← Тафсир

Тафсир · id 37037

تفسير أحمد حطيبة

أحمد حطيبة

Полный текст (3 717 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:٥٢]. قوله: (وَكَذَلِكَ) أي: كهذا الذي أوحينا إلى الأنبياء وبنفس الصورة التي أوحينا إلى الأنبياء نوحي إليك أيضاً، كما أوحينا إلى الذين من قبلك. فقوله: (وَكَذَلِكَ) أي: بطريقة الوحي من السماء إلى جميع الأنبياء، كذلك يوحى إلى النبي ﷺ . (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَاٍ) وصف القرآن العظيم بأوصاف عدة منها: قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ [فصلت:٤١]. وقال تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:٢٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ [الواقعة:٧٧]. وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم:١] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]. فهو الكتاب الذي يخرج الناس من الظلمات إلى النور. وهو الكتاب الذي فيه التذكرة والاعتبار، وفيه أخبار من رب العالمين ننتفع بها، وفيه أحكام شرعية نعمل بها. كذلك سماه: نوراً، ووحياً، وروحاً، فالقرآن نور من عند الله يضيء لنا طريقنا إلى الإيمان بالله، وإلى العمل الصالح. وروح من الله يحيي به القلوب الميتة، فيوقظها من سباتها، ومن نومها، ومن موتها، ويحييها كما ينزل المطر من السماء فيحيي به الله الأرض بعد موتها، كذلك هذا القرآن العظيم ينزل على القلوب الميتة فيحييها بفضل الله وبإذنه . قال تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ) كان قبل ذلك ﷺ لا يعرف أن هناك قرآناً سينزل، وأهل الكتاب كانوا يعرفون ذلك، أما هو فلم يتصل بهم حتى يعلم أن هناك نبياً سيبعث، فضلاً عن أن يعرف أنه هو النبي ﷺ . فقوله تعالى: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) أي: ما كنت تعرف شرائع هذا الدين، وقد نزل جبريل ليعلم المؤمنين ما هو الإسلام، وما هو الإيمان، وما هو الإحسان. فالإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إلى ذلك سبيلاً. والإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . فلم يكن يعرف ذلك ﷺ قبل أن ينزل عليه الوحي من السماء؛ لذلك قال له سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: وجدك ضالاً عن هذه الشريعة لا تعرفها، وإن كان هو يعرف ربه ﵊.

стр. 3187

تعبد النبي ﷺ قبل البعثة لقد كان ﷺ يتعبد لله والناس في جاهلية جهلاء، وفي ظلمة ظلماء، وهو يعبد الله إله الأرض والسماء ، كان يخرج يتحنث الليالي ذوات العدد، كما جاء في الصحيحين عن السيدة عائشة ﵂، تخبر أن النبي ﷺ أول ما بدأ به من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، إذاً: قبل أن ينزل عليه القرآن كان يرى الرؤيا وتتحقق الرؤيا كما رآها، حتى نزل عليه جبريل بالوحي من السماء، فكان صادق اللسان، صادق الحديث ﷺ ، أمين القلب، أميناً في معاملاته مع الخلق ﵊، فلذلك قبل رسالته عصمه الله ، مما كان يقع في كبائر مما كان يفعله أهل الجاهلية، كما كان يقتل بعضهم بعضاً، ويأخذ بعضهم أموال بعض، ويغير القوي على الضعيف، وتغير القبائل بعضها على بعض، ويظلم الظالم ويجد من يدافع عنه في ظلمه، أما هو فلم يكن كذلك، وحاشا له ﷺ . وكان الزنا في الجاهلية شيئاً سهلاً؛ لأنهم كانوا يقعون في الزنا ولا شيء عليهم في ذلك، وهو لم يقع في ذلك أبداً صلوات الله وسلامه عليه، بل عصمه الله ، حتى إنه وهو صغير ﷺ يقول له عمه: اخلع إزارك وضعه على كتفك، وهو يحمل حجارة مع من يحملون الحجارة، رحمة من العم بابن أخيه صلوات الله وسلامه عليه، أما الكبار فكانوا يتعرون ولا شيء عندهم في ذلك، فأراد أن يفعل ﷺ ما قال له عمه، فإذا بالملك ينزل عليه من السماء ويقول: خذ عليك إزارك، فإذا به يرتعد ﷺ ويقع مغشياً عليه، قال: فما وضعه عنه أبداً، فقد عصمه ربه سبحانه من أن تنكشف عورته صلوات الله وسلامه عليه، حفظاً من السماء للنبي ﷺ . تقول عائشة ﵂: (كان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) فكان يأتي حراء فيتحنث -أي: يتعبد- وذلك كان قبل الوحي، وقبل أن ينزل عليه شيء، فكان يحب أن يعبد الله ، وكان يبغض الأصنام بغضاً شديداً صلوات الله وسلامه عليه، ولا يأكل من ذبائحهم التي ذبحوها لهذه الأصنام، فانظر إليه وهو يتعبد في الغار ﵊، ويرجع إلى خديجة، وكان قد تزوج خديجة وعمره خمس وعشرون سنة، ويذهب يتعبد لله ، وتجهزه الفاضلة خديجة رضي الله ﵎ عنها، تجهز النبي ﷺ بزاده لليالي ذوات العدد، يتعبد لله سبحانه، ويرجع إليها وتجهز زاداً آخر ليذهب ويتعبد لله ، ومكث على ذلك ليالي كثيرة في غار حراء، هذا قبل أن يوحى إليه صلوات الله وسلامه عليه. ومع ذلك يقول له ربه سبحانه: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧]، ويقول سبحانه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ [الشورى:٥٢]، وصدق الله العظيم سبحانه، إذ يقول ﷺ : (أنا وأنا رسول الله لا أدري ما يفعل بي ولا بكم)، وذلك لما قالت امرأة لصبي صغير توفي: هنيئاً له، عصفور من عصافير الجنة، حتى أخبره الله بعد ست سنوات من هجرته ﷺ لما نزلت عليه في الحديبية سورة الفتح بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢] فعرف قبل وفاته بأربعة أعوام ما الذي يفعل به صلوات الله وسلامه عليه، وهو قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:٢]. قال له ربه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى:٦ - ٨]. فقوله تعالى: (ضَالًّا) أي: لا تعرف الشريعة، ولا تعرف هذا الدين، ولا تعرف أصوله ولا فروعه، صحيح أنت تعبد الله، وتجتنب الفواحش، ولكن هذا بحفظنا لك، ومنة من الله عليه ﷺ ، ولم يكن يجهز نفسه ليكون رسولاً في يوم من الأيام، ولم يكن يجهز نفسه لشيء، فلم يطلب أن يكون سيداً على القوم ولا ملكاً لهم, لم يطلب شيئاً صلوات الله وسلامه عليه حتى أنزل الله عليه الوحي.

стр. 3188

ذكر ما جاء من بدء نزول الوحي على النبي ﷺ ولما نزل عليه الوحي نزلت سورة مفزعة، إذ نزل جبريل وأفزعه، ليثبته بعد ذلك، ويطمئنه صلوات الله وسلامه عليه بعد ذلك، فاسمع إلى هذا الخبر عن عائشة ﵂، تقول: حتى فجأه الحق وهو في غار حراء في مكة، فجاءه الملك صلوات الله وسلامه عليه فقال: اقرأ، فقال النبي ﷺ : (ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني)، تخيل وهو ﷺ ، وهو في غار حراء يتعبد الليالي، وداخل الغار وفجأة يظهر له الملك ويأتيه من عند ربه ، ويقول له: اقرأ، وكان قد جاءه قبل ذلك صلوات الله وسلامه عليه، إذ تمثل له الملك في السماء ثم غاب عنه، ومرة أخرى، وكأن الله يعلمه شيئاً فشيئاً ويدخل الشجاعة على قلبه شيئاً فشيئاً، فمرة رآه في السماء، ثم ظهر له مرة أخرى في السماء، ثم بعد ذلك جاءه وهو في الغار ﵊، ليأمره ويقول له: اقرأ، قال: (قلت: ما أنا بقارئ) فالنبي ﷺ أمي لا يجيد قراءة ولا كتابة، أي: ما الذي أقرؤه؟ أنا لست قارئاً، لا أقرأ، والمكان مكان موحش، والأمر أمر صعب وشديد أن يأتيه ملك في هذه الحالة، فلذلك كان من حقه ﷺ أن يرجع إلى بيته فزعاً، ويقول: غطوني غطوني، فقد خاف من الذي حدث، يا ترى ماذا سيحدث؟! هذا النبي ﷺ يقول له جبريل: اقرأ، ويأخذه ويحتضنه بشدة، قال: (فغطني ثم قال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني الثالثة فغطني وقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥]). فأنت لست قارئاً، أنت لا تعلم، وجدك ربك ضالاً فهداك ، وعلمك ما لم تكن تعلم، فمن عليه، قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء:١١٣] صلوات الله وسلامه عليه. ورجع النبي ﷺ إلى السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها ترجف بوادره، وهذا أول ما نزل عليه من القرآن: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، فنبئ باقرأ وأرسل بالمدثر. وعلم أنه رسول لما قال له ربه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]، فالأولى: (اقْرَأْ) والثانية: قم للناس، (قُمْ فَأَنذِرْ) ولما جاءه الوحي وأنزل عليه (اقرأ) رجع إلى خديجة ﵂، فقال: (زملوني زملوني)، رجع يرتعد من شدة الخوف ﷺ ، وقال: (زملوني)، أي: غطوني، وقال للسيدة خديجة ﵂: (يا خديجة! ما لي؟) ما الذي حصل لي؟ وأخبرها الخبر، وقال: (قد خشيت على نفسي) خشيت أن يكون ما حصل لي تهيؤات بسبب أن الشياطين تمتثل لي، خشي على نفسه ﷺ . هذا المنظر الذي رآه ﷺ لم يكن يخطر على باله، وكان هناك أناس في مكة متوقعين ذلك، وينتظرون أن يكون فلان رسولاً، أما هو ﷺ فلم يكن على باله هذا الأمر، كان يعبد الله ، ويرجو بذلك ربه ، ترك الأصنام لأنه يبغضها ويكرهها ﷺ ، ويعبد الله ويتحنث في الغار الليالي، من الذي حفظه من عبادة الأصنام؟ ومن الوقوع في المنكرات والحرام؟ إنه الله ، حفظ نبيه ﷺ ، ومن عليه بذلك.

