺ يحب أن يكون على وضوء ما استطاع، وذات مرة سلم عليه رجل ولم يكن على وضوء، فتيمم بالجدار ورد ﵇ صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (كنت على غير وضوء، فكرهت أن أذكر الله) يعني: على هذه الحال، كره أن يرد السلام إلا وهو على وضوء، ولما لم يكن هناك ماء تيمم ورد ﵇ صلوات الله وسلامه عليه.
هذا منه ﷺ شيء عظيم، ولسنا مطالبين بذلك، فهو لم يأمرنا أمر وجوب أن نكون طول اليوم متوضئين، الواجب علينا أن نتوضأ للصلاة، ولكن أخبر إخباراً ليحث على ذلك، أن يكون الوضوء في أكمل حالاتك طالما أنت تقدر على ذلك، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن؛ لأنه سيحافظ على صلاته، وسيحافظ على تكبيرة الإحرام إذا أراد أن يذهب إلى الصلاة، ولو أن المؤذن أذن لصلاة العصر وهو على وضوء، فإنه سيقوم سريعاً ويصلي سنة العصر القبلية، ويتوجه إلى المسجد فيدرك تكبيرة الإحرام.
ولو أن إنساناً أراد أن يدخل الخلاء بعد أن أذن المؤذن، فدخل دورة المياه، وقضى حاجته، ثم خرج فتوضأ، فقد تفوته تكبيرة الإحرام، ولعله إلى أن يأتي تكون قد فاتته الصلاة.
وانظر لحديث النبي ﷺ حينما قال: (من صلى لله أربعين يوماً في جماعة يدرك التكبيرة الأولى كتبت له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق)، فالذي يحافظ على الصلاة شهراً وعشرة أيام يصلي في جماعة مائتين صلاة، ويحافظ على تكبيرة الإحرام مع الإمام يجعل الله له أجراً عظيماً، ويكتب الله له براءتين ينجيه من النفاق، فلا يكون منافقاً ولا يموت على النفاق، والأمر الآخر أنه يعطيه براءة من النار.
فالمؤمن يؤمل فضل الله سبحانه، ويرجو رحمة الله ، ويواظب على ذلك، ولعل الله سبحانه يمكنه، ولعله ينخذل منه شيء، فتفوته تكبيرة الإحرام، فلا ييأس ولكن يعمل أكثر، فيحاول حتى يصل في النهاية بفضل الله .
قال الله تعالى: ((فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)) أي: استقم على طريق الله ، وحافظ على دين الله وتعلمه، وحافظ على الصلاة وعلى الوضوء تكن مؤمناً.
стр. 3031
نهي الله نبيه عن اتباع أهواء المشركين
قال الله لنبيه ﷺ : ((وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ))، أي: لا تتبع أهواء هؤلاء؛ لأن هؤلاء يدعونك إلى الشر وإلى الهوى، ويدعونك إلى البعد عن شريعة الله ، وقد كانوا يحاولون ذلك حثيثاً مع النبي ﷺ .
فقد ذهب إليه شيبة بن ربيعة والوليد بن المغيرة، وقد كان الوليد أغنى المشركين، وكان أعز المشركين فيهم، وقد لقبه ربه سبحانه بأنه وحيدٌ في ماله، أي: أغنى الناس في المال، وأعز الناس في الولد وفي النسب وفي الرجال، قال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر:١١ - ١٥]، هذا الرجل ذهب إلى النبي ﷺ فقال: أعطيك نصف مالي ودع هذا الدين.
وشيبة بن ربيعة يقول له: إن ابنتي أجمل البنات، أزوجك ابنتي ودع هذا الدين، ويعرضون على النبي ﷺ الزواج بعشر نساء من أجمل النساء على أن يترك الدين فيقول له ربه: ((وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ))، وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه أن يتبع أهواء هؤلاء، ولكن الله يقول له ذلك ليعتبر المؤمنون بما قاله الله سبحانه، فالنبي ﷺ أمر بأن يستقيم على الدين، فالمؤمنون أولى بهذا، فهو قد استقام وقد أدبه ربه، وعلمه ربه سبحانه، ومع ذلك يقول الله له: ((وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)) فالمؤمنون يأخذون بذلك ويستقيمون على دين الله، وعلى طريقه، ويقيمون أمر الله ، ولا يتبعون الهوى.
стр. 3032
أمر الله لنبيه بالإيمان بالكتب المنزلة من عنده وبإقامة العدل
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [الشورى:١٥] أمر أن يتلفظ بذلك: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، خيره وشره حلوه ومره، آمنت بما أنزل الله من كتاب، آمنت بكل الكتب التي أنزلها الله وأخبر عنها وصدقته، وآمنت بأنها منزلة من عند رب العالمين، وآمنت أن الله أنزلها.
ولكن معنى (آمنت): صدقت وأقررت، فالمطلوب منه ﷺ ومن الخلق جميعهم بعد بعثة النبي ﷺ أن يقيموا دين التوحيد، ويقيموا شرع النبي صلوات الله وسلامه عليه، فهو ناسخ لما قبله، قال تعالى: ((وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ))، فالمقصود: الإيمان بما أمرنا الله أن نؤمن به، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر.
وقد أُمر النبي ﷺ وكذلك المؤمنون بأن يقيموا هذا الدين وأن يعدلوا، قال تعالى: ((وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ))، والعدل لا يكون إلا بكتاب من عند الله، فالله الذي نزل الكتاب بالحق والميزان، وأنزل العدل وبينه لنا، ولو ترك الناس لأهوائهم وأنفسهم، لاخترع كل إنسان ميزاناً للعدل الذي يقوله، ولكان القوي يفرض رأيه على الجميع، ويقول: العدل كذا، وهو محض الظلم، فالعدل هو الذي أمر الله به، وفرضه سبحانه، ولا مجاملة فيه، وأنزل الله الميزان لنتعلم كيف نزن، وكيف لا نحيف ولا نظلم.
وكذلك أمرنا الله سبحانه ﵎ أن نعدل فلا نظلم، فلا يظلم بعضنا بعضاً ولا نظلم غيرنا.
وقد تكره إنساناً، ولكنك مأمور أن تعدل معه، وقد تبغض إنساناً في الله ، ومع ذلك أنت مأمور بأن تعدل معه، وتقيم شرع الله فيه وفي غيره، هذا هو الدين القيم العظيم الذي يعلمنا العدالة، فلا بد أن نتعلم العدالة ونعمل بها شئنا أم أبينا؛ لأن الله سوف يجازينا يوم القيامة.
وإنَّ في ضمير الإنسان ما يدفعه أن يقوم بالعدل؛ لأن الله سيسأله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة:٢]، فاحذروا من عدم العدل، فإنه ليس لكون المشركين في يوم من الأيام صدوكم فالآن تظلمونهم، قال الله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨].
وانظر لميزان العدالة في الإسلام، فقد أمر بالعدل ولو مع عدوك، ولو مع من تكرهه وتبغضه في الله ، لذلك يذهب رجل من أصحاب النبي ﷺ إلى يهود خيبر ليأخذ منهم ما أمر الله بأخذه، فالنبي ﷺ تركهم يزرعونها على أن تكون الثمار قسمة بينهم وبين النبي ﷺ ، فجاء رجل من الصحابة ﵃ ليأخذ منهم ما هو عليهم أن يدفعوه، فحاولوا أن يرشوه، وأخذوا يحيفون في الأمر، فقال: والله إنكم لأبغض الخلق إلي، ومع ذلك لا يمنعني بغضي لكم أن أعدل فيكم، قالوا: بهذا قامت السموات والأرض، أي: قامت بالعدل وأمر الله بالعدل.
وهذا عمر ﵁، يأتي إليه رجل من العرب ويطلب منه شيئاً، فأعطاه عمر ﵁، ولكن في نفس عمر منه شيء، إذ كان الرجل أعرابياً، وكان جلفاً وفيه فضاضة، فقال له عمر: والله إني لأبغضك، فنظر الأعرابي إلى عمر وقال: هل بغضك لي يمنعني من حقي؟ قال: لا، قال: إنما يحزن على الحب النساء.
فهذا الأعرابي يعترف بأن عمر كان عادلاً، وأيضاً هذا لحماقته، فإن الذي يحبه عمر هو الرجل المؤمن، ولن يحب إلا مؤمناً، فإذا كان عمر يكره هذا الإنسان فإن الأولى بهذا الإنسان أن يقول لـ عمر ﵁: لم تكرهني؟ وما هي الصفة التي أغيرها إذا كان في شيء تكرهه؟ ولكن الرجل لم يفهم.
والمقصود: أنك إن كرهت إنساناً فلا تظلمه، هذه هي العدالة التي أمرنا الله بها.
стр. 3033
معنى قوله تعالى (الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم)
قال تعالى: ((اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ)) الله سبحانه هو الرب وهو الإله، ومقتضى ربوبيته: أنه يفعل أفعالاً لا يقدر عليها أحد، فينفع ويضر، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويخلق ويعدم ، وهو على كل شيء قدير، فالله هو الرب الذي يعبد وحده لا شريك له، وكلمة (الله) تعني: المعبود حقاً، فهو الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له، فالله ربنا وربكم وإن زعمتم غير ذلك، فالله الذي نعبده هو الرب الوحيد ، ولا رب غيره، ولا إله يستحق العبادة سواه.
