← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

من لطف الله تعالى تيسيره لفهم القرآن والكل يفهم هذا المعنى، فإذا جاء أهل العلم فهموا منها أعلى مما يفهم غيرهم، فالله لطيف، وكلمة (لطيف) في اللغة معناها كذا ومعناها كذا، ولطيف من لطف، والله إذا عبر عن نفسه أنه لطيف فهي من (لَطَف (بالفتحتين، وليس من (لَطُف) بالفتح والضم، فأنت محتاج أن تعرف هذه الأشياء، وليس كل إنسان يقدر أن يعرفها، قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر:١٧] فإذا بالعالم يفهم أشياء عظيمة يفرح بها، وإذا بالأمي يفهم أشياء في نظره أيضاً هي عظيمة يفرح بها، فأنا فهمت، وأنت فهمت، والثالث فهم، والعالم فهم، والجاهل فهم، وكل فهم ما يقصده الله . فمثلاً: قول الله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:٢٢٩] هل يأتي إنسان ويقول: لا أفهم معنى كون الطلاق مرتين؟ الجواب لا، بل يفهم أنه لك أن تطلق مرة وتراجع، وتطلق مرة أخرى وتراجع، فإن طلقها الثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، فالإنسان يفهم هذا، وفهم هذا، وفهم أهل العلم من وراء ذلك. فأعطى الله كل إنسان على قدر ما آتاه من علم أعطاه فهماً وفقهاً، ولا يحرم أحداً، بل الكل يقرأ القرآن فيفهم ولو المعنى العام الذي تدل عليه هذه الآيات، فيفرح بأن يسر الله له دينه. قال : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧] أي: هل من متعظ؟ فإنك تقرأ قصيدة من قصائد الشعر فتقف عند كل بيت قليلاً وتقول: ماذا يقصد هنا؟ وهكذا البيت الثاني، ويمكن أن تقف عند القصيدة كلها، وإذا قرأت السورة من القرآن فمستحيل أن يكون الأمر كذلك؛ فإن هذا كتاب رب العالمين نزل للخلق جميعهم هداية من رب العالمين، فجعله سهلاً، فاقرأ القرآن يفهمك الله سبحانه، ويعلمك الله، كما قال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٨٢]. إذاً: من لطف الله سبحانه أنه نزل القرآن ويسره وفصله، وجعل النبي ﷺ يفهمهم ما قد يشكل عليهم منه، وعلم أهل العلم ففهموا وفطنوا، وعلَّموا خلق الله ما يريده الله .

стр. 3047

لطف الله بأوليائه قال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه، ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. فمن لطف الله أنه جعل أولياءه يعرفونه، قال : ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣] فإن كنت تريد أن تكون ولياً فالأمر سهل، وليس صعباً، فالناس يرون أن الأولياء هم الذين ماتوا. وأن الأولياء هم سيدي فلان، وسيدي فلان، وقد يكون هؤلاء من الأولياء، ولكن الولاية لم يحجرها ربنا على قوم دون غيرهم، بل الله يقول: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس:٦٢] من هم أولياء الله؟ قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس:٦٣] فآمن واتق ربك تكن من أولياء الله . فأولياء الله تولوا ربهم ولم يتولوا غيره، ولم يشركوا بالله سبحانه، وتوكلوا على الله، ولم يكلوا أمورهم لغيره سبحانه، وأخذوا بالأسباب ولم يتكلوا، وكانوا رءوساً في دين الله ، وتوجهوا إلى ربهم فاستعانوا به فأعانهم، وآمنوا فاستشعروا بحلاوة الإيمان، ولا يستشعر الإنسان حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فكن كذلك تكن ولياً لله . فاستقم على طريق الله سبحانه حتى يعطيك من فضله ومن رحمته ما يوصلك إلى هذا المقام العظيم، مقام التواضع بين يدي الله سبحانه، مقام هضم النفس، وترى نفسك أنك لا شيء، فكلما زادك الله علماً ازددت علماً بجهلك، وكلما زادك الله مكانة ازددت تواضعاً، وكلما أعزك الله سبحانه هضمت أنت نفسك؛ حتى تكون ولياً لله . قال الجنيد: لطف بأوليائه حتى عرفوه. أي: حتى عرفوا الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، علموا أن الله هو القاهر القوي الغالب القادر، علموا أن الله هو الرحمن الرحيم، اللطيف، الخبير، عرفوا الله بأسمائه الحسنى، عرفوا الله من شرعه، عرفوا الله من آياته، رأوا في كل شيء لله آية: وفي كل شيء له آية تدل على أنه الواحد فمن لطف الله أن عرفهم، ويسر لهم العلم فتعلموا، فكانوا أولياء الله . قال: ولو لطف بأعدائه لما جحدوه. وهذا محمد بن علي الكتاني يقول: اللطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق. أي: أن الله سبحانه هو اللطيف بمن لجأ إليه وقد يئس من العباد، وجد كل الناس يخذلونه، ولا أحد يقف بجواره، وجد نفسه مظلوماً، وعادة الناس أن يقفوا مع القوي، فإن كان القوي هو المظلوم وقفوا معه، وإن كان القوي هو الظالم وقفوا معه؛ لأنهم يخافون من الظالم القوي، فيكونون معه، وهذه عادة الناس، فإذا استيئس الإنسان من الناس لجأ إلى رب الناس سبحانه فلطف به سبحانه وأعطاه وكان معه، قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠]. فقوله: ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ)) أي: يئسوا من إيمان قومهم، وحصل عندهم اليأس من إيمان قومهم، كما قال نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام يذكر قومه: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٧] أي: هؤلاء لو تركتهم يا رب فأولادهم سيكونون مثلهم، فأنا قد بلوتهم وخبرتهم، وعشت معهم، كما قال سبحانه حاكياً عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح:٥ - ١٢]. دعاهم بالترغيب ليل نهار، ولكن لا فائدة، ولذا قال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣] أي: لا تخافون من ربنا؟ فدعاهم بالترهيب والتخويف، وقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٣ - ١٤]، وذكر لهم آيات الله سبحانه، وفي النهاية: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦] أي: لا يوجد فائدة يا رب! فقد صار لي ألف سنة أدعو هؤلاء القوم، ولكن لا فائدة ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح:٢٦ - ٢٧] أي: لا فائدة فيهم، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] أي: ظن الرسل أن قومهم كذبوا بهم، جاءهم نصر الله. فظن الرسل أنهم قد كذبوا، أي: حدث لهم ظن أن قومهم كذبوهم، وظن أتباعهم أن رسلهم قد كذبوا، وأنهم لم يفهموا عن ربهم ما أراده سبحانه. فالأمر ضيق جداً، والرسل يجدون الكفار يكيدون لهم، والأتباع بدوا يتشككون، فلما ضاق الأمر جاء أمر الله . وقوله: ((فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ)) [يوسف:١١٠] أي: فينجي الله بعظمته المؤمنين. وقوله: ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [يوسف:١١٠] هذا من لطف الله بعباده المؤمنين؛ حتى لا يصلوا إلى الشك، فيكفروا بالله ، فإذا بنصر الله يأتي، ونصر الله قريب، فالله لطيف بمن لجأ إليه من عباده إذا يئس من الخلق، فإذا توكل على الله سبحانه، ورجع إليه، قبله الله سبحانه، وأقبل الله عليه.

стр. 3048

لطف الله بعباده قوله: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) ينشر من عباده المناقب، ويستر عليهم المثالب، ينشر مناقب عباده، فتسمع عن أصحاب النبي ﷺ أنهم كانوا يفعلون كذا وكذا، وكان جعفر بن أبي طالب ابن عم النبي ﷺ يقتدي بالنبي ﷺ في الكرم، فكان رضي الله ﵎ عنه من أكرم الناس، ولما قتل إذا بأكثر من مائة بيت من أبيات المدينة يستشعرون: أين الطعام الذي كان يأتينا؟ فقد كان يذهب في الخفاء بالليل بالطعام للبيت الفلاني من غير أن يعرفوا من الذي جاء إليهم بذلك، فإذا بهم لما قتل شهيداً ﵁ يفتقدون الطعام الذي كان يأتيهم، فـ جعفر ﵁ الله كتم ذلك وأسره طاعة لله، وابنه كان يقتدي بأبيه رضي الله ﵎ عنه، وقتل شهيداً ﵁، وكان باراً كريماً رضي الله عنه، فجعل الله له جناحين يسرح ويطير بهما في الجنة، ويأخذ من أرزاق الجنة من حيث يشاء. فلم يكن وهو ينفق على الناس يقول: أنا جعفر بن أبي طالب أعطيكم هذا الطعام، وإنما كان يكتم ويستر؛ ولما مات نشر الله له هذا الفضل، فنعرف فضله، ونعرف فضل المنفقين من أصحاب النبي رضوان الله ﵎ عليهم، أسروا طاعة الله سبحانه؛ فإذا بالله ينشرها، ويطلع المؤمنون على فضل الله على هؤلاء، فيقتدون فهم، ويؤجر أولئك الصحابة مثل أجرهم، وكمثل أجر من يعمل بأعمالهم إلى أن تقوم الساعة. ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ))، فهو الذي يظهر الجميل، ويستر القبيح سبحانه، ويبذل الكثير، وييسر العسير بفضله وكرمه. نسأل الله من لطفه وكرمه وفضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3049

تفسير سورة الشورى [١٩ - ٢٣] الله سبحانه لطيف بعباده، فقد جعلهم شعوباً وقبائل وسخر بعضهم لبعض لتبادل المنافع، ومن كان عمله لله وجد ثمرته في الآخرة، ومن لم يبتغ بعمله الدار الآخرة يؤتيه الله ثمرة هذا العمل في الدنيا وقد لا يؤته، وفي يوم القيامة يفصل الله فيه بين عباده، فمنهم من يدخل النار جزاء ما قدم، ومنهم من يدخله الله الجنة جزاءً بما كانوا يعملون.

стр. 3050

تفسير قوله تعالى: (الله لطيف بعباده يرزق من يشاء) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ * مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ * أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:١٩ - ٢٢]. قال الله : ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ)) ، واللطيف: البر الرفيق ، يبر عباده ويعطيهم ويرزقهم ويمنحهم سبحانه، واللطيف: ذو العلم الخفي، والتقدير المحكم الجميل ، له في عباده لطفٌ في إيصال الخير لهم، وفي صرف الشرور عنهم؛ ولذلك عقب ذلك بقوله: ((اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)). يرزق العباد بعضهم من بعض، والله له حكمة عظيمة إذ جعل هذا صغيراً وهذا كبيراً، وهذا يريد هذه الصنعة، وذاك يريد صنعة أخرى، وجعل عباده يحتاج بعضهم لبعض، وهذا من لطف الله بعباده، ولو أن كل إنسان قدر أن يخدم نفسه، وقدر على كل مصالحه، ما احتاج واحد لآخر، لكن الله سبحانه قال: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات:١٣]. والإنسان عندما يرى نفسه مستغنياً عن خلق الله سبحانه يستكبر عليهم، ولا ينظر لأحد منهم، ويرى أنه لا يريد من أحد شيئاً، فلا يريد أن يعرف أحداً، ولا يتعرف على غيره إلا إذا احتاج إليه في يوم من الأيام، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، وطبيعة الإنسان إذا استشعر في نفسه الغنى لم يعد يحتاج إليك، فتراه يتكبر على الخلق، بل يتكبر على خالقه ، ونسي أن الله هو الذي أعطى له ذلك، فإذا به يشرك بالله سبحانه، ويعبد غير الله، فإذا ضيق ربه عليه رجع إلى ربه يقول: يا رب يا رب! قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ﴾ [الزمر:٨]، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الزمر:٤٩]. وهذه طبيعة عجيبة في الإنسان، فالإنسان عندما يضيق الله عليه يقول: يا رب! أعطني، فإذا أعطاه من فضله نسي ذلك وقال: بعملي وجهدي وذكائي، أنا وارث مال كذا، وربنا يعطيني لأني أستحق ذلك، فيغتر ويتكبر ويمن على ربه، بأنه يعبد الله ، فلذلك من حكمته سبحانه أن جعل العباد فقراء، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر:١٥]. فيستشعر الإنسان الفقر في نفسه، فإنه مهما أعطاه الله الغنى يخاف أن ينقص المال، فيريد مالاً أكثر؛ لأنه يخاف أن يفاجأ بصروف السنين، فيحس أنه سيحتاج في يوم من الأيام، فيريد أن يكثر المال؛ لأن الإنسان فقير بخلقته وبطبعه، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. فالله وحده سبحانه الغني، وخزائنه ملأى لا تنفد، سحاء الليل والنهار، ينفق ويعطي عباده دائماً، وخزائنه لا تنفد أبداً. والإنسان ظلوم كفار، ظلومٌ لنفسه، يشرك بربه، ويكفر نعم الله عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤]. والله لطيفٌ بعباده سبحانه، فمن لطفه أن جعل بعضكم لبعض سخرياً، قال تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف:٣٢]، أي: سخره بأجره واستخدمه بأجرة، فيتخذ الناس بعضهم بعضاً، وكل فرد يحتاج إلى غيره، فقد يحتاج الغني إلى الصانع؛ لأنه لا يجيد الصنعة الفلانية، فيعطي الصانع أجرة على عمله، وبذلك حصل تبادل منافع بينهم، فلو لم يوجد الاحتياج لاستغنى الناس بعضهم عن بعض، ولتقطعت الأواصر والصلات بسبب الاستغناء، ولكن الله من لطفه الخفي سبحانه أن جعل عباده يفتقر بعضهم إلى بعض، فيحوج الله العباد بعضهم لبعض، حتى يجتمعوا ويتعارفوا فيما بينهم. قال تعالى: ((يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)) ، فالإنسان يحتاج إلى رزقه لأنه ضعيف، والله هو القوي لا يحتاج إلى أحد، وهو القاهر والغالب سبحانه، ومهما تعاظم في الإنسان قدر نفسه وقوته فليعلم أن الذي خلقه أقوى منه، وهذا هو الذي كان يعلمه النبي ﷺ أصحابه، فقد رأى أبا مسعود البدري ﵁ وهو يضرب غلاماً له، فقال النبي ﷺ : (أعلم أبا مسعود) فلم ينتبه أبو مسعود من شدة غضبه وضربه للعبد الذي عنده، ثم قال النبي ﷺ : (أعلم أبا مسعود) فانتبه أبو مسعود فنظر، فرأى النبي ﷺ فكف عن ضرب الغلام، فقال النبي ﷺ : (اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام) أي: الله قادر على أن يمنع يدك هذه التي تضرب بها، والله قادر على أن يسلبك قوة يدك، فلا تقدر على أن تحركها، فاعلم حين ترى من نفسك القدرة على الغير، أن الله أقدر عليك، فهو قوي لا يعجزه شيء. فهو الرزاق لجميع العباد في وقت واحد، فترى كل عبد يجد ما يقوته وما يقوم بأمره، فهو القوي القاهر العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع ، فرزقك المقسوم لا بد أن يأتيك مهما أخفاه غيرك ومهما أراد الغير أن يمنعه منك، فالله إذا شاء شيئاً فعله، ومن هذا الذي يغالب ربه، ويمنع نعمة أراد الله أن يرسلها لفلان؟! وما يفتح الله للعباد من نعمة أو فضل فلا أحد يقدر أن يمسك ذلك، وإذا أراد الله أن يمسك ذلك وأن يمنع فلا أحد يقدر أن يفتح ذلك، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحْ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر:٢]. فقوله تعالى: ((وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ)) أي: عزيز لا يغالب ولا يمانع، إذا أراد شيئاً لا بد أن يوجد ويقع ما أراده الله سبحانه.

стр. 3051

تفسير قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]. فالذي يريد الدنيا يعطيه الله، والذي يريد الآخرة يعطيه الله ، ولكن عطاء الله مقيد بقضائه وقدره سبحانه وعلمه وحكمته، فالإنسان يطلب الدنيا، والله يقول: سنعطيك من الدنيا، ويعطيه ما قسم له؛ ولذلك الآيات التي ذكر الله فيها الإعطاء قيدها بآية في سورة الإسراء، قال الله سبحانه: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨]. فإذا كنت تريد الدنيا عجلنا ذلك لك، ولكن لا يأتيك منها إلا ما قسمناه وما أردناه أن يصل إليك، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا * كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾ [الإسراء:١٨ - ٢٠]. فالله يعطي الجميع ويرزق عباده، ولا يمنع الله سبحانه رزقه وعطاءه عن أحد، وإنما بما قدره وقسمه . قال تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ))، والحرث: كسب الآخرة، فإذا أردت أن تكسب الجنة وتكسب رحمة الله وتخفيف الحساب يوم الحساب، فاعمل لهذا اليوم. قال الله تعالى: ((مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)) أي: يعطيه الآخرة ويعطيه الحسنى وزيادة، نسأل الله أن يرزقنا الحسنى وزيادة، وأن يعطينا حرث الآخرة وألا يحرمنا من فضله ومن رحمته ، فإذا أردت الآخرة وسعيت لها سعيها ابتغاء وجه الله فإن الله يعطيك. قال الله تعالى: ((وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا)) أي: إذا كنت تريد الدنيا وتعمل لها أعطيناك من الدنيا ما أردنا، وفي الآخرة قال تعالى: ((وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)) فقد أخذ حظه في الدنيا، ولم ينل شيئاً من الآخرة. والناس أصناف، قال تعالى: ((وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)). ولكن من الناس من: ﴿يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]. يريد الدنيا فقط، فهي همه الشاغل ليل نهار، فيؤتيه الله ما شاء من الدنيا وقد يحرمه منها، وفي الآخرة له عذاب النار والعياذ بالله، فإذا أعطى الله عبداً من عباده الفهم والعقل والإيمان سأل ربه الآخرة، وقال: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً)). وحسنة الدنيا: معرفة الله وعبادته ورزقه الحلال، فيعطيه المال الطيب والرزق الطيب والولد الطيب والزوجة الطيبة في الدنيا؛ لينتفع بها على أمر الآخرة، وليستعين بها على أمر الآخرة، وفي يوم القيامة يكون له الحظ الوافر عند الله ، ومن الناس من يطلب الدنيا فقط ويقول: ((رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا)) فتراه يريد مالا كثيراً وزوجة جميلة سواء كانت صالحة أو طالحة، المهم أن تكون جميلة فقط، والمال لا يهمه أهو من حلال أم من حرام؟ فإذا آتاه الله الدنيا ضيع حظه في الآخرة، قال تعالى: ((وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)). أي: ليس له حسنة في الآخرة وليس له نصيب في الآخرة. لذلك لا بد أن يكون قلب الإنسان نقياً يطلب الآخرة، مخبتاً يرجع إلى الله سبحانه وينيب إليه، ولا بد أن ينوي النية الحسنة في كل أعماله، فإن صاحب النية الحسنة يؤجر، والآخر لا شيء له، والذي ينام وينوي أن يقوم الثلث الأخير من الليل ليعبد ربه ويصلي، ثم نام ولم يقم الليل، ونام عن صلاة الفجر أيضاً، فإن نومه صدقة عليه، قال رسول الله ﷺ : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) فيصلي حين يذكرها وتكتب له بنيته، وقس على ذلك كل عمل تنوي به الخير، قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، فالأعمال الصالحة تكون بالنوايا الخالصة، والأجر العظيم منه سبحانه. والحرث في الدنيا بمعنى: الزرع، ونتيجة زرعهم يُرى في الآخرة، فحرث الآخرة: هو جنى ما زرعه في الدنيا، ومن يرد جنى الآخرة ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠].