стр. 3189

قصة ذهاب خديجة بالنبي ﷺ إلى ورقة بن نوفل قالت السيدة خديجة للنبي ﷺ تطمئنه: لا تخف، وهنا الاستدلال بالأسباب على النتيجة، ماذا عملت أنت حتى يبتليك الله في عقلك؟ أنت تعبد ربك ، قالت له كلامها الحكيم الذي يدل على عقلها العظيم رضي الله ﵎ عنها، تقول للنبي ﷺ : إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، هذه صفاته قبل الإسلام ﷺ : إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، أي: الإنسان الذي انقطع وهو مسافر إلى مكان، ثم وقع الجمل الذي يحمله، ولم يقدر أن يكمل السفر، فقد صار كالاً هذا الإنسان، فإذا بالنبي ﷺ يعطيه، ويزوده، ويعينه حتى يستطيع إكمال المسير، أبعد هذا كله يذهب الله عقله بسبب؟ لا يكون هذا أبداً. وقولها: وتقري الضيف، أي: أنت كريم مع أهلك، وكريم مع ضيوفك، وتعين على نوائب الحق، والحق: هو الله ، وما يعتري الناس من نوائب، فالنبي ﷺ يعين الخلق على نوائب الحق، فإذا كنت تفعل ذلك، فهل سيبتليك ربك؟! تستدل بفعاله ﵊، فلا يمكن أن يخزيك ربك، ولا يخذلك أبداً، وهذا الذي جاءك شيء صحيح وحقيقي. وذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل، وهو ابن عم السيدة خديجة رضي الله ﵎ عنها، فهي خديجة بنت خويلد بن أسد، وهو ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وكان امرأً تنصر في الجاهلية، إذ كان ورقة في الجاهلية يبحث عن الدين الحق، وكذلك زيد بن عمرو بن نفيل، كان الاثنان يبحثان عن الدين الحق، فلم تعجبهم الأصنام، أما النبي ﷺ فقد كان يبغض الأصنام، وتوجه يعبد الله ويتحنث لربه في الغار. وبحث ورقة بن نوفل فوجد أقرب الديانات الموجودة النصرانية، بحث عن الرهبان، وأخذ الإنجيل فكان يكتب من الإنجيل بالعربية، فتنصر في الجاهلية، إذاً: هو عرف النصرانية وعرف الرهبان، ووصل لدرجة من الحكمة العظيمة رضي الله ﵎ عنه، ورآه النبي ﷺ يلبس ثياباً بيضاء في رؤيا منامية، فاستدل على أن الله أكرم ورقة بن نوفل. وأما زيد بن عمرو بن نفيل فقد بحث فلم تعجبه اليهودية ولا النصرانية، وكان يسجد لله ويقول: لو أعلم كيف أعبدك لعبدتك، يبحث عن الدين الحق، ولم تعجبه النصرانية، وكأن ورقة وجد من الرهبان من دله على الحق، أما الآخر فلم يجد، ولذلك قال النبي ﷺ عن زيد بن عمرو بن نفيل: (إنه يبعث أمة وحده)، وبارك الله في ابنه سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل فصار أحد العشرة المبشرين بالجنة رضي الله ﵎ عنه، وأبوه في الجاهلية مات على الحق، ويبعث يوم القيامة أمة وحده. وهذا ورقة بن نوفل قلنا: إنه استدل على الحق من معرفته بالنصارى قبل الإسلام، فقد رأى أناساً صالحين منهم، ممن كانوا ينتظرون نبينا صلوات الله وسلامه عليه، فممن كان ينتظره سلمان الفارسي، وقد مشى مع رهبان النصارى، وكل راهب يوصيه: اذهب لفلان واعبد الله معه حتى يظلك زمان فيه نبي سيظهر، حتى جاء إلى النبي ﷺ وأسلم. ورقة بن نوفل قالت له السيدة خديجة: اسمع من ابن أخيك، فقال ورقة: ماذا ترى؟ فأخبره النبي ﷺ ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، أي: هذه الرسالة التي نزلت على موسى، جاءك الرسول من عند رب العالمين، يا ليتني فيها جذعاً، هذا الرجل الفاضل الذي عرف الحق، يقول له: يا ليتني حين يبعثك الله وتبدأ تنشر هذه الدعوة، ويؤذيك قومه، يا ليتني كنت فيها شاباً قوياً فتياً، كنت سأنصرك، فقد نوى نية حسنة، والله يأجره عليها ﵁، فقال: يا ليتني فيها جذعاً حين يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ : أو مخرجي هم؟ فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي. إذاً: دل هذا على أن الرجل كان يعرف الحق، فـ ورقة بن نوفل تنصر على ما كان من الدين الصحيح من النصرانية الذي كان قبل النبي ﷺ ، واطلع وعرف أن هذا رسول رب العالمين صلوات الله وسلامه عليه. وهكذا نبئ ﷺ بسورة اقرأ، فلما ذهب إليه قال: يا ليتني حي حين يخرجك قومك، وإلى ذلك الوقت لم تكن قد نزلت عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] لم تنزل عليه إلا سورة العلق، فقال له ورقة بن نوفل: إن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً، ثم لم ينشب ورقة أن توفي رضي الله ﵎ عنه. وفتر الوحي عن النبي ﷺ فترة، ثم نزل عليه جبريل مرة أخرى. وكان خلال فترة الوحي كما روى الإمام البخاري ومسلم أنه تحدثه نفسه أنه فتر عنه الوحي، وأن الناس سيقولون عنه: كاذب، فيأتيه جبريل فيثبته، أن اثبت إنك على الحق صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: النبي ﷺ أُوحي إليه، وجاءه جبريل من السماء، وكان قبل ذلك يتعبد الله سبحانه، وهذا المقصد من ذكر هذا الحديث، فقد كان يعبد الله سبحانه، ولم يكن يعبد الأصنام، بل كان يبغض الأصنام، ولذلك في قصة بحيرى الراهب لما ذهب النبي ﷺ مع عمه إلى الشام، ولقوا بحيرى الراهب، وإذا به يرى سحابة تظلل النبي ﷺ ، فتعجب الرجل من ذلك، وهذا قبل الإسلام، قبل أن يأتيه الوحي من السماء. فقال بحيرى: ابن من هذا؟ فقال رجل: ابني، قال: لا، ما ينبغي أن يكون أبوه حياً، فجاء أبو طالب وقال: ابني، قال: لا، ما ينبغي أن يكون أبوه حياً، قال: أنا عمه، وأبوه مات، فقال بحيرى للنبي ﷺ : إني سائلك عن أشياء، فإذا به يختبره ويقول: باللات والعزى أخبرني، فقال النبي ﷺ : ما أبغضت شيئاً بغضي لهما، فعرف أنه نبي صلوات الله وسلامه عليه، وأوصى به عمه، وحذره من اليهود، أنهم إذا عرفوا أنه بهذه الصفات فسيقتلونه، وطلب منه أن يرجع به صلوات الله وسلامه عليه. إذاً: قبل الإسلام لم يكن يعبد اللات ولا العزى ولا الأصنام صلوات الله وسلامه عليه، بل أيضاً كان لو وجد فرصة في أن يكسر الأصنام لَفَعَل صلوات الله وسلامه عليه.

стр. 3190

كراهية النبي ﷺ للأصنام قبل البعثة روى الإمام أحمد من حديث علي ﵁، قال: (انطلقت أنا والنبي ﷺ وهو في مكة صلوات الله وسلامه عليه، في يوم من الأيام، وكان علي صغيراً، والنبي ﷺ كبير، قال: (انطلقت أنا والنبي ﷺ حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله ﷺ : اجلس، وصعد على منكبي) وعلي صغير، فكون النبي ﷺ صعد على منكبه لا يستطيع أن يحمله، ولكن النبي ﷺ أراد أن يغير المنكر بيده هو ﷺ ، أي: هو الذي يكسر الأصنام بنفسه ﷺ ، إذ كان فوق الكعبة صنم من نحاس مثبت عليها، فأراد النبي ﷺ إزالة هذا الصنم، فلما وجد فرصة قال لـ علي: اجلس، وصعد على كتفه ﷺ وأخذ بالصنم، ولم يقدر علي أن يرفع النبي ﷺ ، فإذا به يلاحظ أن علياً يضعف، فنزل هو ﷺ وجلس وقال لـ علي: اصعد، وصعد علي على منكبي النبي ﷺ ، يقول علي: (فصعدت، فنهض بي) ولما حمله على كتفه ﷺ قال علي: (إنه يخيل إلي أني لو شئت لنلت أفق السماء)؛ لأنه فوق منكب النبي ﷺ ؛ فأمره النبي ﷺ أن يأخذ هذا الصنم، قال علي ﵁: (فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله، وبين يديه ومن خلفه، حتى إذا استمكنت منه) فكونه يكون عمره ثمان سنين أو فوقها، والنبي ﷺ يرفعه، ثم يفعل هذا، هذا إكرام من الله لـ علي أنه على كتف النبي ﷺ يمسك بصنم فوق الكعبة، وهذا عجيب جداً، إذ إن الكعبة يستحيل أن يصل أحد إلى سقفها، ولكن علياً شعر أنه علا جداً وهو فوق كتف النبي ﷺ ، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بإسناد رجاله ثقات قال: (حتى إذا استمكنت منه، قال لي رسول الله ﷺ : اقذف به، قال: فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير) تخيل صنم من نحاس موجود فوق الكعبة، يقذفه على الأرض وينكسر كما ينكسر الزجاج، ثم رجع النبي ﷺ ، قال: (ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله ﷺ نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس، قال: حتى استترنا بالبيوت، فلم يوضع عليها بعد) أي: لم يجرؤ أحد أن يضع صنماً مرة أخرى فوق ظهر الكعبة، بعد هذا الصنم الذي كسره النبي صلوات الله وسلامه عليه. والغرض: أن النبي ﷺ قبل أن يبعث لم يعبد الأصنام، ولم يتقرب إليها، إنما كان يعبد الله سبحانه، ويتقرب إلى ربه سبحانه، ستره الله وهو صبي صغير، وأعطاه الحكمة صلوات الله وسلامه عليه وهو شاب كبير، حتى إن المشركين اختصموا في الحجر الأسود: من الذي يضعه؟ لما بنوا الكعبة، واختصمت على وضعه أربع قبائل، فإذا بهم يقولون: نحتكم لأول من يطلع علينا، فإذا بالنبي ﷺ أول من يخرج إليهم، فيقولون: هذا الصادق الأمين، فيأتي ويخلع رداءه ويجعله على الأرض، ويأخذ الحجر بيده الكريمة ويجعله على الرداء، ويأمر مندوباً من كل قبيلة أن يمسك بطرف من أطراف الرداء، فأمسكت كل قبيلة بطرف ورفعوا الحجر، وأخذه النبي ﷺ بيده الكريمة ووضعه مكانه، فكان موفقاً قبل أن يبعثه الله، ثم لما بعثه الله أكمل عليه النعمة، وهداه لهذا الدين العظيم. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3191

تفسير سورة الشورى [٥٢ - ٥٣] القرآن حياة القلوب، وقد جعله الله نوراً يهدي به من يشاء من عباده هداية إرشاد وهداية توفيق، وهداية الإرشاد هي بالدلالة والعلم، ويقوم بها كل داع إلى الحق، وهداية التوفيق هي بالتوفيق للعمل، وهي خاصة بالله وحده.