قال تعالى: ((لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ)) أي: ثواب أعمالنا لنا، ولكم شؤم أعمالكم وسيئاتكم، ولن تأخذوا من حسناتنا شيئاً، ولن نأخذ من سيئاتكم شيئاً، طالما أننا دعونا إلى الله، وقمنا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأقمنا دين الله ، فلنا ثواب أعمالنا سواء استجبتم أم لم تستجيبوا، قال تعالى: ((وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ))، أي: إن دخلتم في دين الله فلكم الثواب، وإذا لم تدخلوا في دين الله فعليكم العقاب والعذاب، ولا تضرون إلا أنفسكم، ولذلك قال النبي ﷺ : (ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ولا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده)، قالها في حجة الوداع في خطبته صلوات الله وسلامه عليه.
فالإنسان لا يجني إلا على نفسه، وهذا معنى قوله سبحانه: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] أي: لا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، وإنما كل إنسان يحمل إثمه، فإذا سن للناس سنة سيئة حمل إثمها وكأمثال آثام غيره، لا ينقص من آثام الآخرين شيء، وكل إنسان يحمل إثمه على عاتقه.
стр. 3034
لا حجة بعد ظهور الدين
قال الله سبحانه: ((لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ)) يعني: قد ظهر الحق، فلا مخاصمة بيننا وبينكم، وليس هناك وقت للخصام والجدال، فقد ظهر الدين وبان، والله نشر نوره، وكانوا قد قرروا أن يحتجوا على النبي ﷺ وعلى الصحابة، فكان اليهود والنصارى يقولون: ديننا قبل دينكم، وكتابنا قبل كتابكم، ونحن آمنا قبل أن تأتوا أنتم، فيقال لهم: إن الله قد نبأ وبشر في كتبكم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وأمرتم أن تتبعوه، وشهد الله عليكم بذلك، فلا حجة بيننا وبينكم، أنتم آمنتم بكتبكم ولم تؤمنوا بالنبي ﷺ ، ونحن آمنا بكل الكتب التي نزلت من عند الله ، وأمرنا بالعدل مع الخلق وأن نقيم هذا الدين القيم وأن نعمل به، فكل الكتب قبل النبي ﷺ كتب حقٌ نزلت من عند الله ، ولكن أصحابها حرفوا وبدلوا ما فيها من حق، كما أخبر الله ، فجاء هذا القرآن العظيم مهيمناً عليه وناسخاً لما فيه، وأمرنا الله أن نتبع هذا الدين، وأمر النبي ﷺ بأن يحكم به، فقال له : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة:٤٩].
فقوله تعالى: ((لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ)) أي: لا وجه للخصومة بيننا وبينكم، قد تبين الرشد من الغي، وقد ظهر الحق، ولذلك كان اليهود يقولون للنبي ﷺ حين يجيب على أسئلتهم: أنت نبي، فإذا قال لهم: ما يمنعكم أن تتبعوني؟ يجيبون بأجوبة شتى، البعض منهم يقولون: نخشى أن تقتلنا اليهود، والبعض الآخر يقولون: إن داود دعا أنه لا يزال في ذريته نبي فنحن ننتظر نبياً من ذريته، والبعض الآخر يقولون: أنت نبي إلى الأميين فقط، يقرون له بأنه نبي ﷺ ، وإذا أقروا بذلك قد أقروا له بالعصمة صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك لا يتبعونه فيظهر منهم الباطل فيما يقولون.
فهؤلاء يشهدون أنه نبي يوحى إليه من عند الله، ومع ذلك لا يتبعونه! والنصارى يذهبون إلى النبي ﷺ فيقولون: نحن على دين مثلما أنت على دين.
وممن ذهب إليه عدي بن حاتم، فقد كان عدي بن حاتم رجلاً نصرانياً، وذهب للنبي ﷺ وقد علق الصليب، فلما جلس مع النبي ﷺ دعاه النبي ﷺ للإسلام، فقال: أنا على دين، مثلما أنت على دين، فقال له النبي ﷺ : (أنا أعلم بدينك منك، ألست من الركوسية؟ ألست تأكل مرباع قومك وهذا لا يحل لك في دينك) أي: أنت على دين اسمه الركوسية، وفي دينك أنت لا يحل لك أن تأكل مرباع قومك، فقد كان يأخذ الربع من قومه وليس العشر، فقام الرجل تواضعاً للنبي ﷺ ، وعرف أنه كاشف أمره فبدأ يتراجع عما هو فيه.
فالنبي ﷺ دعاه إلى دين الله ، وفي النهاية قال له النبي ﷺ : (إن اليهود مغضوب عليهم، وإن النصارى ضلال، فقال عدي: فإني مسلم)، فدخل في دين الله .
وجاءت وفود النصارى إلى النبي ﷺ ، ولما دعاهم إلى الله رفضوا أن يدخلوا في دين الله ، فقال النبي ﷺ : ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، وتهيأ لهم النبي ﷺ ، وأخذ السيدة فاطمة، وعلي بن أبي طالب، والحسن والحسين وخرج لهم وقال: (تعالوا نتباهل).
نذهب إلى الصحراء وندعو على الكذاب أن تنزل عليه لعنة الله ، فخافوا من ذلك وقالوا: نعطيك ما تريد، ماذا تريد؟ خذ منا الجزية، ولا نتباهل معك، وعرفوا أنه على الحق صلوات الله وسلامه عليه.
فلذلك قال الله : ((لا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ)) أي: ليس عندكم شيء من الصواب الذي تقولون أنكم عليه، ولا وقت للجدال بيننا وبينكم، وقد تبين الرشد من الغي.
стр. 3035
المرجع والمآل إلى الله تعالى
قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا﴾ [الشورى:١٥] أي: لنا مرجع إلى الله ، يجازينا ويحاسبنا، فالكاذب والكافر يدخله الله النار، والمؤمن التقي يدخله الله الجنة، فالله يجمع بيننا يوم القيامة للحساب.
فإن الدنيا فيها الخصومة والمجادلة، والذي صوته أعلى يغلب، فلا بد من حكم يحكم بين الاثنين، وقد يميل الحكم إلى هؤلاء وقد يميل إلى هؤلاء، ولكن في الآخرة لا يوجد مثل ذلك، فالله هو الحكم العدل ، والله وحده يحكم بين عباده، وهو الذي يجمع بيننا ليحكم بين عباده يوم القيامة، وليجزي الظالم على ظلمه، وليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بخير جزاء على ما قدموا وعملوا، فإن يوم القيامة يوم الجمع، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن:٩] أي: ذلك يوم التغابط، ذلك يوم القيامة، يجمع الله بين عباده، ويجتمع الظالم والمظلوم، والقاتل والمقتول، والمؤمن والكافر، والشقي والتقي، الجميع عند الله في موقف واحد، والذكر والأنثى والصغير والكبير، الكل بين يديه، فيفصل بينهم بالحكم العدل.
قال تعالى: ((اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)) أي: إلى الله مصير العباد، وكل يسير في طريقه، وفي النهاية الموت يجمع الجميع، والكل يسير إلى الآخرة، فمنهم من يدخل الجنة، ومنهم من يدخل النار، والله أعلم بحال عباده، فالعقيدة في قلب الإنسان المؤمن أن يؤمن بالله ، وأن الله هو المعبود، وأنه الرب الخالق ، ويؤمن بملائكة الله سبحانه أنهم يطيعون الله، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].
ويؤمن أن الجنة فيها ملائكة، ويتنعم الخلق بما يفيضه الله عليهم من رزق وبركات وتسليم الملائكة عليهم، بل ويسلم عليهم ربهم في جنة الخلود، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
ويؤمن أن النار فيها ملائكة، قال تعالى: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، نسأل الله العفو والعافية، فالإيمان يجعل المؤمن خائفاً من لقاء الله سبحانه؛ لأنه يؤمن بيوم القيامة وأن الله إليه المصير، وأن الله يجمع الخلق يوم القيامة، فهو آمن وصدق وأقر واعترف، فلا بد من العمل طالما أنك مؤمن فاعمل لهذا اليوم، فالإيمان يدفع العبد للعمل، والإيمان بالله يدفعه لحب الله وتوحيده، والإيمان بالرسول ﷺ يدفعه لمتابعة النبي ﷺ ، وكذلك الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، والإيمان بكتب الله سبحانه، يعني: يأخذ شرع الله من كتابه ويقر بالكتب السابقة كلها، ويعتقد أن هذا القرآن العظيم شاهد ومهيمن على الكتب السابقة، ويعمل بما في هذا الكتاب، فهنا الإيمان يدفع للعمل بشرع الله، وللاقتداء بسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، وللخوف من لقاء الله يوم القيامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧].
كذلك يؤمن بالقضاء والقدر: أن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فإذا آمن بالقضاء والقدر كان كل ما ينزل عليه سهلاً على نفسه؛ لأن الله قدر ذلك، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما أخذ هذا الميت سيأخذني أنا أيضاً، فلا أحزن حزناً شديداً يدفعني للسخط على قدر الله، فلا بد أن أرضى بقضاء الله وقدره، وأقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، كلنا ملك لله سبحانه، هو خلقنا، وهو يملكنا سبحانه، وإليه نرجع ليجازينا.
وقد كان بين وفاة إبراهيم ابن النبي ﷺ وبين النبي ﷺ عدة أشهر، ولم يكن يعرف متى يموت ﷺ ، مات ابنه قبله ﷺ حتى يصبر على فقدانه، ولا يطول عليه الأمر حتى يموت هو بعد ذلك صلوات الله وسلامه عليه.
