Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
تفسير قوله تعالى: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وقفنا في سورة الشورى عند قول الله : ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧].
الله حكيم سبحانه، والله خبير وبصير، يرى عباده سبحانه ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم سبحانه، وهو الخبير سبحانه، العالم بخفايا النفوس، وبخفايا ما يكنه العباد، وقد ذكرنا لله الأسماء الحسنى كما ذكر في كتابه، فمن أسمائه سبحانه: العليم، والخبير، والشهيد، وكلها راجعة إلى علم الله ، والعليم أعم، والخبير يختص بالعلم بما خفي، والشهيد يختص بالعلم بما ظهر، فهو العليم، وهو الخبير، وهو الشهيد ، وهو اللطيف، فعلمه دقيق خفي ومعه يصرف ويدبر الأمور بلطفه، وبرفقه، وبرحمته، فهو اللطيف بعباده ، قال النبي ﷺ : (إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة).
لذلك ينبغي أن نتأمل في أسمائه الحسنى، وأن نحصيها ونعدها، ونحفظها، وأن نتأمل في معانيها ونستخدمها في أوقاتها فيما تطلب من دعاء، فتستخدم الاسم في المناسبة التي تدعو بها وفي ذكر الله بهذا الاسم العظيم الله خبير، الله بصير، الله لطيف، الله عزيز .
стр. 3082
حكمة الله تعالى في تقسيم الأرزاق
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧]، فهو يعلم ما الذي ينفعهم فيعطيهم ، وكل شيء يجري بحكمة الله، وهو أعلم بها، وقد يرى العباد مقتضى هذه الحكمة، وقد لا يرى الإنسان ما وراء ذلك، فالله أعلم بمن يستحق فيعطيه ، سواء بدى لنا ذلك الأمر أو لا، فهو الخبير ذو العلم الدقيق الذي هو أعلم بخفايا العباد وبالذي يستحقون، فترى الشيء أمامك وتتمنى له كذا، ولكن تجد في حقيقته في النهاية أنه ليس كما تظن، فالله يدبر أمر الخلق على ما يعرف هو، لا على ما تريد أنت، ولذلك كان النبي ﷺ يريهم أشياء من ذلك بتصرفه هو صلوات الله وسلامه عليه، فيعطي البعض من العباد من الزكاة ويعطيه من الصدقة، ويعطيهم هدية، ويتألفهم النبي صلوات الله وسلامه عليه، فيجيء بعض الصحابة ويقول: يا رسول الله! فلان أحوج، فلان هذا أولى من فلان، فيبين لهم النبي ﷺ أنه يعرف ذلك، يقول: (إني لأعطي القوم وغيرهم أحب إلي، ولكني أكلهم لإيمانهم).
فهذا تصرف من النبي ﷺ ، والناظر إليه نظر إلى أنه لماذا فعل ذلك النبي ﷺ ؟ فلان هذا ليس هو الذي يستحق، وفلان الثاني أولى منه، فيقول: أعطي هؤلاء أتألفهم ليثبتوا، وليكونوا على الدين حتى لا يتزلزلوا ولا يتزعزعوا، وأترك فلاناً لأن إيمانه قوي، فهذا علم النبي ﷺ ، وعلمه علم بشر صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بعلم رب البشر ؟! قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:٧]، وقال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، فالله بحكمته أعطى فلاناً ومنع فلاناً، فإن من عباد الله من لا يصلحه إلا الفقر؛ لأنه إذا أغناه الله طغى وبطر وأشر، وصار ظالماً، وصار يأخذ أموال الناس مع أنه إنسان غني، فالله أعلم بأن هذا لا يصلح له إلا أن يكون فقيراً، وإن أراد الله به رحمة فيفقره، وإن أراد رحمه، فإن أراد شقاوته أعطاه من المال، وكل يجري بحكمته سبحانه، اختار لهذا الشقاوة ولهذا السعادة وهو أعلم ما الذي يستحقه العبد؛ لأنه هو الذي خلقه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [التغابن:٢]، فهو أعلم بمن يستحق رحمته، ومن يستحق عذابه، وهو أعلم بنفوس العباد، فلذلك يعطي العباد ما يريد، يريد الله بعبده الرحمة، ويريد الله أن يجعله من أهل جنته، ويعلم أن هذا الإنسان لو كان غنياً فسيطغى في هذه الدنيا، فيجعله فقيراً ليرحمه .
ويعلم أن فلاناً هذا لا يصلح له إلا الغنى؛ لأنه إذا أغناه الله سبحانه فهو يعطي وينفق في سبيل الله، فيعطيه الله وهو أعلم بعباده سبحانه، ويعلم من عباده أن فلاناً لو أغناه لصار ظالماً، ويريد الله شقاوته، والله أعلم بعباده، فيغنيه ويعطيه، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، فإذا به يأخذ ما أغناه الله به وينفقه فيما حرمه الله سبحانه؛ لينال قضاءه وقدره الذي قسمه الله له، عمل المعصية وهو على علم وبينة أنه عصى الله سبحانه.
لذلك نقول: الله أعلم بنفوس العباد حين يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وحين يضيق على من يشاء سبحانه، ولذلك إذا أعطاك الله المال فاعلم أن هناك من يستحق، فأعط وأخرج زكاة مالك، وأخرج زكاة فطرك، وأخرج صدقة مالك، وأعط للقرابة، وأعط للجيران، وأعط للفقراء، وأنفق لله ، ولا تنس الحقوق التي أمرك الله أن تؤديها، وإذا ضيق الله عليك فاحمد الله بشرط أن تأخذ بالأسباب، تذهب إلى عملك، وتتعب نفسك وتحاول، فإذا ضيق الله عليك فهو أعلم سبحانه أن هذا هو القدر الذي ينفعك ويصلح لك، هو أعلم أنه لو أعطاك أكثر من ذلك لأطغاك فمنع الله عنك ذلك، فهو أعلم ما الذي تستحقه وما الذي يدخره لك عنده يوم القيامة.
الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم من أيام الآخرة، وأيام الآخرة مقدارها كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، فيدخل الفقراء قبل الأغنياء بخمسمائة سنة.
فالإنسان المؤمن يصبر نفسه ويسلي نفسه بذلك، فهذا يوم عند الله بألف سنة، فأيامنا هذه لا تساوي شيئاً، ولذلك لما قيل لأهل الدنيا: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون:١١٣]، فإذا كان عمره خمسين سنة، أو مائة سنة وقارنه بيوم قدره خمسون ألف سنة، فإن عمره كله لا يساوي يوماً من أيام الآخرة، قال تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ [المؤمنون:١١٣] فهل ستضيع الخلود في الجنة بسبب يوم في الدنيا تحسبه يوماً طويلاً جداً، وهو عبارة عن أيام وليال وسنون قليلة تضيع في النهاية، وتذهب وتتساقط كأوراق الشجر وتذهب إلى ربك سبحانه لتقول: لبثنا يوماً؟ قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤] ويقولون: أو بعض يوم.
إذاً: المؤمن إذا أعطاه الله من الدنيا عرف حق الله، وإذا منعه الله سبحانه فليحسن الظن بالله سبحانه أنه لا يمنعه إلا لمصلحة وراء ذلك لهذا العبد أن ينجيه من العذاب ويدخله جنته، ويمنع عنه الفتن في الدنيا، فإن رحمة الله عظيمة واسعة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى:٢٧].
стр. 3083
طمع الإنسان في طلب الدنيا وجمع ما فيها
ذكرنا أن الإنسان لو فتحت له الدنيا لطلب وطلب أكثر، ولا يشبع أبداًَ من الدنيا، وقد جاء في حديث النبي ﷺ أنه قال: (اثنان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا)، فطالب العلم لا يشبع أبداً، كلما ازداد علماً كلما ازداد علماً بجهله، فيطلب أكثر وأكثر ويتعلم أكثر، وكلما ازداد علماً كلما ازداد تواضعاً، وازداد إحساناً وإحساساً بأنه يجهل الكثير.
وطالب الدنيا كلما فتحت له الدنيا لم يشبع، يشيب ابن آدم ويشب معه اثنان: حب المال، وطول العمر، فطالب الدنيا يريد أن يعيش في الدنيا، ويريد أن يطول عمره، وكلما كبر في السن كلما ازداد حرصاً على البقاء وحرصاً على الدنيا، والصغير كلما ازداد في السن كلما ازداد إرادة للعودة إلى الدنيا، إلا من ﵀ .
стр. 3084
التحذير من الدنيا والاغترار بها
والله سبحانه يحذرنا من هذه الدنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥]، أي: متاع يستمتع به المغرور، فتراه يستمتع بقوته، وتأتي عليه حالة المرض والضعف، ويستمتع بغناه وتأتي عليه حالات الضياع والفقر فيضيع غناه، ويستمتع بجماله ويأتي عليه الكبر والسن فيذهب الجمال، فهو يستمتع بالغرور لحظات ويضيع بعد ذلك ما استمتع به، فالحياة الدنيا زخرف وزينة، وقد أخذ النبي ﷺ أصحابه مرة ليريهم هذه الدنيا، أخذهم إلى مزبلة، أي: قمامة لقوم، وقال: هذه الدنيا، هذا ملحهم وهذا لحمهم، وهذا طعامهم، فالدنيا تتبهرج للإنسان وتتزين له، ويظن أنه حصَّلها، فإذا بها تسحب منه أو يسحب هو منها، هذه هي الدنيا، فإياك أن تفتنك مهما كان لك فيها من شيء، وإياك أن تطلب فوق ما يكفيك، وإذا أخذت ما يكفيك فاحمد الله، فإذا طلبت أكثر من ذلك فقد تطلبه من وجه حرام، فتضيع به.
وقد عرفنا حديث حكيم بن حزام عندما سأل النبي ﷺ مرة، ومرتين وثلاثاً، فإذا بالنبي ﷺ يوقفه ويذكره صلوات الله وسلامه عليه، ويقول له: (يا حكيم! يا حكيم! إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاء نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع).
فالإنسان الذي يطلب ويقول دائماً: هات هات، ويمد يده وينهم عليها لن يستفيد منها بشيء، ولو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى له ثالثاً، وفي النهاية لا يملأ جوفه إلا التراب، يموت وينزل قبره والتراب هو الذي سيملأ جسده وعينه، وفهم ذلك حكيم بن حزام ﵁، وكان من أشراف العرب رضي الله ﵎ عنه، فقال: (فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لا أرزأ أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا) أي: لقد علمتني، فمن الآن حتى أموت لن أسأل أحداً شيئاً، وأنا سألتك أنت ولا أسأل أحداً بعدك شيئاً حتى أفارق الدنيا، قال ذلك ووفى رضي الله تعالى عنه، فكان أبو بكر ﵁ يدعو حكيماً إلى العطاء، إذ كان يجعل العطاء للناس من الفيء ومن المغانم، فيأتي بـ حكيم بن حزام ويقول: خذ حقك الذي حصلت عليه من الجهاد وحقك في الفيء وفي الغنيمة، فيقول: لا، ويأبى أن يقبله، ومات أبو بكر وجاء عمر ﵄، فكان عمر ﵁ يدعو حكيماً ليعطيه فيأبى أن يقبل منه شيئاً، فقال عمر ﵁ للمسلمين: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، إني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه.
﵁، فلم يرزأ حكيم أحداً من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي، ولم يأخذ من إنسان شيئاً، ولم يطلب من أحد شيئاً حتى حقه الذي هو له في بيت المال كان يرفض ويأبى أن يقبله ﵁؛ لأنه عاهد النبي ﷺ على ذلك.
حكيم فعل ذلك وكثيرون فعلوا مثلما فعل حكيم، فكانوا لا يسألون أحداً شيئاً، فكان النبي ﷺ يبايع أصحابه على ألا يسألوا أحداً شيئاً، فكان أحدهم تقع عصاه وهو راكب على جمله فينيخ الجمل وهو راكب فوقه وأمامه أناس لو طلب منهم أن يعطوه العصا لأعطوه، فإذا سألوه قال: بايعت رسول الله ﷺ على ألا أسأل أحداً شيئاً، هذه هي بيعتهم، فقد بايعهم على أن يكونوا شرفاء في أنفسهم ولا يطلبون من أحد شيئاً، وبايعهم على أن ينزهوا أنفسهم عن مطامع الدنيا ولا يسألون أحداً من هذه الدنيا طالما أنهم يقدرون عليها، فكانوا على ذلك حين فتحوا الفتوح ولم ينبهروا، فتحوا ديار كسرى وديار قيصر ورأوا الذهب والمجوهرات، ورأوا ما فيها من أشياء فلم ينبهروا بها، ولم يمد أحد يده على شيء يأخذه لنفسه، وإنما يرجع كله للأمير ليقسم بين الناس المغانم والفيء بحق الله سبحانه الذي جعله لهم.
ومن الأحاديث التي جاءت عنه ﷺ ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال: (إني أخاف على أمتي اثنتين: القرآن واللبن)، وتعجب لهذا الشيء؛ إذ خاف على الناس من القرآن وخاف على الناس من اللبن، قال النبي ﷺ موضحاً ذلك: (أما اللبن فيبتغون الريف، ويتبعون الشهوات، ويتركون الصلوات)، فهذا رجل عنده إبل وعنده بقر، فيأخذ إبله أو بقره فيرعاها بعيداً ويخرج من المدينة، فإذا جاء وقت الصلاة تركها، أو يصليها خارج المدينة، فتراه لا يريد أن يبتعد أكثر عن العشب، وتراه يخاف على بقره وعلى إبله، فيخرج ويبعد عن المدينة شيئاً فشيئاً حتى يترك الصلوات الخمس من أجل أن تدر إبله أو بقره اللبن، وبذلك يحافظ على إدرارها للبن فلا تضمر ضروعها، فيترك الصلوات حتى لا يصلي إلا الجمعة فقط، ثم بعد ذلك يترك الجمعة والجماعة، ولذلك قال لهم: أخاف عليكم اللبن، وليس كل الناس عندهم لبن، وليس كل الناس عندهم بقر، إنما هذا مثال يقول فيه النبي ﷺ : الشيء الذي سيشغلك عن صلواتك احذر منه.
فمن الناس من يقول يوم الجمعة: سأصلي الجمعة في مسجد كذا، فترى كل واحد يوسوس للآخر فيقول: هيا نصطاد وهو يوم جمعة، فيخرج ليصطاد، ويستحلي الصيد في النهار، فيبعد عن المسجد ويقترب من شاطئ البحر ويدخل ليصطاد فيضيع صلاة الجمعة، وهكذا كل يوم جمعة يضيع الجمعة، وهذا هو الذي خاف منه النبي ﷺ عليكم، وهكذا كلما اغتر الإنسان بشيء من حطام الدنيا منى نفسه بما شاء فيضيع الصلوات، ويضيع الجماعة والجمعة، ونسي الإنسان نفسه بعدما كان مواظباً على الصلوات، فالنبي ﷺ يخاف عليكم اللبن، وقس على ذلك غيره.
قال: (والقرآن)، أي: أخاف على أمتي القرآن، قال ﷺ : (يتعلمه المنافقون فيجادلون به المؤمنين).
يتعلم المنافق القرآن، كما ينزل المطر على أرض خصبة فتنبت نباتاً حسناً، وإذا نزل المطر على أرض غير طيبة أنبتت نباتاً غير طيب، والقرآن مطر ورحمة من الله ينزل على الجميع، فالإنسان الذي نفسه طيبة ينتفع بهذا القرآن، ويخاف الله سبحانه، والإنسان الذي نفسه خبيثة لا يخاف الله فيتعلم القرآن ليجادل به، فكان يخاف النبي ﷺ على المؤمنين من جدال المنافقين، يخاف عليهم أن يقال فيهم: فلان شيخ، وهذا الشيخ يفتي بأن البنوك حلال، ولذلك ضاق النبي ﷺ على أمته ممن يتأول القرآن، فتراه يتأول حديث النبي ﷺ الذي صرح فيه بمنع بناء المساجد على القبور، يقول ﷺ : (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، يحذر من ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ويقول: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد)، فهذا النبي ﷺ حذر أصحابه، فيتعلم الإنسان القرآن ويتعلم شيئاً من سنة النبي ﷺ ، ولكنه يدخل في الشرك بالله سبحانه.
فتراه يقول ببناء المسجد على القبر، ويقول: ليس في ذلك شيء، بل يتطاول أحدهم ويقول: هذه سنة، وأنتم تميتون السنة أماتكم الله، ونحن نعرف أن النبي ﷺ لم يبن مسجداً على قبر في حياته، وأما قولك: قياساً على المسجد النبوي، فالنبي لم يفعل ذلك ﷺ ، ولم يجرؤ أحد من المسلمين أن يرفع مقام النبي ﷺ أو يرفع جسده ﷺ من قبره ليذهب به إلى مكان آخر، وهو الذي أخبر أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، وقد دفن حيث مات ﷺ ، وحين وسع الصحابة مسجد النبي ﷺ أخذوا يتحرون أن يتسع المسجد بعيداً عن قبره ﷺ ، حتى انتهى عهد الصحابة وجاء من جاء بعدهم فوسع المسجد وأدخل فيه قبر النبي ﷺ ، وليس هناك أحد يصلي إلى قبره صلوات الله وسلامه عليه بحيث يكون خلف قبره صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: قبره ﷺ لا يقاس عليه غيره، فقد حذر أن يتخذ قبره وثناً يعبد صلوات الله وسلامه عليه، كما كان أهل الجاهلية يفعلون عند الأصنام وعند التماثيل، فعندما يأتي إنسان ويتعلم من القرآن ويقول: يا أخي! قال الله في أهل الكهف: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ [الكهف:٢١]، فنقول له: هذا شرع من قبلنا، ولا يكون شرعاً لنا، فإن شرعنا شرع مخصوص جاء إلينا ليعم الأمة من عهد النبي ﷺ إلى قيام الساعة، ونسخ ما قبله من الشرائع، فكل ما كان قبلنا منسوخ بشرعنا، وكذلك هل في الآية أن المؤمنين فعلوا ذلك؟ ومن الذي قال ذلك؟ ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ [الكهف:٢١]، فولاة الأمور هم الذين قالوا هذا الشيء، وهل ولاة الأمور في كل عصر كانوا على علم بالسنة أو على علم بالقرآن؟ إذاً الذي فعل هم الذين غلبوا على أمرهم، فإن كانوا مؤمنين فهذا شرع من قبلنا وليس شرعاً لنا، إنما شرعنا كلام النبي ﷺ وهو يقول محذراً من ذلك: وهو في آخر حياته، وهو ﷺ في مرض وفاته: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ألا أني أحذركم من ذلك)، فيجيء الإنسان ويقول: لا، إنما يقصد ألا تذهب وتسجد له، وهل كان هناك سجود لأحد بعد مجيء النبي ﷺ ؟ نقول: إن معاذ بن جبل ذهب إلى الشام ثم جاء إلى النبي ﷺ وهو في المدينة، فأول ما رأى النبي ﷺ سجد على الأرض قدام النبي ﷺ ، فقال ﷺ : (ما هذا يا معاذ؟ فقال: يا رسول الله! وجدتهم يفعلون ذلك لكبرائهم وأنت أولى، فقال الن
стр. 3085
تفسير قوله تعالى: (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا)
قال : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى:٢٨]، (ينزل) فيها قراءتان: قراءة ابن كثير وأبي عمرو ويعقوب: (وهو الذي يُنْزِلَ) وقراءة باقي القراء بالتثقيل: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ)، و (الغيث): المطر العظيم الذي يغيث الله به العباد، يخرجهم من ضنك وضيق وقحل ومحل إلى نعمة وخصب، وإلى إخراج ما أنزل الله عليه المطر من ثمرات، ومن نبات أغاثه الله سبحانه.