стр. 3192

تفسير قوله تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في آخر سورة الشورى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. يخبر الله نبيه ﷺ أن هذا الوحي الذي نزل عليه من السماء كالوحي الذي أنزل على الأنبياء من قبله فقال: (وَكَذَلِكَ) أي: كما أوحينا إلى السابقين من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام مثله تماماً نوحي إليك وحياً صادقاً من عند رب العالمين من السماء. (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) يؤكد أن هذا الوحي من السماء وليس كلام النبي ﷺ ، وقد بدأ هذه السورة بذلك وختمها بذلك سبحانه، ففي أولها قال: ﴿حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى:١ - ٤] والسورة سورة مكية، يؤكد الله فيها أمور العقيدة العظيمة، وتوحيد الله ، وأن القرآن وحي من السماء، من عند رب العالمين ، فقال في أول السورة: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى:٣] أي: كما أوحى للسابقين كذلك يوحي إليك، وقال في آخرها: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:٥٢] فوصفه بأنه روح يحيي الله به من يشاء من خلقه، ممن ماتت قلوبهم فأحياهم هذا القرآن العظيم. وقال الله أيضاً في أوائل السورة: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى:٧] فتكرر ذكر الوحي ثلاث مرات في هذه السورة، لتأكيد أنه وحي من الله سبحانه، وليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو كلام رب العالمين وحي من السماء صادق نزل بالصدق وبالحق من عند الله سبحانه. قوله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) أي: لم تكن تعرف قبل ذلك الكتابة، ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت:٤٨] والحكمة من ذلك (إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:٤٨]. فمن حكمة الله أن جعل نبيه ﷺ أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وليس هذا مدحاً للأمية، ولكنه مدح للنبي صلوات الله وسلامه عليه، حيث أتى بالشيء المعجز من عند رب العالمين سبحانه، فلو كان يقرأ ويكتب لدخل الشك في قلوب الناس، فالنبي ﷺ يقول له ربه سبحانه: لو كنت تقرأ وتتلو من قبله من كتاب إذاً لارتاب المبطلون المشككون في هذا الدين، ولقالوا: إنه نقله من كتب السابقين ويزعم أنه جاءه من عند رب العالمين. قال الله: (مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ) أي: ما كنت تعرف ما هذا القرآن الذي يأتيك من عند الله، ولذلك لما قال جبريل للنبي ﷺ : (اقرأ. قال: ما أنا بقارئ) أي: لست قارئاً وما الذي أقرؤه؟! فهو لا يقرأ كتاباً ﷺ ، أي لا يجيد قراءة ولا كتابة، وإذا كان جبريل يريد منه أن يقرأ فما الذي يقرؤه؟ فجبريل في المرة الثالثة قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤] علم الناس أن يكتبوا بالقلم وهو لا يقرأ ولا يكتب صلوات الله وسلامه عليه، فالذي آتاك هذا العلم هو رب العالمين سبحانه، وهم يقرءون ويكتبون ومع ذلك لم يأتهم الوحي إلا عن طريقك أنت يا من لا تقرأ ولا تكتب صلوات الله وسلامه عليه. قال تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:٥] وقال للنبي ﷺ : ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، وهنا يقول: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢]، وقال للنبي ﷺ : ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى:٧] أي: وجدك ضالاً عن الشريعة لا تعرف ما هذه الشريعة، فكان يعبد ربه ويوحد ربه ويكره الأصنام صلوات الله وسلامه عليه بما جعل الله في قلبه من عصمة، فعصمه أن يقع في محظور قبل البعثة، وبعد البعثة زادت هذه العصمة من رب العالمين وزاده حفظاً، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة:٦٧]، فمعنى قوله: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا) أي: عن الشريعة فهداك الله لهذه الشريعة. قوله: (وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا) أي: جعلنا هذا القرآن نوراً. (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) النور يأتي من عند الله ، فإذا أشرقت الشمس رأى الناس طريقهم، ولكن ليس كل الناس يرون الطريق، فلو أن إنساناً أعمى فإنه لا يرى شيئاً، بل هو في ظلام سواء طلعت الشمس أو لم تطلع، فكذلك الإنسان الكافر الذي طبع على قلبه؛ لأنه لا يستحق إلا ذلك، ينزل القرآن وهو نور من عند الله سبحانه ليهديه، فلا يرى شيئاً ولا يفهم شيئاً، وغاية ما يفهمه أن النبي ﷺ يهدده بيوم القيامة وهو ينكر يوم القيامة، جاء أن النبي ﷺ تلا على رجل منهم من أول سورة فصلت إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فوضع يده على فم النبي ﷺ وقال: اسكت اسكت، وقام مذعوراً إلى قومه، فسألوه: ما الذي سمعت؟ قال: سمعته يتوعدنا، وهو الصادق الأمين ﷺ لا يكذب، ومع هذا لم يهتد للدين، وقد سمع سورة فصلت من أولها: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت:١ - ٥]، فتلا عليه النبي ﷺ حتى وصل إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت:١٣] فخاف مما يأتيه من عند الله سبحانه؛ لأنه يعلم أن النبي ﷺ إذا هدد لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه. ومرة كان النبي ﷺ يطوف بالبيت والكفار أبو جهل وغيره لعنة الله عليهم يسخرون منه ويتهكمون به، كلما طاف سخروا منه، ثم ذهب إليهم ﷺ وقال: (ألا تسمعون، والله لقد جئتكم بالذبح) فإذا بأشدهم عليه صلوات الله وسلامه عليه يصير في غاية اللين ويقول: اذهب يا أبا القاسم! والله ما كنت جهولاً. فرعبوا منه حين قال: (لقد جئتكم بالذبح) وهو واحد صلوات الله وسلامه عليه وهم مجموعة، والذي خوفهم أنهم يعلمون أنه صادق لا يكذب صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قال: (جئتكم بالذبح) فسيذبحون في يوم من الأيام، وقد ذبح أبو جهل حيث حز رأسه عبد الله بن مسعود رضي الله، وألقي جيفة قذرة في قليب بدر، فالنبي ﷺ إذا قال ووعد بشيء فما ينطق عن الهوى، وإنما هو وحي من الله . قال سبحانه: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ) لم يقل: نهدي به كل الخلق، وإنما قال: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا) فالله يهدي من يشاء، يهدي من يستحق ذلك، ومن كتب عنده سبحانه وقدر له أنه يستحق الهدى هداه الله . جاء في سنن أبي داود وغيره أن النبي ﷺ قال: (خلق الله الخلق في ظلمة وألقى عليهم من نوره سبحانه، فمن أصابه نوره هداه الله، ومن أخطأه ضل) والله يفعل ما يشاء ، يهدي من يشاء تفضلاً منه سبحانه، ويضل من يشاء عدلاً منه سبحانه: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] وقد أنزل الكتب وأرسل الرسل فلا حجة للخلق عند ربهم سبحانه.

стр. 3193

هداية النبي ﷺ إلى صراط الله المستقيم قال الله: (نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) هنا يؤكد فيقول: (إنك) يقيناً (لتهدي) واللام للتأكيد، والفعل المضارع مسبوق باللام المؤكدة، أي: أنت تهدي فلا يزال على ذلك حتى يتوفاه الله . قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي) فهو يهديهم، وفي آية أخرى قال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ففي آية (إنك لتهدي)، وفي أخرى: (إنك لا تهدي)، ولا تناقض بينهما، فهو هادٍ يدل ويرشد صلوات الله وسلامه عليه، أرشدهم وبين لهم ودلهم، تقول للإنسان: إذا أردت أن تصل إلى المكان الفلاني فاذهب من هنا، فأنت قد أرشدته ودللته، فإن هو مشى في طريق آخر فهذا أمره هو، فقول الله: (إنك لتهدي) أي: إنك لتدعو، وترشد وتبين وتدل إلى صراط الله . وقوله: (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) أي: لا تحول من أحببت، فهو يملك أن يريهم ﷺ طريق الحق، أما أن يحول القلوب فلا يملك ذلك؛ ولذلك كانوا يتعنتون معه صلوات الله وسلامه عليه، ويذهب أحدهم ويقول للنبي ﷺ : ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء:٩٠ - ٩٣] يقولون: ولابد أن تأتينا بخطاب من السماء يثبت أنك رسول، ولو فعلت ذلك لن نتبعك! هذا القلب المتحجر ماذا سيعمل فيه النبي ﷺ ؟! فهؤلاء الكفار يقول له ربه سبحانه عنهم: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦]، وهذه الآية نزلت في أبي طالب عم النبي صلوات الله وسلامه عليه، وكان أحب الناس إلى النبي ﷺ أن يسلم هذا الرجل، فقد ربى النبي ﷺ ، ورد له النبي ﷺ الجميل بأن أخذ علي بن أبي طالب فرباه بعد أن صار عمه كبيراً. وأبو طالب دافع عن النبي ﷺ ، ودافع عن الإسلام، وكان مع النبي ﷺ يدافع عنه، وما تجرأ الكفار أن يتعرضوا للنبي ﷺ في حياة أبي طالب. وفي آخر حياته يأتيه الكفار لعنة الله عليهم وفيهم أبو جهل، وأبو جهل كان يخاف أن يسلم أبو طالب ويتبع النبي ﷺ ويؤمن به، ويشكو أبو جهل لـ أبي طالب من النبي ﷺ ما يقول، ويطلب من أبي طالب أن يحول النبي ﷺ عما هو فيه، والنبي ﷺ يقول: (يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الدين ما تركته حتى يقضي الله أمره)، فالأمر ليس أنكم تعطونني الدنيا وأترك هذا الدين، الأمر أن أبلغ رسالة الله، فعند وفاة أبي طالب أتى النبي ﷺ إليه وقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال: والله يا ابن أخي، لوددت أني أقر عينك بها) يعني: أنا أحب أن أقول هذه الكلمة لأجل أن تفرح، وكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وحزن النبي ﷺ حزناً عظيماً على ذلك، فإذا بالله ينزل عليه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] فالهدى ليس بيدك أنت. إذاً: الهدى الذي في هذه الآية هو بمعنى الدلالة، فأنت تدل، وترشد، وتدعو، وتبين، وهذه وظيفته ﷺ ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، والله هو الذي يهدي من الكفر إلى الإيمان، ويقلب القلوب ويصرفها؛ ولذلك كان صلوات الله وسلامه عليه يكثر أن يدعو: (يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، يا مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك، فقيل للنبي ﷺ : ما أكثر ما تقول ذلك! فقال: إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء)، فالله يقلب القلوب إن شاء بالإيمان فجعلهم مؤمنين، وإن شاء بغير ذلك فجعلهم كما ما يشاء . قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) و (صراط) في جميع القرآن تقرأ بالصاد، وتقرأ بالسين، وتقرأ بالصاد المشم صوت الزاي، فقراءة قنبل عن ابن كثير، وقراءة رويس عن يعقوب: (إنك لتهدي إلى سراط) بالسين، وقراءة باقي القراء غير خلف عن حمزة: (وإنك لتهدي إلى صراط) بالصاد، ويقرؤها خلف عن حمزة بالصاد المشمة صوت الزاي: (زراط مستقيم)، هذه ثلاث قراءات في هذه الكلمة، والصراط بمعنى: الطريق، والطريق المقصود منه الطريق الأعظم شرعة الله، وطريق الشريعة دين الله سبحانه، فالمعنى: وإنك لتهدي إلى هذا الدين العظيم المستقيم الذي لا انحراف فيه ولا اعوجاج، وهو دين رب العالمين، وشريعة الله سبحانه، ومنهج الله الذي جعله لخلقه .

стр. 3194

تفسير قوله تعالى: (صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض) قال الله: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٣] هذا دين رب العالمين سبحانه العظيم، الذي يؤكد لنا أنه الرب، وأنه المالك الحقيقي، وأنه مالك الملك، ملك الملوك الذي له ملكوت السماوات والأرض، ففي أثناء السورة قال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الشورى:٢٩]، وقال في أولها سبحانه: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٤ - ٥]، وختم السورة بقوله: (الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) فهو الذي يملك كل شيء. قوله: (أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ) أي: ترجع كل أمور العباد في النهاية إلى ربها ليحكم بين العباد ويفصل بينهم، وكأنه يقول: أنتم في الدنيا يلي بعضكم أمور بعض، وقد ينسى الإنسان أن الله هو الذي يدبر ذلك سبحانه، وأن الله هو الذي ييسر له رزقه حتى يأخذه من هنا، ويأخذه من هنا، فيذكر العباد أن كل أموركم وإن زعمتم في الدنيا أنكم ترجعون إلى حكامكم وإلى سلاطينكم وإلى ولاة أموركم لكن سيأتي يوم لا تجدون من ترجعون إليه إلا الله الواحد القهار الذي يرجع إليه العباد، وتصير إليه مقاليد أمور العباد، فالكل بيده في الدنيا وفي الآخرة يفعل ما يشاء، ويقضي بين عباده كما يشاء، ويحكم بما يشاء ويفعل ما يريد.

стр. 3195

تفسير سورة الزخرف [ ١ - ٨] سورة الزخرف سورة مكية، أقسم الله في مطلعها بالقرآن العظيم، وأنه كتاب عربي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، كما بين الله في هذه الآيات أنه لا يهلك قوماً أو يعذبهم حتى يقيم عليهم الحجة، فكم أرسل الله من أنبياء إلى الأمم السابقة، وكم من أمم أهلكها الله بسبب تكذيبهم، فكان في ذلك عظة وعبرة وتهديد لكفار قريش وغيرهم من المشركين.

стр. 3196

تفسير قوله تعالى: (حم) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صلّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. أما بعد: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ * أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ * وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:١ - ٨].