فالإنسان يفكر: إذا مات فلان فإنني سأموت بعده، فلماذا أتسخط على قضاء الله سبحانه؟ أنا راجع إلى الله وسيجازيني، فالإنسان يصبر نفسه، قال تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:٢٠٠]، فالإنسان المؤمن يصبر لأن الدنيا فانية، فالله قبل ألف وأربعمائة سنة قال: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١]، فعلى المسلم أن يصبر نفسه، ويواسي نفسه، حتى لا يتسخط على قضاء الله وقدره، وحتى يرضى بقضاء الله سبحانه، وحتى ينال أعظم الأجر عند الله.
نسأل الله من فضله ومن رحمته فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3036
تفسير سورة الشورى [١٦ - ١٧]
أنزل الله القرآن، وظهر به الحق وبان، فلا حجة للكافرين بعد ذلك، فهم لا يؤمنون بالبعث ولا يرجونه، لكن المؤمنين يؤمنون بيوم البعث، فتراهم مشفقين من ذلك اليوم العصيب، وقد جعل الله سبحانه لقيام الساعة أشراطاً وعلامات؛ ولذلك فإن الساعة من الخمسة الأمور التي اختص الله تعالى بعلمها.
стр. 3037
تفسير قوله تعالى: (والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى:١٦ - ١٨].
بعد ما أمر الله نبيه ﷺ أن يدعو إلى هذا الدين القيم بقوله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى:١٥]، أمره الله بأن يبلغ، ونهاه عن أن يتبع أهواء الكفار الذين يريدون منه أن يتبع ما هم فيه، ويشترطون للدخول في دينه أن يتابعهم في شيء، فلا تتبع أهواءهم، واحذر من هوى هؤلاء فإنهم يريدون أن يضلوك عن سبيل الله .
والمشركون قد حاولوا أن يضلوا النبي ﷺ ، وربنا أثبت ذلك في كتابه سبحانه فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣].
فحاول الكفار أن يضلوا النبي ﷺ ، وأن يلفتوه عن دعوته إلى الله، وأن يشغلوه بأمور من أمور الدنيا حتى يتلهى عن هذا الدين.
كذلك حاول أهل الكتاب أن يلفتوا النبي ﷺ ، وأن يشككوا المسلمين في ذلك، فكانوا إذا سئلوا من أهدى سبيلاً؟ قالوا: ﴿هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء:٥١]، أي: قال أهل الكتاب للمشركين: أنتم أهدى من محمد سبيلاً.
فعجب الله من أمر هؤلاء: كيف أنهم يعرفون الحق ومع ذلك يقولون للمشركين: أنتم أهدى من هؤلاء سبيلاً؟ بل بلغ الأمر أكثر من ذلك، قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢].
فمن الفتن العظيمة أن الكفار فيما بينهم يتفقون، أن يدخلوا في الدين في الصباح، وبالليل يخرجون من هذا الدين، قال تعالى: ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران:٧٢]، حتى يرى الناس أن هؤلاء يدخلون ويخرجون منه، فيكون الأمر سهلاً، ولكن لم يقدروا على ذلك.
فهذا دين الله ونور من عند الله وبرهان من عنده، فهو حجة قوية دامغة، أما هم فحجتهم ضعيفة داحضة، عرف ذلك هرقل عظيم الروم حين ذهب إليه أبو سفيان فقال له هرقل: إني سائلك عن أشياء فلا تكذبني، وسأله عشرة أسئلة، من ضمن هذه الأسئلة قال هرقل لـ أبي سفيان: هل أتباعه الضعفاء أم الأقوياء؟ قال: بل الضعفاء، قال كذلك أتباع الرسل، ثم قال: هل يرتد أحد منهم سخطاً لدينه؟ فقال أبو سفيان: لا، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فأخبر أن دين الله لا يدخل فيه أحد ويرتد ساخطاً لهذا الدين، طالما أن المسلمين يدخلون مع النبي ﷺ ولا يرتدون عن هذا الدين، إذاً هو من رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم.
وكاد هرقل أن يسلم بعد ما سأل هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة كسؤاله لـ أبي سفيان: هل كان أحد من آبائه ملكاً؟ فقال له: لا، قال: لو كان أبوه ملكاً لقلت: رجلاً يطلب ملك أبيه، قال: هل هذا الرجل كان يكذب قبل ذلك عليكم؟ فقال له: لا، لم يكذب، قال: ما كنت لأظن أن يدع الكذب على الناس ويكذب على الله، وسأله أسئلة وفي النهاية جمع حاشيته في قصره، وأغلق عليهم باب القصر، وقال لهم: أهل أدلكم على دينٍ هو خير؟ اتبعوا هذا الرجل، فنخروه وصرخوا ورفعوا أصواتهم، وهرعوا إلى الأبواب ساخطين عليه، ولكن هرقل بخبثه قال: ارجعوا إنما كنت أختبر قوتكم في دينكم.
ولم يكن يختبر قوتهم، وإنما أراد أن يرى هل سيكونون معه أم لا؟ فإذا به هو الذي يمشي مع هؤلاء على ما هم فيه من باطل، ويظل على ما هو فيه، فرجعوا وسجدوا له، كأنه أراد من قومه أن يسجدوا له ويطيعوه، ويكونوا معه، لكن يدخل في دين النبي ﷺ ويضيع عليه الملك فهو لا يريد ذلك، ولما قيل ذلك للنبي ﷺ قال النبي ﷺ : (ضن الخبيث بملكه)، خاف هذا الخبيث إن يضيع منه الملك، ولكن دين الله هو الذي يبقى، وتقوى الله هي التي تنفع يوم القيامة.
وملك آخر هو كسرى ذهب إليه خطاب رسول الله ﷺ يدعوه إلى الله سبحانه، فإذا به يمزق الخطاب، فقال النبي ﷺ : (مزق الله ملكه)، فقتله ابنه، ولم يزل القتل فيهم حتى تولت عليهم امرأة من بناته، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) فانكسرت بجنود كسرى بعد ذلك بما ذكره النبي ﷺ .
فهذا الملك مزق رسالة النبي ﷺ ، فمزق الله ملكه، وتحكمت فيهم امرأة فضيع الله ملكهم بعد ذلك، ونصر الله الإسلام ونشره، وملك المسلمون بلاد قيصر وبلاد كسرى، وأخذوا ممالك الفرس والروم بفضل الله .
وهنا في الجنوب ملك الحبشة النجاشي واسمه أصحمة ومعناها: عطية ﵁، هذا الرجل كان نصرانياً يعرف الحق، ذهب إليه المهاجرون برسالة النبي ﷺ ؛ وفيهم جعفر بن أبي طالب أخو علي بن أبي طالب وابن عم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وتغيظت قريش وأرادت إرجاع هؤلاء ليعذبوهم وليفتنوهم، فأرسلوا وراءهم مجموعة فيهم عمرو بن العاص وغيره.
وذهب هؤلاء الكفار إلى النجاشي وإلى من معه بهدايا كثيرة جداً، وكان أهل الحبشة يحبون الجلود من بلاد العرب، فأرسلوا إليهم بجلود كثيرة هدايا للملك ولبطارقته وجنوده، فقبلوا منهم الهدايا، وفي اليوم الثاني ذهب عمرو بن العاص إلى ملك الحبشة وكان كافراً وكان ذكياً جداً، ذهب ومن معه إلى الملك يوقعون بينه وبين المهاجرين، فجاءوا يحتجون: إن قوماً نعرفهم من أقربائنا قد تركوا ديننا وصبوا، وجاءوا إلى بلادكم، وقد أرسلنا قومنا إليك لنأخذهم ونرجع بهم إليهم، فإذا بالرجل يغضب ويقول: لا والله، كيف أرسل معكم قوماً استجاروا بي ونزلوا بلادي ضيوفاً، لا والله لا تأخذونهم، فرجعوا مخزيين ثم فكروا ليلتهم وقالوا: نرجع إليهم بحيلة، وكان صاحب الحيلة عمرو بن العاص، وكان ذكياً كما ذكرنا.
وأصبح في اليوم الثاني وذهب إلى الملك، ثم قال للملك: أيها الملك! إن هؤلاء ليسوا على ديننا وليسوا على دينكم، إنهم يقولون في المسيح مقالة شنيعة، والنصارى يعبدون المسيح من دون الله سبحانه، قال: وماذا يقولون؟ قال: أرسل إليهم، فأرسل إليهم، فبات المهاجرون على رأسهم جعفر بن أبي طالب ﵁ يفكرون ماذا يقولون للملك؟ ثم قالوا: والله ما نقول إلا الحق.
وذهبوا إلى الملك في اليوم الثاني وسألهم وقد جمع البطارقة، وجمع من معه وسألهم: إن قومكم يقولون: كذا وكذا فبأي شيء جئتم؟ فأخبروه أنه جاءهم رسول الله ﷺ وكان من أوسطهم نسباً، ومن أفضلهم، ومن أشرفهم صلوات الله وسلامه عليه، جاء بكتاب من عند الله ، وفيه أنه يأمرنا بالتوحيد، ويأمرنا بالصلاة، ويأمرنا بالصدقة، وينهانا عن الفواحش وعن المنكر، قال: هذا دين حسن، فقال له عمرو: اسألهم ماذا يقولون في المسيح؟ فقال: ما تقولون في المسيح؟ قالوا: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء:١٧١]، وإذا بالملك يأخذ عصاه أو قشة من الأرض وقال: والله ما زاد المسيح على ما قالوا بمقدار هذه، وكان من حوله ينفرون مما يقول، فقال: انفروا وإن أبيتم، والله لو قدر لي لأذهبن إليه فلأغسلن قدميه صلوات الله وسلامه عليه.