стр. 3052

تفسير قوله تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:٢١]. يعني: بل هل لهم شركاء شرعوا لهم من الدين؟ والذي يشرع هو الله الرب ، والتشريع من صفاته سبحانه، فهو الحاكم الذي يحكم بين عباده، ومن صفاته: أنه صاحب الشريعة، فالله هو الذي يشرع لعباده، فهو الذي شرع لنا هذا الدين، فهل لهؤلاء المشركين شركاء شرعوا لهم من الدين؟ أين شركاؤهم؟ وأين هذه الآلهة التي يزعمون؟ هل هذه الأصنام كلمتهم وقالت لهم: اعبدوا بالصورة الفلانية؟ هل عندهم أثارة من علم أو كتاب يقول لهم: اعبدوا بالصورة الفلانية؟ ليس عندهم شيء، بل عرفوا أن الأصنام لا تعقل ولا تفهم ولا تسمع ولا تجيب، فكيف يعبدونها من دون الله، وهي لا تملك أن تشرع ولا تسمع ولا تعقل. قال الله تعالى: ((وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)). أي: ولولا كلمة القضاء من الله ، والفصل بمعنى: القضاء والحكم بين العباد، فهو سبحانه يفصل الخصومة ويقضي بين الناس، هذا شقي وهذا سعيد، هذا في الجنة وهذا في النار، والكلمة التي سبقت من ربك ألا يعاجلهم بالعقوبة، بل يؤخرهم إلى يوم القيامة ليجازيهم، فلولا هذه الكلمة لقضي بينهم، ولذلك لم يقض بينهم الآن، و (لولا) حرف امتناع لوجود، فـ (لولا) حرف امتناع القضاء بين العباد في الدنيا لوجود الكلمة التي سبقت، فالله يمتنع من أن يقضي بين العباد الآن، إنما القضاء يكون يوم القيامة. قال تعالى: ((وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ)) أي: لقضى الله وفصل وحكم بين العباد. قال تعالى: ((وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) يعذب الله يوم القيامة جميع الظالمين، خاصة المشركين، إذاً: الظالم يعذبه الله سبحانه، ولكن هنا قصد المشركين، الذي يشركون بالله سبحانه؛ ولذلك عقب بقوله سبحانه: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الشورى:٢٢].

стр. 3053

تفسير قوله تعالى: (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا) قال تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:٢٢]. قوله: ((تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا)) أي: ترى الظالمين خائفين مما أشركوا، والمقام مقام ذكر التوحيد والشرك، فالمشركون بالله الذين ظلموا أنفسهم الظلم الأكبر تراهم مشفقين مما كسبوا، عبدوا الأصنام من دون الله وتوجهوا لها وتركوا دين الله، فهم يوم القيامة مشفقون من حساب رب العالمين سبحانه، وكذلك غيرهم من الظلمة والمجرمين تراهم مشفقين مما كسبوا، أي: من جزاء ما كسبوا. قال تعالى: ((وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ))، أي: ترحموا على أنفسكم ما شئتم يوم القيامة، فإن يوم القيامة يوم جزاء وليس يوم تكليف، وليس في يوم القيامة تعويض لما سلف، فإن أمر العبادة كان في الدنيا. فقوله تعالى: ((وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ))، أي: عذابه سبحانه، أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضات الجنات، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ)) يقال: روضات ورياض، والروضة: البستان العظيم والنزهة التي يتنزه فيها الإنسان، نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. فقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا))، قيدت بقوله تعالى: ((وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ))، أي: في بساتين مزهرة، وفي قصور عامرة في جنات رب العالمين، ترى هؤلاء يلعبون وينعمون، ويفرحون، قال النبي ﷺ : (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) فالروضة: موضع النزهة الذي يتنزه فيه الإنسان وهو كثير الخضرة. وقوله تعالى: ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) (ما) من ألفاظ العموم، أي: كل ما يتمنونه ويشتهونه، فأنت في الجنة اطلب من الله ما شئت، فهي دار يشرفك الله فيها، ويعطيك ما تشتهيه، قال النبي ﷺ : (ينادي عليهم المنادي: يا أهل الجنة إن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وأن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً) كل ذلك في جنة الخلود، قال تعالى: ﴿َلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٦٢]. فلا يخافون من المستقبل أمامهم، فهم في رحمة الله ، وقد طمأنهم الله بأن هذه الجنة دار الخلود، وقد ﵃ فلن يسخط عليهم بعد ذلك أبداً، نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته. قال الله : ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ)) أخبر النبي ﷺ أصحابه أن رجلاً من أهل الجنة قال: (يا رب أريد أن أزرع؟ فقال الله : أوما يكفيك هذا؟) أي: كل الذي أعطيتك هذا لا يكفيك؟ (قال: أشتهي ذلك، قال الله : دونك، فرمى البذرة فزرعت وحصدت، قال الله: دونك يا ابن آدم فإنه لا يشبعك شيء) وكان رجل أعرابي جالساً مع النبي ﷺ ، فقال: تراه رجلاً من هؤلاء، يعني: من الأنصار، أما نحن فنحن أصحاب إبل وهؤلاء أصحاب زروع، رضوان الله على الجميع، وإذا اشتهى العبد في الجنة الولد، فيكون حمله ووضعه وفصاله في مقدار ساعة، لا تعب كما كان في الدنيا، تسعة أشهر ووضع ورضاعة وتعب، فالجنة عظيمة وغالية، والذي يعرف الجنة لا يأبه لما يأتيه أو يضيع منه في هذه الدنيا إلا لأمر دين الله فقط، قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الحديد:١٢] أي: النجاح الباهر العظيم أنك تصل إلى الجنة، فإذا دخلت الجنة فقد فزت هذا الفوز العظيم عند الله، وأفلحت ونجحت.

стр. 3054

تفسير قوله تعالى: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا) قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى:٢٣]. قوله: ((ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: ذلك الفضل العظيم من الله الذي يبشر به عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بشارة من الله للمؤمنين، فالمؤمن الذي يتعب نفسه لله سبحانه، ويحسن العمل لله، ويخلص النية لله، يبشره الله بذلك. وقد تكررت هذه الكلمة في القرآن، وفيها قراءتان: (يُبَشِّر)، و (وَيبْشُر)، أي: يظهر البشرة على وجه المؤمن بما حدث في قلبه من فرح، فالجمهور يقرءونها: ((يُبَشِّرُ)) ويقرؤها حمزة والكسائي وفي هذه الآية فقط يقرؤها ابن كثير وأبو عمرو مع حمزة والكسائي: (يَبْشُر)، (يُبَشِّر) للتكثير، تكثير البشارة، و (يبْشُر) يظهر البشر على وجوه المؤمنين بما فرحت قلوبهم. فقوله تعالى: ((ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) أي: يبشر المؤمنين الذين أتعبوا أنفسهم في الدنيا من أجل دينهم ومن أجل أن يفوزوا برضى ربهم، ومن أجل الجنة عملوا الصالحات. (قل) لهؤلاء جميعاً: ((لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى)) والاستثناء إما أن يكون متصلاً وإما أن يكون منقطعاً، وهذا الاستثناء يسمى: الاستثناء المنقطع، أي: أنه منفصل عما قبله، فلو كان استثناءً متصلاً لقال: أجري عندكم المودة في قرابتي، ولكنه قال: لا أسألكم أجراً، أي: لا أريد منكم أجراً أصلاً، ولكن أطلب منكم أن تراعوا ما بيني وبينكم من القرابة.

стр. 3055

تفسير ابن عباس لقوله تعالى: (إلا المودة في القربى) جاء عن ابن عباس رضي الله ﵎ عنهما ما يوضح معنى قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]. فقد روى البخاري عن طاوس عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، وكان من الجالسين سعيد بن جيبر من تلامذة ابن عباس ﵄ فقال: قربى آل محمد ﷺ ، فقال ابن عباس ﵁: عجلت -أي: استعجلت في الجواب- فالصحابي عبد الله بن عباس موجود، فلماذا يجيب التلميذ؟ فقال: عجلت، أي: ليس المعنى كذلك، ثم قال ﵁: إن النبي ﷺ لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال: إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. فالنبي ﷺ جعله الله وسطاً في قومه، فإن قريش جميعها أقرباء للنبي ﷺ ، هذا يلتقي معه في الجد الأول، وهذا في الجد الثاني، وهذا في الجد الرابع، وهذا في الجد السابع، فكل بطون قريش أقارب للنبي ﷺ ، ولما نزل القرآن على النبي ﷺ نسوا هذه القرابة، فمن هؤلاء من أسلم مع النبي ﷺ ، ومنهم من لم يسلم، والذي لم يسلم آذى من أسلم، فقال لهم ربهم : راعوا القرابة التي بينكم، فهؤلاء المسلمون منكم وبينكم وبينهم قرابة، فلا أطلب منكم مالاً، وقد قالوا للنبي ﷺ : اطلب من مالنا ما شئت، واطلب من نسائنا ما شئت، وإن كان بك مس من الجن أرسلنا الأطباء حتى نعذر فيك، فرفض النبي ﷺ كل ذلك، وقال: (إنما الذي أريده كلمة واحدة، قالوا: وأبيك عشراً، اطلب، أي: نحلف لك أن نعطيك عشر كلمات وليس كلمة واحدة، قال: (قولوا: لا إله إلا الله) قالوا: أما هذا فلا، فهم يعرفون أنهم إذا قالوا: لا إله إلا الله سوف يتركون كل ما هم فيه، ويتوجهون إلى الله ويأخذون هذه الشريعة من النبي ﷺ ، ولكن غرورهم منعهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، وحجتهم أنهم إذا قالوا كلمة التوحيد سيكونون أتباعاً للنبي ﷺ وهو أصغر منهم سناً، فرفضوا أن يقولوا: لا إله إلا الله. إذاً: أنتم رفضتم ذلك فلا تعذبوا المؤمنين، وراعوا القرابة التي بيننا، دعوني أدعو غيركم، ولا تقطعوا الأرحام، وكانت قريش من أكثر الناس صلة للرحم، وما قطعوا الرحم إلا عندما جاء النبي ﷺ ودعاهم إلى دين الله ، فبدءوا يقطعون الأرحام بسبب ذلك، ويعذب كافرهم مؤمنهم بذلك، فقال لهم ربهم: ولكن راعوا المودة في القربى، أن توادوني في قرابتي وفي أنفسكم، فكلكم بيني وبينكم قرابة، فلا يعذب بعضكم بعضاً، ولا يتشاجر بعضكم مع بعض. إذاً: (إلا) هنا بمعنى: ولكن، أي: لا أسألكم عليه أجراً أصلاً، ولكن أطلب منكم مراعاة صلة الأرحام التي بيننا.

стр. 3056

مضاعفة الحسنات من الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى:٢٣] أي: الذي يكسب حسنة يزيده الله تعالى الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، وقد يغلب الدرهم بالحسنة مائة ألف درهم، وقد قال النبي ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم) ومعلوم أن الحسنة بعشر أمثالها، ولكن في هذا الحديث يضاعف الله الدرهم مائة ألف درهم، وذكر النبي ﷺ رجلاً فقيراً له درهمان ورجلاً غنياً له مالٌ كثير، والفقير تصدق بدرهم من درهميه، أي: أنفق نصف ثروته، وأعطاها لفقير آخر، وآخر له مالٌ عظيم أخذ من عرض ماله مائة ألف، ولم يؤثر فيما بقي، ولكن الله لا يضيع الإحسان، لا من هذا ولا من هذا، ولكن هذا الفقير إذا نظرنا إلى النسبة والتناسب، نجده أنفق نصف ثروته، فسبق الدرهم مائة ألف درهم بفضل الله سبحانه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى:٢٣] أي: نزيد من عندنا إحساناً على ما أحسن هذا الإنسان. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى:٢٣] أي: يغفر لعباده سبحانه، ويشكر لهم حسن صنيعهم، ويشكر لهم ما أنفقوا وما قدموا. نسأل الله أن يعيننا على الإحسان وأن يثيبنا عليه الحسنى وزيادة بفضله وكرمه ومنه، فهو أرحم الراحمين. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3057

تفسير سورة الشورى [٢٢ - ٢٣] يخبر الله تعالى عن حال الظالمين في عرصات يوم القيامة، كيف أنهم مشفقون خائفون من عذاب الله تعالى، وهذا الخوف والإشفاق لا ينفعهم؛ بل عذاب الله واقع بهم لا محالة، بينما المؤمنون في روضات الجنات لهم فيها ما يشاءون من مآكل ومشارب وملابس ومساكن ومناظر ومناكح وملاذ، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقد أخبر عن وجوب مراعاة النبي ﷺ في أهله وقرابته، ومحبتهم الحب الشرعي الذي ينبغي لمثلهم.

стр. 3058

تفسير قوله تعالى: (ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ﴾ [الشورى:٢٢]. يخبر الله في هذه الآية بأن الظالمين يوم القيامة يشفقون على أنفسهم من كسبهم الباطل، مما اكتسبوا من الشرك بالله سبحانه والكفر، والوقوع في المعاصي العظيمة وظلم الخلق، تراهم مشفقين حين لا تنفعهم شفقتهم. قال تعالى: ((تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا)) أي: مما اقترفوا في هذه الحياة الدنيا. قوله: ((وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ)) أي: جزاء أعمالهم واقع بهم، فسيجازيهم الله يوم القيامة ويعذبهم، ولا تنفعهم رحمتهم لأنفسهم ولا شفقتهم على أنفسهم ولا اعتذارهم إلى ربهم سبحانه. أما المؤمنون فهم في روضات الجنات، قال تعالى: ((وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ)) فالمؤمن هو الذي اتقى ربه سبحانه، والذي عمل بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، ولم يبدل ولم يحرف ولم يغير، واتبع صراط الله المستقيم، فهؤلاء المؤمنون الذين عملوا الصالحات لهم روضات وبساتين في جنات الخلود، في أعالي الجنات، ولهم مكان عظيم يتنزهون فيه ويتنعمون فيه ويفرحون بالجزاء فيه، ((لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ)) ذلك الفضل تفضل الله به عليهم، وجعلهم الفائزين الناجين المفلحين، وأعطاهم من رحمته ، وأدخلهم الجنة وجعل ذلك أعظم الفوز.

стр. 3059

تفسير قوله تعالى: (ذلك الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا) قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [الشورى:٢٣]. قوله: ((ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)) ذلك الفضل الكبير جنات الخلود وروضات الجنات هو الذي يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات، المؤمنين الأتقياء، ولاحظ أنه يكرر (آمنوا وعملوا الصالحات)، فالإنسان الذي يقول: آمنت بلسانه ولا يعمل شيئاً لا ينتظر هذا الجزاء، وإنما يحاسبه الله سبحانه ويقول له: أين العمل الذي أمرناك أن تعمله؟ أين صلاتك؟ أين صيامك؟ أين أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر؟ هذا كله من خصال الإيمان. فالإنسان إذا قال: لا إله إلا الله دخل الإسلام، ولكن لا يكفي، بل لابد أن يعمل؛ لأن الذين آمنوا صدقوا وعرفوا أن الله ربهم، فقالوا: لا إله إلا الله وعملوا الصالحات. قال الله سبحانه: ((قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)) أي: يقول الله تعالى لنبيه ﷺ : قل للناس للكافرين وللمسلمين: لا أسألكم عليه أجراً، أي: لا أطلب أجراً من أحد لا من أهل الإسلام ولا من الكفار على تبليغ رسالة الله سبحانه، ولكن النبي ﷺ ينصحهم أن يصلوا أرحامهم مع النبي ﷺ فلا يقطعونها، وأن يصلوا أرحامهم بعضهم مع بعض ولا يقطعونها، فهو يقول: لا أسألكم عليه أجراً، ولكن أطلب منكم المودة في القربى، أن تودوا ما بيني وبينكم من قرابة، هذا يقوله الله لنبيه ﷺ ويقول للناس: أن راعوا ما بينكم وبين النبي ﷺ من مودة ومن صلة رحم فلا تقطعوها. وهذه السورة سورة مكية ما عدا أربع آيات فيها مدنية، وهذه الأربع آيات هي هذه الآية التي معنا: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣] وما يليها.

стр. 3060

وجوب مراعاة النبي ﷺ في أهل بيته وعدم أذاهم قال المفسرون: وكأن الخطاب للمؤمنين أيضاً: أن راعوا قرابة النبي ﷺ فلا تتعرضوا لهم بأذى، حتى وإن كان إسلامهم متأخراً. وأهل بيت النبي ﷺ منهم من كان من السابقين كـ علي رضي الله تعالى عنه، وجعفر بن أبي طالب ﵁ وغيرهم، ومنهم من تأخر في إسلامه وتأخر في هجرته للنبي ﷺ ، كـ العباس عم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلعل البعض من المؤمنين يقول للعباس شيئاً يؤذيه به: أنت رجل كبير وأنت عم النبي ﷺ ، ومع ذلك تتأخر في الهجرة إلى النبي ﷺ ! فلعل النبي ﷺ يسمع ذلك أو يبلغه فيتأذى بذلك، فينهاهم النبي ﷺ أن يقولوا ذلك، ويأمرهم بحب آل بيته صلوات الله وسلامه عليه، وأن يحبوهم وأن يراعوا القرابة التي بينهم وبين النبي ﷺ . ولعل البعض من الناس يقول لبعض آل بيت النبي ﷺ : إنكم تأخرتم في إسلامكم فلا ينفعكم أنكم أقرباء النبي ﷺ ، وهؤلاء أخطئوا في ذلك؛ لأن أقرباء النبي ﷺ تنفعهم مودة النبي ﷺ ، وينفعهم نسبهم للنبي ﷺ ، فهو الذي قال: (كل نسب وسبب مقطوع يوم القيامة إلا نسبي وسببي) صلوات الله وسلامه عليه، فكل نسب وسبب مقطوع يوم القيامة إلا نسب النبي ﷺ ، فآل بيت النبي ﷺ ينتفعون بقرابتهم من النبي ﷺ ، وهم المؤمنون منهم الذين دخلوا في دين الله ، فهؤلاء ينفعهم قربهم من النبي صلوات الله وسلامه عليه، طالما أنهم أسلموا حتى ولو كان إسلامهم قد تأخر فتنفعهم قرابتهم للنبي ﷺ . ولذلك أراد عمر ﵁ أن يتصل بالنبي ﷺ بسبب من الأسباب، فلذلك تزوج من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁ وكانت صغيرة في السن، وهو ﵁ لم يتزوجها إلا لهذا الشيء، مع أن ابنته السيدة حفصة بنت عمر زوجة النبي ﷺ ، لكنه أحب أن يرتبط بالنبي ﷺ بسبب آخر فيكون أقرب، فتزوج بابنة علي رضي الله تعالى عنه. فالغرض: أن بعض المسلمين قد أساء مع آل بيت النبي ﷺ ، وبعضهم لعله تطاول عليهم وقال: لا ينفعكم سببكم ولا نسبكم للنبي ﷺ وقد تأخر إسلامكم، فهذا أحزن النبي ﷺ ، والله يأمر الجميع ويقول: صلوا قرابة النبي ﷺ وراعوها، ولذلك كان لهم تشريف عند الله بأنهم ممن منعهم الله أن يأخذوا الصدقة، فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:٦٠]. فجعل الصدقات لهؤلاء، أما قرابة النبي ﷺ فقد جعل لهم سهماً آخر وهو سهم ذوي القربى، فقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ﴾ [الأنفال:٤١] فجعل سهم قرابة النبي صلوات الله وسلامه عليه في المغانم. فجعل الله لهم أشرف ما يكون ومنعهم من أحقر ما يكون؛ تشريفاً لقرابتهم للنبي ﷺ ، وقد رأى النبي ﷺ الحسن مرة وقد مد يده على تمرة ملقاة من تمر الصدقة، فأخذها ووضعها في فمه، فإذا بالنبي ﷺ يأخذها منه ويقول: (كخ كخ، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة؟) وهو طفل صغير، وهذا لا يقال إلا لإنسان كبير ومع هذا قال ذلك لطفل صغير في السن حتى يعلمه، ولم يتركها له، ولم يقل: سأدفع ثمنها، وإنما منعه من أن يأكلها صلوات الله وسلامه عليه. فالغرض: أن الله سبحانه قال للخلق جميعهم الكفار والمؤمنين: إن النبي ﷺ لا يطلب منكم شيئاً على أن يبلغ رسالة الله سبحانه، ولكن الذي يأمركم به أن تراعوا القرابة التي بينكم وبينه، وهذا الخطاب لقريش الذين تربطهم بالنبي ﷺ قرابات ما من بطن من بطون قريش إلا وبينهم وبين النبي ﷺ قرابة، ثم باقي الناس يطلب منهم صلة الأرحام ويقول: لا تؤذوا قرابتي، مثل العباس ﵁ وغيره من أقارب النبي ﷺ الذين تأخر إسلامهم، وقد وبخهم البعض على ذلك. فالله يبين لهم أن هؤلاء أقارب النبي ﷺ ، واحترامكم لهؤلاء من احترامكم للنبي ﷺ ، والعباس كان السن بينه وبين النبي ﷺ ليس كبيراً، ومع ذلك كان يفرح النبي ﷺ إذا رآه، ويقول: (هذا العباس هذا عمي) ويقول: (عم الرجل صنو أبيه) والنخل منها صنوان وغير صنوان، والنخلة غير الصنوان هي التي تكون قائمة على ساق واحدة ويطلع الفروع من الساق الواحدة، أما الصنوان فهي التي لها ساقان، فيكون أصل النخلة واحداً ويتفرع منه ساقان، وكل ساق فيه رأس نخلة، فقال النبي ﷺ يقول عندما رأى العباس: (عم الرجل صنو أبيه)، يعني: أنه يجتمع مع أبيه في جده، فإذا كان يقول عن جده أنه أبوه فكذلك العم يكون أباً للإنسان مع عدم وجود أبيه، وهو أولى الناس به مع عدم وجود أبيه. وكون العباس ﵁ عم النبي ﷺ ، فهذا لا يمنع أن النبي ﷺ يأمره بالحق ويأمر الناس أن يأخذوا منه الحق، ولما خرج جيش الكفار إلى بدر كان العباس فيهم، وهو لم يخرج للقتال، وإنما أجبروه على الخروج معهم، فخرج ولم يقاتل، وأسر العباس رضي الله تعالى عنه، فلما أسر وجيء به إلى النبي ﷺ فأخذوا الفدية أمرهم النبي ﷺ أن يأخذوا من العباس الفدية، وقال: (لا تدعوا له درهماً، فقال العباس للنبي ﷺ : يا رسول الله! إني كنت مسلماً قبل، قال: ظاهرك كان علينا)، يعني: وإن صدقناك في أنك كنت مسلماً لكنك كنت في جيش العدو، فظاهرك كان علينا، فلابد أن تدفع حتى تخرج من الأسر، ودفع العباس، والله قال للمؤمنين: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠]. فـ العباس دفع الفدية وفدى نفسه وفدى عقيلاً ابن أخيه، ولما قال سبحانه لنبيه ﷺ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال:٧٠] قال العباس بعد ذلك: (فوالله لقد آتاني الله خيراً مما أخذ مني وأنا أرجو الأخرى) يعني: أنا دفعت الفدية عن نفسي وعن عقيل ابن أخي، والله عوضني خيراً من ذلك، وأنا أنتظر مغفرة الله؛ لأن الله وعد بذلك.