стр. 3197

إعجاز القرآن الكريم سورة الزخرف هي الثالثة والأربعون من كتاب الله ، وهي سورة من سور آل حاميم، وهي من السور المكية كغيرها من سور الحواميم، وفيها خصائص السور المكية كما عرفنا قبل ذلك في خصائص هذه السورة. وقد ذكرنا: أن سور آل حاميم، أو الحواميم التي بدأت بسورة: (غافر) وانتهت بسورة: (الأحقاف) نزلت متناسقة، أي: نسقاً، سورة وراء سورة على ترتيب وجودها في المصحف، فهذه السورة في ترتيب النزول هي الثانية والستون، فنزلت بعد سورة الشورى، وبعدها سورة الدخان. والحواميم قلنا أنها: سورة (غافر)، وسورة (فصلت)، وسورة (الشورى)، وسورة (الزخرف)، وسورة (الدخان)، وسورة (الجاثية)، وسورة (الأحقاف)، وكلها تبدأ بالحرفين: (ح) و (م). والله قد تحدى خلقه بهذا القرآن العظيم، فقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود:١٣]، وقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة:٢٣]، وهذا بعد أن تحداهم أن يأتوا بكتاب مثل هذا القرآن العظيم، وأنه لو اجتمع له الإنس والجن ليفعلوا ذلك، فقال: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء:٨٨]، أي: لو أن بعضهم ظاهر بعضاً، وعاون بعضهم بعضاً على أن يأتوا بمثل هذا القرآن ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً، فلما لم يقبلوا التحدي ولم يفعلوا، تحداهم بعشر سور كما في سورة هود، فلم يقدروا، فتحداهم بسورة واحدة كما في سورة يونس، ولم يقبلوا هذا التحدي، ولم يفعل أحد منهم شيئاً، ولم يأتوا بشيء، حتى أن من أراد منهم أن يأتي بشيء ألف أشياء يسجعها على وزن سورة من سور كتاب الله، فإذا بأصحابه يسخرون ويضحكون منه، ويعلمون أنه كاذب فيما يقول. وهذه السورة العظيمة آياتها تسع وثمانون آية على عد بعض القراء، وعلى عد آخر ثمان وثمانون آية، وهذا عند قراء الشام، وبقية القراء على تسع وثمانين آية، والخلاف في: (حم) هل هي آية متصلة بما بعدها، أو أنها ليست آية متصلة؟ عند الكوفيين أن: (حم) آية، وما بعدها آية، وأما عند غيرهم: ((حم والكتاب المبين)) آية واحدة. أيضاً اختلفوا في: ((مهين)) عند الوقف عليها، هل هي جزء من آية أم لا؟ وكما ذكرنا مراراً نقول: إن اختلاف العد في الآيات ليس معناه أن هناك آية زائدة، أو آية ناقصة، لا، وإنما الخلاف في أين نقف؟ فإذا قرأ: ﴿حم﴾ ووقف عندها فهو يقف عند رأس آية، وإذا قرأ: ((حم والكتاب المبين)) الاثنين معاً فهي آية واحدة، فعلى ذلك هي نفس الآيات، ولكن الخلاف في أين يقف القارئ؟

стр. 3198

الحروف المقطعة وتأويلها سورة الزخرف بدأها بقوله: ﴿حم﴾ [الزخرف:١]، (حم) حرفان اختارهما الله لهذه السورة، وللست السور الأخرى، وآل حاميم تبدأ بهذين الحرفين في كل سورة من هذه السور، لحكمة من الله ، إذاً: ما معنى هذين الحرفين؟ حكمة من الله . وافتتح الله بعض سور القرآن بهذه الحروف إشارة إلى تحدي الخلق بأن هذا القرآن من جنس هذه الحروف التي تقرءونها، فأتوا بقرآن مثله، فالقرآن مركب من هذه الحروف، أي: حروف اللغة العربية، فألفوا منها كتاباً مثل هذا الكتاب إن استطعتم إليه سبيلاً. وهذه الحروف إذا ذكرت في أوائل السور فالغالب أنه يذكر بعدها إشارة إلى هذا القرآن العظيم، فقال في سورة غافر: ﴿حم﴾ [غافر:١] ثم قال: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [غافر:٢] وقال في سورة فصلت: ﴿حم * تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت:١ - ٢]، وفي سورة الشورى قال: ﴿حم * عسق﴾ [الشورى:١ - ٢]، ثم ذكر الإشارة إلى كتاب الله . كذلك هنا وفيما بعدها من سور آل حاميم الغالب فيها أنه يشير، إما مباشرة إلى هذا القرآن، وإما بعدها بآيات إلى ذكر القرآن والتحدي للخلق.

стр. 3199

تفسير قوله تعالى: (والكتاب المبين) قال تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:١ - ٢]، أقسم الله بالكتاب المبين، والكتاب هو: القرآن العظيم الذي نعرفه، فيقسم الله به، ويصفه بأنه كتاب مبين، سواء هنا أو في مواضع أخرى من القرآن، و (مبين) إما من: بان، وإما من: أبان، وهما معنيان صحيحان، من: (بان) بمعنى: ظهر، فهو كتاب ظاهر واضح جلي لا شك فيه، ومن: (أبان) بمعنى: أظهر وأوضح وبين، فهو يبين لكل ذي عقل، ولكل ذي لبٍ، ولكل من يفهم، الأحكام حتى يعقلوا عن ربهم ما يأمرهم به، وما يريده منهم ، فهو كتاب واضح جلي لا غموض فيه، ولا إشكال فيه، بل يفهمه من يعرف العربية معرفة العلماء، ومن يعرفها معرفة العامة، فيسمع القرآن فيعقل عن الله ما يقول، وما يأمر به ، وما ينذرهم به، وما يبشرهم به، وما يخبر عن الإيمان به، كآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويبين لهم القرآن ما يشكل عليهم في حياتهم، فهو البيان والشفاء والموعظة، وقد ذكر الله في موضع آخر فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [القصص:٢] وهنا قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف:٢].

стр. 3200

تفسير قوله تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣]. قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ﴾ [الزخرف:٣]، هذا جواب القسم، فأقسم ربنا بالكتاب المبين: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣]، أي: جعلنا هذا القرآن العظيم بلسانكم: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٥]، واللغة العربية أعظم اللغات، وأفصح اللغات، وأبلغ اللغات، وأجمل اللغات، فنزل القرآن بهذه اللغة العربية، نزل من السماء من عند رب العالمين، نزل بسفارة أعظم الرسل من الملائكة وهو جبريل، على أفضل رسل الله في الأرض محمد صلوات الله وسلامه عليه، في أشرف البقاع وهي مكة، وفي أفضل الزمان وهو رمضان، فكان القرآن أعظم ما نزل من السماء، في أعظم البقاع، على أعظم وأفضل الرسل صلوات الله وسلامه عليه، في أفضل الشهور وهو شهر رمضان: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان:٣]. قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣]، و (جعل) لها معانٍ كثيرة، فهي هنا بمعنى: سماه ووصفه وقاله وبينه ، فالله جعله قرآناً عربياً، ولو شاء لجعله قرآنا أعجمياً، فهو سبحانه الذي خلق العباد، وخلق اللغات، وخلق ألسنة العباد، وخلق عقول العباد، فيفهمون ما يريد الله منهم، فلو شاء لجعله قرآناً أعجمياً، ولكن أنزله بلسان عربي مبين على النبي صلوات الله وسلامه عليه. ومثل (جعل) بمعنى: سمى ووصف قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ﴾ [المائدة:١٠٣] أي: ما وصف ولا سمى هذه الأشياء، ولكن أنتم الذين افتريتم ذلك، وأنتم الذين سميتم ذلك. وكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر:٩١]، ليس معناه: الذين خلقوا القرآن عضين، لا، وإنما معناه: الذين اختلفوا وتشاكلوا في القرآن، فكل منهم يقول فيه بشيء، فهذا يقول: سحر. وذاك يقول: كهانة. وغيرها من الأكاذيب والأوصاف التي يصفون بها القرآن، فهذا من معاني جعل، وهو سبحانه الذي أراد أن يبين لنا أن هذا القرآن عربي، تكلم به ربنا ، فأوحاه إلى نبينا محمد ﷺ بواسطة جبريل ﵇، فنزل به بهذا اللسان العربي على النبي صلوات الله وسلامه عليه. وكلمة: (قرآن) من القرء، وهو الجمع، فسوره مجموعة، وهو الذي يقرأ ويتلى، فالقرآن يتلى، ويجمع في صحيفة، ويجمع في الصدور. قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف:٣] هي قراءة الجمهور، وقراءة ابن كثير: (قراناً عربياً) يعني: يقرأ بالألف بدل الهمزة، وإذا وقف عليها حمزة قرأ كـ ابن كثير: (قراناً). قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف:٣] أي: عن ربكم ما يقوله لكم، وتفهمون هذا القرآن الذي هو بلسانكم، وكما ذكر الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]، فكل رسول أرسله الله إلى قوم أرسله بلسانهم، حتى يبين لهم، وهذا القرآن العظيم نزل بلسان عربي، نزل على النبي ﷺ في مكة حتى ينتشر إلى العالم كله بهذا اللسان العربي المبين. قوله: فإذا عقلتم عن الله سبحانه ما أراد منكم، وما أراد بكم عملتم بما فهمتم، ولذلك السور المكية يخاطب الله بها عقول العباد، وكأنه يقول لهم: أين عقولكم حين تعبدون هذه الأصنام من دون الله؟ فمن خصائص هذه السورة كغيرها من السور المكية، تقرير أمر العقيدة في قلوب الناس: عقيدة الإيمان بالله وحده، ونفي الشرك عن الله سبحانه، عقيدة الإيمان برسل الله وملائكة الله، والإيمان بما أنزل الله من السماء، وإعمال العقول فيما يحدثونه من بدع، وفيما يقعون فيه من كفر وشرك، ولذلك يخاطب الله عقولهم حين يقول لهم سبحانه: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، أي: أنترككم وأنتم في إسرافكم وكفركم وشرككم، على ذلك حتى نهلككم بالعذاب من غير ما نقيم عليكم الحجة؟ لا، حاشا لله ، فهو القائل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فأنزل الكتاب وأرسل الرسول ﷺ ، ليهدي الخلق إلى دين الله، حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل.

стр. 3201

تفسير قوله تعالى: (وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم) قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] أي: أن هذا القرآن محفوظ عند الله في اللوح المحفوظ، وأم الكتاب أي: أصل الكتاب، وأصل الكتاب عند الله وهو اللوح المحفوظ، ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨ - ٧٩]، أي: لا يمسه إلا ملائكة الله ، فلا يمسه إنس ولا جان، ولكن ملائكة الله الذين طهرهم واختارهم، هم الذين يمسونه، فشرف الله هذا القرآن، وأخبر أنه في لوح محفوظ عند رب العالمين سبحانه، فمهما حاول الناس تبديله لا يقدرون ولا يجدون إلى ذلك سبيلاً، فالله حفظه عنده، وحفظه في صدور عباده المؤمنين، وأخبر أنه ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٨ - ٧٩]، فهذا عند الله ، فأولى أن يكون كذلك عند المؤمنين، فلا يمس القرآن إلا الإنسان الطاهر، تشبهاً بملائكة الله المطهرين الذين يمسون اللوح المحفوظ: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة:٧٩]. وجاء عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر)، ويبقى هنا: القياس على ما عند الله ، والنص من النبي ﷺ أنك لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر، أي: طاهر من الحدث الأصغر أو الأكبر. قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا﴾ [الزخرف:٤] أي: عند الله ، وقد عبر بنون العظمة وقوله: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤] أي: عالٍ رفيع، لا يقدر أحد أن يناله إلا من اختاره الله وشرفه الله ، ولا يقدر أحد على أن يبدله، فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] فهو عليّ الشأن، مهيمن على غيره من الكتب، عليّ عن أن يناله أحد بتغيير أو تحريف أو تبديل. قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ [الزخرف:٤]، أي: محكم أحكمه الله سبحانه، فهو مشتمل على الحكم، ليس فيه تناقض، وليس فيه إشكال، حفظه الله من النقص، وحفظه من التغيير.

