Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
التوكل على الله
وقال تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الشورى:٣٦] أي: الذي عند الله هو الأخير والأبقى الذي يناله من فيه هذه الصفات، والتي هي كما قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى:٣٦] أي: المؤمنون الأتقياء الذين يثقون في الله ويتوكلون عليه ولا يكلون أمورهم إلى غيره ، والذين يستيقنون بما أعد الله للمؤمنين من فضل وكرامة ورحمة، الذين يستيقنون أن ربهم هو الرزاق الكريم، وأنهم ما خلقوا إلا لعبادته سبحانه، وأنه يرزقهم من فضله سبحانه.
стр. 3152
اجتناب الكبائر والعفو عن الناس
ومن صفاتهم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:٣٧].
أي: من صفاتهم اجتناب الكبائر والفواحش، وإذا وقعوا في شيء منها تابوا إلى ربهم ، ورجعوا إليه، وإذا غضبوا على أحد من الخلق أساء إليهم فهم يتذكرون ما عند الله من فضل لمن عفا فيعفون ويصفحون ويسامحون ويتجاوزون، فالله يعاملهم بما عاملوا به الخلق، فلما عاملوهم بالتجاوز والإحسان فالله يحسن الله إليهم، ويتجاوز عنهم .
стр. 3153
الاستجابة لله وإقامة الصلاة
ومن صفات هؤلاء أيضاً كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] أي: أنهم استجابوا لله لما دعاهم إليه واستجابوا لما قاله النبي صلوات الله وسلامه عليه، فلا يتلكئون، ولا ينكصون على أعقابهم، ولا يترددون في قبول ما أمرهم الله به.
ومنها: أنهم صلوا الصلاة التي يرضى عنهم بها ربهم ، فقوله: ((وَأَقَامُوا الصَّلاةَ)) أي: اعتدلوا في صلاتهم، وأحسنوا فيها، واستيقنوا بالأجر من الله فاستراحوا بها، وكان النبي ﷺ وهو القدوة والأسوة يقول: (أرحنا بها يا بلال)، ويقول: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
فكذلك المؤمنون يستريحون بالصلاة لقربهم من ربهم ، فهم أقاموا الصلاة وواظبوا عليها، وواظبوا على صلاة الجماعة فلم يتركوها، وإذا دعوا إليها فنادى المنادي: حي على الصلاة، حي على الفلاح، استجابوا وأسرعوا ملبين نداء ربهم مستيقنين بالفضل من الله .
стр. 3154
المشاورة في الأمر
ومن صفاتهم قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨] فالمؤمنون يشاور بعضهم بعضاً في أمورهم، ولا يستبد أحدهم بالأمر دون غيره، والشورى تكون في أهل الرأي، فلا يستشار الحمقى والمغفلون، وأهل الاستهتار والفسوق، وإنما الشورى تكون لأهل الدين والتقوى، ولأهل الخبرة والحنكة، ولأهل الفن الذي يسأل صاحبه فيه.
فالذي يجيد القتال والجهاد في سبيل الله يستشار في أمور الجهاد والقتال في سبيل الله، والذي يعرف بيع الناس وشراءهم وما يقومون به من معاملات، فيحتاجون لأن يسعر عليهم الحاكم، أو يضع عنهم أشياء من أرباحهم، أو غير ذلك، فيستشير أهل المعرفة والتخصص في هذا الشيء.
وأهل الاقتصاد الذين يفهمون أحوال المسلمين، وأحوال سوق المال الذي عند المسلمين يستشارون في ذلك، أما حدود الله فيتكلم عنها العلماء والفقهاء وأهل الحديث؛ لأنهم أصحاب المعرفة في دين الله ، أما أن يترك أهل العلم، وأهل الفقه، وأهل الدين، ويستشار أهل الفسق، وأهل الرقص والغناء، فهذا بمنأى عن التعقل.
فلو أن إنساناً جاء وجمع مجموعة من الناس لا يفهمون شيئاً في أمر البيع والشراء وقال لهم: أنا أريد أن أعمل تجارة فبماذا تشيرون علي؟ لقيل له: بم يشيرون عليك فيها؟ فهم لا يعرفون كيف يشيرون عليك، وإذا أشاروا عليه أخطئوا فيها؛ لأنها ليست مهنتهم، وليست عملهم، ولقيل له: إذا أردت أن تفتح محلاً وتتاجر في شيء فاسأل أهل الصنعة في هذا الشيء.
وإذا أردت أن تبني عمارة من العمارات فاسأل المهندس والمقاول اللذين يفهمان في ذلك.
فالشورى تكون لمن يفهم ويجيد وعنده تخصص في ذلك، بحيث يكون أميناً في دينه، خبيراً في هذا الشيء، فقد يكون الإنسان أميناً ولكن لا خبرة له بهذا الشيء، فالنبي ﷺ كان يستشير أصحابه أهل مشورته كـ أبي بكر وعمر ﵄، ولقد كانا كالوزيرين للنبي ﷺ يستشيرهما في أموره ﷺ .
فكان كلما حدث شيء جمع له المسلمين الذين يفهمون في ذلك وأخذ بآرائهم صلوات الله وسلامه عليه، ففي يوم الخندق استشار النبي صلوات الله وسلامه عليه المسلمين ماذا يصنعون مع الكفار إذا قدموا؟ فأشار عليه سلمان رضي الله تعالى عنه بحفر خندق بينهم وبين الكفار؛ لأن عدد الكفار القادمون عليهم عدد ضخم جداً، والأمر أصعب من أن يخرجوا لقتالهم، فيفعل النبي ﷺ ما قال سلمان.
وكان النبي بنفسه ﵊ يحفر معهم الخندق، وينشد مع من ينشد من المسلمين قائلاً: اللهم لا خير إلا خير الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة.
فالغرض أن الاستشارة تكون لأهل العلم في الأمر الذي يستشارون فيه، فلا يجوز أن يستشير الحاكم في أحكام الله ودينه سبحانه إنساناً لا خبرة له في ذلك، أو يستشير إنساناً فاسقاً في دينه، بعيداً كل البعد عن كتاب الله وعن سنة النبي ﷺ .
стр. 3155
التواضع وفضله
الأمر الثالث الذي يقسم عليه النبي ﷺ هو: (وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله)، أي: أن الإنسان المتواضع ينكر الناس عليه ويقولون له: لماذا تلبس لباس الفقراء؟ ولماذا تمشي على قدميك؟ ولماذا؟ ولماذا؟ فينظرون إليك على أنك هاضم لنفسك، ولكن النظرة عند الله أنك إذا تواضعت لله يرفعك الله ، ولا تظن أنك سترتفع في الدنيا بتطاولك على الناس واستكبارك عليهم، بل هذا الترفع على الخلق يجلب من الناس العداوة والبغض، وهو أسرع طريقة لأن يكرهك الناس، وأسرع طريقة لأن يحبك الناس هي أن تتواضع لهم، وأن توافقهم في الصواب؛ ولذلك كانوا يسألون قيس بن عاصم: لماذا يحبك الناس؟ فقال: لو امتنعوا عن شرب الماء لامتنعت عنه، ومستحيل أن يمتنع أحد عن شرب الماء، وليس مقصده ذلك، وإنما المقصد عدم المخالفة.
وإياك أن تنظر لنفسك وترفعها، فما رفع الإنسان نفسه إلا وضعه الله ؛ ولذلك تواضع، فإذا كنت في مجلس مع الناس وقيل لك: اجلس، فاختر المكان المتواضع لتجلس فيه، ولا تختر أعلى الأماكن وتجلس فيها، فإذا فعلت ذلك لعل الناس يتركونك مرة، ولكن لن يتركوك دائماً في ذلك، وقد نهاك النبي ﷺ أن تجلس على مكرمة إنسان إلا بإذنه، فإن استضافك أحد عنده في بيته، وأدخلك غرفة الجلوس، فلا تجلس حتى تسأل عن مكان جلوسك؛ فلعلك تجلس في مكان لا يرغب رب الدار أن تجلس فيه.
فهذه آداب عظيمة يعلمناها الإسلام العظيم، وقد قال النبي ﷺ : (إنما أنا عبد أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد)، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد رفعه الله في الدنيا والآخرة وكرمه فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وقالت عائشة ﵂: (كان خلقه القرآن).
والتواضع: هو أن ترى نفسك وضيعة، وأنها أقل من الغير، فبهذا يرفعك الله ، أما إذا نظرت إلى نفسك بأنها أعلى من الغير وأحسن منهم، فيأبى الله أن يدوم لك هذا النظر، فيريك أنك أقل من الناس ويبتليك بمرض، فيجعلك تحتاج للدكتور وتحتاج للناس، فتجد نفسك قد احتجت لهؤلاء الذين كنت تستغني عنهم.
والله جعل بعضكم يحتاج إلى بعض، فأنت اليوم معك مال ولا تدري بكوارث الأيام ومصائبها؛ لذلك تواضع لله.
ولا تستكبر بوظيفتك، فإن الوظيفة لا تدوم، واعلم أنك مهما عاملت به الناس أثناء غناك أو وظيفتك فإنهم سيعاملونك حين فقدك، فإن تواضعت لهم رفعوك، وإن تكبرت عليهم تركوك وأهملوك، وانظر إلى سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه، فلقد كان يخرج بين الناس ويمشي بينهم، وينام في الطريق، ولقد نام مرة تحت شجرة، فأتى رجل من بلاد الفرس يبحث عن عمر فدل على مكانه تحت الشجرة، فلما أتى إليه ووجده نائماً قال: عدلت فأمنت فنمت يا عمر.
فالإنسان الذي يعدل في الدنيا يحبه الخلق، وفي الآخرة يجعله الله على منبر من نور، قال رسول الله ﷺ : (إن المقسطين على منابر من نور يوم القيامة).
стр. 3156
فضل الصدقة
نرجع لحديث النفقة، روى الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (قال رجل: لأتصدقن بصدقة!)، وانظر إلى هذا الرجل كيف يلزم نفسه بالصدقة في وقت تأتي النفس فتجبن صاحبها وتبخله، فهذا الرجل قال: (لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق)، إذ إنه خرج في الظلام فوجد رجلاً فأعطاه تلك الصدقة، ورجع هذا المنفق إلى بيته، ورجع الآخر إلى بيته، ثم قام يحدث الناس بما جرى له في الليل، (فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: الحمد لله على سارق) فحمد الله سبحانه على ذلك، ولم يمنعه ذلك من التصدق مرة أخرى فقال: (لأتصدقن بصدقة، فخرج بالليل فوضعها في يد امرأة) فإذا بها امرأة زانية.
فأخذت المرأة المال، ولما أصبحت تحدثت بهذا الشيء، (فقيل: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، ثم خرج الليلة الثالثة وتصدق بصدقة فوضعها في يد غني ثم ذهب يحدث بها، فتحدث الناس: تصدق الليلة على غني، فقال الرجل: الحمد لله على سارق، وعلى زانية، وعلى غني، فإذا بهذا الرجل ينادى فقيل له: إن الله يقول: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته).
فالله له حكمة في ذلك، منها أن هذا الذي أخذها وسخر عليك اليوم، غداً سيتوب ويتصدق كما تصدقت أنت عليه، فقد سننت له سنة حسنة وأرجعته عما كان فيه من ذلك.
قال: (وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله)، أي: كأن الله يقول: لم نضيع لك هذه الصدقة، بل لك أجر الصدقة وأجر السنة الحسنة التي سننتها في هؤلاء ليعملوا مثلك بعد ذلك فيكون لك أجر هؤلاء.
وانظر إلى الذكرى كيف يذكرهم الله سبحانه فيقول: ﴿ومَمَا رَزَقْنَاهُمْ﴾ [البقرة:٣] فالمال مال الله ، فكأن الله يقول: نحن رزقناك فأعطن فلست الذي خلقت المال، ولست الذي اكتسبته بجدك وتعبك، وإنما ذلك من توفيق الله لك، ورزق الله لك.
روى الإمام أحمد من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة).
أي: أن الصدقة ظل، وهذا الظل ظل الله ، وليس هناك ظل يوم القيامة إلا ظل الله، في يوم مقداره خمسين ألف سنة، والناس قائمون كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] وتدنو الشمس من رءوس الخلائق، ويكون هناك حر شديد، وفي الدنيا يغمى على الإنسان من شدة الحر، أما في الآخرة فلن يغمى عليه، والإنسان في الدنيا إذا غرق يموت، أما في الآخرة فإنه لا يغرق في عرقه، فموقف القيامة موقف عصيب وعظيم، والإنسان المؤمن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فإذا كنت من أهل الصدقة المكثرين فإن الله يظلك في ظل صدقتك، ويكون هذا الظل في الموقف كله، كما قال النبي ﷺ : (حتى يفصل بين الناس)، أو قال: (حتى يحكم بين الناس)، وراوي الحديث هو يزيد بن أبي حبيب يحدث عن أبي الخير واسمه مرثد بن عبد الله عن عقبة بن عامر، وعقبة صحابي، قال يزيد بن أبي حبيب: وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة.
أي: أنه كان يتصدق بأي شيء وجده، فإن وجد كعكة تصدق بها، وإن وجد بصلة تصدق بها.
وهذا الحديث رواه ابن خزيمة، وذكر عن مرثد أنه كان أول أهل مصر يذهب إلى المسجد، وما رأيته داخلاً المسجد قط إلا وفي كمه صدقة، إما مال، وإما خبز، وإما قمح، حتى ربما رأيته يحمل البصل فأقول: يا أبا الخير! هذا ينتن ثيابك، فيقول يا ابن حبيب! أما إني لم أجد في البيت شيئاً أتصدق به غير هذا، إنه حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ قال: (ظل المؤمن يوم القيامة صدقته).
وأنت أيها الأخ! تصدق بما استطعت من الصدقة، فاللقمة تجعلها في فم امرأتك صدقة، والنفقة على عيالك صدقة، والتبسم لأخيك صدقة، وتعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو تحمل له متاعه عليها صدقة، وأن تصلح بين متخاصمين صدقة، وأن تلقي السلام على المسلم صدقة، فتصدق فإن المؤمن في ظل صدقته يوم القيامة.
وروى البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالاً من نخل، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد).
أي: أن أحب أموال أبي طلحة إليه حديقة عظيمة جميلة اسمها بيرحاء، وكانت أمام مسجد النبي صلوات الله وسلامه عليه، وهذه الحديقة كان فيها بئر من الآبار العذبة الذي كان النبي ﷺ يحب أن يشرب منها.