стр. 3061

تألف النبي ﷺ بعض قريش وإعطاؤهم من الغنائم يوم حنين إن الله أمر المؤمنين أن يراعوا قرابة النبي ﷺ فلا يتعرضوا لهم بشيء من التوبيخ أو بشيء من التعيير؛ فإنهم آل بيته صلوات الله وسلامه عليه، وقد جاء أن النبي ﷺ لما فتح الله عليه تألف البعض من قريش، فإذا بالأنصار يحدث في قلوب بعضهم شيء من الحزن: كيف لما فتح الله عليه يبدأ بقرابته وقبيلته ونحن أهل المدينة الذين عملنا كذا وكذا؟ فقد جاء في صحيح البخاري ومسلم ومسند الإمام أحمد وغيرهم من طريق عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم قال: (لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قام النبي ﷺ وقسم الغنائم في المؤلفة قلوبهم)، ولاحظ أن النبي ﷺ لما فتح مكة جمع أهلها قال: (ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم) فهم الآن في ضعف، والنبي ﷺ لم يعاملهم مثل معاملتهم له، بل قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). فعفا عنهم صلوات الله وسلامه عليه، فأسلم خلق كثير من أهل مكة، وكان جيش النبي ﷺ الذي خرج من المدينة لفتح مكة كان عدده عشرة آلاف، فإذا بأهل مكة يمدون النبي ﷺ بألفين من الجنود يخرجون مع النبي ﷺ ، وهذا مكسب كبير للإسلام، فخرجوا مع النبي ﷺ مجاهدين، وخرجوا معه إلى الطائف وإلى هوازن في حنين، وأفاء الله وفتح على النبي ﷺ بعد ما أعطاهم الله درساً هنالك في حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] فلما غنم صلوات الله وسلامه عليه وبدأ يوزع المغانم، وزع على أصحابه على من يستحق، ولكن أعطى النبي ﷺ البعض تأليفاً لقلوبهم ومنع البعض الآخر، فأعطى بعض كبار قريش، فتكلم بعض الأنصار، يقول عبد الله بن زيد بن عاصم: (فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس) يعني: وجدوا في أنفسهم وحزنوا كيف أن النبي ﷺ أعطى أقرباءه وقبيلته، ولم يعطنا نحن؟! وفي رواية الإمام أحمد من حديث أبي سعيد قال: (وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القالة) يعني: بدءوا يتكلمون ويقولون: إن النبي ﷺ أعطى أهله قرابته، ولم يعطنا، والنبي ﷺ حاشا له أن يقسم بغير العدل، فهو ﷺ لا يطلب شيئاً من الدنيا، وقد نزلت هذه الآيات من قبل ذلك تقول لهم: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الشورى:٢٣] أي: لا آخذ أجراً على الدعوة إلى الله ، ولكن أطلب منكم المودة في القربى. قال: (فأرسل النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة، فقال سعد بن عبادة للنبي ﷺ : يا رسول الله! إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم) أي: أصابهم حزن أنك أعطيت القرشيين ولم تعط الأنصار من هذا الفيء الذي أصبت، فأنت قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، وكأنهم نسوا أن النبي ﷺ في يوم من الأيام أخبرهم (أني أعطي الرجل وغيره أحب إلي) يعني: أنا أعطي الإنسان وغيره أحب إلي حتى أتألفه، وأدع هذا للإيمان في قلبه، فهذا قلبه ممتلئ بالإيمان عامر غير محتاج إلى أن أتألفه على هذا الدين، ولكن البعض الآخر أعطيه من أجل أن يثبت على دين الله سبحانه ولا يتزعزع ولا يتزلزل. فالنبي ﷺ سأل سعد بن عبادة فقال: (قد وجدوا عليك وقالوا: قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء، قال: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال: يا رسول الله! ما أنا إلا امرؤ من قومي) يعني: أنا واحد منهم، لقد كانوا صادقين رضوان الله تعالى عليهم، لا يكذبون، فلم يقل له: لقد أنكرت عليهم وعملت كذا، ولكن قال: أنا واحد منهم. فقد كان سعد بن عبادة ﵁ رجلاً صادقاً وهو سيد الخزرج، أما سعد بن معاذ سيد الأوس فكان قد قتل شهيداً أصابه سهم في أكحله يوم الخندق، فدعا ربه وقال: (إن كنت أبقيت في قتال المشركين شيئاً فأبقني لهم، وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها) فقبض في ذلك بعدما حكم في بني قريضة، فكان استشهاده قبل حنين بحوالي ثلاث سنوات رضي الله تعالى عنه. فقال سعد بن عبادة: (ما أنا إلا امرؤ من قومي، قال ﷺ : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة)، فجمع الأنصار، فاجتمعوا للنبي ﷺ وجاءوا، وحضر بعض المهاجرين فتركهم النبي ﷺ ، وحضر غيرهم فمنعهم النبي ﷺ ، فقال لهم النبي ﷺ : (يا معشر الأنصار! ما مقالة بلغتني عنكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟). هذه المعاتبة الرقيقة منه صلوات الله وسلامه عليه لهؤلاء، يعني: أنتم نسيتم عندما جئتكم وكنتم تعبدون أحجاراً فهداكم الله على يدي، ثم قال: (وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم) أي: كنتم عالة فقراء ففتح الله الفتوح عليكم فأغناكم الله بي، وكنتم تقتتلون فيما بينكم الأوس مع الخزرج فاجتمعتم مع بعض وصرتم الأنصار، فألف الله بين قلوبكم بي، (قالوا: الله ورسوله أمن وأفضل) فهم اعترفوا بالحق، وقالوا: لله المنة ولك علينا المنة، وكنا مخطئين، فقال النبي ﷺ : (ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ فقالوا رضوان الله عليهم: وبم نجيبك يا رسول الله؟ قال النبي ﷺ : أما والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك) انظر للإنصاف من النفس، وإن كان الحق كله معه صلوات الله وسلامه عليه، ومع ذلك يقول هذا تأليفاً وترضية للأنصار، ثم قال ﷺ : (أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟) يعني: أوجدتم في أنفسكم على حقير من أمر الدنيا تألفت به هؤلاء؟ هل حزنتم من أجل ذلك؟ ثم قال: (أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم؟) أي: ألا يكفيكم أن الناس يرجعون بالشاء والبعير والغنائم وترجعون أنتم وأنا معكم إلى دياركم؟ فلقد فتحت مكة، وكان بإمكاني أن أمكث في مكة بلدي، لكن لا، بل أرجع معكم معشر الأنصار. قال النبي ﷺ : (فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار)، يعني: لولا فضيلة الهجرة وأني مهاجر من مكة إلى المدينة والهجرة لا يعدلها شيء، لقلت: أنا من الأنصار، أي: أنا محمد ﷺ المدني الأنصاري، فنقول إذا نسبنا النبي إلى البلاد: هو المكي ثم المدني ﷺ ؛ لأنه عاش في مكة وولد فيها وتربى فيها ﷺ فهي بلده، ثم هاجر فصار مقره المدينة فصار مدنياً بعد ذلك ﷺ ، فلو شاء النبي ﷺ لكان امرأً من الأنصار لا من المهاجرين، ولكن الهجرة لها المنزلة العظيمة عند الله. ثم قال ﷺ : (ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار) فدعا النبي ﷺ للأنصار بهذه الدعوة العظيمة المباركة التي ظلت فيهم وفي أبنائهم بهذا الأمر العظيم الذي فعلوه مع النبي ﷺ ، وبهذا الجواب من النبي ﷺ الذي قاله ثم بكى الأنصار حين سمعوا ذلك، وقالوا: (رضينا برسول الله ﷺ قسماً وحظاً) أي: رضينا أن يأخذ الدنيا ونحن نأخذ الرسول ﵊، ويكفينا هذا الحظ الأعظم لنا. وقد جاء في بعض الروايات أن بعض الأنصار كأنه عير العباس فقالوا: أسلمنا قبلك، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ حزن لذلك وأمرهم أن يحبوا آل بيته ﷺ كما يحبون النبي صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: فيدين الإنسان المؤمن بحب النبي ﷺ ، وحب المهاجرين، وحب الأنصار، وحب آل بيت النبي صلوات الله وسلامه عليه، الذين وصى الله بهم.

стр. 3062

عظيم عطاء الله وإحسانه وشكره ومغفرته يقول الله : ((وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) أي: من يكتسب حسنة فإن الله يعطي على الحسنة من فضله الإحسان العظيم، ويزيدهم من فضله، والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما لا يعلمه إلا الله . قال تعالى: ((إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) أي: إن الله غافر الذنب ، فهو غافر وهو غفور وهو غفار ، والمعنى في ذلك من الغفر، والغفر بمعنى التغطية، فهو يغطي الذنوب ، فكأن الله سبحانه يغفر ويستر ويكفر ويمحو ، وقد يبدل هذه السيئات إلى حسنات، كما قال الله في عباد الرحمن: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]. وقوله: ((إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)) أي: يستحق أن يشكر ، فهو المشكور على ما ينعم به على عباده، وهو الذي يشكر صنيع العباد إذا فعلوا الخير وإذا فعلوا الإحسان، ولا يضيع أجر من أحسن عملاً، إذا أحسن العباد فالله يشكر لهم ذلك ويثيبهم عليه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] أي: إن تشكروا نعمة الله يشكر لكم صنيعكم. وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أنعم الله على عبد من نعمة فقال: الحمد لله، إلا كان شكره لهذه النعمة أحب إلى الله منها)، انظر كيف ينعم الله عليك، والإنسان عندما يذهب إلى شخص ويعطيه هدية، يقول له: شكراً، فقيمة الهدية (شكراً) وهي كلمة قالها بلسانه، لكن الله الكريم هو الذي أنعم عليك بإسلامك، وهو الذي أعطاك نعمة الشكر والعطاء، فأي النعمتين أحب إلى الله؟ الشكر أحب إلى الله مما أعطاك من مال ومما أعطاك من نعم منه . وقد علمنا النبي ﷺ أن نثيب في العطاء، فعندما يهدي لك إنسان فكافئه، فقد كان النبي ﷺ يعطي على الهدية المثلين والثلاثة والأربعة والسبعة الأمثال، كان يعطي كثيراً ﷺ ليذكرنا بفضل الله وبنعمته، فهذا النبي الذي هو عبد لله ورسول رب العالمين ﷺ كان يعطي هذا كله فكيف بعطاء ربي ؟ كم يعطي من فضله وكرمه! فالله شكور يشكر لعباده ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] فاشكروا الله يشكركم ويعطكم من فضله ومن إحسانه . نسأل الله من فضله ومن رحمته فإنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3063

تفسير سورة الشورى [٢٣ - ٢٥] لم يعهد الكفار في الجاهلية على النبي ﷺ كذباً قط، فكان لزاماً لذلك بل الأحرى ألا يكذب على الله ، فالذي يكذب على الله أو يعصيه له عذاب شديد، ومع ذلك فإن الله رحيم بعباده، فقد جعل باب التوبة مفتوحاً لكل مذنب تائب، حتى المشرك يغفر الله له شركه إذا تاب قبل موته، ولابد في يوم القيامة من القصاص لرد الحقوق إلى أهلها.

стр. 3064

تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افترى على الله كذباً) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٤ - ٢٥]. قال الله للنبي صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، ومعناها كما قدمنا: لا أطلب أجراً على تبليغ رسالة الله سبحانه، والاستثناء استثناء منقطع، أي: ولكن الذي أطلبه منكم أن تودوني في قرابتي، وأن يود بعضكم بعضاً، ولا تقطعوا الأرحام، بل تصلوا ما بيننا من أرحام، حتى ولو لم تتابعوني في أمر الدين، ودعوني أبلغ رسالة الله . فكأنه يقول لهم ﷺ راعوا ما بيننا من أرحام في أن تكفوا شركم عنا، إذا لم تتقوا الله وتخافوا من الله ، وتدخلوا في هذا الدين فأقل ما فيها مراعاة الأرحام، وهذا الطلب منه صلوات الله وسلامه عليه لأن قريشاً كانوا من أوصل الناس رحماً، وكانوا يعرفون صلة الأرحام ويفعلون ما يصلون به أرحامهم، فكان النبي ﷺ يذكرهم بما قاله الله سبحانه: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى:٢٣]، أي: صلوا الرحم التي بيني وبينكم، ولا تقطعوها ودعوها موصولة، ودعوني أدعو إلى الله ، وهم لو قاتلوا وحاربوا النبي ﷺ انقطعت الأرحام التي بينهم وبينه ﵊، فيقول: صلوا الأرحام ودعوني أدعو غيركم إلى الله، فإذا استجاب هؤلاء فذلك خير، وأنتم انظروا في هذه الاستجابة إما أن تتابعوا وإما أن تظلوا على ما أنتم عليه، ولكن عليكم لصلة الرحم، ودعوني أدعو إلى الله . ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾ [الشورى:٢٣]، الذي يقترف ويكتسب حسنة من الحسنات يعطيه الله من فضله الحسنى وزيادة. قال الله تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ))، أي: بل أيقولون؟ تسمى (أم) هذه الإضرابية المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، تحذف (أم) وتوضع مكانها (بل أ) كأنه يقول: أضرب عن هذا وانظر في أمر هؤلاء هل يقولون أنك افتريت على الله ، اعجب لأمر هؤلاء، بل أيقولون قد افترى على الله كذباً، وهم قد قالوا ذلك، وقد قال له ربه سبحانه: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. فالله عظيم وكريم ولطيف، فانظر إلى تلطفه بنبيه صلوات الله وسلامه عليه، والإنسان عندما يكون صادقاً إذا قيل له: أنت كذاب، يتألم ويتوجع ويتأسف، بخلاف الإنسان الكذاب، إذا أتى إنسان وقال له: أنت كذاب لا يتأثر؛ لأنه يعرف نفسه أنه كذاب، وإن كان يظهر أمام الناس أنه متأثر، فكل ذلك كذب وكله تمثيل، لكن الصادق عندما يقال له: أنت كاذب، فهذا يؤلمه جداً ويتعبه، وقد يهلكه مثل هذا الافتراء ومثل هذا الاتهام. فقالوا عن النبي ﷺ : إنه كذاب، فأتعبه ذلك جداً صلوات الله وسلامه عليه، فإذا بالله يتلطف معه ويقول له: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، أي: هم يعرفون الحق تماماً، وأنا أظهر لك ما بداخل قلوبهم، فهم يجحدون، والجحود عكس الإقرار، فالإقرار: أن تشهد على نفسك بالحق الذي تعلمه، والجحود: أن أنفي ما أنا مقر به في داخلي، وهذا بخلاف الإنكار، فالإنكار: كمن يقول لك: ليس لك عندي شيء، والله ما لك عندي شيء، فهو يحلف وفي زعمه أنه صادق في نفسه، فهو ينكر هذا الشيء وقد يكون ناسياً، إما الجاحد فإنه يجحد الشيء وينفيه وهو في قلبه معترف به ويعرفه، فالظالمون بآيات الله لا ينكرون وإنما هم بآيات الله يجحدون، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]. ويقول للنبي ﷺ : ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]، أنت ستهلك نفسك عليهم لماذا؟ فقوله تعالى: ((بَاخِعٌ))، أي: مهلك ((إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا))، أي: ألا يكونوا مؤمنين، فالنتيجة ليست عليك، فلست عليهم بمسيطر، ولست عليهم بوكيل ولا حفيظ، النتيجة على الله ، قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ [المائدة:٩٩]، ﵊، فعليك أن تبلغ الرسالات، فإن استجابوا فلك الأجر ولهم الأجر، وإن لم يستجيبوا فلك الأجر وعليهم الوزر، فعلى ذلك إن قالوا: افتراه، فهم يجحدون ويكذبون. فقوله تعالى: ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا))، أي: بل أيقولون افترى على الله الكذب، وافترى، أي: جاء بالفرية، والفرية: أعظم الكذب، فكأنه يقول: هل يقولون عنك جئت بأعظم الكذب؟ تركت الكذب على الناس وكذبت على الله ؟ وقد سأل هرقل أبا سفيان فقال: هل عهدتم منه كذباً؟ قال: لا، قال: فما كنت لأراه يدع الكذب على الناس ويكذب على الله .