هذا الرجل الذي قد نصره الله على قومه، قال لقومه: إن الله لم يستأذنكم حتى يرد عليَّ ملكي، فإن ملكه أخذ منه قبل ذلك، فرده الله عليه، فقال ونسب الفضل لصاحبه: إن الله قد رد إلي ملكي من غير أن يستأذنكم، والله لا أقول إلا كما يقول، ولو كنت أقدر لتوجهت إليه صلوات الله وسلامه عليه، ولغسلت قدميه.
هذا الرجل الفاضل العظيم أصحمة النجاشي لما توفي أخبر النبي ﷺ بوفاته فقال: (قوموا فصلوا على صاحبكم، إن أخاكم النجاشي قد مات)، فصلى عليه النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فانظر الفرق بين هذا الملك العظيم، وبين هؤلاء الذين ضنوا بملكهم وضلوا عن سبيل الله سبحانه، فتمزق ملكهم، وهذا الرجل لما توفي صلى عليه النبي ﷺ ولم يضع منه ملكه، بل ظل ملكاً حتى توفاه الله ، هذا الرجل يخبرنا جعفر أنه بعد يومين من ملكه خرج عليه قومه وأراد بعضهم أن يغيروا عليه، فخرج يقاتلهم، فأشفق الصحابة عليه وخافوا، وكان بينهم وبين مكان القتل نهر، فقالوا: من يذهب فينظر خبر المعركة؟ فالمهاجرون يتمن
стр. 3038
تفسير قوله تعالى: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان)
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧]، .
بدأ هذه الآية بلفظ الجلالة، هذه الكلمة العظيمة التي تملأ القلوب، وتملأ العقول نوراً وبصيرة، فهو الله سبحانه الذي يعبد وحده لا شريك له.
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ﴾ [الشورى:١٧]، جاء هذا الكتاب تشريفاً لنا، جاء من السماء من عند رب العالمين، كتاب فيه حكم الله سبحانه، يحكم بيننا ويحكم علينا بحكم الله الملك، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١].
فالإنسان يحكم ويجد من يعقب على حكمه، ومن ينقض حكمه، ويستأنف الحكم من جديد، لكن الله يحكم ولا معقب وليس هناك أحد ينقض حكم الله سبحانه، أو أحد يبدأ حكماً جديداً بعد حكم الله سبحانه، قال الله تعالى: ((اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)) أي: متلبساً بالحق، ونزل حقاً من السماء، ونزل مشتملاً على الحق.
هذا كتاب الله فيه الحق، ونزل من عند الله فهو حق وليس باطلاً، ونزل الكتاب مشتملاً على الحق نزولاً حقاً، نزل وفيه الحق من عند رب العالمين.
(والميزان): معطوفة على الكتاب، منصوبة، أي: وأنزل الميزان، أي: أنزل العدل، وأنزل الشريعة التي تأمركم بالعدل، فعلمكم العدل، وعلمكم الوزن، وعلمكم الكيل، ونهاكم عن التطفيف، وعلمكم كيف تصنعون الميزان، والله هو الذي أرشدكم إلى ذلك ، حتى يحق الحق في هذه الدنيا، وحتى يعرف الإنسان ماذا عليه بشرع الله .
стр. 3039
قرب قيام الساعة
ثم يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:١٧]، أي: ما يشعرك، وهل تدري ((لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ))؟ والساعة قريب كما أخبر الله سبحانه، وفي يوم القيامة يوم واحد بخمسين ألف سنة، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، فعمر هذه الدنيا قصير، لا تنظر لمن يقول: إن عمر هذه الأرض خمسون مليون سنة أو مائة مليون سنة، فإن آدم لم يكن في الملايين التي يزعمونها هذه، فإن العمر من عهد النبي ﷺ إلى عهدنا ألف وأربعمائة سنة.
فقولهم: إن الإنسان القديم من كذا مليون سنة، هذا من الكذب الذي يقولونه، فإن ما بين آدم وبين النبي ﷺ آلاف من السنين، والله أعلم بها، فقد انقضت سنون من عهد آدم إلى عهد نبينا ﷺ وصارت عبرة لمن يعتبرون، والآن نحن بعد النبي ﷺ بألف وأربعمائة سنة، والله قال للنبي ﷺ : ((لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ)).
ولم يخبرنا عن الساعة، قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧]، وانظر إلى هذه الصفات التي يذكرها الله سبحانه، فالساعة قريبة جداً تنتظرونها كما ينتظر المولود من المرأة الحامل، حتى إذا امتلأ بطنها، واستمر بها حملها، وقرب شهر ولادتها إذا بهم ينتظرون نزول الجنين، قال تعالى: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٧]، الكل ينتظرون أهل السموات وأهل الأرض وكأنها المرأة الحامل المثقلة بحملها التي على وشك أن ينزل منها الجنين، قال تعالى: ((ثَقُلَتْ))، أي: ثقلت الساعة على أهل السماء والأرض، قال تعالى: ((لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً))، أي: لا تنزل ولا تأتي إلا بغتة.
وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف:١٨٧]، أي: كأنك تكثر السؤال عنها، فمحمد ﷺ لا يسأل إلا عما ينتفع به وتنتفع به الأمة، أما الساعة فالله أخبر أن علمها عنده سبحانه فهو لا يسأل، فقوله تعالى: ((كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا))، أي: كأنك تسأل كما هم يسألون عنها، وكأنك عليم بوقتها، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف:١٨٧]، فعلم الساعة عند الله .
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: (أن النبي ﷺ كان بارزاً للناس، فسأله جبريل: ما الإيمان؟ فقال ﷺ : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث)، قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:٢٨٥]، والمصير: هو اليوم الآخر، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فهي ستة أصول للإيمان، فالكل يؤمنون بها.
فجبريل يسأل ليعلم الناس فيقول للنبي ﷺ : (ما الإيمان؟ فأخبره أن الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، وبلقائه، وتؤمن بالبعث، قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام: أن تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: ما الإحسان؟ فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
فهذه أصول الإسلام يخبر بها النبي ﷺ جبريل، والصحابة لا يعرفون أنه جبريل، فجاء جبريل ليسأل فيتعلم أصول هذا الدين من النبي ﷺ ، وفيها منزلة عظيمة للنبي ﷺ أن السائل جبريل والمجيب النبي ﷺ ، والعادة كانت العكس، أن ينزل جبريل على النبي ﷺ فيخبر النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: أتاني جبريل بكذا وبكذا.
وهذه المرة جبريل في مكان المتعلم يسأل النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يجيب، ثم سأل جبريل النبي ﷺ : (متى الساعة؟ قال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، وسأخبرك عن أشراطها).
إذاً: يعلم النبي ﷺ علامات الساعة وأشراطها، أما وقتها فلا يعرف النبي ﷺ إلا أنها ستكون الساعة في يوم جمعة، ولا يعرف في أي شهر هذه الجمعة وفي أي سنة، فيقول النبي ﷺ : (وسأخبرك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها -أي: سيدها- وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان).
فقوله ﷺ : (إذا ولدت الأمة ربها)، يعني: تنسى الأحكام الشرعية فيقع الناس في الحرام وبسبب ذلك تلد الأمة ربها، أي: سيدها، كأن يكون إنسان اشترى أمة واستولدها سيدها، فيكون ابنها حراً ولا يكون عبداً، وإذا توفي السيد تصير الأمة حرةً؛ لأن ابنها أعتقها، والابن لا يجوز له أن يملك أمه، فهذه أمة يملكها هذا الرجل، والرجل وطأ الأمة فأنجبت له الأمة ابناً والابن حر كأبيه، والمرأة أمة كما هي، لأنه اشتراها بماله، أما الزوجة فقد دفع مهرها وأشهد عليها، وأخذها من وليها، فالزوجة شيء والأمة شيء آخر.
فهذه الأمة لما ولدت الحكم الشرعي أنه إذا توفي هذا السيد تصير هي حرة، والذي حررها هو ولدها؛ لأن الولد لما توفي الأب صار هو الوارث لجميع مال أبيه، والأمة من ضمن مال أبيه.
فصار الولد وارثاً للمال بما فيه الأمة، والأمة أمه، فلا يجوز له أن يملكها في الشريعة، فبمجرد ما انتقلت إلى ملك ابنها صارت حرة.
فإذا نسى الناس أحكام الشريعة، وبقي الأمر على ما كان في الجاهلية، أنَّ الولد يملك أمه فيأمرها وينهاها، فإن الساعة تأتي في مثل ذلك.
كذلك ينسى الإنسان الأحكام الشرعية فإذا بالسيد بعدما يطأ الأمة ويحبلها يبيعها، فإذا بها تلد الابن، فيأخذ الرجل ابنه ويبيع المرأة، ولا يحل له أن يبيعها، فإذا صارت لغيره ونسيت ابنها في يوم من الأيام فاشتراها ابنها؛ لأن هناك فرقاً بين المرأة وبين ابنها، فصار الابن يملك أمه، وهذا من أشراط الساعة.