стр. 3202

تفسير قوله تعالى: (أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]. ثم قال لعباده: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ﴾ [الزخرف:٥] أي: هل يعقل؟ أننا نخلقكم ثم نترككم سدى وعبثاً، ونهملكم من غير ما ننزل عليكم كتاباً نبين لكم فيه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٥٠]. والذكر هنا: التذكير، والضرب بمعنى: الإعراض، أي: أفنعرض عنكم؟ قوله: (صفحاً) تقول: أعرض عن فلان صفحاً. أي: أعطاه جنبه ولم يعطه وجهه. وكأن المعنى هنا: أفنعرض عنكم ونترككم فيما أنتم فيه حتى نأخذكم ونعذبكم، فيكون لكم علينا حجة، فتقولون: لم تبعث إلينا رسولاً، لم تنزل علينا كتاباً؟ لا، وإنما لابد أن نبين لكم، وكذلك هل نخلقكم ونترككم هكذا، تعيشون وتموتون من غير حساب؟ لا، وإنما لابد من الحساب، فلن يضرب عنهم الذكر صفحاً، بل يذكرهم ويعظهم، ثم يقبضهم ويحاسبهم، فيعذب من يشاء ويرحم من يشاء قال: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ﴾ [الزخرف:٥]، ومعنى: (أن) بسبب، أي: بسبب أنكم قوم مسرفون، أنترككم في إسرافكم؟ لا، فرحمة الله عظيمة وواسعة، والعباد كفروا بالله، والخالق سبحانه مقت العباد فيما هم فيه، لذا جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن عياض بن حمار أن النبي ﷺ قال: (إن الله نظر إلى أهل الأرض جميعهم فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب). فإذا كان العباد على شركهم بالله سبحانه، وهو يمقتهم على ما هم فيه من كفر وإشراك به، فهل يعرض عنهم، ويتركهم حتى يعذبهم؟ لو فعل ذلك سيكون قد ظلمهم، ولكن لأن رحمته وسعت كل شيء، أبى إلا أن ينزل عليهم كتاباً يبين لهم، ويرسل لهم رسولاً يبين لهم حتى لا يكون لهم على الله حجة. قوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، فيها قراءتان: الأولى: قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم ويعقوب بفتح الهمز: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:٥]، والخمسة الباقون يقرءون بكسر الهمز: ((إِن كنتم قوماً مسرفين)). فهل إن كنتم كذلك نعرض عنكم ونترككم على ذلك؟ لا، فرحمتنا أبت إلا أن نخبركم ونعظكم ونعلمكم، فإذا أبيتم فلكم العذاب عند الله .

стр. 3203

تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦]، أي: أن هذه ليست أول مرة نرسل فيها إلى العباد رسولاً، بل قد أرسلنا كثيراً من الرسل، جاء في حديث في إسناده ضعف: أنهم تجاوزوا الثلاثمائة من رسل الله ، وأنبياء الله كثيرون تجاوزوا الأربعة والعشرين ألفاً عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، و (كم) في الآية: للتكثير. فالله أرسل رسلاً، وأنزل كتباً، وجعل أنبياء يدعون الناس، ويسوسون الناس حتى يهدوهم إلى رب الناس سبحانه.

стр. 3204

تفسير قوله تعالى: (وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) قال سبحانه: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزخرف:٧]، أي: أن كل مجموعة، وكل قوم، وكل أمة يبعث الله إليهم رسولاً، فالعادة فيهم أن يكذبوا، وأن يعرضوا، وأن يسخروا، وسيذكر لنا في هذه السورة، قصة فرعون مع قومه، سخر منهم، وكيف استخفهم، وكيف أطاعوه، وكيف أهلك الله الجميع، قال: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦]، أي: في الأقوام السابقين ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف:٧ - ٨] يعني: هؤلاء الذين استهزئوا بك، كان من قبلهم فيمن هو أشد منهم قوة، قوم عاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم فرعون، فأهلكنا هؤلاء، فهل نترك هؤلاء هكذا بغير أن نحاسبهم؟ قال: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨]، أي: مضى مثلهم، فقد ضرب لكم الأمثال، وذكركم بما جرى لهم، فاحذروا أن تصابوا بمثل ما أصيب به السابقون. نسأل الله العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3205

تفسير سورة الزخرف [٦ - ١١] أرسل الله تعالى إلى الأمم الغابرة رسلاً كثيرة، وبين أن العادة الغالبة على الكفار في سلوكهم مع رسل الله تعالى هي الاستهزاء والتكذيب والإعراض فكان مصيرهم أن أهلكهم الله تعالى، وكذلك هذا مصير من استهزأ وكذب بمحمد ﷺ ، ثم بين الله تعالى كيف أن هؤلاء المشركين يعترفون لله سبحانه بالربوبية ومع ذلك لا يفردونه بالعبادة، مع أنه خلق السماوات والأرض، ومهد الأرض وجعلها صالحة للسكنى، وأنزل المطر من السماء بقدر ما يحتاج إليه فأحيا به الأرض الميتة، أفلا يستحق من هذا شأنه أن يفرد بالعبادة؟ بلى والله.

стр. 3206

تفسير قوله تعالى: (وكم أرسلنا من نبي في الأولين) الحمد لله رب العالمين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ * وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:٦ - ١١]. في هذه الآيات من سورة الزخرف يخبر الله أنه قد أرسل رسلاً كثيرين وعبر عن ذلك بقوله: وكم أرسلنا، أي: ما أكثر ما أرسلنا من أنبياء إلى قومهم يدعونهم إلى توحيد الله، وإلى طاعة الله سبحانه، ويعلمونهم أمر الله ، ومع ذلك كانت العادة أن يستهزئوا برسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهنا في هذه السورة المكية يثبت الله النبي ﷺ ، ويثبت المؤمنين بأن هؤلاء الكفار ليسوا أول من كذب الرسل. ولكن من قبلهم كفار آخرون ضرب الله لهم الأمثال وكفروا بالله ومكروا ومكر الله، والله خير الماكرين فأهلكهم. وكل إنسان إذا لم يتعظ ويعتبر بما جاء من عند الله؛ فهو عرضة لهذا الجزاء من عند الله ، ولذلك يضرب الله الأمثال في القرآن، ويسوق القصص؛ لنتعظ ولنعتبر بما جاء فيها. والنبي: نبأه الله سبحانه فأخبره بأمور من أمور الغيب، وأمره أن يعلم الخلق، وأن يأمرهم بطاعة الله سبحانه، وأن يخبرهم بما يغضب الله سبحانه، فيجتنبوا ذلك. وقد أرسل أنبياء كثيرين منهم: من كان نبياً ورسولاً، ومنهم من كان نبياً فقط.

стр. 3207

القراءات في قوله تعالى: (من نبي) والنبي فيه قراءتان: قراءة الجمهور: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦]. وقراءة نافع: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِئ فِي الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٦].

стр. 3208

الفرق بين النبي والرسول النبي من نبأه الله سبحانه، وأنزل عليه الوحي من السماء؛ ليأمره وينهاه، ويطلعه على أشياء من الغيب، ويأمره أن يعلم قومه. أما الرسول فهو من جاء بشرع جديد، وله كتاب من الله ، ومأمور بتبليغ وتنفيذ هذه الشريعة من عند رب العالمين. فالله أرسل أنبياء كثيرين، وقد ذكرنا أنهم جاوزوا الأربعة والعشرين ألفاً، أما رسل الله فهم ثلاث مائة، أو يزيدون قليلاً. ففي كل فترة يبعث الله نبياً أو رسولاً يهدي قومه إلى دين الله سبحانه، ولكن السابقين ما كان يأتيهم من نبي إلاَّ كان الأصل عندهم تكذيبه والاستهزاء به. ولما يخبرنا الله بذلك يريد أن يثبت النبي ﷺ ، وكذلك يثبت كل من يدعو إلى الله سبحانه، ويعلمه بأن طريق الدعوة إلى الله لن تكون ممهدة، ومفروشة بالورود، وإذا لم يكن ذلك للأنبياء والرسل فكيف بمن دونهم. فهي طريق فيها الصعوبة، والشدة، وفيها المقابلة بالاستهزاء، وفيها المقابلة بالإنكار. فقد جوبه الأنبياء بذلك حتى مكن الله دينه، ونصر رسله كما قال : ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:١١٠] أي: ينجي الله من يشاء من عباده المؤمنين، ويهلك من يشاء من المجرمين، فإذا أتى أمر الله لا ينفع هؤلاء شيئاً بعد ما كفروا وأعرضوا، واستهزءوا بالرسل. فالمؤمن يثبته الله بأمره بالصبر، وأنه سيأتي نصر الله يوماً من الأيام، فلا يعجل. والمطلوب منه الأخذ بالأسباب، والنتيجة ليست عليه إنما على الله .

стр. 3209

تفسير قوله تعالى: (فأهلكنا أشد منهم بطشا) قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨] أي: أشد من هؤلاء الموجودين وهم أبو جهل وأتباعه، وأعوانه، فالسابقون من قوم نوح، وقوم عاد، وثمود كانوا أطول أعماراً وأعظم أجساماً، وأكثر أموالاً، وأشد قوة فأهلكناهم، وكذلك نفعل بهؤلاء. والبطش: الإمساك بالشيء والمغالبة عليه، فهؤلاء غالبوا وأرادوا أن يبطشوا بالرسل ويقتلوهم لكن الله، أهلكهم. قال تعالى: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف:٨] أي: مضى سلفاً في كتاب الله سبحانه أن ضرب لك الأمثال عن هؤلاء السابقين، وأخبرك عن قوم عاد وثمود، وقوم لوط وعن أصحاب الأيكة وعن قوم إبراهيم، وعن قوم فرعون. فقد مضت أخبار وقصص هؤلاء السابقين في كتاب الله وقد علمت ما حاق بهم، وما نزل بهم من عند الله . والمثل أيضاً: العقوبة والعذاب فالمعنى: مضى ما أخبرناك من تعذيب هؤلاء قال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠]. والفائدة من ذكر الأولين العبرة قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النازعات:٢٦] أي: إن في ذلك لموعظة وذكرى للمؤمنين. وقال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] أي: اعتبروا وقيسوا أنفسكم على هؤلاء، فهؤلاء بغوا في الأرض وعلوا، وطغوا على رسل الله واستكبروا، فكانت النتيجة أن أهلكهم الله ومضى مثل الأولين. فإذا جاء هؤلاء وصنعوا صنيعهم كانت النتيجة إهلاكهم وإدخالهم النار. وكذلك إن كنتم من المؤمنين المصدقين؛ فنتيجة سلوك طريق الإيمان الجنة. ثم يعجب النبي ﷺ من هؤلاء الذين لا يعقلون، ولا يتفكرون ويهرفون بما لا يعرفون، ويقولون ما لا يفهمون، ويجادلون النبي ﷺ فيقولون: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥] أي: نعجب لأمره سيجعل كل الآلهة من اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى وغيرها إلهاً واحداً إن هذا لشيء عجاب.

стр. 3210

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) يقول الله لنبيه ﷺ : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩]. أي: لو سألت هؤلاء الجهلة الكفرة: من الذي خلق السماوات والأرض؟ ليقولن معترفين: إن الذي خلق هذا كله هو الله الذي من أسمائه العليم العزيز. وقوله تعالى: ((ليقولن)) فعل مضارع سبقه لام التوكيد وفي آخره نون التوكيد الثقيلة وهذا يدل على وقوعه جواباً للقسم، يعني: والله ليقولن ذلك، وكأن المعنى: أنهم جزماً سيقولون ذلك إذا سألتهم: سواء نطقوا بألسنتهم، أم أعرضوا عن كلامهم، ففي قلوبهم يعرفون أن الذي خلق السموات وخلق الأرض هو الله العزيز الغالب. ولذلك كان يتهكم بهم حسان ﵁ ويقول: زعمت سخينة أن تغالب ربها وليغلبن مغالب الغلاب وسخينة: المقصود بها قريش، كانوا إذا استهزئوا بهم قالوا لهم ذلك: فالذي يريد أن يغالب ربه فهو المغلوب. وهم يعرفون أن الله عزيز غالب على أمره، و (العزيز) هو القوي الذي لا يغلب ولا يمانع. و (العليم) الذي يعلم كل شيء ويعلم السر وأخفى. وكأنه يقول سبحانه اعجب لهؤلاء الجهلة حين يقولون: إن الخالق هو الله القوي الغالب علام الغيوب سبحانه، ومع ذلك يعبدون غيره. فإذا سئلوا: هل هذه الآلهة تنفع أو تضر؟ قالوا: لا تنفع ولا تضر، لكن نعبدها من أجل أن تقربنا إلى الله. فإن قيل: لماذا لا تعبدون الله مباشرة بدل أن تعبدوا هذه الآلهة؟ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص:٥]. فهؤلاء الذين يتعجبون لمثل هذا الشيء ليست لهم عقول ولا أفهام. لكنهم يريدون خداع النبي ﷺ ويبررون جهالتهم وكفرهم، وشركهم بالله بهذا التهكم الذي يقولونه.