قال أنس: (فلما أنزلت هذه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]) أي: أنه لما سمع هذه الآية فإذا به يفكر، ويرى أن البر اسم جامع لجميع خصال الخير، وحتى أكون باراً وأجمع خصال الخير فلن يتوفر لي ذلك حتى أنفق مما أحب من المال، فذهب للنبي ﷺ وقال: (يا رسول الله! إن الله ﵎ يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] وإن أحب أموالي إلي بيرحاء).
وانظر إلى قول الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا﴾ [آل عمران:٩٢] (من) هنا تبعيضية، أي: من بعض ما تحبون، فهذا يحب هذه الحديقة فيخرج منها شجرة، يخرج منها ثماراً، فـ أبو طلحة قال: أنا أحب هذه الحديقة، فهي كلها لله .
فقال: (إنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال النبي ﷺ : بخ، ذاك مال رابح)، و (بخ) كلمة تقال عند الثناء والمدح والتعجب لما فعل هذا الإنسان من مكرمة عظيمة، وقوله: (ذاك مال رابح)، أي: أن تجارتك مع الله رابحة عظيمة، قال رسول الله ﷺ : (وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين).
وهذا من رحمة النبي ﷺ الكريم ومن حنانه؛ إذ لم يأخذها ويوزعها على الناس بنفسه، بل جعل أبا طلحة نفسه هو الذي يوزعها، وهذا أحب للنبي ﷺ ؛ لأن الناس سيحبونه لذلك، فإذا أعطى الأقربين أحبه الأقربون، ولن يزالوا يذكرون له ذلك ويمدحونه، ويثنون عليه، ويدعون الله له، فأحب النبي ﷺ أن يكون هو الذي يفعل ذلك بنفسه حتى يؤجر عليها الأجر العظيم، فقال: (أرى أن تجعلها في الأقربين، قال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه).
نسأل الله أن يعيننا على كل ما يحبه ويرضاه.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3157
تفسير سورة الشورى [٣٩ - ٤٣]
من صفات المؤمنين التي ذكرها الله تعالى في سورة الشورى: الانتصار ممن ظلمهم؛ ليردعه ذلك عن الاجتراء على أعراض المسلمين وأموالهم، ولكن الأفضل هو العفو والصفح عن الظالم، وهذا لا يكون في الظالم الذي يستحلي ظلمه، وإنما يعفى عمن ترك ظلمه ورجع وتاب إلى الله تعالى.
стр. 3158
تفسير قوله تعالى: (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
يقول الله في صفات المؤمنين الذي لهم الدار الآخرة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٣٩ - ٤١].
البغي: هو الظلم، فمن صفات المؤمنين أنهم إذا ظلمهم أحد فهم ينتصرون إذا كان قصاصاً أو نحو ذلك، ولكنهم قد يفضلون العفو على ذلك، فلهم أن ينتصروا.
ولذلك كان السلف يحبون الإنسان ينتصف من ظالمه، وإذا كان قادراً عفا عنه، والسبب في ذلك: أنهم كانوا يخافون من تمادي الظالم في ظلمه، فالإنسان الوقح الذي يريد ظلم غيره لو سكت عنه كل الناس، وعفا عنه كل الناس لتمادى في بغيه وفي ظلمه.
فالإنسان المستكبر والظالم الباغي الذي يأخذ أموال الناس لا بد من التصدي له، ولا ينبغي العفو عن مثل هذا.
قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ) فكأن الأصل أن تنتصف وأن تنتصر ممن يظلمك، فإذا وجدت منه تراجعاً وندماً على ما فعل، فيكون العفو أولى عن مثل هذا الإنسان.
والآية في هذه السورة مكية، فهي في المشركين وفي غيرهم، ومن صفات المؤمنين: أنهم ينتصرون من الجميع، من المشركين ومن غير المشركين، سواء كان الذي ظلمه كافراً أو مسلماً.
ويقول العلماء: إن الله ذكر الانتصار في معرض المدح، وذكر العفو في معرض المدح، فمدح الانتصار والعفو.
стр. 3159
متى ينبغي للمسلم ألا يعفو عمن بغى عليه
وبعد ذلك قال: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، وهذا في حالتين -كما يقول ابن العربي المالكي ﵀: الحالة الأولى: أن يكون الإنسان باغياً معلناً بالفجور، كأن يكون قاطع طريق، ويفرح بهذا الشيء، فيجب أن تنتصر منه ولا تعطه حتى وإن وصل الأمر إلى أن تقتله أو يقتلك، ولذلك جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله: (أرأيت إن أراد رجل أن يأخذ مالي؟ قال: فلا تعطه، قال: فإن قاتلني؟ قال: فقاتله، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت شهيد، قال: فإن قتلته؟ قال: فهو في النار)، فتعلمنا الشريعة الحكيمة العظيمة أن المؤمن لا يتهاون في حقه، ولا يكون التهاون عن ضعف، فلو تركت الناس يتطاولون عليك لأوشك أن يسود السفلة والمجرمون، ومثل هذا يجب أن تأخذ حقك منه في أي صورة من صور أخذ الحق: أن تشكوه للحاكم، أو تشكوه للقاضي؛ ولتمنعه بذلك من ظلمك فلك هذا الشيء، فمدح الله من ينتصر في هذا المقام، وكان السلف رضوان الله ﵎ عليهم يحبون ذلك.
قال إبراهيم النخعي: إنهم كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق، فلو أن فاسقاً مشى يستهزئ بالمؤمن ويشتمه، والمؤمن الأول يسكت عنه، والثاني يسكت عنه، والآخر يسكت، فسيشيع بين الناس الاستهزاء بكتاب الله وبسنة النبي ﷺ وبالدين كله.
لكن لو أن المسلم أخذ حقه فوقف لظالمه يدافع عن دين الله وعن حقه، سيخاف الفساق، يذكر أن ثمانية أفراد ركبوا في القطار وأخذوه من محطة إلى محطة، وفتشوا جميع الركاب، وأخذوا كل أموال الركاب، وآذوا الركاب، والعجيب أنه قطار كامل يُفعل به هذا الشيء من ثمانية أفراد فقط! ويعفو المسلم إذا خاف الظالم من الله ، وندم على ما فعله، ورجع عن الذي هو فيه، ففي هذه الحالة اعف واصفح عنه، لكنه إذا ظل على ما هو عليه من إجرام وظلم، فانتصر منه بأي صورة من صور الانتصار.
لذلك قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فتجترئ عليهم الفساق، وهذا فيمن تعدى وأصر على ذلك، وهذه الصورة الأولى: الإنسان الباغي المعلن الفجور، الوقح، والذي يجهر بوقاحته، والذي يؤذي الصغير والكبير، فالانتقام منه أفضل.
стр. 3160
متى يستحب للمسلم أن يعفو عمن بغى عليه
الصورة الثانية: في الإنسان الذي يقع ذلك منه فلتة، وليس من عادته أن يعمل هذا الشيء، فوقع في ظلم وندم على فعله؛ لأنه ليس من عادته، فالعفو عن مثل هذا أفضل، وهذا قد يجعله يستحي ويخجل مما عمله، فالفرق بين الصورتين: أن الأول مجرم، فهذا يستحق أن يؤاخذ، ولا يعفى عنه؛ لأنه يتطاول على الجميع، ولا أحد يردعه، وينطبق عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى:٣٩].
لكن الحالة الثانية: أن فعله هذا فلت منه وليست عادته، فيسن في مثل ذلك الصبر والعفو؛ لعله يراجع نفسه، ولعله يستحيي مما صنعه.
стр. 3161
تفسير قوله تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها)
ثم قال سبحانه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى:٤٠] هذه سيئة وهذه سيئة، ولكن الفرق بينهما أن الأولى جرم من صاحبها، فهي سيئة ساءت غيره.
والثانية: عقوبة لهذا الظالم الذي يستحق العقوبة، وسميت الثانية سيئة كمشاكلة لفظية، وأن فيها إساءة للظالم فعومل بما يسوؤه ويزعجه ويؤدبه ويردعه، (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) أي: جزاء الإثم والإجرام: العقوبة، والعقوبة حسنة وليست سيئة، لكن بالنظر من ناحية المجرم، فحين وقعت العقوبة عليه أساءت إليه وقبحته أمام الناس.
وهنا معنى المشاكلة اللفظية: أن اللفظة هي اللفظة، ولكن تختلفان في المعنى، فجزاء الإساءة من الإنسان أن يعاقب على إساءته، وتأول العلماء هذه الآية على أن للإنسان أن يأخذ ماله ممن أخذ منه هذا المال بأي صورة من الصور، طالما أن هذا مالك بعينه، ولست متأولاً فيه، فلو أن إنساناً وجد حقيبتك وأخذها ثم خبأها فقلت: هات الحقيبة التي أخذتها، فقال: لن أعطيك شيئاً، وأنت عرفت المكان الذي خبأها فيه، فكسرت المكان وأخذت الحقيبة، فيجوز لك ذلك؛ لأن المال مالك بعينه ولست متأولاً.
وصورة التأويل التي يقع فيها الظلم: إنسان يعمل عند شخص، واتفق معه على أن يعطيه عشرة جنيهات في اليوم، فوجد أنه يبذل شغلاً أكثر مما يبذله غيره، وغيره يأخذ مالاً أكثر منه، فتأول لنفسه وقال: أنا أستحق أن آخذ مثلما يأخذون، إذاً سأستخرج من ماله، وهذا لا يجوز؛ لأنك متفق معه أصلاً على مقدار معين، فلا يجوز لك أن تأخذ أكثر منه إلا إذا أعطاك صاحب العمل.
فتأول العلماء على أن للمظلوم أن يأخذ حقه ممن ظلمه، ولو عنوة، ولو بالقوة، ولو بالشكوى، ولو بأن يمد يده ويأخذ هذا المال، إذا لم يترتب على ذلك مفسدة عظيمة، وفي هذا نظرتان: نظرة أنك عند الله مظلوم فلك هذا الشيء.
ونظرة أخرى أنك تعامل على الظاهر، فالقاضي ليس مطلوباً منه أن يتفهم موقفك وبأن هذا مالك.
قال تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا) فهذا في القصاص، فإذا ضرب إنسان إنساناً وجرحه أو قطع عضواً من أعضائه، فجزاء السيئة القصاص إذا كان مما يقتص فيه.
فإذا عفا أولياء المظلوم أو من أسيء إليه فلهم الأجر على عفوهم، والعفو -كما ذكرنا- يكون عن الإنسان الذي حدثت منه السيئة فلتة، ليس مجرماً أصلاً، أما إذا كان محارباً لدين الله ولرسوله، فلا يعفى عن مثل هذا الإنسان قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣].
قال تعالى: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ) أي: ترك القصاص، وأصلح بين الظالم والمظلوم فله أجره عند الله .
وذكرنا أن القصاص ليس فيه مقابلة القصد بالقصد، فلو أن إنساناً قال لإنسان: يا ابن كذا! فسب أباه، فيرد عليه ويقول: لا، أنت ابن كذا، فهذا خطأ، فليس لك أن تقتص في مثل ذلك، وإنما هذا يعزر بما يليق به من ضرب أو سجن أو بما يحكم الحاكم فيه.
قال تعالى: (فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) فالظالم بغيض إلى الخالق ، كما أن الناس لا يحبونه، فالله يبغضه، والله أعد له نار جهنم التي أعدت للظالمين.
стр. 3162
تفسير قوله تعالى: (ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)
قال سبحانه: ﴿وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤١] فالذي ظلم فانتصر ممن ظلمه، وانتصف منه، وأخذ منه (فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) أي: ليس عليهم حرج، ففي هذا المقام أنت مخير بين العفو ولك الأجر، أو أن تنتصر من الظالم ولا شيء عليك، وإذا انتصرت بشرط أن تأخذ حقك وليس أكثر من ذلك.
فللإنسان أن يستوفي ذلك بنفسه، أو أن يطلب من الحاكم أن يأخذ له حقه.
стр. 3163
تفسير قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس)
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:٤٢].
(السبيل) هو العقوبة بأن يعاقبه الله ، قال: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) أي: لكم عليهم سبيل وطريق، ولكم عليهم أن تقوموهم وأن تقيموا عليهم حدود الله ؛ لأنهم ظلموا.
قال تعالى: (وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ) أي: يطلبون البغي وهو الظلم (بِغَيْرِ الْحَقِّ) أي: بغير وجه حق.
قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة:٩١] وهذه الآية التي ذكرها الله في سورة التوبة، وذكر في هذه السورة: (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ) فهنا مقابلة، فالإنسان الظالم لكم عليه سبيل، بينما الذي يحسن أو ينتصر ويأخذ حقه فهذا محسن، فلا سبيل على من يأخذ حقه.
стр. 3164
حكم تحليل من أخذ مالك أو انتهك عرضك
اختلف العلماء كما يقول القرطبي ﵀ في التحليل، وكان يقول باستحبابه، أي: عندما يأتي إليك إنسان ويقول لك: حللني أي: سامحني فيما فعلت فيك، فهل يستحب لك أن تحلله؟ كان سعيد بن المسيب لا يحلل أحداً من عرض ولا مال.
فإذا كان الإنسان من النوع الذي اعتاد السرقة، فكلما سرق ذهب إلى الشخص المسروق وطلب منه السماح، فهذا لا يستحق المسامحة، من باب الردع له؛ لأنه إذا وجد أن لا أحد يريد أن يعفو عنه، سيخاف من الله .
لكن ليس كل الناس بمثل هذه الصورة، فهناك أشخاص يتوبون، فما المانع أن يحلل الإنسان أمثالهم؟ لذلك كان سليمان بن يسار ومحمد بن سيرين يحللان من العرض والمال، فإذا أخذ إنسان منهم مالاً وذهب يتسامح منهم، كانا يحللانه في ذلك.
أما الإمام مالك فهو وسط بين القولين، فكان يرى أنه يحلل من المال دون العرض، فإذا أخذ إنسان منك مالاً، وجاء يقول لك: أنا أخذت منك هذا المال فسامحني، ورد لك المال فقال: لا بأس بأن تحلله، أما العرض فقد سب وانتهى الأمر، ففي أي شيء يحلله الإنسان؟ ووجهة نظره: أنه لو اعتاد البذاءة، وكل من سبه سامحه سيتمادى، فمثل هذا لا يستحق؛ لأنه سيعتاد على انتهاك أعراض الناس، والكلام البذيء الفاجر الفاحش.
والأمر واسع في ذلك، والأولى في الجميع أن يعفو الإنسان ويصفح كما أمر الله ، فصارت المسألة ثلاثة أقوال: الأول: لا يحلله بحال وهو قول سعيد والثاني: يحلله وهو قول القرطبي، والثالث إن كان مالاً حلله، وإن كان عرضاً لم يحلله وهو قول الإمام مالك ﵀.