ويستحيل أن يقدر مخلوق من مخلوقات الله أن يأتي بالمطر أو بالغيث إلا أن يشاء الله ، قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٢٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى:٢٨]، فينزل الغيث الذي يغيث، فقد تأتي سحابة في السماء وتنزل مطراً قليلاً لا ينبت شيئاً، ولا يكون من ورائه شيء، فهذا مطر، والإنسان يحاول فقد حاولوا في أمريكا وفي اليابان وغيرها أن ينزلوا مطراً، وهم يعلمون أن الله هو الذي ينزل الغيث، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان:٣٤].
فإنزال الغيث ليس للناس فيه شيء، وإنما الأمر إلى الله ، فقد حاولوا أن ينظروا كيف ينزل هذا المطر، فعرفوا أن ذرات التراب يتجمع عليها بخار الماء حتى يتكثف ويتثاقل عليها، ثم يكون هناك ثقل بزيادة معلومة، فحاولوا أن يثقلوا هذه السحابة بشيء حتى تعمل وتنزل علينا المطر، وفعلوا ذلك ونزل عليهم مطر على شكل رذاذ، لكن ليس هو الذي خلق السحاب، ولا هو الذي كثف الماء في السحاب، ولا هو الذي أعطاها وقتها للإنزال، السحابة وصلت درجة امتلأت فيها وانتظرت إذن الله ، فجاءت الأسباب وثقلت فنزل المطر حيث يشاء الله سبحانه، فما الذي يصنعونه هم؟ لقد حاولوا خلق الجنين في المرأة الحامل، والله هو الذي خلق الجنين، وهو الذي كونه، وأوجده، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا﴾ [الشورى:٥٠]، فإذا جاء وقت الجنين وهم منتظرون الشهر التاسع وتعسرت المرأة في الولادة قالوا: سنفتح بطنها، أنتم أخذتم بسبب من الأسباب فقط، فلا أنتم الذين خلقتم الجنين، ولا أنتم الذين أوجدتموه، بل الله هو الذي أوجد كل شيء، ولذلك أرادوا عمل شيء مكلف جداً، وهو البحث عن سحابة وتفجيرها بصاروخ، ومن الممكن أن ينزل المطر وقد لا ينزل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ [لقمان:٣٤]، وحده : ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان:٣٤].
فعلم إنزال الغيث متى ينزل؟ وكيف ينزل؟ وعلى من ينزل؟ وكيف يقسم؟ الله وحده عنده علم ذلك، وهي آية من آيات الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى:٢٨]، قد يقنط الإنسان من الرحمة، ويصاب باليأس إذا لم يكن هناك مطر، وانظر إلى البلاد التي إذا منع الله عنها المطر كيف يصنعون؟ هناك بلد قريب منا جداً في جنوب الغرب منا وهي النيجر، تعيش هذه الأيام في مجاعة شديدة جداً، إذ منع الله عنهم المطر سنة واحدة، فلم تثمر الحقول شيئاً، فإذا بهم يبحثون عن الطعام ويموت الكثير منهم جوعاً، ويحدث لهم هزال شديد جداً، وتفشى المرض فيهم، فأخذوا يبحثون عن الطعام في جحور النمل، يبحثون عن مكان تجمع النمل ليأخذوا الحبوب، نسأل الله أن يفرج عن عباده الهموم ويرفع عن عباده البلاء، ونسأله أن يرفع عن المسلمين في كل مكان مقته وغضبه سبحانه، وأن يسقيهم من فضله .
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا)، إن بلادنا هذه حينما تقرأ في التاريخ أتى عليها زمان لم يجدوا ما يأكلون فيه، وقد ذكر الإمام الذهبي في تاريخ الإسلام وغيره أن حفنة من القمح كانت تباع بمثلها من الذهب، من المجاعة الشديدة في ذلك التاريخ، قال: حتى أكل الناس كل شيء وأكل بعضهم بعضاً، كانوا يحملون الميت ويذهبون به إلى المقابر وقبل أن يصل إلى المقابر يكون الناس قد أخذوه وأكلوه، وفي الشام حدث ذلك ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالله على كل شيء قدير، ونحمد الله سبحانه على فضله، ونحمده على رحمته، ونحمده على ما ينزل علينا من بركات من طعام ومن شراب، فقد رأينا مثل هذه الأشياء، ونسأل الله أن يرفع عن المسلمين ما هم فيه.
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ)، ورحمة الله صورها عظيمة وكثيرة، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:١٥٦]، فينشر المطر وينزل برحمة الله على البلاد، فيخرج بها ما يشاء الله من ثمرات ونبات، ومما يستفيد منه الخلق، ينشر رحمته ويبثها في كل مكان.
قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ)، يختم الله الآية باسم من أسمائه الحسنى سبحانه (الولي) أي: مولاك، الذي يتولى أمرك، ويدبر أمورك، فتوكل على الله سبحانه فهو وليك، قال تعالى: (وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) وانظر لجمال أسمائه الحسنى وكيف يختم بها الآيات، يقول لك: لا تخف أنا ربك، أنا أتولى أمرك، أنا أدبر لك ما تحتاج إليه، وأشدد عليك لترجع إلي ولتدعوني، فأنا أفعل بك الخير وأصرف أمورك، وأكون وكيلك، فالله هو الولي الحميد ، وهو المحمود وإن لم تحمده أنت، وإن لم يحمده خلقه، فالله الحميد المستحق لذلك، أنزل على العباد من نعمه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] وإن كفروا وجحدوا النعمة فإن الله يقول: ﴿وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، ويصبر ويحلم عن عباده.
فهو الحميد الذي يحمد نفسه، قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ [الكهف:١]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر:١]، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٢].
فالله سبحانه هو الولي الذي يتولى أمر عباده ويغيثهم وينجيهم، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام:٦٣]، فإذا أنزل عليكم الغيث فاحمدوا الله واشكروه على نعمه سبحانه، فإذا فعلتم زادكم من فضله سبحانه، وإن لم تفعلوا فاحذروا من عذاب الله، نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكها إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3086
تفسير سورة الشورى [٢٩ - ٣١]
إذا تفكر الإنسان في خلق الله سبحانه عرف حقارة نفسه أمام خلق السماوات والأرض بما فيهما من مجرات ونجوم وكواكب، وقد خلق الله من الدواب في الكون ما لا يعلمها إلا هو سبحانه، ومن فضل الله وكرمه أن يبتلي الإنسان في نفسه أو ماله أو غير ذلك ليكفر عنه سيئاته، ويزيد له في حسناته.
стр. 3087
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دابة)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ * وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٢٩ - ٣٠].
إن خلق السموات والأرض من آيات الله لأولي الألباب، وآياته لقوم يعلقون، وقد ذكر الله خلق السموات والأرض في كتابه العزيز، وأخبرنا النبي ﷺ عن آيات من آيات الله ، وعن عظيم هذا الخلق، وأمرنا أن نتفكر في خلق السموات والأرض، ونهانا أن نتفكر في ذاته ، وأمرنا حتى نستدل على قدرته وعلى قوته وعلى عظمته أن نتفكر في آياته ، فالإنسان إذا تفكر في الذات الإلهية يأتي إليه الشيطان فيوسوس له، فنهانا عن ذلك، فنحن مأمورون بالتدبر في آيات الله لنعرف من هو الله سبحانه، فهو يخبرنا عن نفسه: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر:٢٣ - ٢٤].
إذاً: هو الذي يخبر عن نفسه سبحانه، ونحن نؤمن ونصدق، أما أن تتخيل ذلك فلا يجوز؛ لأنه لا تدركه الأفهام، ولا تبلغه الأوهام ، ومهما حاول الإنسان أن يتفكر فلن يصل إلى ذلك، فلذلك أمرنا أن نتفكر في آياته لنستدل على قدرته، وعلى قوته، وعلى عظمته، وعلى أنه وحده الرب الذي يستحق أن يعبد.
فمن آياته خلق السموات والأرض، وقد قال لنا في سورة البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:١٦٤].
أي: لمن عندهم عقول، وعندهم قلوب تعقل، وبصائر يرون بها آيات قدرة الله ، فيعقلون أنه لا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له.
وفي سورة آل عمران في آخرها يقول: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٨٩ - ١٩١].
إذاً: تدبروا في آياته وفي خلقه، وعلموا أن الله لم يخلق هذا عبثاً ولم يخلقه سدىً، وإنما خلقه لحكمة منه سبحانه، فتفكروا فيما وراء ذلك، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران:١٩١] إذاً: وراء ذلك حكمة الله، وقدرة الله، وعلم الله وأسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي قال لنا النبي ﷺ : (إن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة) فهم قد تأملوا في آياته، وتأملوا في أسمائه وصفاته، وعرفوا ربهم فقالوا: ما قدرناك حق قدرك، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام:٩١] .
هذا ربنا العظيم الذي يأمرنا أن نتأمل وأن نتفكر، وهذا نبينا صلوات الله وسلامه عليه الذي يخبرنا أن الأرض وما فيها إذا قورنت بالسموات ما هي إلا كحلقة في فلاة، أو قطرة في ماء، وإذا جمعت السموات والأرض وحاولت أن تعرف حجمها بجوار كرسي الله سبحانه لوجدت أن حجمها كحلقة في فلاة، وكلما ازداد الإنسان علماً كلما ازداد علماً بجهله، وقد سمعنا قبل ذلك قوله سبحانه: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣] أي: أنه الحق من عند الله، وأن هذا الكتاب حق، وأن النبي الكريم حق، وأن الساعة حق، وأن ما أنزل الله من السماء إلينا شريعةً ومنهاجاً هو الحق، قال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠].
стр. 3088
عظمة خلق الله تعالى في النجوم والأفلاك
أهل الفلك يحدثوننا عن أشياء نحن لا نعرفها، ولا يتبين لنا ما فيها، وإذا رأينا من يعد النجوم قلنا: هذا فارغ ليس لديه عمل، لكن أهل الفلك فرغوا لذلك وعدوا النجوم التي يرونها، وأخبرونا بما وراء ذلك، فأخبرونا أن أعدادها هائلة جداً، فتفكروا في خلق السموات والأرض حتى تعلموا من هو ربكم سبحانه الذي خلق ذلك، إذا قرأت ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥] عرفت علو الله وعظمته ، فأنت إذا نظرت إلى الأرض، ونظرت إلى الشمس بجوارها عرفت من علماء الفلك أنها بعيدة جداً عن السماء، وعن أطراف الكون الذي ندركه أو يدركونه هم، وعلى ذلك فلا تستطيع أن تدرك أبعاد هذا الكون الذي ندركه، فهل من الممكن أن يدرك الإنسان كم مساحة الكرة الأرضية التي نعيش عليها؟ إن الكون الذي نعيش فيه تملؤه هذه النجوم والأقمار والشموس ولا نستطيع أن نعرف حدوده، بل إن علم الفلك لم يصل إلى ذلك أبداً، وأهل هذا العلم يقولون: مستحيل أن ندرك ذلك، فهم يقيسون المسافات في هذا الكون، والمسافات بين النجوم بعضها البعض يقيسونها بالسنة الضوئية، قال الله تعالى في هذه النجوم: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة:٧٥] إنك ترى النجم على ما يجيء لك من الضوء فتقول: هي تحركت من مكانها وانتقلت إلى مكان آخر، فأنت ترى موقعها ولا ترى النجم نفسه، فالضوء يصل إليك من النجم في أربع سنوات ضوئية ونصف سنة ضوئية.
إن المسافات إذا كانت أضخم من ذلك بكثير فإنك لن تحسبها إلا بالثانية الضوئية، والسنة الضوئية، والثانية الضوئية معناها: المسافة التي يقطعها الضوء خلال ثانية واحدة إلى بعد ثلاثمائة كيلو متر.
إن الشمس تبعد عن الأرض بحوالي مائة وأربعين مليون كيلو متر، وهذا بعد واسع جداً، لكن قياساً على غيرها من النجوم فهو بعد بسيط جداً، فعندما نحسب بعد النجوم نحسبه بالسنة الضوئية، والسنة ثلاثمائة وستون يوماً، اضرب ثلاثمائة وستين يوماً في أربع وعشرين ساعة، ثم اضرب في ستين دقيقة، ثم اضرب في ستين ثانية، ثم تحصل على السنة الضوئية وتضربها في ثلاثمائة ألف كيلو متر، وبذلك تستنتج مسافة السنة الضوئية، فالسنة الضوئية تساوي تسعة وثلاثة من عشرة مليون كيلو متر، والمليون في المليون ترليون كيلو متر، إذاً: تسعة وثلاثة من عشرة ترليون كيلو متر، هذه هي السنة الضوئية، فإذا قيل لنا: إن هذا النجم في السماء يبعد عنا بمقدار أربع سنوات ونصف سنة ضوئية، فاضرب في تسعة وثلاثة من عشرة ترليون سيكون الناتج: أربعين ترليون كيلو متر بين هذا النجم وبيننا.
إن النجوم زينة للسماء الدنيا، ولا ندري كم بعدها في السماء الدنيا، وقد خلق الله سبع سموات، وقد استفتح النبي ﷺ ففتحت له باب السماء الدنيا، وسلمت عليه الملائكة ووجد فيها من رسل الله فلاناً وفلاناً والسماء الثانية مثلها، فهي سموات عظيمة جداً، وبعد الكون بعد عظيم شاسع واسع، يقول العلماء: يقدر قطر الجزء المدرك من الكون بأكثر من عشرين بليون سنة ضوئية، وهذا أعظم مما يتخيله الإنسان، وهو مخلوق خلقه الله.
وإذا أردنا أن نصنع آلة حديثة توصلنا إلى أبعد من ذلك لما استطعنا؛ لأن الكون يتسع، ودائرة الكون تكبر، فالكون تحت هذه السماء الدنيا، والسماوات فوق السماء الدنيا، والله سبحانه فوق السماوات، ويقول العلماء: إن أفلاك الكون تجري بسرعة الضوء، أي: ثلاثمائة ألف كيلو متر في الثانية الواحدة، ويقولون: هذا الجزء المدرك مستمر في الاتساع منذ لحظة الخلق الأولى للكون وإلى أن يشاء الله، وذلك بمعدلات فائقة تتباعد بها المجرات عن المجرة التي نحن فيها، فالمجموعة الشمسية بكل ما نراه حولنا في مجرة واحدة وتتباعد المجرات بعضها عن بعض، وتكاد تقرب من سرعة الضوء، وعلى ذلك يقول العلماء: فإننا كلما طورنا أجهزة الرصد والقياس وجدنا هذا الجزء من أطراف الكون المدرك قد تباعد واختفى عن إدراكنا! فانظر إلى قدرة الله في هذا الكون العظيم!! يقول العلماء: ويحصي علماء الفلك الجزء المدرك من الكون بحوالي مائتي ألف مليون مجرة، أي: مائتي مليار مجرة، هذا الذي تمكنوا من إحصائه، والمجرة التي نحن فيها يسمونها: مجرة درب التبانة، وفيها شموس وأقمار وفيها نجوم بعضها مثل الشمس وبعضها أكبر منها، وبعضها أصغر، ويقولون: المجرة التي نحن فيها وتنتمي إليها الأرض على هيئة قرص مفلطح، هذا القرص يبلغ قطره مائة ألف سنة ضوئية، وسمك هذه المجرة يبلغ عُشْر هذه القيمة وهو عشرة آلاف سنة ضوئية، والسنة الضوئية مقدارها تسعة وثلاثة من عشرة ترليون كيلو متر.
والمجرات تتخذ أشكالاً متعددة تحتوي على عدد من النجوم، والمجرة التي نحن فيها وتنتمي إليها الأرض تحتوي على عدد من النجوم يتراوح هذا العدد بين الألف مليون والترليون نجم، وذكروا أشياء كثيرة أكثر من ذلك، وغرضنا ليس هو إحصاءها، وإنما الغرض: أن هذا الكون واسع وفسيح جداً يحار له العقل ولا يدركه، وعندما يتسع الكون يضيع ما قد عرفنا قبل ذلك، كل هذا تحت السموات والأرض التي هي فوق هذا العالم، فإذا كان هذا الكون الذي خلقه الله ندرك بعضه ولا نقدر أن ندرك أكثر من هذا الذي أدركناه، والعلماء يقولون: إن هذا الكون ضخم جداً، وهناك تجمعات أخرى نحن لا نراها من هذه المجرات، ولم نستطع أن نصل إليها في هذا الكون؛ لأنها تبعد في كل وقت فيقف العقل البشري عاجزاً عن أن يصل إلى حجم الكون، وهو خلق من خلق الله سبحانه.
فإذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣] سبحانه الكبير باللام التي تفيد اختصاصه وحده سبحانه بهذه الصفة على عظمتها وعلى أحقيتها، فإذا قلنا: هذا الكون كبير، وفلان كبير، وفلان أكبر من فلان، فإننا نقول: الله هو الكبير، وهو أكبر من كل شيء سبحانه، فإذا دخلت في صلاتك وقلت: الله أكبر، أي: الله أكبر من كل شيء، وإذا واجه الإنسان معضلة من المعضلات أو مشكلة من المشكلات يصلي فيقول: الله أكبر من ذلك، الله الكبير سبحانه القادر على أن يحل المشاكل كلها ، فالله الكبير أكبر من كل شيء، وفوق كل شيء، وأنت لم تدرك من هذا الكون شيئاً، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
إن الإنسان في تخصصاته في الدنيا إذا تخصص في الطب ثم تخصص في شيء آخر كالسمعيات مثلاً، ثم في الزراعة، فهذا شيء صغير جداً أمام علم الله سبحانه، فالإنسان لا يحيط بشيء من علم الله في هذا الكون، ولهذا أخبرنا سبحانه أن من آياته خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ.
وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ [الغاشية:١٧ - ١٩]، أفلا ينظرون كيف خلقت هذه الأشياء؟ وقال لنا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] ولما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ قال: (لقد أنزلت علي الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها)؛ ولذلك إذا قرأت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة:١٦٤] فتأمل في خلق الله سبحانه تعرف قدرة ربك الذي أحاط بهذا كله علماً، فهذه الشموس، وهذه النجوم التي تمشي وتجري فتروح شمالاً ويميناً، وكلها تدور في هذا الكون بانتظام منسق، ويجعل الله لكل شيء أجلاً، فهذا النجم ينفجر، وهذا النجم يبدأ ميلاده كما قدره الله .
والإنسان حيث يشاهد هذا الكون يجد أن كل شيء يحييه الله ويميته سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥] , وقال تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن:٥ - ٧]، رفع هذه السموات، وأنزل لكم العدل في أرضه حتى تعدلوا وحتى تزنوا بالحق، وحتى لا تخسروا في الميزان، علمنا العدل الذي به قامت السموات والأرض، وقد قامت السموات والأرض بحساب دقيق عادل من الله سبحانه، ولو أن هذا الحساب فيه شيء من الخطأ لسقط الكون كله، ولتخبطت النجوم في بعضها، وهلك الكون، ولكن الكون موجود به ذلك، ولذلك يخبرنا ربنا سبحانه عن آية من آياته يسمونها: آية التمانع، قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢] فلو كان في الكون آلهة إلا الله لفسد هذا الكون، فنقول: دليل التمانع أنه إله واحد امتنع من الفساد، فالسموات لها نظام موحد، فالنجوم تطلع كل يوم من مكانها، والشمس من مكانها، والقمر يطلع على عادته، والأرض تسير في مكانها منذ أن خلقها الله سبحانه في فلكها، قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:٣٣] ولو كان هناك آلهة غير الله لقال إله للشمس: اطلعي، والآخر يقول: لا تطلعي، وذلك يقول للأرض: سيري من هذا المكان، والإله الآخر يقول: من هذا المكان، فلو كان ذلك لهلك الكون وفسد.
والعادة أن المركب فيه رُبَّان واحد، ولا يمكن أن يسيره ربانان، فهذا الكون العظيم هل يعقل أن فيه كذا إله يدبر أمر هذا الكون ويسيره؟! قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ * لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٢ - ٢٣].
قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) إذا قلنا: إن هذه الأرض التي نراها عظيمة وفسيحة بجوار السموات كحلقة في فلاة، وأن هذا الكون الذي حولك تحت السماء، فكيف تكون سما
стр. 3089
عظمة خلق الله تعالى فيما بث في السماء والأرض من دواب
قال الله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ) فهذه آية واحدة من الآيات الموجودة في الكون، فكونه يجعل لنا سبحانه النجوم الزاهرة في هذه السموات ويجعل لنا في هذه السموات ما نستدل به عليه، ومن الناس من يعرف أن هنا شرقاً وهنا غرباً بهذه النجوم، قال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] فأعطى الإنسان العقل حتى يفكر في ذلك فيهتدي إلى سبيله ويهتدي إلى خالقه .
وكذلك خلق الله في السموات دواباً لا نعلمها، يقول العلماء: أردنا أن نصعد كوكب الزهرة كي نعرف هل هناك مخلوقات لله سبحانه، أم أنه ليس هناك غيرنا في هذا الكون؟ فقمنا بتحليل تربة كوكب الزهرة لكي نعرف هل هناك أوكسجين أو ماء أم ليس هناك شيء من ذلك؟ فوجدناه محاطاً بالجليد، ولم نعرف من أين جاء هذا الجليد؟ فالله يبث ما يشاء من خلقه فيما يشاء ويخلق ما يشاء.
وقد علمنا أن السموات ما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك من الملائكة، وعلمنا أن الله جعل ملائكة في الأرض سياحين يسيحون في الأرض ويبحثون عن مجالس الذكر، ويحيطون بنا ويحفظوننا بأمر الله سبحانه، ونحن لا نرى هذه الملائكة، ولكننا نؤمن بها ونعلم أن قوتها أعظم منا بكثير، وأنهم: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فإذا تكلم الإنسان وقال: النجوم خالية فارغة ليس فيها أحد، فنقول: الله يخلق ما لا تعلمون، فالأرض حولنا فيها ملائكة وفيها جان وفيها شياطين، ونحن لا نرى شيئاً من ذلك، ونؤمن بوجود هذه الأشياء، فالله بث في السموات دواباً، وبث في الأرض دواباً، ونحن نعلم شيئاً ويخفى عنا الكثير، والله يعلم كل شيء .
فقوله تعالى: (وَمَا بَثَّ) أي: نشر، وقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ) أي: من دلائل قدرته وعظمته آية له، ومن معجزاته وعلامات قدرته ودلائل قوته سبحانه أن خلق السموات وخلق الأرض وبث في السموات والأرض دواباً، وكل ما يدب في مكان فهو دابة.
فقوله تعالى: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ) أي: من آيات الله سبحانه؛ فإذا حاولت وتأملت كم من الدواب على هذه الأرض وكم من الأجناس التي خلقها الله، فإن تحت كل جنس من هذه الأجناس أنواعاً، وتحت كل نوع أصنافاً، ويقسم العلماء هذه الأشياء ويحاولون حصر الأجناس، وما قدروا أن يحصروها، والحصر مستحيل لخلق الله سبحانه، والله يعلمها بأفرادها فرداً فرداً، وهذا الفرد ما فيه من أعضاء خلقها الله سبحانه يعلمها واحداً واحداً، ويعلم كيف تسير؟ وكيف تقوم؟ وكيف تنام؟ وهو الذي يحييها ويميتها سبحانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] .
قال تعالى: (وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ) وقد عرفنا هذا، وعرفنا أن الحجم أعظم بكثير، والعدد عظيم وعظيم جداً، يخبرنا ربنا سبحانه أنه أحصى كل شيء عدداً، فنحن نجتاز المليون والمليار والترليون، وما بعدها من أعداد لا نستطيع معرفتها، فالله أحصى كل شيء عدداً، وكل شيء عده الله وأحصاه ولا يغيب عنه شيء سبحانه، فهو خالقه ومالكه ، وبث هذه الدواب التي يعلمها في هذا الكون، ثم هو على جمعهم إذا يشاء قدير.
يقولون: إنه كلما ازداد العدد على الإنسان كلما صعب الحساب وصعب الجمع، فالله يخبر أنه هو الخالق، وأنه وحده الذي ينفرد بذلك، وأنت لا تقدر إذا زاد العدد عليك أن تجمع هذا العدد، لكن الله يقدر على ذلك سبحانه، وهو قادر على جمع كل ما خلق من دواب، وكل ما خلق في هذا الكون .
стр. 3090
قدرة الله تعالى على جمع خلقه يوم القيامة
قال تعالى: (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ)، ولم يقل: لو يشاء، وإنما قال: إذا يشاء؛ لتحقق ذلك، فهو لا يمتنع أبداً، فوقتما يشاء سبحانه سيجمع الخلائق، ويحشر الجميع، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، (وهو على جمعهم إذا يشاء) أي: في الوقت الذي يريده ويشاؤه (قدير) .
إذا نظرنا لهذا الإنسان المخلوق كم يوجد من البشر على هذا الكون؟ نقول: الموجودون الآن من البشر أحياء على هذا الكون ستة مليار، فكم ماتوا منذ خلق الله آدم؟ وكم يخلق الله إلى أن تقوم الساعة؟ وكم العدد كله؟ وكم من المليارات، وكم من الأعداد العظيمة من البشر؟! وكل إنسان من هؤلاء خلقه الله وخلق له رزقه، وحسب له حياته ووقت مماته ، خلقه ومعه رزقه وعمله، وإما شقي أو سعيد، ومكانه جاهز في الجنة أو في النار، أليس هو العظيم العلي الكبير ؟! والذي يعلم كل شيء وأحاط بكل شيء علماً ولا يضيع منه شيء، ولا يغيب عنه شيء، ولا ينسى ربك أحداً، ولا ينسى ربك شيئاً .
فالله سبحانه يأمرنا أن نتدبر في هذا الكون، فالكون عظيم، والذي خلقه هو الله الأعظم ، وهو الذي يقدر أن يجمع الناس، فإذا كان ربنا خلق هذا الكون وسيجمعهم بعد ذلك فهل يستطيع أحد أن يهرب من ربنا ؟! فالله هو الذي دبر هذا الكون كله، وكل شيء يجري تحت مشيئته وقدرته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر:٤١] فهو الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا، وكل ما في الكون يحركه الله، وكل شيء يدور وكل شيء يجري في هذا الكون بأمر الله، ومن العجيب أن حركة كل شيء في هذا الكون حركة عجيبة جداً، والناس الوحيدون الذين يوافقون هذه الحركة هم المسلمون، فأنت حين تتحرك وتدور حول الكعبة تدور مثلما يدور الكون كله، فتدور عابداً لله سبحانه، تطوف ببيت الله سبحانه كما يطوف الكون كله بمثل هذه الحركة، وهي حركة عجيبة؛ إذ أن الكون كله يدور على مثل هذه الحركة، وقد أمرنا الله نحن المسلمين أن نطوف حول البيت بمثل هذه الحركة، فهي عبادة لله ، والذي خلق ذلك كله يقول: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام:١٣٤] فلا مهرب ولا مفر من الله، فهو الذي أحاط بالكون العظيم كله، فكيف تهرب من الله وأنت لا تستطيع أن تخرج من هذا الكون؟!
стр. 3091
تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)
يقول الله سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠] فأنت ضعيف مخلوق خلقك الله سبحانه، وهو القوي العزيز الرحيم سبحانه، والإنسان حين يعصي الله يعاقبه الله بشيء من المصيبة بكرمه وفضله ، قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) فأنتم استحققتم ما وقعتم فيه فجازاكم الله، ولو جازانا الله على كل مصيبة فلن نقدر أن نتحمل ذلك.
قال تعالى: (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) فجازاكم بالبعض فهو يعفو عن الكثير لعلكم تعودون إليه وتتوبون إليه .
يقول لنا النبي صلوات الله وسلامه عليه فيما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) انظر إلى رحمة الله وكرمه ، فحتى لا توافي ربك بمعاص كثيرة يوم القيامة يبتليك الله بشيء من التعب والنصب أو مرض تؤذى به، أو جرح أو وخز إبرة أو شوكة تشاكها فيعطيك حسنات، أو يكفر عنك من سيئاتك، فتلقى الله يوم القيامة وقد خفف عنك بمصائبك.
قال تعالى: (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) لذلك إذا حدث لك شيء من ذلك فقل: الحمد لله، ولا تعترض على أمر الله، فكله بما كسبت أيدينا ووقوعنا في المعاصي، فالله يفعل فينا ذلك رحمةً بنا، فالله لا يحاسبنا على كل المعاصي -فهو أكرم من ذلك- وإنما ببعضها تذكرةً لنا بأننا ضعفاء، فالإنسان ضعيف لا يقدر أن يمنع نفسه، وهو الذي يتعاظم على الناس ويقول: أنا قوي، فإذا شاكته شوكة عرف قدره، وعرف أنه ضعيف فتراه يصرخ من جراء ذلك، فالله العظيم سبحانه يقول: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) وهذه قراءة الجمهور، وقرأ نافع وأبو جعفر، وابن عامر: (بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) بغير فاء.
ويقول النبي ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن) إن الهم الذي يهمك ويضايقك لك أجر فيه من الله إذا قلت: الحمد لله، ورضيت بقضاء الله وقدره، وعلمت أن ذلك بما كسبت يداك ووقوعك في المعاصي، فإن الله يجعل لك في ذلك أجراً، لكن لا تطلب من ربك أن يعاقبك على ذلك، ولكن اطلب رحمة الله سبحانه فهو يعفو عن كثير .
قال: (ولا هم ولا حزن ولا أذى) أوذي بكلمة ضايقته، أو مر في الطريق فأوذي وتقطعت ثيابه فحصل فيه جرح أو أذى، أو أصابه الغم أياماً وليالي، كل هذا تكفير لسيئات الإنسان، وزيادة حسنات عند الله سبحانه، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.
جاء في حديث في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أنه دخل شباب من قريش عليها وهي بمنى وهم يضحكون -ولعلهم أقرباء للسيدة عائشة - فدخلوا عليها وهم يضحكون قالت: وما يضحككم.
قالوا: فلان خر على طنب فسطاط فكادت عينه أن تذهب، قالت عائشة: فلا تضحكوا فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة) فتضحك على ماذا؟ تضحك على المنظر الذي أمامك؟ ألا تعلم أن من وراء ذلك يكفر الله عنه سيئات.
إذاً: حقيقة هذا الأمر: أن الله يكتب له حسنات، فهل تضحك على أن الله يكتب له حسنات، وتضحك على أن الله يكفر عنه سيئات؟ لا تضحك على مثل ذلك، وإذا لم يتبين لك ذلك فلا تضحك على مصيبة أخيك، ولا تشمت بمصيبة أخيك فيعافيه الله ويبتليك.
ولذلك كانت السيدة عائشة كثيراً ما تتمثل ببيت واحد من العرب: فقل للشامتين بنا أفيقوا سيلقى الشامتون كما لقينا تذكر أن الدهر إذا أناخ بأرض قوم أو على قوم أناخ على أناس آخرين، وهذه عادة الإنسان في هذا الكون أن الله يضعه ويرفعه، فإذا رأيت إنساناً قد وضعه الله فلا تشمت به؛ لأن الضر سيكون عليك بعد ذلك، قال رسول الله ﷺ : (أبى الله أن يرفع شيئاً إلا وضعه).
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٣١] ذكر الله لنا من خلق السموات والأرض وقدرته العظيمة الفائقة الباهرة، وهذا الخلق العظيم الذي يحيرنا نحن من خلق الله، فأين نفر من الله سبحانه؟ لذلك قال النبي ﷺ يدعو الله: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك) فأنت إذا هربت من الله إلى الله، ستهرب من الله إلى أين؟ إلى الله سبحانه، فارجعوا إلى ربكم وتوبوا إليه وأنيبوا، ارجعوا إلى ربكم ولا تفروا، فأين المفر من الله وهو القادر عليكم.
نسأل الله من فضله ورحمته إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3092
تفسير سورة الشورى [٣٠ - ٣٤]
يذكر المولى سبحانه أن كل مصيبة تنزل بالإنسان سببها الذنوب والآثام، ومن عظيم رحمته أنه يعفو عن كثير من الذنوب ويغفرها سبحانه، ثم بين بعد ذلك عظيم قدرته في إحاطته بخلقه وأنه لا يعجزه أحد منهم، وليس لهم من قريب أو ناصر يمنعهم من الله إن أراد حسابهم ومجازاتهم على أعمالهم، ثم ذكر آية أخرى دالة على عظيم قدرته وكمالها من جهة، ومن جهة أخرى تدل على ضعف الإنسان وأنه لا يفعل شيئاً إلا بعد أن يشاء الله تعالى، وهذه الآية هي تلك السفن التي تمخر عباب البحر، فإن أراد الله أسكن الريح فسكنت معها، وإن أراد أن يوبقها أوبقها، ولا يتعظ بهذه الآيات إلا من كان كثير الصبر على البلاء جزيل الشكر على النعماء.
стр. 3093
تفسير قوله تعالى: (وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
يخبرنا الله بأننا لا نبتلى ببلاء في هذه الدنيا إلا بذنب اقترفناه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى:٣٠]، ومع ذلك فالله كريم عظيم سبحانه يتكرم ويعفو عن الكثير.
يقول علي بن أبي طالب ﵁: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله .
والصحابة لهم تعبيرات جميلة في آيات من كتاب الله سبحانه، فيرى بعضهم هذه الآية أرجى، والبعض الآخر قد يرى آية أخرى.
ومعنى قوله: (هذه أرجى آية) أي: أرجو من الله فضلها، وما ذكر في هذه الآية من عفو الله عن الكثير الذي تطمئن الإنسان المؤمن.
وقوله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣]، قالوا: هذه أرجى آية في كتاب الله؛ لأن فيها غفران كل الذنوب.
وقالوا أيضاً في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، هي أرجى آية في كتاب الله طالما الإنسان على التوحيد، ويقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ولا يقع في الشرك بالله، ولا في الكفر فهو يرجو رحمة الله.
ومعنى قولهم: هذه أرجى، أي: من آيات الرجاء التي يرجو المؤمن ما فيها من فضلٍ وتكفيرٍ ومغفرة.
كذلك هذه الآية: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ)، أرجى آية في كتاب الله، فإذا كان يكفر عنا بالمصائب، ويعفو عن كثير، فماذا يبقى بعد كفارته وعفوه، فابتلاك ببعضها في الدنيا وعفا عن كثير سبحانه، فإذا كان الأمر بين الابتلاء وبين العفو فماذا يبقى بعد ذلك؟ والغرض بيان سعة رحمة رب العالمين سبحانه.
والمؤمن يرجو الله ويخاف من ذنوبه، ويعلم أن الله غفور رحيم، وأن الله شديد العقاب، فلابد أن يسير في الدنيا بين هذين الأمرين، أي: بين الخوف والرجاء، فيخاف ذنوبه أن توبقه، ويحب ربه ويرجو رحمته، ويحسن الظن به كما قال النبي ﷺ لرجل من أصحابه وهو يموت: (كيف تجدك، قال الرجل: أجدني أرجو الله وأخاف ذنوبي، فقال النبي ﷺ : ما اجتمعا في قلب عبدٍ في مثل هذا الموضع إلا أمنه الله مما يخاف، وأعطاه ما يرجو).
فرحمة الله عظيمة واسعة، والمؤمن يعبد ربه بين الخوف والرجاء، كما كان أنبياء الله عليهم الصلاة والسلام، فقد قال الله عنهم: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ [الأنبياء:٩٠] أي: رغبة فيما عندنا، ورهبة مما عندنا، فهذا مقام الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، كلهم يعبدون الله بين الخوف والرجاء رغباً ورهباً.
قال تعالى: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ)) جاء عن السلف رضوان الله عليهم في ذلك كلام جميل، وقال النبي ﷺ : (ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذىً ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)، فكل ما يبتلى به الإنسان يكفر الله عنه من خطاياه لذلك، وهذا في الإنسان المؤمن الموحد لربه سبحانه، الذي يعبد ربه، ويقع في الذنوب، فالله يتجاوز ويعفو ويغفر ويبتليه في الدنيا بذلك.
أما الكافر فليس بعد الكفر ذنب، إنما يعافي الله تعالى له بدنه، ويعطيه مالاً وولداً؛ حتى يلقى ربه سبحانه، وليس له عنده شيء، وليس له حجة.
يقول الحسن: دخلنا على عمران بن حصين ﵁، وهو رجل من أصحاب النبي ﷺ الأفاضل الذي كانت الملائكة تسلم عليه، وكان قد أصيب ببواسير، فلما اشتد عليه المرض طلب من يكويه فكوي، فكان آخر العلاج الكي، وهو بغيض، وقد كان العرب يستخدمونه كنوع من الوقاية من الأمراض؛ فنهى النبي ﷺ عن الكي، فلا يستخدم إلا في أضيق الحدود كنوع من العلاج، مثل: توقيف النزيف، أما أنه وقاية من العلاج فلا.
وقد قال النبي ﷺ : (إن كان الشفاء ففي ثلاث: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية نار، وأنهاكم عن الكي).
فـ عمران بن حصين ﵁ لما كوي دخلوا عليه بعد ذلك، ووجدوه يتألم ﵁ ويقول: لقد اكتوينا فما أفلحنا ولا أنجحنا.
ويقصد أنه بعد أن اكتوى لم تعد الملائكة تسلم عليه، ثم ما لبث أن عادت الملائكة تسلم عليه كما كانت.
فـ الحسن البصري دخل على عمران بن حصين ﵁، فقال رجل من الحاضرين: إني ليمنعني من زيارتك ما بك من الوجع.
فقال عمران: يا أخي! لا تفعل، فوالله إني لأحب الوجع، ومن أحبه كان أحب الناس إلى الله، والله قدره علي فأنا راض بما قدره الله سبحانه.
انظر لحبهم لله ، الألم عليه شديد، وهو يقول: أنا أتألم منه، لكن أحبه لأنه يقربني من الله، والله يحب ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠]، فهذا مما كسبت يدي، وعفو ربي عما بقي أكثر.
إنه اتهام النفس، والتواضع بين يدي الله .
قال مرة الهمداني: رأيت على ظهر كف شريح قرحة -ومعلوم أن شريحاً القاضي رجل مخضرم عاش في حياة النبي ﷺ ، ولكنه لم يسلم إلا بعد موت النبي ﷺ ، وكان أعدل القضاة رضي الله تعالى عنه، وقد قضى لـ عمر بن الخطاب ﵁، ولـ علي بن أبي طالب ﵁ دهراً طويلاً، وكان من أعلم الناس بالحكم بين الخصوم- فسأله إنسان فقال له: يا أبا أمية ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيدينا، ويعفو عن كثير.
يعني: هذه بسبب ذنوبنا، ويعفو الله عن كثير.
والإمام محمد بن سيرين لما ركبه الدين اغتم لذلك؛ فقد كان رجلاً كريماً، ويحب الإنفاق، فقال: إني لأعرف سبب هذا الغم، إنه بذنب أصبته منذ أربعين سنة! فما زال رحمه الله تعالى ذاكراً ذنبه الذي ارتكبه منذ أربعين سنة، فلما ابتلاه الله عرف سبب الابتلاء.
هذا بعض ما جاء عن السلف الصالح رضوان الله عليهم في ذلك، فعلى الإنسان أن يتهم نفسه إذا ابتلي بشيء وينظر ماذا عمل.
وجاء أن رجلاً من أصحاب النبي ﷺ مرض مرضاً شديداً وهزل حتى صار كالفرخ من الضعف، فعاده النبي ﷺ فتعجب من حالته، فقال له النبي ﷺ : (لعلك دعوت على نفسك بشيء، قال: نعم، قال: بم دعوت؟ قال: قلت: اللهم ما كنت معاقبني به يوم القيامة فعاقبني به الآن.
فقال النبي ﷺ : لا تستطيع، سل ربك العفو والعافية).
فالإنسان يرى رحمة الله العظيمة الواسعة، فلا ينبغي أن يدعو على نفسه، ولكن يدعو لنفسه بالخير، ومن أجمل الدعاء: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
ومن ذلك الدعاء في الليالي التي هي مظنة ليلة القدر بما قاله النبي ﷺ يعلم عائشة: (اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا).
فيدعو الإنسان المؤمن له ولأهله ولإخوانه وللمؤمنين، يدعو بالعفو، وعفو الله أعظم وأوسع بكثير، فلا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا إلا بخير.
стр. 3094
تفسير قوله تعالى: (وما أنتم بمعجزين في الأرض)
قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٣١] قد ذكرنا سعة هذا الكون العظيم الذي خلقه ربنا .
فإذا قال لنا: ما أنتم بمعجزين في الأرض، فهذا صحيح، أين نذهب من الله ؟! الأرض أرض الله، والسماء سماء الله .
جاء في الصحيح عن النبي ﷺ : (أن رجلاً كان ينبش القبور، ويسرق أكفان الموتى، وما عليهم من حلي، فلما حضرته الوفاة قال لأبنائه: أي أبٍ كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإذا أنا مت فأحرقوني، ثم انتظروا يوماً شديدة ريحه فذروا نصفي في البر، ونصفي في البحر؛ فإن يقدر الله عليّ يعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين).
كأنه نسي قدرة الله سبحانه، ولو أن إنساناً ظن أن الله لا يقدر عليه فهذا كافر، ولكن كأن الرجل مع اندهاشه من الموت، وشدة رعبه وخوفه من لقاء الله تكلم بذلك.
فلما مات فعلوا به ذلك، وإذا بالأمر غاية في البساطة، ومن يعجز الله ؟ يأمر الله الأرض أن اجمعي ما فيك منه، فتجمع له الأرض ما فيها منه، ويأمر البحر أن اجمع ما فيك منه، فاجتمع الرجل وقام بين يدي الله ، فقال: يا عبد الله! لم فعلت ذلك؟ قال: من خوفك يا رب! فعفا ، ورحمة الله واسعة وعظيمة.
قال تعالى: ((وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ)) فأين تذهب؟ الأرض أرض الله سبحانه، قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الإِنسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:١ - ٥].
يأمر الله الأرض أن تتزلزل وتخرج ما فيها من كنوز، فيقول الإنسان: ما الذي يحصل فيها؟ فتقول الأرض: إن الله أمرني بهذا وأوحى إلي به وأذن لي فيه.
فإذا بالأرض تحدث أخبارها وما صنع عليها، تحدث عمن كان يصلي ويعبد الله فوقها، ومن كان يطغى عليها.
يقول تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه﴾ [الزلزلة:٧] ذرة: نملة، أو هباء، فمن يعمل مثقال ذلك في الأرض من خير يره.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٨]، ما عملت من خير تجزى عليه، وما عملت من شر تجزى عليه، والله يعفو ويتكرم ويؤاخذ ويعذب من يشاء سبحانه، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٠].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [فاطر:٤١]، السماوات وما فيها، والأرض وما فيها وما فوقها وما تحتها وما بينهما، يمسك كل هذه الأجرام والكواكب والأفلاك والمجرات أن تزول، وهي باقية في مدارها وفي ملفها وجريانها، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨].
فيقدر الله هذه الأشياء ولا شيء يهرب من مكانه، والكل يدور كما أمره الله سبحانه، وماذا يكون هذا الإنسان بجوار هذه الأشياء التي لا يقدر الإنسان على عدها، ولا على معرفة كل ما فيها، ولا على أن يحيط بشيء من علم الله فيها.
فالله الذي أحصى كل شيء عدداً، وخلق كل شيء، وجعل فيك أشياء أنت لا تعرفها، ففي كل يوم كذا مليون خلية تموت وكذا مليون خلية تخلق في جسدك وأنت لا تشعر.
فالذي يحييها خلية خلية، ويميتها واحدة واحدة هو الله ، أحصى كل شيء صغيراً كان أو كبيراً.
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى:٣١] الولي هو القريب منك، والمقصود أنه ليس لك ولي يتولى أمرك من دون الله ، فكلكم تقفون بين يدي الله ولا يوجد أحد يجير أحداً من عذاب الله ، وما لكم من دون الله من ولي يتولى أمركم، ولا نصير يدفع ويدافع عنكم أمام الله ويناصركم.
стр. 3095
تفسير قوله تعالى: (ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام)
ذكر الله لنا آيات من آياته سبحانه، كخلق السماوات والأرض وما وردت فيهما من دلائل، وما أكثر ما يذكر لنا آياته التي تدل على وحدانيته، وأنه وحده الرب القادر، وأنه وحده الإله الذي يستحق أن يعبد .
ومن هذه العلامات الدالة على قدرته ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ﴾ [الشورى:٣٢] وفي قوله: (الجوار) ثلاث قراءات: قراءة الجمهور وصلاً ووقفاً (الجوار)، فإذا وصلوا كان بالكسرة (الجوارِ في البحر)، وقرأها ابن كثير ويعقوب (الجواري) بالياء وصلاً ووقفاً.
و (الجواري) جمع جارية، وهي السفن.
وقراءة أبي جعفر وأبي عمرو: (الجوار) وصلاًَ، و (الجواري) وقفاً.
والإنسان حين يصنع السفينة ينسى أن الله هو الذي أقدره على ذلك، وهو الذي أجرى الماء، وأرسل الرياح، وهو الذي أنزل من السماء ماء، وهو الذي أعطاك العقل لتصنع هذه السفينة، وهذه الغواصة، وهذه الطائرة، وهذه المدمرة، كما قال : ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨].
إذاً: هو الذي خلق لكم السفن الجارية، وخلق لكم الخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا تعلمون، فلو قال لهم في الماضي: أنه سوف يخلق الطيارة، ويخلق السيارة، لم يفهموا شيئاً من ذلك، ولكن قال: (ويخلق ما لا تعلمون).
وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل:٩] السبيل: القاصد الذي يدلك على طريقك، وجعل عقلك يميز الطرق المختلفة، وبه تعرف كيف تسير، فالذي دلك على الطريق هو الله بجعله عقلك يستوعب ذلك.
وعقل الإنسان يستوعب أشياء كثيرة، لكن إذا جاء أمر الله وتاه العقل يصبح الإنسان لا يدري شيئاً، فلا يعرف زوجته ولا أخاه ولا الطريق التي كان يسير فيها.
فتعرف نعمة الله عليك، واشكره على النعمة التي أعطاك؛ حتى يزيدك من فضله، فلا تنسب الفضل لنفسك.
فإذا تعاظم الإنسان في نفسه، وادعى الفضل لها، إذا بالله يريه آية من آياته: ((وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ)).
والجواري: السفن العظيمة التي تسير في البحر، وأول ما علم الله صناعة السفن لنوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فصنع نوح السفينة، وكان قومه يمرون به ويهزءون ويضحكون ويسألون: ما هذا؟ فيقول: سفينة، فيقولون: وما السفينة؟ قال: تمشي على الماء.
فيضحكون منه، أين الماء الذي سوف تمشي فيه؟! قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود:٤٠] جاءت المعجزة، فإن كنتم متعجبين من سفينة موجودة في الصحراء؛ فسوف نجعل فرن النار يخرج منه الماء.
ولم يمض سوى وقت يسير وإذا بالسفينة يأتيها الماء إلى الصحراء؛ حتى تسير هذه السفينة بأمر الله.
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠] جرت السفينة في البحر، فعلم الله نبيه نوحاً ﵇ أن يقول: باسم الله مجراها ومرساها، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود:٤١] أي: أُسمي الله في أول مسيرها، وأسمي الله حين تقف، باسم الله وببركة الله، وبقدرة الله يكون مجرى هذه السفينة ووقوفها.
فإذا تعاظم الإنسان لصنعه السفينة وقال: أنا صنعتها، فإن الله يغرقها، ولما صنع الغرب سفينة سموها: السفينة التي لا تقهر، وركب فيها أغنى أغنياء العالم بثرواتهم لأجل أن يفتخروا أنهم ركبوا أعظم سفينة على وجه الأرض، فتأتي دوامة تلفها، ثم تقسمها نصفين وتغرقها.
يطلع الإنسان بالصاروخ إلى الفضاء، ويظن أنه قهر الفضاء، فإذا به يصنع مثله فلا ينطلق، فعندما يتعاظم الإنسان على خالقه، ويكفر بخالقه سبحانه، ويبغي ويطغى يأتيه التأديب من رب السماء .
إذا كانت هذه السفينة التي يصعد بها إلى القمر، فهناك مخلوقات خلقها الله تصعد أبعد من ذلك، فالجن خلقهم الله وأنت لا تراهم، وجعل الله فيهم القدرة أن يتشكلوا بما يشاء الله سبحانه، وقد كانوا يصعدون ويسترقون السمع من السماء، فقد كانوا يركب بعضهم على بعض حتى يصلوا إلى السماء، ويسترقوا أخبار السماء بما يشاء الله، ثم تتبعهم شهب تحرقهم.
فهذه المخلوقات صعدت دون أن تحتاج لما يحتاجه الإنسان، إلا أن الله منعهم، وأخبر بذلك فقال: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨].
إذاً: من ضمن آيات الله المثيرة العظيمة التي ترونها: السفينة الجارية في البحر كالأعلام، أي: كالجبال، والعلم هو الجبل، والقصر العظيم، فالسفينة مثل القصر، فهي ممتلئة بالغرف، وهي شيء عظيم في البحر، ويحملها الماء بقدرة الله ﵎.
стр. 3096
تفسر قوله تعالى: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره)
قال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنْ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [الشورى:٣٣] كانت السفينة في السابق تتحرك عن طريق الشراع الذي تدفعه الريح، فالله قادر على أن يوقف الرياح فلا تتحرك هذه السفينة.
وكذلك السفن التي عمدة حركتها في البحر اليوم على المحركات فالله قادر أيضاً على إيقافها عن الحركة، فمهما صنع الإنسان من أشياء فهي بيد الله، وتحت قدرته، إن شاء سيرها وإن شاء دمرها، فليحذر الإنسان من الغرور، وعليه أن يحمد ربه على ما أعطاه ليزيده، كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧].
والغواصة الروسية المسماة: (المدمرة) كانت قد تعاظمت نفوس أصحابها، فحبسها الله في البحر بشبكة صيادين التفت حول مروحتها فأشرف طاقمها على الغرق لولا أنهم أسعفوا، فالله تعالى يسبب الأسباب، ويدبر لعباده أمر محياهم ومماتهم، ومعاشهم وحياتهم، ليشكروه فيزيدهم من فضله سبحانه.
قال تعالى: ((فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ)) الركود: التوقف على ظهر الماء وعدم الحركة، ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ)) أي: في ذلك آيات عظيمة باهرة، وهي معجزات عظيمة أن يخلق الله هذا الماء، ويجعل هذه السفينة تقف عليه وتتحرك، ولكن لمن هذه الآيات؟ ((إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لكل صبارٍ)) الصبار: كثير الصبر على قضاء الله وقدره، يصبر فيعتبر ويتفكر، فينتفع بهذه الآيات، فهو في وقت البلاء صابر، وفي وقت الرخاء شاكر، وهذا المنتفع بهذه الآيات يركب سفينته فيقول: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١].
وإذا ابتلاه الله دعا ربه ، وإذا أنعم عليه وأعطاه حمد الله تعالى، فهو صابر في وقت الصبر، وشاكر في وقت النعمة، فاستحق أن يذكر الله وصفه أنه يعتبر بهذه الآيات: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم:٥].
стр. 3097
تفسير قوله تعالى: (أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير)
قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤] أي: يهلك ويدمر ويغرق السفينة بذنوب العباد، فإذا أغرق السفينة فبسبب ظلم أهلها، ويعفو عن كثير.
يركب الإنسان السفينة وهو ماشٍ بقضاء الله وقدره، وليس ذلك بحذق الملاح ومهارته، وقد سمعنا قصة مركب المعتمرين من الإسكندرية، فبينما هم قد قاربوا البر وأصبح أمامهم، إذ جاءهم مركب آخر للبضائع فاصطدم بمركبهم فخرقه، لكن من رحمة الله بهم أن بقي مركبهم ملتصقاً به حتى نجوا بأنفسهم وأنقذ الله ألفاً وأربعمائة ومات واحد أو اثنان.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت:٦٥].
كان أهل الجاهلية إذا ركبوا السفينة نادوا: يا رب يا رب! حتى إذا نجوا رجعوا يعبدون اللات والعزى من دون الله .
ومن هؤلاء عكرمة بن أبي جهل ﵁، فلما فتح النبي ﷺ مكة فر هارباً؛ لأنه من ضمن من أهدر النبي ﷺ دمه، وكانوا أربعة من أهل الكفر وامرأتان قال النبي ﷺ فيهم: (اقتلوهم ولو وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة).
فقد روى الإمام النسائي من حديث سعد بن أبي وقاص قال: (لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة).
فالأول: عكرمة بن أبي جهل، والثاني: عبد الله بن خطل، والثالث: مقيس بن صبابة، والرابع: عبد الله بن سعد بن أبي السرح.
فكان كل واحد منهم له عمل في الكفر يؤذي به النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان من أشدهم كفراً عكرمة وأبوه أبو جهل الذي قتل يوم بدر.
ومشى على طريقته ومنواله عكرمة بن أبي جهل، فظل يؤذي النبي ﷺ ، ويؤذي المسلمين، ولا يجد موطناً يكيد فيه للنبي ﷺ ، ويقاتل فيه النبي ﷺ إلا وفعل ذلك، فأمر النبي ﷺ بقتل هؤلاء الأربعة، وامرأتين، قتل منهم اثنان، وتاب اثنان ودخلا في الإسلام، والله يمن على من يشاء.
ويذكر عكرمة بن أبي جهل أنه خرج من مكة هارباً فركب السفينة فأصابتهم عاصفة، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، وكان أصحاب السفينة كفاراً.
وقد ذكرنا في قصة الحصين أبي عمران بن حصين الذي قال له النبي ﷺ : (كم إلهاً تعبد؟ فقال: ستة، واحد في السماء وخمسة في الأرض.
فقال له: من الذي ترجو؟ قال: الذي في السماء.
قال: يا حصين! كيف تعبد من لا تنتفع به؟) ثم أسلم بعد ذلك حصين ﵁.
فهم كانوا يعبدون هذه الآلهة، وعندما يسألون عنها يقولون: ما نعبدها إلا لتقربنا إلى الله زلفى، فكانوا يعبدون هذه الأصنام لئلا يأتي إليهم من يقول لهم: اعبدوا الذي أنا أعبده، فكل واحد له إله يخصه؛ إنها عنجهية الجاهلية والعصبية والاستكبار؛ لذلك تركوا دين النبي ﷺ استكباراً، لا لأنه ليس على الحق، فهم يعرفون أنه الحق، ولكن قالوا: لا نتبعك لأنك ستأمرنا وتنهانا.
قال ربان السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا، فعند ذلك استيقظ عكرمة من غفلته بعد سنين طويلة في معاداة الله ومعاداة رسول الله ﷺ ، وقال: والله لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره.
وقال: اللهم إن لك عليّ عهداً إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمداً ﷺ حتى أضع يدي في يده، فلأجدنه عفواً كريماً.
فجاء فأسلم رضي الله تعالى عنه.
وكان بعض المسلمين يذكر أمامه أباه، فالنبي ﷺ نهاهم عن ذلك وقال: (لا تسبوا الأموات فتؤذوا الأحياء) وجاهد عكرمة في سبيل الله جهاداً عظيماً رضي الله تعالى عنه، فلما كانت وقعة اليرموك بين المسلمين والروم في أول خلافة عمر ﵁، وكانت حرباً شديدة جداً، فمر به رجل ورآه يقاتل قتالاً شديداً حتى قتل، فوجدوا فيه بضعة وسبعين ما بين ضربة وطعنة ورمية.
وكان عكرمة قبل ذلك يقول: من يبايع على الموت؟ فبايعه جماعة من المسلمين، وكان يقول ﵁: إني ما تركت موطناً إلا وقاتلت فيه النبي ﷺ ، فلا أجد موطناً أدافع فيه عن هذا الدين إلا وقاتلت فيه.
فقاتل وقتل شهيداً ﵁.
والثاني الذي أمر النبي ﷺ بقتله: عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان قد أسلم، وكان يجيد القراءة والكتابة، فكان يكتب للنبي ﷺ ، فكان يعتبر من كتاب الوحي، ثم فتن بالدنيا، وارتد عن دين الله ، وهرب إلى الكفار يطعن في النبي ﷺ ، وينفر الناس عن الدين، ويقول: أنا الذي كنت أكتب هذا القرآن، أنا الذي كنت أملي هذا القرآن، فالقرآن من تأليفي.
فينسب لنفسه أشياء لم يكن له، وكان كاذباً فيها، وهذه فتنة للكفار، وفتنة للمسلمين، فأمر النبي ﷺ بقتله.
وكان أخاً لـ عثمان بن عفان ﵁ لأمه، فلما فتح النبي ﷺ مكة إذا بـ عثمان يأتي به للنبي ﷺ ، وطلب من النبي ﷺ أن يعفو عنه، فرفض النبي ﷺ أن يبايعه.
وظلا منتظرين، فإذا بـ عثمان يلح على النبي ﷺ ، فسكت النبي ﷺ ولم يبايعه، وفي النهاية حقن دمه وتركه، وكأنه وجد على المسلمين فقال: (أما كان فيكم رجل رشيد يقوم لهذا فيقتله -بما صنع من كفر وردة، وآذى الله ورسوله ﷺ ، وآذى المسلمين- قالوا: يا رسول الله! هلا أشرت لنا بعينك، قال: ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين).
الثالث ممن أمر النبي ﷺ بقتله وقتل: عبد الله بن خطل، وهو رجل من الذين كفروا بالله ﵎، وأمر النبي ﷺ بقتله لأنه كان مسلماً وارتد عن دين الله، وذهب إلى مكة.
وكان النبي ﷺ لما أسلم هذا الرجل قد أرسله ليجمع الصدقات، ومعه مولى من المسلمين، فلما خرج في الطريق أمر هذا المولى أن يصنع الطعام، ثم نام، فلما وجده لم يصنع الطعام قتله، وهرب ورجع مرتداً إلى الكفار، ثم أتى بمغنيتين تغنيان بهجاء النبي ﷺ في مجالس الخمر لقريش، فأمر النبي ﷺ بقتلهما.
والرابع هو: مقيس بن صبابة وقد قتل، وهذا الرجل كان قد أسلم هو وأخ له اسمه هشام، فقتل أحد الأنصار أخاه، وبحثوا عن القاتل فلم يجدوه، فأمر النبي ﷺ الأنصار أن يدفعوا الدية له، فأخذ الدية، وبعدما أخذ الدية قتل رسولاً لرسول الله ﷺ كان معه، فأخذ الدية، وقتل رجلاً مظلوماً، ثم ارتد وفر إلى مكة، فأمر النبي ﷺ به فقتل.
فهؤلاء الأربعة الذين أمر النبي ﷺ بقتلهم، وكذلك المرأتان اللتان كانتا تغنيان بهجاء النبي ﷺ ، وسب دين الله ، وعفا عن ألوف من أهل مكة، وهم كفار في ذاك الحين، وقد رد ربه ذلك إلى اختياره إن شاء أن يعفو، وإن شاء أن يقتل، فعفا صلوات الله وسلامه عليه.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3098
تفسير سورة الشورى [٣٢ - ٣٦]
يخبر الله سبحانه عن آياته العظيمة في هذا الكون، فيجب على الإنسان أن يتأمل في مخلوقات الله ليزيد إيمانه، فإن الله يعفو عن كثير من ذنوب عباده ويتجاوز، لكن في الآخرة لا مهرب ولا مفر من الحساب، والتوكل على الله من صفات المؤمنين الصادقين، ولنا في سيرة النبي ﷺ أسوة حسنة في توكله على الله وثقته بالنصر على الأعداء.
стр. 3099
تفسير قوله تعالى: (إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ * وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٢ - ٣٥].
يخبر الله عن آياته العظيمة في هذا الكون التي يجب على كل إنسان أن يتأمل فيها وأن يتدبرها وأن يتفكر فيما خلقه الله له، وقدرة الله العظيمة على الخلق أن دله وأن خلق له وبين له، فهذه آية من آيات الله لا تقدر أنت عليها إلا أن يعينك الله ، فمن آياته هذه السفن الجارية العظيمة الجواري في البحر كالأعلام، وكالجبال وكالقصور العظيمة.
قال الله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ [الشورى:٣٣] إذا شاء ربنا أسكن الريح، فوقفت هذه البواخر وهذه السفن العظيمة تنتظر رحمة الله ، فتركد على ظهره، فإن يشأ الله يوقفها، ونفهم منه أنها تجري من أول الآية، إذاً: بمشيئة الله هي جارية فإذا شاء أوقفها، أو إن شاء أغرقها وأوبقها وأهلكها وأهلك من فيها.
قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى:٣٤] فإن يشأ يسكن الريح، وإن يشأ يوبق السفينة ويعف عن كثير ، فالله العظيم يعفو ويتجاوز عن ذنوب العباد، ويتجاوز عن ذنوب كثيرة لعباده، فهو يفعل ذلك، فإذا شاء عفا وإذا شاء لم يعف ، وإذا شاء عفا عن كثير من ذنوب العباد وإذا شاء عفا عن الذنوب جميعها، فالله على كل شيء قدير، وإذا شاء جعل الإنسان مؤمناً فهو داخل تحت عفو الله سبحانه، وإذا شاء الله كان العبد كافراً فلم يعف عن شيء .
فالعفو للمؤمن الذي عرف التوحيد، وأناب إلى ربه وتاب وعرف ربه سبحانه، ولم يشرك به، فهذا تحت مشيئة الله ، إذا شاء الله عفا عنه، وهو يعفو عن كثير من الذنوب بهذا العفو لعله ينجيه يوم القيامة، وإن يشأ يوبقه ، أما إذا كان كافراً فلا عفو، والكافر يحاسب يوم القيامة على كل شيء، فليس بعد الكفر ذنب، وإذا لقي ربه كافراً فالله يسأله عن كل شيء .
فيقول هؤلاء: لم نكن نصلي؛ لأنهم سئلوا عن ذلك: هل صليتم؟ قالوا: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ﴾ [المدثر:٤٣ - ٤٦] كانوا كفاراً يكذبون بيوم الدين، ومع ذلك حاسبهم على صلاتهم وحاسبهم على كل ما صنعوا في هذه الدنيا.
وجاء عن النبي ﷺ أن الكتابي اليهودي أو النصراني لو أسلم فله أجره مرتين، والله يعفو عما سبق منه، هذا إذا أسلم وأحسن إسلامه، أو أصلح، أما إذا أسلم ولم يصلح ولم يعمل صالحاً فالله يحاسبه على ذنوبه جميعها، ما فعلها في كفره وما فعلها في إسلامه؛ لأنه لم يصلح، وتنفعه كلمة لا إله إلا الله، ولكن المعاصي يحاسب على الجميع، فشرط على هذا الكافر أنه إذا أسلم أصلح، فإذا أصلح فالله يعفو عن الذنوب التي كانت مع الكفر، فإذا لم يصلح عفا عما كان من ردته وكفره، ولكن يؤاخذ بذنوبه من كبائر وغيرها.
стр. 3100
تفسير قوله تعالى: (ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص)
قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٥] الكلمات قبلها كلها ساكنة مجزومة، قال: (إن يشأ يسكن الريح) (أو يوبق) (ويعف عن كثير) ، ثم قال: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [الشورى:٣٥] فجاءت منصوبة، والعلماء لهم مذاهب في هذا النصب الذي يأتي بعد المجزومات، فقد قال: (إن يشأ)، رجع لمشيئته ، وهنا: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٥] يقيناً سيعلمون.
فالله قد شاء ذلك أنهم يعلمون ألا مهرب لهم، ويعلمون ذلك في حالتين: يعلمون في حالة ما يهلكهم الله بذنوبهم، فيعلمون أنه لا مفر من الله، فهم يعلمون، فلا يحسن أن يقول: إن يشأ يعلم هؤلاء؛ لأنه قد شاء الله أن يعلموا أين الهلاك، قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٥].
والحالة الثانية: يعلمون يوم القيامة حين يجمعون ليوم القيامة فلا يعرفون الفرار؛ إذ لا مفر من الله سبحانه، فهم يعلمون ذلك، فليس هذا متعلقاً بالمشيئة، ولذلك قالوا في تقدير شيء قبله هنا: لينتقم الله من هؤلاء وليفعل بهم وليفعل بهم وليعلم هؤلاء كذا، فجاءت معطوفة على جملة محذوفة تقديرها: أن الله يبعثهم ويهلكهم، ويجمعهم ليحاسبهم وليعذبهم ولينتقم منهم وليعلم هؤلاء أنهم لا يقدرون على شيء، هذا من أفضل ما قيل فيها، وقيل غير ذلك.
﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ [الشورى:٣٥] أي: من مهرب يهربون إليه، وأنى يهربون من الله ؟ إذاً: المحيص: المكان الذي يهرب فيه، أو الهروب نفسه، فما لهم من مهرب من الله .
стр. 3101
تفسير قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا)
ثم يقول الله لعباده: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] قال تعالى هنا: (فما أوتيتم من شيء) وقال في سورة القصص: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ [القصص:٦٠] والمعنى: مهما أوتيتم من شيء، ومهما أعطاكم الله من شيء لا تفتخروا بهذا الشيء ولا تستكبروا به، ولا يبغ بعضكم على بعض به، ولا تطغوا في الأرض فإن الله عنده ما هو أعظم من ذلك بكثير.
فالذي أعطاكم هذا هو متاع للدنيا، والدنيا زائلة فمتاعها كذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:١٨٥] فالمعنى: لا تفرح بغناك، فإنك تترك هذا المال في يوم من الأيام، ولا تفرح بقوتك فإنه يأتي عليك الشيب والشيخوخة وكبر السن، فتذهب هذه القوة التي تفتخر بها، ولا تفرح بصحتك، فإنه يأتي عليك الأمراض يوماً وراء يوم ويذهب هذا الذي كنت فيه، ولا تفرح بجمالك فإنه يزول في يوم من الأيام، ولا شيء يبقى في هذه الحياة الدنيا فكل ما عليها فان، يفنى ويبيد ولا يبقى إلا الرب وحده لا شريك له، وسوف يجازي العبيد يوم القيامة يحصي أعمالهم في الدنيا ويحاسبهم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى:٣٦] الذي عند الله هو الجنة، وجنة الخلود خير وأبقى، (خير) على وزن أفعل اسم تفضيل معناها: أخير، أي: أفضل بكثير من هذا الذي تراه في هذه الحياة الدنيا، وقوله تعالى: ((وَأَبْقَى)) إشارة إلى أن الدنيا فانية لا تبقى، والذي عند الله هو الذي يبقى، أما الدنيا فهي تزول.
إذاً: أخبرنا قبل ذلك بقوله: ﴿وَمِن آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] فأخبرنا عن السماوات وعرفنا ذلك، وأخبرنا عن الفلك الذي تحت السماء الدنيا وفيه ما فيه من الأشياء التي نجهلها، وفي الجزء الذي ندركه منه فقط الأعداد التي لا نحصيها من المجرات والكواكب والشموس والنجوم والأقمار، أشياء عظيمة وعظيمة جداً.
стр. 3102
عظم نعيم الجنة
هذا هو الخالق الذي خلق ذلك، وحين يقول لنا ويخبرنا عن جنة الخلود أنها عظيمة جنة عرضها السماوات والأرض، وإذا قلنا: إن عندنا أرضاً، والأرض طولها كذا وعرضها كذا، والعادة أن الطول أكبر من العرض، فنعبر بالطول أنه أكبر من العرض، فإذا عبر بالعرض وقال: عرضها السماوات والأرض فكم يكون طولها؟ وقد أخبرنا النبي ﷺ عن آخر من يخرج من النار ويدخل الجنة، وعن آخر واحد من العصاة الموحدين، مكث دهراً في النار والعياذ بالله، وخلد في النار ما شاء الله ، ولا يستطيع أن يعرف كم خلد فيها، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧] فإذا قلنا: الخلود بنظرتنا في الدنيا مليون سنة أو مائة مليون سنة، فإذا كان هذا بأيامنا فكيف يكون الخلود عند الله في أيام يوم القيامة؟ فهؤلاء دخلوا النار فمكثوا فيها، ثم جاء العفو من الله عن هؤلاء، فآخر واحد من العصاة الموحدين يخرج من النار ليدخل الجنة، ويمشي على الصراط، يمشي مرة ويكبو مرة وتلفحه النار مرة، ويزحف مرة حتى يخرج من فوق الصراط، وإذا خرج قال: الحمد لله الذي نجاني من هذا، لقد أعطاني الله ما لم يعط أحداً من العالمين، يقول ذلك لأنه قد دخل الجنة بعد أن كان لا يعرف إلا السجن الذي كان فيه في النار والعذاب الأليم المقيم، فهذا خرج من النار، ولكن بقي فيها الكفار ولم يخرجوا، فلما نظر إلى هؤلاء الكفار حمد الله أنه هو الذي نجا، وإن كان مكث فيها ما شاء الله ، ولكن خرج في يوم من الأيام، وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً من العالمين.
فإذا بالرب يري هذا الإنسان شجرة أمامه بعدما تعدى النار وتجاوزها، فنظر إليها وأعجبته، والله يعلم ذلك ، ووجد تحتها ماءً فإذا به يصبر ويصبر، وفي الأخير لم يصبر فقال: يا رب! أدنني من هذه الشجرة، فآكل من ثمرها وأشرب من مائها، فقد كانت أمنيته الخروج من النار، والآن يريد الشجرة هذه، فإذا به يدنو منها ويشرب من الماء الذي نبتت منه ويأكل من ثمرها، فيقول له ربه: لعلي إن أعطيتك ذلك أن تطلب غيرها، فيقول: لا يا رب لا أطلب غيرها، ويعطي ربه العهود والمواثيق ألا يسأل غيرها، فيقربه الله ويدنيه من هذه الشجرة التي يريد، فدنا منها ومكث زمناً، وإذا بالله يريه شجرة أخرى هي أحسن من الأولى، والله حكيم وهو كريم ويريد له الخير.
فلما أراه تلك الشجرة وهي أعظم من الأولى إذا به يصبر ويصبر ويصبر، وفي النهاية لا يطيق، فقال: يا رب! أدنني من هذه ولا أسألك غيرها، قال: ما أغدرك يا ابن آدم! ألم تعطني العهود والمواثيق ألا تسأل غيرها؟ قال: يا رب! لا أسألك غيرها، أدنني منها، فيدنيه منها، ويتكرر الأمر ويريه ما هو خير من ذلك ويطلب الخير حتى يدنيه الله، حتى يرى باب الجنة، فيصبر ما شاء الله أن يصبر وفي النهاية لا يطيق، فيقول: يا رب! أدخلني الجنة، يقول: ما أغدرك يا ابن آدم! ألم تعطني العهود والمواثيق ألا تسأل غيرها؟ فإذا بالله يدخله جنته .
وإذا دخل العبد الجنة رآها مليئة فلا يلقى لنفسه مكاناً، ويجد فيها كل الناس قد أخذوا أماكنهم، وهو في تخيله ليس له مكان فيها، فيسأل ربه: يا رب! أعطني من الجنة، فيقول الله: تمن، فيتمنى ويتمنى ما يشاء، ويذكره الله ويتمنى أقصى ما وصل إليه مما يتمناه، فيقول له ربه سبحانه: ألا تحب أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيفرح العبد ويقول: نعم يا رب! فيقول: فلك مثلها ومثلها ومثلها ومثلها وعشرة أمثالها، أي: عشرة أمثال ملك ملك من ملوك الدنيا.
هذا لواحد فقط ممن دخلوا الجنة، فيا ترى كم أعداد أهل الجنة؟ وكم يدخل الجنة من عباد الله ؟ نسأل الله أن يجعلنا من أهلها، فإن باب الجنة يأتي عليه يوم وهو كظيظ من الزحام؛ لكثرة الداخلين إليها، نسأل الله أن يجعلنا من أهلها.
إن ما ذكره الله لك في هذه الدنيا لم تحط به علماً، فقد وزع الكواكب والنجوم والأقمار والشموس في السماء، وهي أكثر من الناس، فإذا كانت هذه الكواكب أنت لم تقدر على عدها، ولا علماء الفلك بما لديهم من آلات ما قدروا على عدها، فقد قالوا: عدد المجرات في السماء مائتا مليار مجرة، قالوا: هذا الذي تمكنا من عده ومعرفته، وما فوق ذلك كثير لا نعرف عنه شيئاً، فالمجرة الواحدة فيها أكثر من مائتي مليار من الشموس والأقمار والنجوم، والنجم الواحد أضعاف الأرض مليون مرة، هذا نجم واحد، فهل يعجز الله أن يعطي لأهل الجنة في الجنة لكل منهم ما شاء مثل كوكب الأرض وأعظم منه بكثير ليكون ملكاً من ملوك الجنة؟ فإن الله على كل شيء قدير، ويملك كل شيء سبحانه، فقد وعد عباده الصالحين بالجنة، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وهذه النجوم والأقمار قد رأتها العين، فالله وعد المؤمنين بما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
فقوله تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الشورى:٣٦] أي: قليل زائل، وما عند الله في جنة الخلود هو الذي يبقى، وهذه الجنة الباقية جعلها الله لمن كانت فيه صفات استحق بها أن يكون من أهل الجنة، وأول هذه الصفات: الإيمان، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقضاء والقدر، وأن توالي في الله وأن تعادي في الله، وأن تحب في الله وأن تبغض في الله، فإن حققت أصول الإيمان فأنت من المؤمنين الذين يعملون الصالحات.
стр. 3103
التوكل على الله من صفات المؤمنين
قال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] فالمؤمنون يتوكلون على الله ، ويعلمون أن الله خالقهم، وأن الله رازقهم، وأنه مدبر أمرهم، وأنه هو الذي يملك كل شيء، ولذلك كان التوكل على الله أمراً واجباً، قال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣] فالمؤمن يكل أمره كله إلى الله، ويقول: الذي يملك النفع ويملك الضر هو الله ، والذي يملك الرزق هو الله .
إذاً: أنا أتوكل عليه، وأفوض أمري إليه، وأوجه وجهي إليه ، جعلت ربي وكيلي، أنا لا أقدر والله يقدر على كل شيء، فهو الذي يقوم بتدبير أموري ومصالحي، والذي يقدرني على كل شيء، هذا هو التوكل على الله، فأنت حين توكل المحامي ليتكلم بالنيابة عنك توكله لأنك لا تستطيع أن تتكلم، ومع ذلك فأنت تعطيه أجرة على توكيلك له، فالإنسان يوكل إنساناً فيما لا يقدر هو أن يقوم به، فوكيل الإنسان نائب عنه؛ لأنه فوض إليه هذا الأمر أن يقوم به لعدم استطاعته أو لعدم تخصصه.
فالإنسان حين يوكل غيره يوكله لأنه محتاج إليه، ولله المثل الأعلى، فهو وكيلك سبحانه يدبر كل شيء، ويعطيك اليد التي تبطش بها، والعين التي تنظر بها، ويدلك على الخير فتفعل هذا الخير، وينزل عليك الرزق من السماء فتأخذ أنت هذا الرزق، ويقدرك على أن تأخذه، وعلى أن تأكله وتشربه، وعلى أن تستطعم به، وعلى أن تهضمه وتخرجه، فهو وكيلك في كل شيء، وهو الذي يقدرك على الخير ، وهو الذي يعطيك، ولذلك عندما تقوم من النوم قل كما كان يقول النبي ﷺ : (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور).
فهو الذي أحيانا بعد ما أماتنا في هذا النوم، وتحركنا بعد ما كنا هامدين على الفراش، وتحركت أعضاؤنا وقمنا نواصل أعمالنا، فالذي له الفضل هو الله وحده لا شريك له، والذي يتوكل على الله ليس كلاماً يقوله، وإنما ثقة في قلبه أن الله قادر على كل شيء.
إن الله أمره للشيء كن فيكون، فإذا توكلت على الله فاملأ قلبك بالإيمان والثقة به سبحانه، فهو القادر على كل شيء، فتخرج إلى عملك وتطلب الرزق وفي قلبك الثقة في الله ولسان حالك: سيرزقني وسيعطيني الله ، فالله أعظم وأكرم.
فليمتلئ قلبك بالثقة به ، وكن عند حسن الظن بالله سبحانه، أحسن الظن بالله وأحسن العمل يكن الله عند حسن ظنك، فهو الذي يقول: (أنا عند ظن عبدي بي) ويقول النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه: (لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً).
لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل، فهي ليست كلمة تقال باللسان، فإن الطير خرج ثقة في الله ، وبحث عن الرزق فوجد الرزق وأعطاه الله ، خرج وهو خامص بطنه فرجع وبطنه مليء بالطعام ويطعم فراخه كذلك، ولو أنكم تتوكلون على الله وتثقون في الله أعظم الثقة لأعطاكم الله ما تريدون منه، ولزادكم من فضله .
ولولا ثقة المؤمنين في ربهم في يوم بدر لما انتصروا على جيش المشركين الذي يبلغ تعداده ألف مقاتل، خاصة وأن عدد المسلمين في هذه الغزوة ثلاثمائة رجل فقط، إذ كانوا لا يريدون قتالاً ولكنهم خرجوا من أجل قافلة لقريش، ولم يستعدوا للقتال، لكن أهل مكة تجهزوا بألف أو يزيدون مستعدين للقتال.
والنبي ﷺ يرى الأمر على ذلك، فهو كله ثقة في الله ولكن يريد أن يسمع من أصحابه، هل الثقة في قلوبهم أم لا؟ فيقول: (أشيروا علي أيها القوم)، قريش جاءت، أشيروا علي أيها القوم! فالمهاجرون قالوا للنبي ﷺ : (اغد على بركة الله)، لكنه لم يرد المهاجرين، وإنما كان يريد الأنصار، فقال سيد الأنصار للنبي ﷺ : (لعلك تريدنا يا رسول الله؟ فقال النبي ﷺ : نعم، فقال الرجل: يا رسول الله! أوصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت، وسر حيث شئت وقف حيث شئت، فوالله لو خضت بنا البحر لخضناه معك).
ففرح النبي ﷺ ، وبشرهم بالنصر، وأخذ يريهم مصارع القوم، هنا يقتل أبو جهل، هنا يقتل فلان، هنا يقتل فلان، يشير قبل القتال، ثقة في الله ، ووحي من الله .
وبدأ القتال، وقاتل المسلمون قتالاً عظيماً، ولولا التوكل على الله سبحانه لما انتصر هؤلاء، فقتل أبو جهل، فرعون هذه الأمة، فقد سماه النبي ﷺ أبا جهل، ووصفه بأنه فرعون هذه الأمة، ويروي لنا عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرين بالجنة قصة حدثت في يوم بدر يقول: إنه كان عن يمينه غلام وعن يساره غلام صغيران في السن يقاتلان، فهؤلاء مع النبي ﷺ كانوا رجالاً وكانوا أبطالاً، قال: وجدت غلاماً عن يميني وغلاماً عن يساري فوددت لو أني بين أشد منهما، يقصد معاذ ومعوذ ابني عفراء، يقول أحدهما له: يا عمي! تعرف أبا جهل؟ قال: نعم أعرفه، قال: إذا رأيته فدلني عليه، قال: ولم؟ قال: قد أقسمت لو رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يكون الأعجل منا قتيلاً، أي: لا أفارقه حتى أقتله، أو أموت شهيداً رضي الله ﵎ عنه.
فقال الآخر: يا عمي! تعرف أبا جهل؟ فيعجب من هذا، وإذا بـ أبي جهل يخرج مثل الحرجة، والحرجة: الغابة الكثيفة، فقال عبد الرحمن بن عوف: ذاك صاحبكما، وأشار إليه، وإذا بهما ينطلقان إليه، وفعلا ما قالاه، فهذا يضربه من هنا وهذا يضربه من هنا، حتى جندلاه على الأرض وأوقعاه، وذهبا إلى النبي ﷺ كل منهما يقول: أنا قتلته يا رسول الله! فتعجب النبي ﷺ وفرح بهما وقال لأحدهما: (أرني سيفك، أرني سيفك، فلما رأى النبي ﷺ على آثار سيفيهما الدم قال: كلاكما قتله).
وإذا بـ عبد الله بن مسعود ﵁ وهو يقاتل يجد أبا جهل على الأرض، فذهب إليه وضربه بالسيف، يضرب أبا جهل بسيفه فلا يؤثر فيه.
فقال له عبد الله بن مسعود: قد أخزاك الله وأبعدك يا عدو الله، فقال أبو جهل: أبعد من رجل قتله قومه، فيضربه بالسيف فلا يؤثر فيه، فقال أبو جهل: خذ سيفي فاضربني به، فيأخذ سيفه ويحز به رقبته ويقتله، ويذهب إلى النبي ﷺ ويقول له: هذا رأس أبي جهل، فيقول النبي ﷺ : (هذا فرعون هذه الأمة)، ويأمر به وبأمثاله أن يدفنوا في قليب بدر، بئر من الآبار دفنوا فيها.
والغرض: ما الذي نصر المؤمنين في هذه الموقعة؟ فهذه صورة رجل من الكفار هو أبو جهل، وهذا ابن مسعود يضربه بالسيف لا يؤثر فيه، وهذا غلام صغير وهذا غلام صغير، وعبد الرحمن بن عوف يتمنى لو أنه بين أقوى منهما، هل مثل هذا الجيش بتقدير العقل يغلب وينتصر؟ في تقدير العقل يقول: لا يمكن ذلك أبداً، ولكن الأمر ليس أمر العقل، الأمر أمر الله الذي يمن على المؤمنين فيقول: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال:١٧]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣].
فلما يتوكل المؤمنون على الله ويعلمون أن الله هو الذي ينصرهم، وأنه هو الذي يعزهم ويقويهم، ويهلك أعداءهم، يأتي النصر من الله سبحانه، فأعدوا العدة وثقوا في الله وتوكلوا على الله سبحانه، وإذا انعكس الأمر وظن المؤمن أنه هو الذي يغلب العدو وهو الذي يقاتل العدو فإن الله سبحانه قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].
فتح المؤمنون مكة في العام الثامن من الهجرة في رمضان، وعفا النبي ﷺ عن أهل مكة، ودخل من أهل مكة جيشان مع جيش النبي ﷺ أسلموا، وتوجهوا إلى الطائف إلى هوازن للقتال هناك، وتحصن أهل الطائف من النبي ﷺ ، ووقف أهل هوازن للنبي ﷺ على جبلين، والمسلمون ذهبوا إلى هنالك فرحين بالنصر الذي فات، وكثيرون منهم شباب، وكثيرون منهم من قريش دخلوا مع النبي ﷺ ومن أهل مكة، فلما رأوا أن فتح مكة كان سهلاً أخذهم الغرور، فلم يأخذوا عدتهم للقتال ولم يلبسوا دروعاً وذهبوا يقاتلون بهذه الصورة، واغتروا بعددهم فقد كان عددهم اثني عشر ألفاً، فذهبوا إلى هنالك، وانتظرهم المشركون فوق الجبال، وبالسهام والرماح كادوا يقضون عليهم، وفر الجيش كله، ويثبت النبي ﷺ ويثبت معه أصحابه الأفاضل أبو بكر وعمر وغيرهم، ويثبت مع النبي ﷺ آل بيته رضوان الله تبارك عليهم.
فيقوم النبي ﷺ في ثمانين من أصحابه، إذ لم يثبت من أصحابه إلا ثمانون من اثني عشر ألفاً مع النبي ﷺ ، فسيد المتوكلين صلوات الله وسلامه عليه يقف في موطن يفر فيه المؤمنون الشجعان، ويفر فيه الأنصار والمهاجرون، ويقف النبي ﷺ للكفار، ويتقدم عليهم ﷺ ويقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب) صلوات الله وسلامه عليه.
وإذا به يتقدم إليهم، لولا أن العباس كان يحوش بغلة النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يتقدم
стр. 3104
تفسير سورة الشورى [٣٦ - ٣٧]
متاع الدنيا زائل، وما في الآخرة خير وأبقى، وقد عرف المؤمن ذلك فهو يجتنب الفواحش والكبائر، وتراه متوكلاً على الله، ويعفو عمن ظلمه، والكبائر كثيرة مبسوطة أدلتها في الكتاب والسنة، فعلى المسلم أن يجتنبها ليفوز برضا الله سبحانه في الدنيا والآخرة.
стр. 3105
تفسير قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٦ - ٣٧].
ذكر الله أن الإنسان مهما أوتي في هذه الدنيا من نعم الله فهو متاع قليل، وهو زينة الحياة الدنيا، قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف:٤٦]، فالذي يؤتاه العبد في الدنيا ينبغي عليه أن يشكر الله عليه، ولا يفعل ذلك إلا المؤمنون الذين ذكر الله صفاتهم هذه، قال تعالى: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، للمؤمنين، المتوكلين، المستجيبين لله سبحانه، الذين يجتنبون ما حرم الله، ويفعلون ما أمرهم الله به، والذين يكبتون أنفسهم عن غيظها وعن ملذاتها إلا ما أحل الله .
ووصف الله الذين آمنوا بقوله: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، وما عند الله خير وأفضل من هذه الحياة الدنيا، ولا وجه للمقارنة، فالدار الآخرة للمؤمنين الصالحين، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨٣].
стр. 3106
الإيمان شرط في قبول العمل الصالح
فالإنسان المؤمن التقي الذي لا يبتغي العلو ولا الإفساد في الأرض، ولا البغي على الخلق ولا الطغيان هو الذي لا يظلم أحداً، فإن هذا الإنسان المؤمن له عند الله هذه الدار الآخرة، قال تعالى: (لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)، إذاً: هذه من أول صفاتهم: الإيمان، أما الكافر فليس له عند الله شيء، فإذا مات الإنسان الكافر فقد أعطاه الله في الدنيا ما شاء سبحانه، فإذا جاء يوم القيامة وقال: لقد عملت صالحاً، كنت أصل الرحم، كنت أتصدق، كنت أفعل كذا، يقال له: لا ينفعك هذا كله؛ لأنك لم تكن مؤمناً بالله .
والذي يعمل الخير ابتغاء وجه الله سوف يأخذ أجره من الله، والذي يعمل الخير ابتغاء مرضاة الناس سيأخذ ثوابه من الناس، فسوف يمدحونه، ويشكرونه، وسيأخذ شهرة في الناس، فقد أخذ أجره في الدنيا؛ لأنه لم يبتغ به وجه الله .
لذلك الكافر فعل هذا في الدنيا حتى يقال: إن هذا إنسان جواد، ويقال عنه: جواد حتى يشتهر، ويأخذ عند الناس منصباً كبيراً، ويكون رأساً فيه، والناس يمدحونه ويحبونه ويثنون عليه، لكن الله سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان صالحاً ولوجهه خالصاً، ولذلك فإن الكافر يطلب العمل الحسن الذي عمله، ويظن أنه يؤجر عليه يوم القيامة، فيقول الله : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان:٢٣]، أي: يصير كالهبأة التي تراها في الغبار وذرات الغبار، وكذلك عمله صار هَبَاءً مَنْثُورًا؛ لأنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي، رب ارحمني، ولذلك جبير بن مطعم بن عدي سأل النبي ﷺ عن عمل أبيه مطعم، وجبير كان مسلماً وأبوه كان رجلاً كافراً، وكانت له خصال حميدة وكثيرة جداً مع الناس، من إطعام الفقراء، واسمه مطعم؛ لأنه كان يطعم الناس، فيسأل جبير النبي ﷺ : (إن أبي كان يفعل من البر هل ينفعه ذلك عند الله؟ قال: إنه لم يقل يوماً من الدهر: رب اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
فلم يكن يؤمن أن هناك بعثاً، بل كان يعمل هذا للدنيا فقط، وأخذ ثوابه في الدنيا من ثناء الناس عليه، ومن كلامهم الطيب عنه، ومن شكرهم له، أما عند الله فلا ينتفع بعمل تطلب به الناس وتطلب به الله في نفس الوقت؛ لأن العمل لابد أن تطلب به الله وحده لا شريك له.
إن أصل الأصول هو توحيد الله ، والإيمان بما جاء من عند الله سبحانه والتصديق به، فإذا صدق الإنسان بذلك نفعه هذا الذي فعله، وإذا لم يكن مصدقاً لم ينتفع بشيء، قال الله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف:١٠٣ - ١٠٤]، فقوله تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ)، أي: هل نخبركم عن هؤلاء؟ قال تعالى: (بِالأَخْسَرِينَ)، أي: أخسر الخلق (أَعْمَالًا)، قال تعالى: (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)، أي: تاهوا وضاعوا، اتبعوا شيئاً خلاف ما قاله الله ، فكان سعيهم لغير وجه الله سبحانه، فضل وضاع، فلما جاءوا يوم القيامة لم يجدوا شيئاً عند الله ، لأنهم (ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، ومصيبتهم أنهم (يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا).
والإنسان إذا كان عاصياً نرجو أن يتوب هذا العاصي، ويعلم أنه عاص لله سبحانه، فإذا كان لا يعرف أنه يعصي فكيف يتوب؟ وإذا كان لا يعرف الحق، أو ترك الحق وراءه وضل وسار على الضلال، فكيف يقبل الله منه عملاً صالحاً يعمله؟ فالمسافر إذا أخبرته أن هذا المكان خاطئ، وعرف أن المكان خطأ، فسار فيه فلعله يضيع ولعله يرجع، ولكن الإنسان إذا عرف طريق الصواب، ومشى في الطريق الخطأ وهو يظن أنه على صواب حتى ضاع في النهاية، فمستحيل أن يرجع هذا الإنسان وهو يظن أنه على صواب، كذلك هؤلاء قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ [الكهف:١٠٤]، أي: خاب وخسر سعيهم في الحياة الدنيا، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف:١٠٤ - ١٠٥] حبطت أعمالهم أي: خاب سعيهم وشقوا في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا لم يعرفوا ربهم ولم يصدقوا بما جاء من عند ربهم، فعملوا أعمالاً ابتغاء وجه الناس، وعملوا أعمالاً يظنون أنها تخلدهم ذكراناً بعد موتهم، فلما ماتوا ولقوا ربهم سبحانه لم يجدوا أعمالهم، فضاعت منهم هذه الأعمال التي طلبوا بها الناس في الدنيا.
لذلك على المؤمن أن يصدق بالله سبحانه، ويعمل لله سبحانه، ويتوكل على الله سبحانه.
стр. 3107
تفسير قوله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون)
ومن صفاتهم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]، فهذه ثلاثة أوصاف لهؤلاء: يجتنبون كبائر الإثم، ويجتنبون الفواحش، (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)، فهو إنسان مؤمن تقي نقي يبتعد عما حرم الله سبحانه ويجتنب الكبائر، وهنا قال تعالى: (كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ)، فالإثم مضاف إلى الكبائر، والفواحش معطوف على الكبائر، فالكبائر كبائر، والفواحش كبائر، إذاً: هم يجتنبون كل الفواحش، فلا يقع المؤمن في الفاحشة أبداً، ويجتنب جميع الكبائر، والله عظيم وكريم قد وعد عبده المؤمن أنه إذا اجتنب الكبائر في الدنيا يكفر عنه عند وفاته سيئاته.
стр. 3108
من الكبائر اليمين الغموس
قال النبي ﷺ في الحديث: (واليمين الغموس)، وهي مأخوذة من الغمس، فاليمين الغموس تغمس صاحبها في النار والعياذ بالله.
واليمين الغموس أن يأخذ الإنسان الشيء أو يفعل الفعل ثم ينكر ويحلف بالله أنه ما فعل ذلك، ليقتطع مال امرئ مسلم بعير حق، أو رجل آخر يأخذ وديعة من رجل آخر، فيأخذ الوديعة ويصرفها على نفسه، ولما يأتي صاحبها ويطلب حقه ينكره ويقول: لم تعطني شيئاً، أو متى أعطيتني؟ فيقول صاحب الوديعة: والله لقد أعطيتك ويحلف عليه، فيقول الذي أخذ الوديعة: والله ما أخذت منك شيئاً، فيحلف ليستحل مال المسلم، فإذا فعل ذلك استحق أن ينزل ويحل في نار جهنم والعياذ بالله باليمين الغموس.
واليمين الغموس لا كفارة لها؛ لأنها ذنب أعظم من أن تقول: أصوم وأنجو من العذاب، فإنها لا كفارة لها إلا أن تدركك رحمة الله ، فتتوب وتعيد الحقوق لأصحابها، وإلا يعذبك الله، قال النبي ﷺ : (وما حلف حالف بالله يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح بعوضة)، أي: شيء تافه لا قيمة له، أخذ من الآخر شيئاً بسيطاً من ماله ثم حلف بالله أنه لم يأخذ شيئاً واستهان بذلك، قال ﷺ : (إلا جعلت نكتة - نقطة سوداء- في قلبه إلى يوم القيامة).
ومن الكبائر التي ذكرها النبي ﷺ وحرمها ومنعنا منها: الرشوة، وقد ذكر القرآن عن اليهود أنهم كانوا يأكلون السحت، وأنهم كانوا يتعاملون بالرشوة، فالرشوة من الكبائر، وأكل السحت من الكبائر، والإنسان قد يقع فيما حرم الله فيتحمل الوعيد من الله ، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨]، وكذلك قال النبي ﷺ : (والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قالوا: من يا رسول الله؟! قال: من لا يأمن جاره بوائقه)، فهو إنسان شرير يخيف الجيران فيكون الجار خائفاً منه أن يسرقه أو يؤذيه أو يضرب عياله، فمثل هذا قد نزع النبي ﷺ منه الإيمان وقال: (والله لا يؤمن)، فهذا الجار المؤذي قد استحق بهذه الخصال الشريرة أن يكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر.
قال النبي ﷺ في الحديث الآخر: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السرقة وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم وهو مؤمن) إذاً: هؤلاء وقعوا في جرائم، فهو إنسان سارق، وإنسان منتهك، وإنسان مختلس، وإنسان مغتصب وقعوا في كبائر، وليس عندهم إيمان في حال وقوعهم في هذه الكبائر.
стр. 3109
الربا من كبائر الذنوب
وهناك كبائر من الذنوب نص النبي ﷺ على أشياء منها، فالربا مثلاً من أفحش ما يقع فيه الإنسان من الذنوب، يقول لصاحبه: أسلفك مائة على أن تردها لي مائة وعشرة، أو تردها لي مائتين، فهذا يأكل دماء ولا يتاجر، فلابد أن تعطي إنساناً القرض على سبيل المواساة والرفق به، وتأخذ مالك بعينه، ولا يجوز لك أن تقرض الإنسان شيئاً وتقول: لو وضعت هذا في البنك لربحت كذا، ولو شغلتها لربحت كذا، فإذا أردت أن تأخذ مني قرضاً ثم ترده بزيادة ووافقت فهذا حرام لا يجوز؛ لأنك لو نظرت النظرة الأخرى لوجدت أن مالك سيضيع ويبور، لكن ضع مالك معك ولا تأخذ رباً على ذلك، فإذا أخذت الربا فإن الله سبحانه يقول: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:٢٧٥] أي: يقومون من قبورهم يوم القيامة مثل المصروعين، والسكارى، يترنحون شمالاً ويميناً بسبب أكلهم أموال الناس بالباطل، وشربهم من دماء الناس بالباطل.
قال النبي ﷺ في حديث طويل ذكره سمرة بن جندب: (رأيت الليلة رجلين -وذكر في الحديث- قال: فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع حيث كان قال: فقلت: من هذا؟ فقال: آكل الربا).
هذا عذابه في البرزخ إذا كان في قبره، وقد ذكر النبي ﷺ أصنافاً من الناس يعذبون في قبورهم، من هؤلاء الذين يعذبون آكل الربا؛ لأنه كان يسلف ويقول: أعطيك المائة وتردها لي مائة وعشرة، سأعطيك الألف ورتده لي ألفاً وكذا، هذا الذي يأكل دماء الناس في قبره يكون في نهر من دماء الناس يسبح فيه، فالإنسان إذا جرح ونزف الدم ثم وقف يذهب ليغسل يديه من أثر الدم، فكيف بمن يسبح فيه كله، كما كان في الدنيا طعامه وشرابه من ذلك، كذلك هو في قبره يغوص في هذا الدم ويسبح فيه.
وفي الدنيا الإنسان إذا أراد العوم في ماء البحر لا يعرف أن يعوم؛ لأن الماء كثير، فيصعب عليه السباحة، فكيف به إذا كان يسبح في نهر من دم، ومع ذلك يسبح ويريد أن يهرب من هذا النهر، فإذا وصل إلى الشاطئ فتح فمه ليتنفس، وإذا بالذي يقف على شاطئ النهر معه حجر يرمي به في فم هذا الإنسان، فيرجع مرة أخرى إلى النهر ليسبح، وهكذا إلى أن تقوم الساعة وهو على هذه الحال.
وقد أخبرنا النبي ﷺ أن من علامات الساعة: من يحل للناس الحرام ويغير اسمها بأسماء أخر، فمنهم من يستحلون الخمر ويتناولونها ويشربونها، ويسمونها بغير اسمها، فتراهم يشربون الخمر ويقولون: هذا ليس خمراً، هذا اسمه حشيش، أو هذه بودرة، فيغيرون اسم الخمر، والنبي ﷺ يقول: (والخمر ما خامر العقل)، أي شيء تشربه ويذهب عقلك فهو الخمر بعينه، سواء كان جامداً أو يابساً أو طرياً، فكل ما تشربه ويذهب عقلك أو يخالط عقلك فهو من الخمر، ولكنهم يسمونها بغير اسمها ويستبيحونها ويحللونها، وكذلك الربا يسمونه: فوائد البنوك، ومن ثم يقولون: هو مال حلال ليس فيه شيء من الحرام، ويقولون لك: خذ بقول المبيح، وهذه قاعدة عجيبة جداً ما سمعناها أبداً، وما قالها أبداً أحد من أهل العلم، وهو قولهم: المسائل إذا اختلف فيها فخذ بقول المبيح، والقاعدة هي: خذ بقول من تثق فيه، ليس بقول المبيح، وإلا لأصبح كل واحد يبيح شيئاً فيأخذ الناس منه ما أباح فيبيحون الخمر والربا والسرقة، فيصبح الدين كله خذ بقول المبيح ولا حول ولا قوة إلا بالله، فهذه قاعدة ما سمعناها أبداً، وما قالها أحد أبداً، لا من فقهاء الإسلام ولا من الأصوليين ولا من غيرهم من علماء الدين، بل هذه قاعدة شيطانية يجعلها بعض الناس ليستبيحوا ويستحلوا ما حرم الله .
إنما على الإنسان إذا استفتى أن ينظر من الذي يفتيه، وينظر إلى دينه وإلى علمه، قال معاذ رضي الله ﵎ عنه: (احذروا من زيغة الحكيم، قالوا: وكيف نعرفها؟ قال: إن الشيطان يأتي للحكيم فيجعله يغيب ويبعد عن الصواب)، فالناس لا يسكتون جميعاً، بل لابد أن يجعل الله في أمة النبي ﷺ من ينكر المنكر على صاحبه.
إن ابن عباس ﵄ من علماء أصحاب النبي ﷺ سمع حديثاً ولم يعرف باقيه فحدث بالذي سمعه فقال: (لا ربا إلا في النسيئة)، وهو عالم عظيم ﵁، ولكن فلتة عظيمة وقع فيها رضي الله ﵎ عنه، فإذا بالناس يقفون له ويقولون: ما هذا الذي تقول؟ الربا في النسيئة وفي غير النسيئة، فقد نهى الله عن الربا، قال: والله ما قلت إلا ما سمعت من فلان، إذاً: هو سمع شيئاً فحدث، ولم يسمع الباقي فأخطأ رضي الله ﵎ عنه.
فلذلك العلماء يقولون: معنى الحديث: أن الربا الذي كان موجوداً عندهم هو ربا النسيئة، فإذا كان ربا النسيئة حراماً وأنت تستفيد منه، فكيف يكون ربا الفضل حلالاً؟ والفرق بين الاثنين: أن ربا النسيئة أن تستقرض الألف وبعد شهر تردها ألفاً ونصف الألف، وهو حرام لا يجوز، أما ربا الفضل فكأن يقول لك: خذ ألفاً وأعطني ألفاً ونصف الألف، فقوله: (لا ربا إلا في النسيئة)، أي: الغالب ذلك، فإذا كانت النسيئة حراماً فربا الفضل أشد حرمة منه، ولكن ابن عباس حدث بذلك فأخطأ ﵁ فوقف، فهو صحابي وعالم كبير.
وحدث ابن عباس بنكاح المتعة بأنه يجوز، فقام له الصحابي علي بن أبي طالب وقال له: إنك إنسان تائه، وهذا اعتراض من علي بن أبي طالب ﵁ على ابن عباس، قال: إنك إنسان تائه، ثم قال: (لقد حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر لحوم الحمر الأهلية وحرم المتعة).
فالحكيم قد يقع في الخطأ، ولكن لن تتركه الأمة على خطئه، بل يقومونه إذا أخطأ، فلذلك حذرنا معاذ من زيغة الحكيم، ولم يحذر من زيغة بقية الناس؛ لأن الإنسان الذي يقوم أمام الناس وهو قدوة لهم أو يظنون فيه أنه كذلك قد يقتدون به في خطئه، والعصمة في كتاب الله وسنة النبي صلوات الله وسلامه عليه، فقد حرم الله الربا، وكل العلماء إلى سنين قليلة ماضية متفقون على أن فوائد البنوك حرام، ولكن الوضع تغير الآن، فقد جعلوا هذه الفوائد حلالاً بعدما كانت حراماً، وهي بنوك لم تتغير معاملتها إلى الآن، فاحتالوا على الناس وقالوا: نجعل فرعاً إسلامياً في هذا البنك والمعاملة نفس المعاملة، والموظفون نفس الموظفين، والإنسان المؤمن حين يسمع أحاديث الربا يخاف على نفسه.
هذا سيدنا رسول الله ﷺ جاءه بلال رضي الله ﵎ عنه بتمر جيد، وقد كان من نصيب النبي ﷺ تمر رديء، فسأله النبي ﷺ : (أكل تمرنا هكذا؟)، أي: تمرنا تمرنا تمر رديء فمن أين أتيت بهذا؟ قال: إني أبيع الصاع بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال النبي ﷺ : (أوه! عين الربا، لا تفعل) أي: فأنت قد وقعت في الربا، وبلال لم يكن يعرف ذلك رضي الله ﵎ عنه، وعلمه النبي ﷺ كيف يتخلص من التمر الرديء، فقال: (بع التمر الرديء بالمال، واشتر بالمال التمر الآخر)، إذاً: جعل له النبي ﷺ أن يتصرف ببيع التمر الرديء بالمال، ثم يشتري بالمال التمر الآخر، لكن لا يبع التمر بالتمر، فإن التمر جنس ربوي والتمر الآخر جنس ربوي، ولذلك قال: (أوه!)، أي: يتأوه ويتوجع لهذا الذي فعله، وقال: (هذا عين الربا).
فالربا مصيبة، ومهما ظن المرابي أنه رابح وأنه سوف يكون له مال كثير، فإن عاقبته في النهاية إلى قلة وإلى ذلة وإلى ضياع، كما أخبرنا النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال: (الربا ثلاثة وسبعون باباً)، وفي رواية: (اثنان وسبعون حوباً -ذنباً- أدناه كالذي يأتي أمه في الإسلام)، والعياذ بالله! فهذا أدنى ما يكون من الربا، فكيف تقبل من نفسك أن تفعل ذلك؟ وإذا تكلمنا عن البنك نتكلم عن المعاملات أيضاً، فمن الناس من يفتح بقالة، فيأتيه شخص ويعطيه عشرة آلاف جنيه ويقول: شغل هذه النقود لي، وسأعطيك كل شهر مائتي جنيه، فكيف يشغل هذا المال من أجل أن يعطيه كل شهر مائتي جنيه؟ فإما أن يشغل هذا المال مضاربة، وإما أن يكون مستلفاً منه هذا المال، فعلى صاحب البقالة أن يرد المال كما كان من غير زيادة، أو يوضح ما الذي يصنع فيه.
فإذا أردت أن تشغل مال شخص ما، وأخذت منه ألف جنيه، فإذا شغلتها مع مالك كله فتحسب، فتقول مثلاً: مالي عشرة آلاف، ووضعت عليها هذا الألف فصارت إحدى عشر ألفاً فأشغل الجميع، وفي النهاية تقول لصاحب الألف: لك من ربح مالك خمسون في المائة ولي خمسون في المائة من الربح، فإذا خسر المال وكان بتفريط مني فالخسارة علي جميعها، وإذا كان قضاء الله وقدره من غير تفريط مني فنتحملها جميعاً.
هذا إذا أراد أن يضارب بأموال الناس، أما أنه سيأخذ منك عشرة آلاف ويعطيك كل شهر مائتين وهكذا، وأنت تطالب بحقك وتريد مائتين وخمسين، فتجد البعض من الناس بسماجة وغباء يقول لك: أنا لا أتعامل بالربا، فالربح مرة كذا، ومرة كذا، مرة أعطيك مائتين، ومرة أعطيك مائتين وعشرة، فكونك حددت ربحاً على رأس المال فهذا هو الربا.
والمعاملة بالمضاربة أن يأخذ نسبة من الربح، فإذا كان الربح ألفاً يشغل هذا الربح، فإذا كان منه نصف الربح يكون لطرف واحد ربع الربح، وهذا الذي يأخذه ليس من رأس المال، بل من الربح الذي يحصل، فإن لم يكن في ذلك ربح فليس له شيء طالما عمل الطرف الثاني الذي عليه، فهذا الذي يجري في المضاربة الشرعية التي لا يكون عليه شيء فيها، أما أخذ أموال الناس بصورة من صور الربا، فهو داخل تحت هذه الأحاديث التي قالها النبي صل
стр. 3110
اجتناب الكبائر من صفات المؤمنين
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء:٣١]، فالكبائر: كل ما حرمه الله وتوعد عليه بعقوبة من عنده أو بعذاب أو بغضب أو بلعنة أو بحد يكون في الدنيا، وما ألحق بذلك مما لا حد فيه ولكنه مثل هذه الكبائر.
فالعلماء يقولون: الذنوب تنقسم إلى: كبائر وصغائر، والإنسان حين يتعامل مع ربه سبحانه يعلم أن ربه هو العظيم الكبير فلا يخطئ في حق الله سبحانه، فإذا وقع في معصية يبادر بالتوبة إلى الله، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، والمؤمنون الذين وعدهم الله بالنجاة لا يقعون في الكبيرة؛ لأنهم يريدون النجاة يوم القيامة، بل إن المؤمن يخاف من الصغائر، ولا يستهين بها؛ لأن الاستهانة بالذنب تجعله كبيرة من الكبائر، فلو أنه واظب وداوم على صغيرة من الصغائر مستهيناً بهذه الصغيرة فإنه يستهين بحق الله .
ولذلك الذنب إذا تهاون به صاحبه واستهان به فهو من الكبائر أو ملحق بالكبائر؛ لأنه يشعر أنه لا دين عنده، فهو يعصي الله، ويتلذذ بمعصية الله ، ولذلك قال العلماء: إذا استهان العبد بالمعصية فوقع فيها، وفعله يدل على الاستهانة بحق الله، فإن هذه الاستهانة تُصَير المعصية كبيرة من الكبائر.
стр. 3111
اجتناب الفواحش من صفات المؤمنين
قوله تعالى: (وَالْفَوَاحِشَ) أي: ويجتنبون الفواحش، والفواحش: ما فحش من الذنوب الكبيرة، وقد يكون منصوصاً على الكثير منها أن الفواحش من الكبائر، ولكن هي أشياء تنبئ بشيء من الرذالة والنتانة والقذارة، فالفاحش يقع في الفحش من الشيء، والمؤمن ليس فاحشاً؛ لأن الإنسان الذي يفحش يكون لسانه بذيئاً، وهذا إنسان فاحش بالقول، وإذا كانت أفعاله تدل على الفحش فهذه فواحش الأفعال.
يقول العلماء: الفحش والفحشاء والفاحشة: القبيح من القول والفعل، والقبيح: الشيء السيئ، يقال: أفحش عليه في المنطق بمعنى: كلمه بكلام بذيء، أي: قال القبح من القول، ورجل فاحش أي: ذو فحش، وفي الحديث في سنن أبي داود قال النبي ﷺ : (إن الله يبغض الفاحش المتفحش)، فهذا بغيض إلى الله، ومن أبغض العصاة إلى الله سبحانه، وكل العصاة يبغض الله فيهم معصيتهم، ولكن هذا أشد الناس بغضاً؛ إذ يبغضه الله لفحشه وتفحشه.
يقول العلماء: والفاحش: ذو الفحش والخنا من قول أو فعل، يقع في الزنا ويقع في المحارم، والمتفحش: الذي يتكلف سب الناس ويتعمد ذلك، والفاحش في الحديث: هو كل ما اشتد قبحه، والنبي ﷺ أخبر أن المؤمن ليس بالفاحش ولا بالبذيء، وكثيراً ما تأتي كلمة الفواحش بمعنى الزنا.
стр. 3112
ذكر بعض كبائر الذنوب
إذاً: المؤمنون يجتنبون الوقوع في الكبائر، والكبائر كثيرة، جاء عن النبي ﷺ نصوص على بعضها، ويلحق بها غيرها، فمما ما جاء عنه ﷺ قوله: كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة (اجتنبوا السبع الموبقات)، أي: المهلكات، فهي سبع كبائر من أعظم الكبائر التي يقع فيها الناس، قال: (الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات).
فهذا الحديث ذكر سبعاً من أكبر الكبائر، وفي رواية أخرى ذكرها وذكر فوقها اثنتين، فقال ﷺ : (وعقوق الوالدين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتاً).
من هذه الكبائر: الشرك بالله الذي لا يغفره الله ، والسحر، فالذي يتعلم السحر يتعلم الكفر، وقد أخبر الله في كتابه عن هاروت وماروت أنهما يعلمان الناس السحر، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢]، أي: لا تكفر بتعلم السحر، وبعمل السحر، فمن الكفر التعامل بالسحر وعمل السحر.
قال: (وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق)، فهذه من كبائر الذنوب العظيمة، أن يقتل نفساً حرم الله قتلها إلا بالحق.
قال: (وأكل الربا)، فأكل الربا من أكبر الذنوب والمعاصي، ومن أفحش ما يقع فيه الإنسان؛ لأنه يعلم أنه يمص دماء الناس، يعطي ديناً ويأخذ عليه مالاً فوق المال الذي أعطاه.
قال: (وأكل مال اليتيم)، كأن يكون عمهم أو أخاهم الأكبر، فيتولى أموالهم ويأخذ منها ما ينفقه على نفسه وعلى أهله وينفقها في الحرام، فهو يضيع على اليتامى أموالهم، وهذا من أقبح ما يكون، وإن لم تنزل الشريعة بتقبيحه، فعقل الإنسان يقبح مثل ذلك.
قال النبي ﷺ : (والتولي يوم الزحف)، أي: أن يتولى الإنسان حين يلتقي الصفان، والمؤمنون يطلبون الشهادة والنصر من الله فإذا به يهرب ويدخل في قلوب المؤمنين الوهن، ويجعل الناس يخافون من أعدائهم، لأنه بدأ بالهرب فجعل غيره يقلده في ذلك.
قال النبي ﷺ : (وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)، وهو أن ترمي امرأة محصنة فاضلة مستورة بجريمة الزنا، فهذا من كبائر الذنوب.
قال: (وعقوق الوالدين)، أي: أن يعصيهما ولا يبر بهما، يأمرانه بالمعروف وهو يرفض ذلك، وينهيانه عن المنكر وهو يرفض ذلك، فهو لا يطيع الوالدين، بل يقطع ويعق، وهذا من كبائر الذنوب.
قال: (واستحلال البيت الحرام)، أن يستحل ارتكاب الذنوب في بيت الله الحرام، ويستحل أن يقاتل المسلمين فيه، ويستحل أن يؤذي الناس في بيت الله الحرام، ويستحل ما حرم الله في المسجد الحرام، أو في بيت الله الحرام قبلتنا أحياء وأمواتاً، كما قال النبي ﷺ .
كذلك جاء عنه ﷺ في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو: (إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه)، والصحابة ما كانوا يتخيلون ذلك، بل العرب لم يكن عندهم أن واحداً يعق أباه أو أمه، مستحيل أن يوجد ذلك؛ لأن العربي بطبيعته يحب أباه ويوقره، ويوقر جده، ويعرف أهله وحق أهله، ولذلك كانوا يذهبون إلى النبي ﷺ ليقولوا له على عادتهم التي كانوا يقولونها: (إني سائلك عن شيء، فيقول: سل، فيقول: أنت خير أم جدك عبد المطلب؟).
فعلى عادة العرب أنه ليس من الممكن أبداً أن يقول أحدهم: أنا أحسن من أبي، أو أحسن من جدي، بل كانوا يفتخرون بآبائهم وأجدادهم، لذلك فإن الرجل يسأل النبي ﷺ على مقتضى هذه العادة التي عنده: (أنت خير أم عبد المطلب؟)، فلا يرد عليه النبي ﷺ ، فهو خير من على الأرض جميعهم صلوات الله وسلامه عليه.
الشاهد: أن العرب كانوا يوقرون الآباء، لذلك لما قال النبي ﷺ : (إن من أكبر الكبائر أن يسب الرجل والديه، قالوا: وهل يسب الرجل والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب الرجل أباه، ويسب أمه فيسب أمه)، فالرجل قد يسب أبا الرجل، فيقوم الآخر بالرد عليه فيسب أباه وأمه، إذاً: هذا تسبب في لعن أبيه، فمن الفعل القبيح أن يشتم أبا الرجل، ومن الفحش أن يشتم أباه وأمه، وهذا مما يقع فيه الناس من فواحش الذنوب.
أيضاً قال النبي ﷺ : (إن من أكبر الكبائر: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، واليمين الغموس)، فمن أكبر الكبائر والذنوب: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والعق بمعنى: القطع، أي: يقطع والديه، قال: واليمين الغموس، فهذه كبيرة أخرى من الكبائر لم تذكر في الحديث السابق.
إذاً: مفهوم العدد الذي قاله النبي ﷺ هو للتعليم فقط، لبيان سبع من الكبائر، وليس المقصود: الحصر في السبع أو التسع فقط؛ لأن الكبائر كثيرة؛ ولذلك قال ابن عباس ﵁ حين سئل: الكبائر سبع؟ قال: هن إلى السبعين أقرب.
стр. 3113
تفسير سورة الشورى الآية [٣٧]
يخبر الله تعالى أن من صفات المؤمنين الإيمان بالله والتوكل عليه، واجتناب كبائر الإثم والفواحش، فهم قد يقعون في الصغائر أما الكبائر والفواحش فهم يجتنبونها، وقد جاءت النصوص بالتحذير من كبائر الذنوب، وهي تتفاوت، فبعضها أشنع من بعض وأفظع، فالذي ينبغي للمؤمن أن يحذر من الوقوع في الكبائر والفواحش، وأن يبتعد عنها وعن أصحابها؛ حتى يسلم منها.
стр. 3114
تفسير قوله تعالى: (فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وإذا ما غضبوا هم يغفرون)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
وقفنا في سورة الشورى عند قول الله سبحانه: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٦ - ٣٧].
الإيمان بالله والتوكل عليه من صفات الذين أعد الله لهم في الدار الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهؤلاء اتصفوا بهذه الصفات التي أرضوا بها ربهم .
ومن صفاتهم أيضاً: اجتناب كبائر الإثم واجتناب الفواحش، والإنسان يستحيل ألا يقع في صغيرة؛ لأنه ليس معصوماً، وإنما المعصوم من اصطفاه الله وجعله نبياً ورسولاً، فقد قال ﷺ : (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون) أي: كل إنسان يقع في المعصية، والمعصية تنقسم إلى صغائر وإلى كبائر، والكبائر منها الفواحش، وهي ما يفحش في طبع الإنسان، ويرى ذلك شيئاً فاحشاً عظيماً شديداً، وهو كبيرة كغيره، ولكن حين يسمع الإنسان عن هذا الفعل الذي يفعله فلان يستشعر بعظيم قبح هذا العمل الذي عمله، وإن كانت كل الكبائر قبيحة وكلها تمجها طباع المؤمنين، ولكن ما فحش منها كان أعظم.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ [الشورى:٣٧] ذكر النبي ﷺ أحاديث كثيرة عدد فيها بعضاً من هذه الكبائر، وهي كثيرة، فحين يذكر ثلاثاً من الكبائر ليس معناه أن هذه الثلاث هي الكبائر فقط، وحين يذكر سبعاً من الكبائر ليس معناه: أنه لا توجد غير هذه السبع، لكن المعنى: أن هذه كلها من الكبائر وبعضها أعظم من بعض، وأعظم وأفحش الكبائر التي يقع فيها الإنسان الشرك بالله ، وكذلك السحر، إلى أخر ما ذكر النبي ﷺ أشياء أخرى غير ذلك.
ومن الأحاديث قوله ﷺ في الكبائر: (اجتنبوا السبع الموبقات، قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، والزنا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) فهذه من الكبائر التي يقع فيها الإنسان.
وذكر النبي ﷺ من الكبائر: استحلال الكعبة، وعقوق الوالدين.
ويذكر القرآن لنا أشياء من الكبائر.
стр. 3115
استحلال الخمر والزنا والمعازف في آخر الزمان وعقوبة ذلك
جاء في صحيح البخاري: (ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف).
قوله: (يستحلون الحر) أي: يستحلون الزنا، (والحرير والخمر والمعازف) أي: هؤلاء الأقوام يستحلونها ويتعاملون بها على أنها حلال ليس فيها شيء، فتراهم يشربون الخمر، ويلبسون الحرير، ويسمعون المعازف، ويذهبون إلى الملاهي، ويقعون في الزنا.
ثم قال: (ولينزلن أقوام إلى جنب علم) أي: يذهبون في رحلة صحراوية بجوار جبل من الجبال يلعبون هنالك، قال: (تروح عليهم سارحتهم فيأتيهم آت لحاجته، فيقولون له: ارجع إلينا غداً) عندما يأتي صاحب الحاجة يطلب حاجته منهم يقولون: تعال غداً، أما الآن فهم يلعبون ويبتعدون عن ربهم سبحانه، فإذا فعلوا ذلك قال: (فيبعثهم الله ويقع العلم عليهم، ويمسخ منهم آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة).
نسأل الله العفو والعافية، هذه ذنوب ومعاصي الناس.
والآن يشنشنون حول استباحة هذه الأشياء بأي صورة من الصور، يقول لك: هذا الحديث أصله ضعيف، وهذا الحديث أصله كذا، وبعض الدعاة الذين كانوا قبل هذا يقولون: إن هذا حرام، تراه يتراجع قليلاً في الأمر ويقول: ليست حراماً جداً، وإنما الحرام هي الموسيقى التي هي مثيرة للفتن، أما الموسيقى التي ليست مثيرة للفتن فليست حراماً، والأغاني التي لا أدري ماذا فهو لكي يرضي الكفار ويظهر بأن الإسلام دين الوسطية يقول: ها نحن نجيز الموسيقى والرقص والأغاني وغير ذلك ونفعلها، ويقول: إن الإسلام فيه فن وفيه كذا نقول: هذا تمييع للدين، وتجد آخر يقول: أنا لا أفتي ولا أتكلم في الفتاوى، وبعد قليل تجده يقول: الموسيقى حلال ليس فيها شيء، وهي غذاء للروح، كيف تقول: أنك لا تفتي وتقول عن الموسيقى إنها حلال؟! من أين أتيت بهذا الشيء؟! والنبي ﷺ يقول: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون).
وإذا جاء إنسان كان مغنياً كافراً ودخل في الإسلام وجاء إلى صاحبنا فقال له: أنا مغن، ويقولون: إنه لا توجد أغان إسلامية، فيقول: بلى، توجد الأغاني الإسلامية، فبإمكانك أن تغني مع الموسيقى في مدائح للرسول ﷺ ، نقول لهذا: أين ذهبت بحديث النبي ﷺ الذي يمنع من ذلك وفيه: (ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف)؟ ما هي المعازف؟ أليست هي الموسيقى أم شيء آخر؟ وقد روى هذا الحديث الإمام البخاري في صحيحه، والأئمة الأربعة على المنع من ذلك، فإذا به يقول: نتوسط، ولا يلزم أن نقول: إنه حرام، دعنا نقول: إنه مكروه؛ لأن هناك موسيقى كذا وهناك موسيقى كذا، ولم نسمع هذا من النبي ﷺ .
نقول لهذا وأمثاله: لا تميع دين الله ، وحدث بما قاله الله وما قاله النبي ﷺ ، فقد قال: (بلغوا عني ولو آية) فهذا دين الله .
وقوله: (يستحلون الحر والحرير) تجد البعض يلبس الحرير ويقول: ليس فيه شيء، وهذا الحرير أنا اشتريته من مالي الحلال، وهذا الحرير وضعته في ماء زمزم، وغير ذلك من الأعذار الواهية، فلماذا تستحل الحرير؟ الحرير حرام على الرجال لا يجوز لك أن تلبسه.
قوله: (والخمر يسمونها بغير اسمها)، فيقول لك: هذا ليس خمراً، وإنما هذا أصله دواء للسعال، فتراه يشتري دواء السعال ويشرب الزجاجة كلها، وهو يعرف أن هذا الدواء فيه من الكحول، وأنه لو شرب الزجاجة كلها سيذهب شيء من عقله، وهناك فرق بين أن يكون هذا الشيء دواء يتعاطاه الإنسان، كدواء يصفه له الطبيب، وبين أن يأخذه إنسان ليشربه حتى يذهب عقله، وقد قال النبي ﷺ : (ما أسكر ملء الفرق منه فملء الكف منه حرام) أي: لو كان إنسان سيشرب مائعاً كثيراً لكي يسكر سيقول لك: لو شربت شربة واحدة لن أسكر، وإنما أصل إلى حد الإسكار عندما أشرب الزجاجة كاملة، يقول الرسول ﷺ : لا، ولا شربة واحدة منها، وملء الكف منه حرام؛ لأنه في النهاية يؤدي إلى الإسكار.
إذاً: على ذلك الإنسان الذي يضحك على نفسه ويقول: هذا ليس خمراً، وإنما هذه اسمها كذا، نقول: لا تضحك على نفسك ولا تخدع نفسك، فالمخدرات هي أشنع من الخمور، ولم تستبح في بلاد الإسلام إلا حين جاء الباطنية الروافض الإسماعيلية، فهم الذين أباحوها للناس، وقالوا للناس: الذي يتبعنا يدخل الجنة، فكانوا يعقدون لهم مجالس ويعطونهم خمراً وحشيشة تذهب عقولهم، ويقولون لهم: نحن ندخلكم الجنة ونفعل كذا أي مسلم يرضى بأن يذهب عقله الذي ميزه الله به عن الخلق؟ يذهب عقله بأن يشرب هذه الأشياء التي حرمها الله .
يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر) أي: إذا كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فلا تجلس مع أناس يشربون المسكرات، حتى وإن كنت لا تشرب؛ لأنك تصير راضياً بهذا سواء تكلمت أو لم تتكلم، فلا تجلس معهم فقد نهاك النبي ﷺ عن ذلك.
وقوله: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام بغير إزار)، الإسلام دين النظافة والطهارة، ويعود المسلم إذا كان في مكان عمومي يغتسل فيه أن يلبس إزاره، وأن يستر ما بين السرة والركبة، فكن مستتراً وأنت في هذا المكان.
وقوله: (ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل حليلته الحمام) فلا ترسل بامرأتك حماماً عمومياً للنساء فتجلس النساء عاريات بعضهن مع بعض فتكون المصيبة، فلا الرجال يجلسون في مجالس عراة بعضهم مع بعض، ولا النساء كذلك، فإن من وراء ذلك غضب الله سبحانه، فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يفعل ذلك.
ومن الأحاديث التي جاءت في الخمر قول النبي ﷺ : (كل مخمر خمر) أي: كل مغط للعقل، ومخمر الشيء هو الذي وصل إلى أن صار وتحول إلى خمرة، قال: (وكل مسكر حرام).
وقال: (ومن شرب مسكراً بخست صلاته أربعين صباحاً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال) وعيد من الله لابد أن يسقي هذا الإنسان الذي شرب الخمر أربع مرات أو تعاطى الحشيش أربع مرات أن يسقيه من طينة الخبال، قيل: (ما هي طينة الخبال؟ قال: صديد أهل النار).
ثم قال: (ومن سقاه صغيراً لا يعرف حلاله من حرامه) أي: من ضحك على طفل صغير وأعطاه خمرة يشربها، أو أعطاه حشيشاً يأكله، هذا الذي فعل ذلك قال: (كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال) هذا الذي يبيع المخدرات ويضحك على الأولاد في المدارس ويقول: ذق هذه، وشم هذه، واشرب هذه، سأعطيك مجاناً لن آخذ منك شيئاً، ومرة ومرتين إلى أن يتعود الولد على ذلك، ولعل هذا الذي يبيع لا يشربها ولا يأكلها.
فهذا الإنسان حق على الله على أن يسقيه من طينة الخبال من صديد أهل النار، فاحذروا من غضب الله، وربوا أبناءكم على حب الله وحب رسول الله ﷺ ، وعلى طاعة الله سبحانه، وحكموا شرع الله، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3116
التحذير الشديد من شرب الخمر والتبرج
قال تعال: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧] من الآثام العظيمة ذكرنا الربا، وذكرنا الرشوة والسحت، وذكرنا من ذلك الخمر، والخمر أخبر النبي ﷺ أنها أم الفواحش وأم الكبائر، فمن الأحاديث التي تدل على فاحشة هذه الجريمة -جريمة شرب الخمور- قول النبي ﷺ : (من مات وهو مدمن الخمر لقي الله كعابد وثن).
إذاً: مدمن الخمر حين يلقى الله يوم القيامة مثله مثل الذي يعبد الوثن، فعابد الوثن قد ألغى عقله فعبد غير الله سبحانه اختياراً، وهذا ألغى عقله اختياراً فوقع في الفواحش ووقع في الكبائر ووقع فيما حرم الله .
ويقول ﷺ : (الخمر أم الخبائث) وفي رواية: (أم الفواحش) وقال: (فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يوماً، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية) وكل ما خامر العقل فهو خمر، فكل شيء يأكله الإنسان أو يشربه أو يشمه أو يتعاطاه عن طريق الوريد، ويخالط عقل الإنسان فهو خمر.
إذاً: فاسحب هذا الحكم على ما يشربه الإنسان من خمر، وعلى ما يأكله الإنسان من حشيش، وما يشمه من بنج وغيرها، فكلها خمر.
وكم نسمع عن إنسان سهر ليلة فأكل حشيشاً وزاد منه فمات من ليلته، فهذا مات ميتة جاهلية، مات كعابد وثن، ختم له بالسوء ولا حول ولا قوة إلا بالله، شرب الخمر، أو أكل الحشيش، أو أخذ إبرة، أو شم مخدراً ووقع ميتاً، وفي الحديث الآخر: (الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته).
وقال في حديث آخر صلوات الله وسلامه عليه: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة) أي: المتشبهة بالرجال، هذه من الكبائر التي تقع فيها المرأة، فالمرأة حين تلبس كالرجل، فتخرج لابسة البنطلون والقميص، وتقلد الرجل في شغله وفي مشيه، وفي الدب على الأرض أمام الناس، وتتشبه بالرجال وتقول: أنا حرة أفعل الذي يعجبني، وتنسى ربها ، فهذه مهما ظنت أن الناس يحترمون أفكارها فهي مخطئة، بل العكس كل الناس يحتقرونها ولا قيمة لها عند الناس، وإخراج الجنس للناس صنيع اليهود، واليهود هم الذين يحتقرون المرأة أصلاً، واليهود عرفوا أنها الوسيلة لإغواء الشعوب، فأخرجوها للناس حتى يضيع الناس ويتحكم اليهود ويسيطرون على الخلق، هذا المخطط موجود في بروتوكولات حكماء صهيون، فقد قالوا ذلك منذ أكثر من مائة سنة.
فهم الذين أخرجوا المرأة من بيتها، وهم الذين صنعوا بيت الموضة للنساء؛ لأجل أن تخرج المرأة للعمل حتى تأتي بالمال الذي به تأتي بالموضة الجديدة، فتنتهي فلوسها على هذا الشيء، وتكون حقيرة ودمية ولعبة في أيدي هؤلاء، يلعبون بها كيف شاءوا، ويأمرونها بالعري فتتعرى، ويأمرها ربها سبحانه بالحجاب فترفض، وترد كلام ربها سبحانه، وإذا سئلت عن أشياء في الإسلام بسيطة جداً لا تعرفها، تنسى أهم أمور دينها الإيمان بالله سبحانه، فهذه وبالها يوم القيامة ألا يكلمها الله سبحانه، ولا ينظر إليها.
ثم قال: (والديوث) أي: الذي يرضى بالفواحش في بيته.
وقال ﷺ : (وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى)، فمن الكبائر أن الإنسان يعق والديه، ويدمن الخمر، ويمن بما أعطى للخلق، والمرأة تترجل وتتشبه بالرجال، كذلك تبرج المرأة، فقد قال النبي ﷺ : (صنفان من أمتي لم أرهما: أناس معهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة).
وفي حديث آخر قال عن المتبرجات: (العنوهن فإنهن ملعونات) أي: هذه المرأة المتبرجة التي تخرج للناس كاشفة عما أمرها الله أن تستره، ولا تهتم ولا تخاف من الله ، ولا تستحيي من الخلق، وتقول: أنا حرة، فلننظر في حرية هذه حين تأتي يوم القيامة ما الذي تصنعه مع ربها ؟ وقد أغوت الخلق وفتنتهم، واستكبرت على الخالق .
ويقول النبي ﷺ : (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير)، فهذه كبائر يقعون فيها؛ من شرب الخمر، ومن حضور الحفلات والملاهي التي فيها المغنيات والراقصات وهؤلاء يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير.
стр. 3117
المفاسد المترتبة على ترك تحكيم شرع الله
أما البشر فيحلون بأمزجتهم ويحرمون بأهوائهم، ففي الغرب إذا زنى شخص بامرأة وهي راضية فليس لأحد أن يعترض، كذلك في قوانين بعض البلاد الإسلامية إذا فعل هذا الشيء - والعياذ بالله - ينظر إلى المرأة هل هي صغيرة أو بالغة، فإذا كانت بالغة كبيرة راشدة لها الاختيار في هذا، وإذا كانت صغيرة فيكون بهذا قد اغتصبها، فإذا حوكم هذا الإنسان حكم عليه بستة أشهر سجن ويخرج بعد ذلك.
أما دين الله فينظر في الإنسان الذي وقع في هذه الجريمة، فإذا لم يكن متزوجاً جلد مائة جلدة، وإذا كان متزوجاً فإنه يقتل رجماً بالحجارة، يرجم الزاني وترجم الزانية؛ لأنه لو ترك الأمر لأهواء البشر لرجعوا إلى عادات الجاهلية الأولى مرة ثانية يبيحون ما حرم الله سبحانه، ويئدون أبناءهم، ومن العجيب أن الوأد ما زال موجوداً، فعند الكفار إذا كانت المرأة حاملاً وهذا الحمل غير مرغوب فيه فإنها تذهب إلى الدكتور ليجهض الجنين، حتى ولو كان هذا الجنين قد نفخت فيه الروح.
ولا تعجب من ذلك! ففي الصين تقرأ خبراً من الأخبار: حذر مسئول صيني من أن عدد الرجال الذين لا يجدون زوجات لهم في الصين قد يتراوح ما بين ثلاثين وأربعين مليوناً، إن التوازن الطبيعي الذي جعله الله في الخلق توازن بحكمة منه سبحانه، فهو جعل الذكور وجعل الإناث، وليس لك أنت أن تختار ذكراً أو أنثى، وإنما الله هو الذي يحدد وهو الذي يقدر ما يشاء، فيأتي الإنسان ويلعب في هذا الشيء ويتغافل عن حكمة الله ، فإذا به ينشر الفساد في الأرض.
واسمع هذا الخبر حتى تعرف كيف أن الإنسان عندما يتدخل فيما ينظمه الله في كونه يخرب الكون ويجعل البلاء ينزل من السماء، يقول الخبر: إنه بحلول عام ألفين وعشرين سيكون أربعون مليوناً من الصينيين لا يجدون ما يتزوجون من النساء، وهذا يؤدي إلى انتشار البغاء والزنا، والاتجار في الرقيق؛ بسبب عدم وجود نساء.
وأرجع المسئول سبب تراجع أعداد النساء في الصين إلى تفضيل إنجاب البنين؛ لأن في الصين أن قانون الدولة يمنع أن يكون للشخص أكثر من ابن واحد فقط، هذا هو القانون الذي وضعه البشر، فعلوا ذلك خوفاً من الفقر، مع أن الصين غزت التكنولوجيا العالمية وتكسب من ورائها.
فحين أصدروا هذا القانون تجد الرجل يذهب بامرأته للطبيب ليكشف عليها، فإن كان المولود ذكراً أبقاه، وإن كان أنثى أجهضها، هذا هو السبب الذي أحدث فجوة بين الذكور والإناث، وهذا الخبر نشر في الجرائد الذي يقول فيه المسئول الصيني الذي اسمه دي ويشونج نائب رئيس لجنة استشارية بشأن السكان: إن كثيراً من الأزواج يجهضون الأجنة الإناث بعد معرفة نوع المولود من خلال الاختبارات الطبية، مما أدى إلى ارتفاع عدد المواليد الذكور، وتوقع أن يتسبب ذلك في موجات من الجرائم والقلاقل الاجتماعية.
وفي حديث آخر يقول: إن سياسة الصين المثيرة للجدل تسمح لكل أسرة بإنجاب طفل واحد فقط، وقال: إن ذلك ليس توقعاً خيالياً، يعني: توقعه بالجرائم والزنا وبيع الرقيق، وقال: وسيؤدي الأمر إلى أن يصبح عدد العزاب في الصين أكبر من تعداد سكان دولة مثل ماليزيا.
إذاً: هذه الفجوة الكبيرة بين الذكور والإناث، وعدم التوازن في تعداد الذكور والإناث يشكل خطورة كبيرة في المناطق هنالك.
نقول: هذا نتيجة تصرف البشر حين يحكم البشر البشر، وحين يبتعدون عن حكم الله رب العباد ، هذا الذي يؤدي إليه قتل المولودات من البنات، وهذا الذي أخبروا عنه، أما ما كان خافياً فلا ندري كم قدره، وهذا في بلاد واحدة، فماذا في بقية البلدان؟!
стр. 3118
تعريف العلماء للكبيرة
قلنا: إن العلماء حدوا لها حداً وقالوا: الكبيرة هي ما نص القرآن أو السنة أنها كبيرة، أو توعد فاعل ذلك بأن يعاقبه الله يوم القيامة، أو ذكر أنه ملعون من يفعل كذا، أو ذكر غضب الله على من يفعل كذا.
إذاً: كل ما توعد بغضب أو بلعنة أو بعقوبة في الآخرة أو بحد في الدنيا، فهذا من الكبائر، أو نص على أن هذا الفعل من الكبائر.
стр. 3119
التحذير من جريمة الزنا
كان النبي ﷺ يحدث أصحابه ويعظم لهم أمر هذه الكبائر حتى لا يقعوا فيها، فيقول ﷺ وقد سئل: (أي الذنب أعظم؟ فقال النبي ﷺ : أن تشرك بالله وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، هذه كلها كبائر.
والإنسان حين يقع في الزنا، فهذه كبيرة من الكبائر، وهي فاحشة من الفواحش، كذلك السارق أتى كبيرة من الكبائر، والزاني أتى فاحشة من الفواحش، والذي يقع في اللواط أتى فاحشة من الفواحش، وهذا كله من الذنوب الكبيرة العظيمة.
والكبائر بعضها أعظم فحشاً من بعض، فإذا كان الزنا فاحشة فكيف بمن يزني بحليلة جاره! المفترض أن يحافظ على حرمة جاره، وأن يدافع عن جاره وعن حريم جاره، فهذا الذي يزني بحليلة جاره يكون قد ارتكب أفحش ما يكون ومن أعظم الكبائر عند الله .
قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢].
إذاً: الزنا كبيرة من الكبائر، وهو فاحشة، وأعظم ما يكون في الزنا أن يزاني بحليلة جاره، وأعظم وأفظع منه أن يتزوج المرء واحدة من محارمه أو ينكحها، فإذا تزوجها فقد كفر؛ لأنه استحل ما حرم الله، فإذا واقعها وزنى بها فيكون واقعاً في فاحشة عظمية، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢].
ولذلك في حياة النبي ﷺ زنى ماعز وزنت الغامدية، فأقام عليهما الحد صلوات الله وسلامه عليه، وزنى إنسان كان مريضاً فأمر بإقامة الحد عليه، قالوا: إننا لو نقلناه لتخسف؛ لأنه ليس به قوة، سبحان الله! ليس فيه قوة ويقع في الزنا، فأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه، ولكن خفف وقال: (خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ واضربوه به) والعثكول هو العذق الذي تتعلق فيه البلح، فأمرهم أن يأخذوا عثكولاً ويضربونه ضربة واحدة به، فأقيم عليه الحد بذلك.
стр. 3120
حكم الزنا بالمحارم
بلغ النبي ﷺ أن إنساناً تزوج امرأة أبيه، يقول البراء: (لقيت خالي وقد حمل الراية ومعه مجموعة من المسلمين، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى رجل تزوج امرأة أبيه لنقتله ونخمس ماله).
فهذه فاحشة من أعظم ما يكون، فكون المرء ينكح زوجة أبيه ويتزوجها، فإنه قد ارتكب جرماً عظيماً، قال الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢].
فقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، الأب يتزوج بامرأة، ثم إذا توفي الأب إذا بالابن يمسك هذه المرأة وتكون أسيرة عنده، ومن حقه أن يزوجها لأحد من الناس ويأخذ هو مهرها، أو يتزوجها هو، فجاء الإسلام ليمنع هذه العادات القبيحة ويذكر أنها من أعظم الفواحش: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢].
فالله حرم الكبائر ومن الكبائر الفواحش، ولكن نص عليها لفظاعتها، ولعظيم شرها.
следующие страницы →