стр. 3065

عقاب الله تعالى لمن يفتري عليه قال الله : ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، لو حصل أنك افتريت على الله سبحانه -وحاشا له صلوات الله وسلامه عليه- لختم الله على قلبك، فهؤلاء بلغت بهم السفاهة أن يظنوا أنك تكذب على الله سبحانه، ويؤيدك الله بالمعجزات وأنت تكذب عليه كيف يكون ذلك؟ ولو حصل أنك كذبت على الله- وحاشا له ﷺ لطبع الله على قلبك وعاقبك، وهم يعرفون كيف ينتقم الله ممن يعصيه وخاصة في الحرم، فقد كان عندهم تمثالان: إساف ونائلة، يقولون: هما رجل وامرأة كانا يزنيان في الحرم فمسخهم الله إلى صنمين، فكانوا يعرفون أن هذين ارتكبا معصية لله في الحرم، والكفار كانوا يقعون في الزنا. فالله يعاقب داخل الحرم من يقع في معصية أو يكذب على الله سبحانه، فإن أبرهة لما أتى إليهم من اليمن وأراد أن يدمر الكعبة وأن يصرفهم من التوجه إلى البيت إلى القليس دمره الله وجنده، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾ [الفيل:١ - ٢]، أي: في ضلال، تاه كيدهم وذهب والإنسان يجمع كيده حتى يتوجه بهذا الكيد كله على عدوه فيقصمه، فإذا جمع العدد والعدد، وجاء بسلاحه هذا، وفجأة ضرب بالسلاح فكان هباءً منثوراً، وذهب وضل كيده، قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٣ - ٤]، أي: من نار جهنم ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:٥]، أي: صاروا كتبن أكلته البهائم ثم روثتهم، فالله هو الذي يصنع ذلك بأعدائه دائماً، فهل يترك الله إنساناً يفتري عليه، وليس هذا فقط، بل ويؤيده بالمعجزات، فيعطيه القرآن العظيم المعجزة الخالدة، ويجعله يشير إلى القمر فينشق القمر، ويرون من آياته صلوات الله وسلامه عليه ومعجزاته، أين ذهبت عقول هؤلاء؟ ولذلك يقول لهم ، ويقول لنبيه ﷺ : ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، ولها معانٍ من ضمنها هذا المعنى الذي ذكرناه، فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، أي: إن كذبت على الله فالله يطبع على قلبك وينسيك هذا الذي أنت فيه من أمر الدعوة إلى الله والرسالة وغير ذلك. والمعنى الآخر لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]: إن يشأ الله يحرمهم من هذا الفضل العظيم ويحرمهم من هذا القرآن، فيختم على قلبك فلا تبلغهم شيئاً، ففي صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: (إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم جميعهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)، فقبل بعثة النبي ﷺ اطلع الله على أهل الأرض فأبغضهم جميعهم ومقتهم، والمقت: أشد البغض لشركهم بالله، إذ كانوا يعبدون الأصنام وكانوا يتوجهون بها إلى الله سبحانه، وكان يأكل بعضهم بعضاً، ويغصب بعضهم مال بعض، ويأخذ بعضهم حريم بعض، ولا يوجد عدل بينهم، ولا إحسان فيما بينهم، فمقت الله أهل الدنيا جميعهم إلا بقايا من أهل الكتاب كانوا على التوحيد، وليس كل أهل الكتاب، وإنما الذين كانوا على التوحيد، وكانوا ينتظرون خروج النبي صلوات الله وسلامه عليه. الغرض: أن الله يقول للنبي ﷺ : ﴿إِنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢٤]، (إن) لفظة جازمة، تفيد تأكيد أن هذا قبل الحدوث، بخلاف (لو) فإنها تفيد امتناع وقوع شيء لامتناع وجود شيء آخر، فهي حرف امتناع لامتناع، تقول: لو جئتني أكرمتك، فهو يعرف أنك لن تأتي، ولكن الله تعالى قال: ﴿إِنْ يَشَإِ اللَّهُِ﴾، فالقدرة صالحة، والله قادر على كل شيء . ولذلك كان يقول لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣]، ويقول: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر:٦٥]، هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه، وحاشا له أن يقع في الشرك ﷺ ، ولكن الإنسان طالما وهو في الدنيا فهو في قضاء الله وقدره ، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]، فلا يعجزه شيء، فإذا قال ذلك لنبيه ﷺ فمن باب أولى أن يخاف المشركون على أنفسهم؛ إذ إن هذا القول للنبي الذي هو خليل الرحمن وحبيب الله ومع ذلك يقال له ذلك، إذاً: خافوا على أنفسكم أنتم. فقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، أي: ينسيك هذا الذي آتاك الله ، ويحرمهم من هذا الفضل. المعنى الثالث لقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشورى:٢٤]، أي: يربط على قلبك، ويقويك على هؤلاء، وهذا وعد قد فعله الله ونفذه، فـ (إن) تفيد احتمال وجود ذلك، بخلاف (لو)، والآية تحتمل معاني كما ذكرنا، وبعضها يعضد بعض وليست متنافرة.

стр. 3066

محو الله للباطل وإحقاقه للحق قال الله تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الشورى:٢٤] ستجد هذه الكلمة مكتوبة في المصاحف كلها: ﴿وَيَمْحُ﴾ [الشورى:٢٤] ياء، ميم، حاء، لا يوجد بعدها واو، وإن كان إعرابها أنها استئنافية مبتدأ بها، فهي جملة جديدة، فهو فعل مضارع مرفوع وليس مجزوماً، فليست معطوفة على ما قبلها، وهذا من جمال كتاب الله سبحانه ومن توفيق الله سبحانه للذين كتبوا المصحف فقد كتب المصحف بطريقة في غاية العجب، ولو أن الإنسان تفكر كيف كتب هذا المصحف لشعر أن من ضمن إعجاز القرآن كتابة القرآن. والقرآن العظيم كتب من غير نقط، والذين كتبوه هم الذين تلقوا القرآن من النبي صلوات الله وسلامه عليه، فكتبوا القرآن على ما سمعوه من النبي ﷺ ، فقد سمعوا النبي ﷺ وهو يقرأ القرآن بكل قراءاته، فكتبوا الكتاب الذي يحتمل جميع القراءات التي فيها، بل وتحتمل اللهجة أيضاً في الكلام، فتجدهم كتبوا الكلمة التي ترجع لأصل فيها، مثل كلمة (الصلاة) فقد وضعوا بعد اللام واواً؛ لأن ألفها أصلها واو، ولذلك ردها للأصل، والزكاة أصلها واو وأعادها إلى أصلها، فعندما يعيدها إلى أصلها وتقرأ قراءة من القراءات لأهل الإمالة مثل: حمزة والكسائي وخلف، فإنك تعرف أن ألف الزكاة واوية، وليست يائية، ومستحيل أن يكون فيها إمالة، إلا أن يخطئ الإنسان في قراءة أو في كلام، كقراءة البعض من الناس، وكلهجة بعض الناس يقول لك عن الساعة: السيعة مثلاً، فهذه لهجته. وقد راعى القرآن لهجات العرب في ذلك، ومن كتب القرآن راعى أصول الكلمات حتى لا يخطئ من يقرأ على أي وجه من الوجوه، ويعرف أن هذه واوية لا تقرأ أبداً بإمالة، فلا نقول في الصلاة: الصلية مثلاً، ولا في الزكاة: الزكية، بخلاف الربا، وإن كتبت لاحتمال الأمرين، فتقرأ بالإمالة وتقرأ: (والربا)، كذلك هنا في هذه الكلمة لاحظ الكاتب أن ﴿يَمْحُ اللَّهُ﴾، الواو بعدها ألف الوصل، فلو أنه كتب (يمحو الله) فستقرأ: (ويمحو الله) وهذا لا يصلح، فلالتقاء الساكنين لابد من حذف واحد من الاثنين والتعبير عنه بحركة من الحركات، لذلك كتبت ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾، لأنك تنطقها هكذا: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ﴾، ولكن لا تعرب أنها معطوفة على ما قبلها. فقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَإِ اللَّهُ﴾، إن: أداة جزم، يشأ: فعل مضارع مجزوم وهو فعل الشرط، و الجواب يختم، ﴿وَيَمْحُ﴾، لو جعلناها معطوفة على ﴿إِنْ يَشَإِ﴾، لكان المعنى: يمحو الله الباطل إن يشأ، وهذا لا يصلح؛ لأن الله قضى بأنه يحق الحق ويبطل الباطل، فقد قضى أن هذا لا بد أن يكون، فلذلك (يمحو) ليست معطوفة ككلمة، وإنما العطف عطف جملة، فتصبح الواو عاطفة لما بعدها للجملة كلها على ما قبلها، وتصير (يمحو) كلمة في ابتداء، فيصبح فعلاً مضارعاً مرفوعاً. ومثل هذه الكلمة قوله تعالى: ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق:١٨]، فليست لزوماً، بل أصلها (سندعو): فعل مضارع مرفوع، ولكن كتبوها عيناً مضمومة لالتقاء الساكنين، وهذا من حكم كتابة القرآن بهذه الطريقة العجيبة الجميلة، كذلك عندما تقرأ في المصحف الذي لم يكن منقوطاً فإن الله يذكر معنى في آية ما، وإذا قرأت نفس الآية بوجه آخر فإنك تجد لها معنى آخر، يريد الله هذا المعنى ويريد هذا المعنى، ففي القراءة الأولى لا نضع نقطاً، وطالما أن هذه قراءة وهذه قراءة فلا نضع نقطاً، حتى إن الذي يقرأ بكذا يجوز له ذلك، والذي يقرأ بكذا يجوز له ذلك. قال تعالى: ﴿وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾، أي: يزيل الباطل، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة:٣٢]، ويقول تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [الصف:٨] انظر لهذا التعبير، نور الله سبحانه نور عظيم، وكأنهم ظنوا أنها نار خافتة بسيطة سوف يطفئونها بالنفخ فيها، وقد حاولوا وفعلوا، وإذا بهؤلاء الذين يحاولون أن يطفئوا نور الله سبحانه يجعل الله في قلوب بعضهم نوراً فيدعون إلى دين الله بعد ذلك، منهم: عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله ﵎ عنه، الذي أراد في يوم من الأيام أن يقتل النبي ﷺ ، وبعد ذلك يقرأ القرآن فإذا به يذهب إلى النبي ﷺ ، فلما رآه الصحابة خافوا منه، فقد أتى وهو متقلد سيفه، وإذا بـ حمزة ﵁ يقول: دعوه فإن أراد شيئاً قتلناه بسيفه، ويدخل عمر بن الخطاب على النبي ﷺ ويمسكه النبي ﷺ بثوبه ويقول: أما آن لك أن تؤمن؟ قال: لقد جئت لأسلم، فكان إسلام عمر ﵁ فتحاً عظيماً، وما تجرأ المسلمون أن يمشوا في الطريق إلا بعد إسلام عمر ﵁. ولم يكتم عمر إسلامه؛ بل خرج بين الناس وصرخ فيهم بلا إله إلا الله، وأعلن إسلامه، يقول عبد الله بن عمر وكان صغيراً: إذا بهم يفيضون إليه كالسبيل، أراد الكفار من كل وادٍ أن يهجموا على عمر ويضربوه ﵁، ومن العجب أن الذي أنقذ عمر هو الوليد بن المغيرة، فقد قال: أنا على ما هو عليه، فخافوا من الوليد بن المغيرة، ولم يكن على ما هو عليه، فإذا بهم يتركون عمر رضي الله ﵎ عنه يصرخ فيهم بلا إله إلا الله، ويخرج المسلمون مع عمر رضي الله ﵎ عنه ويتوالى إيذاء الكفار للنبي ﷺ وللمؤمنين بعد ذلك. قوله تعالى: ﴿ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: بما أنزل من هذا القرآن العظيم، يحق الحق بقضائه وقدره، ويحق الحق بكن فيكون، ويحق الحق بنصر المؤمنين، والمؤمن يجاهد بلسانه وبيده وبقلبه وإيمانه ويدعو إلى الله ، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، فالإنسان يجاهد والذي يأتي بالنتيجة هو الله ، فهو الذي ينصر الدين وينشره ويفتح له القلوب، وإنما المجاهد سبب من الأسباب فقط. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: يعلم كل شيء ، فهو العليم، وهو الشهيد، وهو الخبير، وهو اللطيف ، وهذه كلها من أسماء الله الحسنى العظيمة التي فيها معانٍ متقاربة، وإن كان كل منها يختص بشيء فيها، قال رسول الله ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة)، فالله عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب، يعلم كل ما ظهر وما خفي، وما كان في السر وما كان في العلن . ولكن يعطي معنى زائداً هنا أنه ما خفي علمه الله ، ففي هذه الآية إشارة للعلم الخفي، والله شهيد أي: عليم سبحانه، ولكن العلم بالجلي أي: الشيء الظاهر المشاهد، فالله عليم وخبير وشهيد، والله سبحانه لطيف عليم، فيعامل العباد بعلمه وبلطفه الخفي، فيرفق بهم لما يعلم في قلوبهم مما يستحقون، وقد فسرنا قبل ذلك هذه الكلمة العظيمة. فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى:٢٤]، أي: عليم بما تحتويه صدور خلقه. وقوله: ﴿بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الشورى:٢٤]، أي: بما في القلوب.

стр. 3067

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنْ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، فانظروا إلى كرم الله ، هم يقولون: افتراه، والله يخبر عن هذه الجريمة التي قالوها وعن العقوبة، ثم يقول: إنه يبسط لهم يد التوبة إن تابوا إلى الله، فيتوب الله على هؤلاء إن تابوا إليه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، أي: يقبل توبة عباده، فعل وفاعل ومفعول، قوله تعالى: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾، يعتبر المفعول الثاني، فكلمة (يقبل) تتعدى لمفعول واحد فقط، ولا تتعدى للمفعول الثاني إلا بمن أو بعن، فهنا تعدَّت للمفعول الثاني بقوله: ﴿عَنْ عِبَادِهِ﴾. ومن العباد من يتوبون إلى الله فيقدمون هذه التوبة فيتجاوز الله عن عباده ، فكأن معنى: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، أي: يعفو ويتجاوز عن عباده، فالقرآن كتاب فصيح وبليغ، يعبر بالكلمة عن الجملة، وبالحرف عن الجملة، فقوله تعالى: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾، أي: أخذها، ولكن لا نعرف ماذا فعل بهم، لكن لما قال: ﴿يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى:٢٥]، قد قبل ما قالوا، قالوا: تبنا، فقال: تبت عليكم ولن أعاقبكم، ومحونا هذا الذنب وتجاوزنا عنه وعفونا عنه، فقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾، اي: يعفو عن هؤلاء العباد فيما أسرفوا وفيما وقعوا فيه، يقبل التوبة عمن تابوا إلى الله وأخلصوا لله، ودخلوا في دين الله، وقد قال النبي ﷺ لـ عمرو بن العاص: (مد يدك، فمد يده ثم سحبها، قال: لم يا عمرو؟! فقال: أريد أن أشترط، قال: وماذا تشترط؟ قال: أن يغفر الله لي، قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن التوبة تهدم ما قبلها). فإذا كان إنساناً كافراً دخل في دين الله وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأصلح، فهذه تجب ما قبلها، ويغفر الله له كل ما وقع فيه قبل ذلك، ومن تاب إلى الله توبة نصوحاً فالله يتوب عليه. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾، أي: يتجاوز عن سيئات وقع فيها صاحبها، وقوله: ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، أي: جنس السيئات وكل السيئات يعفو عنها، ولا يوجد ذنب يتعاظم على الله ، فإن ﴿اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، وإذا تاب العبد إلى الله تاب الله عليه، فيغفر الله الشرك فما دونه، فكل الذنوب يغفرها الله سبحانه بالتوبة. وإذا مات العبد على الشرك فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، لأن الشرك يحبط كل الحسنات، فهو أقبح السيئات التي يقع فيها العبد، فإذا مات العبد على الشرك فإنه لا يرجو مغفرة من الله ، ولو أن العبد لم يقع في الشرك بالله سبحانه، ووقع في معاصٍ، فإنه يكون في خطر المشيئة إن شاء الله تجاوز عنه وإن شاء أوبقه وعذبه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، وإذا لم يمت العبد وتاب فإن الله يغفر الذنوب جميعاً الشرك وما دونه، طالما أن العبد يتوب إلى الله فالله يتوب عليه، ولكن التوبة بشروطها. فمن تاب إلى الله إذا كانت المعصية بينه وبين الله يتوب إلى الله ويستر نفسه ولا يفضحها، وإذا كان بينه وبين الخلق مظالم فلابد من إرجاع المظالم لأصحابها أو التحلل منهم، فالله يعفو عن السيئات بالتجاوز عمن تاب إليه سبحانه. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى:٢٥]، هذه قراءة حفص عن عاصم، وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب، وباقي القراء وهم الجمهور يقرءونها: (ويعلم ما يفعلون) سبحانه علام الغيوب، فهو يعلم ما يفعل هؤلاء الكفار، وما يفعلونه بالنبي ﷺ ، فمن تاب منهم تاب الله عليه.

стр. 3068

بعض الآيات والأحاديث الدالة على كرم الله على عباده وتوبته عليهم نذكر في التوبة بعض هذه الأحاديث كي نعرف توبة الله وكرم الله على عباده، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى:٢٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، فالله عظيم يغفر الذنوب جميعاً، وعندما تسمع قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء:٤٨]، تجد كرم الله سبحانه في كونك مسلماً ولست مشركاً، فترجو من الله أن يغفر الذنوب ، فكل من يقول ذلك لا يقع في الشرك ولا يدعو إلا الله، ولا يتوسل إلا بالله، ولا يطلب من غير الله ما لا يجوز أن يطلب إلا من الله . فالدعاء والاستغاثة والاستعانة كلها عبادات، فتلجأ إلى الله ، وتقول: لا إله إلا الله بشروطها: علم، ويقين، وقبول، وانقياد، وصدق، وإخلاص، ومحبة، وولاء، وبراء، فإذا أتيت بحقها وعرفت معناها، وأيقنت بذلك فإنك مسلم، وإذا وقعت في الذنوب يتوب الله عليك إذا تبت إليه. ومن الأحاديث: ما جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (ما من عبد يذنب ذنباً فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥])، فليس هناك أحد يغفر الذنوب إلا الله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:١٣٥]، بشرط ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، فلابد أن تتوب إلى الله ولا تصر على فعلك، وإذا كانت المعصية تتعلق بحق إنسان، وقيل لك: اذهب استسمح من فلان إذا أردت التوبة، فلم تذهب بل أبيت، فأنت مصر على ما أنت عليه من المعصية، وقد تظلم إنساناً وتقول: لأنه سيئ الأخلاق، فلابد أن تعطيه حقه حتى وإن كان سيء الأخلاق. ومن الناس من تجده كثير العناد فيقع في الكفر؛ لأنه يعبر بتعبيرات يخسر بسببها عند الله . والذي يريد أن يتوب إلى الله لابد أن يرد المظالم إلى أصحابها، ويستسمح ممن وقع في حقهم، يقول النبي ﷺ : (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يقتل المؤمن متعمداً، أو الرجل يموت كافراً). وروى الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال: بلغني حديث عن رجل سمعه من رسول الله ﷺ ، فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلي، فسرت إليه شهراً حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، -وهذا يدل على اهتمامهم بطلب العلم- إذ إن جابر بن عبد الله ﵄ سمع حديثاً، وهذا الحديث لم يسمعه من النبي ﷺ ، ولكن سمعه ممن كان معه، فأحب أن يكون إسناد الحديث عالياً، أي: أقصر سلسلة توصل إلى راوي الحديث، فأراد جابر بن عبد الله أن يسمعه ممن سمعه من النبي ﷺ مباشرة، فقام يشد رحله إلى الشام شهراً كاملاً، يركب جملاً ويسافر من المدينة إلى الشام لسماع حديث واحد. قال: ثم شددت عليه رحلي، فسرت إلى الشام شهراً حتى قدمت عليه، فإذا عبد الله بن أنيس -وهو صحابي من الصحابة الأفاضل رضي الله ﵎ عنه- قال: فقلت للبواب: قل له: جابر، قال: جابر بن عبد الله؟ قلت: نعم. فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته، فقد تعجب عبد الله بن أنيس من حاله، فقد أتاه من المدينة قائلاً له: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله ﷺ في القصاص، أي: في قصاص الآخرة، قال: فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعك، قال عبد الله بن أنيس: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يحشر الناس -أو قال: العباد- يوم القيامة عراة غرلاً بهماً)، قوله: (عراة)، أي: كما خلقهم الله ، (غرلاً)، أي: غير مختونين كما نزلوا من بطون أمهاتهم، قال: (قلنا: وما بهماً؟ قال: ليس معهم شيء)، أي: فقراء ليس لديهم دراهم ولا مال، قال: (ثم يناديهم -أي: ربهم بصوت يسمعه من قرب)، يعني: الجميع يسمعونه؛ لأن الصوت قريب منهم، قال: (بصوت يسمعه من قرب: أنا الملك الديان)، والديان: الذي يدين العباد ، والدين بمعنى: الجزاء، أي: الذي يجازي العباد، ولا أحد يجازيهم غيره (أنا الملك الديان، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه). فهذا من أهل الجنة ذاهب إلى الجنة وقد جاوز الصراط، وحسناته غلبت سيئاته، ولكنه عمل عملاً أوقفه عن دخول الجنة، كأن يكون ظلم شخصاً حتى إن كان من أهل النار، قال: (ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه حتى اللطمة)، أي: ضرب إنسان بيده ظلماً، وقد كان أهل الجاهلية عداة ظالمين بغاة، فقد كانوا يفتخرون بأنفسهم أنهم طغاة، هذا منطق أهل الجاهلية، فلما جاء الإسلام منع الظلم ورد المظالم إلى أهلها، فالمسلم إذا تطاول على خلق الله يأتي به الله يوم القيامة فيأخذ من حسناته ويعطيها لمن ظلم، وهذا هو المفلس يوم القيامة، يأتي بحسنات أمثال الجبال، ولكنه ظلم الخلق كما أخبر النبي ﷺ : (أكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، ولطم هذا، وقذف هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا فنيت حسناته أخذ من سيئاته فطرحت عليه فطرح في النار). هنا يقول الله : (حتى أقصه منه، حتى اللطمة، قلنا: كيف وإنما نأتي الله عراة غرلاً بهماً؟ قال: بالحسنات والسيئات)، هذا المفلس هو المسكين يوم القيامة؛ لأنه وجد نفسه سيدخل الجنة، لكنه ظلم خلقاً كثيرين، فتؤخذ من حسناته لهذا ولهذا ولهذا، حتى تفنى حسناته كلها، فإن بقي عليه مظالم أخذ من سيئاتهم إلى سيئاته فيقذف في النار، فإياك إياك والظلم، واحذر من العناد والكبر، فهي معصية إبليس، فإياك أن تقتدي بإبليس، فقد قال لله عنه أنه قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء:٦١]، ما دمت قد خلقته من طين فأنا أحسن منه خلقتني من نار، فلماذا أسجد له؟ وهكذا تكبر إبليس، فكانت أول معصية يعصى بها الخالق سبحانه أن يستكبر إبليس عن الطاعة، فاحذر أن تقلده حتى لا تكون معه في النار. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة. أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3069