قال ابن العربي: ووجهة النظر أن الرجل إذا غلب على أداء حقه، فمن الرفق به أن يتحلله، أي: إنه قد يكون أخذ منك مالاً في يوم من الأيام ثم تاب إلى الله وليس معه مال، فجاء يقول لك: سامحني لقد سرقت منك عشرة جنيهات في يوم من الأيام، أو اختلست منك مبلغاً، والذي جعله يفعل هذا أنه خاف من الله، ورجع عن هذا الذنب، فاعف عنه، ولا تتركه معذباً في الذي صنعه.
أما الإنسان الذي تطاول في العرض، فأصبح لسانه بذياً أي: متعوداً على هذا، فمثله لا يعفى عنه، لكن إذا تاب إلى الله، وأصلح فيما بينه وبين الله، وتغير حاله، وتغير أدبه، فلا مانع من أن يعفى عنه ويستر عليه.
روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي اليسر حديثاً وفيه: أنه استدان منه إنسان مالاً، فذهب ليطالب بالمال، وقد كاتب عليه ورقة؛ لأن الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فخرج إليه ابنه فقال: أين أبوك؟ قال: إن أبي حين رآك ذهب فاختبأ في غرفة أمي، فنادى أبو اليسر عليه وقال: اخرج إلي فقد علمت أين أنت، فخرج إليه الرجل، فقال له: ما حملك على أن اختبأت مني؟ أعطني المال الذي سلفتك، فقال الرجل: خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأن أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول الله ﷺ ، وكنت معسراً، يعني: أنت صحابي من أصحاب النبي ﷺ ، ما الذي يلزمني أن أخرج وأكذب عليك، أو أعطيك وعداً تدعو علي، فأنت صحابي فاضل، لا أستطيع أن أكذب عليك، فقال أبو اليسر لهذا الرجل: آلله! يعني: أسألك بالله هل الذي تقوله صحيح؟ قال: والله! أنا صادق في الذي أقوله، قال: فأتى بالصحيفة التي كتب فيها الدين ثم قطعها، ومحا ما فيها، ثم قال: إن وجدت قضاء فاقض، وإلا فأنت في حل.
стр. 3165
تفسير قوله تعالى: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)
قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى:٤٣] فالإنسان الذي يصبر ويعفو ويتجاوز عما فعل فيه، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أي: من عزائم الأمور، وكأن الآية فيها شيء مضمر، وهذا مثلما نقول: ﴿أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:٣٥] فالرسل كلهم أفاضل، وكلهم قاموا بأمر الله ، وبلغوا رسالات الله، وأمر الله ، لكن كان هناك من كانوا أقوى من غيرهم، وأشد عزيمة من غيرهم، فكأن الإنسان الذي يعفو ويصبر أشد عزيمة من غيره، وقوي العزيمة، صابر على أمر الله، وهو إنسان قوي شديد في أمر الله، ومتمسك بدين الله، (إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) أي: متمسك بما يحبه الله ، وما يرتضيه من عباده أن يفعلوه.
إذاً: الإنسان له أن ينتصر ممن ظلمه، وله أن يعفو عمن ظلمه بحسب حال هذا الظالم، وإذا كان الظالم يستحلي الظلم فلك أن تنتصر منه، وعلى ذلك ينزل الحديث الذي جاء في قصة السيدة عائشة مع السيدة زينب رضي الله ﵎ عنهما.
فالسيدة زينب بنت جحش بنت عمة النبي صلوات الله وسلامه عليه، من آل بيت النبي ﷺ ، كانت تفتخر على نساء النبي ﷺ ، وكانت تفتخر أن الذي زوجها من النبي ﷺ هو الله من فوق سبع سماوات، تقول: زوجكن أباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سموات، ولها الحق أن تفتخر بمثل هذا.
ولكن قد يحدث من الغيرة بين نساء النبي ﷺ ما لا يكون محموداً، ولذلك جاءت إلى السيدة عائشة ﵂، والنبي ﷺ عندها، وكأنها تغيضت منها أن النبي ﷺ عندها، فقالت لها كلاماً شديداً موجعاً، فسكتت السيدة عائشة، فإذا بالنبي ﷺ يقول للسيدة عائشة: (دونك فانتصري) وهذا المقام مقام العفو، فعفت عائشة وسكتت، ولكن لما استطالت الأخرى في ذلك، ردت عليها فأفحمتها، قالت: فجف ريقها في حلقها، فضحك النبي ﷺ .
نسأل الله أن يعيننا على أن نرضيه بأقوالنا وأفعالنا ونوايانا، وأن يتقبل منا .
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3166
تفسير سورة الشورى [٤٤ - ٤٨]
ذكر الله في هذه الآيات من سورة الشورى أن من أضله الله فلا هادي له، كما ذكر حال الظالمين في يوم القيامة عندما يرون العذاب ولا محيص لهم منه، وأمر الله عباده بأن يستجيبوا لأوامر الله وأوامر رسوله، وبين الله تعالى أن طبيعة الإنسان إن أصابته حسنة فرح بها، وإن أصابته سيئة فإنه يقنط من رحمة الله تعالى وييأس.
стр. 3167
الإيمان بالقضاء والقدر
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، أما بعد: قال الله في سورة الشورى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ * وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ * وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ * اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ * فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى:٤٤ - ٤٨].
في هذه الآيات يخبرنا الله عن قضائه وقدره، وأنه بيده مقاليد كل شيء، فيهدي من يشاء وهذا من فضله سبحانه، ويضل من يشاء بعدله ، قال جل شأنه: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقال أيضاً: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩].
وكان النبي ﷺ يعلم أصحابه الإيمان بالقضاء والقدر، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله بيده مقاليد كل شيء، وكان ﷺ يحمد ربه سبحانه ويقول: (اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت، ولا مقرب لما أبعدت ولا مباعد لما قربت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت).
وإذا أراد الله شيئاً فيستحيل أن يكون على غير ما أراده ، فالله قدر كل شيء، وكتب عنده كل شيء، وجعل العباد في هذه الدنيا يعملون ويجازيهم الله على أعمالهم، وهو أعلم بحالهم أيستحقون الجنة أو يستحقون النار؟ خلق خلقه فقال: (هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي).
والصحابة رضوان الله عليهم سألوا النبي ﷺ إذا كان الأمر قد فرغ منه، فهؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار ففيم العمل إذاً؟ فأرادوا أن يجادلوا في القضاء والقدر، فقطع عنهم هذا الأمر، فالقضاء والقدر ليس للجدل فيه مكان وإنما يجب الإيمان به، أن تؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه قدر مقادير كل شيء ، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ومن مشيئته أن جعل للعباد مشيئة، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان:٣٠] أي: ما تريدونه وما ستفعلونه قد علمه الله، ولكن جعلكم تكتسبون، فتجازون على ما اكتسبتم.
وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] أي: من خير، ﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة:٢٨٦] من شر، فالإنسان يكسب ويكتسب، يكسب لنفسه الحسنات ويكتسب عليها السيئات، فاكتساب العبد محل الجزاء.
فالإيمان بالقضاء والقدر عند أهل السنة وسط بين من يقول: العبد مجبور، ومن يقول: ليس هناك قدر والله لا يعلم إلا بعد عمل العبد، فأهل السنة وسط بين الاثنين، فهم يقولون: الله يشاء، والله يعلم ، وما تشاءون إلا أن يشاء الله.
والله كلف العباد وجعل لهم الاختيار فيما يكتسبون، وقد علم الله سبحانه ذلك وكتبه عنده وقدره، فيبقى على العبد أنه يكتسب بكامل حريته، فيكون مختاراً مريداً فاعلاً آخذاً تاركاً معطياً مانعاً، فيرى نفسه تفعل ذلك ولا أحد يجبره.
فالعبد إذا أمسك كوباً من الماء فإنه مختار فيه، فإن شاء شرب الماء وإن شاء لم يشربه، وهذا الاختيار هو الذي يسأل الله عنه ويحاسب عليه يوم القيامة، فشرب الماء قد يكون مباحاً أو واجباً عليه حتى لا يهلك نفسه، وقد يكون آثماً في وقت الصيام ويبطل صومه بذلك.
فهنا ثلاث حالات في اختيار العبد في شرب الماء؛ ففي حالة يجب عليه، وفي حالة يباح له، وفي حالة يحرم عليه، ويبقى العبد مختاراً حين يفعل ذلك، فإذا قال العبد: الله أجبرني على ذلك، فإنه يكون كاذباً فيما يقول، فإن الله لم يجبره، وإنما شاء ، وأعطاه مشيئة يختار بها ما يريد فيحاسبه الله على ما اختاره، فيحاسبه على كسبه من خير أو شر.
стр. 3168
تفسير قوله تعالى: (ومن يضلل الله فما له من ولي من بعده)
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤].
قوله: (وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ) أي: من يخذله الله فإنه في ضلال، فالإنسان المجرم الذي اتبع الشيطان وترك دين الله ، فإنه مخذول قد خذله الله سبحانه، ومن يهده الله فلا مضل له، قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ [الأعراف:١٧٨] فهذا قد أنعم الله عليه بذلك.
فالله سبحانه بيّن لجميع عباده حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، أنزل الكتب من السماء، وأرسل الرسل يهدون الخلق إلى الله سبحانه، والإنسان المؤمن جعل الله قلبه مفتوحاً وعقله مفتوحاً منيراً، فأبصر واختار وعرف الطريق الصواب، والإنسان الكافر أظلم قلبه بكفره وبجحوده بالله.
فإن المعاصي تنكت على القلب نكتاً سوداء حتى يسود القلب، فلم يضئ له الله ما أظلم من قلبه، فيبقى في ظلمة لا ينتفع بما جاءه من النور.
والمؤمن أراد الطاعة وأحب ربه سبحانه فأنار الله له قلبه، فإذا به يبصر وينتفع بما جاء من عند الله، فالأول: لم يعطه الله نوراً، والثاني: أعطاه الله نوراً، فمن أظله الله من الذي يهديه بعد ذلك؟ فمن كان قلبه قد أظلم لم يجعل الله فيه ما يضيء له بسبب ما اقترفت يداه.
ومعنى قوله تعالى: (فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ) أي: من سيلي أمره؟ والولي القريب هو الذي يتكفل بأمور الإنسان ويقوم عليها ويدبر له حاله، فهذا من الذي يليه بعد الله إذا أضله الله فحجب عنه النور؟ فلا هادي لهذا الإنسان وليس له من يلي أمره فيدخله في الإيمان.
ومعنى قوله تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أي: حين رأوا العذاب في قبورهم حين كانت قبورهم عليهم حفرة من حفر النار، وكذلك حين رأوا العذاب في يوم القيامة فهم يجأرون ويصرخون، قال تعالى: ﴿ويقولون هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٤]، أي: هل إلى مرد نرد مرة ثانية إلى الدنيا؟ وهل إلى مرجع إلى الدنيا من سبيل؟ وهل هنالك وسيلة نعتذر بها لنرجع إلى الدنيا؟ فليس هنالك رجوع، فإن الحياة الدنيا مرة واحدة، ثم بعدها الوفاة ثم البعث والجزاء في دار الخلود إما جنة وإما نار، فهذه هي الحياة الباقية.
والله قضى أن لا رجوع إلى الدنيا، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:٩٩ - ١٠٠] ولو أعاد الله الكفار إلى الدنيا فإنهم سيعملون ما حرم الله عليهم، فالله يعلم بتقلبات قلوب عباده، فيعلم جحود من جحد وكفر من كفر وإيمان من آمن، ويعلم أن الكفار لو عادوا إلى الدنيا فإنهم سيرجعون إلى الكفر والجحود، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] أي: لكاذبون فيما يدعون.
وقوله تعالى: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ) أي: في وقت الوفاة، عندما تنزل عليهم ملائكة من نار جهنم والعياذ بالله، معهم مسوح من النار لتأخذ أرواحهم فيها، فعندما يرون هؤلاء الملائكة إذا بهم من شدة الرعب والذعر تتفرق أرواحهم في أجسادهم فتسحبها الملائكة وتخرجها بقوة، فيتمزق منها العروق والعصب كالشوك الكثير الشعب في الصوف المبلول.
فإذا وضعت صوفاً مبلولاً وبداخله أشواك مختلفة ومتفرعة وحاولت أن تسحب الشوك فإن الصوف يتمزق، والشوك يتكسر، فهؤلاء تنزع أرواحهم بهذه الطريقة، تتفرق في أجسادهم من شدة الرعب فتسحب وتؤخذ بقوة، ويقال لها: أيتها النفس الخبيثة! كنت في غضب من الله فاخرجي إلى غضب من الله .
فهذا في الفجار، وهذا أول ما يكون مما يرون من العذاب، ثم إذا حملوا على النعش وذهب بهم إلى قبورهم فإن روح كل منهم تقول: يا ويله! إلى أين تذهبون به؟ لا يريد أن يصل إلى القبر؛ لأنه يعرف ما الذي ينتظره هنالك، فسوف ينزل إلى القبر فيجده حفرة من حفر النيران والعياذ بالله.
فهذا العبد يقول: (هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ)،
و
الجواب
لا، ليس هناك مرد مرة ثانية، فإذا قامت الساعة فإن الكافر أو الفاجر في قبره عندما يفتح له باب إلى النار فيرى ما ينتظره هنالك فإنه يقول: رب لا تقم الساعة، رب لا تقم الساعة.
والمؤمن يرى النعيم الذي هو فيه وهو في القبر ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له: هذا منزلك من الجنة، فيقول: رب أقم الساعة، كي أعود إلى أهلي ومالي في الجنة، نسأل الله أن يجعلنا من أهل جنته ورحمته سبحانه.
стр. 3169
تفسير قوله تعالى: (وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل)
قال الله تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنْ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ [الشورى:٤٥] أي: إذا قامت القيامة فإنه يعرض الذين كفروا على النار، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف:٢٠] أي: ما أعطيناه لكم من طيبات الدنيا فإنكم ضيعتموها في معصية الله، وفي الكفر والشرك بالله، وفي طلب الملاذ المحرمة، ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ [الأحقاف:٢٠] أي: الإهانة والتحقير والخلود في النار والسعير بسبب ما كنتم تصنعونه في الأرض من استكبار، فهذا الجزاء بسبب ما عملتم من معصية الله، واستحققتم هذا الذي نالكم، فيعرضون على النار ويعذبهم الله فيها ويقول لهم: ﴿أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام:٣٠].