стр. 3211

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً) قال في وصف الله العزيز العليم: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠] أي: مهد لكم خلق هذه الأرض فجعلها مهداً. وفي قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا﴾ [الزخرف:١٠] قراءتان: قراءة الكوفيين ((مهداً)). وقراءة باقي القراء: ((مِهَاداً)) أي: مهدها لكم وجعلها كالفراش فتقفون عليها وتجلسون وتنامون عليها. وهذه الأرض التي خلقها الله مكورة لو صغر حجمها لا يستقر الناس عليها، ولكن ضخمها ثم مهدها وجعل فيها ما هو مرتفع، وما هو منخفض ومستوٍ؛ حتى تسيروا عليها، وجعلها كفاتا تجمعكم أحياءً وأمواتا. قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف:١٠] أي: جعل لكم طرقاً تسلكونها حتى تصلوا إلى أعمالكم، وإلى تجاراتكم وتسلكونها في أسفاركم وغير ذلك. قال تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠] أي: تهتدون أن الذي دلكم على ذلك، وأن الذي خلق لكم ذلك هو الذي له النعمة عليكم، وله الفضل عليكم؛ فاعبدوه وحده لا شريك له.

стр. 3212

تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماءً بقدر) قال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] أي: الذي نزل المطر من السحاب. وقد جعل الله لهذا الماء دوره في الكون يصعد من الأرض إلى السماء وينزل من السماء إلى الأرض وكل ذلك بقدر الله. فالشمس تبخر كمية معينة من هذه المياه ولو شاء الله لأدنى الشمس إلى الأرض فبخرت الماء كله فصعد إلى السماء ولكن جعل البعد بمقدار، كما قال: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] وهذا الماء المبخر يصعد إلى السماء بقدر. ولو أن الله لم يخلق الرياح لسوق السحاب لنزل المطر في نفس المكان ولم يستفد به أحد. ولكن الله العظيم سبحانه خلق الرياح لتحرك السحاب حيث يشاء الله ثم يأمر بنزول الماء على من يشاء من خلقه سبحانه بقدر، قال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ﴾ [الزخرف:١١]. ولو شاء الله تعالى لفتح السماء فنزل الطوفان وأغرق المكان الذي ينزل فيه. ولو شاء الله لصرفه فأصبح الناس لا يجدون شيئاً. ولكن الله بفضله ورحمته جعل هذا الماء ينزل من السماء قطرات لا تؤذي خلق الله سبحانه؛ فيغيثهم به وينبت لهم الزرع وينفع به بهيمة الأنعام ومن يشاء من خلقه سبحانه. فهذا الماء الذي نزل من السماء، وهذه الأرض الذي تزرعونها لا تعرفون عنها إلا ما علمكم الله سبحانه. فقد خلق دواباً في الأرض لتنتفعوا ومن ذلك: دود صغير يأكل تراب الأرض لكي يفكك أجزاء التربة، فإذا نزل المطر عليه انتفع به الإنسان فينبت النبات. فخلق الله هذه الدابة لتخدمك وأنت لا تراها. فمن كفران هذه النعم أن يعرض عنها الإنسان ويعبد غير الرحمن . قال تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ﴾ [الزخرف:١١] أنشر بمعنى: أحيا.

стр. 3213

القراءات في قوله تعالى (بلدة ميتاً كذلك تخرجون) وفي قوله تعالى: ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] قراءتان: قراءة الجمهور: ((بلدة ميتْاً)). وقراءة أبي جعفر: ﴿مَيِّتاً﴾ [الزخرف:١١]. وكذلك في قوله: ((كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)) قراءتان: قراءة الجمهور ((تُخْرجون)). وابن ذكوان عن ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف: ﴿كَذَلِكَ تَخْرُجُونَ﴾ [الزخرف:١١] والمقصود هنا: تخرجون من الأرض يوم القيامة إلى محشركم، فكما أخرج النبات من الأرض وأحياها بعد موتها؛ كذلك يحييكم بعد ما تكونون تراباً رميماً وعظاماً. والله سبحانه هو الذي خلق الأزواج كلها، وخلق من كل شيء زوجين: من الإنسان ومن الأنعام وحتى من النبات، وخلق الكفر والإيمان فكل هذه الأصناف والأنواع من خلق الله . قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ [الزخرف:١٢] أي: من السفن، ﴿وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢]. قال في آية أخرى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] فدلكم الله على فوائد هذه الأشياء، فركبتم الخيل والبغال والحمير، وخلق لكم وعلمكم كيف تصنعون السفن فركبتم عليها، وعلى السيارات، وركبتم ما خلقه الله لكم. فاستووا على ظهوره، واشكروا نعمة الله الذي هداكم لذلك لعلكم تشكرونه وتعبدونه. نسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم. وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3214

تفسير سورة الزخرف [٩ - ١٤] يذكر الله تعالى في سورة الزخرف اعتراف العباد سواء كانوا مؤمنين أو كافرين بأن الله هو الخالق والرازق، ولكن من الناس من يضله الله فيشرك مع الله إلهاً آخر، ثم يذكر الله بعض نعمه على عباده، ويعلمهم دعاءً يقولونه أثناء الركوب على الدابة، ليعلم الإنسان أنه إلى ربه منقلب وراجع.

стр. 3215

تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) الحمد لله رب العالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله في سورة الزخرف: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:٩ - ١٤]. في هذه الآيات من سورة الزخرف يذكر لنا ربنا قدرته العظيمة على الخلق والإيجاد، التي عرفها الخلق جميعهم المؤمنون منهم والكافرون أيضاً، فلئن سألت هؤلاء الكفار الذين يشركون بالله سبحانه: من خلق السموات والأرض؟ لاعترفوا بأنه الله سبحانه، سواء صرحوا بذلك بألسنتهم أو أنهم أخفوا وكذبوا فيما يقولون، وقد جعلوا صفات الله العظيمة لغير الله سبحانه كما يقول الملحدون: الطبيعة خلقتنا، الصدفة أوجدتنا, فإذا سئلوا عن هذه الطبيعة وهذه الصدفة التي توجد: هل فيها قوة؟ هل عندها علم؟ هل لها صفات الإيجاد؟ فأعطوا هذه الطبيعة وهذه الصدفة قوة الله وقدرة الله وصفات الله , فهربوا من أن يقولوا: الله، وقالوا: غيره، وأعطوا لغير الله الذي لا يكون إلا لله سبحانه, فهم إن أظهروا وقالوا: الله الذي يفعل ذلك اعترفوا وقالوا الحق, وإن أضمروا فقد كذبوا في الظاهر، ولكن الله يشهد على ما في قلوبهم من أنهم يعرفون الله سبحانه ولكنهم يجحدون آياته . وكان الكفار في عهد النبي ﷺ يعترفون ويقرون، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، بل كان أحدهم يذهب إلى النبي ﷺ ويقسم عليه ويقول: إني سائلك ومشدد عليك -يعني في السؤال- ويسأل النبي ﷺ : أسألك بالذي خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق الجبال، وخلق البحار، آلله أرسلك؟ فهم في كفرهم يعرفون أن الله هو الذي خلق السماوات، وخلق الأرض، وخلق الجبال، وخلق الأشجار، وخلق البحار، وخلق الأنهار، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد:١٦] , فكانوا يقولون ذلك للنبي ﷺ , وإذا سألهم ﷺ : من الذي خلقهم؟ ومن الذي يرزقهم؟ ومن الذي يرجون نفعه وضره؟ أخبروا أنه الله الذي في السماء , فالاعتراف بأن الله هو الرب القادر لم يكن المشركون يجادلون فيه، ولم يكن هناك جدال في أن الرب قادر وخالق وواحد، وأنه على كل شيء قدير، لم يكن عندهم خلاف في ذلك, إنما كان كلامهم ومخالفتهم للنبي ﷺ في أنهم من يعبدون؟ هل يعبدون هذا الرب العظيم الذي خلق وأوجد وقدر وعلم أو يعبدون غيره؟ فكانوا يعبدون غيره؛ لأنهم يقولون: هي التي تقربنا إلى الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علو كبيراً, فهنا القرآن يشهد عليهم بأنهم أقروا بذلك، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف:٩] علموا أن الله عزيز وأن الله عليم ومع ذلك عبدوا غيره سبحانه.

стр. 3216

تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً) قال الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠]. من آيات قدرته ، ومن عظيم نعمته، ومما تفضل به على عباده، أن رحمهم وأراهم رحمته: ((الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا)) أي: سواها لكم وجعلها مستوية تقدرون على أن تقفوا فوقها، وعلى أن تناموا عليها، وعلى أن تقعدوا وتسيروا وتذهبوا في فجاجها، سواها لكم ومهدها لكم وفرشها لكم، ومنعها من أن تميد بكم بما جعل فوقها من جبال رواسٍ. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ [الزخرف:١٠] أي: طرقاً تسيرون فيها وتذهبون إلى معايشكم، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الزخرف:١٠] أي: تهتدون حين تعرفون هذا طريق كذا، وهذا طريق كذا، فلم يدع الطرق جميعها طريقاً واحدة فيضيق عليكم، ولم يجعلها كلها مشتبهة فتضلون فيها، ولكن ميز لكم بين هذا وهذا؛ لعلكم تهتدون إلى طريقكم في ذهابكم إلى معايشكم، فإذا اهتديتم في الدنيا إلى معاشكم، كذلك تهتدون أن الذي جعل ذلك كله وخلقه وأوجده هو الله الذي يستحق العبادة، فلعلكم تهتدون لعبادته مما ترون من عظيم نعمه وآلائه وآياته سبحانه، ولعلكم تهتدون إلى ربكم فتعبدونه وحده.

стр. 3217

تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر) قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] فأرانا من آياته العظيمة سبحانه أنه نزل من السماء ماء بقدر، قال سبحانه: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد:٨] فهو ينزل الماء من السماء أطناناً، تنزل على العباد في كل لحظة أطنان من الماء، لو أنه كثفها فجعلها في مكان واحد ونزلت على العباد لكانت طوفاناً على العباد وأغرقتهم، ولكن الله بفضله الكريم سبحانه جعلها موزعة على شكل قطرات على العباد حتى لا يهلكهم بذلك, ولو شاء لأنزلها جليداً من السماء فدمر العباد وكسر رءوسهم به، ولكن الله برحمته سبحانه ينزل من السماء ماء مباركاً على العباد غيثاً لهم, وينزله لهم رحمة منه بقدر ما يحتاجون، وعلى القدر الذي لا يهلكهم به ، إلا أن يشاء له شيئاً، والله على كل شيءٍ قدير. وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا﴾ [الزخرف:١١] أي: فأحيينا. قال تعالى: ﴿بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] كما ترون الأرض الميتة يحييها الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٣٣] هذه الأرض الميتة أحياها الله ، وأخرج منها الثمار، وأخرج منها الحبوب، ورأيتم كيف كانت مقفرة فصارت زاهرة مثمرة، تخرج ما فيها من ثمار، كذلك يخرج لله أجسادكم وأبدانكم من الأرض بعد أن تموتوا وتذهب هذه الأجساد، وتذهبون إلى ربكم سبحانه، كذلك يحييكم مرة ثانية، قال: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف:١١] من قبوركم بعد أن صرتم رميماً وعظاماً.