تفسير سورة الشورى [٢٥ - ٢٧] إن الله تعالى يقبل توبة العبد إذا تاب إليه توبة نصوحاً خالصة، مستشعراً الندم والحسرة على فعله، عازماً على ألا يعود إلى ذلك الذنب، بل ويبدل الله سيئاته حسنات، والله ذو الفضل العظيم. ولا يضر العبد إذا عاش فقيراً إذا كان طائعاً تائباً عابداً قانتاً، فالنبي ﷺ كانت تمر عليه الأهلة وما يوقد في بيته نار، وكان يربط الحجر على بطنه من الجوع، وهو سيد الأولين والآخرين صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

стр. 3070

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ * وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٥ - ٢٧]. قوله سبحانه: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ)، فالله توّاب رحيم سبحانه، فهو يتوب على عبده، والله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إلى الله ، فالله يستجيب له، قال النبي ﷺ كما في الحديث: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل)، وقال: (يستجاب لأحدكم ما لم يدعُ بإثم أو قطعية رحم)، فالله سبحانه يستجيب دعوات العبد ما لم يعجل في دعائه وطلبه من الله ، وما لم يدع بقطيعة رحم أو بإثم. (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) أي: يقبل فيتجاوز عن سيئاتهم وعن ذنوبهم. (وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ) هنا يخبر أنه يعفو عنها، فيمحو هذه السيئات ويجعلها كأنها لم تكن شيئاً، فيعفو الله عنها ويسامح في ذلك، ففضله على خلقه عظيم سبحانه، وأعظم السيئات هو الشرك، فإذا تاب العبد منه إلى الله تاب الله عليه. (وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) أي: يعلم ويقدر على المجازاة سبحانه، فيجازي العبد على ما يفعله.

стр. 3071

أحاديث تحث على التوبة وقد ذكرنا أحاديث عن النبي ﷺ في توبة الله سبحانه على عباده ومن هذه الأحاديث ما في صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس ﵄ قال: إن الناس من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا النبي ﷺ فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً﴾ [الفرقان:٦٨]، والآثام: هي عقوبة الإثم، ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٩ - ٧٠]. إن الله غفور رحيم، وعفو كريم، فهو يبدل السيئات حسنات، ويبدل الآثام بالحسنات، وهذا من فضله سبحانه، ويؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول الله لملائكته: أحضروا كبار وصغار سيئاته، فيأتي ببعض سيئات هذا العبد ويخفي عنه الباقي، والعبد يتذكر: عملت كذا وعملت كذا، فالله يقول له: عملت كذا؟ فيقول: نعم، وهو يعلم أن هناك ما هو أشد من ذلك، فالله يقول له: عملت كذا؟ فيعترف بذنبه أمام الله ، ويقول له: وعملت كذا؟ فيقول: نعم يا رب! كل ذلك وقد ستر الله عنه من كبائر ذنوبه؛ لأنه قد تاب في الدنيا، فالآن الله ستر عنه البعض وأراه البعض الآخر، فلما رأى ذلك من فضل الله سبحانه إذا بالله سبحانه يقول: قد عفونا عنك، وقد بدلناها لك حسنات، أي: فهذا الذي تراه أمامك الآن قد غفرناه لك، وبدلنا هذه السيئات حسنات، فإذا بالعبد يتطاول ويقول لله : هناك ذنوب ليست هاهنا، يعني: هناك معاصٍ أنا عملتها وليست مكتوبة، وذلك لما رأى أن السيئات تنقلب إلى حسنات، والله كريم يتفضل على عبده بالتوبة والمغفرة. فهذا الحديث فيه: أن أناساً جاءوا إلى النبي ﷺ وكانوا على الشرك، وقالوا: نحن في أيام الشرك عملنا كثيراً من السيئات، فقد قتلنا وسرقنا وزنينا وأكثرنا من ذلك، فهل إذا دخلنا في الإسلام سيفغر لنا ربنا أو ماذا سيفعل بنا؟ فأنزل الله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٧٠]، وأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، فالله يغفر الذنوب جميعاً، فإذا تبتم إلى الله ودخلتم في الإسلام، فالله يغفر الذنوب جميعاً سبحانه. ومن الأحاديث العظيمة ما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: (أن النبي ﷺ أخبر عن رجل ممن كانوا قبلنا قتل تسعة وتسعين نفساً فأراد أن يتوب، فذهب يبحث عن أعلم أهل الأرض، فدل على عابد من العباد، فذهب إليه فقال له: إني قتلت تسعة وتسعين نفساً فهل لي من توبة؟ فقال: ليس لك توبة، فقتله وكمل به المائة، ثم سأل فدلوه على عالم فذهب إليه وسأله: قتلت تسعة وتسعين نفساً وكلمت مائة فهل لي من توبة؟ قال: ومن يمنعك من التوبة؟ ولكن أنت في أرض أهلها أشرار، اترك هذه الأرض واذهب إلى مكان كذا؛ فإن فيه أناساً يعبدون الله، فاذهب فاعبد الله معهم، فخرج هذا الرجل من هذه الأرض إلى الأرض الأخرى ومات في الطريق، فإذا بالملائكة يختصمون فيه، فملائكة العذاب يقولون: لم يعمل خيراً قط، وملائكة الرحمة يقولون: إنه خرج تائباً، فأوحى الله إلى الاثنين أن قيسوا ما بينه وبين الأرضين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فإذا بالله يوحي إلى الأرض أن اقربي من هنا وابعدي من هنا، فوجدوه أقرب إلى أرض الرحمة فجعلوه من أهلها، فيقبض إلى رحمة الله سبحانه). فهذا قتل وأكثر، وتاب إلى الله فأدركته الرحمة فكيف بما دون ذلك من الذنوب؟! فإذا تاب العبد تاب الله عليه، حتى ولو كان قاتلاً ثم تاب فإن الله يرحمه، ولكن الغالب أن قاتل النفس لا يتوب. فإذا أدركت العبد التوبة من الله فالله يتوب عليه، أما إذا لم تدركه التوبة وافتخر بما فعل، وفعل هذا الشيء معانداً، وفرح بهذا الذي فعله من قتْل مؤمن بغير جرم وبغير حق، فهذا الذي جاء فيه الحديث الآخر عن النبي ﷺ قال: (ما كان الله ليجعل لقاتل مؤمن توبة). إن الإنسان الذي يعرف الإسلام ويعرف الحق، ويعرف أن هذا مؤمن ثم يذهب فيقتله بغير ذنب، أو يقتل إنساناً مؤمناً على شيء حقير من الدنيا لا يساوي أن يقتله من أجله، فنقول: رحمة الله تسع كل شيء، ولكن الله له الحكمة البالغة، فبحكمته سبحانه يلهم هذا التوبة فيتوب، ويحجب عن هذا التوبة فلا يتوب، فالله عليم حكيم والأمر راجع إليه ؛ لذلك فالعبد يخاف من الله ، وما يدريه إن قتل إنساناً فلعل الله لا يلهمه أن يتوب، ولكن من وقع في المعصية فنقول له: تب إلى الله ، والله يتوب على من تاب، لكن عليك أن تفكر إذا عملت معصية من يضمن لك أن ترجع إلى الله وأن تتوب، أو تعيش حتى تتوب؟ فلعلك تقع في المعصية ويقبضك الله عليها، فتموت على هذه المصيبة التي فعلت. فلذلك الإنسان المؤمن إذا وقع في المعصية فليتب إلى الله، وإذا لم يقع في المعصية فليقل لنفسه: من لي بالتوبة إذا وقعت في هذه المعصية، ولعلي أموت عليها فأكون من أهل النار، ولذلك فابتعد عن المعاصي، وإذا وقعت فتب وبادر بالتوبة إلى الله، فإنه هو الغفور الرحيم. فعلى المسلم أن يستشعر التوبة، وأن يستشعر بالجرم الذي وقع فيه، وأن يستشعر أنه وقع في شيء عظيم تجاه الله سبحانه، فإذا استشعر ذلك فتاب تاب الله عليه، وقد يعاود فيقع مرة ثانية ويستشعر بالذنب فيبادر بالتوبة، فالله جعل ملكين: ملكاً على اليمين وملكاً على الشمال، ملكاً يكتب الحسنات، والآخر يكتب السيئات، وجعل ملك الحسنات هو الأمير على ملك السيئات، فإذا وقع العبد في معصية يقول: ارفع يدك؛ لعله يتوب، فيرفع يده ست ساعات عن العبد لعله يتوب إلى الله، فإذا مات فلا يلومنّ إلا نفسه؛ لأنه هو الذي وقع في ذلك، فقد فُتح له الباب للتوبة فلم يتب إلى الله، فاستحق العقوبة. قال النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ فيما يحكي عن ربه سبحانه، قال: الله : (إذا أذنب العبد ذنباً فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، قال الله ﵎: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب ذنباً وتاب، فقال الله: علم عبدي أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، ثم أذنب العبد ذنباً ثالثاً ثم رجع تائباً إلى الله، فقال الله : أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، وفي الرابعة يقول الله: أذنب عبدي ذنباً فعلم أن له رباً يأخذ بالذنب ويغفر الذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك). فإذا وقع في الذنب علم أن الله سيعاقبه فيبادر سريعاً، وقد جاء في الحديث: (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، ولا يمكن ألا يقع الإنسان في حياته كلها في الذنب، ولكنه إذا أذنب رجع فتاب إلى الله، ويندم على ذنبه، ويستغفر على معصيته، ويعزم ألا يرجع إلى الذنب مرة ثانية، وإذا كان في حق إنسان رد المظلمة إليه واستحله، ففي هذه الحالة يكون تائباً حقيقة، فالتائب ليس هو الذي قال: أستغفر الله وكفى، بل التائب هو الذي يتوب ويندم ويبكي على خطيئته التي وقع فيها، ويعزم على ألا يرجع إليها مرة ثانية فهذا يستحق أن يتوب الله عليه، وكلما أذنب رجع، فكأن الله يقول له: إن كانت هذه عادتك: أنك إذا وقعت في الخطأ لم تتعمد هذا الخطأ، أو تعمدت فوقعت فيه وبادرت بالتوبة، فإذا فعلت ذلك ولو مراراً فسنغفر لك، فرحمة الله عظيمة واسعة، وكما جاء في الحديث: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل). والعبد يكون مع ربه بين الخوف والرجاء، بين الخوف من الذنوب، والخوف ألا يتوب الله عليه، وبين رجاء رحمة الله، فهو يرجو رحمته ويخاف عقابه، فإذا كان هكذا فهو جدير بأن يتوب توبة صادقة، وأن يغفر الله له، وفرق بين هذا وبين من ينوي العود إلى الذنب، وإذا تاب فإنما يستغفر الله باللسان، وأما القلب فلم يتحرك، ولم يندم، ولم يعزم على ترك الذنب، فالقول باللسان لا ينفعه عدم موافقة القلب، وليس داخلاً في هذا الحديث، وإنما هذا الحديث في التائب الصادق إلى الله سبحانه. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، يعلم ما تفعلون فيجازيكم على ما فعلتم.

стр. 3072

تفسير قوله تعالى: (ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات) قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى:٢٦]، السياق في ذكر رحمة رب العالمين سبحانه، ولذلك أكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: (يَسْتَجِيبُ) عائد إلى الله سبحانه، (ويستجيب) بمعنى: يجيب، وقالوا: أجاب واستجاب تأتي بمعنى واحد أحياناً، فهذا منها. إذاً: فالله يقبل، والله يعفو، والله يعلم، والله يستجيب، والأصل المعروف أن تكون الجملة هكذا: ويستجيب للذين آمنوا، ولكن قال هنا: ((ويستجيب الذين آمنوا))، فهي أحياناً تتعدى للمفعول بنفسها، وإن كان الغالب أنها تتعدى للمفعول باللام، فيقال: يستجيب لـ (كذا)، وقد تكون: يستجيب كذا، فيستجيب بمعنى يجيب، وكأن السين لاستدعاء الفعل منه سبحانه، وكأنهم طلبوا فاستجاب سبحانه لهم، تقول: طلبت من الله فأجابني، ودعوت الله فاستجاب لي. فقوله: ((يستجيب الذين آمنوا)) معناها: يجيب الذين آمنوا، فضُمِّن معنى الإعطاء. قالوا: ومن معانيها أيضاً: ليشفع بعضهم في بعض، فكأنهم يطلبون منه فيفعل، فيدخل بعضهم الجنة، ثم يطلع على النار فيجد فيها صديقه الذين كان معه في الدنيا وكان على الإسلام، ولكن عصى الله سبحانه، فيقول: يا رب! شفعني فيه، إنه كان صديقي في الدنيا، فيستجيب الله فيشفع هذا في هذا، ويخرج هذا من النار بشفاعة هذا فيه، فتأتي بمعنى: أنه يستدعي للذين آمنوا الإجابة، أي: يجيبهم فيما سألوه وطلبوه. وكذلك قد يأتي المعنى في قوله: (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا) على بابها وعلى أصلها، أي: فيستجيب المؤمنون لله، ويدخلون في دين الله طواعية، ويتابعون النبي صلوات الله وسلامه عليه، ويعملون بما أمر الله به، ويتركون ما نهى الله عنه، فيزيدهم الله من فضله، وإن كان المعنى الأول أجمل في أن الضمير في كل الأفعال السابقة عائد على الله سبحانه، فهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وهو يعلم ما تفعلون، وهو الذي يستجيب سبحانه، ويزيدهم من فضله سبحانه. (وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) إذاً فالذي يستحق الإجابة من الله وأن يعطيه سبحانه هو المؤمن الذي يعمل الصالحات؛ ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الكافر سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو غير ذلك إذا أسلم فحسن عمله، فالله يكفر عنه ما مضى، فالإنسان في كفره يقع في معاصٍ كثيرة، والكفر أعظم الذنب، فإذا أسلم وأحسن فالإسلام يهدم كل ما كان قبله. فإذا أسلم ولم يحسن، إذا أسلم وقال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكن ما زال يسرق، أو يزني، أو يقع في المعاصي فإنه يؤاخذ بهذه الذنوب، أي: بما يفعله الآن في الإسلام، وتنفعه لا إله إلا لله في أنه لا يخلد في النار، فإذا قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فإنها تنفعه يوماً من الدهر وإن أصابه قبل ذلك ما أصابه، إذاً فكلمة لا إله إلا الله تنفع كل مسلم حتى وإن دخل النار، وفي النهاية فالله سبحانه يخرجه من النار برحمته وشفاعة الشافعين ويدخله جنته سبحانه، وهؤلاء هم عتقاء الله من النار، لكنه قد يكون في النار إلى ما شاء الله، وهذا خلود دون خلود الكفار، فالكفار يخلدون في النار فإذا رأوا البهائم قد صارت تراباً قال أحدهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]، ولا يكونون تراباً، بل لا يزالون في النار أبد الآبدين، نسأل الله العفو والعافية. فيستجيب الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات، ((ويزيدهم من فضله)) أي: يعطيهم الحسنى ويزيدهم من فضله سبحانه. فالعبد يسأل ربه والله يستجيب له ويعطيه عطاء عظيماً، وعطاء يليق به، والعبد مهما تخيل الجنة فلن يصل إلى حقيقتها، وسيتخيل من البيئة التي هو فيها، ومن الأرض التي خلق عليها، فالإنسان عندما يرى بستاناً عظيماً جميلاً فيه من الثمار ما شاء الله فإنه يقول: هذا مثل الجنة، وهذا في تخيله هو وإلا فالجنة أعظم من ذلك بكثير، فليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، لكن الحقيقة أعظم بكثير، وانظر إلى أهل الجنة وهم يعطون من ثمار الجنة فيقولون: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة:٢٥]، فتشتبه مع الثمر السابق في المنظر فقط، وأما الطعم فشيء آخر خالص، فيقول الله سبحانه: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥] فالتشابه في المنظر، وأما الطعم فيختلف. فيعطيهم ما طلبوه ويزيدهم، والحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله سبحانه. (وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)، وأعظم فضله سبحانه على عباده: النظر إلى وجهه، وأعظم فضله سبحانه رضوانه، ولذلك جاء في الحديث أن الله يقول لأهل الجنة: (يا أهل الجنة! هل لكم من شيء تريدونه؟ فيقولون: يا رب! وماذا نطلب وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من العالمين؟! فيقول: اليوم أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً). وأما الكافرون فيقول الله سبحانه عنهم: (وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ)، وانظر إلى منظرهم في النار، قال تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٤]، تقول: فلان كلح وجهه، إذا اشتد قبح وجهه ولو أن إنساناً لفحته النار في وجهه -والعياذ بالله- فإن منظر وجهه سوف يتغير، ويحتاج إلى عدة عمليات تجميل حتى يرجع شيء مما كان عليه قبل ذلك، فالكفار إذا دخلوا النار كلحت وجوههم، فصاروا سود الوجوه، زرق العيون، عمياً في النار، فتحرقهم النار، فإذا بالشفة السفلى تنزل إلى صدر أحدهم، والشفة العليا تشمر إلى أعلى، فتخيل منظر إنسان بهذه البشاعة!! وأهل النار يوبخهم ربنا سبحانه بقوله: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٥]، ﴿فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الجاثية:٣١]، ألم تكن الآيات تتلى عليكم، فلماذا لم تتبعوا القرآن ولم تتبعوا الآيات؟ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٩ - ١١٠]، فقد كان الكفار المجرمون أهل النار يضحكون من المؤمنين ويسخرون منهم، وكم من إنسان أراد أن يصلي فيمنعه هؤلاء المجرمون بسخريتهم، وهؤلاء قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ * وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ * وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ [المطففين:٢٩ - ٣٣]، وفي يوم القيامة: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين:٣٤ - ٣٦].