فتأمل منظر هؤلاء عندما يعرضون على النار، فلو أن إنساناً أوقد له نار وقيل له سنقذفك فيها، ثم يدفع إلى النار وهو ينظر إليها ويرى العذاب أمامه وسيدخل فيه، فهذا مثل هيئتهم التي يصورها القرآن العظيم.
وقوله تعالى: (خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) أي: في غاية الذل وهم يساقون إلى نار جهنم، فلا ينفعهم الخشوع الآن فقد كانوا في الدنيا مستكبرين، واستعلوا بأنفسهم على خلق الله، وأفسدوا في الأرض وابتغوا فيها الفساد، فلا ينفعهم في هذا اليوم الخشوع.
وقوله تعالى: (يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ) انظر إلى منظر هؤلاء وهم ينظرون من طرف خفي، تأمل إنساناً مصبوراً موثوقاً مكتفاً يسوقونه للإعدام، والسياف آخذ بالسيف وسيضربه على رقبته، فهو ينظر إلى هذا السيف من طرف خفي، لا يقدر أن يفتح عينه بكاملها؛ لأنه مرعوب، فهو يسارق النظر إلى السيف متى سينزل عليه؟ وكذلك عندما توضع نار أمام إنسان ويدفع إليها فإنه من شدة الخوف ينظر إليها من طرف خفي، فلا يقدر أن يفتح عينيه لينظر إليها، فكيف به وقد أعماه الله ، قال تعالى: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه:١٠٢] وهكذا الكفار قد أعمى الله أعينهم فاستشعروا بهذه النار بقلوبهم وبأبدانهم، ومنهم من ينظر إليها ويسارقها ويراها، قد غارت أحداقهم بداخل محاجرها، واختفت من شدة الذل وما يرونه من العذاب أمامهم.
стр. 3170
الخسران الحقيقي هو يوم القيامة
وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا) فالمؤمنون الآن يتكلمون، فقد كانوا في الدنيا مكتوماً على أنفاسهم لا يتكلمون من هؤلاء الفجرة الكفرة المجرمين، فلما أدخل المجرمون النار فرح المؤمنون برحمة رب العالمين عليهم وحمدوه على ذلك، (إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: ذهب منهم كل شيء كان معهم في الدنيا، فقد كانوا ملوكاً وحكاماً وأمراء وكان معهم في الدنيا أشياء كثيرة، أما في يوم القيامة فلا يبقى معهم شيء من أشياء الدنيا، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ * مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ * بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات:٢٢ - ٢٦].
أي: لا يقدر أن ينصر بعضهم بعضاً، فأين ذو الأكتاف الذي كان يقول: سنقف على باب جهنم؟ قال الله تعالى: (وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ) أي: قد أذلهم الله سبحانه بما استكبروا في الدنيا على خالقهم، دعوا إلى دين الله فأبوا واستكبروا، ورفعوا أصواتهم على خلق الله سبحانه، فالآن يجزون عذاب الهون بما كانوا يستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كانوا يفسقون.
قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) هذا هو الخسران الحقيقي، أما الخسران في الدنيا كخسارة الأموال، أو تعذيب الظلمة لنا ونحو ذلك فهذا ليس خسراناً حقيقي، والخسران الحقيقي هو أن هذا الإنسان لا يملك شيئاً، ويقاد إلى نار جهنم وقد غلت يداه إلى عنقه ولا يقدر على الفكاك، ويرى النار ولا يجرؤ أن يفتح نظره إليها والعياذ بالله، قال الله في سورة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:٤٣].
والناس في هذا اليوم منهم من أعماه الله فلا يرى شيئاً، ومنهم من يبصر ولكنه قد أغمض عينيه من شدة الرعب والخوف فلا يقدر أن ينظر في هذه النار.
ومعنى قوله تعالى: (مُهْطِعِينَ) أي: مسرعين تدفعهم الملائكة وتسوقهم إلى النار وهم منقادون معهم.
ومعنى قوله تعالى: (مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ) (قنع) من الكلمات التي لها معنيان متضادان، فهي بمعنى: رفع رأسه، وبمعنى: خفض رأسه، والصورتان في بعضهم البعض، فهم قد خفضوا رءوسهم من الذل أو قد رفعوها من الرعب ينظرون أمامهم إلى النار.
ومعنى قوله تعالى: (لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، أي: قد أحدقوا النظر إلى النار لا يرون غيرها والعياذ بالله.
أما أفئدتهم فقد ذهبت من صدورهم إلى أعناقهم وحل محلها الهواء من شدة الرعب والخوف في هذا اليوم، قال تعالى: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ)، لقد كان يشغلهم في الدنيا المال والبنون والزوجة حتى صارت قلوبهم فارغة قد امتلأت بالغم والهم والرعب والخوف والجبن في هذا اليوم العظيم.
أما المؤمنون فقد فرحوا برحمة الله فهم في حبور وسرور وفرح.
والإنسان يجمع الدنيا كلها من أجل أن يخلد فيها، فهو يريد أن يعيش، أما في يوم القيامة فقد فقدَ نفسه التي يحميها ويدافع عنها، فهي تدخل الجحيم والعياذ بالله، فهذا الخسران هو أعظم الخسران عندما خسر نفسه التي كان يفديها بأي شيء في الدنيا.
وكذلك خسر أهله، فقد كان في الدنيا له أولاد ونساء يستمتع بهم وكانوا كفاراً فكلهم يدخلون النار، فكل واحد له عذابه وله سجنه الذي هو فيه وإذا كانوا معه يتبرأ كل منهم من الآخر.
فإذا كان أهله مؤمنين فاستحقوا الجنة كامرأة فرعون فمستحيل أن يراهم بعد ذلك، أو أن ينال منهم شيئاً، فإن كانت زوجته فقد ضاعت منه وورثها غيره من أهل الجنة فصارت له، فقد خسر أهله أعظم الخسران ويقاد إلى النيران، ويقال له: هذا منزلك في الجنة لو أنك آمنت بالله تعالى، فأننت محروم من دخول الجنة.
والكفار لهم منزلة في الجنة وفيها الحور العين، فأورثها الله للمؤمنين، فكان على هؤلاء أعظم الخسران والحرمان والندم والشقاء حين ضاعت الجنة وضاع كل هذا الجمال وكل هذا الذي فيها وأخذها المؤمنون.
هؤلاء الذين كانوا ينظرون إليهم في الدنيا عبيداً وخدماً فيقول أهل النار: ﴿مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنْ الأَشْرَارِ﴾ [ص:٦٢] كانوا معنا في الدنيا، وكنا نظنهم من الأشرار الحثالة الذين ما لهم قيمة أين هؤلاء؟ يبحثون عنهم في النار ولم يجدوهم.
ثم عرفوا أن هؤلاء دخلوا الجنة: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف:٧٢] فاز المؤمنون فأخذوا الجنة العظيمة، وخسر الكفار والفجار فدخلوا النار.
قال سبحانه: (إِنَّ الْخَاسِرِينَ) أي: الخسران الحقيقي (الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ).
روى ابن ماجه في الحديث الذي صححه الشيخ الألباني عن أبي هريرة قال: قال: النبي ﷺ : (ما منكم من أحد إلا له منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار)، أي: كل إنسان له مكانان مكان في الجنة، ومكان في النار، فإن عمل صالحاً دخل الجنة، وإن عمل غير صالح دخل النار، ثم قال ﷺ : (فإذا مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله)، أي: أخذوا نصيب الكفار من الجنة، قال الله : ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون:١٠ - ١١].
والنار يملؤها الله بالكفار فلا تمتلئ، وتظل هكذا وهي تقول: هل من مزيد، قال النبي ﷺ : (حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط)، أي: يزجرها الله فتقول: اكتفيت فتسكت.
والجنة واسعة عظيمة لا تمتلئ بأهلها وكلما أعطاها الله من أهلها فهي لا تمتلئ حتى ينشئ الله لها خلقاً آخر، أي: يخلق لها خلقاً لم يذنبوا قط ويجعلهم في الجنة ينعمون فيها.
يقول ربنا سبحانه: (أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ) (إن) للتحقيق والتأكيد، فالظالمون يقيناً في عذاب مقيم خالد لا يفنى ولا يزول عنهم، ويظلون في نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] أي: يبدل الله جلودهم، وهذا أصعب ما يكون من العذاب، وكذلك إذا اخترقت أمعاؤه ومعدته كأن يحصل للمعدة قرحة فيتألم الإنسان ألماً شديداً جداً، ولو أن القرحة فتحت المعدة وخرقتها لكان الألم مثل الموت تماماً.
فهؤلاء تتمزق أمعاؤهم في النار، قال تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج:٢٠ - ٢٢].
فعذابهم في النار كلما نضجت جلودهم وتفحمت وظنوا أنهم سيموتون ويرتاحون من العذاب، فإذا بجلودهم تتبدل مرة ثانية وثالثة وهكذا أبداً، ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦] ويقال لهم: ذوقوا عذاب السعير والعياذ بالله وهم في عذاب مقيم دائم لا ينقطع.
стр. 3171
تفسير قوله تعالى: (وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله)
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى:٤٦] أي: من الذي يتولى أمرهم ويدافع عنهم؟ فإن ذهبوا إلى الشرق أو إلى الغرب من أجل أن ينصروا من دون الله، فليس لهم أحد يجيرهم من عذاب الله سبحانه.
قال تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ)، وسبق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [الشورى:٤٤] وختم بقوله: (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ) أي: ليس له طريق للهداية يصل بها إليه، لأن الله قد أعمى بصره وبصيرته فلا ينتفع بما جاءه من عند الله سبحانه.
стр. 3172
تفسير قوله تعالى: (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله)
ينادي ربنا سبحانه خلقه فيقول: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنْ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى:٤٧].
قوله: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ) أي: الحقوا أنفسكم فقد أعذر الله وأنذر خلقه وبصرهم وبين لهم، فلا عذر لأحد بعد البيان؛ لأنهم يؤمنون أنه الرب، وكان الكفار إذا سئلوا: من ربكم وخالقكم؟ قالوا: الله، ولكنهم لا يؤمنون.
فيقول لهم: استجيبوا للرب الخالق سبحانه الذي يدعوكم إلى توحيده وعدم الشرك به: (اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ) ونكر اليوم تعظيماً له، أي: يوم فضيع وعظيم وهو يوم القيامة لا مرد له من الله، وقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ)، أي: مستحيل أن يُرّد هذا اليوم، فلا يقدر أحد أن يؤخره يوماً ولا ساعة.
وقرأ حمزة هذه الآية بمد (لا) النافية متوسطاً فيها للمبالغة في النفي، وليس هنا همزة حتى تمد، وإنما هذا النوع من المد يسمى للمبالغة في النفي، أي: أنه مستحيل أن يرد هذا اليوم، كما قرأ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢] بمد مبالغة في النفي، أي: أنه مستحيل أن يشك في هذا أنه من عند الله .
وقوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) أي: إلى أين تلجئون؟ قال تعالى: ﴿لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة:١١٨] أي: ما لكم حصن تتحصنون فيه من عذابه، والإنسان يلجأ إلى الشيء الذي يجيره ويعيذه ويعصمه، وهذا الملجأ يوم القيامة لا يكون إلا إلى الله.
ومعنى قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ) أي: لا تقدرون على الإنكار؛ لأنه تشهد عليكم جلودكم وأيديكم وأرجلكم وأنفسكم وأبدانكم فلا تقدرون على الإنكار أمام الله سبحانه، ولا تجدون من ينكر على الله ما يصنع بكم، أما في الدنيا فقد ينكر على فلان ما هو فيه من شر، كأن يضرب خادمه، فمن هذا الذي ينكر على الله أن يعذب هؤلاء في النار؟ لا أحد، فهو القائل جل شأنه: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر:١٦] فلا يستطيع أحد أن يجيب، فيجيب نفسه ويقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:١٦].
стр. 3173
تفسير قوله تعالى: (فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً)
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى:٤٨].
قوله: (فَإِنْ أَعْرَضُوا) أي: أعطوا النبي ﷺ ظهورهم، ورفضوا أن يدخلوا في دينه صلوات الله وسلامه عليه، (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا) فقد كان النبي ﷺ يحزن حزناً شديداً لعدم إيمان هؤلاء الكفار، وكان كلما دعاهم إلى الإسلام ازدادوا عتواً واستكباراً، ونفروا عن النبي ﷺ وتولوا عنه وأعطوه أدبارهم، فكان يحزن النبي ﷺ لذلك، قال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦] أي: إنك ستهلك نفسك من أجل أن يؤمنوا، فلست عليهم بوكيل، قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢] ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء:٨٠].
والحفيظ هو الذي يحفظ عليهم أعمالهم ويحاسبهم بها، والنبي ﷺ ليس هو الذي سوف يحاسبهم وإنما هو الله، فهو الحفيظ الذي يحيطهم فيحفظهم ويمنعهم من الوقوع في الكفر، ولا يقدر على ذلك ﵊.
قال تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ).
فوظيفته أن يبلغ رسالة الله سبحانه فقط ولا يكرههم على هذا الدين، قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦].
وقوله تعالى: (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ) (إن) بمعنى ما، فهنا أسلوب قصر، أي: ما عليك إلا البلاغ، فليس النبي مسيطراً على الخلق، فلا يملك قلوبهم فيحولها من شيء إلى شيء آخر، إنما الله هو القادر على كل شيء.
وقوله تعالى: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً) (إنا) هنا أتى بنون العظمة فهو الخالق القادر سبحانه وعادة الإنسان كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:٦ - ٨].
ومعنى كنود أي: جحود.
وقوله تعالى: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ) أي: جنس الإنسان، وكل إنسان فيه من ذلك بحسبه، فالمؤمن يعصمه الله فإذا وقع في المعاصي كان له نصيب من ذلك فتأتيه رحمة الله فلا يغتر الإنسان بها.
أما إذا وقعت عليه المصيبة فإنه يقع في اليأس، قال تعالى: (وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا) أي: إذا أتاه مال أو صحة أو عافية أو منصب أو زوجة حسناء أو أولاد أو بيت حسن فإنه يفرح بهذا الشيء.
قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) فالسيئة جاءت بما كسبت أيديهم فاستحقوا ذلك بذنوبهم، وقد قال النبي ﷺ : (حتى الشوكة يشاكها يكتب له بها أجر)، أي: يكون ذلك بما كسبت يداه فيكون له أجر من الله على ذلك.
قال تعالى: (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ) أي: جحود، يقول: لماذا يا رب في كل وقت تأتي لي بمصيبة؟ ونسي أن الله أعطاه الزوجة الحسناء والأولاد والبيت الواسع والوظيفة المناسبة، فينسى كل هذا بمجرد أن جاءت له مصيبة من المصائب، فهذا ينكر النعم فيجحدها.