стр. 3218

تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون) وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] أي: جميع الأصناف وجميع الأجناس، وجميع الأنعام، وجميع النعم، التي أخرجها الله سبحانه أنواعاً وأصنافاً وأجناساً، جعل لكم آية فيه، وجعل لكم نعمة فيه. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] أي: أوجد لكم وخلق لكم وهداكم في تفكيركم إلى أن تصنعوا هذه الأشياء، فجعل لكم الفلك تصنعونها، وعلم نوحاً كيف يصنع الفلك، فإذا بالعباد يصنعون كما صنع عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام, وهداهم الله إلى أن صنعوا السيارات والطائرات والصواريخ، وجعل لهم ما يركبونه ، وسخر لهم ذلك حتى يذكروا نعمة الله، فسخر لنا الخيل والبغال والحمير، وجعلها لنا للركوب وجعلها لنا زينة، قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل:٨] , ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ﴾ [الزخرف:١٢] أي: السفن، ﴿وَالأَنْعَامِ﴾ [الزخرف:١٢] أي: بهيمة الأنعام، والأنعام تطلق على ثلاثة أشياء: على الإبل، وعلى البقر، وعلى الأغنام، فكأن هذا من العموم الذي يراد به الخصوص، فهنا الأنعام ليست كلها تركب، ولكن الذي يركب منها الإبل، وقد يركب الإنسان شيئاً آخر على وجه الندرة، ولكن لم يخلق لذلك ولذلك جاء في حديث في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحراثة) بقرة تتكلم في الحديث يخبر النبي ﷺ أن رجلاً ركب على بقرة، وبينما هو يمشي بها، إذا بالبقرة تلتفت إليه وتقول له: لم أخلق لهذا، إنما خلقت للحراثة، وليس للركوب، فتعجب الناس وقالوا: بقرة تتكلم! فقال النبي ﷺ : (آمنت به أنا وأبو بكر وعمر) وما في القوم أبو بكر ولا عمر، ولكن أراد النبي ﷺ أن يري الصحابة قوة إيمان أبي بكر وعمر؛ لأن ما يخبر به النبي ﷺ هو الحق، وما ينطق عن الهوى صلوات الله وسلامه عليه، فإن تعجبتم أنتم فإن أبا بكر وعمر لا يتعجبان، وإنما يصدقان ذلك, قال: (آمنت به أنا وأبو بكر وعمر، وأخذ الذئب شاة فتبعها الراعي فقال له الذئب: من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري) , وتعجب الناس ذئب يتكلم! قال: النبي ﷺ : (آمنت به أنا وأبو بكر وعمر وما في القوم أبو بكر ولا عمر)، هذا من الأشياء العجيبة والله يخلق ما يشاء ، وقد جعل الحيوان أعجم لا ينطق ولا يتكلم، ولكن يرينا آية من الآيات أن ينطق هذا الأعجم، قال تعالى: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنكِرُونَ﴾ [غافر:٨١] فهاتان آيتان: بقرة تكلمت وقالت: لم أخلق للركوب، وهذا الشاهد في هذا الحديث مع هذه الآية أن الله جعل لكم من الفلك والأنعام، وليس الأنعام جميعها بل جعل لكم (منها) أي: بعضها خاصة الإبل تركبونها دون غيرها، وهناك حديث رواه أبو نعيم في الدلائل عن أهبان بن أوس وهو صحابي وكان يلقب بمكلم الذئب, يعني: الذي كلمه الذئب ورد عليه، وحدثت قصة عجيبة لهذا الصحابي الفاضل يقول: (كنت في غنم لي، فشد الذئب على شاة منها) هذا الرجل سبب إسلامه أنه كان مع أغنام له، والذئب شد على شاة منها، أي: أنه أخذها وخطفها، قال: (فصحت عليه فأقعى الذئب على ذنبه يخاطبني) عجيب هذا الشيء! الذئب قعد على ذنبه مثلما يقعد الإنسان على مقعدته يكلمه ويقول له: (من لها يوم تشتغل عنها؟ تمنعني رزقاً رزقنيه الله تعالى؟ قال: فصفقت يدي) يعني: متعجب، ذئب يتكلم! هذا شيء عجيب وكان كافراً قبل ذلك وقال: (قلت: والله ما رأيت شيئاً أعجب من هذا، فقال: أعجب من هذا, رسول الله ﷺ بين هذه النخلات يدعو إلى الله قال: فأتى أهبان إلى النبي ﷺ فأخبره وأسلم) , فهذه آية من آيات الله ، وليس كل الصحابة رأوا هذا الشيء، فآيات الله لو أنها آية عامة وكذب بها الناس لأهلك الله الناس وهذه عادة الله في عباده؛ أنه إذا أرسل آية للجميع فرأوها وعرفوها ثم لم يؤمنوا بها أتاهم العذاب من عند الله ، ولكن يُري هذا الآيات البعض من الناس، لتكون حجة على هذا الذي رآها. ويخبر البعض أنه رأى الحصى يسبح بين يدي النبي ﷺ ، والنبي ﷺ يقول: (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) صلوات الله وسلامه عليه، ورأى بعضهم السحابة تظل النبي ﷺ وهو يسير، وعرفوا أنه نبي صلوات الله وسلامه عليه، ورأى بعضهم انشقاق القمر لما طلبوا آية من النبي ﷺ يرونها، فأشار إلى القمر وانشق القمر فلقتين، فلقة أمام الجبل وفلقة وراء الجبل، ولكن كانت آيات للبعض وليست للجميع رحمة من رب العالمين . فقوله سبحانه: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [الزخرف:١٢] أي: الأجناس والأنواع والأصناف كلها، وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ﴾ [الزخرف:١٢] أي: ما تركبون عليه.

стр. 3219

تفسير قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره) قال الله تعالى: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: لتركبوا على ظهور الإبل، وعلى ظهور السفن، والسيارات وغيرها: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف:١٣] إذاً: الإنسان لا يأخذ النعمة وينسى ربه ، بل لابد أن تأخذ النعمة وتؤدي حق هذه النعمة عليك، بأن تشكر ربك . يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا﴾ [الزخرف:١٣] هاهو الله علمكم ما الذي تقولونه حين تركبون الدواب وحين تركبون ما خلقه الله لكم، قال تعالى: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] إذاً: هذه سنة الله سبحانه التي ذكرها في كتابه، وحين تركبون دابة من الدواب وحين تركبون على ظهور ما خلقه الله لكم تقولون: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] يعلمنا ربنا سبحانه ويعلمنا النبي ﷺ الأذكار، وذكر الله يقول الله عنه: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فتذكر ربك سبحانه ليل نهار، وتذكر ربك وأنت في بيتك، وحين تأوي إلى فراشك، وحين تأتي إلى أهلك، وحين تدخل بيتك، وحين تخرج منه، وحين تذهب إلى المسجد، وإلى عملك، وحين تركب الدابة. هذا الذكر الذي ذكره الله في هذه الآية يذكرنا بأن سفر الإنسان سفران: سفر في الدنيا من بلد إلى بلد, وسفر آخر طويل إلى الله حتى تصل إلى الجنة في النهاية، فيقول سبحانه: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، فحين تخرج من بيتك مسافراً وتريد أن ترجع إلى بيتك لا تنس بيتك الأصلي الجنة، التي أهبط منها آدم فترجع إليها مرة أخرى، وكما أنك في سفرك تتزود بطعام وشراب ونفقة، فتزود للسفر الأكبر حتى ترجع إلى الجنة بتقوى الله سبحانه، فيذكرنا الله في كتابه دائماً بسفر الآخرة, فلما ذكر الله الحج قال: ﴿وتَزَوَّدُوا﴾ [البقرة:١٩٧] ثم ذكرنا أننا مسافرون إليه، قال تعالى: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة:١٩٧] , وعندما يذكرنا الله أنه أنعم على العباد وأنزل عليهم لباساً وريشاً قال: ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف:٢٦] وعندما تذكر وأنت تلبس الثياب أن الله خلقها لك لتتزين بها وتتجمل بها، فتذكر لباساً هو أعظم من ذلك؛ لباس التقوى، قال الله : ((ذَلِكَ خَيْرٌ))، فدائماً تستدل بما أوجده الله لك على ما أخبرك عنه وغاب عنك من أمر الآخرة. فقوله تعالى: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هذا﴾ [الزخرف:١٣] سبحان: مصدر ومعناها أسبح الله تسبيحاً؛ لأن هذه الكلمة تغني عن جملة؛ لأن أصلها تسبيحاً لله: وهو مصدر أغنى عن جملة أصلها أسبح الله تسبيحاً عظيماً، وبدل هذه الجملة كلها كلمة سبحان الله أي: أنزه الله وأقدسه، فهو الذي ينزه عن كل عيب ونقص وشين ، وما أعجب خلقه ! فهو خلق عظيم وعجيب، فالإنسان يركب هذه الدواب ليس بقدرته، ولكن الله هو الذي سخرها له ليركب عليها، وهي أقوى منه بكثير, فالحمار يحمل ما لا يقدر الإنسان أن يحمله، فهو أقوى من الإنسان بكثير، فلو أنه غضب على صاحبه لعضه ورفسه وأهلكه، ولكن الله يذلِله ويسخره، فلا يتسلط الإنسان ويتكبر فيسلط الله الحيوان عليه. فلذلك الإنسان حين يركب الدابة عليه أن يذكر نعمة الله، وحين يركب على الحصان فلا يركب زهواً وفخراً وكبراً وخيلاء، أو يركب على الجمل فيرى نفسه أعلى من الناس وفوق الناس، فإن الله قد يكبه على وجهه، وكم من راكب ركب على جمل وعلا فوق الناس فإذا بهذا الجمل يعثر في الطريق في حفرة لفأر، وهذا من أشق الأشياء على الجمل، فلو أن حفرة فأر في الأرض وطئها الجمل لو قع الجمل، ويذكر العلماء قصصاً كثيرة في هذا المعنى، فيقول بعض أهل العلم في ذلك: يقول سليمان بن يسار: أن قوماً كانوا في سفر فكانوا إذا ركبوا قالوا: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]، وفيهم رجل على ناقة له رازم، أي: أنها بطيئة وضعيفة وهزيلة فكان يقول: إنها ناقة رازم، وليست محتاجة لهذا الذكر، أي: كل الذين يركبون الجمال يقولون: سبحان الذي سخر لنا هذا، لأن جمالهم عظيمة وقوية وجمله ضعيف، وهو الذي يمسكه، فهو ليس محتاجاً أن يقول: هذا الذكر، قال: أما أنا فإني بهذا لمقرن، قال: فقنصت به فدقت عنقه. فالإنسان حين يغتر ويرى أنه قادر يسلط الله عليه ما يهلكه، وانظر إلى مروضي الثعابين والأسود والنمور في السيرك ترى العجب من هؤلاء، عندما يغتر ويحس أن الأسد تحت يده يتسلط عليه الأسد ويمزقه, وكم من مرة يركب على هذا الأسد ويضربه بالكرباج ويعمل فيه، فإذا به يفعل بصاحبه ما فعله به ويمزقه. ورجل آخر يمسك التمساح ويلعب به، ويصل به غروره إلى أن يضع رأسه داخل فم التمساح، فإذا بالتمساح يطبق على رأسه. فالإنسان حين يغتر ويرى نفسه أقوى ما في الكون، يسلط عليه هذا الذي يتقوى عليه، فلا تغتر وقل: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وقس على ذلك حين تركب السيارة، ولا تقل: هذه سيارة اشتريتها الآن وتنسى الله ، فقد تسرع شمالاً ويميناً فإذا بها تدمر وتنقلب بصاحبها ويهلك ويهلك معه من خلق الله ما يعلمه الله ، إياك والغرور, فالسيارة تسير برحمة الله فلا تغتر، وقل ذكر الله : فإن الذي خلق لها هذه القوانين التي تسير بها هو ربها سبحانه، والقادر على أن يسيرها بغير قوانينها هو الله , فلابد للسائق أن يقول: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤]. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 3220

تفسير سورة الزخرف [١٢ - ١٨] امتن الله تعالى على عباده بخلق جميع الأصناف والأنواع، وجعل من تلك الأصناف الفلك التي تحمل الإنسان للسفر والتجارة، والأنعام التي يركب عليها ليبلغ حاجته، ومن تمام شكر نعمة الله تعالى أنه إذا استوى الإنسان على ظهر مركوبه تذكر تلك النعمة ونزه الله تعالى عن النقص والاحتياج إلى خلقه، لكونه هو الذي سخر تلك الدواب ولو لم يسخرها لما ستطاع الإنسان إمساكها وتذليلها.