стр. 3073

تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) يقول ربنا سبحانه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، فالله له الحكمة العظيمة البالغة، فثق بالله سبحانه سواء أعطاك قليلاً أم أعطاك كثيراً، كن على ثقة أن الله يفعل بك الخير، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء:٢٦ - ٢٨]، فربك الكريم سبحانه يقول لك: أنت ضعيف وأنا أريد أن أخفف عنك، فافعل ما آمرك به حتى أخفف عليك في الدنيا وفي الآخرة، حتى أخفف عنك الحساب يوم القيامة، فأنت ضعيف لا طاقة لك بعذاب الله سبحانه، ولا طاقة لك بأن يضيق عليك في الدنيا وفي الآخرة، فتب إلى الله سبحانه. (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ) ماذا سيكون؟ لو أن كل الناس صاروا أغنياء فهل سيحتاج بعضهم إلى بعض؟ وهل سينظر أحدهم إلى الثاني؟ وأين التكافل الاجتماعي بين الناس؟ لكن في حال وجود الضعيف مع القوي فالقوي يشفق على الضعيف ويحنّ له، ويميل إليه فيعطيه وينفق عليه، فالفقير يحب الغني الذي يعطيه، فيدعو له، فتكون هناك ألفة وترابط بين الناس، فالله بحكمته جعل العباد فيهم الضعيف والقوي، وفيهم الفقير والغني، وفيهم الصغير والكبير، وجعل الله العباد يحتاج بعضهم إلى بعض؛ حتى يوجد التكافل بين الناس، وتوجد المعاشرة والمحبة بينهم، ولا يستغني بعضهم عن بعض.

стр. 3074

بيان ما كان عليه النبي من الحاجة والمخمصة قال تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ) ماذا سيحصل؟ (لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ)، قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤] فالله هو الذي خلق الإنسان، وهو يعرف طبيعته، وطبيعته أنه إذا أعطي وصار غنياً فإنه يطغى ويبغي على خلق الله سبحانه، لذلك كان نبينا الكريم العظيم صلوات الله وسلامه عليه يدعو ربه ويقول: (اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني في زمرة المساكين)، فهذا حال النبي الذي لو طلب من ربه لجعله ملكاً من الملوك، وقد أنزل الله عليه جبريل فقال له: (إن ربك يخيرك: إن شئت عبداً نبياً، وإن شئت ملكاً نبياً، فنظر إلى جبريل يستشيره - والمستشار مؤتمن - فأشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: بل عبداً نبياً) فتواضع النبي ﷺ فيما طلب من ربه سبحانه، ورفض الدنيا، وفضل أن يجوع يوماً ويأكل يوماً، فإذا جاع سأل ربه، وإذا شبع حمد ربه سبحانه. وكان يخرج من بيته صلوات الله وسلامه عليه وقد استشعر الجوع الشديد، ولا شيء في بيته ﷺ ، فلا يوجد طعام يطعمه في بيته، فكان يمر عليه اليوم واليوم واليوم ولا يوجد في بيته شيء صلوات الله وسلامه عليه، وكان يربط على بطنه الحجر من شدة الجوع، وقد خرج يوماً فإذا بـ أبي بكر فقال: ما أخرجك يا أبا بكر؟ قال: الجوع يا رسول الله! وجاء عمر ﵁ فقال له: ما أخرجك؟ قال: أخرجني الذي أخرجكما الجوع، فمشى النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر حتى وصلوا إلى بيت رجل من الأنصار، فلما رأى النبي ﷺ فرح به ودعاه هو وأبا بكر وعمر، فجلسوا وآتاهم بعنقود من عناقيد حديقته فيه رطب، فأكل النبي ﷺ وأبو بكر وعمر، وجاء لهم بماء بارد فشربوا الماء وحمدوا الله، وإذا بالنبي ﷺ يقول: (والله لتسألن عن النعيم) أي: هذا من النعيم الذي تسألون عنه، فقال عمر يسأل النبي ﷺ : أي نعيم يا رسول الله؟! وإنما هما الأسودان التمر والماء، فقال النبي ﷺ : (هذا من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة)، فهذا النبي الكريم جعله الله سبحانه يجد أحياناً ولا يجد أحياناً، ويموت النبي ﷺ وقد مرت عليه شهور ولم توقد في بيته نار، ولم يطبخ في بيته شيء، ومن منا يمر عليه ستون يوماً ولم توقد النار في البيت لعمل الطعام والشراب؟!! فتُسأل عائشة: فما كان طعامكم؟ قالت: الأسودان - أي: السائد عندنا في المدينة - التمر والماء. وهذا أبو هريرة يطعم الناس الخبز، فقد عمل لهم فرناً وأوقف عليه خبازاً، وأبو هريرة كان من أفقر خلق الله في عهد النبي ﷺ ورضي الله عنه، وكان رجلاً قنوعاً، وقد تعلم القناعة من النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان أهم شيء عنده أن يطلب العلم من النبي ﷺ ، ويحفظ منه أحاديثه صلوات الله وسلامه عليه، فكافأه النبي ﷺ بأن دعا له أن يحفظ فلا ينسى، قال: (شكوت إلى النبي ﷺ أنني أنسى، فقال: ابسط ثوبك، فبسط ثوبه، فدعا النبي ﷺ ، ثم قال: اضمم عليك ثوبك، فضم عليه ثوبه، قال: فما نسيت بعد ذلك شيئاً حفظته)، فـ أبو هريرة استحق المكافأة مع أنه لم يكن من السابقين المهاجرين، فإسلامه كان متأخراً، فقد أسلم في عام خيبر، ومع ذلك حفظ من الأحاديث ما لم يحفظه غيره ﵁، وصار راوية الإسلام ﵁، فأحب الدين، وأحب الله، وأحب رسول الله ﷺ ، فأحبه الرسول ﷺ ، وأكرمه، وجعله قريباً منه ليسمع منه أحاديثه الكثيرة التي يقولها، ودعا له أنه لا يحبه إلا مؤمن، وفعلاً ما من مؤمن يرى أبا هريرة إلا ويحب أبا هريرة ﵁، وما من مؤمن يسمع لـ أبي هريرة إلا ويحب أبا هريرة، ومن أبغض أبا هريرة فلا يستحق أن يكون مؤمناً. فـ أبو هريرة رضوان الله ﵎ عليه كان فقيراً، ولما مات النبي ﷺ أغناه الله ، ومع ذلك لم ينسَ الفقر، ولم ينسَ أنه كان فقيراً، وكان يقول للناس: مات رسول الله ﷺ ولم يأكل النقي من الخبز. فـ أبو هريرة كان يطعم الناس الخبز، ويقول لهم: مات النبي ﷺ ولم يطعم ولم يأكل من هذا صلوات الله وسلامه عليه، فعرف ما كان عليه النبي ﷺ وأخبر به، والمؤمنون الفقراء يتأسون به، ولما فتحت عليه الدنيا ﷺ ما وضعها في جيبه، ولم يدخرها، وإنما أنفق لله سبحانه، وكان يأخذ ما يقوت أهله، والباقي ينفقه على المؤمنين وعلى ضيوفه، حتى إنه قبل أن يتوفى فتح الله عليه، فصار له نصيب من المغنم، ونصيب من الفيء، فكان له فدك وغيرها، فيقول: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة) أي: ما تركناه فهو صدقة، فلا يورث مال النبي ﷺ ، فأنفق ماله كله مما فتح الله عليه في سبيل الله، والمسلمون كذلك كان لهم من المغانم، ويموت أحدهم وله أموال، وله بيوت، ويرثه أهله، وأما النبي ﷺ فلم يكن كذلك، فقد توفي ﷺ وكل ما تركه صدقة على المسلمين، فلم يأخذ شيئاً حياً ولا ميتاً صلوات الله وسلامه عليه، ولا ترك لأهله إلا محبة المسلمين والدعاء لهم، وما جعله الله لهم في كتابه . إذاً: لو بسط الله الرزق لعباده لبغوا، ولكن جعل منهم فقراء وأغنياء، فالفقير يرى أن النبي ﷺ مات وليس عنده شيء صلوات الله وسلامه عليه، ومات ودرعه مرهونة عند رجل من اليهود في أوساق من شعير، وإذا لم يدفع أحد الثمن فإن اليهودي سيبيع هذه الدرع ويأخذ منها ثمن الشعير، ولكن قضى عنه علي ﵁ دينه بعد وفاته ﷺ ، واسترد هذه الدرع من اليهودي، فمات النبي ﷺ وهو على هذه الحالة، مات ودرعه مرهونة عند يهودي. والسبب الذي جعل النبي صلوات الله وسلامه عليه يشتري من اليهودي أن اليهودي سيطلب حقه من النبي ﷺ ، ولم يشتر من المسلم شفقة وخوفاً أن المسلم لا يأخذ ماله، أو إذا مات النبي ﷺ فإن المسلم يستحي أن يقول لأهل النبي ﷺ : أين حقي؟ فسيقولون: ما ترك لنا النبي ﷺ ، فيستحي المسلم أن يأخذ حقه، وأما اليهودي فلن يستحيي، فمات النبي ﷺ ودرعه مرهونة عند اليهودي حتى فكها علي رضي الله ﵎ عنه. والغرض من هذه القصص بيان ما كان عليه النبي ﷺ ، فلا يحزن المؤمن إذا وجد نفسه فقيراً، وإذا بات جائعاً، أو بات عارياً، وإن كان هذا نادراً ما يحدث، ولكن الله يفعل بعباده ما يشاء. نسأل الله من فضله ورحمته في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصلّ اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3075

تفسير سورة الشورى الآية [٢٧] إن المتأمل في حال الناس يجد فيهم الغني والفقير، والموسع عليه ومن قدر عليه رزقه، فيقف عقله حائراً أن يجد لذلك تفسيراً؛ إذ كل الناس على هيئة وخلقة واحدة، لكن لما كان الله تعالى يسمى بالحكيم ويتصف بالحكمة كشف لنا في هذه الآية سبب ما نراه من تفاوت في الرزق ولماذا لا يكون كل الناس أغنياء؟ فبين الله أنه لو بسط الرزق للعباد لكان ذلك سبباً في بغيهم في الأرض وطغيانهم وعدوانهم على بعضهم، لكن الحكيم الخبير يعلم ما يصلحهم فينزل الرزق بقدر ينتفي معه طغيانهم وفسادهم جميعاً في الأرض، وذلك مقتضى حكمته وخبرته جل وعلا.

стр. 3076

تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]. يخبرنا الله بفضله وبرحمته وبعلمه وبقدرته أنه يحكم في خلقه بما يشاء، ويقدر لهم أرزاقهم بالنحو الذي تجري به حكمته وعلمه، فلو أنه بسط للعباد جميعهم ووسع عليهم لبغوا في الأرض، ولو أنه ضيق على الجميع لقنطوا من رحمة الله تعالى، ولكن يبسط الرزق فيفتح لمن يشاء ويقدر ويقبض ويضيق على من يشاء، وكل ذلك بعلمه وبقدرته وبحكمته . فالله يخبرنا أنه لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض، والبغي هو الطغيان، وهو أشد الظلم. والبغي أن الإنسان يطلب ما عند غيره لنفسه قهراً وظلماً وعدواناً، فلو أن الله بسط الرزق لعباده جميعهم لكانوا كلهم أغنياء وما احتاج أحد إلى أحد. وإذا لم يستشعر الإنسان حاجته إلى جاره كانت العداوة والبغضاء، وكان كل منهما يريد أن يأخذ ما عند الآخر. لكن الله يحوج العباد بعضهم إلى بعض؛ ليتعطافوا فيما بينهم، ولتكون بينهم المودة والرحمة، والحاجة والانتفاع. فلله سبحانه حكمة في أن ضيق على فلان، ووسع على فلان؛ ولذلك الذي يعطيه الله شيئاً فليرض بما قسمه الله، سواء كان هذا الشيء قليلاً، أو كان كثيراً. فالله لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ما يشاء، فالرزق نازل من السماء، وخزائن الله ملأى يعطي لعباده بقدر، فيعطي هذا ويضيق على هذا لحكمة منه ولقضاء وقدر حكيم من الرب جل وعلا، فأنت تدعو ربك: يا رب، يا رب! فيصعد الدعاء وينزل الرزق من السماء. فالله يحب من عبده أن يسأله، فلعله ضيق عليك لتقول: يا رب، يا رب! وترفع يديك إلى الله ، فيصعد صوتك إلى السماء، فيجيبك الله ، ويجازيك وينزل عليك الرزق ، كما قال النبي ﷺ : (من أحب أن يستجاب له وقت البلاء فليكثر من الدعاء في الرخاء). فصوتك مسموع في السماء في وقت الرخاء تدعو ربك، وتشكره، وتثني عليه سبحانه؛ فعندما يضيق بك الأمر تجد ما عند الله من فرج قريباً جداً من حيث لا تحتسب، قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢ - ٣]. فالمؤمن يتقي الله سبحانه، ويتقي أن يغير الله عليه، ويتقي معاصي الله، فإذا ضيق الله عليه فهو راض في نفسه، وقد قال النبي ﷺ : (اقنع بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فبقناعتك بما أعطاك الله سبحانه تكن غنياً، ويجعل الله في قلبك الإيمان والحب له سبحانه. والقناعة أفضل من المال، وكم من إنسان يؤتيه الله المال وإذا به يطمع في غير الذي أعطاه الله سبحانه، وإذا به مع كثرة ما أعطاه الله سبحانه يبغي في الأرض، قال تعالى: ((وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ)) أي: لظلم بعضهم بعضاً، ونعرف ذلك من قوله سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧] فالإنسان وقتما هو فقير محتاج يقول: يا رب يا رب! ويظهر التعاون مع الناس والحب لهم والرحمة، وعندما يغنيه الله سبحانه إذا به يبطر نعمة الله، ويكون مع ربه كالعبد اللئيم مع سيده، فيعصي ربه سبحانه، ولا يطيع أمره ولا يعمل بما قاله الله سبحانه، وطغيانه عندما يرى نفسه استغنى، ويشعر أنه غني، ويترك الدعاء ويطغى على خلق الله، ويبغي في الأرض فساداً، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. وانظر في المقابل إلى هذا الإنسان الذي ذكره الله فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٠٧]، فعلينا أن نكون كهذا الثاني الذي يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١]، فالله اشترى منك نفسك واشترى منك مالك وأعطاك عوض ذلك الجنة، فقبل منك البيع وأعطاك العوض ورد عليك الثمن أيضاً. فانظر إلى فضل ربنا الكريم، طلبت منه الجنة ودفعت نفسك ودفعت مالك فقبلك، وأعطاك الجنة، وأعطاك نفسك، قال تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران:١٦٩]، فهم أحياء عند ربهم، قدموا أنفسهم لأجل الجنة، ودفعوا الثمن أموالهم، فإذا بالله يعطيهم الجنة التي أرادوها ويرد عليهم أرواحهم ليكونوا أحياء وغيرهم أموات في البرزخ. أما الذي يبيع نفسه للشيطان، ولا يقدم لله شيئاً إلا الكلام كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤]، وكما قال الشاعر: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب فقد كان المنافقون إذا أتوا إلى النبي ﷺ تكلموا كلاماً جميلاً عن الإسلام، فإذا خرجوا من عند النبي ﷺ إذا بهم يكفرون بالله، ويجدون جمالاً فأخذوها وسرقوها، ووجدوا قبيلة بينهم وبينهم نزاع فأحرقوا أموالهم، فأنزل الله يفضحهم بهذه الآية. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى﴾ [البقرة:٢٠٥] تولى: لها معنيان: تولى بمعنى أدبر، أي: رجع عما قال وأفسد في الأرض. أو تولى بمعنى: أصابته ولاية، فصار والياً وحاكماً، وله مركز عند الناس، فنسي ما كان يقول، كان يتكلم عن صلة الرحم فنسي ذلك. وإذا قيل لأمثال هؤلاء: اتقوا الله، تأخذهم العزة بالإثم، ويقول لك: أنت تعلمني! ويغضب وينفر منك. كان أصحاب النبي ﷺ إذا قيل لأحدهم: اتق الله، يقول: سمعنا وأطعنا، يخشع لله ﵎، لكن بعض الناس إذا قيل له: اتق الله، يقول: أنت تراني مجنوناً حتى تقول لي: اتق الله! وقد تقول لإنسان: هداك الله، فيقول لك: تراني ضالاً حتى تقول لي: هداك الله! يريد أن ينفذ ما يمليه عليه هواه. وهذا الإنسان الذي يسير وراء هواه، آخر أمره أنه باغ في الأرض، وأنه بغيض إلى الله ، والله لا يحب المفسدين. فمثل هؤلاء يقول الله سبحانه فيهم: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٧] أي: لصاروا بغاة ظالمين، يظلم بعضهم بعضاً. وقد جاء عن النبي صلوات الله وسلامه عليه أنه أخبر عن طمع ابن آدم فقال: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى له ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب)، فلو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لتمنى له ثانياً، ولو كان له واديان لتمنى ثالثاً ولا يقنع. وعندما يتفكر الإنسان في ذلك لو كان الوادي مليئاً بالذهب ماذا سيعمل به؟ ومتى سينفقه؟! لكن طمع الإنسان يجعله يتمنى أن يعيش كثيراً طالما أنه يوجد مال كثير وينسى ربه ، لكن التراب الذي خلق منه هو الذي سيملأ جوفه لا الذهب ولا الفضة، ومن تاب من الشره والطمع ومن المعاصي والبغي والإفساد في الأرض، ومن الحسد للخلق؛ فإن الله يتوب عليه.

стр. 3077

رزق الله تعالى لعباده بقدر قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]، فالرزق قضاء وتقدير من الله سبحانه ينزل بحساب منه، هذا يستحق كذا، وذاك يستحق كذا، والأرض الفلانية تستحق المطر؛ لأن أهلها يستحقون، والأرض الفلانية لا تستحق؛ لأن أهلها لا يستحقون، والأرض الفلانية لا تستحق، لكن سينزل عليها المطر من أجل أن فيها بهائم، وفيها من خلق الله من يحتاج إلى ذلك أما أهلها فلا يستحقون وهكذا. وقد جاء في الحديث في صحيح مسلم: (أن رجلاً كان يمر في صحراء إذ سمع صوتاً من السماء يقول: اسق حديقة فلان، فصار وراء السحابة، فسقت الحديقة، فإذا بالرجل ينادي صاحب الحديقة: يا عبد الله! ما اسمك؟ قال: ولم؟ فقال: أخبرني ما اسمك، فأخبره ثم قال: لم سألتني عن اسمي؟ قال: سمعت منادياً ينادي من السحاب: اسق حديقة فلان، فأخبرني ما الذي تصنعه؟ قال: أما إذ أخبرتني عن ذلك فإني إذا جمعت ثمار هذه الحديقة فآكل أنا وعيالي ثلثه، وأرد فيها ثلثه، وأتصدق بثلثه). فقد جعل لله حظاً في ماله مقداره ثلث المال، وإذا كان العبد يفعل ذلك فانظر كيف يصنع الله به ويعطيه من فضله هذا الخير وهذه البركة. وقد ذكر الله تعالى أصحاب حديقة آخرين وهم أصحاب الجنة، كان أبوهم رجلاً صالحاً وكان يعطي الفقراء والمساكين ويتصدق، فلما توفي أبوهم قال الأبناء: إن أبانا كان مبذراً، وكان سفيهاً، كان ينفق المال ويعطي الفقراء، وأي حظ للفقراء في هذه الحديقة؟ وقد ذكرنا أن الإنسان قد يعطيه الله فيطغى، وهؤلاء وجدوا الحديقة فيها ثمار كثيرة جداً، والفقراء يشاركونهم فيها، فقال الله عنهم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ [القلم:١٧ - ١٨]، فحلفوا أن يحصدوها في الصباح فإذا جاء الفقراء وقت الظهر لا يجدون شيئاً. ولم يستثنوا ولم يقولوا: إن شاء الله نصنع كذا، لكن أقسموا وهم قادرون، قال تعالى: ﴿وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم:٢٥]، (على حرد) أي: على انفراد عن الفقراء، وهم في أنفسهم يظنون أنهم قادرون على ذلك. قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ * فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ [القلم:١٩ - ٢٠]، حصدت قبل أن يحصدوها، وأخذها الله قبل أن يأخذوها، وأرادوا حرمان الفقراء فحرمهم الله، قال تعالى واصفاً حالهم: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ * فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ﴾ [القلم:٢٣ - ٢٦]، تائهون، ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم:٢٧ - ٢٨]، أي: أما قلت لكم: إياكم وهذا العمل السيئ، نزهوا ربكم سبحانه أن تتعاملوا معه معاملة اللئام، ألم أحذركم من ذلك؟ تذكروا: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ * فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ [القلم:٢٩ - ٣٠]، كل واحد يقول للآخر: أنت السبب، ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾ [القلم:٣١]، أي: قد طغينا أن وجدنا هذا الرزق العظيم فأحببنا الانفراد به، وظننا أنه من كدنا ومن تعبنا، ولمنا أبانا الذي توفي على ما كان ينفقه على الفقراء، فأصبحنا نحن الملومين وصرنا نحن والفقراء سواء. فحرمهم الله بسوء صنيعهم، وليس كل النفوس واحدة، فليس كل النفوس تشكر الله ، وتخرج لله طمعاً فيما عند الله، إنما الغالب في الإنسان الشح والبخل بما أعطاه الله، ولا يعطي الحقوق لأصحابها.