قال تعالى: (فَإِنَّ الإِنسَانَ كَفُورٌ) أي: يكفر بربه ويكفر بنعم ربه سبحانه فيسترها ولا يذكرها، ولا يحمد ربه عليها، قال الله : ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٨٩] فإن الله يملك السماوات والأرض ويملك كل شيء .
وعنده ملائكته يحمدونه ويشكرونه سبحانه وهو الغني الملك، وهو قادر على أن يعطي وأن يمنع، فإذا شكرتم فلأنفسكم، وإذا كفرتم فإنما تضرون أنفسكم.
فشكر الله على نعمه سبب لدوامها، قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم:٧] والكفر بنعم الله سبحانه وجحدها كمن يقول: الله ما أعطاني شيئاً! فهذا سبب لمنع رزقه وفضله سبحانه.
стр. 3174
تفسير سورة الشورى [٤٩ - ٥١]
في هذه المادة تجد الكلام عن ربوبية الله تعالى وتصرفه في هذه المخلوقات كيف يشاء، فيرزق من يشاء، ويهب الأولاد لمن يشاء، ويمنع من يشاء، فهو أعلم بما يصلح عباده، وتجد أيضاً الكلام على صور كلام الله لأنبيائه ورسله، فمنهم من كلمهم من وراء حجاب، ومنهم من يوحي إليه وحياً، ومنهم من يرسل إليه رسولاً فيوحي إليه بإذنه ما يشاء.
стр. 3175
تفسير قوله تعالى: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء)
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال الله في سورة الشورى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٤٩ - ٥١].
يخبرنا الله بعظيم ملكه سبحانه وقوته وقدرته، قال : (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: يملك كل شيء؛ فالسموات خلقها الله سبحانه والأرضون من خلقه، فهو الذي خلقها وهو الذي دبر أمرها، وهو الذي أوجد الخلق فيها، فالله يملك كل شيء.
(لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فهو يخلق ما يشاء، وقال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف:٥٤]، فلله الخلق، وهو خالق كل شيء، ولله الأمر، يأمر بما يشاء في خلقه.
وقوله: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) فخلقه فيهم الصغير والكبير، وفيهم الذكور والإناث، وفيهم الجميل والدميم، فهم على ما شاء الله ، فيرينا خلقه ويرينا آياته، حتى نتعظ، وحتى نعتبر، وحتى نعلم أن الخالق هو الله وحده لا شريك له، الذي يستحق أن يعبد وحده، فكما أن له الخلق فكذلك له الأمر، وهو الذي يشرع، ولذلك قال: ((أَلا لَهُ)) وحده سبحانه، ((الْخَلْقُ)) فإذا سئل الإنسان: من الذي يخلق؟ فيقول: الله، من الذي يرزق؟ يقول: الله، من الذي يُعبد؟ يقول: الله، فالله هو الذي له الخلق وله الأمر على خلقه، قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣]، فأمرهم بعبادته، فكما أن له الخلق وهو المتفرد به فكذلك له الأمر؛ يتفرد بالتشريع لخلقه، ويتفرد بأن يعبد وحده لا شريك له.
قال تعالى هنا: (يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) ثم أرانا شيئاً من ذلك حتى نتعظ ونعتبر فقال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ).
فالله خالق كل شيء سبحانه، مدبر كل أمر سبحانه، يخلق ما ينتظم الكون به، وما يدبر به أمر كونه ، والله أعلم ما الذي يستحق خلقه، وما الذي ينفع خلقه، والإنسان ينظر من منظور ضعيف ضيق فيما يراه أمامه من الكون، فيحدد لنفسه أشياء، فيقول: أنا أريد ذكوراً، أو يقول: أنا أريد إناثاً، أو لا أريد شيئاً، أو أريد أن أؤخر الإنجاب، فالإنسان يريد بحسب فهمه القاصر، ولكن الله خالق الكون ومدبر الكون يخلق ما يشاء، فيجعل ما يخلقه لمصالح العباد؛ لمصالحهم في الدنيا ومصالحهم في الآخرة، لمصالح دنياهم ومصالح دينهم حتى يتقوا ربهم سبحانه ويعبدوه، وحتى يعلموا أنه القادر على كل شيء.
قوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا) أي: يجعل ذرية من يشاء من خلقه الإناث فقط، ومن أنبياء الله من كانوا كذلك، فهذا لوط النبي عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كانت ذريته كلها إناثاً، ولم يكن له ذكور.
(وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ) ويجعل ذرية من يشاء من عباده الذكور فقط، وقد فعل ذلك في بعض أنبيائه، فجعل ذرية إبراهيم ﵊ كلهم ذكوراً ولا يوجد إناث لإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
стр. 3176
تفسير قوله تعالى: (أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً)
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٥٠].
قوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً) فيجعل لعبده الإناث ويجعل له الذكور، كما كان في ذرية إسماعيل على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فإنه أنجب الذكور وأنجب الإناث، فكان لإسماعيل من الذكور وكان له من الإناث.
(وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) ، فجعل في الخلق وفي الأنبياء من هو كذلك، فهذا المسيح على نبينا وعليه الصلاة والسلام لم يتزوج ولم يكن له ولد، ويحيى لم يكن له ولد.
(وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا) في أصل خلقته لا يكون له الولد، فالله كما جعل في أنبيائه كذلك جعله في خلقه؛ ليرينا آيات قدرته، فالله القادر سبحانه، والله هو الذي يهب، وكل ما في الخلق محض هبة من الله وعطية منه؛ إن أعطاك الولد أو البنت فذلك هبة منه سبحانه، وإن منعك ذلك فالله يفعل ما يشاء، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا)، (يزوج) هنا بمعنى: يقرن، أي: أنه يرزق من يشاء من عباده ذكوراً فقط، ويرزق من يشاء من عباده إناثاً فقط، أو يقرن الاثنين لمن يشاء من عباده، فينجب الذكور والإناث، كما كان لنبينا صلوات الله وسلامه عليه، فقد كان له من الأبناء الذكور عبد الله والقاسم وإبراهيم، وعبد الله كان يلقب بـ الطيب والطاهر، وكلهم ماتوا صغاراً.
وله صلوات الله وسلامه عليه من الإناث: فاطمة وبقيت بعده ستة أشهر، وباقي بنات النبي ﷺ متن في حياته ﵊، وهن: رقية وزينب وأم كلثوم.
فوهب للنبي ﷺ الذكور والإناث، وأخبره أنه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب:٤٠]، هذه الآية يخبر تعالى فيها أنه لن يكون للنبي ﷺ ذكر يعيش حتى يصير رجلاً فيكون من ضمن الأقوام، فما كان له ذلك، ولكن النبي ﷺ يموت أبناؤه في حياته ﵊، فمات جميع الذكور، وماتت بنات النبي ﷺ ، ولم يبق إلا فاطمة ماتت بعده صلوات الله وسلامه عليه بستة أشهر.
فالله أرانا هذه الآيات في أنبيائه حتى نقتدي بهم، فهذا رزقه الله الذكور، وهذا رزقه الله الإناث، وهذا لم يرزقه الله ذرية أصلاً، وجعله عقيماً، وهذا ليس عيباً من العيوب، فإن هذا قضاء الله وقدره، وهذه قسمة الله في خلقه، فإنه سبحانه يهب لمن يشاء ما يشاء، وهو أعلم، كما قال : ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤].
فقوله: (أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا) أي: يقرن بين الذكور والإناث، فيكون للرجل البنات والذكور.
وبدأ سبحانه بقوله: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فقدم ذكر الإناث، ولذلك كان بعض السلف يحب أن يرزقه الله أول ما يرزقه الأنثى، وأول ما يكون له ذلك يفرح، ويقول: هذه بركة؛ لأن الله قدم ذكر الإناث فقال: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فبدأ بهن، وقال: (وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ).
فالله يخلق وأنت لا تقدر أن تخلق شيئاًَ، فإذا أعطاك الله البنت فلا تعترض، ولا تقل: لقد كنت أريد ولداً، وإذا أعطاك الولد فلا تعترض وتقول: كنت أريد بنتاً، فليس الأمر بمزاجك، فإن هذا خلق الله ، يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد.
стр. 3177
حكمة الله تعالى في اختلاف ما يهب للناس من أولاد وبنين
وأما لماذا جعل لهذا الذكور ولهذا الإناث؟ ولماذا أعطى لهذا عشرة وأعطى لهذا واحداً؟ ولماذا أعطى هذا كذا؟ فالله يفعل ما يشاء سبحانه، وذلك لحكمة لا نعلمها نحن، فعنده الحكمة والحجة البالغة سبحانه، ختم ليقطع عن الإنسان الجدل والمماراة في ذلك، فهو العليم سبحانه، وهو أعلم حيث يجعل ما يشاء سبحانه، فهو عليم وهو قدير على كل شيء.
وقد ذكر الإناث والذكور ليرينا كمال خلقته سبحانه، وإن كان أيضاً يخلق خلقاً ناقصاً ليرينا الآيات وأنه على كل شيء قدير، فوهب الذكور لمن شاء فنزل ذكراً، ووهب الإناث لمن يشاء فنزلن إناثاً، ومنع من يشاء رحمة منه سبحانه وعلماً منه لمن يستحق ذلك ومن يستحق هذا، ومن يضره هذا الذي يأتيه.
فالله قد يجعل الإنسان عقيماً، ولا يتفكر الإنسان لعل الله إذا أعطاه الولد فقد يكون عاقاً، ويقول: يا ليتني لم أخلف، وهناك أناس على هذه الحالة، فتجد أحدهم يقول لك: ابني يعمل المنكرات وقد أتعبني، ودائماً أذهب وراءه إلى مركز الشرطة، يا ليتني لم أخلف! فالله سبحانه أعلم بالحكم في ذلك، وقد ذكر الله لنا في القرآن في سورة الكهف قصة موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع الخضر ﵇، وكيف أنه أراه الله الآيات فلم يصبر على ما يراه، ومن ضمن ما أراه أنهما أتيا على غلام، فإذا بالخضر يقتل هذا الغلام، فأنكر موسى هذا، وقد أخذ عليه الخضر العهد ألا يعترض على شيء، وألا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً، فلم يطق موسى ذلك وقال: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف:٧٤]، فهي نفس لم تعمل فيك شيئاً، ولا وقعت في شيء، ومازالت صغيرة في السن، فلمَ قتلته؟ ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤] وهذا نبي وهذا نبي، وموسى أحد أولي العزم من الرسل، ومع ذلك أراه الله أنه لا يعرف كل شيء، فهذا نبي من الأنبياء وهو يعرف أكثر منك، فقد أعلمه الله أشياء من المغيبات ففعل ذلك.
وفي آخر القصة قال له: ﴿وَأَمَّا الْغُلامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف:٨٠]، فانظر رحمة الله سبحانه على الأب والأم، فرحمة منه أن هذا الغلام يموت وهو صغير، وإذا عاش فإنه سيخرجكما عما أنتم عليه من إيمان، فخشينا أن يرهقهما وأن يتعبهما وأن يؤذيهما بكفره فيضطران لمتابعته على الكفر، فيكفران هما أيضاً مع ابنهما: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف:٨٠ - ٨١]، أراد الله سبحانه أن يبدل الأم والأب من هو أفضل من ذلك، وأقرب رحماً.
إذاً: فالله يصنع بعبده الشيء الذي قد لا يعجب العبد، فيقول: لماذا الله حرمني؟ ولا يعلم أن الله هو العليم القدير سبحانه، فقد منعك بقدرته سبحانه وهو القادر على أن يعطيك، ولكن لا يصلح لك ذلك، فالله أعلم بالذي يصلح لك حتى تستمر على الإيمان، وحتى تستمر على الطاعة، وحتى تستمر إلى أن تدخل الجنة، فقد لا يصلح لك أن يكون عندك ولد، ولذلك منعك لحكمة عنده سبحانه.
قال تعالى: (إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) أي: عليم بعباده، وبمن يستحق ذلك ومن ينفعه ذلك، ومن لا يستحق ومن يؤذيه ويضره ذلك، (قَدِيرٌ) فأرانا آياته، فهذا إنسان ينزل وهو كامل، وهذا آخر ينزل سقطاً، فتجد المرأة تسقط في الشهر الثالث أو في الرابع أو في الخامس، فينزل غير مكتمل، فترى هذا الخلق الغير مكتمل الذي نزل الآن من بطن أمه على هيئة من هيئات النقصان، تجده لا يوجد له يدان، فخلقه الله آية للعباد، لنحمد الله على ما أعطانا، ولو شاء الله لجعلنا مثل هذا الإنسان، فالله على كل شيء قدير.
وتلد المرأة الإنسان فينزل أعمى أكمه، فالله يرينا هذا الناقص حتى تحمد الله على ما أعطاك سبحانه.
وجعل ذكوراً وجعل إناثاً، ونرى في خلق الله الخناثى، والخنثى: هو الذي له فرج وله قبل، فله ما للرجل وله ما للمرأة، فيجعل الله ما يشاء ليرينا آياته، ويحصل الإشكال عند الناس: فهل الخنثى هذا سنعامله معاملة الذكر أو معاملة الأنثى؟ وإذا صار وارثاً فكيف سنورثه؟ فالله سبحانه ﵎ يرينا بعض الأشياء لنعرف قصور أذهاننا، وضعف عقولنا، فيجلس الإنسان يفكر ويحتار، وقد يلهمه الله الفكرة على يد إنسان آخر.
وقد كان أهل الجاهلية لا يعرفون مسألة الخنثى وأنه يولد مولود خنثى، إلى أن جاءت قضية خنثى إلى فارض العرب عامر بن الظرب، وقد كان سيد القوم، وكان من كبرائهم ومن شيوخهم الذين يرجعون إليهم في الأحكام فيقضي بينهم، ويرجعون إليه في الفرائض قبل الإسلام، وذات مرة ولد لأناس مولود خنثى، فلما جاء وقت الميراث احتاروا كيف يورثون هذا الخنثى؟ فذهبوا إلى عامر بن الظرب، وأخبروه أن عندهم ولداً خنثى، ولا يدرون كيف يورثونه، وقد كان من عادة العرب أنهم يورثون الذكور ولا يورثون الإناث، فاستشكل عليهم: هل نعتبره ذكراً ونعطيه أم نعتبره أنثى ولا نعطيه شيئاً؟ فسألوه، فاحتار الرجل وجلس يفكر، وقد كان سيد القوم، وكان من أكرم القوم، فمن أراد طعاماً أو شراباً فإنه يذهب إلى عامر بن الظرب، وكلمة (الظرب) معناها الجبل، أي: عامر بن الجبل.