شرط آخر: يقول النبي ﷺ : (وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان)، فترى الراعي يملك عمارة مائة طابق، يملك عمارة ناطحة السحاب، فالساعة قربت طالما أن هؤلاء الذين كانوا فقراء ومساكين ورعاة يتطاولون في البنيان، فهذه من علامات الساعة، وقد اقتربت الساعة.
وانظر إلى البلدان التي كانت في يوم من الأيام مراعي، وأهلها كانوا رعاة للغنم في الجزيرة وغيرها، صاروا أغنى الناس، وصار عندهم القصور العالية، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [المائدة:٥٤]، وليس المعنى: أنه يحرم عليهم أن يملكوا، وإنما المعنى: أنه إذا انقلبت هذه الأوضاع فإن الساعة آتية، فصاروا يملكون ناطحات السحاب، وصاروا يملكون البيوت والعمارات في بلادهم وفي بلاد غيرهم، ويملك الرجل القرية في سويسرا وفي أمريكا، وغيرها من الدول.
فإذا صار الأمر على ذلك فانتظروا الساعة؛ لأن هذه من علامات الساعة، قال رسول الله ﷺ : (رعاة الإبل البهم)، والبهم معناه: المجهولون الذين لم تكن لهم مكانة في يوم من الأيام، كانوا رعاة غنم والآن صاروا ملوكاً ورؤساء على الناس، فإذا صاروا كذلك فانتظروا الساعة.
والبهم كأنها صفة للإبل على الكسر فيها، أي: بهيمة الأنعام، ويسميها النبي ﷺ (حمر النعم)، أي: الأنعام الحمراء، وهي أغلى وأنفس الأنعام عند أصحابها، والسوداء أقل الأنعام ثمناً، ومع ذلك فإن راعي الإبل يصير متطاولاً في البنيان، فهذه من أشراط الساعة في خمس لا يعلمهن إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
هذا ما ذكره النبي ﷺ ، فأدبر الرجل بعد ما سمع ذلك ومشى، فقال النبي ﷺ : (ردوه)، فأرادوا أن يردوه لكنهم ما وجدوه، وقد جاء إليهم في رواية مسلم: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد)، رجل غريب وثيابه نظيفة جداً شديدة البياض، وشعره أسود لا يرى عليه أثر سفر، قال: (ولا يعرفه منا أحد)، فهو آتٍ من قريب، ومع ذلك لا أحد يعرف هذا الإنسان، فلذلك قال النبي ﷺ : (ردوه)، وفطن له النبي ﷺ في النهاية حين انصرف فقال: (أتعلمون من السائل؟ قالوا: لا، قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم).
أي: جاء جبريل يعلمكم أمر دينكم؛ لأنكم لم تسألوا عن هذه الأشياء المهمة، فجاء جبريل يسأل فأوضح لكم هذه الأشياء.
قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب:٦٣]، أي: أن الساعة قريبة.
روى البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: عائشة: (كان رجال من الأعراب جفاة يأتون النبي ﷺ فيسألونه متى الساعة) أما أهل الإيمان فلا يسألون عنها، لأن الساعة عند أهل الإيمان هي الموت، والنبي ﷺ يقول: (أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين).
فساعة كل إنسان ستأتيه، سواء جاءت الساعة الكب
стр. 3040
تفسير سورة الشورى الآية [١٩]
الله لطيف بعباده، فقد خلقهم سبحانه وأسبغ عليهم أنواع النعم والخيرات، وأرسل إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وبين لهم طريق الخير من طريق الشر، كما أنه سبحانه يدفع عنهم البلايا والمصائب والمحن، وكل ذلك من لطفه ورحمته بهم.
стр. 3041
تفسير قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الشورى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:١٩ - ٢٢].
يخبرنا الله في هذه الآيات عن اسم من أسمائه وصفة من صفاته العظيمة وهي: صفة اللطف منه ، ومن أسمائه اللطيف، قال سبحانه: ((اللَّهُ لَطِيفٌ))، وقال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) أي: عد هذه الأسماء، وعرف هذه الأسماء، وحفظها، وعرف معانيها، واستعمل هذه الأسماء في دعائه، فاختار الاسم المناسب للدعاء الذي يريده، فدعا ربه به، وذكره به، فالله يكشف عنه ما به ببركة استخدامه ذكر الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
وقوله: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) الله اللطيف سبحانه، واللطف فيه معنى البر منه ، وفيه معنى اللطف والرفق بالعباد، والعلم الخفي بهم، ولننظر إلى آيات الله ، فإنه قال لنبيه ﷺ : ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ))، وهم يؤذون النبي صلوات الله وسلامه عليه، والسورة مكية، وهم يبتعدون وينفرون الناس عنه، والله يلطف بهم، ويرزقهم ويعطيهم، ويمد لهم؛ لعلهم يرجعون إليه .
انظر إلى إبراهيم وهو يدعو ربه سبحانه: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:١٢٦] إبراهيم الخليل الذي اجتباه الله واصطفاه بني بيت الله الحرام، ودعا ربه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة:١٢٧]، ودعا ربه سبحانه أن يجعل ذريته ذريةً مسلمة له سبحانه، وأن يرزق المسلمين من فضله سبحانه، فكان جواب الله : ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة:١٢٦] فهو لا يمنع رزقه عن مؤمن ولا عن كافر، فقد يضيق على من يشاء ولا يمنعه، فكل إنسان خلقه الله خلق له رزقه معه، فرزق الله سوف يأتيك، ولو أنك تفر من رزقك كما تفر من موتك لأتاك رزقك كما يأتيك الموت، كما قال النبي ﷺ : (لو أن ابن آدم فر من رزقه كما يفر من الموت لأتاه رزقه كما يأتيه الموت).
وهذا من لطف الله بعباده، فالله لطيف بهم حفي بهم كريم بهم بر بهم يوصل إليهم أرزاقهم بشيء لطيف خفي، فلا يدري الإنسان حين يخرج من بيته ما الذي يحضره اليوم؟ وما الذي يرزقه الله اليوم؟ فإذا بالله يسبب أسباباً لطيفة خفية، حتى يصل إليه رزقه الذي قسم له، فهو سبحانه يرزق من يشاء من عباده ويمنع من يشاء بلطفه سبحانه؛ فقد تكون محتاجاً لشيء، وتجد ذلك الشيء أمامك، فتمد يدك لتأخذه فيضيع منك، ويأخذه غيرك؛ لأنه لم يقسم لك، فتحزن أنت في نفسك على أن هذا فاتك، ولكن الله لطيف بعباده سبحانه، علم الله بعلمه الخفي أنك لو أخذت هذا لضرك، فمنعه عنك، ومنع عنك الضرر الذي يكون من ورائه، فلا تدري أن الله سبحانه يعطيك بفضله سبحانه، ويمنعك بفضله وبعدله ، فهو سبحانه يتفضل عليك؛ فإذا به يمنع عنك شيئاً سيضرك بعد ذلك، وأنت لا تدري، وأنت تظن أنه نفع محض، والله يعلم أن هذا يؤذيك ويضرك في دينك ودنياك وأخراك فيحجب عنك ذلك ويمنعه بلطفه الخفي ﵎.
إذاً: الله لطيف بر رفيق بعباده سبحانه في إيصال المنافع لهم، وفي صرف البلاء عنهم من وجه يلطف إدراكه، أي: يخفى إدراكه، فقد تدعو ربك: يا رب! أعطني، كذا يا رب! أعطني كذا، يا رب! أعطني كذا، وأنت مؤمل أن يعطيك، فيعطيك الله سبحانه، وقد تدعو ربك وتلجأ إليه سبحانه: يا رب! أعطني كذا، فلا يعطيك؛ لأنه يعلم أنه سوف ينزل بك بلاء لو أنك أخذت ذلك الشيء، فيصرفه عنك، ويرفع عنك ذلك البلاء، فأنت قد تدرك أن هذا لم يأتك، ولكن الله سبحانه قد صرف عنك بلاءً شديداً، لعله مرض ينزل بك، أو مصيبة تنزل بأحد ممن تحبهم، فيرفع الله ذلك.
стр. 3042
أنواع استجابة الدعاء للعبد
والدعاء مستجاب للعبد بواحد من ثلاثة: إما أن يعطيك الله ما طلبت، وإما أن يصرف عنك من الشر مثل هذا الذي سألته من الخير، وإما أن يدخر لك ذلك إلى يوم القيامة، ويوم القيامة يوم شديد، كثير الكروب، لا مهرب من الله سبحانه ولا منجى منه إلا إليه، فيعلم الله أنك تأتيه محتاجاً لحسنات، فقد تنفد حسناتك يوم القيامة، فربما أنك ظلمت فلاناً، وشتمت فلاناً، وقذفت فلاناً، فتأتي يوم القيامة وقد ضاعت حسناتك في ذلك، واحتجت لحسنات، فأخر لك دعاءً لم يستجبه فتنتفع به في يوم القيامة، فتتمنى يومئذٍ لو أن الله لم يستجب لك دعاءً من أدعيتك، وأنه ادخر جميعها إلى يوم القيامة.
