← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

التحذير الشديد من شرب الخمر والتبرج قال تعال: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧] من الآثام العظيمة ذكرنا الربا، وذكرنا الرشوة والسحت، وذكرنا من ذلك الخمر، والخمر أخبر النبي ﷺ أنها أم الفواحش وأم الكبائر، فمن الأحاديث التي تدل على فاحشة هذه الجريمة -جريمة شرب الخمور- قول النبي ﷺ : (من مات وهو مدمن الخمر لقي الله كعابد وثن). إذاً: مدمن الخمر حين يلقى الله يوم القيامة مثله مثل الذي يعبد الوثن، فعابد الوثن قد ألغى عقله فعبد غير الله سبحانه اختياراً، وهذا ألغى عقله اختياراً فوقع في الفواحش ووقع في الكبائر ووقع فيما حرم الله . ويقول ﷺ : (الخمر أم الخبائث) وفي رواية: (أم الفواحش) وقال: (فمن شربها لم تقبل صلاته أربعين يوماً، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية) وكل ما خامر العقل فهو خمر، فكل شيء يأكله الإنسان أو يشربه أو يشمه أو يتعاطاه عن طريق الوريد، ويخالط عقل الإنسان فهو خمر. إذاً: فاسحب هذا الحكم على ما يشربه الإنسان من خمر، وعلى ما يأكله الإنسان من حشيش، وما يشمه من بنج وغيرها، فكلها خمر. وكم نسمع عن إنسان سهر ليلة فأكل حشيشاً وزاد منه فمات من ليلته، فهذا مات ميتة جاهلية، مات كعابد وثن، ختم له بالسوء ولا حول ولا قوة إلا بالله، شرب الخمر، أو أكل الحشيش، أو أخذ إبرة، أو شم مخدراً ووقع ميتاً، وفي الحديث الآخر: (الخمر أم الفواحش وأكبر الكبائر، من شربها وقع على أمه وخالته وعمته). وقال في حديث آخر صلوات الله وسلامه عليه: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المترجلة) أي: المتشبهة بالرجال، هذه من الكبائر التي تقع فيها المرأة، فالمرأة حين تلبس كالرجل، فتخرج لابسة البنطلون والقميص، وتقلد الرجل في شغله وفي مشيه، وفي الدب على الأرض أمام الناس، وتتشبه بالرجال وتقول: أنا حرة أفعل الذي يعجبني، وتنسى ربها ، فهذه مهما ظنت أن الناس يحترمون أفكارها فهي مخطئة، بل العكس كل الناس يحتقرونها ولا قيمة لها عند الناس، وإخراج الجنس للناس صنيع اليهود، واليهود هم الذين يحتقرون المرأة أصلاً، واليهود عرفوا أنها الوسيلة لإغواء الشعوب، فأخرجوها للناس حتى يضيع الناس ويتحكم اليهود ويسيطرون على الخلق، هذا المخطط موجود في بروتوكولات حكماء صهيون، فقد قالوا ذلك منذ أكثر من مائة سنة. فهم الذين أخرجوا المرأة من بيتها، وهم الذين صنعوا بيت الموضة للنساء؛ لأجل أن تخرج المرأة للعمل حتى تأتي بالمال الذي به تأتي بالموضة الجديدة، فتنتهي فلوسها على هذا الشيء، وتكون حقيرة ودمية ولعبة في أيدي هؤلاء، يلعبون بها كيف شاءوا، ويأمرونها بالعري فتتعرى، ويأمرها ربها سبحانه بالحجاب فترفض، وترد كلام ربها سبحانه، وإذا سئلت عن أشياء في الإسلام بسيطة جداً لا تعرفها، تنسى أهم أمور دينها الإيمان بالله سبحانه، فهذه وبالها يوم القيامة ألا يكلمها الله سبحانه، ولا ينظر إليها. ثم قال: (والديوث) أي: الذي يرضى بالفواحش في بيته. وقال ﷺ : (وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى)، فمن الكبائر أن الإنسان يعق والديه، ويدمن الخمر، ويمن بما أعطى للخلق، والمرأة تترجل وتتشبه بالرجال، كذلك تبرج المرأة، فقد قال النبي ﷺ : (صنفان من أمتي لم أرهما: أناس معهم سياط كأذناب البقر يضربون الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رءوسهن كأسنمة البخت المائلة). وفي حديث آخر قال عن المتبرجات: (العنوهن فإنهن ملعونات) أي: هذه المرأة المتبرجة التي تخرج للناس كاشفة عما أمرها الله أن تستره، ولا تهتم ولا تخاف من الله ، ولا تستحيي من الخلق، وتقول: أنا حرة، فلننظر في حرية هذه حين تأتي يوم القيامة ما الذي تصنعه مع ربها ؟ وقد أغوت الخلق وفتنتهم، واستكبرت على الخالق . ويقول النبي ﷺ : (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، ويضرب على رءوسهم بالمعازف والقينات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير)، فهذه كبائر يقعون فيها؛ من شرب الخمر، ومن حضور الحفلات والملاهي التي فيها المغنيات والراقصات وهؤلاء يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير.

стр. 3117

المفاسد المترتبة على ترك تحكيم شرع الله أما البشر فيحلون بأمزجتهم ويحرمون بأهوائهم، ففي الغرب إذا زنى شخص بامرأة وهي راضية فليس لأحد أن يعترض، كذلك في قوانين بعض البلاد الإسلامية إذا فعل هذا الشيء - والعياذ بالله - ينظر إلى المرأة هل هي صغيرة أو بالغة، فإذا كانت بالغة كبيرة راشدة لها الاختيار في هذا، وإذا كانت صغيرة فيكون بهذا قد اغتصبها، فإذا حوكم هذا الإنسان حكم عليه بستة أشهر سجن ويخرج بعد ذلك. أما دين الله فينظر في الإنسان الذي وقع في هذه الجريمة، فإذا لم يكن متزوجاً جلد مائة جلدة، وإذا كان متزوجاً فإنه يقتل رجماً بالحجارة، يرجم الزاني وترجم الزانية؛ لأنه لو ترك الأمر لأهواء البشر لرجعوا إلى عادات الجاهلية الأولى مرة ثانية يبيحون ما حرم الله سبحانه، ويئدون أبناءهم، ومن العجيب أن الوأد ما زال موجوداً، فعند الكفار إذا كانت المرأة حاملاً وهذا الحمل غير مرغوب فيه فإنها تذهب إلى الدكتور ليجهض الجنين، حتى ولو كان هذا الجنين قد نفخت فيه الروح. ولا تعجب من ذلك! ففي الصين تقرأ خبراً من الأخبار: حذر مسئول صيني من أن عدد الرجال الذين لا يجدون زوجات لهم في الصين قد يتراوح ما بين ثلاثين وأربعين مليوناً، إن التوازن الطبيعي الذي جعله الله في الخلق توازن بحكمة منه سبحانه، فهو جعل الذكور وجعل الإناث، وليس لك أنت أن تختار ذكراً أو أنثى، وإنما الله هو الذي يحدد وهو الذي يقدر ما يشاء، فيأتي الإنسان ويلعب في هذا الشيء ويتغافل عن حكمة الله ، فإذا به ينشر الفساد في الأرض. واسمع هذا الخبر حتى تعرف كيف أن الإنسان عندما يتدخل فيما ينظمه الله في كونه يخرب الكون ويجعل البلاء ينزل من السماء، يقول الخبر: إنه بحلول عام ألفين وعشرين سيكون أربعون مليوناً من الصينيين لا يجدون ما يتزوجون من النساء، وهذا يؤدي إلى انتشار البغاء والزنا، والاتجار في الرقيق؛ بسبب عدم وجود نساء. وأرجع المسئول سبب تراجع أعداد النساء في الصين إلى تفضيل إنجاب البنين؛ لأن في الصين أن قانون الدولة يمنع أن يكون للشخص أكثر من ابن واحد فقط، هذا هو القانون الذي وضعه البشر، فعلوا ذلك خوفاً من الفقر، مع أن الصين غزت التكنولوجيا العالمية وتكسب من ورائها. فحين أصدروا هذا القانون تجد الرجل يذهب بامرأته للطبيب ليكشف عليها، فإن كان المولود ذكراً أبقاه، وإن كان أنثى أجهضها، هذا هو السبب الذي أحدث فجوة بين الذكور والإناث، وهذا الخبر نشر في الجرائد الذي يقول فيه المسئول الصيني الذي اسمه دي ويشونج نائب رئيس لجنة استشارية بشأن السكان: إن كثيراً من الأزواج يجهضون الأجنة الإناث بعد معرفة نوع المولود من خلال الاختبارات الطبية، مما أدى إلى ارتفاع عدد المواليد الذكور، وتوقع أن يتسبب ذلك في موجات من الجرائم والقلاقل الاجتماعية. وفي حديث آخر يقول: إن سياسة الصين المثيرة للجدل تسمح لكل أسرة بإنجاب طفل واحد فقط، وقال: إن ذلك ليس توقعاً خيالياً، يعني: توقعه بالجرائم والزنا وبيع الرقيق، وقال: وسيؤدي الأمر إلى أن يصبح عدد العزاب في الصين أكبر من تعداد سكان دولة مثل ماليزيا. إذاً: هذه الفجوة الكبيرة بين الذكور والإناث، وعدم التوازن في تعداد الذكور والإناث يشكل خطورة كبيرة في المناطق هنالك. نقول: هذا نتيجة تصرف البشر حين يحكم البشر البشر، وحين يبتعدون عن حكم الله رب العباد ، هذا الذي يؤدي إليه قتل المولودات من البنات، وهذا الذي أخبروا عنه، أما ما كان خافياً فلا ندري كم قدره، وهذا في بلاد واحدة، فماذا في بقية البلدان؟!

стр. 3118

تعريف العلماء للكبيرة قلنا: إن العلماء حدوا لها حداً وقالوا: الكبيرة هي ما نص القرآن أو السنة أنها كبيرة، أو توعد فاعل ذلك بأن يعاقبه الله يوم القيامة، أو ذكر أنه ملعون من يفعل كذا، أو ذكر غضب الله على من يفعل كذا. إذاً: كل ما توعد بغضب أو بلعنة أو بعقوبة في الآخرة أو بحد في الدنيا، فهذا من الكبائر، أو نص على أن هذا الفعل من الكبائر.

стр. 3119

التحذير من جريمة الزنا كان النبي ﷺ يحدث أصحابه ويعظم لهم أمر هذه الكبائر حتى لا يقعوا فيها، فيقول ﷺ وقد سئل: (أي الذنب أعظم؟ فقال النبي ﷺ : أن تشرك بالله وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني بحليلة جارك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، هذه كلها كبائر. والإنسان حين يقع في الزنا، فهذه كبيرة من الكبائر، وهي فاحشة من الفواحش، كذلك السارق أتى كبيرة من الكبائر، والزاني أتى فاحشة من الفواحش، والذي يقع في اللواط أتى فاحشة من الفواحش، وهذا كله من الذنوب الكبيرة العظيمة. والكبائر بعضها أعظم فحشاً من بعض، فإذا كان الزنا فاحشة فكيف بمن يزني بحليلة جاره! المفترض أن يحافظ على حرمة جاره، وأن يدافع عن جاره وعن حريم جاره، فهذا الذي يزني بحليلة جاره يكون قد ارتكب أفحش ما يكون ومن أعظم الكبائر عند الله . قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢]، ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]. إذاً: الزنا كبيرة من الكبائر، وهو فاحشة، وأعظم ما يكون في الزنا أن يزاني بحليلة جاره، وأعظم وأفظع منه أن يتزوج المرء واحدة من محارمه أو ينكحها، فإذا تزوجها فقد كفر؛ لأنه استحل ما حرم الله، فإذا واقعها وزنى بها فيكون واقعاً في فاحشة عظمية، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]. ولذلك في حياة النبي ﷺ زنى ماعز وزنت الغامدية، فأقام عليهما الحد صلوات الله وسلامه عليه، وزنى إنسان كان مريضاً فأمر بإقامة الحد عليه، قالوا: إننا لو نقلناه لتخسف؛ لأنه ليس به قوة، سبحان الله! ليس فيه قوة ويقع في الزنا، فأمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه، ولكن خفف وقال: (خذوا عثكولاً فيه مائة شمراخ واضربوه به) والعثكول هو العذق الذي تتعلق فيه البلح، فأمرهم أن يأخذوا عثكولاً ويضربونه ضربة واحدة به، فأقيم عليه الحد بذلك.

стр. 3120

حكم الزنا بالمحارم بلغ النبي ﷺ أن إنساناً تزوج امرأة أبيه، يقول البراء: (لقيت خالي وقد حمل الراية ومعه مجموعة من المسلمين، فقلت: إلى أين؟ قال: إلى رجل تزوج امرأة أبيه لنقتله ونخمس ماله). فهذه فاحشة من أعظم ما يكون، فكون المرء ينكح زوجة أبيه ويتزوجها، فإنه قد ارتكب جرماً عظيماً، قال الله : ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]. فقد كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك، الأب يتزوج بامرأة، ثم إذا توفي الأب إذا بالابن يمسك هذه المرأة وتكون أسيرة عنده، ومن حقه أن يزوجها لأحد من الناس ويأخذ هو مهرها، أو يتزوجها هو، فجاء الإسلام ليمنع هذه العادات القبيحة ويذكر أنها من أعظم الفواحش: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء:٢٢]. فالله حرم الكبائر ومن الكبائر الفواحش، ولكن نص عليها لفظاعتها، ولعظيم شرها.

стр. 3121

حكم قتل الأبناء خشية الفقر والعار قوله: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) من الذنوب العظيمة أن يقتل الأب ابنه، أو الأم تقتل ولدها، فكان أهل الجاهلية يئدون البنات، ويذكر أن رجلاً من أهل الجاهلية يقال له: قيس التميمي، هذا الرجل كان قد أغار قوم على قومه وأخذوا الحريم معهم، ومن ضمن من أخذوا من الحريم ابنة هذا الرجل، فلما أخذوها كانت عند رجل من هؤلاء أمة، ثم بعد ذلك اصطلحت القبيلتان، وجاء هذا السابي يخير البنت بين أبيها وبينه، قال: هل تريدين أباك أو تريدينني؟ فاختارت من سباها، فأقسم الرجل أنه لا تولد له ابنة إلا وأدها، فأخذ منه الناس هذه العادة السيئة وفعلوها، فكانوا يقتلون البنات، ويقولون: نقتل البنات؛ لأن بنت فلان عملت كذا ولا نريد أن تفعل بناتنا هذا الشيء، وهذا في الظاهر، ولكن الحقيقة في الباطن أنهم كانوا يحتاجون إلى الذكور، كانوا يريدون ذكوراً لأجل أن يشتغلوا ويأتوا بالمال، ولكي تغير القبائل بعضها على بعض، فهم يريدون ذكوراً حتى يغيروا على القبيلة الثانية، أما البنت فأنا أصرف عليها وتفقرني ولا تأتي بشيء، والولد سيأتي لي بالمال، فلذلك فضحهم الله حين قال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ [الأنعام:١٥١] أي: أنتم تقتلون أولادكم لأنكم لا تريدون أن يأكلوا معكم، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] فالرزق من عندنا فنحن نرزق الجميع. وقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] فالرزق من عند الله سبحانه، فكون الإنسان يقتل ابنه هذا تجرد من الرحمة، وتجرد من آدميته ومن إنسانيته، وهذا الفعل من كبائر الذنوب ومما يفحش من الذنوب، حين يسمع الناس أن فلاناً قتل آخر في مشاجرة أو كذا، قد لا يتفاحش عند الناس حين يسمعون ذلك، لكن حين يسمعون أنه قتل ابنه، فهذا شيء فظيع جداً أن يفعله الإنسان.

стр. 3122

عظمة دين الله وشريعته وحكمه هذه الأمور وقعت في الجاهلية الأولى، ولو ترك الناس لأهوائهم من غير تشريع لعادوا إلى هذه الجاهلية الأولى، سواء اتفقوا على مثل هذه العادات، أو لم يتفقوا، فقد يسن لهم ويقنن لهم هذا الشيء، لذلك نقول: هناك فرق بين الإسلام والقوانين الوضعية، القوانين البشرية تقول لك: حكم البشر للبشر، وهذا أصل معنى الديمقراطية، أي: أصل معنى الديمقراطية أن الحكم للشعب، أما الإسلام فمعناه أن الحكم لله، قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، وقال: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك:١٤]، وقال: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠]. فالله هو الحكم والحكم له ، ولم يجعل للعباد أن يختاروا، فلم ينزل القرآن لأجل أن يختار الناس ما أرادوا منه ويتركوا ما أرادوا، قال الله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب:٣٦] أي: ما كان ولا يكون أبداً لإنسان يتصف بالإيمان أن يختار على الله ، فعلى ذلك يخبرنا ربنا سبحانه هنا ويقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [يوسف:٤٠] أي: هذا الدين العظيم وهذا الدين المستقيم، وهذا الدين الذي يهذب أخلاق الخلق، دين الله سبحانه، فلو ترك الأمر للناس لاختيارهم لاختار الناس ما تقتضيه شهواتهم، فإذا بهم يبيحون الزنا، بل سيبيحون الزنا بالمحارم ولا أحد ينكر ذلك، ويفعلون الفواحش علناً أمام الناس ولا أحد ينكر ذلك، فالذي ينظر إلى الغرب الكافر وإلى أمريكا الكافرة وينظر إلى ما يصنع الناس هناك يعلم أن دين الله حق، فهو الدين الذي يهذب الأخلاق، ويهذب النفوس، ويقوم الخلق؛ لأنه دين الله الذي خلقك فسواك فعدلك، والذي ميزك بقلبك وبعقلك عن البهائم، ميزك عما لا يفهم مما خلق الله ، فهذا دين الله سبحانه يقبح إلينا هذه الأشياء، ويقول: هذه فواحش لا تقربوها فضلاً عن أن تفعلوها. وهذا الدين يأمرنا بالعدل والإحسان ليس مع المسلمين فقط، بل مطلقاً مع الخلق جميعهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل:٩٠] والنبي ﷺ يقول: (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة، الذين يعدلون في أهلهم وحكمهم وما ولوا). أي: يعدلون العدل الذي أمر الله به، فهو سبحانه أنزل الميزان وأنزل العدل بين الخلق ليحكم الناس بالعدل، هذا دين الله سبحانه الذي يحكم خلقه به، وهو أعلم بخلقه ، فالمؤمنون يفعلون ما أمر الله ويجتنبون ما نهى الله عنه، يجتنبون أن يقعوا في كبائر الإثم وفي الفواحش، فيمتنعون من ذلك حتى يغفر الله لهم. إذاً: الله هو الذي يحل لنا ما شاء وهو الذي يحرم علينا سبحانه ما شاء، ولو ترك الإنسان لرأيه وهواه لفعل أفحش الفواحش بدعوى أن القانون يجيز ذلك، لذلك حين تسأل إنساناً: هل الخمر حرام؟ يقول لك: ولماذا تباع وهناك تراخيص في بيعها؟ فهذا قال هذا القول لأن القانون يبيحها، كذلك الزنا، يمسك الإنسان الزاني ويدخل السجن ثلاثة أشهر ويخرج، أو إذا عفا أولياء البنت عن هذا الزاني أفرج عنه دون حد. فالدين لم يترك للخلق، انظر حين حرم الله الخمر ما الذي حدث؟ أمر النبي ﷺ المؤمنين بأن يريقوا ما عندهم من الخمور، فأراقوا الخمور على الأرض، فإذا بها تسيح في سكك المدينة كالسيل، هذه الخمور كانت أموال هؤلاء، وهل يوجد إنسان يضيع ماله؟ لم يقولوا: اصبروا علينا قليلاً حتى نبيع الخمر الذي عندنا ثم حرموه علينا، أبداً لم يقولوا هذا، ولكن أتى رجل للنبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن عندي أموال يتامى وهي خمر أفلا أخللها؟ - أي: أحول خمر الأيتام إلى خل - قال: لا، وأمره أن يريقها) فحرمت الخمر ولم يترك لأحد من الخلق أن يختار على الله .

стр. 3123

تفسير سورة الشورى (تابع) الآية [٣٧] لما كان ابن آدم خطاء ولابد أن يدرك حظه من الذنوب، جاءت هذه الآية في سياق ذكر صفات المؤمنين، فبين الله أن الذنوب تتفاوت، وأن منها كبائر وصغائر، فالكبائر لا تكفرها إلا التوبة، أما صغائر الذنوب فقد جعل الله لها مكفرات كثيرة منها: اجتناب الكبائر وفواحش الذنوب، فمن صفات المؤمنين اجتنابها وعدم الإصرار على الصغائر، ثم ذكر صفة أخرى وهي أن المؤمن ليس كغيره بل هو مسيطر على نفسه، مالك لها، إذا غضب تجاوز عمن أساء إليه، وليس تجاوزه عجزاً، إنما هو تجاوز الكريم عند مقدرته على خصمه، فيعمل ذلك ابتغاء وجه الله تعالى.

стр. 3124

تفسير قوله تعالى: (والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]. إن اجتناب كبائر الإثم والفواحش من صفات المؤمنين الذين يغفر الله لهم عند وفاتهم بفضله وكرمه، قال سبحانه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] فالكبائر إذا اجتنبها المؤمن طول حياته فإن الله يكفر عنه سيئاته التي هي صغائر ذنوبه بفضله وكرمه ورحمته . وقد جعل الله مكفرات كثيرة، فجعل الصلاة إلى الصلاة، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة، وكذلك اجتناب الكبائر، كل ذلك مكفرات لصغائر الذنوب عن العبد. وقد ذكر الله هنا الذين يجتنبون كبائر الإثم ويجتنبون الفواحش، وفي سورة النجم ذكر الاستثناء فقال: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:٣٢]، فهم يجتنبون كبائر الإثم، ولكن يقعون في اللمم وهي الصغائر، وكل إنسان لا بد أن يقع في حال غضبه، أو في حال فرحه، أو في حال هربه من شيء، فلابد أن يقع في شيء من اللمم. فعلى المؤمن أن يجتنب الكبائر ولا يستهين بالصغائر، وإذا وقع في شيء من الصغائر تاب إلى الله تعالى ورجع إليه. فإذا كان عند الوفاة وبقي عليه شيء من سيئاته وقد اجتنب كل الكبائر فالله يكفر عنه هذه السيئات بفضله ورحمته سبحانه. وكذلك قد جعل الله للعبد في حياته مكفرات، مثل الشوكة يشاكها، والبلاء يبتلى به، والمصيبة يبتلى بها، وما يصيبه من هم وغم ووصب ونصب ومصيبة إلا كان له في ذلك أجر وكفر الله عنه من سيئاته بذلك. وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ﴾ [الشورى:٣٧] قراءتان: قراءة الجمهور: (الذين يجتنبون كبائر الإثم). وقراءة حمزة والكسائي: (كبير الإِثْمِ)، أي: الإثم الكبير. وقوله تعالى: ﴿وَالْفَوَاحِشَ﴾ [الشورى:٣٧]، أي: ويجتنبون أيضاً الفواحش.

стр. 3125

عفو النبي ﷺ وكظمه للغيظ وهذا رسول الله ﷺ يدلنا على ذلك بفعله وهو القدوة الحسنة العظيمة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] يأتي إليه ورجل يقول: (يا محمد! أعطني من مال الله لا من مالك ولا مال أبيك، ويلببه بردائه)، أي: يخنق النبي ﷺ بقميصه، ويا ترى هذا الإنسان الذي يفعل هذا الشيء هل يستحق أن أحداً يعطيه شيئاً؟! ويقول: يا محمد، ولا يقول: يا رسول الله، أو يا نبي الله. ولكن النبي الكريم ﷺ يقول: (اترك ردائي، أعطوه من مال الله) ويصفح عنه صلوات الله وسلامه عليه ويأمر بإعطائه ويضرب بذلك المثل القدوة، ولو أنه زجره لاستحق ذلك، ولو غير النبي ﷺ زجره لاستحق ذلك ولا لوم عليه، لكن رسول الله ﷺ الذي يؤدبه ربه ويجعله أسوة يكظم غيظه ويصبر طاعة لله، ويأمر لهذا الإنسان بالعطاء. وجلس النبي الكريم ﷺ مع مجموعة من المشركين يدعوهم إلى الإسلام، وأثناء ذلك يأتي رجل ويقول: (يا رسول الله! علمني مما علمك الله، علمني مما علمك الله، علمني مما علمك الله، فعبس النبي ﷺ ، أي: قطب وجهه، وعبس ﷺ ، كأنه يتمنى منه الصبر عسى الله أن يهدي هؤلاء. ولو أن إنساناً مكان النبي ﷺ وزجره لا يلام؛ لكون الدعوة إلى الله هنا أهم من تعليمه ما ليس فرضاً عليه كالصلاة، ويجوز تأخير البيان عن وقت المخاطبة. إذاً: ليس فرضاً عليه الآن أن يعلم هذا، إنما الفرض عليه أن يدعو إلى الله عسى أن يدخل هؤلاء المشركون في دين الله. ولكن أيضاً يؤدب الله تعالى نبيه ﷺ ، فينزل القرآن ويقول: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]، فيعاتب في ذلك، وغاية ما فعله مع رجل أعمى أن قطب جبينه ﷺ ، وظهر عليه ملامح الغضب فقط، فيجيء الرجل إلى النبي ﷺ بعد ذلك فيقول: (مرحباً بالذي عاتبني فيه ربي). فعلينا أن نقتدي بالنبي ﷺ ، فإذا شتم أحدنا تذكر أن النبي ﷺ لم يصنع شيئاً غير تقطيب وجهه وعوتب في ذلك، فيعفو عن هذا الإنسان لعل الله يعفو عنا يوم القيامة. وهذا حديث آخر رواه الإمام أحمد في مسنده، وأصله في البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁، وسنسوق لفظ الإمام أحمد؛ لأن فيه فائدة زائدة عن غيره، وهو حديث إسناده صحيح قال: (قاتل رسول الله ﷺ محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل منهم يقال له: غورث بن الحارث) وهذه الغرة ذكرت في رواية مسلم يقول جابر: (غزونا مع رسول الله ﷺ قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاة، فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها وتفرق الناس)، فالغرة أنهم تركوا النبي ﷺ وحده تحت شجرة وعلق سيفه في الشجرة. قال: (فجاء الرجل إلى النبي ﷺ وهو نائم تحت الشجرة حتى قام على رأس رسول الله ﷺ ، ثم أخذ سيف النبي ﷺ ثم قال: من يمنعك مني؟)، كأنه يقول: لقيتك أخيراً، وأنت نائم على الأرض، وسيفك في يدي، فمن يجيرك مني؟ فقال النبي ﷺ : (الله يمنعني منك، فسقط السيف من يد الرجل، وأخذه النبي ﷺ وقال: من يمنعك مني؟)، وهنا كان لسان الحال: فالله منعني، وعرفت أنني على الحق، وأنت كافر، فليس بيننا وبينك أمان، (وإذا بالرجل يقول للنبي ﷺ : كن خير آخذ). فقال له النبي ﷺ : (أتشهد أن لا إله الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك أن لا أقاتلك) ومعنى قوله: إني لن أقاتلك مرة أخرى ولن أكون مع قوم يقاتلونك، أما الإسلام فلن أدخل فيه. (فخلى سبيله، ونادى النبي ﷺ فجاء الناس إليه فقال: إن رجلاً أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي فلم أشعر إلا والسيف صلتاً في يده، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، ثم قال في الثانية: من يمنعك مني؟ قلت: الله، قال: فشام السيف فهاهو ذا جالس)، ومعنى (شام السيف) أدخله في غمده، واختصر القصة كلها. ولو أن أحداً مكانه لقال: فعل كذا وفعلت كذا، ويطيل في وصف القصة. ولكن النبي ﷺ لو قال لهم: إني صرخت فيه، فقلت: الله، فسقط منه السيف، لعل الصحابة يقتلونه. قال: (فذهب الرجل إلى أصحابه، وقال لهم: قد جئتكم من عند خير الناس). فهذا الرجل الكافر رجع إلى أصحابه، وقال: جئت من عند خير الناس، قال: (فلما كان الظهر أو العصر صلى بهم النبي ﷺ صلاة الخوف). أيضاً مما جاء عن النبي ﷺ قوله: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس) فإذا أردت أن يحبك الله فانفع نفسك وانفع غيرك. فالإنسان حين يعمل ويكسب من عمله وينفع الناس يكون نافعاً لنفسه وللناس، فيحبه الله . قال: (وأحب الأعمال إلى الله : سرور تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً، أو تطرد عنه جوعه)، فمن الأعمال التي يحبها الله أن تدخل السرور على قلب إنسان مؤمن آذاك في شيء، وتوقع منك العقوبة فهو خائف من هذه العقوبة، فإذا بك تفرج عنه وتعفو فتدخل السرور على قلبه بذلك، فيكون لك الأجر عند الله سبحانه ويحبك الله . (أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه ديناً)، عليه دين والدين كربة من الكربات ففرج عنه بقضائه، (أو تطرد عنه جوعاً)، كأن يكون صائماً وجاء وقت الإفطار وليس عنده شيء يأكله، فأعطيته وأطعمته. قال: (ولأن أمشي مع أخي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في هذا المسجد شهراً) أي: يعتكف في المسجد النبوي، وفي الاعتكاف أجر عظيم جداً. فأعظم من هذا الأجر أن يمشي مع صاحب حاجة حتى يقضي له حاجته. قال: (ومن كف غضبه ستر الله عورته)، وهذا الشاهد، فإذا كنت تريد الله تعالى يسترك في الدنيا وفي الآخر فاكظم غيظك ما استطعت، وحدث نفسك بأن الله أقدر عليك من قدرتك على هذا، وحدث نفسك بالحور العين، واذكر قول الله ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]، وإذا كنت قائماً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاضطجع، ولا تتكلم في وقت الغضب لعلك تنطق بالشيء الذي يثير الشر أكثر وأكثر. فالنبي ﷺ يعلمنا كيف نعالج الغضب، قال: (لا تغضب)، أي: لا تتعاط أسباب الغضب، فإذا وقعت في الغضب وثرت جداً قال: (إذا كنت قائماً فاجلس، وإذا كنت جالساً فاضطجع). وقال: (توضأ وصل ركعتين)، وذلك لأن الغضب من نار، والماء يطفئ النار، فتطفئ نار غضبك بهذا الوضوء. وقال: (من كظم غيظه ولو شاء أن يمضيه أمضاه) فهناك إنسان قوي يستطيع أن ينتصر وإنسان ضعيف لا يقدر أن ينتصر، وكل منهما إذا كظم غيظه فهو مأجور، ولكن الأعظم أجراً هو القادر على أن يفعل بخصمه ما يستطيع ثم يكظم غيظه وغضبه ويسكت، قال النبي ﷺ : (ولو شاء أن يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة)، ففي يوم القيامة يوم اليأس، والناس في ذلك الموقف العظيم، يقولون لله: (يا رب! اصرفنا ولو إلى النار)، يقولون ذلك من شدة ما يعانونه من وقوف على أقدامهم خمسين ألف سنة، والشمس قد دنت من الرءوس، فإذا بالله يملأ قلب هذا الإنسان رجاءً، فهو راجٍ ربه سبحانه، ومؤمل ما عند الله، والذي في قلبه الرجاء يعطيه الله ما يرجوه منه . قال: (ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له أثبت الله قدمه يوم تزول الأقدام)، فالذي يمشي مع أخيه في حاجة، كأن يقول: تعال كلم لي فلاناً، فأنا أخاف غضبه، فيذهب معه ويمنع غضب هذا الآخر عنه، فهذا يثبت الله قدمه على الصراط يوم تزل الأقدام على الصراط فلا يسقط في نار جهنم. قال: (وإن سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل)، فقد يعمل الإنسان خيراً كثيراً جداً، ولكنه بسوء خلقه يضيع أجره، كان يعطي الفقراء ثم يمن عليهم، أو يشتمهم، ومثل ذلك: كإنسان عنده عسل فيخلطه بالخل فيفسده، وكذلك سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. ذكر أن الأحنف بن قيس ﵁ كان من أحلم الناس، وكان الناس يتعجبون من حلم هذا الرجل، فيقولون له: ممن تعلمت الحلم؟ قال: تعلمته من قيس بن عاصم المنقري التميمي -وهو الذي سن الوأد ثم تاب إلى الله وبعد ذلك كان من أحلم العرب- قال: شهدته وقد جلس في قومه وهو محتب. قال: فجاءوا إليه برجل موثق في الحبال فقالوا: هذا ابن أخيك قتل ابنك. قال: فوالله ما حل حبوته، ثم قال لابن أخيه: يا بن أخي! قطعت رحمك، وأفسدت ما بيننا وبينك. ثم قال: أطلقوه. وقال: قوموا إلى أم المقتول فأعطوها مائة ناقة فإنها غريبة. من يفعل هذا الأمر؟! ليس المطلوب أن تكون مثله، لكن المطلوب ممن يغضب لأتفه الأسباب أن يتذكر هذا الرجل. وقصة أخرى للأحنف أنه كان واضعاً ابنه على رجليه، وجاءت الجارية وفي يدها سفود فيه شواء، فإذا بالسيخ يسقط من يدها على الغلام فيقتله، ففزعت

стр. 3126

ضابط الكبيرة وهنا يتكلم العلماء في أمر الكبائر، وليست الكبائر هي التي نص عليها النبي ﷺ أو هي التي ذكرها الله في كتابه فقط، بل قد وضع العلماء لها ضابطاً، فقالوا: كل ذنب من الذنوب توعد الله عليه بالعذاب، أو جعل فيه حداً، أو لعن الله فاعله أو غضب عليه فهو كبيرة من الكبائر التي تفحش في نظر المؤمن حين يسمعها، ولو لم ينص على أن هذا من كبائر الذنوب. يقول العز بن عبد السلام ﵀: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المذكورة في القرآن كالسرقة، والزنا، وقتل النفس، أو في سنة النبي ﷺ ، يقول مثلاً: فمن شتم الرب ، فانظر إلى المشرك وانظر إلى الذي يشتم، فالمشرك بالله معظم لله ﵎، ويقول: أن لا أقدر أنا أعبد ربي مباشرة، إنما أجعل الصنم يوصل هذه العبادة؛ لأنني أحقر من أن أصل إلى الرب فأعبده مباشرة، فهذا عنده شيء من التعظيم، لكنه أشرك في تعظيمه، فوقع في كبيرة من الكبائر. والذي يشتم الرب تجده أفحش بكثير من الذي أشرك بالله ؛ لأن هذا استهان بربه. فالأول: جعل معه في ملكه غيره. والثاني: كأنه ألغى ربه، فلاشك أن الشتم أفحش. وكذلك الذي يشتم الرسول ﷺ ، أو يستهين برسل الله عليهم الصلاة والسلام، أو يكذب أحداً من رسل الله. وقد جعل الله تعالى الحرم آمناً كما في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:٦٧]. فالحرم آمن شرعاً وقدراً، ففي الجاهلية كانوا يعرفون حرمة هذا الحرم، فما كان أحد يجرؤ أن يلحد داخل الحرم، كأن يقتل إنساناً، أو يأخذ مال إنسان، بل كان الرجل يجد قاتل أبيه وقاتل أخيه داخل الحرم فلا يمسه بسوء، وينتظره خارج الحرم إن أراده بسوء، أما داخل الحرم فكانوا يخافون من ذلك، فهذا التحريم القدري. أما التحريم الشرعي فبما أنزل على النبي صلوات الله وسلامه عليه من قرآن ومن سنة. فلو أن إنساناً ظلم إنساناً داخل الحرم وقد جعله الله حرماً آمناً، فهذا ألحد في الحرم، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، ففي الآية وعيد للذي تحدثه نفسه أن يلحد في الحرم أن يذاق من عذاب أليم، فكيف بمن يفعل ذلك؟ ولو كان يؤذي الحرم نفسه، كأن يفكر بهد الحرم، أو يسرق شيئاً من الحرم، أو لطخ الحرم بعذرة، أو تغوط أو بال داخل الحرم الذي قدسه الله وجعله طاهراً آمناً، فإذا سقنا كل ذلك على الإلحاد في الحرم نجد أنها من كبائر الذنوب، مع أن هذا مما لم يذكر في القرآن ولا في السنة، ولكن دخل بقياس الأولى، فهذا أولى بأن يكون إلحاداً في الحرم من غيره. كذلك جعل الله المصحف له حرمة عظيمة، قال تعالى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]، وقال النبي ﷺ : (لا يمس القرآن إلا طاهر)، فلو أن إنساناً رمى المصحف أو مزقه، فقد يكون ذنب هذا الإنسان أفحش من مسه على غير طهارة، بل يكفر الذي يفعل ذلك. كذلك الزنا كبيرة من الكبائر، فإذا زنى الإنسان بحليلة جاره كان هذا أفحش، وجاء في حديث النبي ﷺ : (لأن يزني الرجل بعشرة أبيات أيسر من أن يزني بحليلة جاره)، وهذا الذي يزني بعشرة أبيات واقع في كبيرة من الكبائر، ولكن أفحش من ذلك أن يقع في حليلة جاره، وأفحش من ذلك أن يمسك امرأة محصنة لغيره ليزني بها، فيقول العلماء: هذا من فواحش الذنوب ومن كبائر الذنوب التي يقع فيها الإنسان. كذلك القتل من كبائر الذنوب، والذي يمسك بمؤمن لغيره ليقتله هذا مشارك له ومماثل له في هذا الذي فعله. كذلك من الكبائر: أكل مال اليتيم، فلو أنه أخذ مال اليتيم، واشترى به طعاماً وأكله فهذا من كبائر الذنوب، ولو أنه أخذ مال اليتيم ورماه في البحر، فيكون هذا أفحش بكثير من الأول، فالأول قد يكون جائعاً، ولكنه واقع في كبيرة وأكل ناراً والعياذ بالله. أما الثاني: فإنه استهان بالشريعة، واستهان بحق اليتيم، وكسر قلبه بأن أحرق ماله، أو أتلفه عليه، فهذا أعظم بكثير. فهذه الأشياء إن لم تنص عليها الشريعة فقد نصت على ما هو أقل منها، فهذا أفضع وأشنع من الأول الذي نص عليه قوله سبحانه: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام:١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:١٠]، كذلك لو أن إنساناً هرب في القتال فقد وقع في كبيرة من الكبائر، وقد توعده الله بغضبه، قال : ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:١٦]، فلو أن إنساناً دل الكفار على عورات المسلمين بأن قال لهم: في المكان الفلاني مجموعة من المسلمين؛ فتجسس للكفار، فأنزلوا عليهم القنابل فأحرقوا المسلمين، كيف يكون فحش ذنب هذا الإنسان؟ لا ننظر إلى أنه قال كلمة، إنما ننظر للنتيجة لذلك، فهذا أشار بيده على المكان فدمروه. وهذا مثلما كان يفعل اليهود بالفلسطينيين، يجندون بعضاً منهم يقف لهم في مكان فيشير على السيارة، فتأتي الطائرة وتضرب الصاروخ على قادة حماس وقادة القسام فتحرقهم. فهذا الذي دلهم ذنبه أعظم من أن يقتل مؤمناً، وكذلك لو دل الكفار على عورات المسلمين مع علمه بأنهم يستأصلون بدلالته، ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم، ويزنون بنسائهم، وانظر إلى الكفار لما دخلوا العراق، واقرأ عن المذابح التي حصلت هناك، واقرأ عن الفواحش التي ارتكبوها في نساء المسلمين، يدخلون لتفتيش البيوت ثم يزنون بنساء المسلمين، والعالم كله ساكت على ذلك، ولا أحد يعترض على هذه الجرائم التي فعلوها في سجن أبو غريب وغيره من السجون هناك. فهذا الذي دلهم على عورات المسلمين، والذي عرض بلاد المسلمين لذلك، والذي أعان على مثل ذلك، كيف يكون ذنبه عند الله ؟! وأي كبيرة وقع فيها؟ وأي فحش وقع فيه أعظم من هذا الذي يقع في ذلك؟ وقس على ذلك غيره. يقول العز بن عبد السلام ﵀: وهذا نسبته إلى هذه المفاسد أعظم من تولية يوم الزحف. عندما تقول: فلان هرب من الحرب، أيهما أعظم جرماً عند الله وأيهما أعظم جرماً في عقل الإنسان: هذا الذي دل على العورات، فحصلت كل المفاسد والمصائب، أم الآخر الذي هرب من القتال وحده؟ فإن وقع هذا في كبيرة، فهذا وقع في أعظم وأشنع من أن يوصف بكبيرة فقط. ولو أن إنساناً كذب ليأكل ويستحل مال مسلم، أو كذب ليأخذ شيئاً من مال مسلم ثم أنكر أنه أخذه، وحلف يميناً غموساً، فهذا وقع في كبيرة من الكبائر استحق بها النار. ولو أن هذا الإنسان كذب وقال: إن فلاناً هذا رأيته يقتل فلاناً، فأخذوه وقتلوه. أي الاثنين أعظم جرماً: هذا الذي أخذ شيئاً من المال، أم الذي شهد على الإنسان وكذب عليه فقتل بسبب كذبه؟ لا شك أن هذا أعظم بكثير من الأول، فإذا كان فعل الأول كبيرة؛ فالثاني من فواحش الكبائر. يقول العلماء: ولو شهد اثنان بالزور على قتل موجب للقصاص، فسلم الحاكم المشهود عليه إلى الوالي فقتله، وكلهم عالمون بأنهم ظالمون، فذنبهم أعظم ممن قتل إنساناً عمداً وعدواناً. ولو أن مجموعة تواطئوا مع الحاكم على الشهادة على شخص أنه قتل شخصاً آخر، فأمر الحاكم الجلاد بأن يقتل هذا الرجل فهؤلاء ذنبهم أعظم ممن قتل إنساناً عامداً مع أنهم لم يباشروا القتل. هذا مختصر لكلام العز بن عبد السلام ﵀ في كتاب قواعد الأحكام. فالخلاصة: إذا أردت أن تعرف أن هذا الذنب كبيرة من الكبائر فانظر لما يترتب عليه من مفسدة، وقسها على الكبائر التي جاءت في القرآن الكريم أو جاءت في سنة النبي ﷺ لتعرف قبح هذا الذنب هل يوصله إلى أن يعد من الكبائر أم لا؟

стр. 3127

العفو والغفران من صفات المؤمنين قال الله : ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]. الإنسان المؤمن مطلوب منه عند الغضب أن يكظم غيظه، ولا ينفذ غضبه حتى لا يؤذي نفسه ويؤذي غيره إلا أن يكون الغضب لله . فقد كان النبي ﷺ يصبر ويحلم إلا أن يكون لله فيغضب ويقيم حد الله سبحانه. والمطلوب من المؤمن أن يتجاوز ويعفو إلا أن يكون في حد من حدود الله سبحانه، إلا أن تنتهك حرمات الله ففي هذه الحالة يغضب لله سبحانه ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإذا لم يتمعر وجهه حين تنتهك حدود وحرمات الله فهو يستحق العذاب لذلك. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]، نزل في أبي بكر الصديق ﵁، وقوله: (يغفرون) أي: يتجاوزون ويحلمون عمن يسيئ إليهم. فـ أبو بكر شتمه إنسان، فتجاوز عنه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، فلامه الناس لماذا لا يرد عليه، وكان ذلك في مكة، فمدح الله تعالى أبا بكر ﵁ في ذلك. وقيل: بل نزلت حين لامه الناس على إنفاق ماله كله، وحين شتم فعفا وصفح، فأنزل الله ذلك. ولكن العبرة بعموم اللفظ، فهي وإن كانت نزلت في أبي بكر ﵁، ولكنها تعم أبا بكر وغيره من المؤمنين. فكل إنسان مؤمن أوذي في شيء وعفا مع قدرته على الانتصار فالله يعطيه هذا الأجر. وقد كانت العرب تعد من مكارم الأخلاق أن يتغافل الإنسان أحياناً عمن يسيء إليك، ولذلك قال أحدهم: ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني أي: أمر على هذا اللئيم وهو يسبني فأقول: إنه لا يقصدني إنما يقصد شخصاً آخر، ويتغافل عن مثل ذلك. وقد يقدر الإنسان أن ينتصر على من ظلمه، ولكن الإسلام يعود الإنسان على ضبط النفس والعفو مع القدرة، ولذلك جاء في حديث النبي ﷺ في الصائم: (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم)، لم يقل: فليسبه وليقاتله، ولكن قال: (فليقل: إني صائم)، فيذكر نفسه ويذكر غيره بأنه صائم، فلا يرد على الإنسان ما فعله بمثله، ولكن يعفو ويصفح، إلا أن يكون في حد من حدود الله فينتقم لله . قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]، أي: يتجاوزون ويحلمون، وإذا كظمت الغيظ فقد يهيج الناس المشاعر بقولهم: أنت ضعيف لم تقدر عليه؛ فهنا تذكر نفسك بمثل هذه الآية، وبمثل قوله : ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت:٣٥]. وبما جاء عن النبي ﷺ من أحاديث في البشارة بما يكون وراء هذا الصبر العظيم. فمما جاء عنه ﷺ حديث رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وهو حديث صحيح، ورواه الإمام أحمد أيضاً ونذكر رواية الإمام أحمد وهي أطول من غيرها وهي حسنة، عن سهل بن معاذ عن أبيه عن رسول الله ﷺ قال: (من كظم غيظه وهو يقدر على أن ينتصر دعاه الله ﵎ على رءوس الخلائق حتى يخيره في حور العين أيتهن شاء). فالإنسان المؤمن يذكر نفسه بأن من وراء كظم الغيظ حور العين، وهذه أعظم جائزة يتمناها الإنسان من الله ، والحور العين ليست مثل نساء الدنيا، بل أعظم وأجمل بكثير من نساء الدنيا، ولو أن واحدة منهن اطلعت على هذه الدنيا لأضاءتها، والحور العين خلقهن الله لعباده المؤمنين، ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:٥٦]. ثم قال: (ومن ترك أن يلبس صالح الثياب وهو يقدر عليه تواضعاً لله ﵎، دعاه الله ﵎ على رءوس الخلائق حتى يخيره في حلل الإيمان أيتهن شاء). وهذا من فضل الله سبحانه على الإنسان المؤمن الغني حين يتواضع، فهو يقدر أن يشتري أفخر الثياب، وبإمكانه أن يشتري بدلة بعشرة آلاف جنيه، أو بمائة ألف جنيه، لكنه يتواضع فيلبس مثل الناس. وليس معنى ذلك أن يلبس الصوف، أو يلبس الخشن، أو يلبس الشيء الذي يزدريه الناس، لكن المطلوب هو التواضع، فيعيش كما يعيش الناس، يلبس الزهيد من الثياب، والعادي من الثياب الذي يلبسه الناس، لكن بقصد أن يفعل ذلك ابتغاء وجه الله ، قال ﷺ : (وهو يقدر عليه)، فهو لم يتركه بخلاً لكنه بدل أن ينفق هذا المال في شراء الثياب يتصدق به، فيدعوه الله ﵎ على رءوس الخلائق حتى يخيره بين حلل الإيمان أيتهن شاء. وهذا الحديث يدلنا على عظم ثواب كظم الغيظ.