فاحتار عامر: كيف سيورث هذا؟ فذهب إلى بيته ونام، فجعل يتقلب على سريره، فجاءته جاريته وسألته، وقالت: ما لك مضطرباً من أول الليل؟ فقال: لقد سألوني عن شيء لعلي أجد عندك مخرجاً، فقالت: وما ذاك؟ قال: هناك خنثى لا ندري كيف نورثها، قالت: هذا الذي أرقك؟! قال: نعم، قالت: ورثه من حيث يبول، ففطن الرجل وأصبح وقضى بينهم، فقال: انظروا من أين يبول من فرج الأنثى أو من ذكر الرجل، فمن حيث بال فإنه يعتبر به، فصار بعد ذلك حكماً، وجاء الإسلام وأقر ذلك، واستقر الأمر على هذا الذي قالته هذه المرأة.
فالغرض: أن الله يرينا آياته سبحانه، يرينا أنه العليم، وأن فوق كل ذي علم عليم: فلا تغتر بعلمك، فقد يظن الإنسان أنه عالم فتأتيه مسألة بسيطة جداً فلا يستطيع أن يجيب عنها ويحتار فيها، ويمكن أن يأتي شخص صغير فيجيب عنها، والكبير لعله لا يدري، كما حدث في هذه القصة التي ذكرنا.
стр. 3178
حكمة الله تعالى في جعل بعض الناس عقيماً
وقوله: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا)، العقيم: هو الذي لا نسل له، أي: مقطوع الذرية، لا ذرية له لا ذكوراً ولا إناثاً، وكلمة (عقيم) تطلق على الذي لا ينتج، أو الشيء الذي لا نتاج من ورائه، ويوصف بالعقم أشياء، فيقال: هذا رجل عقيم، وامرأة عقيمة، أو عقيم أيضاً، ومنه يقال: الملك عقيم، وكأن الملك يحرض الرجل على ابنه والابن على أبيه، وإذا زوج الملك ابنه فسينافسه ويقتله، فكان الملك عقيماً، يجعل الملك يقتل ابنه، ويجعل الابن يتخلص من أبيه لينفرد بالملك، فالملك يوصف بأنه عقيم؛ لأنه يجعل الأب لا يهتم بأمر ابنه، بل إذا كان ابنه سينافسه في الملك فإنه يقضي على ابنه؛ ليتفرد له ملكه في المملكة التي هو فيها.
وقالوا: بالملك تنقطع الأرحام، ويحدث فيها العقوق؛ خوفاً على الملك، وكم رأينا في التاريخ من أناس قتل بعضهم بعضاً على الملك، فترى الرجل يقتل أخاه؛ لأنه سيرث الملك عن أبيه؛ ليكون الملك له، فالله جعل هذه الدنيا عبرة وعظة للخلق، فكان الملك عقيماً.
كذلك الريح وصفها الله بأنها عقيم، أي: أنها ريح لا تنتج، وليس من ورائها خير، بل من ورائها الشر، فلا تلقح السحاب ولا ينزل على إثرها المطر، وإنما تكون مصائب على الخلق، فهذه هي الريح العقيم.
وكذلك يوم القيامة يوصف بأنه يوم عقيم؛ لأن يوم القيامة لا يوم بعده، ولا تنتظر بعده حياة دنيوية، فهذا اليوم ليس بعده أيام أخر، وإنما هو يوم واحد فقط، يقضى فيه بين الخلق، ثم بعد ذلك إما الجنة وإما النار، ولا يوجد يوم ثانٍ للحساب غير هذا اليوم الواحد، ولذلك يوصف بأنه يوم عقيم؛ لأنه لا يوم بعده للعمل ولا للجزاء ولا للحساب.
إذاً: يجعل الله من يشاء من خلقه له الذكور، ومن يشاء له الإناث.
стр. 3179
كيف يذكر الولد وكيف يؤنث
جاء في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن امرأة قالت لرسول الله ﷺ : (هل تغتسل المرأة إذا احتلمت ورأت الماء؟ قال: نعم، فقالت عائشة ﵁: تربت يداك وأُلت، فقال رسول الله ﷺ : دعيها، وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك؟ إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه)، فالشبه يأتي من ماء الرجل ومن ماء المرأة.
وجاء في حديث النبي ﷺ : أن يهوداً سألوه عن ذلك: كيف يذكر الإنسان؟ أي: كيف يصير ذكراً؟ والأنثى كيف تصير أنثى؟ فقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس ﵁ الله عنهما قال: (أقبلت يهود إلى رسول الله ﷺ يسألون النبي ﷺ عن أشياء، فقالوا: يا أبا القاسم! إنا نسألك عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك)، هؤلاء اليهود يقولون: نسألك عن خمسة أشياء إذا أجبت عنها جواباً صحيحاً فأنت نبي، ونتبعك فيما تأتينا به، قال: (فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه -يعني من العهود والمواثيق- أنهم يفعلون ما قالوا، فقال اليهود: الله على ما نقول وكيل، فقال: هاتوا، قالوا: أخبرنا عن علامة النبي) وهؤلاء من أهل الكتاب، جاءوا وقد عرفوا من التوراة أجوبة هذه الأسئلة، فتجدهم يقولون: هذا رجل لم يقرأ توراة ولا إنجيلاً، ولم يطلع على كتب أهل الكتاب، فإن أجاب إجابة صحيحة عن هذه الأشياء فإنه نبي، وإذا لم يجب جواباً صحيحاً فليس نبياً، فسألوا النبي ﷺ وقالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ أي: كيف تكون علامة النبي؟ فقال: (تنام عيناه ولا ينام قلبه)، أي: أن النبي إذا نام يكون منظره أنه نائم، ويغلق عينيه، أما قلبه فهو يقض متعلق بالملكوت، متعلق بالرب ، فقالوا: (أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر)، يعني: الجنين في بطن أمه كيف يصير أنثى وكيف يصير ذكراً؟ فقال النبي ﷺ : (يلتقي الماءان: ماء الرجل وماء المرأة، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكر) علا بمعنى: غلب، أي: إذا كان ماء الرجل أغلب لماء المرأة فإنه يكون ذكراً بإذن الله، قال: (وإذا علا ماء المرأة آنث، قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه)، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهو أبو يوسف عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، قالوا: ما هو الذي حرمه يعقوب على نفسه؟ قال: (كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان الإبل ولحومها فلذلك حرمها)، أي: أنه وجد أن الشيء الذي يلائم عرق النساء ويزيد وجعه أن يشرب ألبان الإبل، فامتنع منها، ولم يحرمها على الناس، وإنما حرمها على نفسه للعلة التي هو فيها، قال الله : ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:٩٣]، أي: قل لليهود: هذه الأشياء لم نحرمها نحن عليكم، وإنما حرمها إسرائيل على نفسه، وليس عليكم، فبين لنا النبي ﷺ أن يعقوب حرم على نفسه ألبان الإبل لأنه كان يشتكي من عرق النسا، وهذا عرق يكون في فخذ الإنسان، يضرب الإنسان في فخذه إلى كعب رجله، وهذا العصب من الأعصاب يكون ألمه شديداً، فوجد أنه عندما يشرب ألبان الإبل يزيد عليه الألم، فامتنع من ألبان الإبل وحرمها على نفسه، فحرم اليهود على أنفسهم هذه الألبان، ولم يحرمها الله عليهم.
والغرض هنا في هذا الحديث هو: أنه لما ذكر النبي ﷺ لهم ذلك، قالوا: صدقت، أي: كل الذي قلته صدق، (قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب، بيده مخراق من نار، يزجر به السحاب يسوقه حيث أمر الله، قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: صوته، قالوا: صدقت)، أي: الذي تقوله موافق للذي عندنا في التوراة، ومع ذلك لا يتبعونه، بل يلجئون إلى الحيل للهرب وعدم الدخول في دين النبي ﷺ ، وبقي شيء واحد فقط، ما هو هذا الشيء؟ فقالوا: (هو الذي يبايعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر)، ومعلوم أن الذي ينزل على الأنبياء هو جبريل عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقالوا للنبي ﷺ : (فأخبرنا من صاحبك؟ فقال ﷺ : جبريل ﵇، قالوا: جبريل! ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا)، فهم يعادون ملكاً من ملائكة الله سبحانه، سبحان الله! أي عقول لهؤلاء القوم حين يعادون ملكاً قد عرفوا أنه مخلوق من نور، وأنهم -أي الملائكة- لا يعصون الله، وحقيقة الأمر أنهم يعادون الله سبحانه، فجبريل لا ينزل بالعذاب من عند نفسه، وإنما يأتي بالعذاب من عند رب العالمين؛ لأنكم تستحقون ذلك، قالوا: (جبريل ذاك عدونا، لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالمطر والرحمة والنبات والقطر لاتبعناك).
وهذا من أعجب ما يكون! حتى نعرف كيف يجادل اليهود، وكيف يناقشون أي قضية من القضايا! فلم ينظروا إلى الرسالة التي جاءت وما فيها من رحمة للعالمين، ولا إلى ما قاله النبي ﷺ من صدق وصدقوه هم، ولكن في النهاية قالوا له: لا؛ لأن جبريل هو الذي يأتيك، ولو كان آخر غير جبريل لاتبعناك، فأنزل الله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩٧] فهذا عداء لله تعالى؛ لأنه هو الله الذي أرسل جبريل، فهؤلاء يعادون الله سبحانه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨]، فهؤلاء باءوا بعداوة الله، وباءوا بغضب من الله سبحانه، ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:٧٨]، فلعنوا بسبب معصيتهم لله سبحانه، وبسبب اعتدائهم، وبسبب إفكهم وكذبهم وافترائهم على الله وعلى ملائكة الله عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام.
والغرض من هذا الحديث أن الله يذكر أنه: (يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا)، فبين النبي ﷺ كيف تكون الأنثى وكيف يكون الذكر، وهذا بيد الله سبحانه، فيخلق ما يشاء ويفعل ما يريد سبحانه، ويجعل من يشاء والداً، ويجعل من يشاء عقيماً، فهو العليم الحكيم سبحانه.
стр. 3180
تفسير قوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً أو من وراء حجاب)
قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١].
لقد ذهب اليهود إلى النبي ﷺ وقالوا: ألا تكلم الله وننظر إليك إن كنت نبياً، فقد كان سيدنا موسى يكلم الله، وأنت أيضاً كلم الله وأرنا كيف تكلمه من أجل أن نصدق أنك نبي.
واليهود قوم أصحاب حيل وأكاذيب وافتراءات، فقد كانوا يطلبون من موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أموراً من المحالات، وقد عرفوا ربهم سبحانه، ومع ذلك يقولون: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٣٨]، وكأنهم يقولون: دعنا من هذا الذي في السماء، واعمل لنا إلهاً هنا أمامنا حتى نراه، فقال لهم موسى: ﴿إِِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ﴾ [الأعراف:١٣٨ - ١٣٩] الذين يعبدون الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٩].
قال تعالى: ﴿قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا﴾ [الأعراف:١٤٠]، فسكتوا عن هذا الشيء إلى أن مشى موسى ﵊ ليكلم ربه، فلم يقولوا: نأتي معك لنسمع كلام رب العالمين سبحانه، وإنما جاءوا يطلبون ذلك من النبي صلوات الله وسلامه عليه.
ولما ذهب موسى للقاء ربه سبحانه صنع لهم السامري عجلاً من ذهب، فعبدوه من دون الله وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وموسى قد نسي، فقد ذهب ليرى الله والله موجود هنا، لا حول ولا قوة إلا بالله! فهؤلاء اليهود المجرمون -لعنة الله عليهم- يذهبون إلى النبي ﷺ ويقولون: إن موسى قد كلم ربه، فكلم أنت أيضاً ربك حتى نرى وحتى نصدق ونؤمن بما جئت به، فأنزل الله سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١].
стр. 3181
صور تكليم الله لأنبيائه
فما كان لبشر أن يكلمه الله إلا بهذه الصور الثلاث: الصورة الأولى: قال تعالى: (إِلَّا وَحْيًا)، فيوحي إلى أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، والوحي: هو الصوت الخفي الذي يأتيه فيدخل في قلبه، فيعقل ويفهم، ولا يعتريه شك في ذلك، ثم يتكلم بذلك، ولذلك جاء في الحديث: (إن روح القدس نفث في روعي -والروع هو القلب والنفس- أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب)، فهذه طريقة من طرق الوحي.
ومن هذه الصورة ما يراه في المنام صلوات الله وسلامه عليه، ورؤيا الأنبياء كلها وحي.
الصورة الثانية: (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: أن يتكلم الله مع نبي من أنبيائه من رواء حجاب، كما كلم موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف:١٤٣]، أي: أن موسى بعدما سمع كلام الله أراد أن ينظر إليه ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣].
فطلب موسى طلباً ليس له، وليس لأحد أن يرى الله في هذه الدنيا، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً﴾ [الأعراف:١٤٣]، خر الجبل مندكاً، وخرّ موسى أيضاً صعقاً، فلما أفاق قال: آمنت أنك لا ترى في هذه الدنيا، إذاً فالله سبحانه يخبر هنا أنه لا يرى في هذه الدنيا.
ولما صعد النبي ﷺ في قصة المعراج وصل إلى سدرة المنتهى، فإذا بجبريل يقف هناك كأنه حلس بالي، ويصعد النبي ﷺ فوق ذلك، ومع ذلك لم يرَ ربه سبحانه، ورأى نوراً، وكلمه ربه ففرض عليه الخمس الصلوات، فلما قيل للنبي ﷺ : (أرأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه) فحجابه النور سبحانه لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما وصل إليه من نوره.
فالغرض أن النبي ﷺ رأى نوراً، قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، إذاً فقد رآه بقلبه صلوات الله وسلامه عليه، وأما بعين بصره فلم ير ربه ﵊، وإنما سمع ربه، فكلم الله موسى على الأرض، وكلم محمداً فوق السموات صلوات الله وسلامه عليه، فشرفه وكرمه ﵊.
وأكرم المؤمنين بأن فرض عليهم الصلوات الخمس في السموات، فقد عرج النبي ﷺ إلى السماء، ثم نزل بهذه الفريضة العظيمة التي هي نور وهي الصلاة.
فهنا وحي من الله أن يكلم عبداً من عباده، فكلم موسى ﵊، وكلم محمداً صلوات الله وسلامه عليه في السماء وليس في الأرض.
الصورة الثالثة: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا)، فيأتي جبريل إلى النبي ﷺ وإلى الأنبياء قبله، ولم يرَ النبي ﷺ جبريل على هيئته الحقيقية إلا مرتين اثنتين فقط، فهو ملك عظيم له ستمائة جناح، وقد سد الأفق ﵇، قال الله : ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم:١١]، هذا وهو في السماء ﵇: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم:١٧] أي: حين نظر إلى السماء وحين رأى جبريل في ليلة المعراج على هيئته الحقيقية، فلم يزغ بصره صلوات الله وسلامه عليه في كل ما رآه، ومن ضمن ما رآه أنه رأى جبريل ﵇.
فالغرض أن الله يوحي لأنبيائه بصورة من هذه الصور: إما وحي ينفث في روعه، وإما أن الله يكلمه من وراء حجاب، وإما أن يرسل جبريل أو من يشاء الله فيكلم هذا النبي بوحي فيه، فيوحي بإذنه سبحانه ما يشاء من أحكام للعباد.
وقوله: (أو يرسلَ رسولاً) هذه قراءة الجمهور؛ لأنه قال قبلها: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا)، أي: إلا أن يوحي إليه، فصار (أو يرسل) معطوفاً على (أن يكلمه)، وهو منصوب، أو أنها مستأنفة، فكأنها جملة مبتدأة، فقراءة نافع وابن ذكوان: (أَوْ يُرْسِلُ)، أي: هو سبحانه يرسل رسولاً فيوحي بإذنه ما يشاء إلى هذا النبي ليبلغ خلق الله بذلك.
وقوله: (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) فله علو الشأن، وعلو الذات، وعلو القدر، فشأنه عظيم، وقدرته عظيمة سبحانه، وهو فوق سماواته العلي العظيم.
وهو حكيم فيما يصنع، فأفعاله كلها حكمة، ويحكم بما يريد.
نسأل الله من فضله ورحمته إنه على كل شيء قدير.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 3182
تفسير سورة الشورى [٥١ - ٥٢]
لقد أكرم الله محمداً ﷺ وأدبه فأحسن تأديبه تأهيلاً له لحمل الرسالة والتبليغ عن ربه سبحانه، فقد حفظه الله سبحانه في الجاهلية، وعصمه من الاحتكاك برذائلها وفحش أخلاقها، وعلمه ما لم يكن يعلم، فنبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، وعلامات نبوته معروفة قبل مبعثه وبعد مبعثه ﷺ .
стр. 3183
وحي الله تعالى وتكليمه لأنبيائه ورسله
الحمد الله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
قال الله في سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣].
هاتان الآيتان الأخيرتان من هذه السورة الكريمة سورة الشورى، يختمها الله بذكر نبوة النبي ﷺ ووحي الله إليه، تفضلاً على النبي ﷺ وعلى المؤمنين أن أوحى إلى النبي ﷺ هذا القرآن العظيم، الذي هو نور، والذي هو روح، والذي يحيي به الله قلوب عباده، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.
стр. 3184
كيفية تكليم الله سبحانه لأنبيائه ورسله
قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] هذه ثلاث صور يذكرها الله في وحي الله إلى من يشاء من خلقه: الصورة الأولى: الوحي، وكلمة (وحي) فيها معنى الكلام الخفي وليس الظاهر الذي يطلع عليه الخلق، ولكنه وحي في خفاء عن الخلق، يوحي الله إلى واحد من خلقه وهو النبي أو الرسول عليهما الصلاة والسلام.
وهذا الوحي إلهام إشارة، وهو الذي يقذفه الله في قلب النبي ﷺ ، والذي ينزل عليه مع روح القدس جبريل ﵇، من وحي ومن أخبار، ومن رسالة، ومن شيء مكتوب عند الله ، إذاً: الوحي: ما يلقيه الله إلى نبي من أنبيائه.
فما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً، عن طريق الوحي، أي: يقذف في قلبه، وفي روعه، وفي نفسه، فيقذف ما يريده من حق .
أو يريه رؤيا منامية، فيكون فيها معنى هذا الوحي.
إذاً: الوحي: ما يلقيه الله في قلب النبي ﷺ ، أو ما يراه في رؤيا منامية، أو إلهام من الله لنبي من أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
الصورة الثانية: (مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) كما كلم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من وراء حجاب.
ومستحيل أن يرى الله في الدنيا، فلا يراه أحد في الدنيا، فموسى لم ير ربه سبحانه، ولما أراد أن يراه، قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣] أي: أنا أول المؤمنين أنك لا ترى في هذه الدنيا.
إذاً: الصورة الثانية: أن يكلم الله عبداً من عباده، كما كلم موسى على الأرض، وكما كلم محمداً ﷺ في السماء، فالله كلمهم من وراء حجاب.
الصورة الثالثة: (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا) ، وفيها قراءتان: قراءة نافع وابن ذكوان: ((أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا)).
والقراءة الأخرى قراءة الجمهور: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١].
стр. 3185
صور تكليم الله سبحانه لأنبيائه ورسله
إذاً: يرسل الله رسولاً من السماء وهو جبريل ﵇ إلى من يشاء من أنبيائه، (فَيُوحِيَ) وأيضاً الوحي فيه الإخبار، ومنهم من يعطيه الله ذلك وينزله عليه خاصة دون غيره، إذاً: فيه خفاء عن الغير، فيأتي جبريل فيكلم النبي ﷺ ولا يراه أحد، يكلمه ويسر إليه ﷺ ولا أحد يطلع على ما يقوله، فيخبر النبي ﷺ من حوله.
ولذلك جاء في حديث عن أحد أصحاب النبي ﷺ وهو: عثمان بن مظعون، يقص أنه أسلم قديماً في أيام مكة، ولكن كان إسلامه حياء من النبي ﷺ ، فقد مر به وهو جالس بفناء بيته، فقال له رسول الله ﷺ : (ألا تجلس؟ قال: بلى، فجلس مع النبي ﷺ يدعوه إلى الله ، فجلس يسمع حياء من النبي ﷺ ، قال: فإذا بالنبي ﷺ يشخص ببصره إلى السماء، أي: يرفع بصره ﵊ إلى السماء ثم ينزل به حتى نزل إلى الأرض، ثم انحرف عني يميناً -أي: كان جالساً مع عثمان بن مظعون يحدثه صلوات الله وسلامه عليه، ثم انحرف عنه، وتركه- قال: وإذا به ينغض رأسه وكأنه يستفقه شيئاً ويسمع، فلم يزل كذلك حتى رفع بصره بعد ذلك، ولم يزل يصعد به إلى السماء، ثم التفت إلي بعد ذلك.
قال: فتعجبت، قلت: إنك صنعت شيئاً ما كنت تصنعه، قال: وفطنت لذلك؟ قال: نعم، قال: وما هو؟ قال: شخصت ببصرك إلى السماء ولم تزل تنزل به، ثم كأنك تستفقه من أحد عن يمينك، قال: ذاك جبريل أتاني آنفاً، فأخبرني بهذه الآية -وهي الآية التي أحبها عثمان بن مظعون ﵁ قول الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]) فلما سمعها ابن مظعون فرح بهذا الدين، قال: وهذا أول ما استقر الإيمان في قلبي، قال: كان قبل ذلك يستحي من النبي ﷺ ، أما الآن فقد استقر الإيمان في قلبه حين سمع هذه الآية العظيمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠] قال: فدخل حب محمد ﷺ في قلبي، ثم قال: فأخبرت بها الوليد بن المغيرة، فقال الوليد: ما تقول يا ابن أخي؟ فتلاها عليه مرة ثانية، قال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر! هذا قول الوليد بن المغيرة لما سمع هذه الآية.
فالغرض أن الوحي جاء للنبي ﷺ وعثمان بن مظعون قاعد، ولم ير جبريل وهو يأتي للنبي ﷺ ، وكذلك كان الصحابة يعرفون مجيء الوحي بالتفات النبي ﷺ عنهم، يكون جالساً معهم وفجأة يلتفت عنهم، ويعتريه كالحر الشديد، فيتفصد عرقاً صلوات الله وسلامه عليه، وقد يحدث له رعدة ﵊، ويصقل بدنه ﷺ ، ولكن لا يرون من يخاطب ﷺ ، فهذا وحي من الله يسمعه النبي ﷺ ، ولذلك كانوا يقولون: ترى ما لا نرى، وتخاطب من لا نخاطب، صلوات الله وسلامه عليه.
هذا الوحي الذي هو إلقاء من الله يلقي عليه الكتاب العظيم، وينزل عليه جبريل ويخبره بأحكام شرعية عظيمة، وهذا كله في خفاء عن الناس، لا أحد يرى من الذي يأتي النبي ﷺ ، ولا ماذا يقوله جبريل، ثم هو يخبرهم ﷺ بذلك.
إذاً: هذا الوحي رسول من السماء يأتي إلى النبي ﷺ ، فيوحي بإذن الله ما يشاء، والعادة أن الذي ينزل من السماء على النبي ﷺ هو نفسه الذي ينزل على الأنبياء قبله، ولكن قد ينزل الله ملكاً آخر على النبي ﷺ ، مثلما نزل ملك من السماء على النبي ﷺ ، ويخبره جبريل أنه فتح باب من السماء، وهذا الملك أول مرة ينزل من السماء إلى الأرض، وقد نزل إلى النبي ﷺ يحدثه بشيء من السماء، فهذا يكون أحياناً.
فالأصل: أن جبريل هو الذي يأتي النبي ﷺ بما يريده الله وبما ينزل عليه من هذا القرآن العظيم.
قال تعالى: (فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ) أي: بإذن الله (مَا يَشَاءُ) يوحي ويخبر نبيه ﵊ بإذنه ما يشاء، (إنه عليُّ حكيم) ، وله علو الشأن وعلو القهر وله علو الذات ، علا على كل شيء، وغلب كل شيء، وقهر كل شيء، وشأنه عظيم وأعلى من أن يحاط به .
стр. 3186
تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا)
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢].
قوله: (وَكَذَلِكَ) أي: كهذا الذي أوحينا إلى الأنبياء وبنفس الصورة التي أوحينا إلى الأنبياء نوحي إليك أيضاً، كما أوحينا إلى الذين من قبلك.
فقوله: (وَكَذَلِكَ) أي: بطريقة الوحي من السماء إلى جميع الأنبياء، كذلك يوحى إلى النبي ﷺ .
(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَاٍ) وصف القرآن العظيم بأوصاف عدة منها: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١].
وقال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧].
وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩].
فهو الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور.
وهو الكتاب الذي فيه التذكرة والاعتبار، وفيه أخبار من رب العالمين ننتفع بها، وفيه أحكام شرعية نعمل بها.
كذلك سماه: نوراً، ووحياً، وروحاً، فالقرآن نور من عند الله يضيء لنا طريقنا إلى الإيمان بالله، وإلى العمل الصالح.
وروح من الله يحيي به القلوب الميتة، فيوقظها من سباتها، ومن نومها، ومن موتها، ويحييها كما ينزل المطر من السماء فيحيي به الله الأرض بعد موتها، كذلك هذا القرآن العظيم ينزل على القلوب الميتة فيحييها بفضل الله وبإذنه .
قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ) كان قبل ذلك ﷺ لا يعرف أن هناك قرآناً سينزل، وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، أما هو فلم يتصل بهم حتى يعلم أن هناك نبياً سيبعث، فضلاً عن أن يعرف أنه هو النبي ﷺ .
فقوله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) أي: ما كنت تعرف شرائع هذا الدين، وقد نزل جبريل ليعلم المؤمنين ما هو الإسلام، وما هو الإيمان، وما هو الإحسان.
فالإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلاً.
والإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
فلم يكن يعرف ذلك ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي من السماء؛ لذلك قال له سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: وجدك ضالاً عن هذه الشريعة لا تعرفها، وإن كان هو يعرف ربه ﵊.
стр. 3187
تعبد النبي ﷺ قبل البعثة
لقد كان ﷺ يتعبد لله والناس في جاهلية جهلاء، وفي ظلمة ظلماء، وهو يعبد الله إله الأرض والسماء ، كان يخرج يتحنث الليالي ذوات العدد، كما جاء في الصحيحين عن السيدة عائشة ﵂، تخبر أن النبي ﷺ أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، إذاً: قبل أن ينزل عليه القرآن كان يرى الرؤيا وتتحقق الرؤيا كما رآها، حتى نزل عليه جبريل بالوحي من السماء، فكان صادق اللسان، صادق الحديث ﷺ ، أمين القلب، أميناً في معاملاته مع الخلق ﵊، فلذلك قبل رسالته عصمه الله ، مما كان يقع في كبائر مما كان يفعله أهل الجاهلية، كما كان يقتل بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم أموال بعض، ويغير القوي على الضعيف، وتغير القبائل بعضها على بعض، ويظلم الظالم ويجد من يدافع عنه في ظلمه، أما هو فلم يكن كذلك، وحاشا له ﷺ .
وكان الزنا في الجاهلية شيئاً سهلاً؛ لأنهم كانوا يقعون في الزنا ولا شيء عليهم في ذلك، وهو لم يقع في ذلك أبداً صلوات الله وسلامه عليه، بل عصمه الله ، حتى إنه وهو صغير ﷺ يقول له عمه: اخلع إزارك وضعه على كتفك، وهو يحمل حجارة مع من يحملون الحجارة، رحمة من العم بابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه، أما الكبار فكانوا يتعرون ولا شيء عندهم في ذلك، فأراد أن يفعل ﷺ ما قال له عمه، فإذا بالملك ينزل عليه من السماء ويقول: خذ عليك إزارك، فإذا به يرتعد ﷺ ويقع مغشياً عليه، قال: فما وضعه عنه أبداً، فقد عصمه ربه سبحانه من أن تنكشف عورته صلوات الله وسلامه عليه، حفظاً من السماء للنبي ﷺ .
تقول عائشة ﵂: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) فكان يأتي حراء فيتحنث -أي: يتعبد- وذلك كان قبل الوحي، وقبل أن ينزل عليه شيء، فكان يحب أن يعبد الله ، وكان يبغض الأصنام بغضاً شديداً صلوات الله وسلامه عليه، ولا يأكل من ذبائحهم التي ذبحوها لهذه الأصنام، فانظر إليه وهو يتعبد في الغار ﵊، ويرجع إلى خديجة، وكان قد تزوج خديجة وعمره خمس وعشرون سنة، ويذهب يتعبد لله ، وتجهزه الفاضلة خديجة رضي الله ﵎ عنها، تجهز النبي ﷺ بزاده لليالي ذوات العدد، يتعبد لله سبحانه، ويرجع إليها وتجهز زاداً آخر ليذهب ويتعبد لله ، ومكث على ذلك ليالي كثيرة في غار حراء، هذا قبل أن يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه.
ومع ذلك يقول له ربه سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، ويقول سبحانه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وصدق الله العظيم سبحانه، إذ يقول ﷺ : (أنا وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم)، وذلك لما قالت امرأة لصبي صغير توفي: هنيئاً له، عصفور من عصافير الجنة، حتى أخبره الله بعد ست سنوات من هجرته ﷺ لما نزلت عليه في الحديبية سورة الفتح بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] فعرف قبل وفاته بأربعة أعوام ما الذي يفعل به صلوات الله وسلامه عليه، وهو قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢].
قال له ربه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨].
فقوله تعالى: (ضَالًّا) أي: لا تعرف الشريعة، ولا تعرف هذا الدين، ولا تعرف أصوله ولا فروعه، صحيح أنت تعبد الله، وتجتنب الفواحش، ولكن هذا بحفظنا لك، ومنة من الله عليه ﷺ ، ولم يكن يجهز نفسه ليكون رسولاً في يوم من الأيام، ولم يكن يجهز نفسه لشيء، فلم يطلب أن يكون سيداً على القوم ولا ملكاً لهم, لم يطلب شيئاً صلوات الله وسلامه عليه حتى أنزل الله عليه الوحي.
стр. 3188
ذكر ما جاء من بدء نزول الوحي على النبي ﷺ
ولما نزل عليه الوحي نزلت سورة مفزعة، إذ نزل جبريل وأفزعه، ليثبته بعد ذلك، ويطمئنه صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، فاسمع إلى هذا الخبر عن عائشة ﵂، تقول: حتى فجأه الحق وهو في غار حراء في مكة، فجاءه الملك صلوات الله وسلامه عليه فقال: اقرأ، فقال النبي ﷺ : (ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني)، تخيل وهو ﷺ ، وهو في غار حراء يتعبد الليالي، وداخل الغار وفجأة يظهر له الملك ويأتيه من عند ربه ، ويقول له: اقرأ، وكان قد جاءه قبل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، إذ تمثل له الملك في السماء ثم غاب عنه، ومرة أخرى، وكأن الله يعلمه شيئاً فشيئاً ويدخل الشجاعة على قلبه شيئاً فشيئاً، فمرة رآه في السماء، ثم ظهر له مرة أخرى في السماء، ثم بعد ذلك جاءه وهو في الغار ﵊، ليأمره ويقول له: اقرأ، قال: (قلت: ما أنا بقارئ) فالنبي ﷺ أمي لا يجيد قراءة ولا كتابة، أي: ما الذي أقرؤه؟ أنا لست قارئاً، لا أقرأ، والمكان مكان موحش، والأمر أمر صعب وشديد أن يأتيه ملك في هذه الحالة، فلذلك كان من حقه ﷺ أن يرجع إلى بيته فزعاً، ويقول: غطوني غطوني، فقد خاف من الذي حدث، يا ترى ماذا سيحدث؟! هذا النبي ﷺ يقول له جبريل: اقرأ، ويأخذه ويحتضنه بشدة، قال: (فغطني ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثالثة فغطني وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]).
فأنت لست قارئاً، أنت لا تعلم، وجدك ربك ضالاً فهداك ، وعلمك ما لم تكن تعلم، فمن عليه، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] صلوات الله وسلامه عليه.
ورجع النبي ﷺ إلى السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها ترجف بوادره، وهذا أول ما نزل عليه من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فنبئ باقرأ وأرسل بالمدثر.
وعلم أنه رسول لما قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]، فالأولى: (اقْرَأْ) والثانية: قم للناس، (قُمْ فَأَنذِرْ) ولما جاءه الوحي وأنزل عليه (اقرأ) رجع إلى خديجة ﵂، فقال: (زملوني زملوني)، رجع يرتعد من شدة الخوف ﷺ ، وقال: (زملوني)، أي: غطوني، وقال للسيدة خديجة ﵂: (يا خديجة! ما لي؟) ما الذي حصل لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي) خشيت أن يكون ما حصل لي تهيؤات بسبب أن الشياطين تمتثل لي، خشي على نفسه ﷺ .
هذا المنظر الذي رآه ﷺ لم يكن يخطر على باله، وكان هناك أناس في مكة متوقعين ذلك، وينتظرون أن يكون فلان رسولاً، أما هو ﷺ فلم يكن على باله هذا الأمر، كان يعبد الله ، ويرجو بذلك ربه ، ترك الأصنام لأنه يبغضها ويكرهها ﷺ ، ويعبد الله ويتحنث في الغار الليالي، من الذي حفظه من عبادة الأصنام؟ ومن الوقوع في المنكرات والحرام؟ إنه الله ، حفظ نبيه ﷺ ، ومن عليه بذلك.
стр. 3189
قصة ذهاب خديجة بالنبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل
قالت السيدة خديجة للنبي ﷺ تطمئنه: لا تخف، وهنا الاستدلال بالأسباب على النتيجة، ماذا عملت أنت حتى يبتليك الله في عقلك؟ أنت تعبد ربك ، قالت له كلامها الحكيم الذي يدل على عقلها العظيم رضي الله ﵎ عنها، تقول للنبي ﷺ : إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، هذه صفاته قبل الإسلام ﷺ : إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، أي: الإنسان الذي انقطع وهو مسافر إلى مكان، ثم وقع الجمل الذي يحمله، ولم يقدر أن يكمل السفر، فقد صار كالاً هذا الإنسان، فإذا بالنبي ﷺ يعطيه، ويزوده، ويعينه حتى يستطيع إكمال المسير، أبعد هذا كله يذهب الله عقله بسبب؟ لا يكون هذا أبداً.
وقولها: وتقري الضيف، أي: أنت كريم مع أهلك، وكريم مع ضيوفك، وتعين على نوائب الحق، والحق: هو الله ، وما يعتري الناس من نوائب، فالنبي ﷺ يعين الخلق على نوائب الحق، فإذا كنت تفعل ذلك، فهل سيبتليك ربك؟! تستدل بفعاله ﵊، فلا يمكن أن يخزيك ربك، ولا يخذلك أبداً، وهذا الذي جاءك شيء صحيح وحقيقي.
وذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عم السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، فهي خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، إذ كان ورقة في الجاهلية يبحث عن الدين الحق، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل، كان الاثنان يبحثان عن الدين الحق، فلم تعجبهم الأصنام، أما النبي ﷺ فقد كان يبغض الأصنام، وتوجه يعبد الله ويتحنث لربه في الغار.
وبحث ورقة بن نوفل فوجد أقرب الديانات الموجودة النصرانية، بحث عن الرهبان، وأخذ الإنجيل فكان يكتب من الإنجيل بالعربية، فتنصر في الجاهلية، إذاً: هو عرف النصرانية وعرف الرهبان، ووصل لدرجة من الحكمة العظيمة رضي الله ﵎ عنه، ورآه النبي ﷺ يلبس ثياباً بيضاء في رؤيا منامية، فاستدل على أن الله أكرم ورقة بن نوفل.
وأما زيد بن عمرو بن نفيل فقد بحث فلم تعجبه اليهودية ولا النصرانية، وكان يسجد لله ويقول: لو أعلم كيف أعبدك لعبدتك، يبحث عن الدين الحق، ولم تعجبه النصرانية، وكأن ورقة وجد من الرهبان من دله على الحق، أما الآخر فلم يجد، ولذلك قال النبي ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل: (إنه يبعث أمة وحده)، وبارك الله في ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فصار أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله ﵎ عنه، وأبوه في الجاهلية مات على الحق، ويبعث يوم القيامة أمة وحده.
وهذا ورقة بن نوفل قلنا: إنه استدل على الحق من معرفته بالنصارى قبل الإسلام، فقد رأى أناساً صالحين منهم، ممن كانوا ينتظرون نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فممن كان ينتظره سلمان الفارسي، وقد مشى مع رهبان النصارى، وكل راهب يوصيه: اذهب لفلان واعبد الله معه حتى يظلك زمان فيه نبي سيظهر، حتى جاء إلى النبي ﷺ وأسلم.
ورقة بن نوفل قالت له السيدة خديجة: اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، أي: هذه الرسالة التي نزلت على موسى، جاءك الرسول من عند رب العالمين، يا ليتني فيها جذعاً، هذا الرجل الفاضل الذي عرف الحق، يقول له: يا ليتني حين يبعثك الله وتبدأ تنشر هذه الدعوة، ويؤذيك قومه، يا ليتني كنت فيها شاباً قوياً فتياً، كنت سأنصرك، فقد نوى نية حسنة، والله يأجره عليها ﵁، فقال: يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي.
إذاً: دل هذا على أن الرجل كان يعرف الحق، فـ ورقة بن نوفل تنصر على ما كان من الدين الصحيح من النصرانية الذي كان قبل النبي ﷺ ، واطلع وعرف أن هذا رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه.
وهكذا نبئ ﷺ بسورة اقرأ، فلما ذهب إليه قال: يا ليتني حي حين يخرجك قومك، وإلى ذلك الوقت لم تكن قد نزلت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] لم تنزل عليه إلا سورة العلق، فقال له ورقة بن نوفل: إن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي رضي الله ﵎ عنه.
وفتر الوحي عن النبي ﷺ فترة، ثم نزل عليه جبريل مرة أخرى.
وكان خلال فترة الوحي كما روى الإمام البخاري ومسلم أنه تحدثه نفسه أنه فتر عنه الوحي، وأن الناس سيقولون عنه: كاذب، فيأتيه جبريل فيثبته، أن اثبت إنك على الحق صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: النبي ﷺ أُوحي إليه، وجاءه جبريل من السماء، وكان قبل ذلك يتعبد الله سبحانه، وهذا المقصد من ذكر هذا الحديث، فقد كان يعبد الله سبحانه، ولم يكن يعبد الأصنام، بل كان يبغض الأصنام، ولذلك في قصة بحيرى الراهب لما ذهب النبي ﷺ مع عمه إلى الشام، ولقوا بحيرى الراهب، وإذا به يرى سحابة تظلل النبي ﷺ ، فتعجب الرجل من ذلك، وهذا قبل الإسلام، قبل أن يأتيه الوحي من السماء.
فقال بحيرى: ابن من هذا؟ فقال رجل: ابني، قال: لا، ما ينبغي أن يكون أبوه حياً، فجاء أبو طالب وقال: ابني، قال: لا، ما ينبغي أن يكون أبوه حياً، قال: أنا عمه، وأبوه مات، فقال بحيرى للنبي ﷺ : إني سائلك عن أشياء، فإذا به يختبره ويقول: باللات والعزى أخبرني، فقال النبي ﷺ : ما أبغضت شيئاً بغضي لهما، فعرف أنه نبي صلوات الله وسلامه عليه، وأوصى به عمه، وحذره من اليهود، أنهم إذا عرفوا أنه بهذه الصفات فسيقتلونه، وطلب منه أن يرجع به صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً: قبل الإسلام لم يكن يعبد اللات ولا العزى ولا الأصنام صلوات الله وسلامه عليه، بل أيضاً كان لو وجد فرصة في أن يكسر الأصنام لَفَعَل صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 3190
كراهية النبي ﷺ للأصنام قبل البعثة
روى الإمام أحمد من حديث علي ﵁، قال: (انطلقت أنا والنبي ﷺ وهو في مكة صلوات الله وسلامه عليه، في يوم من الأيام، وكان علي صغيراً، والنبي ﷺ كبير، قال: (انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله ﷺ : اجلس، وصعد على منكبي) وعلي صغير، فكون النبي ﷺ صعد على منكبه لا يستطيع أن يحمله، ولكن النبي ﷺ أراد أن يغير المنكر بيده هو ﷺ ، أي: هو الذي يكسر الأصنام بنفسه ﷺ ، إذ كان فوق الكعبة صنم من نحاس مثبت عليها، فأراد النبي ﷺ إزالة هذا الصنم، فلما وجد فرصة قال لـ علي: اجلس، وصعد على كتفه ﷺ وأخذ بالصنم، ولم يقدر علي أن يرفع النبي ﷺ ، فإذا به يلاحظ أن علياً يضعف، فنزل هو ﷺ وجلس وقال لـ علي: اصعد، وصعد علي على منكبي النبي ﷺ ، يقول علي: (فصعدت، فنهض بي) ولما حمله على كتفه ﷺ قال علي: (إنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء)؛ لأنه فوق منكب النبي ﷺ ؛ فأمره النبي ﷺ أن يأخذ هذا الصنم، قال علي ﵁: (فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله، وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه) فكونه يكون عمره ثمان سنين أو فوقها، والنبي ﷺ يرفعه، ثم يفعل هذا، هذا إكرام من الله لـ علي أنه على كتف النبي ﷺ يمسك بصنم فوق الكعبة، وهذا عجيب جداً، إذ إن الكعبة يستحيل أن يصل أحد إلى سقفها، ولكن علياً شعر أنه علا جداً وهو فوق كتف النبي ﷺ ، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات قال: (حتى إذا استمكنت منه، قال لي رسول الله ﷺ : اقذف به، قال: فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير) تخيل صنم من نحاس موجود فوق الكعبة، يقذفه على الأرض وينكسر كما ينكسر الزجاج، ثم رجع النبي ﷺ ، قال: (ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس، قال: حتى استترنا بالبيوت، فلم يوضع عليها بعد) أي: لم يجرؤ أحد أن يضع صنماً مرة أخرى فوق ظهر الكعبة، بعد هذا الصنم الذي كسره النبي صلوات الله وسلامه عليه.
والغرض: أن النبي ﷺ قبل أن يبعث لم يعبد الأصنام، ولم يتقرب إليها، إنما كان يعبد الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه سبحانه، ستره الله وهو صبي صغير، وأعطاه الحكمة صلوات الله وسلامه عليه وهو شاب كبير، حتى إن المشركين اختصموا في الحجر الأسود: من الذي يضعه؟ لما بنوا الكعبة، واختصمت على وضعه أربع قبائل، فإذا بهم يقولون: نحتكم لأول من يطلع علينا، فإذا بالنبي ﷺ أول من يخرج إليهم، فيقولون: هذا الصادق الأمين، فيأتي ويخلع رداءه ويجعله على الأرض، ويأخذ الحجر بيده الكريمة ويجعله على الرداء، ويأمر مندوباً من كل قبيلة أن يمسك بطرف من أطراف الرداء، فأمسكت كل قبيلة بطرف ورفعوا الحجر، وأخذه النبي ﷺ بيده الكريمة ووضعه مكانه، فكان موفقاً قبل أن يبعثه الله، ثم لما بعثه الله أكمل عليه النعمة، وهداه لهذا الدين العظيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
следующие страницы →