стр. 3221

تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وما كنا له مقرنين) الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين. قال الله : ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ * وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ * أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٢ - ١٨]. يخبر الله تعالى أن من آياته الدالة على قدرته أنه خلق للعباد الأصناف التي يحتاجون إليها وسخر لهم الفلك، وسخر لهم الأنعام: منها ما يأكلون، ومنها ما يركبون، ومنها ما يستفيدون من أصوافها وأوبارها، وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين، ويخلق لهم ما يعلمون وما لا يعلمون. ويذكرهم أن إذا ركبتم هذه الأنعام التي خلقها الله سبحانه، وعلمتم أنكم وحدكم لا تقدرون عليها إنما يقدركم الله على ذلك. وقد أراكم كيف ذلل لكم الخيل والحمير، وكيف ذلل لكم الأنعام من الإبل والبقر والأغنام، وكيف صعب عليكم سياسة الأسود، والنمور وغير ذلك مما خلق الله ، وأراكم آياته في ذلك، ولو شاء الله لجعل المسخرة المذللة نافرة وحشية كما جعل غيرها كذلك، ولكن الله شاء بفضله ورحمته أن يسهل عليكم حتى تذكروا نعمة الله سبحانه، وتشكروه ولا تكفروه، ولا تغفلوا عنه وتقولوا: ﴿سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف:١٣] أي: سبحان الله الذي جعل لنا هذه الأشياء تحت أيدينا مع قوتها العظيمة فنسوقها ونسوسها، ونركب عليها. قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف:١٣] أي: نتبرأ من الحول والقوة، فنحن لا نقدر عليها ولا نطيق هذه الأشياء إلا أن يقدرنا الله . ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٤] فيتذكر العبد أنه راجع إلى الله، وأن الله سائله عن هذه النعم ما الذي صنع فيها؟ فمن شكر الله سبحانه زاده قال تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧] ولذلك علم النبي ﷺ أصحابه الذكر الذي يقولونه حين يركبون الدواب وهو: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون الحمد لله الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر). وكذلك علمنا دعاء السفر وهو: (اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إنا نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في الأهل والمال والولد). وإذا رجع من السفر قال: (آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون). كذلك كان من دعاء النبي ﷺ في سفره: (أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق) ويخبر أن الذي ينزل منزلاً ويقول ذلك: (لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله هذا) وهذا الذكر العظيم يقوله المؤمن بالليل وبالنهار، ويقوله إذا نزل منزلاً، ويقوله إذا خاف من إنسان أو من أي شيء. فإذا قال ذلك لا يضره شيء بإذن رب العالمين سبحانه. وكذلك جاء عن النبي ﷺ أنه إذا كان في سفر وجاء وقت السحر قال: (سمع سامع بحمد ربنا وحسن بلائه علينا، ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذاً بالله من النار) فتذكر الله حين تركب الدابة، وحين تنزل عنها، وحين تسير أو تقف، وحين تنام فيكون المؤمن في كل أحواله ذاكراً ولا يغفل عن ربه . تذكر الله تعالى؛ لأنه الذي أعطاك القوة والقدرة والصحة، والعافية. فإذا نمت فتذكر أن الله هو الذي قدرك على أن تضع رأسك على الوسادة وتنام، وغيرك يضع رأسه عليها ولا ينام، فهذه نعمة من الله أنعمها عليك، وإذا أردت أن تعرف نعمة الله عليك، فانظر إلى أهل الابتلاء. وانظر لإنسان أصيب بالشلل في رجله كيف يمشي وقد أمسك العكاز في يده ويعد الخطوات، ونحن نذهب إلى المسجد وإلى السوق، لكن غيرنا ممن سلب الله منه شيئاً، وجعله آية لغيره يفكر مائة مرة أين سيضع رجله فوق الرصيف ومن أين سينزل؟! فهذه من نعم الله سبحانه التي أمرنا أن نحمده ونشكره عليها، فإذا سرت ذكرت أن الله هو الذي أقدرك على المسير. وإذا أنفذت أمراً تفكر أن الله هو الذي قدرك على التنفيذ. وإذ قمت من النوم ووجدت أعضاءك سليمة وغيرك محتاج إلى من يقيمه عرفت نعمة الله تعالى عليك. ومعنى الذكر الذي كان يقوله النبي ﷺ في سفره وقت السحر اسمعوا كلكم نحن نثني على ربنا ونحمد ربنا ولا نكفره ، وهو قد ابتلانا وأحسن فيما ابتلانا به. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥] فأعطاك النعم، وابتلاك بها لينظر أتشكره أم لا؟ وابتلاك بالمصائب لتصبر أم لا؟ فيقول النبي ﷺ : الله أحسن بلاءه علينا، واختبرنا فأحسن الاختبار، وأعطانا وأفضل علينا سبحانه. ثم دعا ربه: (ربنا صاحبنا) أي: كن معنا دائماً. والله مع جميع خلقه سبحانه ﵎، ولكن فرق بين معية ومعية، فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨] فهو معهم برحمته وبتأييده، ومعهم بنصره، وفضله وتوفيقه. والله مع الكافر رقيب عليه وشهيد ويحفظ أعماله. فلذلك هنا يقول: ربنا صاحبنا أي: كن معنا بتوفيقك وفضلك ورحمتك وأعطنا من فضلك وبركاتك وبرك ورزقك ونعوذ بك من النار. كذلك جاء في القرآن أن يقولوا عند ركوبهم: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:١٣ - ١٤] وسواء كان الركوب للدابة أو السفينة أو ما كان مثلها. وكذلك تقول: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون:٢٩] وإذا تحركت قل: ﴿بِاِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [هود:٤١]. فاذكر الله تعالى في كل الأحوال: إذا صعد بك المركب أو السفينة أو الطائرة أو السيارة، وإذا كنت على مكان مرتفع واستشعرت فوقيتك فتذكر أن الله أكبر منك، وأكبر من كل شيء. وكان من هدي النبي ﷺ (أنه إذا صعد ثنية أو شرفاً قال: الله أكبر، وإذا كان في نزول قال: سبحان الله)، وهذا ذكر عظيم ومناسب للحال التي هو فيها. فالله لا ينقصه ولا يعيبه شيء فتنزهه بقول: سبحان الله أما الإنسان فيعيبه أشياء كثيرة فيصعد، ويأبى الله أن يرفع أحداً إلا ووضعه بعد ذلك، فلا يزال في الصعود والنزول في الدنيا إلى أن يدفن في التراب. فإذا قال حين ينزل: سبحان الله أي: سبحان الذي شأنه كله عال وعظيم، ولا يحط من قدره شيء فلذلك ناسب في النزول أن تقول: سبحانه الله، ولذلك كان ذكر الركوع والسجود سبحان الله لكونهما هيئتي تواضع وذل. أما أشرف الذكر في القيام فهو قراءة القرآن.

стр. 3222

تفسير قوله تعالى: (وجعلوا له من عباده جزءاً) ثم قال الله سبحانه: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] جعل: لها معاني كثيرة في اللغة: منهم من ذكر عشرة معاني. ومنهم من جعلها ثمانية عشر معنى. فمن تلك المعاني: خلق، وصير، وحول، وسمى ووصف، وهذا معناها في هذه الآية. فيكون معنى: (وجعلوا له) سموا لله تعالى من عباده جزءاً، فقالوا: الملائكة بنات الله. قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف:١٥] ويعنون بـ (جزءاً) أن الإنسان حين يملك الولد أو البنت يقول: هذا جزئي، هذا بعضي؛ لأنه من مني الرجل ومن بويضة المرأة. فالابن جزء من أبيه وأمه وكسب لهما كذلك. ولكي يبقى جنس الإنسان في هذه الدنيا جعل الله له التناسل؛ لأن الإنسان ضعيف، ويأتي عليه الموت. لكن الله القوي العظيم العزيز الدائم الحي القيوم سبحانه لا يحتاج إلى ذلك. فإذا بالمشركين يدعون أن لله جزءاً أي: ولداً فيفترون عليه الكذب. ومع ذلك ينسبون إليه ما تأنف مثله أنفسهم، وهن البنات. فقال يكذبهم: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف:١٩] لما قالوا: الملائكة بنات الله، كيف عرفوا ذلك؟ ولماذا اختاروا لهم صفة الأنوثة دون صفة الذكورة؟! ولماذا زعموا أن البنات لله واختاروا لأنفسهم البنين؟! قال تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ﴾ [الزخرف:١٥] أي: عظيم الكفر والجحود، وكأن ذلك طبع جنس الإنسان إلا من رحم الله، ففي طبيعة كل إنسان شيء من الكفر، والكفر قد يكون كفر النعمة بأن ينسى المنعم العظيم ، وينسب الفضل إلى غير الله. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥]. وقال: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:٣٤] فكل إنسان فيه شيء من كفر النعمة وجحودها، فإذا زاد وصل إلى الكفر بالله .

стр. 3223

القراءات في قوله تعالى (وجعلوا له من عباده جزءاً) في قوله تعالى: (وجعلوا له من عبادة جُزْءاً) أربع قراءات: هذه قراءة الجمهور. ويقرؤها شعبة عن عاصم: (وجعلوا له من عباده جُزُءاً). ويقرؤها أبو جعفر: (وجعلوا له من عباده جُزَّا) بحذف الهمزة. وإذا وقف عليها حمزة قرأ: (وجعلوا له من عباده جُزَا) قال تعالى: ((إِنَّ الإِنسَانَ)) أي: جنس الإنسان فيه جحود بنعم الله إلا من رحم الله سبحانه، ومن عصم من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ومن عباده الصالحين. قال سبحانه: ﴿لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف:١٥] يعني: وهذا كفر واضح بين في كل إنسان، ففي وقت المصيبة ينقم على القضاء والقدر، وفي وقت النعمة يغفل عن حمد الله وشكره سبحانه.

стр. 3224

تفسير قوله تعالى: (أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين) ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦] أم هنا الإضرابية المنقطعة المقدرة ببل والهمزة والتقدير: بل أاتخذ، أي: هل فعل ذلك الله ؟! ومن أين عرفتم؟! هل شهدتموه أم أخبركم من تثقون به؟! وهذا الذي يقول ذلك على الله إذا جاءته أنثى وأدها ودفنها حية ثم يقول: هي من بنات الله. ثم يزعم أن له البنين، فيشرف نفسه ويجعل لله ما يأنفه. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ [الزخرف:١٦] يعني: هل اختار لكم البنين؟ وإذا كان لكم البنون فمن أين يأتي النسل بعد ذلك إذا رفضتم الإناث؟!

стр. 3225

تفسير قوله تعالى: (وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً) قال تعالى واصفاً حالهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [النحل:٥٨] وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ [الزخرف:١٧] ففي الآية الأولى التصريح بالأنثى. أي: إذا أخبر أحدهم أنه قد ولد له بنت اسود وجهه وتجهم وغضب، ثم يسكت ويكظم الغيظ وينوي الشر بقتلها.
следующие страницы →