стр. 3128

تفسير سورة الشورى الآية [٣٨] من صفات المؤمنين: أن أمرهم شورى بينهم، والاستشارة تكون بعد الاستخارة، والعزم يكون بعد الاستشارة، وإذا عزم النبي ﷺ على أمر بعد المشاورة فليس له أن يرجع عنه، ويقتدي ولي الأمر به في ذلك، وقد شاور النبي ﷺ أصحابه في مواطن كثيرة منها: غزوة بدر، وغزوة أحد، وحادثة الإفك، وغيرها.

стр. 3129

تفسير قوله تعالى: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. ذكرنا أن الله مدح المؤمنين الذين يتصفون بصفات منها أنهم على ربهم يتوكلون، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:٣٧ - ٣٨].

стр. 3130

ذكر ما جاء من مشاورة النبي ﷺ أصحابه يوم بدر أيضاً: مما جاء أنه في يوم بدر شاور النبي ﷺ أصحابه، هذا قبل الخروج لعير أبي سفيان، فقال: (من كان سلاحه حاضراً فليخرج معنا)، فخرج مع النبي ﷺ ثلاثمائة وبضعة عشر، ولكن أبا سفيان أفلت إلى مكان آخر، وأرسل إلى الكفار يستغيث بهم، فجاء الكفار لقتال النبي ﷺ ، فإذا بالنبي ﷺ ومن معه يجدون أن الأمر ليست عيراً يأخذونها، بل هو جيش آت، وهم ليسوا مستعدين لهذا الجيش، فإذا بالنبي ﷺ يستشير أصحابه. روى الإمام مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان. يقصد أنه في البداية شاور، وبعد ذلك شاور ﷺ حين استغاث أبو سفيان بالكفار، فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ﷺ ، فتكلم عمر فأعرض ﷺ ، فقام سعد بن عبادة ﵁ فقال: إيانا تريد يا رسول الله! وهذا وإن كان في صحيح مسلم إلا أن الظاهر أنه ليس سعد بن عبادة؛ لأن سعداً لم يكن معهم، وإن كان قد أعطاه النبي ﷺ شيئاً، لكنه لم يكن معهم إنما كان معهم سعد بن معاذ رضي الله ﵎ عنه، وكان فيها المقداد بن الأسود، واشتهر المقداد بمقولة قالها ﵁، لكن هذه رواية الإمام مسلم. والحديث في مسند الإمام أحمد وفيه: أن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لقد شهدت من المقداد مشهداً لأن أكون أنا صاحبه أحب إلي مما على الأرض من شيء، قال: أتى النبي ﷺ وكان رجلاً فارساً، وهو الفارس الوحيد الذي كان موجوداً في يوم بدر، فقال للنبي ﷺ : أبشر يا نبي الله! لما استشاره النبي صلوات الله وسلامه عليه فقال قائل الأنصار: تستشيرنا يا رسول الله؟ فقال المقداد ﵁: إنا والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﷺ : ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤] ولكن والذي بعثك بالحق لنكونن بين يديك، وعن يمينك وعن شمالك ومن خلفك حتى يفتح الله عليك. وفي رواية أخرى لهذا الحديث ذكرها ابن أبي شيبة فقال سعد بن معاذ -وهذا هو الراجح أن القائل كان سعد بن معاذ سيد الأوس، والآخر سعد بن عبادة سيد الخزرج، لكن القائل كان سعد بن معاذ، ولعل الآخر قالها قبل خروج النبي ﷺ إليه- قال سعد بن معاذ: لئن سرت حتى تأتي برد الغماد من ذي اليمن لنسيرن معك، يعني: سر أينما تريد فنحن معك، حتى وإن سرت إلى اليمن فسنكون معك، وقال للنبي ﷺ كلاماً جميلاً وفيه: ولن نكون كالذين قالوا لموسى وذكر ما قال المقداد ﵁، قال: ولعلك خرجت لأمر فأحدث الله غيره، فامض لما شئت، وصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، رضي الله ﵎ عنه. هذا سعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن حين مات شهيداً رضي الله ﵎ عنه وحملته الملائكة، وحمله المسلمون، وكان ضخماً عظيم البدن رضي الله ﵎ عنه، ولما حمله المسلمون ما شعروا بذلك، فقد كان خفيفاً وهم يحملونه، فأخبر النبي ﷺ أنه حملته الملائكة، وهو صاحب هذه المقولة العظيمة الذي عاش مجاهداً في سبيل الله، والذي دعا ربه حين أصيب في أكحله في عرق في يده رضي الله ﵎ عنه في يوم الأحزاب فقال: اللهم إن كنت أبقيت للمشركين قتالاً فأبقني لهم، فإن لم تبق لهم قتالاً فخذني إليك، فأخذه الله واستجاب له دعوته. وكان يهود بني قريظة حلفاء للأوس من الأنصار في الجاهلية، ولذلك لما حاصر النبي ﷺ بني قريظة تحصن بنو قريظة في الحصون، وأبوا أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ ، ونزلوا على حكم سعد بن معاذ، فقد كان حليفهم في الجاهلية وأرسلوا إليه، وكانوا قبل ذلك أرسلوا لـ عبد الله بن أبي بن سلول ومن قبلهم بنو النضير أرسلوا إليه، وبنو قينقاع كذلك أرسلوا إليهم، فقد كانوا حلفاء للخزرج، فذهب إلى النبي ﷺ هذا المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، وقال أتقتل هؤلاء كذا دارع وكذا رجل معه سيف وكذا، والله لا تقتلهم! وضل يشفع لليهود حتى أجلاهم النبي صلوات الله وسلامه عليه أخذاً بكلام هذا الرجل، وكذلك أرسلت بنو قريظة إليه وقالوا له: لقد كنت حليفنا في الجاهلية، وأخذوا يتوددون إليه فقال: سأحكم، وسكت ولم يقل: سأحكم بكذا، حتى خرج، فقالوا: لا نريد إلا حكم سعد بن معاذ ﵁ قال: فحكمي فيكم أن تقتل مقاتلتكم، وأن تسبى ذراريكم ونساؤكم، وأن تؤخذ أموالكم، فقال النبي ﷺ : (لقد حكمت بحكم الملك)، هذا حكم الله نطق به سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري ﵁ سيد الأوس، فكان رجلاً موفقاً في حياته حتى توفاه الله سبحانه، فقال النبي ﷺ : (لمناديل سعد في الجنة خير من الدنيا وما فيها) هذا منديله، فكيف بما أعد الله عز جل لـ سعد وغيره في الجنة؟ نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته، وأن يقينا عذابه وناره. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3131

استشارة الأمناء من أهل العلم والعزم والتوكل بعد الاستشارة يقول البخاري ﵀: وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ : فكان الأمين من أهل العلم لا يرضى أن يفتي السلطان بما حرم الله فيبيح ما حرم الله، ولكن يفتي بما أحل الله ، وأي حكم ليس فيه دليل على المنع الأصل فيه الجواز، فيفتون للخلفاء بما قال الله وبما قال النبي ﷺ وبما هو مباح في الأمر الدنيوي، من غير أن يتعرضوا لأمر حرمه الله فيحلونه، ولا لأمر أحله الله فيحرمونه. قال البخاري: ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة، فقال عمر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله؟) لاحظ فقه الإمام البخاري ﵀ فيما نذكره؛ إذ يسوق القول الذي يختاره هو، ثم يدلل عليه بالدليل، والإمام البخاري فقيه محدث رضي الله ﵎ عنه، فأنت تأخذ فقه البخاري من تراجمه، ففي صحيح البخاري ترجمة الباب وعنوان الباب كذا، وقد يكون العنوان كلمة أو كلمتين، وقد يكون العنوان صفحة كاملة، ومن هذا العنوان الذي يذكره البخاري تعرف فقه البخاري واختيار البخاري في صحيحه، أو من الأقوال ما يعمم به في الباب. فهنا يذكر القول وبعده الدليل، فقد بدأ بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] واختار أن المشاورة قبل العزم والتبين، أي: أنك تستشير، وقبل الاستشارة الاستخارة قبل أن تجزم وتقطع، ثم تستشير الناس بعد ذلك ثم تعزم على الشيء، فالاستشارة قبل العزم، قال: لأن الله عقب ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩] إذاً: إذا استشرت الناس وعزمت على شيء بعد ذلك، فالاستشارة تكون قبل العزم، وهذا دليلهم. وإذا عزم النبي ﷺ على شيء وقطع عليه، فليس له أن يرجع عن ذلك، قال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله)، والسنة أيضاً تفيد ذلك، فالنبي ﷺ في يوم أحد لما عزم على الخروج بعد الاستشارة أرادوا الرجوع في ذلك، فقال النبي ﷺ (لا ينبغي لنبي لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله).

стр. 3132

ذكر ما جاء من عزم أبي بكر على قتال المرتدين ثم قال ﵀ بعد ذلك: وكانت الأئمة بعد النبي ﷺ يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبي ﷺ . والمعنى: أنه لا قول لأحد ولا اجتهاد مع النص، فإنه يلزمك أن تنفذ ذلك، فإذا أمر الله فلا اختيار، بل عليك أن تنفذ من غير استشارة. ودليل الإمام البخاري في ذلك قوله: ورأى أبو بكر قتال من منع الزكاة. في عهد أبي بكر لما توفي النبي ﷺ وتولى أبو بكر الخلافة إذا بأناس كثيرين يرتدون، ويمنعون الزكاة، وقالوا: الزكاة كنا ندفعها للنبي ﷺ ، والله يقول: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] فالنبي ﷺ هو الذي يأخذها، وقال: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٣] وأنتم لن تصلوا علينا فلن ندفع الزكاة، فسموا الجميع: مانعي الزكاة والمرتدين، مع أن فيهم من لم يرتد ولم يمنع الزكاة ولكنه قال: أنا أدفع الزكاة لكن لن أدفعها للإمام، فكلهم سموا مرتدين وإن كان في ذلك تفصيل، فالإمام البخاري يستدل بأن أبا بكر رأى أن يقاتل هؤلاء، وأن يقاتل الجميع، من ارتد ومن منع الزكاة بتأويل أو بغير تأويل، فإذا بـ عمر يعترض عليه ويقول: كيف تقاتلهم وهم يقولون: لا إله إلا الله؟ وفي اعتراضه أتى بنص من النصوص، فإذا بـ أبي بكر رضي الله ﵎ عنه يرد عليه بنص آخر ويقول: (لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) أي: إن الله أمر بقوله: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء:١٠٢] إذاً: النبي ﷺ أو من يقوم مقامه يقيم لهم الصلاة فيصلون جماعة، فمن منع الجماعة هذا نقاتله، وكذلك الزكاة قال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣] وقد أخذها النبي ﷺ تنفيذاً لأمر الله، فمن منع اعتراضاً على أن الإمام يأخذ الزكاة من الناس فيدفعونها له، فهو مفرق بين الصلاة والزكاة. إذاً: احتج أبو بكر بالنص؛ فلذلك رضي عمر بما قاله أبو بكر ﵁. فمقصد البخاري: أننا إذا اختلفنا في شيء مع وجود النص فإنه يلزم الجميع أن يأخذوا بهذا النص، وأن يتركوا آراءهم، ولذلك ترك عمر رأيه، وأخذ بالنص الذي ذكره أبو بكر رضي الله ﵎ عنه. يقول: وقال النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) فالذي يؤيد ما يقوله أبو بكر ﵁ أن أبا بكر اختار أن يقاتل هؤلاء؛ لأن النص معه أن الذي يمنع الزكاة يلغي شيئاً من دين الله ومن أركان الإسلام، فهو مبدل للدين، ونص النبي ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه)، فالمقصد منه: أن الإنسان إذا اختلف مع غيره رد الأمر إلى الله وإلى رسول الله ﷺ ، وإذا وجد النص في الكتاب والسنة لزمه أن يعمل به.

стр. 3133

أصحاب مشورة عمر ﵁ قال: وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولاً وشباناً. كذلك كان عمر يأخذ بالشورى رضي الله ﵎ عنه، وكان يستشير القراء وحفاظ القرآن، ولو نظرت إلى هذا الزمان لوجدت أن حفاظ القرآن لا أحد يهتم بهم، لكن في أيام النبي ﷺ كان حافظ القرآن له أهمية كبيرة جداً، كما ذكرنا في الحديث السابق أنهم كانوا يحفظون القرآن عشر آيات عشر آيات، ولا ينتقل أحدهم من العشر الأولى حتى يتقنها ويعلم معناها، ويعلم ما فيها من أحكام ويعمل بها، فكان إذا حفظ القرآن أصبح عالماً بالأحكام، عاملاً بالقرآن، عالماً من العلماء، أما الآن فلا نقدر أن نقول: إن حافظ القرآن عالم أو فقيه أو كذا؛ لأن ذاك يحفظ القرآن، وذاك يحفظ الحديث، وذاك يتعلم الفقه، وهكذا، لكن كان في عهد النبي ﷺ لا توجد هذه التفرقة، فقد كان حافظ القرآن إماماً وعالماً؛ لذلك كان عمر ﵁ أهل شوراه هم حفاظ القرآن، ليس كما في هذا الزمان الذي أصبح من أهل الشورى الممثلون والرقاصون والكتاب والمخادعون والمنافقون والصحفيون؛ بل الذي يعرف دين الله وينصح لله هؤلاء هم أهل الشورى. فأهل شورى عمر ﵁ هم القراء وحفاظ القرآن والعلماء بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ ، فقد كان عمر يستشير هؤلاء الحفاظ، وكان إذا استشارهم ووصلوا إلى أمر أخذ بما يقولون رضي الله ﵎ عنهم، وأهل مجلس عمر ﵁ كانوا كهولاً، والكهل: الذي جاوز أربعين سنة، أو شباناً وهم دون ذلك وكذلك المشيخة، وذكر أنه كان في مجلس شورى عمر بعض الناس الذين لهم مودة مع عمر ﵁، فأتى إلى هذا الرجل عمه، وقال: يا ابن أخي! ألك كلام مع هذا الأمير؟ فقال: نعم. قال: فدلني عليه، كأنه يقول: توسط عنده من أجل أن أكلمه فرضي الله عنه، فأخذه وذهب به إلى عمر ﵁، وهو لا يعرف ما الذي سيقوله عمه لـ عمر ﵁، فلما جلس الرجل وعمه قال عم الرجل لـ عمر ﵁: هيه يا عمر! والله ما تعطي الجزل، ولا تحكم بالعدل. فقام له عمر بالدرة ليضربه، فإذا بابن أخيه يقول: يا أمير المؤمنين! إن الله يأمر بالعدل ويقول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فأنقذ عمه بذلك، فالله يأمرنا بالعدل وأن نحكم به، فكان عمر يحكم بالعدل، قال راوي الحديث: وكان عمر وقافاً عند كتاب الله، فقد كان الرجل ذكياً حين أتاه بهذه الآية، وذكره بأنه يحكم بالعدل، فعلى ذلك لا يضره ما يقول هذا الإنسان، فلما قال: (وأعرض عن الجاهلين) وهذا جاهل، سكت عمر وذهب فوراً غضبه رضي الله ﵎ عنه، وسكت عن هذا الرجل، هذا ما ذكر الإمام البخاري في صحيحه من الشورى.

стр. 3134

ذكر ما جاء من استشارة النبي ﷺ لأصحابه يقول الإمام البخاري: وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أحد في المقام والخروج؛ إذ إن الكفار قادمون إلى المدينة، والنبي ﷺ يستشير أصحابه، فقد كان الكفار عددهم ثلاثة آلاف مقاتل، والنبي ﷺ يعلم بمقدم جيش الكفار، فاستشار أصحابه في المكوث في المدينة ومقاتلتهم فيها أو الخروج إليهم لقتالهم، وكان النبي ﷺ يميل إلى أن يمكث في المدينة ولا يخرج منها، هذا كان رأيه ﷺ ، فاستشار أصحابه فطلبوا أن يخرجوا كما خرجوا في يوم بدر، وكان رأيه ﷺ أن يمكثوا في المدينة، فهي حصن حصين وعدد الكفار كبير، فالخروج إليهم يتطلب عدداً كبيراً، وكان من أصحاب هذا الرأي عبد الله بن أبي بن سلول، فقد كان رأيه أيضاً أن يمكث النبي ﷺ في المدينة ولا يخرج للكفار خارج المدينة، ولكن النبي ﷺ استشار؛ لأن الله أمره بذلك، فلما استشارهم كان أكثر الآراء على الخروج وعدم المكث في المدينة، فإذا بالنبي ﷺ ينفذ، فلبس النبي ﷺ لأمة الحرب وأراد الخروج، فقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فذهبوا إليه وقالوا له: يا رسول الله! إن بدا لك أن تقعد فاقعد، فقال النبي ﷺ : (لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله) أي: قضي الأمر، فقد لبست لباس القتال فلا ينبغي أن أخلعها، فخرجوا مع النبي ﷺ ، وإذا بـ عبد الله بن أبي بن سلول يخذل النبي ﷺ والمسلمين، ويخرج بثلث الجيش من أتباعه، ويترك النبي ﷺ وجيش المسلمين، ولم يبق مع النبي ﷺ إلا سبعمائة رجل بعد أن كانوا ألف رجل، وجيش الكفار ثلاثة آلاف، فهذا صنيعه، وكم صنع من الإجرام مع النبي ﷺ هذا الرجل المجرم المنافق الذي كان يبطن الكفر، ويظهر الإسلام، ويتولى اليهود، فلم ينفعه ذلك حتى مات وجاء ابنه يطلب من النبي ﷺ أن يصلي عليه، هذا الرجل المجرم خذل جيش المسلمين، ورجع بثلث الجيش، ووجد لنفسه عذراً فقال: لم يسمع كلامي، وإنما سمع كلامكم أنتم، ورجع بعدما استيقن أن الكفار قد أتوا، وكأنه وجدها فرصة حتى يتخلص من النبي ﷺ ومن المؤمنين الذين معه، وحصل ما حصل في يوم أحد، وانتصر المسلمون في أولها حتى عصوا رسول الله ﷺ فانهزموا في آخرها. فالغرض: أنه استشار القوم، وليس هنا فقط، بل قد استشارهم قبل ذلك في بدر، واستشارهم بعد ذلك في الخندق، وفي مواطن كثيرة كان يستشير أصحابه.

стр. 3135

ذكر ما جاء من قصة الإفك يقول الإمام البخاري ﵀: وشاور -يعني: النبي ﷺ علياً وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة، فسمع منهما حتى نزل القرآن. لما خرج النبي ﷺ في غزوة المريسيع، ومعه السيدة عائشة ﵂ ورجع النبي ﷺ ، وكانت السيدة عائشة استعارت من أسماء قلادة لها، فضاعت القلادة من السيدة عائشة وأمر النبي ﷺ بالرحيل، وذهبت السيدة عائشة تبحث عن القلادة، وجاء من كانوا يحملون هودجها، وظنوا أنها بداخل الهودج وهو المحمل الذي يحمل فوق الجمل، ونساء النبي ﷺ رضوان الله ﵎ عليهن كن مستورات لا أحد ينظر إليهن، فحملوا الهودج وكانت خفيفة وظنوها بداخله، وانطلق النبي ﷺ لأمر يريده الله ﵎، وبعدما وصلوا إلى مكان ما افتقدوا عائشة ﵂، فلبثت السيدة عائشة في هذا المكان، فإذا برجل كان في مؤخر جيش النبي ﷺ في أمر من الأمور يجد السيدة عائشة في مكانها فيحملها رضي الله ﵎ عنه، واسمه صفوان بن المعطل السلمي ﵁، فلما رآها إذا به يتعجب ويقول: سبحان الله! وما زاد على ذلك، وأتى بجمله وأناخه، فركبت عائشة ﵂ وأخذها وانطلق بها إلى المدينة، وإذا بالمسلمين يصلون وليست معهم عائشة، فتكلم أهل النفاق في ذلك، ورأس النفاق كان هذا المجرم عبد الله بن أبي بن سلول، والمفروض أن المسلمين قد تعلموا منه درساً في يوم أحد، فمثل هذا لا يصدق فيما يقول، فإذا به يشيع بين المسلمين أن السيدة عائشة أحدثت حدثاً، فإذا بالبعض يتكلم وهو يستخفي ويختبئ ولا يظهر ذلك إلا فيمن حوله، ولكن المسلمين تكلموا فيما بينهم حتى وصل الأمر للنبي ﷺ ، وجرت قصة طويلة، وفي النهاية قام النبي ﷺ على المنبر يقول للناس: (من يعذرني في رجل قال على أهل بيتي. كذا وكذا؟) يعني: من يعذرني إن فعلت فيه شيئاً، قال: (والله! ما علمت على أهلي إلا خيراً، برجل والله ما دخل بيتي إلا معي)، وعبد الله بن أبي بن سلول هذا من الخزرج، فقام الأوس وقالوا: (يا رسول الله! إن كان منا مرنا بأمرك فقتلناه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا بأمرك ففعلنا ما أمرت)، فإذا بالخزرج تأخذهم نعرة الجاهلية فقالوا: (كذبتم والله لا تقدروا أن تفعلوا شيئاً). وهذه مصيبة أيما مصيبة، فقد ابتلي النبي ﷺ بأناس يتكلمون عن زوجته وأحب النساء إليه ﷺ ، ولما أراد أن يقف على المنبر من أجل أن يعذروه ﷺ إذا بهم يتعرض بعضهم على بعض، وكادوا يقتتلون في المسجد، فإذا بالنبي ﷺ يهدئهم ويرجع إلى بيته صلوات الله وسلامه عليه، ويستشير علياً ﵁، ويستشير أسامة، فيسأل علياً: ما هو رأيك في هذا؟ وتأخر الوحي عنه حتى يرينا صبر عائشة ﵂، وأن الابتلاء كان حتى مع النبي ﷺ ، فإذا ابتلي إنسان بمثل ذلك صبر، قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] فإذا بالنبي ﷺ يستشير أسامة، وكان يلقب أسامة بحب رسول الله ﷺ وابن حب رسول الله ﷺ ، وأبوه زيد بن حارثة ﵁ الذي كان في يوم من الأيام يدعى بـ زيد بن محمد، فلما نزل تحريم التبني كان زيد حب النبي ﷺ ، وابنه أسامة بن زيد حب، أي: حبيب النبي ﷺ ، فقد رباه النبي صلوات الله وسلامه عليه هو وأباه. فلما استشار أسامة قال للنبي ﷺ : أهلك يا رسول الله! والله ما علمنا عليهم إلا خيراً، فاستشار علياً ﵁، فإذا بـ علي يتكلم الكلام الذي يليق بإنسان كبير عاقل عنده حكمة، حيث إن الوحي تأخر عنه، وأصابه غم في بيته وبين المسلمين، والأمر أسهل من ذلك أن ينتبه لأمر المسلمين ولأمر الدعوة، فقال علي: طلقها يا رسول الله! والنساء كثيرات، ودامت الوقيعة بين عائشة وبين علي فترة طويلة، إذ لم يكن في نفس علي شيء من عائشة ولم يكن يتهمها رضي الله ﵎ عنه، ولكنه رجل دولة، رجل ينظر إلى أن النبي ﷺ ليس متفرغاً حتى ينظر لأمر البيت وأمر كذا، فلا بد أن ينتبه لأمر الدعوة، وربنا يقضي ما يشاء ﵎، فلما استشارهما ﷺ لم ينفذ رأيهما ولكنه استشار، واستشار واحدة أخرى كانت تخدم عائشة ﵂ وكانت أمة وأعتقتها السيدة عائشة ﵂ وهي بريرة ﵂، فاستشارها فقالت: (يا رسول الله! والله ما علمنا على أهلك إلا خيراً، غير أنها جارية حديثة السن كانت تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله، فهذه لما استشارها النبي ﷺ قالت الحقيقة، فأقصى خطأ في عائشة أنها تعمل العجين وتنساه وتنام. فلما استشار النبي ﷺ في النهاية سكت صلوات الله وسلامه عليه، وانتظر أمر الله ، وكانت عائشة في هذا الوقت عند النبي ﷺ وتقول: ولم أجد منه ما كنت آراه، أي: لم يعد لطيفاً يدخل ويسلم علي ويقبلني، وعائشة غير منتبهة تماماً لما يدور حولها، ولما رجعت عائشة أصابها شيء من التعب، فأرادت في يوم من الأيام أن تخرج لقضاء حاجتها، فكانت معها أم مسطح بن أثاثة أحد الذين تكلموا في أمر السيدة عائشة ﵂، وكان رجلاً مؤمناً طيباً، ولكنه سمع فتكلم، فدعت عليه أمه، وحينما خرجت مع السيدة عائشة ﵂ كادت تقع فقالت: تعس مسطح، فقالت عائشة ﵂: (لم تدعين عليه؟ فقالت لها: أو ما بلغك ما قال؟ قالت: وما قال؟ فحدثتها بالحديث، فرجعت مصابة بالحمى في بيت النبي ﷺ وقالت: أصابتني حمى بنافض، ورجعت إلى بيت النبي ﷺ تشتكي الحمى، وتعبت تعباً شديداً، ثم قالت للنبي ﷺ : ائذن لي أذهب إلى والدي، فأذن لها وذهبت إلى أبيها وإلى أمها فسألتهما: هل سمعتم هذا الذي حدث؟ فأجابا: نعم، سمعنا بذلك، فقالت لها أمها تطيب قدرها: يا بنية! قلما كانت امرأة وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، أي: أنت امرأة جميلة وعند النبي ﷺ ، وهو يحبك، والناس من الضروري أن يتكلموا عنك، فلا تهتمي بهذا الشيء، فإذا بالسيدة عائشة تبكي وما انقطع دمعها، وأخبرت أن النبي ﷺ دخل عليها قبل أن تذهب إلى أبويها، ويخبرها النبي ﷺ أنه لم ينزل وحي في ذلك، فينصح أهل بيته قائلاً: (يا عائشة! إن كنت ألممت بأمر فتوبي إلى الله فإن الله غفور رحيم) حتى قالت عائشة: فانقطع دمعي، إذ كانت تبكي قبل ذلك، فلما قال ذلك أخذها الغيظ من هذا، حتى النبي ﷺ يقول ذلك! وهو يحبها ويعرف قدرها، قالت: فانقطع دمعي وقلت: والله لو أنني أخبرتكم بشيء أنا صادقة فيه والله يعلم أني صادقة تكذبونني فيه، وإن أخبرتكم بشيء أكذب عليكم فيه صدقتموني، أي: لو قلت لكم: أنه فعلاً حصل هذا الذي أشيع عني كنتم ستصدقون، وإن كنت سأصدق في القول فلا أحد سيأخذ بكلامي، ثم استأذنته وذهبت إلى أبيها وقالت: ولا أقول إلا كما قال أبو يوسف -قالت: ونسيت اسمه، نسيت اسم يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بسبب الغم الذي أصابها- لا أقول إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل، أي: أصبر الصبر الجميل حتى يأتي أمر الله ، ونزل القرآن وإذا بالله يقول في كتابه العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور:١١]. فالحكمة هنا: أن هذا خير لك يا رسول الله أن تبتلى فتصبر، فإذا بالنبي ﷺ يصبر ليبين للناس أن العرض فيه حكم الله ، والذين قذفوا نزل فيهم الحد بأن يجلدوا، وأفلت عبد الله بن أبي بن سلول لأنه ما أظهر هذا أمام الناس، إذ كان قوله في السر، فالذين أظهروه هم الذين أخذوا وأقيم عليهم الحد، وكان منهم مسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش أخت زوجة النبي ﷺ ، فلما كانوا يتكلمون عن ذلك قالت السيدة عائشة عن زينب: حفظها الله بالورع، وأختها وقعت فيه، أما هي فلم تقع في ذلك مع أنها ضرتها، فقد كانت السيدة زينب بنت جحش ورعة لم تقع في ذلك. وعلم الله المؤمنين الصبر بذلك، فصبر النبي ﷺ ، وصبر أبو بكر الصديق رضي الله ﵎ عنه، حيث إن عائشة هي ابنته، والذي كان يتكلم عنها هو ابن خالة أبي بكر الصديق مسطح بن أثاثة وكان رجلاً فقيراً، وكان أبو بكر ينفق عليه، ومع ذلك كان من أول من تكلم على السيدة عائشة هو مسطح، فأقيم عليه ال

стр. 3136

من صفات المؤمنين الاستجابة لله والرسول ذكر الله من صفات المؤمنين صفة الاستجابة، أنهم يطيعون الله سبحانه، ويطيعون رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وأنهم سريعون في الإجابة إذا دعوا إلى الله أو دعوا إلى رسول الله ﷺ ، وقوله: (استجابوا) أي: أجابوا، كأن السين للاستدعاء، فاستدعوا من أنفسهم ذلك باستدعاء الله إجابتهم، فبادروا وسارعوا إلى طاعة الله ، وإلى طاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فهم المجيبون لله، ولمجيبون للرسول صلوات الله وسلامه عليه، والمنفذون لأمر الله وأمر الرسول ﵊. والاستجابة صفة عظيمة للمؤمنين، وقد جعل الله في الأنصار أعظم ما يكون من الصفات صفة الاستجابة، ولذلك لما قدم وفد من الأنصار على النبي ﷺ قبل هجرته وكان عددهم اثني عشر رجلاً، فدعاهم إلى دين الله فاستجابوا، ورجعوا إلى قومهم فدعوهم، فالأنصار استجابوا للنبي ﷺ ، ثم مهد الله للهجرة وجاء الأمر منه وهاجر إليهم رسول الله ﷺ . ولما وصل إليهم كانت بيوت كثيرة من بيوت الأنصار قد دخلوا في الإسلام، إذ أرسل إليهم قبل ذلك مصعب بن عمير ﵁ يدعوهم إلى الله، فما في الأنصار من بيت إلا ودخل فيه الإسلام، فكانت دعوة عظيمة من الأنصار رضوان الله عليهم، واستجابة عظيمة منهم لله، ولهذا مدح الله المؤمنين خاصةً الأنصار باستجابتهم لله سبحانه. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾ [الشورى:٣٨] هذه سببها مخصوص، ولكن كما ذكرنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل مؤمن يطيع الله ، وكل مؤمن يستجيب حالاً لكلام الله سبحانه ولكلام الرسول ﷺ فهو داخل تحت هذه الآية.

стр. 3137

من صفات المؤمنين إقامة الصلاة قال تعالى: (وأقاموا الصلاة) أي: داوموا عليها، وأدوها في أوقاتها التي شرعها الله ، فصلوا لله واستقاموا على هذه الصلاة صلاةً صحيحة مقبولةً، صلاةً يرضى الله عنهم وعنها، صلاةً تمنع وتنهى صاحبها من الفحشاء والمنكر.

стр. 3138

من صفات المؤمنين الشورى فيما بينهم ومن صفاتهم: أن أمرهم شورى بينهم، هذه من أخص صفات المجتمع المسلم الذي يحبه الله ، فليس في المجتمع المؤمن من ينفرد برأيه ويلزم الجميع بما يقول، فالله مدح هنا المؤمنين ومدحهم في سورة آل عمران، وقال للنبي ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فلولا أن عندهم رأياً لما أمر النبي ﷺ أن يشاورهم، فمدح الله المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وأن النبي ﷺ يشاورهم في الأمر، ومعلوم أنه لن يشاورهم في الأحكام الشرعية؛ لأن الأحكام الشرعية ليست محل جدل ومناقشة ومحل شورى بين المؤمنين، إنما يشاورهم في أحكامهم الدنيوية، فإذا خرج للجهاد في سبيل الله استشار المؤمنين في الطريق: أي طريق يسلكها؟ واستشار المؤمنين كيف يبدأ بأعدائه، وكيف يفعل بهم صلوات الله وسلامه عليه، ويستشيرهم في أمور من أمور الدنيا، أما أمر الدين فهذا وحي السماء ينزل بالأحكام لا مشاورة فيها لا للنبي ﷺ ، ولا لأصحابه، فهو مأمور من ربه سبحانه بأن يفعل فيفعل، والمؤمنون مأمورون بأن يفعلوا فيفعلوا وينتهوا فينتهوا، فالشورى هنا في أمر دنياهم، يشاورهم النبي صلوات الله وسلامه عليه. وقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه كان كثير الاستشارة لأصحابه، وهذا من تواضعه ﵊، فهو الذي مدحه ربه بأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يتكلم بهواه، وإنما يتكلم بوحي من الله ، فلو أنه مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، ولم يكن النبي ﷺ يشاورهم لجاء من بعده فقال: النبي ﷺ لم يكن يستشير أحداً، فينفرد برأيه، ولكن بدأ بنفسه ﷺ ، وهو رسول الله الذي عصمه الله، والذي أيده ربه بالوحي من السماء، فإذا أخطأ في شيء ينزل القرآن ليصوب له: افعل كذا لا تفعل كذا ﵊. إذاً: فربنا يأمر المؤمنين بهذه الشورى بأمرين: الأول: القرآن، يقول تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] فإذا كان النبي المعصوم ﵊ يشاور في الأمر فغيره من باب أولى. والأمر الثاني: مدح المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وينفذ ذلك النبي ﷺ بسنته ﵊، فيتعلم من بعده منه. ذكر الإمام البخاري في صحيحه باباً عن الشورى فقال: باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] و ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وأن المشاورة قبل العزم والتبين؛ ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. وهذا من جميل ترتيب الإمام البخاري لتراجم أبوابه رضي الله ﵎ عنه، فيذكر أن الله سبحانه قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] وأن المشاورة قبل العزم، والمعنى: أني أشاور في أن أعزم على أمر، وقد علمنا النبي ﷺ شيئاً آخر مع هذه الشورى العظيمة، وهي أن تستخير الخالق ، إذاً: هناك استخارة واستشارة، فتطلب الخيرة من الله سبحانه، تطلب منه أن يختار لك وأن يلهمك الصواب، وأن يوفقك لتسير على ما يحبه ، وقد جاء في حديث النبي ﷺ : (إذا هم أحدكم بالأمر فليصل ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم أني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويذكر الأمر الذي يستخير فيه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاقدره لي، ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به). إذاً: تستخير الخالق وتستشير المخلوق؛ لأن هذا أمر الله ، قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، فإذا ظهر لك الأمر بناءً على الاستخارة، وبناءً على الاستشارة فاعزم عليه وتوكل على الله سبحانه، ولذلك الترتيب الجميل للإمام البخاري، يقول لك: وأن المشاورة قبل العزم والتبين: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. إذاً: هنا ربنا يأمر النبي ﷺ بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، أي: إذا أخذت أمراً وقطعته بشيء فامش في هذا الأمر وتوكل على الله سبحانه. يقول البخاري ﵀: فإذا عزم الرسول ﷺ لم يكن لبشر التقدم على الله ورسوله، قال: وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أحد. المقصود من كلام البخاري: أنه إذا استشار النبي ﷺ فاتفقوا على أمر: نفعل كذا، ثم بدأ ينفذ النبي ﷺ نتيجة هذه الشورى فليس لهم أن يرجعوا في كلامهم بعد ذلك، فلا بد أن يفعلوا ما استشارهم فيه ﷺ وما وصلوا إليه من أمر.

стр. 3139

تفسير سورة الشورى (تابع) الآية [٣٨] ذكر الله مبدأ الشورى في كتابه الكريم، وأمر بها نبيه ﷺ لما يترتب عليها من المصالح الدينية والدنيوية والأخروية، وهذه الشورى لها آدابها وأحكامها وحدودها، وليست بالشورى التي يتزعمها من رضعوا اليوم من لبان الغرب، فجاءوا يتشدقون بملء أفواههم أن شورى الغرب المستوردة هي من الإسلام، فشورى الإسلام معلومة ومحسومة لا تقبل التعديلات ولا التبديلات.

стр. 3140

الشورى في الإسلام الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. تكلمنا في الحديث السابق عن صفات المؤمنين الذين يستحقون من الله أن يعطيهم الخير، أو ما هو أخير من هذه الحياة الدنيا في الجنة من النعيم المقيم، ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص:٦٠]، والذين يستحقون الجنة هم المؤمنون الذين يتوكلون على ربهم، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، والذين إذا ما غضبوا هم يغفرون، وكذلك هم الذين يقيمون الصلاة وأمرهم شورى بينهم، وذكرنا أن الشورى صفة تتعلق بهذا المجتمع المسلم، ومن الصفات العظيمة التي أمر الله بها نبيه ﷺ ، ووصف المؤمنين بها ومدحهم عليها، فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وقال لنبيه ﷺ ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وفعل النبي ﷺ ذلك، فكان يستشير أصحابه صلوات الله وسلامه عليه في أمور الدنيا، كالقتال مثلاً، حتى يعود المسلمين على مبدأ الشورى العظيم.

стр. 3141

حديث: (المستشار مؤتمن) وما فيه من فوائد وعبر ذكرنا أن النبي صلوات الله وسلامه عليه قال في الحديث: (المستشار مؤتمن)، وفيه قصة جميلة رواها الإمام مسلم والترمذي، وهذا لفظ الإمام الترمذي عن أبي هريرة، يقول: (خرج النبي ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر ﵁ فقال: ما جاء بك يا أبا بكر؟! فقال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه وأسلم عليه. فلم يلبث أن جاء عمر فقال: ما جاء بك يا عمر؟! فقال: الجوع يا رسول الله! -فقد كان فقيراً لا يجد شيئاً يأكله- فقال رسول الله ﷺ : وأنا قد وجدت بعض ذلك)، وكذلك أبو بكر ولكنه استحيا، ولذلك جاء في رواية أنه ﷺ قال: (أخرجني الذي أخرجكما)، أي: إذا كان أخرجكم الجوع ولم تستطيعوا الجلوس فخرجتم إلى الطريق، فكذلك رسول الله ﷺ أخرجه الجوع، ثم قال رسول الله ﷺ : (انطلقوا إلى منزل أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري -وهو رجل من الأنصار كان كثير النخل والشاة، ولم يكن له خدم، بل كان يخدم نفسه بنفسه- قال: فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: أين صاحبك؟ فقالت: انطلق يستعذب لنا الماء -أي: خرج يحضر لهم ماءً عذباً من بئر بعيد- فلم يلبث أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها فوضعها، ثم جاء يلتزم النبي ﷺ ويفديه بأبيه وأمه صلوات الله وسلامه عليه -فقد وجده خير ضيف أتى إليه- فأقبل إليه يحتضنه ويقبله ويقول: فداك أبي وأمي، ثم انطلق بهم إلى حديقته فبسط لهم بساطاً، ثم انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النبي ﷺ : أفلا تنقيت لنا من رطبه -أي: أنه أعطاهم قنواً مملوءاً بالبلح، من الأحمر والأسود، وفيه من كل الأنواع، فقال له النبي ﷺ وأصحابه: لو أعطيتنا أقل من هذا- فقال الرجل الكريم: يا رسول الله! إني أردت أن تختاروا أو تخيروا من رطبه وبسره -وهذا من كرمه، فإنه لما رأى عليهم علامات الجوع أطعمهم الموجود، ولم يتأخر عليهم- فأكلوا، وشربوا من ذلك الماء، فقال رسول الله ﷺ : هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة، ظل بارد، ورطب طيب، وماء بارد. فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاماً، -وهذا بعد أن قدم لهم ما كان موجوداً؛ لشدة جوعهم- فلما انطلق قال النبي ﷺ : لا تذبحن ذات در -أي: أنه ﷺ نهاه أن يذبح شاة فيها لبن- فذبح لهم عناقاً أو جدياً -من الماعز- فأتاهم به فأكلوا، فقال النبي ﷺ : هل لك خادم؟ قال: لا، قال: فإذا أتانا سبي فأتنا)، فرد الجميل بالجميل، وكان النبي ﷺ إذا أهدى إليه إنسان شيئاً يعطيه المثل والمثلين وأكثر من ذلك، فبما أن هذا الرجل قد أكرمهم فإن النبي ﷺ سيعطيه عبداً من العبيد يخدمه في المكان الذي هو فيه. ومما ينبه عليه هنا أن بعض الناس ربما يضحك ممن يقدم للضيف شيئاً قبل الغداء، وقد يقول: إنه ما أعطاهم ذلك إلا لكي يأكلوا بعده ما سيقدمه لهم. فـ أبو الهيثم بن التيهان لما رأى عليهم الجوع أعطاهم شيئاً يأكلونه، ولو أنه ذهب وذبح الشاة وطبخها لتأخر عليهم وتركهم جياعاً، وهذا من أدبه وكرمه ﵁، والنبي ﷺ يعرف كرم هذا الرجل، ولذلك قال له: (لا تذبحن ذات در)، فلما جاء سبي إلى النبي ﷺ أتاه هذا الرجل، وقد أتى النبي ﷺ بعبدين لا ثالث لهما، فقال له النبي ﵊: (اختر -أي: واحداً من الاثنين رداً لجميله الماضي- فقال أبو الهيثم للنبي ﷺ : يا نبي الله! اختر لي، فقال النبي ﷺ -وهذا الشاهد من الحديث كله-: إن المستشار مؤتمن -أي: بما أنه قد استشار النبي ﷺ فسوف يختار له الأفضل؛ لأن المشورة أمانة- فقال له النبي ﷺ : خذ هذا فإني رأيته يصلي، واستوص به معروفاً). إن أبا الهيثم له حديقة كبيرة، ونخل كثير، وشاة وغنم كثير، وليس له خادم يخدمه، فهو يخدم نفسه بنفسه رضي الله تعالى عنه، فلذلك أحب النبي ﷺ أن يعطيه ما ينتفع به، فالإنسان حين يهدي لآخر فلينظر الشيء الذي ينتفع به ويهديه له، وبعد أن أعطاه العبد أوصاه به خيراً، فانطلق أبو الهيثم فرحاً بالعبد الذي أخذه وذهب إلى امرأته وقال: هذا العبد أهدانيه النبي ﷺ ، وأخبرها بأنه قال: (استوص به خيراً)، وكانت امرأة تقية، فقالت له: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي ﷺ إلا أن تعتقه، وهذا من صلاحها وتقواها، فلم ترض أن ترتاح مع زوجها والعبد يعمل، فأعتق الرجل العبد واستمع لنصيحة امرأته الفاضلة ﵄، وقال: هو عتيق، فهذه المرأة أشارت على زوجها بالصواب، وإن كانت تلك المشورة على نفسها. فعلى الإنسان أن ينصح ولو على نفسه، يقول الله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء:١٣٥]، فإذا نصح الإنسان لأخيه كما ينصح لنفسه وأدى الأمانة فلينتظر البركة من وراء ذلك، فهذا الرجل بعد أن أعتق العبد ذهب إلى النبي ﷺ يخبره بما صنع، فقال النبي ﷺ للرجل حين سمع منه ما فعل هو وامرأته: (إن الله لم يبعث نبياً ولا خليفة إلا وله بطانتان، بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، وبطانة لا تألوه خبالاً)، وقس على ذلك من بعدهم، فكل إنسان يملك أمراً من الأمور، ويعمل عملاً من الأعمال فحوله أناس، وله بطانة، منهم من يأمره بخير، ومنهم من يأمره بشر، فالذين يريدون أن يأكلوا منه ويأخذوا المال يأمرونه بالشر، أو بأي شيء، المهم أن يأخذوا من ورائه المال، ثم قال النبي ﷺ : (ومن يوق بطانة السوء فقد وقي)، فكأنه يمدح تلك المرأة التي جعلها الله بطانة خير، فقد أشارت عليه بالخير وأمرت بالمعروف. وهكذا فكل إنسان له بطانتان، وكان النبي ﷺ يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع، ومن الخيانة فإنها بئست البطانة)، فبئست البطانة أن يكون من حولك خونة، ينظرون في مصالحهم فقط، فيعنونك على الخطأ ولا يرشدونك إلى الصواب؛ حتى يأخذوا من ورائك المال، ويحصلوا منك على مصلحة. فالكبير والصغير من الناس له بطانة سوء تفسد ولا تصلح، وبطانة خير تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر، ولذلك النبي ﷺ يقول: (ومن يوق بطانة السوء فقد وقي). نسأل الله أن يقينا بطانة السوء، وأن يقينا كل شر في الدنيا والآخرة. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3142

من هم أهل الشورى يقول ابن الجوزي ﵀: إنما أمر النبي ﷺ بمشاورة أصحابه فيما لم يؤت به وحي، وعمهم بالذكر والمقصود أرباب العلم وأصحاب الرأي والحكمة. فقوله سبحانه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، هذه صيغة عموم، والمقصد من هذا العموم: الخصوص، وليس العموم، والمعنى: شاور بعضهم وليس جميعهم، رجالاً ونساءً صغاراً وكباراً، ولكن اجمع أهل المشورة واستشرهم، ولذلك كان عمر ﵁ يجمع إليه القراء وحفاظ القرآن فيشاورهم، وإذا أشار عليه أحد غيرهم بشيء قبله إذا كان فيه صواب، فقد أشارت عليه امرأة بشيء فقبل منها. فهنا النبي ﷺ لما أمره الله بالشورى قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، ففي يوم بدر قال: (أشيروا علي أيها الناس)، فتكلم أبو بكر، فأعرض عنه، وتكلم عمر فأعرض عنه، وهو يقول: (أشيروا علي أيها الناس) وهو يريد مشاورة الأنصار، فهم أهل المدينة وأصحاب البلد الذي فيه النبي صلوات الله وسلامه عليه. يقول النبي ﷺ : (المستشار مؤتمن)، وسيأتي هذا الخبر في قصة طويلة له ﷺ . إن الإنسان حين يستشير إنساناً فقد ائتمنه على هذا الرأي الذي يقوله، وكذلك إذا استشارك إنسان فقد ائتمنك، وطلب منك الأمانة، فاحذر أن تشيره بما يكون فيه ضرر عليه، فهذه أمانة ولابد أن تؤدي، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء:٥٨]، فإذا أعطاك إنسان سره، واستشارك وطلب منك الرد فقد أودعك أمانة، فرد إليه أمانته برأيك الصحيح. وقول النبي ﷺ : (المستشار مؤتمن)، معناه: أنه مسئول يوم القيامة عند الله عن هذه الأمانة التي لزمه أن يردها، وأن يجيب على من استشاره. قال الحسن ﵁: إن الله تعالى لم يأمر نبيه ﷺ بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى رأيهم، ولكن أراد أن يعرفهم ما في المشاورة من البركة، ففي آراء الجماعة بركة، فأراد الله أن يعرف المسلمين ذلك. وقال عمر رضي عنه: شاور في أمرك من يخاف الله، أي: لا تذهب إلى من يعاديك، أو يتمنى لك الشر لتستشيره، ولكن شاور من يخاف الله ، ويعطيك الرأي السديد. قيل لرجل من قبيلة عبس: ما أكثر صوابكم! أي: الصواب عندكم كثير، فقال الرجل: نحن ألف -أي: عدد القبيلة ألف رجل- وفينا حازم واحد نشاوره في أمرنا -فإذا حدث للقبيلة أمر شاوروه وأخذوا بمشورته- قال: فصرنا ألف حازم. فعلى المرء ألا يهضم كلام العلماء ولا يستهتر به ولا يحتقره، وليأخذ بكلام العقلاء والحكماء، وليعمل به، فإن كثيراً من الناس يستشير عالماً في مسألة لا ليعمل أو يتفقه، فإن وافق الحكم هواه أخذ به، وإلا سأل آخر، فيطلب ما يوافق هواه، وهذا استهتار بدين الله . كان علي ﵁ يقول: رأي الشيخ خير من مشهد الغلام، أي: مشهده في القتال، فالغلام أقوى في الحرب، ولكن رأي الشيخ خير من مشهد الغلام؛ لأن الشيخ له خبرة في الحياة، وخبرة في الحرب، وقد خاض المعارك قبل ذلك وعرفها، فالأخذ برأي الشيخ أولى من الأخذ برأي الغلام، ومع ذلك فالغلام يؤخذ برأيه، ولذلك لما أراد عمر رضي الله ﵎ عنه أن يدخل الشام وفيها الطاعون استشار جمعاً من المهاجرين، فاختلفوا عليه: فمنهم من يقول: ادخل، أتفر من قضاء الله ؟ ومنهم من يقول: ارجع ولا تدخل، ثم استشار مشايخ قريش الكبار، فقال: ما رأيكم؟ فلم يختلف عليه أحد منهم، وقالوا: ارجع ولا تذهب، فإنك سوف تهلك نفسك وتهلك الجيش، فهذه آراء الشيوخ، فاقتنع بكلامهم ورجع. وكان من بركة هذه المشورة أن عبد الرحمن بن عوف كان غائباً، فلما رجع قال لـ عمر بن الخطاب: لقد أصبت فيما فعلت، وعندي في ذلك خبر، فحدث عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا نزل الطاعون في أرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها، وإن لم تكونوا فيها فلا تدخلوها)، فحمد الله عمر ﵁، ورجع، وهذا هو رأي المشيخة، فلقد كانت آراؤهم أصوب؛ لما لهم من خبرة في الحياة، فإذا لم يكن عندهم سنة في أمر من الأمور فكروا وأعملوا الآراء، وهم أهل لأن يوفقوا، بسبب كبر سنهم، وكثرة عبادتهم، وخبرتهم في إدارة الأمور. يقول عبد الملك بن مروان: لأن أخطئ وقد استشرت أحب إلي من أن أصيب من غير مشورة، بمعنى: أنه ليس أحب إليه أن يصيب بدون أن يستشير، بل الأحب أنه لو أخطأ بعد أن استشار، وهذا كلام حكيم من رجل عالم، فلقد كان هذا الرجل يقرب العلماء ويحبهم، فكان إذا أخطأ وقد استشار لم يندم، وإذا أصاب من غير مشورة يدخله العجب، وهكذا فالإنسان عندما يصيب مرة بدون مشورة يفرح ويعجب بنفسه، لكنه إن أصاب هذه المرة فقد يخطئ مرة أخرى ويضيع نفسه ومن معه بعد ذلك، هذا ما قاله العلماء. ومن كلامهم أيضاً: من طلب الرخصة من الإخوان عند المشورة، ومن الفقهاء عند الشبهة، ومن الأطباء عند المرض، أخطأ الرأي وحمل الوزر وازداد مرضاً، وهذه من حكم العلماء، ومعنى (من طلب الرخصة من الإخوان) أي: أنه يشاور ويريد ممن يشاوره أن يسهل عليه ولا يعطيه الحقيقة؛ فينبغي على المرء ألا يطلب الرخصة عند المشورة، ولذلك قالوا: صديقك من صدقك لا من صدقك، وأخوك من وعظك لا من عذرك، وقالوا: أخوك من عذلك لا من عذرك، أي: أخوك حقيقة هو الذي يعظك ويعذلك، ويذكرك بأخطائك، أما الذي يعذرك دائماً، ولا يقول لك إذا أخطأت: أنت مخطئ، فقد غرك، وسوف تظل على الخطأ بدون أن يمنعك منه أحد، وإذا أتى إليك من ينصحك ويذكرك بأخطائك فقد تظن أنه يكرهك. وقولهم: صديقك من صدقك، بمعنى أن الصديق الحقيقي هو الذي يصدقك، يقول: ما يقول ولا يكذب عليك، ويقول لك الصدق، فإذا أصبت صوبك، وإذا أخطأت خطأك، فهو صادق معك، وليس صديقك من صدقك، فكلما تقول شيئاً يقول: أنت صادق فيه، مع أن كل الناس يقولون: إنك مخطئ، فمن صفات أهل الجاهلية أن تصوب المخطئ من أجل قرابة بينك وبينه، وهذه هي العصبية. وقولهم: ومن الفقهاء عند الشبهة، أي: أن يسأل الفقيه في أمر مشتبه فيه ويريد منه رخصة في هذا الأمر. وقولهم: ومن الأطباء عند المرض، أي: أن يمرض ويذهب إلى الأطباء فيمنعوه من بعض الأشياء، فيطلب منهم ألا يمنعوه من ذلك وأن يسهلوا عليه. فإذا صنع الإنسان ذلك فقد أخطأ الرأي، وحمل الوزر، وازداد مرضاًَ، طالما أنه يعمل بالشبهة، ويطلب من الفقيه أن يفتيه بجوازها، فيأثم الفقيه ويأثم هو أيضاً، ويحمل الوزر، ويزداد مرضاً.

стр. 3143

اهتمام الإمام أحمد بالشورى وللعلماء كلام عظيم في مبدأ الشورى، يقول ابن مفلح الحنبلي في الآداب الشرعية: فصل في التزام المشورة في الأمور كلها ومعنى قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. قال: قال المروزي: كان أبو عبد الله -يقصد الإمام أحمد ﵀ لا يدع المشورة، يقتدي بالنبي صلوات الله وسلامه عليه فيما أمره الله به في قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، يقول: حتى إنه كان ليشاور من هو دونه فهذا إمام من الأئمة العظام ﵀ ورضي الله عنه، وهو الإمام أحمد بن حنبل إمام أهل السنة، الفقيه العظيم العالم بحديث النبي ﷺ ، والذي حفظ من المتون ومن الأحاديث ما لم يكن يحفظ أحد مثله ﵀، فقد قالوا: إنه حفظ ألف ألف حديث عن النبي ﷺ ، وعن الصحابة والتابعين وغيرهم من أحاديث موصولة بأسانيد كثيرة، ومن أحاديث منقطعة، ومن آثار عن الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم وغير ذلك مما حفظه، فكان فقيهاً عظيماً، وإماماً من أئمة أهل السنة، ابتلي فصبر ودافع عن دين الله ، حتى توفي وهو على منهج النبي ﷺ ، ﵁ وأرضاه. فكان ﵀ يتبع النبي ﷺ في الشورى، حتى إنه ليشاور من هو دونه، وليس هذا عيباً أن الإنسان يستشير غيره، ويأخذ برأي غيره، ويستفيد منه، فلعله يكون عند نفسه مصيباً، فإذا استشار بان له الخطأ في رأيه، وهذا من عظمة الشورى. يقول: وكان إذا أشار عليه من يثق به، أو أشار عليه من لا يتهمه من أهل النسك من غير أن يشاوره قَبِل مشورته، وكان إذا شاوره الرجل اجتهد له رأيه، وأشار عليه بما يرى من صلاح، وكان يستشير الناس، فإن جاءه أحد من أهل الصلاح المتمسكين والمتعبدين يشير عليه برأي قبل رأيه وأخذ بنصيحته، وهو أيضاً إذا جاءه إنسان يطلب منه النصيحة والمشورة أشار عليه، واجتهد له برأيه ﵁ ورحمه.

стр. 3144

معنى الشورى يقول ابن الجوزي ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩] معناه: استخرج آراءهم واعلم ما عندهم بالشورى، فإذا استشرت الناس فكل منهم سيدلي برأيه الذي عنده، فتستفيد من آرائهم إذا رأيت، ولعلك تجد رأياً من آراء الناس أصوب مما تقوله أنت، فلا تحتقر لأحد رأياً حتى تسمع ما يقول. يقول الزجاج: يقال: شاورت الرجل مشاورة وشواراً، وما يكون عن ذلك اسم المشورة، ويقال لها المشورة، يقال: فلان حسن الصورة والمشورة، أي: حسن الهيئة واللباس، وحسن المشورة أي: صاحب رأي. قالوا: معنى شاورت فلاناً أي: أظهرت ما عندي وما عنده، يقال: وشرت الدابة إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها -فهذا من معاني كلمة شار- قال: وشرت العسل إذا أخذته من مواضع النحل، وعسل مشار، أي: مأخوذ من أماكن النحل. فالمشورة هي عرض الآراء على الناس، أو على أهل الشورى، وأخذ هذه الآراء والنظر فيها.

стр. 3145

الهدف من أمر الله نبيه بالشورى يقول ابن الجوزي: اختلف العلماء ﵃ لأي معنىً أن الله أمر نبيه ﷺ بمشاورة أصحابه، مع كمال رأيه وتدبيره صلوات الله وسلامه عليه، بمعنى: هل كان محتاجاً لآرائهم ﷺ وقد كمل علمه وحلمه، وكملت أراؤه ﵊؟ يقول ابن الجوزي: قيل: ليستن به من بعده، وهذا صحيح، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، وليس معنى ذلك أنه لا يتقي الله صلوات الله وسلامه عليه، فيأمره الله بذلك ليتقوا الله وليأتمروا بأمره، ولا يستنكفوا عن عبادته. وقيل مثل ذلك في مقام الوعيد: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، وحاشاه أن يقع في الشرك ﷺ وأن يكون من الخاسرين، وقد أخبره الله بقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]، والنبي ﷺ مستحيل أن يشرك وقد عصمه الله سبحانه، ولكن إذا قيل للنبي ﷺ ذلك فالأمة أولى بذلك، فعلى المسلمين أن يخافوا على أنفسهم من الشرك. فالنبي ﷺ استشار أصحابه حتى يستن به المؤمنون. وقيل: لتطييب قلوبهم حين يستشيرهم، ولو استشار الإنسان إنساناً آخر في أمر من الأمور فسوف يحس ذلك المستشار أن له وضعاً واعتباراً واحتراماً، فيقول رأيه وهو طيب النفس، حتى ولو كان أقل منك، ولن تأخذ برأيه، ولكنك قد أرحت باله وطيبت نفسه باستشارتك له. فالشورى مبدأ عظيم تطيب به نفوس الناس، وإذا حدث خطأ بعدها فلن يقول أحد لآخر: أنت انفردت بالرأي والحكم، ولكن سيقال: هذا رأي الجميع والخطأ منهم جميعاً.

стр. 3146

فوائد الشورى قال ابن الجوزي: من فوائد المشاورة: تطييب القلوب، ونظير هذا قول النبي ﷺ : (البكر تستأمر في نفسها)، فالبكر تستأذن فإذا كانت صغيرة فلأبيها عليها ولاية إجبار، فيجبرها أن تتزوج، ولكن مع ذلك يطيب خاطرها بالمشاورة؛ لأنه يستأمرها، ويأخذ رأيها، حتى وإن كان له ولاية إجبار في سن معينة، ولكن لابد أن يستشيرها ويأخذ رأيها حتى يطيب قلبها، وتطيب نفسها. كذلك من هذا الباب كما يقول الشافعي: مشاورة إبراهيم ﵇ لابنه حين أمر بذبحه، فقد رأى في المنام أنه يذبح ابنه، ولا بد أن ينفذ ذلك، فرؤيا الأنبياء وحي من الله ، فكونه يقول لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢]، ليس معنى ذلك أن إسماعيل لو رفض الذبح سيترك إبراهيم أمر الله، وإنما لتطييب القلب والموافقة على أمر الله، والرضا بقضائه وقدره، فقال الابن الكريم لأبيه الكريم: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]. ومن فوائد المشاورة: أن المشاور إذا لم ينجح أمره علم أن امتناع النجاح محض قدر، فلم يلم نفسه، ولو أن إنساناً استشار جماعة في المسالة الفلانية، وكل أدلى برأيه، واتفقت الآراء على عمل معين، وبعد ذلك لم يتحقق المطلوب، فسوف يقول: هذا قضاء الله وقدره، بعد أن استخرنا الله واستشرنا الناس. ومن فوائد الشورى أيضاً: أنه قد يعزم على أمر ويتبين له الصواب في قول غيره، فقد يعزم على شيء، ثم يستشير الناس، فيشيرون عليه بترك ذلك الشيء لما سيترتب عليه من المضار، وقد يعزم على نكاح امرأة، ويستشير الناس في ذلك فيشيرون عليه بأن هذه المرأة لا تصلح لك، وفيها من الصفات ما لا يناسبك، ثم يتبين له الصواب في رأيهم بعد ذلك، وقس على ذلك غيره. يقول علي ﵁: الاستشارة عين الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبير قبل العمل يؤمنك من الندم. وهذا كلام حكيم من علي بن أبي طالب ﵁، فإذا استشار الإنسان غيره وصل إلى الصواب في الأمر، وقد خاطر من استغنى برأيه، أي: أن الإنسان الذي يحسب نفسه أنه يفهم كل شيء، فيعمل ما يريد بدون أن يستشير الناس؛ فإنه قد يصل في النهاية إلى مأزق خطير لا يقدر على الخلاص منه، فيتمنى لو أنه استشار أولئك الذين احتقر آراءهم. قال ﵁: وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، بمعنى: ما استدرك أو ما استخرج الصواب، يقال: استنبطت الماء: أي: استخرجته من الأرض، واستنبط الصواب بمعنى: استخرجه من قلوب الناس وعقولهم وتفكيرهم، فعلم الإنسان أن يشاور حتى يصل إلى الصواب. قال: ولا حصنت النعم بمثل المواساة وهذا كلام رجل حكيم، ومعناه: إذا أردت أن تحافظ على النعم التي أعطاك الله إياها فتصدق منها وأد زكاتها، قال: ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر، والمعنى: إذا تواضعت للناس أحبك الناس كلهم، وإذا استكبرت عليهم أبغضك الناس كلهم.

стр. 3147

تفسير سورة الشورى [٣٦ - ٣٨] وصف الله عباده المؤمنين الذين أعد لهم جنات النعيم بأنهم يتوكلون على الله في جميع أمورهم، وأنهم يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وأنهم يغفرون عند غضبهم، وأنهم استجابوا لأوامر ربهم، وانتهوا عما نهاهم عنه خالقهم، وأنهم يقيمون الصلاة ومما رزقهم الله ينفقون، وأنهم ينتصرون ممن ظلمهم إن كان الخير في الانتصار، وإلا صبروا وعفوا إن كان في ذلك صلاح وخير.

стр. 3148

بيان صفات المؤمنين المذكورة في سورة الشورى الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الشورى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٦ - ٣٩]. هذه صفات من صفات المؤمنين الذين أخبر الله أنه أعد لهم ما هو خير مما في هذه الدنيا من زينة ومال وغير ذلك، قال تعالى: ((فَمَا أُوتِيتُمْ)) أي: مهما أوتيتم أو كل ما أوتيتم من هذه الحياة الدنيا فهو متاع قليل كما قال تعالى: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الشورى:٣٦].

стр. 3149

فضل الصدقة الصدقة عظيمة جداً، وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث في فضل الصدقة التي تخرجها لله سبحانه، والأجر الذي يكون عند الله، منها ما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب)، أي: من تصدق بنحو تمرة أو ما يشابهها، كأن أعطيت فقيراً ثمرة أو ثمن ثمرة، فإن النبي ﵌ قال: (بعدل تمرة)، أي: بأقل ما وجد، فالله يعلم أن هذه إمكانياتك التي تقدر عليها، فيقبل منك بكرمه وفضله وجوده ذلك. قال رسول الله: (فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل)، الفلو: المهر الصغير، فهو يشبه نماء الصدقة بالحصان الصغير الذي تعلفه وتطعمه وتسقيه إلى أن يصير كبيراً، فكذلك الصدقة التي تصدقت بها فإنها كانت تمرة بسيطة فإذا بالله ينميها لك سبحانه، فيعطيك عشر أمثالها، أو سبعمائة ضعف فيها، أو ما شاء الله من أجر عليها، وعندها تصير التمرة جبلاً عظيماً من الحسنات بفضل الله وكرمه. وقد قال النبي ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم)، فالدرهم كان لإنسان فقير، كل ثروته درهمان فتصدق بدرهم، فهو أنفق نصف ثروته، والآخر له مال عظيم كثير فتصدق من عرض ماله بمائة ألف، فله أجر عظيم عند الله على المائة ألف، ولكن من نظرة أخرى فإن الأول تصدق بنصف ثروته، والثاني تصدق بشيء من ماله، أو بعشر ثروته، أو غير ذلك، فكأن الدرهم سبق المائة الألف، ولكل أجر وخير عند الله . ويقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي هريرة: (ما نقص مال من صدقة)، وهذا وعد من النبي ﷺ ، وهو يعدنا لأن الله أوحى إليه بذلك، وقد ذكر في حديث آخر أنه قال: (ثلاث أقسم عليهن وذكر منها: وما نقص مال من صدقة). فثق في وعد الله على لسان النبي ﷺ أنك إذا أنفقت مالك فإنه لا ينقص بسبب الصدقة، وإنما ينميه الله ويبارك فيه . قال رسول الله ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً). والنظرة في هذه الأحاديث كلها نظرة دنيوية ونظرة أخروية، فنظرة الدنيا هي أنك إذا أنفقت من مال الله أتاك الناس ونصحوك بإبقاء مالك فلعلك تحتاجه، فتوقن بأن مالك لن ينقص، بل سيزيد كما قال النبي ﷺ : (ما نقص مال من صدقة). والنظرة الدنيوية الأخرى هي العفو، وذلك حين يعفو الإنسان عمن ظلمه، فنظرة الناس والأهل والأصدقاء أن هذا العفو ضعف من الإنسان. أما نظرة الآخرة فهي أنك قد تعززت بذلك، فيزيدك الله بهذا العفو عزاً عنده وعند الخلق، فتصير عزيزاً حتى وإن تكلم عليك الناس، ولكن الله يجعل لك عزة على الناس بسبب ذلك، قال النبي ﷺ : (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً).

стр. 3150

من صفات المؤمنين الإنفاق في سبيل الله ومن صفات المؤمنين قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:٣٨] أي: إن من صفاتهم الإنفاق في سبيل الله ، وسواء قلت النفقة أو كثرت فهي بحسب ما يعطي الله الإنسان، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] وقال: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧]، فالإنسان الغني ينفق من هذا الغنى ومن هذه السعة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق:٧] أي: ضيق عليه رزقه: ﴿فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:٧] أي: مما أعطاه الله من مال قليل. وهناك نفقات واجبة على الإنسان كأن ينفق نفسه، أو على زوجته، أو على أولاده، أو على أبيه وأمه الذين يحتاجون إلى ذلك، فهذه نفقات أمر الله بها، فهي نفقة وهي صدقة تؤجر عليها، وهناك نفقة إذا كنت غنياً وتملك نصاباً فتخرج زكاة مالك التي أمرك الله بها وقال: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:٤٣]، فتنفق على الفقراء والمساكين، وعلى من يحتاجون، فالإنسان ينفق مما آتاه الله، قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] والله طيب لا يقبل إلا طيباً، وقد أمرك بالإنفاق من الطيب فقال: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧] وقال: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧]، وقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا﴾ [البقرة:٢٦٧] أي: لا تتوجهوا إلى ﴿الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] فلا تنفق الشيء الرديء فتقول: هذا لله، ولكن أخرج لله ما يرضى ربك عنك بإنفاقك إياه، وانظر إلى ابني آدم لما أراد كل منهما أن يعرف منزلته وأيهما أفضل؟ فقيل لهما: قربا قرباناً، فهذا تقرب إلى الله بأجود ما يجد من بهيمة الأنعام التي عنده، وذاك نظر إلى حقله وبستانه وقال: الله غني عن هذا، فنقى أردأ شيء مما عنده وقال: هذه لله، فإذا بالله يقبل ما كان طيباً وصالحاً، فقبل من هذا ولم يقبل من هذا؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً. فلا تيمموا إلى الخبيث تنفقون منه وإذا أعطاكم أحد هذا الخبيث فمستحيل أن تقبلوه، قال تعالى: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] أي: إذا أعطاكم أحد هذا الخبيث فلن تأخذوه إلا إذا خدعكم إنسان فأعطاكموه. فالذي ينبغي في النفقة هو أن تنفق ما تحب أن تأخذه، أو ما تحب أن يرزقك الله مثله وأمثاله. إذاًً: من صفات المؤمنين الإنفاق في سبيل الله، قال الله : ﴿يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ [البقرة:٢٧٤]، أي: أنهم لا ينفقون في النهار فقط لأجل الرياء، بل هم ينفقون بالليل والنهار، بل من وجدوه محتاجاً أعطوه من مال الله، وينفقون سراً وعلانية، فإذا كانوا في العلانية أرادوا أن يقتدي الناس بهم، وإذا كانوا في السر أنفقوا فكان أعظم في الأجر، فهم ينفقون في كل أحوالهم بالليل والنهار في السر والعلانية.

стр. 3151

التوكل على الله وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى:٣٦] أي: الذي عند الله هو الأخير والأبقى الذي يناله من فيه هذه الصفات، والتي هي كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] أي: المؤمنون الأتقياء الذين يثقون في الله ويتوكلون عليه ولا يكلون أمورهم إلى غيره ، والذين يستيقنون بما أعد الله للمؤمنين من فضل وكرامة ورحمة، الذين يستيقنون أن ربهم هو الرزاق الكريم، وأنهم ما خلقوا إلا لعبادته سبحانه، وأنه يرزقهم من فضله سبحانه.

стр. 3152

اجتناب الكبائر والعفو عن الناس ومن صفاتهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧]. أي: من صفاتهم اجتناب الكبائر والفواحش، وإذا وقعوا في شيء منها تابوا إلى ربهم ، ورجعوا إليه، وإذا غضبوا على أحد من الخلق أساء إليهم فهم يتذكرون ما عند الله من فضل لمن عفا فيعفون ويصفحون ويسامحون ويتجاوزون، فالله يعاملهم بما عاملوا به الخلق، فلما عاملوهم بالتجاوز والإحسان فالله يحسن الله إليهم، ويتجاوز عنهم .

стр. 3153

الاستجابة لله وإقامة الصلاة ومن صفات هؤلاء أيضاً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: أنهم استجابوا لله لما دعاهم إليه واستجابوا لما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلا يتلكئون، ولا ينكصون على أعقابهم، ولا يترددون في قبول ما أمرهم الله به. ومنها: أنهم صلوا الصلاة التي يرضى عنهم بها ربهم ، فقوله: ((وَأَقَامُوا الصَّلاةَ)) أي: اعتدلوا في صلاتهم، وأحسنوا فيها، واستيقنوا بالأجر من الله فاستراحوا بها، وكان النبي ﷺ وهو القدوة والأسوة يقول: (أرحنا بها يا بلال)، ويقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). فكذلك المؤمنون يستريحون بالصلاة لقربهم من ربهم ، فهم أقاموا الصلاة وواظبوا عليها، وواظبوا على صلاة الجماعة فلم يتركوها، وإذا دعوا إليها فنادى المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، استجابوا وأسرعوا ملبين نداء ربهم مستيقنين بالفضل من الله .

стр. 3154

المشاورة في الأمر ومن صفاتهم قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] فالمؤمنون يشاور بعضهم بعضاً في أمورهم، ولا يستبد أحدهم بالأمر دون غيره، والشورى تكون في أهل الرأي، فلا يستشار الحمقى والمغفلون، وأهل الاستهتار والفسوق، وإنما الشورى تكون لأهل الدين والتقوى، ولأهل الخبرة والحنكة، ولأهل الفن الذي يسأل صاحبه فيه. فالذي يجيد القتال والجهاد في سبيل الله يستشار في أمور الجهاد والقتال في سبيل الله، والذي يعرف بيع الناس وشراءهم وما يقومون به من معاملات، فيحتاجون لأن يسعر عليهم الحاكم، أو يضع عنهم أشياء من أرباحهم، أو غير ذلك، فيستشير أهل المعرفة والتخصص في هذا الشيء. وأهل الاقتصاد الذين يفهمون أحوال المسلمين، وأحوال سوق المال الذي عند المسلمين يستشارون في ذلك، أما حدود الله فيتكلم عنها العلماء والفقهاء وأهل الحديث؛ لأنهم أصحاب المعرفة في دين الله ، أما أن يترك أهل العلم، وأهل الفقه، وأهل الدين، ويستشار أهل الفسق، وأهل الرقص والغناء، فهذا بمنأى عن التعقل. فلو أن إنساناً جاء وجمع مجموعة من الناس لا يفهمون شيئاً في أمر البيع والشراء وقال لهم: أنا أريد أن أعمل تجارة فبماذا تشيرون علي؟ لقيل له: بم يشيرون عليك فيها؟ فهم لا يعرفون كيف يشيرون عليك، وإذا أشاروا عليه أخطئوا فيها؛ لأنها ليست مهنتهم، وليست عملهم، ولقيل له: إذا أردت أن تفتح محلاً وتتاجر في شيء فاسأل أهل الصنعة في هذا الشيء. وإذا أردت أن تبني عمارة من العمارات فاسأل المهندس والمقاول اللذين يفهمان في ذلك. فالشورى تكون لمن يفهم ويجيد وعنده تخصص في ذلك، بحيث يكون أميناً في دينه، خبيراً في هذا الشيء، فقد يكون الإنسان أميناً ولكن لا خبرة له بهذا الشيء، فالنبي ﷺ كان يستشير أصحابه أهل مشورته كـ أبي بكر وعمر ﵄، ولقد كانا كالوزيرين للنبي ﷺ يستشيرهما في أموره ﷺ . فكان كلما حدث شيء جمع له المسلمين الذين يفهمون في ذلك وأخذ بآرائهم صلوات الله وسلامه عليه، ففي يوم الخندق استشار النبي صلوات الله وسلامه عليه المسلمين ماذا يصنعون مع الكفار إذا قدموا؟ فأشار عليه سلمان رضي الله تعالى عنه بحفر خندق بينهم وبين الكفار؛ لأن عدد الكفار القادمون عليهم عدد ضخم جداً، والأمر أصعب من أن يخرجوا لقتالهم، فيفعل النبي ﷺ ما قال سلمان. وكان النبي بنفسه ﵊ يحفر معهم الخندق، وينشد مع من ينشد من المسلمين قائلاً: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة. فالغرض أن الاستشارة تكون لأهل العلم في الأمر الذي يستشارون فيه، فلا يجوز أن يستشير الحاكم في أحكام الله ودينه سبحانه إنساناً لا خبرة له في ذلك، أو يستشير إنساناً فاسقاً في دينه، بعيداً كل البعد عن كتاب الله وعن سنة النبي ﷺ .

стр. 3155

التواضع وفضله الأمر الثالث الذي يقسم عليه النبي ﷺ هو: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، أي: أن الإنسان المتواضع ينكر الناس عليه ويقولون له: لماذا تلبس لباس الفقراء؟ ولماذا تمشي على قدميك؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فينظرون إليك على أنك هاضم لنفسك، ولكن النظرة عند الله أنك إذا تواضعت لله يرفعك الله ، ولا تظن أنك سترتفع في الدنيا بتطاولك على الناس واستكبارك عليهم، بل هذا الترفع على الخلق يجلب من الناس العداوة والبغض، وهو أسرع طريقة لأن يكرهك الناس، وأسرع طريقة لأن يحبك الناس هي أن تتواضع لهم، وأن توافقهم في الصواب؛ ولذلك كانوا يسألون قيس بن عاصم: لماذا يحبك الناس؟ فقال: لو امتنعوا عن شرب الماء لامتنعت عنه، ومستحيل أن يمتنع أحد عن شرب الماء، وليس مقصده ذلك، وإنما المقصد عدم المخالفة. وإياك أن تنظر لنفسك وترفعها، فما رفع الإنسان نفسه إلا وضعه الله ؛ ولذلك تواضع، فإذا كنت في مجلس مع الناس وقيل لك: اجلس، فاختر المكان المتواضع لتجلس فيه، ولا تختر أعلى الأماكن وتجلس فيها، فإذا فعلت ذلك لعل الناس يتركونك مرة، ولكن لن يتركوك دائماً في ذلك، وقد نهاك النبي ﷺ أن تجلس على مكرمة إنسان إلا بإذنه، فإن استضافك أحد عنده في بيته، وأدخلك غرفة الجلوس، فلا تجلس حتى تسأل عن مكان جلوسك؛ فلعلك تجلس في مكان لا يرغب رب الدار أن تجلس فيه. فهذه آداب عظيمة يعلمناها الإسلام العظيم، وقد قال النبي ﷺ : (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، صلوات الله وسلامه عليه. وقد رفعه الله في الدنيا والآخرة وكرمه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقالت عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن). والتواضع: هو أن ترى نفسك وضيعة، وأنها أقل من الغير، فبهذا يرفعك الله ، أما إذا نظرت إلى نفسك بأنها أعلى من الغير وأحسن منهم، فيأبى الله أن يدوم لك هذا النظر، فيريك أنك أقل من الناس ويبتليك بمرض، فيجعلك تحتاج للدكتور وتحتاج للناس، فتجد نفسك قد احتجت لهؤلاء الذين كنت تستغني عنهم. والله جعل بعضكم يحتاج إلى بعض، فأنت اليوم معك مال ولا تدري بكوارث الأيام ومصائبها؛ لذلك تواضع لله. ولا تستكبر بوظيفتك، فإن الوظيفة لا تدوم، واعلم أنك مهما عاملت به الناس أثناء غناك أو وظيفتك فإنهم سيعاملونك حين فقدك، فإن تواضعت لهم رفعوك، وإن تكبرت عليهم تركوك وأهملوك، وانظر إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، فلقد كان يخرج بين الناس ويمشي بينهم، وينام في الطريق، ولقد نام مرة تحت شجرة، فأتى رجل من بلاد الفرس يبحث عن عمر فدل على مكانه تحت الشجرة، فلما أتى إليه ووجده نائماً قال: عدلت فأمنت فنمت يا عمر. فالإنسان الذي يعدل في الدنيا يحبه الخلق، وفي الآخرة يجعله الله على منبر من نور، قال رسول الله ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة).
следующие страницы →