стр. 3078

تحذير النبي ﷺ من الدنيا وفي قوله تعالى: ((وَلَكِنْ يُنَزِّلُ))، قراءتان: قراءة الجمهور (ولكن ينزِّل)، وقراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: ((وَلَكِنْ يُنَزِلُ)). قال تعالى: ((وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا))، أي: طمع بعضهم في بعض، أفراداً وجماعات ودولاً، ويبغي بعضهم على بعض، ولكن الله يقدر ما يشاء وينزل بقدر ما يشاء . والنبي ﷺ يقول لأصحابه: (والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح عليكم الدنيا كما فتحت على الذين من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها)، وكان ما أخبر به النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذا حديث في الصحيحين. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (إن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله فقال: إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)، أي: أما وأنتم فقراء فلست خائفاً عليكم، إنما أخاف عليكم عندما تصبحون أغنياء (فقال رجل: يا رسول الله! أويأتي الخير بالشر؟)، يعني: الخير الذي هو فتح الدنيا، وما يرزقنا ربنا وينزل علينا من بركات من السماء ويفتح لنا الأرض، هل هذا الخير سيأتي بعده شر؟ (فسكت النبي ﷺ ، فقيل للرجل: ما شأنك تكلم النبي ﷺ ولا يكلمك؟ قال: فرأينا أنه ينزل عليه)، أي: جاء الوحي على النبي ﷺ فمسح عنه الرحضاء؛ لأنه لما كان ينزل عليه جبريل بالوحي من السماء كان يكون عليه ثقيلاً، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، ويكون في اليوم المطير يتصبب عرقاً كأنه في يوم شديد الحر صلوات الله وسلامه عليه. (ثم مسح عنه الرحضاء، فقال: أين السائل؟ وكأنه حمده على أن سأل النبي ﷺ ذلك، فقال: إنه لا يأتي الخير بالشر)، أي: فالعادة أن الخير تبعه الخير، لا الشر، فالمال نعمة من نعم الله تعالى لكن إذا كان في نفس الإنسان الطمع فهنا يأتي إليه الشر. ويضرب لنا هذا المثل صلوات الله وسلامه عليه فيقول: (وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم)، وفي رواية: (إنه كل ما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر)، والمعنى أنه عندما ينزل المطر يكون في الأرض جداول الماء، فينبت نبات كثير، وتأتي البهائم والمواشي والأغنام فتأكل كثيراً إلى أن يقوم الراعي بالانصراف بها، ولعل بعضها يأكل حتى يقتل حبطاً، والحبط: الانتفاخ، فإذا انتفخت ولم تخرج فضلاتها ماتت إلا أن يدركها صاحبها. وكذلك الإنسان في الدنيا يأكل المال، ولا يخرج زكاة ولا يعطي الفقراء ولا المساكين ولا يصل الرحم، إنما يجمع ويجمع ثم يحرس هذا المال، ويأكل إلى أن ينتفخ، فتجده غنياً عنده ملايين كثيرة ثم يصاب بالأمراض الكثيرة، يريد أكل اللحم كل يوم فيؤدبه الله بمرض النقرس المسمى داء الملوك، فيمنعه الطبيب من أكله، عندها يريد أن يأكل كل شيء، وفي آخر حياته يندم. سمعت أحد الممثلين وكان مليونيراً يقول: إنه يتمنى أن يأكل مثلما يأكل الناس فلا يقدر، بل يقدم ما يشتهيه من الطعام للناس يأكلونه أمامه وهو محروم. يقول: ليت الملايين التي عندي تذهب وترجع لي صحتي، ولو أعرف أن شيئاً يرجع لي ذلك لأنفقت فيه كل مالي. ونحن نقول: أما كان ذلك من أول شيء أن تعتدل في حياتك، وتطيع الله ، ولا تعصي ربك ، لأن الله يؤدب العباد. قال النبي ﷺ : (إلا آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت)، يعني: أن البقرة أكلت شبعها ثم استقبلت الشمس وعرقت وثلطت وبالت وانتفعت بهذا الذي أكلته. ثم يعقب على هذه الصورة وعلى هذا المثل فيقول ﷺ : (وإن هذا المال خضرة حلوة) أي: إن هذا المال هو كالنبات الذي للبهائم، فهو طعام وزرق إن استخدمه الإنسان استخداماً صحيحاً، قال النبي ﷺ : (ونعم صاحب المسلم لمن أخذه بحقه، فجعله في سبيل الله واليتامى والمساكين، ومن لم يأخذه بحقه فهو كالآكل الذي لا يشبع، ويكون عليه شهيداً يوم القيامة) أي: يكون شهيداً يوم القيامة على الذي يأخذه من غير حق، كأن يسرقه أو يحسد غيره ويتمنى زوال النعمة لتصير له، فيسعى في ذلك، ويبغي بغياً وظلماً وطغياناً وعدواناً. فيأخذ هذا المال من غير حقه، وينفقه في غير حله، فيكون كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيداً عليه يوم القيامة. فإذا ضيق الله على إنسان فليحمد الله سبحانه، وليطلب من الله، وليرض بما قسم الله له، كما قال النبي ﷺ : (ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس)، فإذا رضيت وقنعت فترضى عن الله سبحانه وتكون أغنى الناس بهذه القناعة، وقد علم النبي ﷺ أصحابه أن يقنعوا، وأن يرضوا بما أعطاهم الله سبحانه.

стр. 3079

قصة حكيم بن حزام ﵁ عند سؤاله النبي ﷺ مالاً وهنا قصة لـ حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه، إذ كان سيداً من سادات العرب، أسلم متأخراً وذهب إلى النبي صلوات الله وسلامه عليه ثم قال: (أعطني يا رسول الله، فأعطاه النبي ﷺ ، ثم رجع ثانية فقال: أعطني يا رسول الله! أعطاه النبي ﷺ ، ثم جاء ثالثة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى). أي: أن هذا المال مثل البقل الذي ينبت في الأرض، فتأكله المواشي، فالماشية تستحلي هذا الذي ينبت الربيع، وكذلك الإنسان يستحلي هذا المال، قال: (فمن أخذه بسخاوة نفس) جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (ما آتاك الله من هذا المال من غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه)، كما لو أن إنساناً أعطته الدولة جائزة فيأخذها، وكذلك لو أن إنساناً قال: سأعطيك هذا الشيء هدية، فاقبل طالما أنك لم تستشرف لها ولم تطلبها وهي من حلال، فخذها يبارك لك في ذلك، لكن لو أن الإنسان يقول: أنا أريد أكل كذا، أو أريد المال الفلاني، أو أريد فلاناً يهدي لي هدية، أو أريد هدية على لا شيء قدمته له، فهذا طالب مال من غير أن يبذل له منه شيء، فيقول لك: لا تطلب المال بهذه الصورة، لكن لو أتاك من غير مسألة ولا إشراف نفس فاقبله، وسيبارك لك فيه. وإذا كان الإنسان لحوحاً كثير المسألة يطلب المال من غير وجه حق لا يبارك له فيه، فلذلك قال النبي ﷺ : (فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه) فنفسه سخية، ليس طماعاً، ولا مستشرفاً، ثم يأخذ هذا المال ويصل به رحمه أو يدفع به حاجة ولا يقول: سأضعه في البنك لما تحصل لي حاجة ثم أصرفه. ولكن قال: سأنفق هذا المال، ومثلما أنتفع أنفع فلاناً وفلاناً. فهذا أخذه بسخاوة نفس، فهو يستحق البركة، فالله يبارك له فيه، فإذا أخذ مائة تصدق منها بثلاثين أو أربعين، وكأن المال لم ينقص منه شيء ببركة الله ﵎. وغيره يأخذ المائة وهو يستشعر الفقر والخوف، ألا تنتهي ولعلها تنتهي منه قدام عينيه سريعاً، فالله يبارك لسخي النفس المؤمن. قال: (ومن أخذه بإشراف نفس) بأن كان طماعاً، يحاول أن يأخذ المال الذي ليس من كسبه ولا من تعبه، مثل كثير من المتسولين يمد أحدهم يده ويطلب من الناس، ولا يعمل؛ لأنه يكسب في اليوم عشرة جنيهات أو عشرين جنيهاً أو أكثر من ذلك، فهو أحسن له في نظره، ففرق بين إنسان وإنسان، وينبغي للإنسان أن يعطي الفقراء الذين يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ويبحث عن هؤلاء في عائلته، أو جيرانه، وسيلاقي من يستحق العطاء، أما مثل هؤلاء المتسولين فالذي ينبغي في حقهم ألا يعودوا على هذا الفعل، وأن يتحرى في معرفة الصادق منهم فيعطى، أو يؤمرون بالذهاب إلى لجنة الزكاة ليعطوهم منها، وقد يتعاطف معهم البعض مع أن كثيراً منهم كذابون، وقد رأينا إحدى المتسولات ذهب معها إلى بيتها فوجد فيه حقائب متعددة، وفي واحدة فقط ثلاثة آلاف جنيه، أما الدفاع عنهم بغير وجه حق فلا داعي لذلك. وبالمناسبة أحياناً قد يأتي إلى المسجد بعض من يتعاطى الحشيش أو المخدرات أو الهروين ويقلب المسجد ويعمل إرباكاً للمصلين، فيقوم بعض الشباب بمنعه من دخول المسجد، ثم يسلمه إلى القسم، ثم تجد بعض الطيبين يعترض على ذلك، وهذا مما لا ينبغي. وقد يدخل المسجد من يسرق الأحذية، فإذا دعي عليه أو قبض عليه اعترض بعض هؤلاء، وكذلك هذا غير صحيح. ومرة كنا في جنازة وفي الدور الثاني للمسجد علق رجل جاكته، وفيه ألف جنيه، فأتى السارق وأخذها، فلما مسك هو أو صاحبه اعترض بعض أهل الخير وتحولت المشكلة من قبض على السارق إلى عراك بين هؤلاء. وحادثة أخرى دخل رجل المسجد ومعه سكين وفي عقله خلل، ويقول: أنا المهدي، وعلامة صدقي أني أشق أحدكم نصفين ثم أحييه. فبعض هؤلاء يقول: حرام عليك اتركه يصلي، ولو كنت ساجداً فقد يقطع رقبتك، فمثل هذا الاعتراض لا يصح. وحادثة وقعت في رمضان، أتى سارق فأخذ عشرين حذاءً من المسجد، ثم قبض على السارق، فجاء مجموعة من هؤلاء يقولون: حرام عليك، اتركه يذهب. لكن هو ليس حراماً عليه سرق الأحذية وترك الناس يذهبون إلى بيوتهم حفاة، وقد يمنع بعضهم من الصلاة في بيت الله سبحانه!! ومرة في صلاة الفجر جئت إلى المسجد فلقيت شخصاً لابساً حزاماً ويمسك السيف في يده، فكيف نصلي وهو واقف على رؤوسنا؟! فيأتي أحد هؤلاء ويقول: حرام عليكم لا أحد يمسكه. ومرة بعدها جاء السارق فأخذ فلوس أحد هؤلاء، فوقف يصيح ويقول: سرق مني فلوسي! فلماذا هذه المرة تصيح على فلوسك والمرة السابقة تقول: حرام عليك؟! فنحن جئنا إلى المسجد لنعبد الله ، والنبي ﷺ سأله أحد الصحابة فقال: (يا رسول الله! أرأيت إن جاء أحد يريد أخذ مالي، قال: لا تعطه)، يعلمنا الشجاعة والحفاظ على الكرامة، وإذا لم يكن الإنسان قوياً أخذ المجرمون ماله، والدولة اليوم لا تأخذ على أيدي المجرمين وأصحاب المخدرات والحشيش. فقد يأتي أحد هؤلاء ويقول: هات ما في جيبك، فإذا لم تكن قوياً ضاع مالك، ولا بد في بيوت الله أن يوجد من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]، ونحن لا نقول لك: اعتد على الناس، لكن إذا مسك من يؤذي فلا بد أن ينال جزاءه. وفي إحدى المرات بدأنا في صلاة المغرب، فدخل شخص يصيح ويتكلم بالكفر، وبعد الصلاة كل واحد انصرف، ولم يكلمه أحد. وكلنا يعلم المقولة المشهورة: إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فالمجنون الذي يدخل المسجد لا يقال له: اتق الله في المصاحف، وكذلك الذي يدخل ليسرق المصاحف من بيوت الله ، لا بد أن ينال جزاءه حتى يرتدع. وبعض الإخوة يأتي إلي ببعض السكارى متعاطي المخدرات، وعقله ضائع، ويقول: اجلس معه يا شيخ، ونحن لم نجد وقتاً نكلم العقلاء فكيف نكلم المجانين؟! والله تعالى يقول: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء:٤٣]. وهناك من يجد المجنون أو المصروع فيقول: اذهب به إلى الشيخ يقرأ عليه، ونحن نقول: اذهب إلى الطبيب يعالجه. ويوجد بعض الدجالين أحياناً يصلون معنا في المسجد ومعه كراسه مكتوب عليها عنوان مسجد نور الإسلام، وأي واحد صرع أو جن ذهب إليه، فاحذروا مثل هؤلاء. ونحن نؤمن بالعلاج بالقرآن ونصدق به، لكن عالج نفسك أنت بالقرآن، احفظ آيات الرقية وهي: فاتحة الكتاب و ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ))، و ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ))، و ((قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ))، ثم ارق نفسك، أما أن تذهب إلى الشيخ ليرقيك فليس عندنا دجل في المسجد، فإذا كنت متعلماً فارق نفسك، أو يرقيك أخوك، أو أبوك، أما المسجد فلا يفعل فيه هذا الشيء. وسبب انتشار هذه الظاهرة: أن بعض الناس لا يجد عملاً فيأخذ حقيبته ويضع فيها مسجلاً؛ لأنه ليس حافظاً للقرآن، ويحمل عصاه، فإذا جاء إليه المريض فتح التسجيل وبدأ يضربه بالعصا وقد يقتله، وكم قرأنا في الجرائد مثل ذلك. فنحن هنا ندرس دين الله ، وندرس التفسير العلمي الصحيح، والمعجزات الكونية التي ذكرها العلماء، أما أن نسأل عمن يعالج ويقرأ القرآن فما السبب أن يخرج العفريت بقراءة الشيخ ولا يخرج بقراءتك؟! وما هو الفرق بينك وبينه؟ إنها عقول عجيبة جداً، وكم من إنسان قالوا: إنه جن، ثم عرض على الطبيب النفسي فشفي، لكن المشكلة أننا دخلنا في السحر، وفي الدجل، والكهانة. فاتقوا الله ﵎، وامنعوا مثل هذا الشيء. والأصل أن نحافظ على حرمة بيوت الله، وعلى قدسيتها، ونحافظ على أنفسنا تقرباً إلى الله بذلك. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3080

تفسير سورة الشورى [٢٧ - ٢٨] الله سبحانه هو الذي يبسط الرزق لعباده ويقدر، وله في ذلك الحكمة البالغة، وسوف يعود إليه الغني والفقير، وسيحاسب الشاكر والصابر والجاحد لنعمته، وهو الذي ينزل الغيث فهو في علمه سبحانه لا يعلمه إلا هو، ويرحم عباده ويشكر إذا شكروا، ويحمد نفسه إذا بطروا وكفروا.

стр. 3081

تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. وقفنا في سورة الشورى عند قول الله : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]. الله حكيم سبحانه، والله خبير وبصير، يرى عباده سبحانه ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم سبحانه، وهو الخبير سبحانه، العالم بخفايا النفوس، وبخفايا ما يكنه العباد، وقد ذكرنا لله الأسماء الحسنى كما ذكر في كتابه، فمن أسمائه سبحانه: العليم، والخبير، والشهيد، وكلها راجعة إلى علم الله ، والعليم أعم، والخبير يختص بالعلم بما خفي، والشهيد يختص بالعلم بما ظهر، فهو العليم، وهو الخبير، وهو الشهيد ، وهو اللطيف، فعلمه دقيق خفي ومعه يصرف ويدبر الأمور بلطفه، وبرفقه، وبرحمته، فهو اللطيف بعباده ، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة). لذلك ينبغي أن نتأمل في أسمائه الحسنى، وأن نحصيها ونعدها، ونحفظها، وأن نتأمل في معانيها ونستخدمها في أوقاتها فيما تطلب من دعاء، فتستخدم الاسم في المناسبة التي تدعو بها وفي ذكر الله بهذا الاسم العظيم الله خبير، الله بصير، الله لطيف، الله عزيز .