стр. 3043
وجوب الثقة بالله ولطفه
فعلى العبد أن يثق في لطف الله ، فإذا عجل لك شيئاً فقد ادخر لك أشياء، فتحمد ربك أنه لم يعطلك الدنيا كلها، فقد كان أصحاب النبي صلوات الله وسلامه عليه يقولون: نخشى أن تكون عجلت لنا طيباتنا؛ لأن الكفار عجلت لهم طيباتهم، كما قال النبي ﷺ ، فقد رآه عمر بن الخطاب في مشربة له -في غرفة مرتفعة- وكان قد خاصم صلوات الله وسلامه عليه نساءه، فأراد الناس أن يستأذنوا عليه، فلم يدخل عليه أحد، فجاء عمر يستأذن ليدخل على النبي ﷺ ، وهو أبو زوجة النبي ﷺ ، وهو وزير النبي صلوات الله وسلامه عليه في أمره وفي دعوته ﵊، فاستأذن فلم يأذن له، فاستأذن ثانية فلم يأذن، فاستأذن ثالثة فأذن له النبي ﷺ ، ودخل عمر ﵁، قال: فما وجدت شيئاً يرد البصر، الحجرة التي فيها النبي ﷺ لا تحوي شيئاً يرد البصر؛ لأن الإنسان الذي يدخل ويريد أن ينظر في هذه الغرفة لا يجد شيئاً يرد بصره؛ لأن الغرفة خالية لا تحوي شيئاً إلا سريراً ينام عليه النبي ﷺ ، وهذا السرير مفروش بحصير، والحصير قد أثرت في جنب النبي ﷺ ، فجلس ونظر عمر فلم يجد إلا إهاباً معلقاً، جلد خروف قبل أن يدبغ، وكأنه جاهز ليدبغ.
فقال عمر بن الخطاب ﵁ للنبي ﷺ : أنت! وأنت رسول الله هكذا، وقيصر وكسرى على الحرير وعلى الذهب؟ فقال النبي ﷺ : (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! قال: لا.
قال النبي ﷺ : أولئك قوم قد عجلت لهم طيباتهم) كأن الله سبحانه أعطاهم الدنيا حتى يحرموا من الآخرة، فلا يكون لهم عند الله يوم القيامة شيء، فإذا صنعوا معروفاً في الدنيا جوزوا عليه في الدنيا، أما الإنسان المؤمن فيدخر له إلى يوم القيامة.
((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) يلطف بك بعلمه الخفي، وبره الحفي، فيعطيك شيئاً، ويدخر لك الكثير عنده ، وهذا الذي يصنعه الإنسان الذي يخاف على نفسه من الدنيا، ويخاف على نفسه من النار يوم القيامة، ينفق في الدنيا شيئاً، ويدخر عند الله الأشياء الكثيرة التي تنفعه، فقد ورد أنهم ذبحوا للنبي ﷺ شاة وفرقوا منها، فلما جاء صلوات الله وسلامه عليه سأل فقال: (ما بقي منها؟ قالت له عائشة: لم يبق منها إلا الكتف، فقال: بل بقي جميعها إلا الكتف)، أي: الذي وزعتموه على الفقراء والمساكين هو الذي بقي ليوم القيامة، وهو الذي نؤجر عليه، والذي أكلناه في الدنيا فقد أكلناه ونفد، قال : ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل:٩٦] فالشيء الذي معك في الدنيا هو القابل للنفاد، وأما الذي ادخرته عند الله فهو باقٍ لا يضيع أبداً.
стр. 3044
من صور لطف الله بعباده
قال تعالى: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)) لطف الله ذكرنا أنه بمعنى البر، وبمعنى الرفق، وبمعنى الاحتفاء والإكرام لأوليائه ، وكذلك من لطفه سبحانه: العلم بغوامض الأشياء، فالأشياء الغامضة التي يشكل عليك أمرها الله يعلمها ﵎، ويفرج عنك ما أشكل عليك من ذلك.
كذلك من لطف الله سبحانه: أن ينشر مناقب العباد، وأن يستر مثالبهم، فالله لطيف بعباده، تجد الشيء الخيّر الذي تفعله الله ينشره، وتجد من يقول لك: جزاك الله خيراً على ما فعلت، وقد تستر هذا الشيء، ويشاء الله أن يعرف؛ ليشكرك الناس، وأنت لم تطلب ذلك.
والذنوب التي أفعلها بيني وبين ربي من لطفه أنه يسترها ، فالله لطيف بعباده، يستر عليك ذنوبك، فلا أحد يطلع على شيء قد ستره الله ، ولم يؤاخذك بها في الدنيا، ولم يفضحك بها في الدنيا، فلطف بك، ونشر ما تمدح به، وستر ما تذم به من لطفه وكرمه .
ومن لطفه أن كلف العباد عبادته، وكلفهم بما هو دون طاقتهم، ولم يكلفهم ما هو فوق الطاقة، والله كلف عباده بأن يعبدوه بأشياء معينة، وبطرق معينة، قال سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
ولكن هل كلفنا الله طاقتنا جميعها؟ أبداً والله! بل الله سبحانه رحيم لطيف بعباده، كلفنا أقل من ذلك، كلفنا أن نصلي خمس صلوات في اليوم والليلة، وموسى ﵊ استثقلها على أمة محمد ﷺ ، وقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك.
وها نحن نصلي الخمس الصلوات، ونصلي التراويح، ونصلي النوافل، ونقدر عليها، ونقدر على أكثر منها، ولم يكلفنا الله سبحانه إلا ما هو أقل، وكلفنا أن نصوم شهر رمضان، فنحن نصوم رمضان، ونصوم ستاً من شوال، ويوم عرفة، ويوم عاشوراء، وقد يصوم البعض الإثنين والخميس، وغير ذلك.
فعلم الله أنكم تقدرون، ولكنه بفضله كلفكم الشيء الأقل؛ وحتى لا تتعبوا، وحتى لا يشق عليكم، وحتى لا تتركوا العبادة فكلفكم بما تطيقون، وبأقل مما تطيقون أيضاً، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، فإنه سبحانه لما أمرك أن تنفق قال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ولم يكلفك الشيء الذي لم يؤتك إياه، وقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] فكلفك الله بالإنفاق الواجب على زوجتك، وعلى عيالك، وعلى أمك، وعلى أبيك بما أتاك الله، فإذا كنت قليل المال فمن هذا المال القليل، وإذا كنت كثير المال فمن سعتك ومن طاقتك، ومع ذلك يعطيك أكثر مما تنفق، ووعد سبحانه أنه لا ينقص المال من النفقة ومن الصدقة، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها، هذا رزق الله، وهذا كرم الله سبحانه، فالله لطيف بعباده.
وحين تنزل المصيبة في مكان ويتأمل الإنسان ويقول: يا ترى ماذا سيفعل أهل هذا المكان؟ فمن لطف الله أنه يرفع هذه المصيبة، ويرفع هذا البلاء، ويرزق أهله الصبر عليه.
فالإنسان يتوقع لو حصل فيّ شيء فلن أستطيع أن أصبر على هذا الشيء، فيقع عليك وتصبر عليه؛ لأن الذي لطف بك هو الله ، والذي صبرك وقدرك وأعانك على هذا البلاء هو رب العالمين ﵎.
فانظر إلى السيدة أم سلمة ﵂ حين توفي زوجها أبو سلمة ﵁، وكان أبو سلمة خير الناس لها، وهي لا تظن أن أحداً من الناس خير من أبي سلمة ﵁، فلما مات حزنت عليه حزناً شديداً، فإذا بالنبي ﷺ يعلمها أن تدعو وتقول: (اللهم أجرني في مصيبتي، واخلف لي خيراً منها)، وأن تقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون).
فالإنسان قد تنزل به المصيبة، والذي أنزلها هو الله، والذي يكشفها هو الله، والذي يعين عليها ويصبِّر عليها هو الله، فالله لطيف بعباده سبحانه، فعلمها فقالت ذلك الدعاء، قالت: ولكن كنت أقول: أبو سلمة مات وأقول: اخلف لي خيراً منه، من خير من أبي سلمة؟ وكونها تقول: اخلف لي خيراً منه، قد يخلف لها في الدنيا فيعطيها زوجاً آخر، وقد يعطيها صبراًَ ورزقاً ويعطيها ما يشاء ﵎، ولا يشترط أن يكون الخير أن يرزقها زوجاً، فهي ظنت أنه لا أحد خير من أبي سلمة.
وتمر الأيام والليالي، وتمر عدتها، وإذا بالذي يخطبها هو النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا شيء ما كان على بالها أبداً، فلم يكن في بالها أن النبي ﷺ سوف يخطبها، ولذلك قالت: من خير من أبي سلمة؟ فهي تظن أنه لا أحد خير من أبي سلمة لا أبو بكر ولا عمر ولا غيرهما، وكل امرأة عندها زوجها هو خير ما يكون، فإذا بالنبي ﷺ يخطبها ويتزوجها، قالت: (فأبدلني الله خيراً منه)، أبدلها الله خيراً من أبي سلمة بسيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
فالله لطيف بعباده؛ يلطف بك من وجه أنت لا تستشعره، ولا تحسه؛ فإذا بلطف الله يأتي ويخفف عنك البلاء، يكشف البلاء، ويرفع عنك الحرج الذي أنت فيه والهم والغم والمصيبة.
والمسلمون الذين هاجروا إلى الحبشة مرة، وهاجروا مرة أخرى، وهاجروا إلى المدينة، هاجروا وهم لا يدرون إلا أن هناك الجنة، وهناك الأجر من الله ، لكن كم مقدار هذا الأجر؟ هل كانوا يتوقعون أن يخلد الله ذكرهم بأن يذكرهم في القرآن ويصفهم المهاجرين السابقين الأولين لأنهم هاجروا إلى مكان الإيمان؟ وأهل المدينة هل كانوا يتوقعون أن يذكرهم الله سبحانه، ويخلد ذكرهم لأنهم تبوءوا الدار، وتبوءوا الإيمان، وكانوا هم الذين ينصرون الله ورسوله؟ فالمهاجرون الصالحون والأنصار المفلحون ما كانوا يتوقعون أن الله يمدحهم في الدنيا، ويذكر ذلك، فإذا بالله يمدح هؤلاء وهؤلاء بما يدوم إلى يوم القيامة من ذكرهم رضي الله ﵎ عن جميعهم.
فالإنسان المؤمن يفعل الخير وهو يحسن الظن في الله، وهو يؤمل فضل الله، فالله لطيف بعباده، ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)).
стр. 3045
ذكر بعض ما قاله أهل العلم في معنى لطف الله
من لطف الله سبحانه ما ذكره أهل العلم: قال الحسين بن فضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتيسيره، يعني: أن من لطفه أنه نزل هذا القرآن العظيم السهل الممتلئ، فإن القرآن سهل جداً، كما قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧] فكل إنسان يفهم العربية ويقرأ القرآن يفهم هذا الذي يقوله الله سبحانه، لكن هذا الشيء السهل جداً هل تقدر أن تأتي بمثله؟ لا تقدر، فإن ذلك صعب جداً، بل مستحيل، كما قال : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨].
فاذهب واحفظ قواميس اللغة كلها، واعرف كلام العرب كله، وحاول أن تأتي بمثله، فلن تقدر؛ فإن العرب كانوا عارفين بهذا الشيء، ولكنهم ما قدروا على ذلك أبداً، ولا استطاعوا إليه سبيلاً، وقد حاولوا فما وصلوا.
فمن لطف الله أنه أنزل هذا القرآن العظيم شريعة ومنهاجاً، وقال: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧] فتحفظ كتاب الله فتجده سهلاً، وبقدر الآيات التي تحفظها لو أعطوك كلام أناس تحفظه فإنك ستجده صعباً وتقول: لا أستطيع، وهكذا أبيات الشعر، لكنك تستطيع أن تحفظ من القرآن ما يشاء الله ، والقرآن ميسر الفهم، فأنت تفهم القرآن، وكل من يفهم العربية يفهم القرآن، والله يفضل بعضكم على بعض في الفهم؛ فإذا قرأت الآية: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ))، فإن كل واحد يفهم أن الله لطيف، فعندما تنزل مصيبة بإنسان يقول: يا لطيف! يا رب! الطف بنا، تجد الإنسان يقول هذا من غير أن يعرف اللغة العربية، فالله لطيف بعباده، لطف الله سبحانه بعباده فكان براً بهم، وحفياً بهم، ورفيقاً بهم، أوصل إليهم النفع بطرق خفية، وأحدهم لا يدري من أين يأتي هذا النفع إليه، تشتد بهم المصيبة حتى تبلغ الذرى فإذا بفضل الله يأتي وتنكشف الكرب التي هم فيها، فالمصائب إذا نزلت وجلت وعظمت، فكلما عظمت إذا بالله يخففها فترتفع، والبلاء حين يشتد ينفرج، كما قيل: اشتدي أزمة تنفرجي، فإذا اشتدت الأزمة ونزل الكرب بالإنسان جاء لطف الله سبحانه، فانكشفت هذه الأزمة، كما قال الشاعر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج فقد يشتد البلاء والأزمة فتقول: لا أستطيع، لا أقدر، وإذا بلطف الله يأتي، وترى المريض يبيت في البيت يصرخ ويصرخ، ويطلع الصبح فيقول: سبحان الله! كانت ليلة شديدة، فإذا اشتد الكرب جاء الفرج من عند الله سبحانه، وذهب هذا الشيء، وهذا من لطف الله ، وكلنا نفهم هذا المعنى.
وقوله: ((يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ)) أي: يعطي من يشاء الرزق.
وقوله: ((وَهُوَ الْقَوِيُّ)) أي: القادر القاهر العزيز سبحانه.
стр. 3046
من لطف الله تعالى تيسيره لفهم القرآن
والكل يفهم هذا المعنى، فإذا جاء أهل العلم فهموا منها أعلى مما يفهم غيرهم، فالله لطيف، وكلمة (لطيف) في اللغة معناها كذا ومعناها كذا، ولطيف من لطف، والله إذا عبر عن نفسه أنه لطيف فهي من (لَطَف (بالفتحتين، وليس من (لَطُف) بالفتح والضم، فأنت محتاج أن تعرف هذه الأشياء، وليس كل إنسان يقدر أن يعرفها، قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧] فإذا بالعالم يفهم أشياء عظيمة يفرح بها، وإذا بالأمي يفهم أشياء في نظره أيضاً هي عظيمة يفرح بها، فأنا فهمت، وأنت فهمت، والثالث فهم، والعالم فهم، والجاهل فهم، وكل فهم ما يقصده الله .
فمثلاً: قول الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] هل يأتي إنسان ويقول: لا أفهم معنى كون الطلاق مرتين؟
الجواب
لا، بل يفهم أنه لك أن تطلق مرة وتراجع، وتطلق مرة أخرى وتراجع، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، فالإنسان يفهم هذا، وفهم هذا، وفهم أهل العلم من وراء ذلك.
فأعطى الله كل إنسان على قدر ما آتاه من علم أعطاه فهماً وفقهاً، ولا يحرم أحداً، بل الكل يقرأ القرآن فيفهم ولو المعنى العام الذي تدل عليه هذه الآيات، فيفرح بأن يسر الله له دينه.
قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] أي: هل من متعظ؟ فإنك تقرأ قصيدة من قصائد الشعر فتقف عند كل بيت قليلاً وتقول: ماذا يقصد هنا؟ وهكذا البيت الثاني، ويمكن أن تقف عند القصيدة كلها، وإذا قرأت السورة من القرآن فمستحيل أن يكون الأمر كذلك؛ فإن هذا كتاب رب العالمين نزل للخلق جميعهم هداية من رب العالمين، فجعله سهلاً، فاقرأ القرآن يفهمك الله سبحانه، ويعلمك الله، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢].
إذاً: من لطف الله سبحانه أنه نزل القرآن ويسره وفصله، وجعل النبي ﷺ يفهمهم ما قد يشكل عليهم منه، وعلم أهل العلم ففهموا وفطنوا، وعلَّموا خلق الله ما يريده الله .
стр. 3047
لطف الله بأوليائه
قال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه.
فمن لطف الله أنه جعل أولياءه يعرفونه، قال : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فإن كنت تريد أن تكون ولياً فالأمر سهل، وليس صعباً، فالناس يرون أن الأولياء هم الذين ماتوا.
وأن الأولياء هم سيدي فلان، وسيدي فلان، وقد يكون هؤلاء من الأولياء، ولكن الولاية لم يحجرها ربنا على قوم دون غيرهم، بل الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم أولياء الله؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فآمن واتق ربك تكن من أولياء الله .
فأولياء الله تولوا ربهم ولم يتولوا غيره، ولم يشركوا بالله سبحانه، وتوكلوا على الله، ولم يكلوا أمورهم لغيره سبحانه، وأخذوا بالأسباب ولم يتكلوا، وكانوا رءوساً في دين الله ، وتوجهوا إلى ربهم فاستعانوا به فأعانهم، وآمنوا فاستشعروا بحلاوة الإيمان، ولا يستشعر الإنسان حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فكن كذلك تكن ولياً لله .
فاستقم على طريق الله سبحانه حتى يعطيك من فضله ومن رحمته ما يوصلك إلى هذا المقام العظيم، مقام التواضع بين يدي الله سبحانه، مقام هضم النفس، وترى نفسك أنك لا شيء، فكلما زادك الله علماً ازددت علماً بجهلك، وكلما زادك الله مكانة ازددت تواضعاً، وكلما أعزك الله سبحانه هضمت أنت نفسك؛ حتى تكون ولياً لله .
قال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه.
أي: حتى عرفوا الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، علموا أن الله هو القاهر القوي الغالب القادر، علموا أن الله هو الرحمن الرحيم، اللطيف، الخبير، عرفوا الله بأسمائه الحسنى، عرفوا الله من شرعه، عرفوا الله من آياته، رأوا في كل شيء لله آية: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فمن لطف الله أن عرفهم، ويسر لهم العلم فتعلموا، فكانوا أولياء الله .
قال: ولو لطف بأعدائه لما جحدوه.
وهذا محمد بن علي الكتاني يقول: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق.
أي: أن الله سبحانه هو اللطيف بمن لجأ إليه وقد يئس من العباد، وجد كل الناس يخذلونه، ولا أحد يقف بجواره، وجد نفسه مظلوماً، وعادة الناس أن يقفوا مع القوي، فإن كان القوي هو المظلوم وقفوا معه، وإن كان القوي هو الظالم وقفوا معه؛ لأنهم يخافون من الظالم القوي، فيكونون معه، وهذه عادة الناس، فإذا استيئس الإنسان من الناس لجأ إلى رب الناس سبحانه فلطف به سبحانه وأعطاه وكان معه، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠].
فقوله: ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ)) أي: يئسوا من إيمان قومهم، وحصل عندهم اليأس من إيمان قومهم، كما قال نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يذكر قومه: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: هؤلاء لو تركتهم يا رب فأولادهم سيكونون مثلهم، فأنا قد بلوتهم وخبرتهم، وعشت معهم، كما قال سبحانه حاكياً عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:٥ - ١٢].
دعاهم بالترغيب ليل نهار، ولكن لا فائدة، ولذا قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تخافون من ربنا؟ فدعاهم بالترهيب والتخويف، وقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، وذكر لهم آيات الله سبحانه، وفي النهاية: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] أي: لا يوجد فائدة يا رب! فقد صار لي ألف سنة أدعو هؤلاء القوم، ولكن لا فائدة ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: لا فائدة فيهم، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] أي: ظن الرسل أن قومهم كذبوا بهم، جاءهم نصر الله.
فظن الرسل أنهم قد كذبوا، أي: حدث لهم ظن أن قومهم كذبوهم، وظن أتباعهم أن رسلهم قد كذبوا، وأنهم لم يفهموا عن ربهم ما أراده سبحانه.
فالأمر ضيق جداً، والرسل يجدون الكفار يكيدون لهم، والأتباع بدوا يتشككون، فلما ضاق الأمر جاء أمر الله .
وقوله: ((فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ)) [يوسف:١١٠] أي: فينجي الله بعظمته المؤمنين.
وقوله: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] هذا من لطف الله بعباده المؤمنين؛ حتى لا يصلوا إلى الشك، فيكفروا بالله ، فإذا بنصر الله يأتي، ونصر الله قريب، فالله لطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق، فإذا توكل على الله سبحانه، ورجع إليه، قبله الله سبحانه، وأقبل الله عليه.
стр. 3048
لطف الله بعباده
قوله: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب، ينشر مناقب عباده، فتسمع عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وكان جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ يقتدي بالنبي ﷺ في الكرم، فكان رضي الله ﵎ عنه من أكرم الناس، ولما قتل إذا بأكثر من مائة بيت من أبيات المدينة يستشعرون: أين الطعام الذي كان يأتينا؟ فقد كان يذهب في الخفاء بالليل بالطعام للبيت الفلاني من غير أن يعرفوا من الذي جاء إليهم بذلك، فإذا بهم لما قتل شهيداً ﵁ يفتقدون الطعام الذي كان يأتيهم، فـ جعفر ﵁ الله كتم ذلك وأسره طاعة لله، وابنه كان يقتدي بأبيه رضي الله ﵎ عنه، وقتل شهيداً ﵁، وكان باراً كريماً رضي الله عنه، فجعل الله له جناحين يسرح ويطير بهما في الجنة، ويأخذ من أرزاق الجنة من حيث يشاء.
فلم يكن وهو ينفق على الناس يقول: أنا جعفر بن أبي طالب أعطيكم هذا الطعام، وإنما كان يكتم ويستر؛ ولما مات نشر الله له هذا الفضل، فنعرف فضله، ونعرف فضل المنفقين من أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم، أسروا طاعة الله سبحانه؛ فإذا بالله ينشرها، ويطلع المؤمنون على فضل الله على هؤلاء، فيقتدون فهم، ويؤجر أولئك الصحابة مثل أجرهم، وكمثل أجر من يعمل بأعمالهم إلى أن تقوم الساعة.
((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ))، فهو الذي يظهر الجميل، ويستر القبيح سبحانه، ويبذل الكثير، وييسر العسير بفضله وكرمه.
نسأل الله من لطفه وكرمه وفضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3049
تفسير سورة الشورى [١٩ - ٢٣]
الله سبحانه لطيف بعباده، فقد جعلهم شعوباً وقبائل وسخر بعضهم لبعض لتبادل المنافع، ومن كان عمله لله وجد ثمرته في الآخرة، ومن لم يبتغ بعمله الدار الآخرة يؤتيه الله ثمرة هذا العمل في الدنيا وقد لا يؤته، وفي يوم القيامة يفصل الله فيه بين عباده، فمنهم من يدخل النار جزاء ما قدم، ومنهم من يدخله الله الجنة جزاءً بما كانوا يعملون.
стр. 3050
تفسير قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:١٩ - ٢٢].
قال الله : ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) ، واللطيف: البر الرفيق ، يبر عباده ويعطيهم ويرزقهم ويمنحهم سبحانه، واللطيف: ذو العلم الخفي، والتقدير المحكم الجميل ، له في عباده لطفٌ في إيصال الخير لهم، وفي صرف الشرور عنهم؛ ولذلك عقب ذلك بقوله: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)).
يرزق العباد بعضهم من بعض، والله له حكمة عظيمة إذ جعل هذا صغيراً وهذا كبيراً، وهذا يريد هذه الصنعة، وذاك يريد صنعة أخرى، وجعل عباده يحتاج بعضهم لبعض، وهذا من لطف الله بعباده، ولو أن كل إنسان قدر أن يخدم نفسه، وقدر على كل مصالحه، ما احتاج واحد لآخر، لكن الله سبحانه قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣].
والإنسان عندما يرى نفسه مستغنياً عن خلق الله سبحانه يستكبر عليهم، ولا ينظر لأحد منهم، ويرى أنه لا يريد من أحد شيئاً، فلا يريد أن يعرف أحداً، ولا يتعرف على غيره إلا إذا احتاج إليه في يوم من الأيام، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وطبيعة الإنسان إذا استشعر في نفسه الغنى لم يعد يحتاج إليك، فتراه يتكبر على الخلق، بل يتكبر على خالقه ، ونسي أن الله هو الذي أعطى له ذلك، فإذا به يشرك بالله سبحانه، ويعبد غير الله، فإذا ضيق ربه عليه رجع إلى ربه يقول: يا رب يا رب! قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر:٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر:٤٩].
وهذه طبيعة عجيبة في الإنسان، فالإنسان عندما يضيق الله عليه يقول: يا رب! أعطني، فإذا أعطاه من فضله نسي ذلك وقال: بعملي وجهدي وذكائي، أنا وارث مال كذا، وربنا يعطيني لأني أستحق ذلك، فيغتر ويتكبر ويمن على ربه، بأنه يعبد الله ، فلذلك من حكمته سبحانه أن جعل العباد فقراء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥].
فيستشعر الإنسان الفقر في نفسه، فإنه مهما أعطاه الله الغنى يخاف أن ينقص المال، فيريد مالاً أكثر؛ لأنه يخاف أن يفاجأ بصروف السنين، فيحس أنه سيحتاج في يوم من الأيام، فيريد أن يكثر المال؛ لأن الإنسان فقير بخلقته وبطبعه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
فالله وحده سبحانه الغني، وخزائنه ملأى لا تنفد، سحاء الليل والنهار، ينفق ويعطي عباده دائماً، وخزائنه لا تنفد أبداً.
والإنسان ظلوم كفار، ظلومٌ لنفسه، يشرك بربه، ويكفر نعم الله عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤].
والله لطيفٌ بعباده سبحانه، فمن لطفه أن جعل بعضكم لبعض سخرياً، قال تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢]، أي: سخره بأجره واستخدمه بأجرة، فيتخذ الناس بعضهم بعضاً، وكل فرد يحتاج إلى غيره، فقد يحتاج الغني إلى الصانع؛ لأنه لا يجيد الصنعة الفلانية، فيعطي الصانع أجرة على عمله، وبذلك حصل تبادل منافع بينهم، فلو لم يوجد الاحتياج لاستغنى الناس بعضهم عن بعض، ولتقطعت الأواصر والصلات بسبب الاستغناء، ولكن الله من لطفه الخفي سبحانه أن جعل عباده يفتقر بعضهم إلى بعض، فيحوج الله العباد بعضهم لبعض، حتى يجتمعوا ويتعارفوا فيما بينهم.
قال تعالى: ((يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)) ، فالإنسان يحتاج إلى رزقه لأنه ضعيف، والله هو القوي لا يحتاج إلى أحد، وهو القاهر والغالب سبحانه، ومهما تعاظم في الإنسان قدر نفسه وقوته فليعلم أن الذي خلقه أقوى منه، وهذا هو الذي كان يعلمه النبي ﷺ أصحابه، فقد رأى أبا مسعود البدري ﵁ وهو يضرب غلاماً له، فقال النبي ﷺ : (أعلم أبا مسعود) فلم ينتبه أبو مسعود من شدة غضبه وضربه للعبد الذي عنده، ثم قال النبي ﷺ : (أعلم أبا مسعود) فانتبه أبو مسعود فنظر، فرأى النبي ﷺ فكف عن ضرب الغلام، فقال النبي ﷺ : (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) أي: الله قادر على أن يمنع يدك هذه التي تضرب بها، والله قادر على أن يسلبك قوة يدك، فلا تقدر على أن تحركها، فاعلم حين ترى من نفسك القدرة على الغير، أن الله أقدر عليك، فهو قوي لا يعجزه شيء.
فهو الرزاق لجميع العباد في وقت واحد، فترى كل عبد يجد ما يقوته وما يقوم بأمره، فهو القوي القاهر العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع ، فرزقك المقسوم لا بد أن يأتيك مهما أخفاه غيرك ومهما أراد الغير أن يمنعه منك، فالله إذا شاء شيئاً فعله، ومن هذا الذي يغالب ربه، ويمنع نعمة أراد الله أن يرسلها لفلان؟! وما يفتح الله للعباد من نعمة أو فضل فلا أحد يقدر أن يمسك ذلك، وإذا أراد الله أن يمسك ذلك وأن يمنع فلا أحد يقدر أن يفتح ذلك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢].
فقوله تعالى: ((وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)) أي: عزيز لا يغالب ولا يمانع، إذا أراد شيئاً لا بد أن يوجد ويقع ما أراده الله سبحانه.
следующие страницы →