стр. 3082

حكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، فهو يعلم ما الذي ينفعهم فيعطيهم ، وكل شيء يجري بحكمة الله، وهو أعلم بها، وقد يرى العباد مقتضى هذه الحكمة، وقد لا يرى الإنسان ما وراء ذلك، فالله أعلم بمن يستحق فيعطيه ، سواء بدى لنا ذلك الأمر أو لا، فهو الخبير ذو العلم الدقيق الذي هو أعلم بخفايا العباد وبالذي يستحقون، فترى الشيء أمامك وتتمنى له كذا، ولكن تجد في حقيقته في النهاية أنه ليس كما تظن، فالله يدبر أمر الخلق على ما يعرف هو، لا على ما تريد أنت، ولذلك كان النبي ﷺ يريهم أشياء من ذلك بتصرفه هو صلوات الله وسلامه عليه، فيعطي البعض من العباد من الزكاة ويعطيه من الصدقة، ويعطيهم هدية، ويتألفهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء بعض الصحابة ويقول: يا رسول الله! فلان أحوج، فلان هذا أولى من فلان، فيبين لهم النبي ﷺ أنه يعرف ذلك، يقول: (إني لأعطي القوم وغيرهم أحب إلي، ولكني أكلهم لإيمانهم). فهذا تصرف من النبي ﷺ ، والناظر إليه نظر إلى أنه لماذا فعل ذلك النبي ﷺ ؟ فلان هذا ليس هو الذي يستحق، وفلان الثاني أولى منه، فيقول: أعطي هؤلاء أتألفهم ليثبتوا، وليكونوا على الدين حتى لا يتزلزلوا ولا يتزعزعوا، وأترك فلاناً لأن إيمانه قوي، فهذا علم النبي ﷺ ، وعلمه علم بشر صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بعلم رب البشر ؟! قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٧]، وقال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالله بحكمته أعطى فلاناً ومنع فلاناً، فإن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر؛ لأنه إذا أغناه الله طغى وبطر وأشر، وصار ظالماً، وصار يأخذ أموال الناس مع أنه إنسان غني، فالله أعلم بأن هذا لا يصلح له إلا أن يكون فقيراً، وإن أراد الله به رحمة فيفقره، وإن أراد رحمه، فإن أراد شقاوته أعطاه من المال، وكل يجري بحكمته سبحانه، اختار لهذا الشقاوة ولهذا السعادة وهو أعلم ما الذي يستحقه العبد؛ لأنه هو الذي خلقه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢]، فهو أعلم بمن يستحق رحمته، ومن يستحق عذابه، وهو أعلم بنفوس العباد، فلذلك يعطي العباد ما يريد، يريد الله بعبده الرحمة، ويريد الله أن يجعله من أهل جنته، ويعلم أن هذا الإنسان لو كان غنياً فسيطغى في هذه الدنيا، فيجعله فقيراً ليرحمه . ويعلم أن فلاناً هذا لا يصلح له إلا الغنى؛ لأنه إذا أغناه الله سبحانه فهو يعطي وينفق في سبيل الله، فيعطيه الله وهو أعلم بعباده سبحانه، ويعلم من عباده أن فلاناً لو أغناه لصار ظالماً، ويريد الله شقاوته، والله أعلم بعباده، فيغنيه ويعطيه، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، فإذا به يأخذ ما أغناه الله به وينفقه فيما حرمه الله سبحانه؛ لينال قضاءه وقدره الذي قسمه الله له، عمل المعصية وهو على علم وبينة أنه عصى الله سبحانه. لذلك نقول: الله أعلم بنفوس العباد حين يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وحين يضيق على من يشاء سبحانه، ولذلك إذا أعطاك الله المال فاعلم أن هناك من يستحق، فأعط وأخرج زكاة مالك، وأخرج زكاة فطرك، وأخرج صدقة مالك، وأعط للقرابة، وأعط للجيران، وأعط للفقراء، وأنفق لله ، ولا تنس الحقوق التي أمرك الله أن تؤديها، وإذا ضيق الله عليك فاحمد الله بشرط أن تأخذ بالأسباب، تذهب إلى عملك، وتتعب نفسك وتحاول، فإذا ضيق الله عليك فهو أعلم سبحانه أن هذا هو القدر الذي ينفعك ويصلح لك، هو أعلم أنه لو أعطاك أكثر من ذلك لأطغاك فمنع الله عنك ذلك، فهو أعلم ما الذي تستحقه وما الذي يدخره لك عنده يوم القيامة. الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة، وأيام الآخرة مقدارها كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، فيدخل الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة سنة. فالإنسان المؤمن يصبر نفسه ويسلي نفسه بذلك، فهذا يوم عند الله بألف سنة، فأيامنا هذه لا تساوي شيئاً، ولذلك لما قيل لأهل الدنيا: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فإذا كان عمره خمسين سنة، أو مائة سنة وقارنه بيوم قدره خمسون ألف سنة، فإن عمره كله لا يساوي يوماً من أيام الآخرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] فهل ستضيع الخلود في الجنة بسبب يوم في الدنيا تحسبه يوماً طويلاً جداً، وهو عبارة عن أيام وليال وسنون قليلة تضيع في النهاية، وتذهب وتتساقط كأوراق الشجر وتذهب إلى ربك سبحانه لتقول: لبثنا يوماً؟ قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤] ويقولون: أو بعض يوم. إذاً: المؤمن إذا أعطاه الله من الدنيا عرف حق الله، وإذا منعه الله سبحانه فليحسن الظن بالله سبحانه أنه لا يمنعه إلا لمصلحة وراء ذلك لهذا العبد أن ينجيه من العذاب ويدخله جنته، ويمنع عنه الفتن في الدنيا، فإن رحمة الله عظيمة واسعة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧].

стр. 3083

طمع الإنسان في طلب الدنيا وجمع ما فيها ذكرنا أن الإنسان لو فتحت له الدنيا لطلب وطلب أكثر، ولا يشبع أبداًَ من الدنيا، وقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، فطالب العلم لا يشبع أبداً، كلما ازداد علماً كلما ازداد علماً بجهله، فيطلب أكثر وأكثر ويتعلم أكثر، وكلما ازداد علماً كلما ازداد تواضعاً، وازداد إحساناً وإحساساً بأنه يجهل الكثير. وطالب الدنيا كلما فتحت له الدنيا لم يشبع، يشيب ابن آدم ويشب معه اثنان: حب المال، وطول العمر، فطالب الدنيا يريد أن يعيش في الدنيا، ويريد أن يطول عمره، وكلما كبر في السن كلما ازداد حرصاً على البقاء وحرصاً على الدنيا، والصغير كلما ازداد في السن كلما ازداد إرادة للعودة إلى الدنيا، إلا من ﵀ .

стр. 3084

التحذير من الدنيا والاغترار بها والله سبحانه يحذرنا من هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، أي: متاع يستمتع به المغرور، فتراه يستمتع بقوته، وتأتي عليه حالة المرض والضعف، ويستمتع بغناه وتأتي عليه حالات الضياع والفقر فيضيع غناه، ويستمتع بجماله ويأتي عليه الكبر والسن فيذهب الجمال، فهو يستمتع بالغرور لحظات ويضيع بعد ذلك ما استمتع به، فالحياة الدنيا زخرف وزينة، وقد أخذ النبي ﷺ أصحابه مرة ليريهم هذه الدنيا، أخذهم إلى مزبلة، أي: قمامة لقوم، وقال: هذه الدنيا، هذا ملحهم وهذا لحمهم، وهذا طعامهم، فالدنيا تتبهرج للإنسان وتتزين له، ويظن أنه حصَّلها، فإذا بها تسحب منه أو يسحب هو منها، هذه هي الدنيا، فإياك أن تفتنك مهما كان لك فيها من شيء، وإياك أن تطلب فوق ما يكفيك، وإذا أخذت ما يكفيك فاحمد الله، فإذا طلبت أكثر من ذلك فقد تطلبه من وجه حرام، فتضيع به. وقد عرفنا حديث حكيم بن حزام عندما سأل النبي ﷺ مرة، ومرتين وثلاثاً، فإذا بالنبي ﷺ يوقفه ويذكره صلوات الله وسلامه عليه، ويقول له: (يا حكيم! يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاء نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع). فالإنسان الذي يطلب ويقول دائماً: هات هات، ويمد يده وينهم عليها لن يستفيد منها بشيء، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى له ثالثاً، وفي النهاية لا يملأ جوفه إلا التراب، يموت وينزل قبره والتراب هو الذي سيملأ جسده وعينه، وفهم ذلك حكيم بن حزام ﵁، وكان من أشراف العرب رضي الله ﵎ عنه، فقال: (فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا) أي: لقد علمتني، فمن الآن حتى أموت لن أسأل أحداً شيئاً، وأنا سألتك أنت ولا أسأل أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، قال ذلك ووفى رضي الله تعالى عنه، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إلى العطاء، إذ كان يجعل العطاء للناس من الفيء ومن المغانم، فيأتي بـ حكيم بن حزام ويقول: خذ حقك الذي حصلت عليه من الجهاد وحقك في الفيء وفي الغنيمة، فيقول: لا، ويأبى أن يقبله، ومات أبو بكر وجاء عمر ﵄، فكان عمر ﵁ يدعو حكيماً ليعطيه فيأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر ﵁ للمسلمين: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه. ﵁، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي، ولم يأخذ من إنسان شيئاً، ولم يطلب من أحد شيئاً حتى حقه الذي هو له في بيت المال كان يرفض ويأبى أن يقبله ﵁؛ لأنه عاهد النبي ﷺ على ذلك. حكيم فعل ذلك وكثيرون فعلوا مثلما فعل حكيم، فكانوا لا يسألون أحداً شيئاً، فكان النبي ﷺ يبايع أصحابه على ألا يسألوا أحداً شيئاً، فكان أحدهم تقع عصاه وهو راكب على جمله فينيخ الجمل وهو راكب فوقه وأمامه أناس لو طلب منهم أن يعطوه العصا لأعطوه، فإذا سألوه قال: بايعت رسول الله ﷺ على ألا أسأل أحداً شيئاً، هذه هي بيعتهم، فقد بايعهم على أن يكونوا شرفاء في أنفسهم ولا يطلبون من أحد شيئاً، وبايعهم على أن ينزهوا أنفسهم عن مطامع الدنيا ولا يسألون أحداً من هذه الدنيا طالما أنهم يقدرون عليها، فكانوا على ذلك حين فتحوا الفتوح ولم ينبهروا، فتحوا ديار كسرى وديار قيصر ورأوا الذهب والمجوهرات، ورأوا ما فيها من أشياء فلم ينبهروا بها، ولم يمد أحد يده على شيء يأخذه لنفسه، وإنما يرجع كله للأمير ليقسم بين الناس المغانم والفيء بحق الله سبحانه الذي جعله لهم. ومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن)، وتعجب لهذا الشيء؛ إذ خاف على الناس من القرآن وخاف على الناس من اللبن، قال النبي ﷺ موضحاً ذلك: (أما اللبن فيبتغون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات)، فهذا رجل عنده إبل وعنده بقر، فيأخذ إبله أو بقره فيرعاها بعيداً ويخرج من المدينة، فإذا جاء وقت الصلاة تركها، أو يصليها خارج المدينة، فتراه لا يريد أن يبتعد أكثر عن العشب، وتراه يخاف على بقره وعلى إبله، فيخرج ويبعد عن المدينة شيئاً فشيئاً حتى يترك الصلوات الخمس من أجل أن تدر إبله أو بقره اللبن، وبذلك يحافظ على إدرارها للبن فلا تضمر ضروعها، فيترك الصلوات حتى لا يصلي إلا الجمعة فقط، ثم بعد ذلك يترك الجمعة والجماعة، ولذلك قال لهم: أخاف عليكم اللبن، وليس كل الناس عندهم لبن، وليس كل الناس عندهم بقر، إنما هذا مثال يقول فيه النبي ﷺ : الشيء الذي سيشغلك عن صلواتك احذر منه. فمن الناس من يقول يوم الجمعة: سأصلي الجمعة في مسجد كذا، فترى كل واحد يوسوس للآخر فيقول: هيا نصطاد وهو يوم جمعة، فيخرج ليصطاد، ويستحلي الصيد في النهار، فيبعد عن المسجد ويقترب من شاطئ البحر ويدخل ليصطاد فيضيع صلاة الجمعة، وهكذا كل يوم جمعة يضيع الجمعة، وهذا هو الذي خاف منه النبي ﷺ عليكم، وهكذا كلما اغتر الإنسان بشيء من حطام الدنيا منى نفسه بما شاء فيضيع الصلوات، ويضيع الجماعة والجمعة، ونسي الإنسان نفسه بعدما كان مواظباً على الصلوات، فالنبي ﷺ يخاف عليكم اللبن، وقس على ذلك غيره. قال: (والقرآن)، أي: أخاف على أمتي القرآن، قال ﷺ : (يتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين). يتعلم المنافق القرآن، كما ينزل المطر على أرض خصبة فتنبت نباتاً حسناً، وإذا نزل المطر على أرض غير طيبة أنبتت نباتاً غير طيب، والقرآن مطر ورحمة من الله ينزل على الجميع، فالإنسان الذي نفسه طيبة ينتفع بهذا القرآن، ويخاف الله سبحانه، والإنسان الذي نفسه خبيثة لا يخاف الله فيتعلم القرآن ليجادل به، فكان يخاف النبي ﷺ على المؤمنين من جدال المنافقين، يخاف عليهم أن يقال فيهم: فلان شيخ، وهذا الشيخ يفتي بأن البنوك حلال، ولذلك ضاق النبي ﷺ على أمته ممن يتأول القرآن، فتراه يتأول حديث النبي ﷺ الذي صرح فيه بمنع بناء المساجد على القبور، يقول ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فهذا النبي ﷺ حذر أصحابه، فيتعلم الإنسان القرآن ويتعلم شيئاً من سنة النبي ﷺ ، ولكنه يدخل في الشرك بالله سبحانه. فتراه يقول ببناء المسجد على القبر، ويقول: ليس في ذلك شيء، بل يتطاول أحدهم ويقول: هذه سنة، وأنتم تميتون السنة أماتكم الله، ونحن نعرف أن النبي ﷺ لم يبن مسجداً على قبر في حياته، وأما قولك: قياساً على المسجد النبوي، فالنبي لم يفعل ذلك ﷺ ، ولم يجرؤ أحد من المسلمين أن يرفع مقام النبي ﷺ أو يرفع جسده ﷺ من قبره ليذهب به إلى مكان آخر، وهو الذي أخبر أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن حيث مات ﷺ ، وحين وسع الصحابة مسجد النبي ﷺ أخذوا يتحرون أن يتسع المسجد بعيداً عن قبره ﷺ ، حتى انتهى عهد الصحابة وجاء من جاء بعدهم فوسع المسجد وأدخل فيه قبر النبي ﷺ ، وليس هناك أحد يصلي إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه بحيث يكون خلف قبره صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: قبره ﷺ لا يقاس عليه غيره، فقد حذر أن يتخذ قبره وثناً يعبد صلوات الله وسلامه عليه، كما كان أهل الجاهلية يفعلون عند الأصنام وعند التماثيل، فعندما يأتي إنسان ويتعلم من القرآن ويقول: يا أخي! قال الله في أهل الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، فنقول له: هذا شرع من قبلنا، ولا يكون شرعاً لنا، فإن شرعنا شرع مخصوص جاء إلينا ليعم الأمة من عهد النبي ﷺ إلى قيام الساعة، ونسخ ما قبله من الشرائع، فكل ما كان قبلنا منسوخ بشرعنا، وكذلك هل في الآية أن المؤمنين فعلوا ذلك؟ ومن الذي قال ذلك؟ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١]، فولاة الأمور هم الذين قالوا هذا الشيء، وهل ولاة الأمور في كل عصر كانوا على علم بالسنة أو على علم بالقرآن؟ إذاً الذي فعل هم الذين غلبوا على أمرهم، فإن كانوا مؤمنين فهذا شرع من قبلنا وليس شرعاً لنا، إنما شرعنا كلام النبي ﷺ وهو يقول محذراً من ذلك: وهو في آخر حياته، وهو ﷺ في مرض وفاته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا أني أحذركم من ذلك)، فيجيء الإنسان ويقول: لا، إنما يقصد ألا تذهب وتسجد له، وهل كان هناك سجود لأحد بعد مجيء النبي ﷺ ؟ نقول: إن معاذ بن جبل ذهب إلى الشام ثم جاء إلى النبي ﷺ وهو في المدينة، فأول ما رأى النبي ﷺ سجد على الأرض قدام النبي ﷺ ، فقال ﷺ : (ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله! وجدتهم يفعلون ذلك لكبرائهم وأنت أولى، فقال الن

стр. 3085

تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا) قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، (ينزل) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: (وهو الذي يُنْزِلَ) وقراءة باقي القراء بالتثقيل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ)، و (الغيث): المطر العظيم الذي يغيث الله به العباد، يخرجهم من ضنك وضيق وقحل ومحل إلى نعمة وخصب، وإلى إخراج ما أنزل الله عليه المطر من ثمرات، ومن نبات أغاثه الله سبحانه. ويستحيل أن يقدر مخلوق من مخلوقات الله أن يأتي بالمطر أو بالغيث إلا أن يشاء الله ، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى:٢٨]، فينزل الغيث الذي يغيث، فقد تأتي سحابة في السماء وتنزل مطراً قليلاً لا ينبت شيئاً، ولا يكون من ورائه شيء، فهذا مطر، والإنسان يحاول فقد حاولوا في أمريكا وفي اليابان وغيرها أن ينزلوا مطراً، وهم يعلمون أن الله هو الذي ينزل الغيث، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤]. فإنزال الغيث ليس للناس فيه شيء، وإنما الأمر إلى الله ، فقد حاولوا أن ينظروا كيف ينزل هذا المطر، فعرفوا أن ذرات التراب يتجمع عليها بخار الماء حتى يتكثف ويتثاقل عليها، ثم يكون هناك ثقل بزيادة معلومة، فحاولوا أن يثقلوا هذه السحابة بشيء حتى تعمل وتنزل علينا المطر، وفعلوا ذلك ونزل عليهم مطر على شكل رذاذ، لكن ليس هو الذي خلق السحاب، ولا هو الذي كثف الماء في السحاب، ولا هو الذي أعطاها وقتها للإنزال، السحابة وصلت درجة امتلأت فيها وانتظرت إذن الله ، فجاءت الأسباب وثقلت فنزل المطر حيث يشاء الله سبحانه، فما الذي يصنعونه هم؟ لقد حاولوا خلق الجنين في المرأة الحامل، والله هو الذي خلق الجنين، وهو الذي كونه، وأوجده، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٥٠]، فإذا جاء وقت الجنين وهم منتظرون الشهر التاسع وتعسرت المرأة في الولادة قالوا: سنفتح بطنها، أنتم أخذتم بسبب من الأسباب فقط، فلا أنتم الذين خلقتم الجنين، ولا أنتم الذين أوجدتموه، بل الله هو الذي أوجد كل شيء، ولذلك أرادوا عمل شيء مكلف جداً، وهو البحث عن سحابة وتفجيرها بصاروخ، ومن الممكن أن ينزل المطر وقد لا ينزل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [لقمان:٣٤]، وحده : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤]. فعلم إنزال الغيث متى ينزل؟ وكيف ينزل؟ وعلى من ينزل؟ وكيف يقسم؟ الله وحده عنده علم ذلك، وهي آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى:٢٨]، قد يقنط الإنسان من الرحمة، ويصاب باليأس إذا لم يكن هناك مطر، وانظر إلى البلاد التي إذا منع الله عنها المطر كيف يصنعون؟ هناك بلد قريب منا جداً في جنوب الغرب منا وهي النيجر، تعيش هذه الأيام في مجاعة شديدة جداً، إذ منع الله عنهم المطر سنة واحدة، فلم تثمر الحقول شيئاً، فإذا بهم يبحثون عن الطعام ويموت الكثير منهم جوعاً، ويحدث لهم هزال شديد جداً، وتفشى المرض فيهم، فأخذوا يبحثون عن الطعام في جحور النمل، يبحثون عن مكان تجمع النمل ليأخذوا الحبوب، نسأل الله أن يفرج عن عباده الهموم ويرفع عن عباده البلاء، ونسأله أن يرفع عن المسلمين في كل مكان مقته وغضبه سبحانه، وأن يسقيهم من فضله . قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا)، إن بلادنا هذه حينما تقرأ في التاريخ أتى عليها زمان لم يجدوا ما يأكلون فيه، وقد ذكر الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام وغيره أن حفنة من القمح كانت تباع بمثلها من الذهب، من المجاعة الشديدة في ذلك التاريخ، قال: حتى أكل الناس كل شيء وأكل بعضهم بعضاً، كانوا يحملون الميت ويذهبون به إلى المقابر وقبل أن يصل إلى المقابر يكون الناس قد أخذوه وأكلوه، وفي الشام حدث ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله. فالله على كل شيء قدير، ونحمد الله سبحانه على فضله، ونحمده على رحمته، ونحمده على ما ينزل علينا من بركات من طعام ومن شراب، فقد رأينا مثل هذه الأشياء، ونسأل الله أن يرفع عن المسلمين ما هم فيه. قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ)، ورحمة الله صورها عظيمة وكثيرة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فينشر المطر وينزل برحمة الله على البلاد، فيخرج بها ما يشاء الله من ثمرات ونبات، ومما يستفيد منه الخلق، ينشر رحمته ويبثها في كل مكان. قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ)، يختم الله الآية باسم من أسمائه الحسنى سبحانه (الولي) أي: مولاك، الذي يتولى أمرك، ويدبر أمورك، فتوكل على الله سبحانه فهو وليك، قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وانظر لجمال أسمائه الحسنى وكيف يختم بها الآيات، يقول لك: لا تخف أنا ربك، أنا أتولى أمرك، أنا أدبر لك ما تحتاج إليه، وأشدد عليك لترجع إلي ولتدعوني، فأنا أفعل بك الخير وأصرف أمورك، وأكون وكيلك، فالله هو الولي الحميد ، وهو المحمود وإن لم تحمده أنت، وإن لم يحمده خلقه، فالله الحميد المستحق لذلك، أنزل على العباد من نعمه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وإن كفروا وجحدوا النعمة فإن الله يقول: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، ويصبر ويحلم عن عباده. فهو الحميد الذي يحمد نفسه، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢]. فالله سبحانه هو الولي الذي يتولى أمر عباده ويغيثهم وينجيهم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٦٣]، فإذا أنزل عليكم الغيث فاحمدوا الله واشكروه على نعمه سبحانه، فإذا فعلتم زادكم من فضله سبحانه، وإن لم تفعلوا فاحذروا من عذاب الله، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →